← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14103

التمهيد في أصول الفقه

أبو الخطاب الكلوذاني

Полный текст (1 668 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

سيبويه: إذا قال الرجل رأيت زيداً فعمراً، فإنه يقتضي أنه رأى عمراً عقيب زيد. والدليل على هذا أنه يقال من دخل داري فأعطه درهماً، فإنه يكون الإعطاء عقيب الدخول، وكذلك يقول الرجل لعبده: إذا رأيت الأمير فترجل، فإنه يكون الترجل بعد الرؤية. ١٣٢ - فصل: وأما ثم فإنها تكون للترتيب (و) التراخي، وترد في بعض المواضع للجمع. فأما موضع تكون فيه للترتيب والتراخي فكقول الرجل لعبده: ادخل هذه الدار ثم هذه الدار، واركب هذه الفرس ثم هذه الفرس، واشتر الخبز ثم التمر. فإن هذا كله ما أمره به أولاً، ثم الثاني على التراخي والانفصال. والدليل على أنها تكون في موضع للجمع قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ﴾، معناه: والله شهيد.

стр. 107

١٣٣ - وأما الباء فإنها تراد للإلصاق والامتزاج. فأما الإلصاق فكقولك: ألصقت ظهري بالحائط ومسحت برأس اليتيم وأخذت بزمام الناقة. وأما الامتزاج فتقول: مزجت الماء باللبن والخل بالدهن. وذهب أصحاب الشافعي إلى أنها تكون للتبعيض ((واستدلوا بأنه إذا قال)) مسحت برأس اليتيم، وأخذت بزمام الناقة لا يكون أخذ إلا ببعض الزمام، ومسح ببعض الرأس. الجواب عنه: أنها لو كانت للتبعيض لما دخلت فيما لا يتبعض، ومعلوم أنه يقال تزوجت بامرأة وطفت بالبيت ومعلوم أن هذا لا يتبعض. وأما ما استدلوا به فإن هناك استدللنا على التبعيض بقرينة لا بالباء، ولأن هناك ليس المقصود منه التبعيض وإنما كان مقصوده من مسح رأس اليتيم الحنو والشفقة، ومن أخذ زمام الناقة انقيادها لا أنه يريد التبعيض. ١٣٤ - ومن الحروف من وإلى، فمن لابتداء الغاية، وإلى لانتهاء الغاية، يقال: سرت من الكوفة إلى البصرة، وينبني على

стр. 108

هذا مسائل منها: إذا قال بعتك من هذا الحائط إلى هذا الحائط، ومن هذه النخلة إلى هذه النخلة، وله عليّ من درهم إلى عشرة هل يدخل الحد في المحدود أم لا؟ فيه خلاف. وإلى: قد تدخل في مواضع بمعنى مع قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَاكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ يعني مع أموالكم. ومن: قد تدخل في بعض المواضع للتبعيض يقول: خذ من الدراهم، وكل من الطعام يعني البعض. وكذلك قال الله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ يعني ببعضه. ١٣٥ - فصل: ومن الحروف على وهي: للإيجاب، تقول له عليَّ كذا وكذا، وله على فلان كذا وكذا. ١٣٦ - فصل: ومن الحروف "في" وهي: للظرف تقول (له): عندي تمر في جراب، ودابة في اصطبل، يكون ذلك إقراراً بالمظروف دون الظرف وفي هذا خلاف. ١٣٧ - فصل: ومن الحروف اللام وهي: للتمليك، يقال دار لزيد وغلام لعمرو.

стр. 109

وقد تدخل في بعض المواضع للتعليل كقوله تعالى: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً﴾. معناه: لئلا، وكذلك قول النبي ﷺ : "إنما نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي لأجل الدافة"، والدافة هي الفاقة. وقد يكون في مواضع (للتجزئة) كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾. وقد تكون في موضع للعاقبة: كقوله تعالى: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾. وكذلك قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾ وأصلها أنها للتمليك فلا يجوز العدول عنه إلى هذه الأشياء إلا بدليل، وكذلك جميع ما ذكرنا.

