← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14103

التمهيد في أصول الفقه

أبو الخطاب الكلوذاني

Полный текст (1 668 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

التمهيد في أصول الفقه

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ رب يسر وأعن (يا كريم) ١ - قال الشيخ الإمام العالم (العلامة)، أبو الخطاب، محفوظ بن أحمد الكلوذاني ﵀ (ورضي عنه): ينبغي أن يعلم ما الفقه، وما أصوله حتى يتكلم فيه، فإن الإنسان لا يتكلم في شيء حتى يعرفه. ٢ - أما الفقه فله معنيان، معنى في الشرع، ومعنى في اللغة. فأما معناه في اللغة: فهو الفهم والمعرفة، يقال: ((فقهت)) كلامك إذا عرفته وفهمته، ويقال: فقهت الكلام أي عرفته وفهمته وعلمته، كل ذلك بمثابة واحدة، وكذلك قوله تعالى: " وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ". أي لا تعرفون ولا تفهمون، فهذا معناه في اللغة.

стр. 3

٣ - وأما معناه في الشرع: فهو العلم بأحكام أفعال المكلفين الشرعية دون العقلية. مثل الحلال، والحرام، والحظر، والإباحة، وصحة العقد، وفساده، وما أشبه ذلك. فأما قولنا: "العلم بأحكام أفعال"، فنريد به ما علمناه بالشرع إما بيقين، أو غالب ظن. وأما قولنا: "بأحكام أفعال"، فنريد به الأحكام دون الأفعال لأنه لو كانت الأفعال هي الأحكام لما أضيفت لأن الشيء لا يضاف إلى نفسه.

стр. 4

وأما قولنا: "الشرعية"، فنريد به: ما استفدناه بالشرع إما بإقراره على ما كان عليه قبل الشرع، أو بنقله عن ذلك الأصل إلى غيره، مثل الدية كانت قبل الشرع مائة منا لإبل، فلما جاء الشرع أقرها على ذلك، ومثل الظهار والإيلاء كانا طلاقاً في الجاهلية فنقلهما إلى غيره، أما الظهار فجعله تحريماً، والإيلاء جعله يميناً. وأما الحلال والحرام والحظر والإباحة وصحة العقد وفساده وما أشبه ذلك فيأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى. ٤ - وأما أصول الفقه فله معنيان: معنى في العرف، ومعنى في اللغة. فأما معناه في اللغة: فهو ما يبنى عليه الفقه وما يتفرع منه.

стр. 5

وأما معناه في العرف بين الفقهاء فهو: الأدلة والطرق ومراتبها وكيفية الاستدلال بها. ٥ - فصل: أما الأدلة فهي أصل ومعقول أصل واستصحاب حال. فأما الأصل: فهو الكتاب والسنة والإجماع وقول واحد من الصحابة (في) إحدى الروايتين عن أحمد. وأما (معقول) أصل فهو: لحن الخطاب وفحوى الخطاب ومعنى الخطاب ودليل الخطاب. وأما استصحاب حال، فاستصحاب حال العقل واستصحاب حال الإجماع.

стр. 6

٦ - فصل: فأما الكتاب فدلالته من أربعة أوجه: نص، وظاهر، وعموم، ومجمل. وأما السنة فدلالتها من ثلاثة أوجه: قول، وفعل، وإقرار عليهما. وأما الإجماع فعلى ضربين: عام، وخاص. وأما قول واحد من الصحابة، فإن قلنا إنه حجة، فدلالته دلالة السنة، وإن قلنا إنه ليس بحجة فيسقط. ٧ - فصل: فأما النص فصفته أن يكون صريحاً فيما ورد فيه مثل قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ فهذا نص في أن الزاني يجب عليه الحد، وليس بنص في صفة الزاني هل يكون بكراً أو ثيباً، ومثل قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ ١ ب/ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ وهذا نص في إيجاب العدة وليس بنص في صفة الأقراء هل هي الحيض أو الأطهار. وحكم هذا أن يجب المصير إليه ولا يجوز العدول عنه إلا أن يرد ما ينسخه. ٨ - فصل: وأما الظاهر فهو: ما احتمل أمرين هو في أحدهما أظهر من الآخر.

стр. 7

وهو على ضربين: ظاهر بالوضع، وظاهر بالدليل. أما الظاهر بالوضع فهو على ضربين: وضع بالشرع ووضع باللغة. فأما الظاهر بوضع الشرع فهو: مثل الصلاة والصيام فإن الصيام هو إمساك مخصوص في زمان مخصوص، وكذلك الصلاة. وأما وضع اللغة فهو: يمثل مثل الأمر يحتمل الإيجاب ويحتمل الندب والاستحباب إلا أنه في الإيجاب أظهر، ومثل النهي يحتمل التحريم ويحتمل الكراهة، إلا أنه في التحريم أظهر. وحكم هذا أن يجب المصير إليه، ولا يجوز العدول عنه إلا بدليل. وأما الظاهر بالدليل: فمثل قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ ومثل قوله عز اسمه ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ فإن هذا ظاهره ظاهر الخبر، غير أنا حملناه على الأمر بدليل أنا لو حملناه على ظاهره لأدى أن يكون خبر الله خلاف مُخبره. لأنا نجد الوالدات يرضعن أولادهن أكثر من حولين وأقل من حولين، ونرى المصحف يمسه الطاهر وغير الطاهر فحملنا قوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ أي يجب على الوالدة أن ترضع الولد. وحملنا قوله: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ أي لا يجوز أن يمسه إلا المطهرون.

