← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14103

التمهيد في أصول الفقه

أبو الخطاب الكلوذاني

Полный текст (1 668 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وكذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾. فنهى أن يقول الإنسان ما لا يعرف حقيقة أو ما يعرفه من طريق الظن. فإن قيل: فقد سمي علماً وإن كان من طريق الظن، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا﴾ ((وهذا)) لا يتوصل إليه إلا من طريق الظن. قيل: إن علمنا هناك من طريق الظاهر ولهذا تعلق عليه أحكام الظاهر ولا تعلق عليه من أحكام الباطن، والثاني: أنهم لما أظهروا الإيمان منعوا من الكفر فلا بد أن يحكم لهم بواحد منهما فحكمنا لهم بالإيمان لأنه قد صار في حقهم كأنه متحقق. ٣٧ - فصل: والدلالة على إبطال القسمين الآخرين وأنه لا يجوز أن يكون حد العلم هو اعتقاد الشيء على ما هو به مع سكون النفس إليه. ولا يجوز أن يكون اعتقاد الشيء على ما هو به من غير ظن ولا تقليد. فإنه حد قاصر لا يدخل فيه علم الله تعالى لأنه لا يجوز أن تقول إن الله اعتقد الأشياء مع سكون ((نفسه إليها))، ولا يجوز أن يقال في حقه حصل له العلم بها ضرورة

стр. 37

ولا اكتساباً وإذا كان حداً قاصراً قدم عليه الحد الخاص، والعام وهو ما ذكرنا. الثاني: أن "اعتقد" هو على وزن "افتعل" وهو يؤدي أن لا يعلم إنسان حتى يوجد منه فعل من جهته، ونحن نرى علوماً من غير أن يصدر من الإنسان فعل، والدليل عليه أن الإنسان يحس بالمرض في بدنه وفي عضو من أعضائه ويحس بالفرح والغم ومثل هذا كثير وإن كان ما وجد منه فعل وإنما جاء من قبل الله تعالى، فلهذا كان باطلاً لا يدخل فيه هذا العلم. ٣٨ - فإن قيل: لِمَ (لَمْ) يقولوا إن العلم: "معرفة الشيء على ما هو به" لأن الشيء هو أعم من المعلوم؟ قيل: إن الشيء على قولهم هو اسم الموجود والمعدوم، وعندنا هو اسم الموجود حسب، والمعلوم هو اسم الموجود والمعدوم، فكان استعمالنا له أولى وأحرى. ٣٩ - فصل: وأما العلم فهو على ضربين: علم قديم وعلم محدث. فالعلم القديم: هو علم الله تعالى، وهو يتعلق بجميع المعلومات على ما هي به من غير تناهٍ.

стр. 38

ولا يوصف بأنه ضروري ولا مكتسب، لأنه تعالى لا يجوز أن يوصف باستدعاء الحاجات واكتساب الضرورات. وأما العلم المحدث: فهو علم جميع المخلوقين ٧ أ/ من الملائكة والإنس والجن وغير ذلك. وهو على ضربين ضروري ومكتسب. ٤٠ - فالضروري هو: ما علم الإنسان من غير نظر ولا استدلال، وقد قيل: ما لا يدخل عليه الشك والارتياب. وهو يحصل من أربعة أشياء. الأول: ما يعلمه الإنسان من حال نفسه، مثل الغم والسرور والصحة والسقم والقيام والقعود والهبوط والصعود. ومنه: ما يعلمه بطريق العقل، وهو مثل علمه باستحالة اجتماع الضدين، وكون الجسم في مكانين، وأن الواحد أقل من الاثنين. ومنه: ما علمه بالحواس الخمس وهي: السمع والبصر والشم والذوق واللمس. ومنه: ما (يعلمه)، بأخبار التواتر فيقع له به العلم "ضرورة". وهو مثل: إخباره بالبلاد النائية والقرون الخالية والرسل الماضية.

стр. 39

وقولنا: ضرورة هو ما يلزمه العلم به ضرورة لا يمكنه دفعه من نفسه بحال ولا يمكنه إدخال الشك عليه. ٤١ - فصل: وأما العلم المكتسب فهو: "ما حصل من طريق النظر والاستدلال"، وقد قيل: "ما جاز ورود الشك عليه" وهو على ضربين: علم من طريق العقل وعلم من طريق الشرع، فأما العلم الذي يحصل من طريق العقل فهو مثل علمه (بحدوث) العالم، وإثبات محدثه وتصديق الرسل عند ثبوت المعجزة، فأما الذي يحصل من طريق الشرع فهو ما علمناه بالكتاب والسنة والإجماع وقول واحد من الصحابة في إحدى الروايتين. ٤٢ - فصل: واختلف العلماء في العقل: فمنهم من قال: "هو قوة يفرق بها بين حقائق المعلومات". ومنهم من قال: "هو مادة وطبيعة". ومنهم من قال: "هو جوهر بسيط". ومنهم من قال: "هو عرض يخالف سائر العلوم والأعراض". ومنهم من قال: "هو جملة العلوم الضروريات". ومنهم من قال: "هو ما حسن معه التكليف".