стр. 110

ونذكر من الحروف، الأصل فيها من اللغة ما يقتدى به، ولا ١٧ أ/ يجوز العدول عن ذلك الشيء إلا بدليل، وعلى أن اللام قد قيل: إنما تدخل في ثمانية وعشرين موضعاً، وقيل نيف وأربعين، وإنما ذكرنا ذلك لأنه يتكرر في الفقه. ١٣٨ - فصل: ومن الحروف "إنما" وهي للحصر، وقد عبر عنها بأنها لإثبات المشار إليه ونفي ما عداه كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ معناه لا إله إلا الله. ١٣٩ - فصل: ومنها أيضاً (لا) للنفي في نكرة، فإن كان في النهي استغرق الجنس مثاله أن يقول: لا تأكل الطعام، فإنه لا يجوز ان يأكل شيئاً من الأطعمة. وكذلك إذا قال: لا تصل شيئاً (فإنه لا يجوز أن يصلي شيئاً) من الصلوات والنفي في النكرة إذا كان في الخبر فالظاهر أنه كذلك، ومثاله أن يقول: لا آكل خبزاً ولا آكل طعاماً. ١٤٠ - فصل: وأما الإثبات في النكرة فإنه إذا كان في الأمر لم يستغرق الجنس وإنما (يمتثل) الأمر بما يقع عليه الاسم

стр. 111

مثاله أن يقول: "صل" فإنه يصلي ما يقع عليه اسم الصلاة، وكذلك إذا قال: "كل طعاماً فإنه يأكل أي شيء أراد من الأطعمة وأي قدر أراد (مما) يقع عليه اسم الطعام.

стр. 112

باب حروف الصفات التي (يقوم بعضها مقام) بعض ١٤١ - فمن ذلك "على": وينوب عنه ثلاثة أحرف. أحدها: "في"، كقوله تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ معناه على جذوع النخل. وكقول الشاعر: هم صلبوا العبدىَّ في جذع نخلةٍ أي على جذع نخلة. الثاني: "اللام" كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ﴾ أي عليه، وقول الشاعر:

стр. 113

فخر صريعاً لليدين وللفم أي: على اليدين وعلى الفم. والثالث: "من"، كقوله تعالى: ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ﴾ أي على القوم. ١٤٢ - وتنوب على عن حرفين: أحدهما: "من" كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ﴾ أي من الناس. والثاني: "عند"، كقوله تعالى في قصة موسى: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ أي عندي ذنب. ١٤٣ - فصل: ومن ذلك "الباء": وينوب عنها حرفان: أحدهما: "من" كقوله تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ أي بأمر الله، وكذلك قوله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ سَلَامٌ هِيَ﴾ أي بكل أمر.

стр. 114

والثاني: "عن" كقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ معناه بالهوى. ١٤٤ - وتنوب عن ثلاثة أحرف: أحدها: "من" كقوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ أي يشرب منها، وكقول الشاعر: شربت بماء الدحرضين فأصبحت ... زوراء تنفر عن حياض الديلم أي شربت من ماء الدحرضين، والديلم هم الأعداء. والثاني: "عن" كقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ أي اسأل عنه خبيراً، وكقول الشاعر: وإن تسألوني بالنساء فإنني ... عليمٌ بأدواء النساء طبيب ويقولون ما بالقوس أي عن القوس. الثالث: "اللام" كقول الله تعالى: ﴿مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ أي للحق.

стр. 115

١٤٥ - وينوب إلى عن "مع" كقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَاكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾، وكقوله تعالى: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ أي مع الله، ويقال: (ذود إلى ذود أي مع ذود). ١٤٦ - وينوب ((اللام عن إلى))، كقوله تعالى: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ أي أوحى إليها.

стр. 116

باب ترتيب أصول الفقه ١٤٧ - وأصول الفقه: طريق توصل إلى معرفة الفقه، ينبغي أن يعرف مراتبها وطرقها وكيفية الاستدلال بها. وإنما ذكرنا ذلك لأنها متعلقة بالخطاب، فأول ما ينبغي أن يعلم حدود الخطاب (وحقيقته) ومجازه والحروف الداخلة عليه والمغيرة له. ولهذا المعنى بدأنا بذكرها وسنذكر الخطاب. وأول ١٧ ب/ ما ينبغي أن نبدأ به من الخطاب الأمر والنهي لأنه أعلى حالات الخطاب، لأن به يثبت الإيجاب (ويتحتم) الإلزام، وإنما قدمنا الأمر والنهي على الخاص والعام، لأن الخاص والعام من فوائد الأمر والنهي، والأولى أن يعرف الشيء في نفسه ثم يعرف بعد ذلك فوائده. وإنما يقدم الأمر على النهي، لأن الأمر مثبت والنهي منفي، والإثبات مقدم على النفي. ونذكر بعد ذلك الخاص والعام، وإنما نقدمه على المجمل والمفسر لأنه خطاب مفهوم جلي، والمجمل والمفسر خطاب خفي، والجلي مقدم على الخفي.