стр. 8

٩ - فصل: وأما العموم فهو: كل ما عم اثنين فصاعداً، وكان الأمر به لكل واحد منهما (أمراً) على الآخر. وألفاظه أربعة: لفظ الجموع كقولك: المسلمين والمجرمين والمشركين وما أشبه ذلك. ولفظ الجنس كقولك: الرجال والنساء والبقر والدواب وما أشبه ذلك. واللفظ الثالث: "من" لمن يعقل، و"ما" لما لا يعقل، و"أين" في المكان، و"متى" في الزمان، و"أي" فيهما. والرابع: لفظ منفرد إذا دخله الألف واللام كقولك: الزاني والسارق، فإن هذا يستغرق الجميع. وحكم هذا أن يجب المصير إليه، ويحمل على عمومه إلا أن يرد دليل يخصه. ١٠ - فصل: وأما المجمل فهو: كل لفظ لا يعرف معناه منه، وقيل: لا يعرف معناه من (لفظه)، والأول أصلح، لأنه يرجع إلى لفظه.

стр. 9

وهو على ضربين: لا عرف له في الشرع، ولا في اللغة. وهو مثل قوله عز اسمه: ﴿وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ فإن هذا الحق ليس له عرف في الشرع ولا في اللغة. وحكم هذا أن لا يجوز المصير إليه حتى يرد ما يفسره. ومجمل له عرف في اللغة هو مثل الصلاة والزكاة والحج، فإن الصلاة لها معنى في اللغة وهو الدعاء، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. أي ادع لهم. وكذلك قال الشاعر وهو الأعشى ٢/أ: تقول بنتي وقد قربت مرتحلا ... يا رب جنب أبي الأوصال والوجعا عليك مثل الذي صليت (فاغتمضي) ... نوماً فإن لجنب المرء مضطجعا

стр. 10

وأما الزكاة فمعناها في اللغة: الزيادة والنماء، يقال زكا المال: إذا نما، وكذلك الحج معناه في اللغة: القصد، يقال: أحج إليكم كل عام: أي أقصد. فحكم هذا أن لا يصار إليه حتى يرد دليل يفسره. وقد اختلف أصحاب الشافعي فمنهم من قال مثل قولنا، ومنهم من قال: هو عام في جميع الأشياء، وقال أحمد ﵀ في كتاب طاعة الرسول: لا يجوز العدول إلى هذا حتى يرد ما يفسره. ١١ - باب السنة: قد بينا أن دلالتها من ثلاثة أوجه: قول وفعل وإقرار عليهما. فأما القول فعلى ضربين: قول خرج منه ابتداء، وقول خرج منه على سبب. فأما القول الذي خرج منه ابتداء فدلالته كدلالة الكتاب من أربعة أوجه: نص وظاهر وعموم ومجمل.

стр. 11

فأما النص: فصفته أن يكون صريحاً فيما ورد فيه كقوله ﵇: "في أربعين شاة شاة"، وكقوله: "في كل خمس ذود شاة". فإن هذا صريح فيما ورد فيه، ولا يجوز العدول عنه إلا بما ينسخه. وأما الظاهر: فمثل قوله ﷺ : "صبّوا على بول الأعرابي دلواً من ماء". فإن الظاهر منها الإيجاب ولا يحمل على غيره إلا بدليل. وأما العموم: فمثل قوله ﷺ : "من بدل دينه فاقتلوه" فهذا عام في كل من بدل دينه، وحكمه أنه لا يجوز العدول عنه إلا بدليل يخصه. وأما المجمل: فمثل قوله ﷺ : "أُمرت أن أقاتل الناس حتى

стр. 12

يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها" وحقها لا يعلم ما هو. وحكم هذا أن لا يجوز المصير إليه حتى يرد ما يفسره. وأما القول الخارج على سبب فهو على ضربين: منه ما السبب شرط فيه (كالعلة) يوجد الحكم بوجودها ويعدم بعدمها، ومنه ما ليس السبب شرطاً فيه. فأما ما السبب شرط فيه: فمثل ما روي: "أن أعرابياً جاء للنبي ﷺ فقال: يا رسول الله هلكت وأهلكت، فقال: ما صنعت؟ قال: وقعت على أهلي في شهر رمضان، فقال: أعتق رقبة". فإن هذا سبب لا بد منه. وأما الذي ليس السبب شرطاً فيه: فمثل ما روي عن النبي ﷺ : "أنه سئل هل يجوز التوضئ بماء البحر؟ فقال: هو الطهور ماؤه، الحل ميتته". فإن هذا ليس بشرط لأنه لو كان ابتداء كان كلاماً مفيداً، وكذلك روي عنه ﵇: "أنه سئل عن الماء يكون بأرض فلاة