стр. 40

ونقل إبراهيم الحربي عن أحمد ﵀ (تعالى) أنه قال: "العقل غريزة وحكمة وفطنة". وقال أبو الحسن التميمي: "ليس بجسم ولا عرض، وإنما هو نور في القلب". وقال البربهاري: "ليس بجوهر ولا عرض، وإنما هو فضل من الله يؤتيه من يشاء".

стр. 41

وهذه الأقاويل متقاربة المعنى. ٤٣ - فصل: قال شيخنا وفقه الله تعالى: والذي اختار أصحابنا أن قالوا: العقل "هو بعض العلوم الضروريات" خلافاً لمن قال: هو جوهر. وخلافاً لمن قال: عرض يخالف سائر العلوم والأعراض، وخلافاً لمن قال: "هو جملة العلوم الضروريات".

стр. 42

٤٤ - (والدليل) على إبطال قول من قال إنه جوهر: أن الجوهر جنس واحد، والدليل عليه أن حد الجوهر: أن يستبد الحيز ولا يخلو إما أن يكون ساكناً أو متحركاً، فأيهما كان سد مسد الآخر، فإذا ثبت أن الجوهر جنس واحد، فالآدمي جوهر وكان ينبغي أن يكون عاقلاً بنفسه. لأنه إذا كان عاقلاً بجنسه فأولى ٧ ب/ أن يكون عاقلاً بنفسه، وقد نرى إنساناً ليس بعاقل مثل الصبي والمجنون، وغير ذلك. وجواب آخر: أن سائر الجوهر يجوز أن (يرد) عليه بأنه عاقل مكلف، ومعلوم أن العقل لا يجوز أن يرد عليه هذا، فإذا بطل أنه جوهر لم يبق إلا أنه عرض. ٤٥ - فيدل على بطلان قول من قال: إنه يخالف سائر العلوم والأعراض بأن (نقول): ما ذكرتم يفضي إلى أن يكون الإنسان إما عاقلاً، ولا يعرف من جميع العلوم شيئاً، ولا يعرف من أحوال نفسه من المرض

стр. 43

والصحة والسقم لأنه يخالفها، ((أو)) يكون عالماً بدقائق العلوم ومحاسنها ولا يكون عاقلاً. وهذا المعنى لا نراه في أحد. وإذا بطل أنه يخالف سائر العلوم بقي أنه يكون من جنس العلوم. ٤٦ - وبعد ذلك يدل على أنه ليس بجميع العلوم بأن يقول: العلم يشتمل على ضروري ومكتسب، ومعلوم أن الإنسان لو لم يكتسب العلم ولم يفكر في الدلائل يسمى عاقلاً، فإذا خرج منه العلم المكتسب، لم يبق إلا أنه علم ضروري. فنحن نبطل أنه جميع العلوم الضروريات بأن نقول: لو عدم الحواس الخمس مثل: السمع والبصر والشم والذوق واللمس، فإن هذه لا شك يحصل بها علم ضروري، ولو عدمت يسمى عاقلاً ويكون عاقلاً، ولهذا لو قيل له ما يضره وما ينفعه اختار ما ينفعه. وعكس هذا الصبي والبهيمة فإنه يحصل لهم علم ضروري، مثل حسهم بالألم وغير ذلك، مع هذا لا يكونون عقلاء، فيثبت أيضاً أنه ليس بجميع العلوم الضروريات وإنما هو بعضها، مثل: أن يعلم الإنسان استحالة اجتماع الضدين، وكون الجسم في مكانين، وأن الواحد أقل من الاثنين، وعلمه بوجود العالم، وهل كان له ابتداء، أو لم يكن له ابتداء، ومثل علمه بأخبار التواتر، مثل أن يخبر بالبلاد النائية، والرسل الماضية، فهذا يحصل له العلم (الضروري) ومثل أن يرد عقله خرق العادات فهذا يكون عاقلاً.

стр. 44

٤٧ - فصل: قال أصحابنا إن العقل عندنا في القلب وهو اختيار أبي الحسن التميمي وابن الفراء وشيخنا. وبه قال جماعة من الفلاسفة. وروي ابن شاهين عن أحمد أنه قال محله الرأس وبه قال جماعة من الأطباء.

стр. 45

٤٨ - ووجه ما اختاره شيخنا قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾. أي عقل، فعبّر بالقلب عن العقل لأنه محله، وقد يعبر بالشيء عن الشيء لأجل مجاورته. والدليل عليه أنّا نسمي النجو غائطاً، وإن كان هذا اسم لمحل الغائط وهي الأرض المنخفضة، وإنما لأجل المجاورة سمي به. وكذلك تسمى المزادة راوية وإن كان هذا اسم الجمل وإنما سمي لأجل المجاورة. وأيضاً قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾. فجعل العقل في القلب. وأيضاً قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى ٨ أ/ الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ أي يتغطى على العقل الذي في الصدر. وأيضاً قوله تعالى: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾. والفقه هو العلم والفهم والمعرفة، وهذه الأشياء هي العقل.