стр. 117

ونذكر بعد ذلك المجمل والمفسر ونقدمه على الأفعال، وإنما كان كذلك لأنه وإن كان مجملاً فهو من الخطاب، والخطاب مقدم على الأفعال. ونذكر بعد ذلك الأفعال ونقدمها على الناسخ والمنسوخ، وإنما كان كذلك لأن الأفعال موجبة ومثبتة ويدخل عليها النسخ، فلهذا المعنى ألحقناها بالخطاب. ونذكر بعد ذلك الناسخ والمنسوخ ونقدمه على الإجماع لأجل أنه يدخل على الخطاب والأفعال، (ويغير) الأحكام فيها فلا يدخل على الإجماع، فلهذا قدمناه. ونذكر بعد ذلك الإجماع ونقدمه على القياس، وإنما كان كذلك لأنه دليل مقطوع وبه نستدل على جواز الاستدلال بالقياس، لأن الصحابة اجتمعت على الاستدلال بالقياس فكأنه أصل للقياس، والأصل مقدم على الفرع. ونذكر بعد ذلك القياس ونقدمه على الحظر والإباحة وعلى المفتى، وإنما كان كذلك لأنه دليل من أدلة الشرع مثبت، وإنما يكون الحظر والإباحة بينهما، والمفتي إنما يفتي إذا عرف ما القياس وما الدليل، ولا يجوز له أن يفتي حتى توجد في حقه، والمستفتي لا يجوز أن يستفتي حتى يعدم في حقه، فلهذا قدمناه.

стр. 118

ونذكر بعد ذلك المجتهد وهل كل مجتهد مصيب؟ والحظر والإباحة، وما نبينه بعد ذلك إن شاء الله تعالى.

стр. 119

مسائل الأمر ١٤٨ - مسألة: الأمر: استدعاء الفعل بالقول على وجه الاستعلاء، من غير اشتراط إرادة الآمر المأمور به . وقالت المعتزلة: هو ما ذكرتم إلا أن الاستدعاء لا يكون إلا بإرادة، والإرادة مشروطة فيه. وقال بعضهم: هو إرادة الفعل بالقول على وجه الاستعلاء. ١٤٩ - لنا أن الله تعالى أمر إبراهيم ﵇ بذبح

стр. 120

(ابنه) ولم يرده، لأنه لو أراد ذلك لوقع منه على أصلنا، ولم يجز أن يمنعه منه عندكم لأن الأمر بالشيء يدل على حسن ذلك الشيء، ولا يجوز نهيه تعالى عن الحسن. فإن قيل: من أين يثبت أن إبراهيم رأى في المنام صيغة الأمر؟ قيل: من حيث إنه لو لم يؤمر لم يجز له أن ((يأخذ)) ابنه ويضجعه للذبح، لأن ذلك محظور، فثبت أنه أمر بذلك وحياً في المنام، ومنامات الأنبياء وحي. وجواب آخر: أنه قال تعالى في الحكاية عن ابنه: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ فإن قيل: يحتمل قوله: "افعل ما تؤمر" في المستقبل، ولو أراد ذلك في الماضي لكان يقول: افعل ما أمرت من الذبح وغيره. قيل: لا يجوز ذلك لأن فيه جواباً عن إخباره إياه بأنه رأى أنه يذبحه في الماضي، فثبت أن قوله "افعل ما تؤمر" المراد به ما أمرت به من الذبح، فلما أضجعه دل على أن الأمر كان به، على أنه لو أراد به

стр. 121

في المستقبل لم يقل: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾. لأنه لا يعلم بما يؤمر به في المستقبل فيصف نفسه بالصبر عنه. فإن قيل: ما أمر به هو مقدمات الذبح من الإضجاع والأخذ بالمدية وتَلِّه للجبين وقد فعله. قيل: حقيقة الذبح قطع مكان ١٨ أ/ مخصوص معه تبطل الحياة. وجواب آخر: لو كان المأمور به المقدمات لم يكن في ذلك بلاء مبين، ولا يحتاج فيه إلى الصبر، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ﴾. وقال: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾. ثم هذا خلاف الظاهر لأنه قال في القرآن: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾، دل على (أن) الأمر تناول الذبح. فإن قيل: فقد فعل (الذبح) ولكن الله تعالى كان يلحم ما يفريه إبراهيم شيئاً فشيئاً، ودل على ذلك قوله تعالى: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾.