стр. 13

رابعة رجمك رسول الله ﷺ ، فسكت النبي ﷺ "، فصار كأنه قال ذلك. وأما الإقرار على الفعل، فمثل ما روي عن النبي ﷺ : "أنه رأى بلالاً يؤذن في منارة ويتبع وجهه هكذا وهكذا فلم ينكر عليه ذلك"، فصار هذا كأنه فعل من النبي ﷺ . ١٤ - فصل: وأما الإجماع: فهو إجماع علماء العصر على حكم حادثة، وهو على ضربين، إجماع عام، وإجماع خاص. فأما الإجماع العام: فهو مثل إجماعهم على الصلاة والزكاة وسائر العبادات والعقود جميعها من البيوع والإجارات والنكاح والمضاربات، فهذا إجماع عام. وحكم هذا أن يجب المصير إليه، ولا يجوز العدول عنه، فمن خالفه بعد العلم به فقد كفر بذلك.

стр. 14

وأما الإجماع الخاص: فهو قول الصحابي إذا انتشر بين الصحابة وأقروه على ذلك، ولم ينكر عليه واحد منهم. وهو مثل ما روي عن عمر ﵁: "أنه جلد الثلاثة الذين شهدوا على المغيرة" فأقروه على ذلك ولم ينكر عليه أحد منهم. ومثل ما روي عنه أيضاً أنه قتل الثلاثة الذين قتلوا الصنعانية، وقد قيل خمسة، وقيل سبعة فقيل له: (يقتل) جماعة بواحد؟ فقال: والله لو تمالأ عليها أهل صنعاء (لأقدتهم) بها فأقروه،

стр. 15

ومثل ما روي أن عثمان دخل على عمر وهو يخطب على المنبر فقال: أي ساعة هذه؟ ٢ أ/ فقال: سمعت الأذان فما لبثت أن توضأت وجئت. فقال: والوضوء أيضاً؟ وقد أمرنا رسول الله ﷺ بالغسل، ثم أقره على ترك الغسل، ولم ينكر عليه واحد من الصحابة ذلك، وهذا الإجماع الخاص. وقد اختلفوا هل يكون سكوتهم عن ذلك، وترك إنكارهم (الإجماع) حجة أم لا؟ وسنبينه فيما بعد إن شاء الله تعالى. ١٥ - فصل: فأما قول واحد من الصحابة، فإن قلنا إنه حجة. فدلالته كدلالة السنة، يخص به العموم ويقدم على القياس، وإن قلنا إنه ليس بحجة، فلا يخص به عموم، ولا يقدم على القياس، غير أنه يرجح به الأدلة، وسنبين أي الروايتين أصح فيما بعد إن شاء الله تعالى. ١٦ - فصل: وأما معقول أصل، فقد بينا أنه أربعة أشياء: لحن الخطاب، وفحوى الخطاب، ومعنى الخطاب، ودليل الخطاب.

стр. 16

فأما لحن الخطاب: فهو على أضرب: منه ضمير في اللفظ لا يتم اللفظ إلا به مثل قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، تقديره: فأفطر فعدة من أيام أُخر، وكذلك قوله تعالى: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ﴾، تقديره: فضرب فانفجرت، فهذا ضمير لا يتم اللفظ إلا به. ومنه حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، وهو على ضربين: منه ما لا يحتاج إلى دليل ومنه ما يحتاج إلى دليل. فأما ما لا يحتاج إلى دليل فمثل قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾. وكذلك قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ عيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ﴾ ((تقدير)) هذا وضميره واسأل أهل القرية، وكذلك عيسى ابن مريم قول الحق، صاحب قول الحق، فهذا لا يحتاج إلى دليل. وأما ما يحتاج إلى دليل فمثل قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ معناه أفعال الحج في أشهر معلومات، فانتقلنا إلى

стр. 17

الأفعال بدليل وهو قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾، وكذلك قوله تعالى: ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾، فإن من حمله على أرباب العظام يحتاج إلى دليل. وقد قيل إن لحن الخطاب هو معرفة الضمير من نفس الكلام بالذكاء ((والفطنة))، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ يعني بالذكاء، وكذلك قول الشاعر: منطقٌ صائبٌ وتلحن أحياناً ... وخير الكلام ما كان لحنا ١٧ - فصل: وأما فحوى الخطاب: فهو أنه ينص على شيء ينبه به على غيره، وهو يسمى مفهوم الخطاب، فأما ما ينص على شيء تنبيهاً به على غيره، فمثل قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا

стр. 18

أُفٍّ﴾ فنص على التأفيف (تنبيهاً) بذلك على ما هو أعلى منه، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَامَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَامَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ فنص على القنطار ونبه به (على) ما هو دونه، ونص على الدينار ونبه (على) ما هو أكثر منه، وقد قيل: إن فحوى الخطاب مأخوذ من الفيح والإظهار يقال: "فاحت القدر" إذا ظهرت رائحتها ويقال: "أَفحَّ قدرك". وتقول العرب للأبزار "فُحاً" لأن به يفيح القدر. ١٨ - فصل: وأما دليل الخطاب فهو أن يعلق الحكم على أحد وصفي الشيء، ويستدل على أن ذلك الحكم منفيٌ من غير تلك الصفة وهو على أضرب: منه ما علق على الشرط، ومنه ما علق على الصفة، ومنه ما علق على الاسم، ومنه ما علق على العدد، ومنه ما كان للحصر، ومنه ما دخله الألف واللام فيستغرق الجنس.

стр. 19

فأما ما علق بشرط فمثل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، فمن دليل الخطاب أن غير ذات الحمل لا تجب نفقتها. وأما ما علق بصفة فمثل قوله ﵇: "في سائمة الغنم الزكاة"، فمن دليل الخطاب أن غير السائمة لا يجب فيها الزكاة. وأما المعلق بالعدد فمثل قوله ﵇: "في سائمة الغنم الزكاة"، فمن دليل الخطاب أن غير السائمة لا يجب فيها الزكاة. وأما المعلق بالعدد فمثل قوله ﵇: "في كل أربعين شاة شاة" "وفي كل خمس ذود شاة" فمن دليل الخطاب أن ما دون أربعين من الغنم لا يجب فيها شاة. فأما ما علق على الاسم فمثل ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "خذ البر من البر" "وفي ثلاثين من البقر تبيع"، فمن دليل الخطاب أن البر لا يؤخذ من غيره، وأن التبيع لا يؤخذ إلا من البقر.

стр. 20

وأما ما كان للحصر فهو مثل قوله ﵇: "إنما الولاء لمن أعتق"، معناه: لا ولاء إلا لمن أعتق، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ معناه: أن لا إله إلا الله، وكما يقال: "إنما في الدار زيد" ومعناه: لا أحد في الدار إلا زيد. وأما ما دخله الألف واللام كقوله: "الخلافة في قريش" يعني لا خلافة إلا في قريش، وكقوله ﷺ : "البينة على المدعي" معناه جميع البينة على المدعي، فهذا يستغرق الجنس، وفي هذا كله خلاف وسنبينه إن شاء الله تعالى.

стр. 21

١٩ - فصل: فأما "معنى الخطاب فهو القياس، والقياس: رد فرع إلى أصل بعلة جامعة بينهما. فإن قلنا بمعنى جامع بينهما فإنه يعم قياس العلة، وقياس الشبه، وقياس الدلالة، وإن قلنا بعلة فإنه يختص بقياس العلة حسب. والقياس هو أربعة أشياء: أصل وفرع وعلة وحكم. فأما الأصل فهو: ما ثبت بنفسه، أو ما ثبت حكم غيره به. وأما الفرع فهو: ما ثبت حكمه بغيره. وأما العلة فهي: ما ثبت الحكم لأجلها. وأما الحكم فهو: ما جلبته العلة. فمجموع هذا أن يقال: شراب فيه شدة مطربة فكان حراماً كالخمر، فأما الشراب فهو الفرع المختلف فيه، وأما الشدة المطربة فهي العلة، وأما قولنا حراماً فهو ٤ أ/ الحكم، وأما الخمر فهو الأصل. ٢٠ - فصل: وأما القياس فهو ضربان: قياس العلة وقياس الدليل.

стр. 22

فأما قياس العلة فهو: رد فرع إلى أصل بعلة مؤثرة في الحكم، وهو على ثلاثة أضرب: قياس جلي، وقياس واضح، وقياس خفي. فأما القياس الجلي فهو: أن ينص الشرع على العلة، أو تثبت بالإجماع، فأما (ما) نص الشرع على علته فمثل: قوله ﵎: " كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةٌ بَيْنَ الأغْنِيَاءِ مِنْكُمْ "، فإن هذه علة نص عليها الشرع، ومثل قوله ﵇: "إنما كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي لأجل الدافة والحاجة والفقر ألا فادخروها"، فإن هذه علة نص عليها الشرع، وأما إجماع

стр. 23

المسلمين على العلة فمثل قياسهم الضرب على التأفيف، ومثل منعهم من وطء الحائض لأجل الأذى، فهذا القياس الجلي. وأما القياس الواضح: فهو أن يأخذ العلة من ظاهر قول صاحب الشرع، مثل ما منعناه من بيع الرطب بالتمر، لأنه ينقص في حال الكمال والادخار، وأخذنا هذه العلة من ظاهر قول النبي ﷺ لما سئل عن بيع الرطب بالتمر، فقال: "أينقص الرطب إذا يبس؟ فقالوا: نعم. قال: لا إذا". فالظاهر من قوله إنما منعه لأجل أنه ينقص في حال الكمال والادخار، ومثل ما نقول في أن علة الربا هي كونه مكيل جنس أو موزون جنس فأخذنا هذه العلة من ظاهر قوله ﷺ لما قال: "ما كيل مثل بمثل وكذلك الميزان" فالظاهر من