стр. 46

٤٩ - وأيضاً ما روي عن ابن عباس ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "الرحمة في الكبد، والقلب ملك، ومسكن العقل القلب". ٥٠ - وأيضاً ما روي عن عمر أنه كان يقول إذا دخل عليه ابن عباس: "جاءكم ((فتى الكهول)) ذو اللسان السؤول والقلب العقول". وأيضاً ما روى عياض بن خليفة عن علي ﵁:

стр. 47

أنه خطب يوم صفين فقال: "الرحمة في الكبد، والرأفة في الطحال، والنفس في الرئة، والعقل في القلب". وأيضاً ما روي عن أُبي بن كعب وأبي هريرة أنهما قالا: "العقل في القلب". وأيضاً فإنا قد دللنا أن العقل هو بعض العلوم الضروريات، والعلوم الضروريات لا تكون إلا في القلب. ٥١ - واحتجوا: بأن العقلاء تراهم يضيفون العقل إلى الرأس: فيقولون: هذا ثقيل الرأس، وهذا في دماغه عقل، وعكس هذا يقولون: هذا فارغ الدماغ، وهذا ليس في رأسه عقل.

стр. 48

والجواب: أن قولهم هذا ثقيل الرأس، وهذا في دماغه عقل، صحيح لأن أبا الحسن التميمي قال: هو نور في القلب يفيض إلى الرأس وإلى سائر الحواس (فيضيفونه) إلى الرأس، لأنه يفيض العقل إلى الرأس. وأما من قال: هذا فارغ الرأس، وهذا ما في دماغه عقل، فإنما قيل ذلك لأنه يقيس الإنسان عليه فيكون مثل جفاف الرأس والسودة. وغير ذلك، فيمنع من النور الذي يصعد إلى الرأس. واحتج بأن قال: (إن) الإنسان إذا ضرب على رأسه يزول عقله، ولو ضرب على جميع بدنه لم يزل عقله. الجواب: إن هذا ليس دليلاً على أن العقل في الرأس، ألا ترى أن الإنسان يؤخذ (انثياه) فيزول عقله، ولا أحد قال إن العقل هناك. ٥٢ - فصل: قال أصحابنا إن العقل يختلف، فمن الناس من يكون عقله كثيراً، ومنهم من يكون عقله قليلاً، ويزيد

стр. 49

وينقص خلافاً للأشعرية، والمعتزلة في قولهم هو شيء واحد في جميع الناس لا يزيد ولا ينقص. ٥٣ - دليلنا: ما روى أبو الحسن التميمي بإسناده في كتاب العقل عن طاووس عن النبي ﷺ : أنه لما أصلح بين المهاجرين والأنصار، خطب إلى أن قال: تبارك الذي خلق العقل وقسمه بين عباده واستأثر، وإن الرجلين يستويان في عملهما وبرهما وصومهما وصلاتهما، وإن عقل أحدهما مع عقل الآخر كذرة في جنب أحد".

стр. 50

وروي أيضاً عن أنس عن النبي ﷺ أنه قال لما سأله عبد الله بن سلام المسائل فقال: يقول الله ﵎: "إني خلقت العقل أصنافاً وأشتاتاً أخر بعدد الرمل ٨ ب/ فمن الناس من أعطيته الحبة والحبتين والثلاث والأربع، ومن الناس من أعطيته الفرق والوسق والوسقين، وأقل وأكثر وأضاعف لمن أشاء". وروي أيضاً بإسناده عن ابن عباس أنه قال: "خلق الله العقل عشرة أجزاء فجعل (تسعة) في الأنبياء وجزءاً في جميع الخلق".

стр. 51

وروي أيضاً بإسناده عن ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: "بعثنا معاشر الأنبياء نخاطب الناس على قدر عقولهم". وأيضاً ما روي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "ما رأيت ناقصات عقل ودين أقدر على سلب ذوي العقول عقولهم منكن يا معشر النسوان. فقيل: يا رسول الله ما علامة نقصان عقولهن وأديانهن؟ فقال: جعلت شهادة امرأتين بشهادة رجل، والمرأة تمكث شطراً من عمرها لا تصلي ويمضي عليها اليوم والخمسة لا تصلي سجدة واحدة". ٥٤ - وأيضاً الإجماع وهو أن كل الناس يقولون عقل فلان قليل، وعقل فلان (أكثر) من عقل فلان، وفلان غير عاقل.