стр. 122

قيل: لو كان كذلك لما افتقر إلى فداء لأنه فعل المأمور به، ثم لو صح هذا لذكره سبحانه لأن هذا من (الآيات) الباهرة وذكره وإعجازه أعظم وقوله: "قد صدقت الرؤيا" معناه قد امتثلت الأمر إذ اعتقدت جوبه وحقيقة العزم (على) فعله فكنت بذلك مصدقاً للأمر. ١٥٠ - وأيضاً قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. فمنها دليلان: أحدهما: أنه أخبر أن كن بمجردها أمر. والثاني: أنه قد يكون أمر بإرادة وبغير إرادة وعندهم لا معنى لذكر الإرادة لأنه لا يكون أمراً إلا بإرادة. ١٥١ - وأيضاً فإنه سبحانه أمر برد الأمانات وقضاء الدين بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَامُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾

стр. 123

(ثم) يثبت أنه لو قال: والله لأؤدين إليك أمانتك اليوم. والله لأقضينك دينك اليوم إن شاء الله، فلم ((يصدق)) أنه لا يحنث، وكان من الواجب على أصلهم أنه يحنث لأن الله تعالى قد شاء ما أمر به من قضاء الدين وتأدية الأمانة. ١٥٢ - وأيضاً فإنه لو كان من شرط الأمر الإرادة لم يجز للعرب أن يسموا من قال لعبده: افعل كذا، آمراً من قبل أن يعلموا إرادته، فلما أطلقوا عليه هذا الاسم قبل علمهم بها دل على أن هذه الصيغة أمر من غير إرادة. فإن قيل: إنما قلنا إذا قال السيد لعبده: افعل أمراً لقرينة ((عادات)) الناس، فإن العادة جارية بأن يقول السيد لعبده: افعل الأمر، هو يريده. قيل: عادات الناس منقسمة، منهم من يأمره بأمر ويريده، ومنهم من يأمره (بأمر) ولا يريده، ولهذا يأمر عبده ويكرهه إذا كان قصده أن يعرف أصدقاءه عصيان العبد له، ليسقط لومهم له في ضربه، فدل على بطلان ما ذكرتم.

стр. 124

١٥٣ - وأيضاً فإن أهل اللغة حدوا الأمر بقول القائل "افعل" مع الرتبة ولم يشترطوا الإرادة، مع أنهم اشترطوا الرتبة، فلو كانت شرطاً لم يخلوا بذكرها، فدل على أن الصيغة تكون أمراً من غير إرادة. ١٥٤ - وأيضاً: فإنه قد يحسن أن يقول الرجل لعبده: أمرتك بكذا ولم أرده، ولو كان من شرط الأمر الإرادة لما حسن ذلك، كمنا لا يحسن أن يقول الرجل لعبده: أردت منك كذا وكذا ولم أرده، بل عدوه تناقضاً. وأيضاً فإنا نجد أمراً من غير مريد وهو المكره فدل على أن الأمر قد ينفك عن الإرادة. ١٥٥ - احتجوا بأشياء منها: أن صيغة الأمر ترد والمراد بها الأمر كقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ﴾. وترد والمراد بها التهديد كقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾. وترد والمراد بها التعجيز كقوله تعالى: ﴿فَاتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾.

стр. 125

وترد والمراد بها التكوين كقوله تعالى: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾. وترد والمراد بها الهوان كقوله تعالى: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾. وترد والمراد بها الإباحة كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾. وإنما ينفصل الأمر منها مما ليس بأمر ١٨ ب/ بالإرادة فدل على كونها شرطاً. الجواب: (أنا) لا نسلم أن الأمر تميز عما ليس بأمر بالإرادة، وإنما ينفصل الأمر عما ليس بأمر بالاستدعاء كقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ أمر. فأما بقية الصيغ فليس باستدعاء فلم يكن أمراً، وإذا تميز الأمر بما ذكرنا بطل احتجاجهم. وعلى أن الصيغة في تلك المواضع عدلنا عنها لقرينة كما عدلنا عن أسماء الحقائق في الأسد والحمار إلى المجاز في الرجل الشجاع والبليد لقرينة، والخلاف في الصيغة المتجردة عن القرائن لأمر.

стр. 126

١٥٦ - احتجوا بأن العرب لا يفرقون بين قولهم افعل كذا، وبين قولهم أريد منك كذا. الجواب: أنا لا نسلم فإن قوله "أريد" إخبار عن إرادته. وليس باستدعاء ولهذا يدخله التصديق والتكذيب، وقولهم "افعل كذا" استدعاء. ولهذا لا يدخله التصديق والتكذيب فافترقا. ولأنهم لو لم يفرقوا لما أنكروا قول القائل لعبده: أريد منك كذا ولست أريده، وعدوه تناقضاً وقبحاً، ولم ينكروا قول القائل لعبده: افعل كذا ولست أريده. ١٥٧ - احتج بأن النهي إنما يكون نهياً لعلمنا أن الناهي يكرهه. وكذا يقتضي إنما يكون الأمر أمراً لكون الآمر يريد. الجواب: أنا لا نسلم، ونقول النهي إنما كان نهياً للزجر عن الفعل بالقول على وجه الاستعلاء، ولا فرق بينه وبين الأمر. ١٥٨ - احتجوا بأنه لا يخلو إما أن تجعلوا لفظة "افعل" أمراً لصيغة فيبطل ذلك بلفظ التهديد وغيره (أو) تجعلوها أمراً لقيام الدليل على أنه ((لا)) يراد بها التهديد والتعجيز وما أشبه ذلك فيبطل بكلام الساهي والغائب: (و) قد قام الدليل على أنه لم يرد هذه الأشياء وليس هذه الصيغة في حقه أمراً، فإذا بطل هذا ثبت أن المتكلم بهذه الصيغة على غير وجه السهو/ غرضه بإيرادها إيقاع المأمور به، وهذا هو نفس الإرادة. فقد تم ما ذكرناه.