стр. 24

قوله لأنه مكيل، ومثل ما قلنا في منع الخيار في حق الأمة إذا (أعتقت) تحت حر لأنها كملت تحت كامل، واستفدنا هذه العلة بظاهر قول عائشة وذلك أنها قالت: إن النبي ﷺ إنما خيّر بريرة لما أعتقت لأنها تحت عبد ولو كانت تحت حر لما خيرها". فأخذنا هذه العلة من ظاهر قولها. فهذا القياس الواضح. فأما القياس الخفي ((فهو)): ما أخذت علته بالتأثير والاستنباط، مثل ما قلنا في علة تحريم الخمر لأن فيه شدة مطربة، فهذه العلة مؤثرة لأنها إذا وجدت وجد الحكم، وإذا زالت زال الحكم، ولو قدرنا أنها تعود لعاد الحكم. ٢١ - فصل: وأما قياس الدلالة فهو: على أربعة أضرب: منه ما يستدل (على) تخصيصه من خصائص الحكم عليه، ومنه قياس النظير على النظير، ومنه قياس الاسم الخاص على الاسم الخاص، ومنه قياس ((الشبه)).

стр. 25

فأما ما يستدل (على) تخصيصه ٤ ب/ من خصائص الحكم عليه فهو مثل قولنا في سجود التلاوة إنه ليس بواجب فقسناه على النافلة، وذلك أنا قلنا سجود يجوز على الراحلة لغير عذر فلم يكن واجباً كصلاة النافلة، وهذا صحيح. وهو أن كل صلاة واجبة لا تجوز على الراحلة، فلما رأينا أن هذه تجوز على الراحلة علمنا أنها ليست واجبة. وأما قياس النظير على النظير: فهو مثل قولنا: إن الزكاة تجب في مال الصبي، وقسنا ذلك على العشر فقلنا: من وجب العشر في زرعه وجبت الزكاة في ماله. وهذا صحيح لأن العشر زكاة، فإذا وجبت الزكاة في بعض المال، وجب أن تجب في البعض الآخر، ومثل قولنا في تصحيح ظهار الذمي وذلك أنّا قلنا: من صح طلاقه صح ظهاره كالمسلم، وهذا صحيح، وهو أن الطلاق والظهار هما واحد ومعناهما واحد، لأن كل واحد منهما يتعلق بالزوجة وفيه نوع تحريم. ويتعلق بالقول، فإذا صح منه أحدهما صح منه الآخر (ومثل) قولنا إن المسلم لا يقتل بالذمي، وذلك أنّا قلنا من لا ((يحد بقذفه)) مع العفة لا يقتل به كالأب وهذا صحيح، لأن هتك العرض وهتك الدم وهتك المال على حد سواء وهما واحد والدليل عليه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم

стр. 26

أنه قال: "إنما دماؤكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا". فسوى بينهما ووجدنا أن أحدهما لا يجب في حقه فكذلك الآخر. وأما قياس الاسم الخاص على الاسم الخاص فمثل قياسنا ((على)) رفع الحدث إزالة النجاسة وذلك أنّا قلنا طهارة شرعية فلم تجز بالخل كرفع الحدث، فسوينا بينهما لأنهما قد اشتركا في الاسم الخاص. وأما قياس الشبه فهو: أن يقاس الفرع على الأصل بنوع شبه، وهو مثل قياسنا الطهارة على الصلاة، وذلك أنّا قلنا: عبادة تبطل بالحدث فكان فيها ذكر واجب كالصلاة. فقسنا إحداهما على الأخرى لما كان بينهما ضرب شبه وإن كانا قد اختلفا في معان كثيرة من طريق الحكم ومن طريق المشاهدة. وقد اختلف أصحابنا في قياس الشبه فمنهم من قال ليس بحجة وذهب إلى أنه ليس بمستند إلى كتاب الله ولا إلى سنة رسوله ولا

стр. 27

إلى الإجماع، ومثل ذلك لا يحتج به، ولأنه ما من شيء شابه شيئاً إلا وقد فارقه في غير ذلك، وليس إلحاقه بالجمع أولى من إلحاقه بالتفرقة، فاتفقا على حد سواء (أو) يقدم الفرق لأنه أولى بالتقدمة ٥ أ/. ومن ذهب إلى أنه حجة استدل بما روي عن عمر ﵁، أنه كتب إلى أبي موسى الأشعري ﵁ وكان بالبصرة: "الفهم الفهم فيما تَلَجْلَجَ في صدرك مما ليس في كتاب الله ولا سنة رسوله فاعرف الأشباه والأمثال والأقيسة، وقس بأشبهها إلى الحق". فأمره بقياس الشبه، ولأن الشيء إذا شابه الشيء فالظاهر أنه مثله. وقد (أجيب) عن ذلك بأن قيل: أما قول عمر: "وقس بأشبهها إلى الحق" يريد به أن يستنبط المعنى، والحق في كتاب الله وسنة رسول الله ثم يقيس بعد ذلك عليه. وأما قولهم: إن الشيء إذا شابه الشيء فالظاهر أنه يكون مثله. قد (أجيب) عنه بأن قيل: الشيء إذا فارق الشيء