стр. 52

قيل: هذا كله يراد به أكثر استعمالاً وتدابراً وتفكراً من الآخر. قيل: فذلك التدبر والتفكر علامة على كثرة العقل، إذ لو كان مثل الآخر لما تفكر أكثر ولا تدبر. ٥٥ - واحتج المخالف بأن قال: ((أجمعنا)) أن العقل هو بعض العلوم الضرورية من استحالة اجتماع الضدين، وكون الجسم في مكانين، والعقلاء في هذا متساوون. الجواب: لعمري إن العقلاء في هذا متساوون، لكن من عقله كثير يتدبر دقائق العلوم ويتفكر في الأشياء، وليس كل الأجسام تظهر ولا كل ضدين يعرف، وإنما الكثير العقل يتدبر ذلك بقوة عقله. واحتج بأن قال: هذا يفضي إلى أن يكون بعض العقلاء (لا يستتب) له أمر، ولا يصلح له شأن لأنه لا يفتكر في غوامض الأمور.

стр. 53

الجواب: أنه يستتب له أمر، لكن من عقله أكثر شأنه أصح لأنه يتفكر فيما يؤول أمره إليه وفيما يصلحه وما يفسده فتراه أبداً أصلح شأناً من القليل العقل. ٥٦ - فصل: وحد الجهل: تبين المعلوم على خلاف ما هو به. وقيل: تخيل العلوم على ((خلاف)) ما هو به. وقيل: انعقاد المعلوم على خلاف ما هو به. وهذه عبارات متقاربة. ٥٧ - فصل: وهو الشك: هو تجويز شيئين لا مزية لأحدهما على الآخر. فصل: وحد غلبة الظن: قوة أحد التجويزين على الآخر. فصل: وحد السهو: ذهول القلب عن النظر في المعلوم.

стр. 54

٥٨ - فصل: والنظر على ضربين: نظر بالعين ونظر بالقلب. فحد نظر العين: هو إدراك المنظور بالبصر. وحد نظر القلب: هو التفكر في حال المنظور فيه. وحد المنظور فيه: هو الأدلة ٩ أ/ والإمارات، (الموصلة) إلى المطلوب. وأما المنظور له: فهو الحكم المطلوب. وأما ((الناظر)): فهو الفاعل للنظر. ٥٩ - فصل: وحد الجدل هو تردد الكلام بين الخصمين، بطلب كل واحد منهما تصحيح قوله وإبطال قول خصمه. وقيل: هو إحكام كلامه ليرد به كلام خصمه. وهو مأخوذ من الإجدال، ولهذا يقال: درع مجدولة أي محكمة العمل. ترد ما يصل إليها من حديد وغيره. ولذلك يقال: حبل مجدول، أي كثير الفتل. ٦٠ - فصل: (وحد) البيان: هو إظهار المعلوم للمخاطب منفصلاً عما يشكل به أو يلبس لأجله. والبيان مأخوذ من الانفصال والقطع، والدليل عليه قول

стр. 55

النبي ﷺ : "ما بان من حي فهو ميت" وقول الشاعر: بان الخليطُ ولو طوّعت ما بان ... وقطَّعوا من حبال الوصل أقرانا أي: انفصل عنهم، كذلك يقال: أبان عضواً إذا فصله، (وأبان) الرجل زوجته إذا قطع نكاحها. وقال أبو بكر عبد العزيز وأبو بكر الصيرفي، في حد البيان: إخراج المعنى من حيز الإشكال إلى حيز التجلي، وقال

стр. 56

شيخنا: هذا حد قاصر، لأنه لا يدخل فيه إلا ما كان مشكلاً ثم أظهره الشرع بعد ذلك، وأما ما بينه ابتداء من القول: هذا حلال، فهذا ما كان مشكلاً. وقال أبو الحسن التميمي: هو الدليل المظهر للحكم. قال ابن الفراء: هذا غير صحيح؛ لأن من الأدلة ما يظهر الشيء وهو مجمل. قال شيخنا لأبي الحسن: أن تقول ما كان مجملاً ليس عندي دليل، وإنما ما أظهر الشيء فهو دليل. وقال بعض العلماء: هو العلم الذي يظهر المعلوم على ما هو به. ٦١ - فصل: والبيان يحصل من أوجه: منها: بيان الحكم المبتدأ وقد تقدم ذكره.

стр. 57

ومنها: ما يختص بالعموم. ومنها: تفسير المجمل. ومنها: ما يراد به ((صرف الأمر إلى الندب والإباحة)). ومنها: صرف الخبر إلى الأمر. ومنها: صرف الحقيقة إلى المجاز. ومنها: نسخ ما كنا نعتقد بقاءه على الأبد. ٦٢ - فصل: والذي يحصل به البيان أدلة الشرع وهي: الكتاب والسنة والإجماع والقياس وقول واحد من الصحابة في إحدى الروايتين. ٦٣ - فصل: والدليل هو المرشد إلى المطلوب والموصل إلى المقصود، ولا فرق بين أن يحصل العلم أو غلبة الظن. وقال بعض المتكلمين: والدليل ما أوجب العلم، وأما الذي يوجب غلبة الظن فهو أمارة. وهذا باطل لأن أهل العربية لا يفرقون بين الذي يوجب العلم. وبين الذي يغلب عليه الظن لأنهم سموا كل واحد منهما دليلاً، ولأنه يوجب العمل فكان دليلاً كالذي يوجب العلم. فصل: والدلالة هي فعل الدليل لأنها مصدر له يقال: دلّ، يدل، دلالة.