стр. 127

الجواب: أنا نجعلها أمراً لكونها استدعاء (لفعل متجردة) على وجه الاستعلاء لا للإرادة (ثم نقول) إذا جاءت متجردة اكتفينا في الحكم عليها بأنها أمر وإنما يحتاج من استعملها في غير الأمر إلى دليل (ويخرج على هذا الساهي والغائب وإن وجدت منه هذه الصيغة إلا أنه ليس على وجه الاستعلاء فلهذا لا يكون أمراً). وجواب آخر يجوز أن يقول إنها تكون أمراً (لإرادة) المتلفظ بها (أن تكون أمراً) كما قالت المعتزلة أن الخبر إنما يكون خبراً لإرادة المتكلم به أن يكون خبراً، فما أنكرتم أن يكون في الأمر مثله. فإن قيل: فيجب أن تكون الصيغة أمراً إن كره المأمور به وذلك باطل بالتهديد. قلنا: إنما لم يكن التهديد أمراً لأنها غير متجردة (عن القرائن). وجواب ثالث: لو كان الأمر إنما يكون أمراً إذا أراد الآمر الفعل لما جاز أن يستدل بالأمر على الإرادة لأنه لا (يُعْلَمُ أمر) قبل العلم بالإرادة.

стр. 128

جواب رابع: أنا لا نسلم أن الآمر يريد إيقاع المأمور (به) فقط (بل) قد يريده وقد لا (يريد ذلك، وقد) بينا ذلك في أدلتنا. فإن قيل: لو لم يكن من شرطه الإرادة لصح الأمر من البهيمة. قيل: إنما لم يصح منها لعدم النطق (والتمييز) لأن الأمر استدعاء (الفعل) بالقول وقد عدم (في حقها) ولهذا المجنون (يريد ولا يصح منه الأمر لعدم ذلك). ١٥٩ - مسألة: (للأمر صيغة موضوعة في اللغة

стр. 129

وهي قول القائل افعل)، وقالت الأشعرية: ليس للأمر صيغة في اللغة وإنما صيغة "افعل" (معنى قائم في الذات) مشتركة بين الأمر وغيره يحمل على أحدهما بقرينة. ١٦٠ - دليلنا ١٩ أ/ أن السيد إذا قال لعبده: اسقني ماء فلم يسقه استحق التوبيخ (والعقوبة) عند أهل اللغة. ولو لم تكن هذه الصيغة موضوعة للاستدعاء لما استحق (التوبيخ). فإن قيل: إنما استحق العبد ذلك لقرينة وهي علمنا بشاهد الحال أن السيد أراد الشرب. قلنا: هذا دعوى، لأنَّا لا نعلم مراده، وإنما تعلقت العقوبة بمخالفة هذه الصيغة لا غير. ١٦١ - وأيضاً فإن أهل اللسان قسموا الكلام فسموا (قوله/) "افعل" أمراً، "ولا تفعل نهياً، "وزيد في الدار" خبراً، "وهل خرج عبد الله"؟ استخباراً. ولم يشترطوا (في الأمر) قرينة تدل على أنه أمر. فدل على أن مجرد الصيغة أمر.

стр. 130

فإن قيل: هل يعلم بذلك نقل متواتر عن العرب. قلنا: إجماع أهل اللسان على ذلك دليل على كونه مستفيضاً عندهم متواتراً (كاستفاضة سخاء حاتم) وشجاعة عنترة وحلم الأحنف)، ثم لو اشترطنا التواتر في اللغة لم يمكن إثبات غريب القرآن وشواذ العربية، (وفي) علمنا أن السلف كانوا يستشهدون على إثبات ذلك بالبيت (من الشعر والبيتين) لا يعرف قائله دليل على أنه لا يشترط التواتر.