стр. 28

فالظاهر أنه لا يكون مثله، وقد بين فيما تقدم أيما شيء شابه شيئاً إلا وقد فارقه في غير ذلك، وليس الجمع بأولى من التفرقة بل التفرقة أولى. ٢٢ - فصل: وأما استصحاب الحال فقد بينا أنه على ضربين: استصحاب حال العقل واستصحاب حال الإجماع. فأما استصحاب حال العقل فهو: أن الأصل في العقل براءة الذمة من جميع الأشياء، فمن ادعى اشتغالها فعليه الدليل، ومثاله مما نقول: إن صلاة الوتر لست بواجبة فنقول: إن الأصل براءة الذمة من جميع الصلوات، وأجمعنا على اشتغالها بخمس صلوات. فمن ادعى سادسة فعليه الدليل، وكما نقول: إن الحر إذا قذف العبد لا يجب عليه الحد. واستدللنا بأن الأصل براءة ذمة هذا الشخص من الحد، فمن ادعى إيجاب الحد فعليه الدليل. وأما استصحاب حال الإجماع فهو: أن تجمع الأمة على حكم ثم يحدث بعد ذلك فيه شيء فيختلف فيه. فهل يستدام الإجماع إلى ذلك الوقت أم لا؟ فيه خلاف. ومثاله: ما نقول في المتيمم إذا رأى الماء وهو في صلاة، فمن قال لا تبطل، قال: اجتمعنا على أنه دخل الصلاة ((بطهارة)) مثله. فمن ادعى أن رؤية الماء لا تجزئه فعليه الدليل. وضد هذا يقول الخصم: اجتمعنا على إيجاب هذه الصلاة عليه فمن ادعى إسقاطها عنه بهذا التيمم مع القدرة على الماء فعليه الدليل. وفي هذا كله خلاف، سنبينه إن شاء الله تعالى.

стр. 29

باب الحدود ٢٣ - (الحد): سبب يتوصل به إلى معرفة الأشياء.

стр. 30

قال الشيخ ﵀ (تعالى): ينبغي أن يعرف ما الحد، ولأن ما يتوصل به إلى معرفة الأشياء لابد أن يعرف ما هو وما حده وما صفته. ٢٤ - وقد عبر عنه بعبارات أحدها أنه قيل: "هو قول ٥ ب/ ((وجيز)) يدل على جنس الشيء يحيط به إحاطة لا يمكن أن يدخل إليه من غيره ولا يخرج عنه ما هو منه". ومن هذا سمي حدود الضيعة لأنها لا يخرج منها إلى غيرها ولا يدخل إليه من غيرها، ولذلك سمي البواب حداداً لأنه لا يمكن أن يدخل الدار أحد من غير أهلها، ولذلك سمي الحديد حديداً لأنه يغطي ما تحته ويمنع أن يصل إليه ما ليس منه وأن يخرج عنه شيء منه. وسميت الحدود حدوداً لأنها تمنع من إيقاع فعل محظور. ٢٥ - وقد قيل: "هو قول يدل على طبيعة الشيء مميزاً له عما سواه". مثل أن يقول: "حيوان منتصب القامة ضحاك"، فإن هذا صفة الآدمي فلو قلنا: "حيوان" دخل فيه سائر

стр. 31

الحيوانات، ولو قلنا: "حيوان ضحاك" دخل فيه الدب لأنه حيوان ضحاك مثل الآدمي ولو قلنا: "حيوان منتصب القامة" دخل فيه الملائكة. ٢٦ - وقد قيل: "هو قول كلما زدت فيه نقصت من المحدود وكلما نقصت منه زاد في المحدود". مثل أن تقول: "الناس" فإنه يدخل فيه كل أحد، فلو زدت في هذا القول بأن تقول: "الناس العلماء" نقص من المحدود لأنه يخرج منه الجهال، فلو زدت فيه فقلت: "الأشراف" نقص أيضاً لأنه يخرج منه العامة، وعكس هذا إذا نقصت منه زاد في المحدود وهو أن يقول: "العلماء الأشراف البيض" فلو نقصت منه (فقلت): "العلماء الأشراف" دخل فيه السودان، فلو قلت: "العلماء" دخل فيه العامة والخاصة.