стр. 58

فصل: والدّال: هو سُمِّيَ الناصب للدليل، وهو صاحب الشرع ٩ ب/ لأن كل من نصب دليلاً/ سمي دالاً، وقيل: إنه هو الدليل على وزن فاعل وفعيل وعالم وعليم وسامع وسميع. والمستدل: هو الطالب للدليل، وقد يقع للسائل والمسؤول، لأن السائل يتطلب الدليل من المسؤول، والمسؤول يطلب الدليل من الأصول. فصل: وأما المُسْتَدَلُّ عليه فهو: الحكم. وأما المُستدلُّ له فهو: الخصم، وقيل: إنه الحكم أيضاً. ٦٤ - فصل: وأما الحجة فهي: المبينة للحكم، يقال لبينة الرجل: حجة. ٦٥ - فصل: وأما السائل فهو: المستخبر الطالب. وأما المسؤول فهو: المخبر. وجوابه: الخبر. ٦٦ - والخبر: ما جاز أن يدخله الصدق والكذب. والصدق: الإخبار بالشيء على ما هو به وهو مأخوذ من الثبوت. قال تعالى: ﴿لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أي قدم ثابت، وسمي المهر صداقاً، لأنه يثبت في النكاح، سمي أو لم يسم،

стр. 59

وسميت الزكاة صدقة، لأنها تثبت المال وتنقيه، ويقال: صدق الجريب. إذا بلت فيه، وسميت الصداقة صداقة لأنها تثبت المودة. وأما الكذب: فهو الإخبار بالشيء على خلاف ما هو به. ٦٧ - وأما المحال: فهو ما لم يكن ولا يمكن كونه، وكل محال كذب، وليس كل كذب محالاً، لأنه إذا قال: زيد قائم ولم يكن يراه قائماً فغن هذا كذب ويجوز أن يكون قائماً. ولو قال: رأيت جسماً متحركاً ساكناً فإن هذا كذب ومحال لأنه لا يجوز. كذلك ها هنا. ٦٨ - فصل: وأما الصواب فهو: ما وافق سبيل الحق. وأما الطاعة. (فهي): موافقة الأمر. وأما المعصية: فهي مخالفة الأمر. وأما الإصرار: فهو الدوام على الشيء: يقال: صرَّ القرطاس إذا أمسكه وأدام مسكه. ٦٩ - وأما الفرض: فهو ما ثبت بأعلى منازل الثبوت.

стр. 60

وأما الواجب: فهو ما أثيب على فعله وعوقب على تركه. وأما المندوب: فهو ما ندب الشرع إلى فعله لأجل الثواب. وأما النافلة: فهي ما فعلها الإنسان لأجل الثواب. ٧٠ - وأما الرأي: فهو غاية الفكر. وقيل: استخراج صواب العاقبة. وأما الترتيب: فهو وضع الشيء في موضعه. وقيل: وضع الشيء في موضع هو أحق به. ٧١ - فصل: وأما الباطل: فهو الحكم على الشيء على خلاف المأمور. وقيل: هو انعقاد الشيء على خلاف الأمر. وأما اليقين: فهو وضوح حقيقة الشيء في النفس. فأما الاعتقاد: فهو القطع على ما خطر بالبال. ٧٢ - وأما العبادة: فهي التعبد والتقرب إلى الله، وهي مأخوذة من التذلل.

стр. 61

يقال: طريق معبد إذا كان مذللاً بالمشي، وسمي العبد ١٠ أ/ عبداً لأنه يتذلل لسيده، وهو يحصل بثلاثة أشياء: بالأقوال والأفعال والتروك. فأما الذي يحصل بالقول فمثل: القرآن والتسبيح وغير ذلك. وأما الذي يحصل بالفعل فمثل: الصلاة والصيام وغير ذلك. وأما ما يحصل بالترك فهو مثل: ترك المعاصي وترك (النجاسة) وغير ذلك. وقال أصحاب أبي حنيفة: ما وجد فيها النية. وقد بينا حدها في اللغة ((و)) من قبل الشرع. ٧٣ - وأما السنة: فهي الشريعة والطريقة، وضعت لتحتذى ويقتدى بها.