стр. 131

فإن قيل: (فالعرب) لم تشترط المرتبة في الصيغة وعندكم (هي شرط فكذلك) عندنا في القرينة. قيل: لا نسلم ذلك، بل يسمون هذه الصيغة من الأدنى مسألة وطلباً، (ومن الأعلى إلى الأدنى رتبة واستعلاء، فدلّ على أن العرب قد شرطوا في الصيغة رتبة). ١٦٢ - وأيضاً فإن (قولهم) "افعل" مصرف من قوله فعلت، والمصرف (من كل فعل يدل على ما يدل عليه الفعل، فلما كان قوله فعلت) يقتضي وجود الفعل، يجب أن يكون قوله افعل يقتضي إيجاد الفعل. ١٦٣ - وأيضاً فإنا لا نجد (في العقل) من (لم) توجد منه هذه الصيغة يسمى آمراً بوجه، ولو كان الأمر أمراً لقيامه في النفس لسمي من لم يوجد (منه) ذلك أمراً. ١٦٤ - (وأيضاً فإن الحاجة داعية إلى معرفة الأمر والنهي، لأن أكثر مخاطبات الناس به، فمن المحال أن لا يضع واضعو اللغة

стр. 132

لذلك صيغة تدل عليه، مع كونهم قد وضعوا للخمر عدة أسماء، وكذلك للسيف والأسد والهر، فدل على أنهم وضعوا له صيغة وهي هذه اللفظة). ١٦٥ - واحتج الخصم بقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ وقوله: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ﴾. (قد أخبر للنفس قولاً، ومع هذا لا نحكم به حتى نجد قرينة نحمله عليه، كذلك ههنا). الجواب: أن هذا يدل على أنه قد يوجد في القلب ترتيب (الكلام)، غير أنه لا يسمى أمراً ولا نهياً ثم (إن) هذا مجاز واتساع والحقيقة ما (ذكرنا). ١٦٦ - احتج بأن قال: إثبات الصيغة (في اللغة) لا يخلو إما أن يكون بالعقل ولا مجال له في ذلك، أو بالنقل فلا يخلو إما أن يكون (آحاداً فلا) يثبت به أصل، أو تواتراً ولو كان

стр. 133

لعلمناه كما علمتموه، فلما بطل هذا دلّ على أنه (لا) أصل لإثبات الصيغة. الجواب: (ينقلب عليكم هذا المعنى) في إثبات الاشتراك في قوله افعل (فلا) يخلو إما أن يكون بالعقل أو بالنقل وهو باطل على ما قسموه. وعلى أنا أثبتنا ذلك من طريقين: أحدهما: إجماع (عقلاء) العرب وأهل اللسان على تقريع العبد ولومه إذا خالف هذه الصيغة. والثاني: اتفاقهم على التفريق بين الأمر والنهي في أقسام الكلام. ١٦٧ - احتج بما تقدم في المسألة الأولى من أن هذه الصيغة قد ترد والمراد بها تارة أمراً، وتارة تهديداً، وتارة تعجيزاً، وليس حملها على أحد هذه الوجوه بأولى من حملها على الآخر، فوجب التوقف فيها حتى تقترن قرينة كما توقفنا في الأسماء المشتركة مثل اللون والعين. والجواب: أن هذه الصيغة بمجردها موضوعة للاستدعاء وإنما تصرف عن الاستدعاء بقرينة، (وفارق) اللون والعين فإن تلك الأسماء (لم توضع) لشيء معين، ولهذا لو أمر عبده بتلوين

стр. 134

الثوب بالصبغ لم يستحق الذم بأي صبغ صبغه. ولو قال لعبده أسقني ماء فلم يسقه (إلا الماء الصالح للشرب) ((لم يستحق الذم)) على ذلك. وعلى أن هذا يبطل بالأسد والحمار والبحر، فإنه يعبر بها عن أشياء ثم بإطلاقها لا توجب التوقف. ١٦٨ - (ودليل لنا وهو أن لفظة افعل لو كانت مشتركة بين الأمر وغيره لما سبق إلى فهمنا أن السيد إذا قال لعبده افعل أن ذلك أمر، فلما سبق ذلك إلى فهمنا دل على أنه حقيقة في الأمر مجاز في غيره، ألا ترى أنه لو قال لعبده اصبغ الثوب، أو ائت العين لم يسبق إلى فهمنا عين دون عين). (ويتوجه للمخالف أن هذا الدليل احتجاجهم الذي قبله وهو أن الأمر قد يرد والمراد فيه كذا وكذا) والله أعلم بالصواب. ١٦٩ - مسألة: الأمر ليس بحقيقة في الفعل ، نص

стр. 135

عليه أحمد في رواية "إسحق بن إبراهيم" فقال: ((الأمر من النبي ﷺ سوى الفعل، لأن النبي ﷺ قد يفعل الشيء على جهة الفضل، ولأن النبي ﷺ قد يفعل الشيء وهو له خاصة، وإذا أمر بالشيء فهو للمسلمين عامة وأمره توكيد)). وقال بعض الشافعية: الأمر حقيقة في الفعل كما هو حقيقة في القول. ١٧٠ - لنا أنه لو كان (الفعل) حقيقة في الأمر لا طرد فيه فكان يسمى: الأكل والشرب والنوم أمراً.