стр. 32

٢٧ - فصل: وحد العلم: "معرفة المعلوم على ما هو به". فقولنا على ما هو به تأكيد أو تبيان، لأن قولنا: معرفة المعلوم لا يكون إلا على ما هو به، إذ لو لم يعرفه على ما هو به، لما كان عارفاً به ولكان جاهلاً به. هذا مذهبنا، وكذا قال بعض الأشعرية. ٢٨ - واختلف بقية الأشعرية: فمنهم من قال: "هو تبين المعلوم على ما هو به" (ومنهم من قال: هو إثبات المعلوم على ما هو به)، ومنهم من قال: "هو إدراك المعلوم على ما هو به"، ومنهم من قال: "هو الثقة بالمعلوم على ما هو به"، ومنهم من قال: هو ما اشتق (للعالم منه اسم عالم) ". ٢٩ - وخلافاً للمعتزلة فمنهم من قال: "هو اعتقاد الشيء على ما هو به" ومنهم من قال: "هو اعتقاد الشيء على ما هو به مع سكون النفس إليه".

стр. 33

٣٠ - والدليل على ما قلنا، وأن العلم يقوم مقام المعرفة قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ فأقام العلم مقام المعرفة، والمعرفة مقام العلم. ومن الدليل عليه أيضاً أنه حد صحيح كسائر الحدود يمنع أن يدخل فيه ما ليس منه وأن يخرج عنه ما هو منه. ومن الدليل عليه أيضاً أنّا نبطل هذه الثمانية الأقسام ونبقى ما ذكرنا. ٣١ - فصل: فأما من قال حد العلم ٦ أ/: "هو تبين المعلوم على ما هو به" فهو غير صحيح. لأنه حد قاصر، والدليل عليه أنه لا يحسن أن يقول الإنسان فيما علمه ضرورة أني (تبينته)، ومثاله أنه لا يحسن أن يقول: "تبينت أن السماء فوقي وأني قائم". الثاني: أن التبين هو الظهور بعد الخفاء واليقين بعد الشك، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾. معناه: فلما أن ظهر له بعد أن كان خفياً وتيقنه بعد أن كان مشكوكاً فيه، أنه عدو لله تبرأ منه. ولأنه يخرج منه علم

стр. 34

الله، وأنه لا يجوز أن يقال إن الله تعالى كانت المعلومات عليه خفية ثم تبينها، فإذا خرج منه علم الله تعالى كان حداً قاصراً. الثالث: أن التبين على وزن تفعل يقال: تحمل وتحلم وتلزم أي طلب ذلك. ٣٢ - فصل: أما من قال حد العلم: "هو إدراك المعلوم على ما هو به" فهو غير صحيح. لأن هذا لفظ مجمل وهو يستعمل في الأفعال أكثر مما يستعمل في الأقوال، ولهذا يقال: أدرك الزرع، إذا حان حصاده، وأدرك الغلام، إذا بلغ حد التكليف، وأدرك الرجل، (إذا) لحقه، وهذه كلها أفعال، وتستعمل أيضاً في الأقوال قال تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ أي يحيط بها، وإذا كان لفظاً مشتركاً كان اللفظ (الخالص) أولى. ٣٣ - فصل: وأما من قال: إن حد العلم "إثبات المعلوم على ما هو به" فهو أيضاً باطل لأنه لفظ مجمل، فهو مثل ما ذكرنا في الإدراك، ولهذا يقال: أثبت السهم في القرطاس، وأثبت الحساب في الزراميج، فهو لفظ مشترك وما قلناه أولى لأنه (خالص).

стр. 35

٣٤ - فصل: وأما من قال: "هو الثقة بالمعلوم على ما هو به"، فهو غير صحيح، لأنه قد تقع الثقة على خيانة، وهو أن يثق الإنسان بقوته فتخونه أو يثق بصديقه فيخونه، فيقع باطلاً. ٣٥ - وأما من قال: "وهو ما اشتق للعالم منه اسم عالم". فهو غير صحيح لأن هذا اسم مشتق من اللغة، ونحن كلامنا في المعنى فمتى وجدناه لا يتعدى إلى غيره، الثاني أن خلافنا في ذلك. لم ينتف في العلم وكيف ينتقل إلى ما يسمى به، فينبغي أن نعلم العلم أولاً ما هو (ثم) بعد ذلك يُنْتَقَلُ إلى ما يسمى به. ٣٦ - فصل: وأما من قال: "هو اعتقاد الشيء على ما هو به" فهو غير صحيح لأنه حد قاصر لأنه قد يحصل الاعتقاد على ظن وتخمين (ولذا) ((يجوز للمعتقد لذلك الشيء أن يكون مُعتقده)) بخلاف العلم والمعرفة، فإنه لا يجوز أن يقف على ظن ولا تخمين ولا على غير ما هو به، ولا يجوز أن يعرف إلا بيقين وتحقيق. والدليل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ٦ ب/ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾.