стр. 62

قال الله تعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ﴾ أي شريعة الله، وقال النبي ﷺ : "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضّوا عليها بالنواجذ" يعني فاتبعوها. ٧٤ - وأما الأمر فهو: استدعاء الفعل بالقول على وجه الاستعلاء وإن شئت قلت هو: استدعاء الفعل بالقول من (الأعلى). وإنما قلنا بالقول لأنه قد يكون استدعاء الفعل بفعل مثل الإشارة ولكن لا يكون ذلك أمراً. وإنما قلنا على وجه الاستعلاء (لأنه قد يحصل استدعاء فعل من النظير للنظير ومن الأدنى للأعلى، لكن لا يسمى ذلك أمراً) وإنما يسمى سؤالاً. وأما النهي: فهو استدعاء الترك بالقول. وقيل: هو استدعاء المنع بالقول. وإنما قلنا بالقول لأنه يحصل الترك والمنع بالفعل مثل أن يقيد عبده ويمنعه عما يريد، لكن لا يسمى ذلك نهياً.

стр. 63

٧٥ - وأما الإباحة: فهي مجرد الإذن، يقال لمن أذن للإنسان في دخول داره أو بستانه أو أكل طعامه أباحه ذلك. وأما المباح: فهو كل فعل مأذون فيه، لا يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه. ولا يلزمنا أفعال الصبي والمجنون فإنها لا شك لا يثابون على فعلها ولا يعاقبون على تركها. لكن احترزنا من هذا بأن قلنا كل فعل مأذون فيه. ٧٦ - وأما المستحب: فهو الذي للإنسان فعله. وأما القبيح: فهو ما ليس للإنسان فعله. فعلى هذا يكون المباح مستحباً. وقيل: (المستحب ما) مدح الإنسان على فعله. والقبيح: ما ذم على فعله. وعلى هذا لا يدخل المباح في المستحب. ٧٧ - وأما الجائز: فهو: ما وافق الشرع، يقال صلاة جائزة، وصوم جائز، وما أشبه هذا، وهذا يختص بالأفعال، ويستعمل في العقود الجائزة، كعقود المضاربات والشركات والوكالات وغير ذلك.

стр. 64

وأما التجوز فهو: العدول عن الحق. وأما العدول فهو: الميل إلى الحق، وهو وضع الشيء في موضعه. وأما الظلم فهو: مجاوزة الحد. ٧٨ - وأما الصحيح فهو: ما اعتد به. وأما الفاسد: فما لم يعتد به. وأما الإجزاء فهو: ما حصل به الكفاية. ٧٩ - وأما الشرط فهو: ما وجد الحكم بوجوده وانعدم بانعدامه مع قيام سببه، مثل: ما نقول في الرجم فإن الإحصان شرطه والزنا سببه فلو عدم الإحصان عدم الرجم. ٨٠ - وأما السبب فهو: ما توصل به إلى الشيء. وهو يقع في أشياء:

стр. 65

أولها: (هو عبارة عن الطريق والدليل عليه قوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾ أي طريقاً). (وهو) عبارة عن الباب، والدليل عليه قوله تعالى في قصة فرعون: ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ* أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ﴾. أي أبواب السموات والأرض. وكذلك قول الشاعر ١٠ ب/: ومن هاب أسباب المنايا ينلنه ... ولو نال أسباب السماء بسلم وهو عبارة عن الحبل لأنه يتوصل به إلى الماء، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾ أي بحبل إلى السماء وهو عبارة عن الشفيع. والدليل عليه قول الشاعر: ما أنت بالسبب الضعيف وإنما ... نُجْحُ الأمور بقوة الأسباب فاليوم حاجتنا إليك وإنما ... يُرجى الطبيب لقوة الأوصاب

стр. 66

٨١ - فصل: والكلام: مجموع أصوات وحروف تنبئ عن مقصود المتكلم. وهي ثلاثة أشياء: اسم وفعل وحرف. فالاسم: مأخوذ من السمة وهي العلامة، وحده: كل لفظ أفاد معنى غير مقترن بزمان معين، وقيل: كل معنى أمكن تصوره. والفعل: ما دل على حدث وزمان معين. والحرف: ما دل على معنى في غيره لا في نفسه وهو في المعنى جانب الشيء. يقال حرف الوادي أي: جانبه، وحرف الرغيف أي جانبه. ٨٢ - فصل: والأسماء على أضرب: منها: ما وضع أعلاماً وألقاباً ليحصل بها التمييز، فهي كالإشارة كقولك زيد وبكر وعمرو. ومنها: ما وضع ليسمي به صورة فأي (وقت) وجدت تلك الصورة سمي بها كقولك قوس، وكقولك إنسان.