стр. 136

فإن قيل: أليس قد يقال في الأكل الكثير هذا أمر عظيم؟ قلنا: إنما يقال فيه ذلك من حيث هو شيء لا من حيث هو فعل، ولهذا لا يقال في الأكل القليل إنه أمر قليل، وإنما يقال في ذلك هذا أمر من الأمور كما يقال فيما ليس بفعل، وكما يقال ذلك في (كل) ما لا يعقل من الحيوان وإن لم يتصور منه الأمر وإنما يراد به (أنه) شيء من الأشياء وأمر من الأمور. فإن (قيل: اسم الأمر إنما يقع على جملة ما وجد من الأفعال فلا يلزم أن يطرد في آحادها لأنا لم نجعله عبارة عن آحادها). قلنا: مذهبكم أن اسم الأمر عبارة عن آحاد الأفعال، ولهذا تستدلون بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ والمراد به كل فعل من أفعاله. ثم قوله هو عبارة عن جملة الأفعال غلط، لأنه لا طريق لنا إلى العلم بأن جملة الأفعال وحدها يقع عليها هذا الاسم إلا قول القائل أمر فلان مستقيم، وهذا يدخل فيه جميع شأنه وطرائقه من (أقواله وأفعاله ولهذا سمي) أمراً.

стр. 137

١٧١ - وأيضاً فإن أهل اللغة حدوا الأمر بأنه الاستدعاء بالقول على وجه الاستعلاء، فإذا نقل إلى الفعل احتاج دليل، ولأنه كان يجب أن يقال في فاعل الفعل إنه (أمر بذلك الفعل وأنه) يلزم الفعل الطاعة والمعصية كالقول. ١٧٢ - وأيضاً فإنه لو تناول (الأمر الفعل) حقيقة لَوَجَب أن يشتق منه لفاعله اسم آمر، وأن يتصرف في الفعل كما يتصرف في القول، فيقال أمر يأمر أمراً، (ولا يقال لمن صلى وصام أنه أمر). وأيضاً: فإنه كان ٢٠ أ/ يجب أن يقال لفاعل الفعل إنه آمر فلما لم يشتق له اسم آمر بل صح نفيه دلّ على أنه (ليس بأمر حقيقة). ١٧٣ - احتجوا بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾، (والمراد به فعله). (قلنا): المراد به قوله ولهذا قال: ﴿فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ﴾ والاتباع إنما يكون في القول.

стр. 138

١٧٤ - احتج بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾. الجواب: أنه لم يرد بذلك (أن) فعله كلمح بالبصر، وإنما المراد بذلك أن من صفته وشأنه (أنه) إذا أراد شيئاً قال له كن (فيقع منه كلمح البصر) في السرعة. ١٧٥ - احتج بأن قال: الأمر قد استعمل في الفعل كما استعمل في القول بدليل قوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾، وقوله: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾. وقوله: ﴿وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا﴾ وقال الشاعر: فقلت لها أمري إلى الله كله ... وإني إليه في الإياب لراغب والمراد بذلك كله الفعل. (الجواب أنا لا نسلم بل المراد بهذه الألفاظ قوله ولهذا قال: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾.

стр. 139

وأما فعله فكلا). (لا على أن) هذه الألفاظ جميعها (المراد) بها شأنه وحاله من القول والفعل وغيره (فعبر عنها بالأمور) لأجل القول، والفعل تبعاً، ثم إنه استعمل في هذه المواضع كلها مجازاً كما استعمل اسم الحمار في الرجل البليد، واسم الأسد في الرجل الشجاع، وكما يقال جاء المطر والحر والبرد، قال تعالى: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾. وقال الشاعر: وقالت له العينان سمعاً وطاعةً (والدليل على أنه مجاز أنه يحسن نفيه، فمن فعل يقال لم يأمر وإنما فعل. ١٧٦ - احتج بأن أهل اللغة فرقوا بين جمع أمر الأقوال، وبين جمع أمر الأفعال، فجعلوا أمر الأقوال أوامر، وجمع أمر الأفعال أموراً، والجمع أحد أدلة الحقائق فلم أسقطتم؟