стр. 36

وكذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾. فنهى أن يقول الإنسان ما لا يعرف حقيقة أو ما يعرفه من طريق الظن. فإن قيل: فقد سمي علماً وإن كان من طريق الظن، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا﴾ ((وهذا)) لا يتوصل إليه إلا من طريق الظن. قيل: إن علمنا هناك من طريق الظاهر ولهذا تعلق عليه أحكام الظاهر ولا تعلق عليه من أحكام الباطن، والثاني: أنهم لما أظهروا الإيمان منعوا من الكفر فلا بد أن يحكم لهم بواحد منهما فحكمنا لهم بالإيمان لأنه قد صار في حقهم كأنه متحقق. ٣٧ - فصل: والدلالة على إبطال القسمين الآخرين وأنه لا يجوز أن يكون حد العلم هو اعتقاد الشيء على ما هو به مع سكون النفس إليه. ولا يجوز أن يكون اعتقاد الشيء على ما هو به من غير ظن ولا تقليد. فإنه حد قاصر لا يدخل فيه علم الله تعالى لأنه لا يجوز أن تقول إن الله اعتقد الأشياء مع سكون ((نفسه إليها))، ولا يجوز أن يقال في حقه حصل له العلم بها ضرورة

стр. 37

ولا اكتساباً وإذا كان حداً قاصراً قدم عليه الحد الخاص، والعام وهو ما ذكرنا. الثاني: أن "اعتقد" هو على وزن "افتعل" وهو يؤدي أن لا يعلم إنسان حتى يوجد منه فعل من جهته، ونحن نرى علوماً من غير أن يصدر من الإنسان فعل، والدليل عليه أن الإنسان يحس بالمرض في بدنه وفي عضو من أعضائه ويحس بالفرح والغم ومثل هذا كثير وإن كان ما وجد منه فعل وإنما جاء من قبل الله تعالى، فلهذا كان باطلاً لا يدخل فيه هذا العلم. ٣٨ - فإن قيل: لِمَ (لَمْ) يقولوا إن العلم: "معرفة الشيء على ما هو به" لأن الشيء هو أعم من المعلوم؟ قيل: إن الشيء على قولهم هو اسم الموجود والمعدوم، وعندنا هو اسم الموجود حسب، والمعلوم هو اسم الموجود والمعدوم، فكان استعمالنا له أولى وأحرى. ٣٩ - فصل: وأما العلم فهو على ضربين: علم قديم وعلم محدث. فالعلم القديم: هو علم الله تعالى، وهو يتعلق بجميع المعلومات على ما هي به من غير تناهٍ.

стр. 38

ولا يوصف بأنه ضروري ولا مكتسب، لأنه تعالى لا يجوز أن يوصف باستدعاء الحاجات واكتساب الضرورات. وأما العلم المحدث: فهو علم جميع المخلوقين ٧ أ/ من الملائكة والإنس والجن وغير ذلك. وهو على ضربين ضروري ومكتسب. ٤٠ - فالضروري هو: ما علم الإنسان من غير نظر ولا استدلال، وقد قيل: ما لا يدخل عليه الشك والارتياب. وهو يحصل من أربعة أشياء. الأول: ما يعلمه الإنسان من حال نفسه، مثل الغم والسرور والصحة والسقم والقيام والقعود والهبوط والصعود. ومنه: ما يعلمه بطريق العقل، وهو مثل علمه باستحالة اجتماع الضدين، وكون الجسم في مكانين، وأن الواحد أقل من الاثنين. ومنه: ما علمه بالحواس الخمس وهي: السمع والبصر والشم والذوق واللمس. ومنه: ما (يعلمه)، بأخبار التواتر فيقع له به العلم "ضرورة". وهو مثل: إخباره بالبلاد النائية والقرون الخالية والرسل الماضية.

стр. 39

وقولنا: ضرورة هو ما يلزمه العلم به ضرورة لا يمكنه دفعه من نفسه بحال ولا يمكنه إدخال الشك عليه. ٤١ - فصل: وأما العلم المكتسب فهو: "ما حصل من طريق النظر والاستدلال"، وقد قيل: "ما جاز ورود الشك عليه" وهو على ضربين: علم من طريق العقل وعلم من طريق الشرع، فأما العلم الذي يحصل من طريق العقل فهو مثل علمه (بحدوث) العالم، وإثبات محدثه وتصديق الرسل عند ثبوت المعجزة، فأما الذي يحصل من طريق الشرع فهو ما علمناه بالكتاب والسنة والإجماع وقول واحد من الصحابة في إحدى الروايتين. ٤٢ - فصل: واختلف العلماء في العقل: فمنهم من قال: "هو قوة يفرق بها بين حقائق المعلومات". ومنهم من قال: "هو مادة وطبيعة". ومنهم من قال: "هو جوهر بسيط". ومنهم من قال: "هو عرض يخالف سائر العلوم والأعراض". ومنهم من قال: "هو جملة العلوم الضروريات". ومنهم من قال: "هو ما حسن معه التكليف".

стр. 40

ونقل إبراهيم الحربي عن أحمد ﵀ (تعالى) أنه قال: "العقل غريزة وحكمة وفطنة". وقال أبو الحسن التميمي: "ليس بجسم ولا عرض، وإنما هو نور في القلب". وقال البربهاري: "ليس بجوهر ولا عرض، وإنما هو فضل من الله يؤتيه من يشاء".
следующие страницы →