стр. 67

ومنها: ما وضعت للجنس، كقولك العلم فإنه يدخل فيه جميع العلوم، ومثل قولك حيوان، فإنه يدخل فيه كل حيوان. ومنها: ما وضع لمعنى في المسمى كقولك ابن، وأب، وفوق، وتحت، فإن الأب لا يكون أباً حتى يكون له ولد، ولا يكون ولد إلا وله والد. ومنها ما اشتق من فعله كقولك: ضارب وآكل وشارب. ٨٣ - فصل: وقد يتفق الاسم ويختلف المعنى كالقرء فإنه اسم للحيض واسم للطهر، وكالشفق فإنه اسم للحمرة والبياض. وقد يتفق المعنى ويختلف الاسم مثل الزكاة والصدقة فإن معناهما واحد واسمهما مختلف. ٨٤ - والأسماء على ضربين: منها ما هو عام، ومنها ما هو خاص. فأما ما هو عام فهو على ضربين: منه عام ليس هناك شيء أعم منه، وهو مثل قولك: شيء ومعلوم وموجود وذات أو ما شابه هذا. ومنه ما هو عام بإضافته إلى ما هو أخص منه، وهو مثل قولك: عرض، فإن هذا عام بإضافته إلى لون، لأن العرض يعم اللون والطعم والرائحة، وهو خاص بإضافته إلى ما هو أعم منه وهو شيء لأن الشيء يعم العرض وغيره. وأما الخاص فعلى ضربين: خاص ليس هناك شيء أخص منه، وهو مثل تسمية الأعيان كقولك: يد، رجل، عين، وما أشبه هذا.

стр. 68

ومنه ما هو خاص إلا أن هناك ما هو أخص منه، وهو مثل قولك حيوان: فإن هذا اسم خاص لما فيه روح، لكن هناك ما هو أخص منه وهو آدمي أو فرس. ٨٥ - فصل: وقد يكون اسم واحد لشيئين متضادين مختلفي المعنى وهو حقيقة فيهما، مثل القرء فإنه اسم للطهر حقيقة، واسم للحيض حقيقة. وإن كان معناهما مختلفاً، ومثل سليم فإن هذا اسم للصحيح واسم للملسوع وهو حقيقة فيهما، وإن كان معناهما ١١ أ/ مختلفاً، ومثل قولك عالم فإن هذا اسم للمحدث والقديم حقيقة، وإن كان معناهما مختلفاً لأن علم المحدث هو إما علم ضروري أو اكتساب والقديم لا يوصف بهذا. ٨٦ - فصل: والأسماء على ضربين: منها ما هو مشتق ومنها ما هو وضع. فأما ما هو مشتق فمثل أحمد ومحمد وعلي، فإن أحمد مشتق من حامد، وعلى من عال وغير ذلك. وما هو وضع فهو: مثل قولك: يد، عين، رجل وغير ذلك. ٨٧ - مسألة: اختلف الناس في اللغات والأسماء،

стр. 69

فمنهم من قال (هي) وضع، ومنهم من قال (هي) توقيف، ومنهم من قال يجوز أن يكون وضعاً ويجوز أن يكون توقيفاً، ((ومنهم من قال)) ويجوز أن يكون بعضها توقيفاً وبعضها وضعاً. (وبهذا) قال ابن الفراء قال شيخنا: الذي يقوى عندي أنها وضع بإلهام من الله تعالى وقوة جعلت في المخلوقين حتى وضعوها، ثم عاد شيخنا فقال: الصحيح ما قال ابن الفراء.

стр. 70

٨٨ - والدليل عليه قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾. أي بلغه قومه، فجعل اللغة لهم والوضع إليهم. وأيضاً فإنه لا يجوز أن يكون توقيفاً لأن المخاطب لا يخاطب من لا يفهم بما لا يفهم فيكون ذلك لغواً، ألا ترى أنه لو خوطب أعرابي بالزنجية فإنه لا يفهم ويكون ذلك لغواً، وكذلك الزنجي بالعربية. وأيضاً فإنه لو كانت توقيفاً لما اختلفت اللغات، لأنه لم نعلم لآدم جميع اللغات، فلما اختلفت اللغات دلّ على أن هذا وضع، والذي يؤكد هذا أنا نرى أهل الصنائع المحدثة قد وضعوا أسماء لآلة صنائعهم، ولهذا تختلف أسماء الأشياء في البلدان. وأيضاً فإن الله لما خلق الخلق دعتهم الحاجة إلى التمييز بين الأشخاص والأشياء، فأشاروا إلى كل شيء باسم وميزوا بذلك الاسم بينه وبين غيره، فصار ذلك علماً له.

стр. 71

٨٩ - احتج المخالف بقوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ وهذا يدل على أنها توقيف. الجواب: أنه قيل إن علم آدم أسماء ذريته حسب. وقيل: إنه علمه أسماء ملائكة معينين، فلهذا قال: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ﴾ وهذا خطاب لمن يعقل. ولو أراد به جميع الأشياء لقال ثم عرضها على الملائكة. الثالث: أراد به أسماء ما كان مخلوقاً في ذلك الوقت ونحن لا نمنع أن يكون بعض الأسماء توقيفاً. الرابع: أن هذه الآية محتملة لأنه يحتمل أنه علمه يعني: ألهمه، أو علمه البعض، أو جعل له قوة حتى وضع هذه الأسماء، ويحتمل ما قلتم، وإذا احتمل هذا وهذا وقف، وهو أنا نحمله على ما ذكرنا بأدلتنا. والذي يؤيد هذا أنه كان قبل آدم لغة وهو قول الملائكة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ فثبت بهذا أنه ما علمه جميع الأسماء. احتج بأنه يبعد مع كثرة الناس، واختلاف آرائهم، وبعد مقاصدهم أن يجتمعوا على وضع شيء.