стр. 140

الجواب: أنا لا نسلم أن كلا القسمين يجمعهما لفظة واحدة وهو قوله أمور فلان مستقيمة، وأما لفظة أوامر فهي جمع ((آمرة))، على أنه لو استعمل لكل واحد منهما لفظة إنما هو مجاز، كما يقال: كل أمور فلان وكل أمره، أوامره مستقيمة). ١٧٧ - مسألة: إذا تجردت صيغة الأمر (عن القرائن) اقتضت الوجوب ، نص عليه أحمد في مواضع، فقال في رواية

стр. 141

صالح: إذا صلى خلف الصف ((وحده أرى أن)) يعيد الصلاة، (لأن النبي ﷺ رأى رجلاً صلى خلف الصف فأمره بإعادة الصلاة). (وقد قال) في رواية مهنا وقد ذكر له قول مالك (في) الكلب يلغ في الإناء: "لا بأس به". فقال:

стр. 142

ما أقبح هذا من قولةٍ، قال رسول الله ﷺ "يغسل سؤر الكلب سبع مرات". وقالت الأشعرية: إذا ثبت كون الصيغة للاستدعاء، وجب التوقف حتى يدل الدليل على ما أريد بها. وقال جماعة من المعتزلة وبعض الشافعية: حقيقة الأمر تقتضي الندب وقد أومأ إليه أحمد رحمة الله عليه فقال في رواية علي بن سعيد: ما أمر به النبي ﷺ فهو عندي أسهل مما نهى (عنه). وهذا يدل على أن إطلاق الأمر يقتضي الندب وإطلاق النهي يقتضي التحريم. وقال قوم: هي حقيقة في ٢٠ ب/ الإباحة.

стр. 143

١٧٨ - لنا أن الله تعالى أمر الملائكة بالسجود بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ﴾ فسارعوا إلى ذلك وامتنع إبليس، فوبخه وعاقبه وأهبطه من الجنة فدل على أن مقتضى الأمر الوجوب. فإن قيل: يحتمل أن يكون اقترن بذلك قرينة دلت على الوجوب مثل أن أمره بلغة أخرى الأمر فيها يقتضي الوجوب، أو عاقبه لأجل استكباره. قلنا: الظاهر يقتضي تعلق التوبيخ بمجرد (المخالفة لأمر) من غير قرينة، ألا (تراه قال: إذ) أمرتك ولم يذكر قرينة (أخرى) وقال: "وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ" وهذا أمر مطلق لا قرينة معه فدل على أن التوبيخ (تعلق بالمخالفة). وأما استكباره فهو لأجل إخلاله بالسجود وتركه للأمر. فإن قيل: إبليس لم يكن من الملائكة فلا يدخل تحت الأمر بالسجود، فدل على أن توبيخه لمعنى آخر.

стр. 144

قيل: إن ابن عباس قال: "كان إبليس من أشراف الملائكة، وكان له سلطان سماء الدنيا وسلطان الأرض، وكان من خزان الجنة". فسمي جنياً كما يقال للمكي والمدني مكي ومدني. ثم إن هذا خطأ لأن الله ﵎ وبخه على ترك السجود فقال: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ وغير ذلك من القرآن، فدل على أن (الذم تعلق بتركه) السجود. ١٧٩ - وأيضاً قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ﴾ فذمهم على تركهم فعل ما قيل لهم افعلوا، ولو كان الأمر يفيد الندب لم يذمهم، كما لا يذم من رخص له في الترك. ١٨٠ - وأيضاً قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ

стр. 145

أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ والمراد بالآية أمر نبيه (لأنه) قال في أول الآية: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ فحث بذلك على الرجوع إلى أقواله ثم عقب بقوله: (فليحذر الذين يخالفون عن أمره) فدل على أن (هاء) الكناية راجعة إليه، وقيل إن هاء الكناية في أمره، (راجعة إلى الله تعالى). وأيهما كان فقد حذر من مخالفته وتوعد عليه، وهذا يدل على وجوب فعل ما أمر به. فإن قيل: مخالفة (أمره) هو الإقدام على ما يحظره أمره ويمنع منه فيجب أن تثبتوا أن الإخلال بالمأمور به يحظره أمره حتى يدخل في الآية ويدل على أن الأمر يقتضي الوجوب. قلنا: لا نسلم أن مخالفة أمره هو الإقدام على ما يحظره، بل مخالفة أمره هو الإخلال بمأموره لأن المخالفة ضد الموافقة، وموافقة القول هو فعل ما يطابقه، ألا ترى أن موافقة قول القائل افعل هو أن يفعل، فيجب أن تكون مخالفته هو أن لا يفعل. فإن قيل: لو كان الإخلال بالمأمور (به) مخالفة لأمر الله
следующие страницы →