стр. 72

والجواب ١١ ب/ أن في بدء الخلق كانوا قليلين فيمكنهم الوضع، ولهذا قيل: إن الذين خرجوا من السفينة كانوا ثمانين نفراً، وهؤلاء يمكنهم الاجتماع على وضع. الثاني: أنه لا يجوز أن يكون توقيفاً لما ((اختلفت)) اللغات، ونحن نعلم أنها مختلفة. والثالث: أنه يحتمل أن الله جعل لهم همة أن وضعوا هذه الأسماء، كما جعل لهم همة في أكلهم لما ينفعهم واجتنابهم ما يضرهم.

стр. 73

٩٠ - فصل: والكلام على ضربين: مهمل ومستعمل. فالمهمل: ما لم يفد معنى ولا حاجة إليه. وأما المستعمل: فما أفاد معنى. وهو على ضربين: (ضرب) يدخله الحقيقة والمجاز، وضرب لا يدخله الحقيقة ولا المجاز. فأما ما لا يدخله الحقيقة ولا المجاز فمثل الألقاب، كقولك زيد وبكر وخالد، فهذه أعلام لا يدخلها الحقيقة ولا المجاز. وأما الذي يدخله الحقيقة والمجاز، فهو كل اسم مشتق كقولك: قاتل، وضارب، وشارب، وشاتم، وشجاع، وغير ذلك. ٩١ - إذا ثبت هذا، فحد الحقيقة: كل اسم أفاد معنى على ما وضع له. وحد المجاز: كل اسم أفاد معنى على غير ما وضع له. وقيل حد الحقيقة: كل اسم وقع عليه الاصطلاح على ما وضع له حين التخاطب. وحد المجاز: كل اسم غير ما وقع عليه الاصطلاح على ما وضع له حين التخاطب.

стр. 74

وهذا حد قاصر لأن قائل هذا عنده (لو) وضع واضع اسم محدث يفيد معنى، فإنه لا يكون حقيقة ولا مجازاً وكل اسم لا يدخله الحقيقة ولا المجاز فهو مهمل، فهذا حد قاصر من هذا الوجه. فقيل: أنتم تقولون مثله لأن عندكم لو سميت السماء بالأرض لا يجوز ذلك، وإن كان هذا المعنى موجوداً. قيل: لا نسلم ونقول عندنا (يجوز)، ومن سلم قال: إذا سميت السماء بالأرض لا يفيد معنى ولا يستدل بها على السماء، وليس كذلك إذا سمى الرجل أسداً، فإن المراد به أنه في الجرأة والقوة والوقاحة. ٩٢ - فصل: اختلف الناس في اللغة، فقال الأكثرون: يدخلها الحقيقة والمجاز، وقال البعض: لا يدخلها المجاز بل هي حقيقة. ٩٣ - وقائل هذا لا يخلو إما أن يقول إنهم سموا الرجل البليد حماراً، والشجاع أسداً: والرجل السخي بحراً، أو ما سموه بهذه الأسماء، فإن قال ما سموه فلا يتكلم معه لأنه مكابرة (للمشاهدة)، وإن قال سموه بهذه الأسماء لكن هي حقيقة فيه.

стр. 75

قيل: هذا لا يصح لوجهين: أحدهما: أنه لو كان حقيقة فيه، لكان إذا قال: رأيت حماراً، أن لا يسبق إلى فهمه الحمار المعهود، بل ينزل هو والرجل البليد لأنه على قوله حقيقة فيهما، فلما سبق فهمه دل على أنه مجاز في الرجل البليد. والثاني: أنه يحصل نفيه، فإن قال: أردت أنه في البلادة وقلة الذكاء مثله. قيل: فهذا التشبيه يدل على أنه مجاز. فإن قيل فنحن نقول: هو حقيقة إذا انضمت إليه ((مثل)) هذه القرائن. قيل: هذه التشبيهات في كتب أصحاب اللغة وأشعارهم مجاز. والثاني: أنه لما احتاج إلى قرينة دل على أنه مجاز لأن الحقيقة لا تحتاج إلى قرائن ١٢ أ/. ٩٤ - احتج المخالف بأن الحقيقة قد عمت جميع الأشياء، فما بنا حاجة إلى المجاز، لأنه لا يفيد ويكون ذلك عبثاً. والجواب: أنه يفيد (الغاية) لأنه لو قال: هذا رجل سخي كريم سمح ما بلغ بمثل قوله: هذا بحر، والثاني: أنه يفيد الاختصار في الكلام وحذفه وعدم تطويله لأنه إذا أراد أن يصف نفسه
следующие страницы →