Полный текст (1 668 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
٨٩ - احتج المخالف بقوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ وهذا يدل على أنها توقيف.
الجواب: أنه قيل إن علم آدم أسماء ذريته حسب.
وقيل: إنه علمه أسماء ملائكة معينين، فلهذا قال: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ﴾ وهذا خطاب لمن يعقل. ولو أراد به جميع الأشياء لقال ثم عرضها على الملائكة.
الثالث: أراد به أسماء ما كان مخلوقاً في ذلك الوقت ونحن لا نمنع أن يكون بعض الأسماء توقيفاً.
الرابع: أن هذه الآية محتملة لأنه يحتمل أنه علمه يعني: ألهمه، أو علمه البعض، أو جعل له قوة حتى وضع هذه الأسماء، ويحتمل ما قلتم، وإذا احتمل هذا وهذا وقف، وهو أنا نحمله على ما ذكرنا بأدلتنا.
والذي يؤيد هذا أنه كان قبل آدم لغة وهو قول الملائكة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ فثبت بهذا أنه ما علمه جميع الأسماء.
احتج بأنه يبعد مع كثرة الناس، واختلاف آرائهم، وبعد مقاصدهم أن يجتمعوا على وضع شيء.
стр. 72
والجواب ١١ ب/ أن في بدء الخلق كانوا قليلين فيمكنهم الوضع، ولهذا قيل: إن الذين خرجوا من السفينة كانوا ثمانين نفراً، وهؤلاء يمكنهم الاجتماع على وضع.
الثاني: أنه لا يجوز أن يكون توقيفاً لما ((اختلفت)) اللغات، ونحن نعلم أنها مختلفة.
والثالث: أنه يحتمل أن الله جعل لهم همة أن وضعوا هذه الأسماء، كما جعل لهم همة في أكلهم لما ينفعهم واجتنابهم ما يضرهم.
стр. 73
٩٠ - فصل: والكلام على ضربين: مهمل ومستعمل. فالمهمل: ما لم يفد معنى ولا حاجة إليه.
وأما المستعمل: فما أفاد معنى. وهو على ضربين:
(ضرب) يدخله الحقيقة والمجاز، وضرب لا يدخله الحقيقة ولا المجاز.
فأما ما لا يدخله الحقيقة ولا المجاز فمثل الألقاب، كقولك زيد وبكر وخالد، فهذه أعلام لا يدخلها الحقيقة ولا المجاز.
وأما الذي يدخله الحقيقة والمجاز، فهو كل اسم مشتق كقولك: قاتل، وضارب، وشارب، وشاتم، وشجاع، وغير ذلك.
٩١ - إذا ثبت هذا، فحد الحقيقة: كل اسم أفاد معنى على ما وضع له.
وحد المجاز: كل اسم أفاد معنى على غير ما وضع له.
وقيل حد الحقيقة: كل اسم وقع عليه الاصطلاح على ما وضع له حين التخاطب.
وحد المجاز: كل اسم غير ما وقع عليه الاصطلاح على ما وضع له حين التخاطب.
стр. 74
وهذا حد قاصر لأن قائل هذا عنده (لو) وضع واضع اسم محدث يفيد معنى، فإنه لا يكون حقيقة ولا مجازاً وكل اسم لا يدخله الحقيقة ولا المجاز فهو مهمل، فهذا حد قاصر من هذا الوجه.
فقيل: أنتم تقولون مثله لأن عندكم لو سميت السماء بالأرض لا يجوز ذلك، وإن كان هذا المعنى موجوداً.
قيل: لا نسلم ونقول عندنا (يجوز)، ومن سلم قال: إذا سميت السماء بالأرض لا يفيد معنى ولا يستدل بها على السماء، وليس كذلك إذا سمى الرجل أسداً، فإن المراد به أنه في الجرأة والقوة والوقاحة.
٩٢ - فصل: اختلف الناس في اللغة، فقال الأكثرون: يدخلها الحقيقة والمجاز، وقال البعض: لا يدخلها المجاز بل هي حقيقة.
٩٣ - وقائل هذا لا يخلو إما أن يقول إنهم سموا الرجل البليد حماراً، والشجاع أسداً: والرجل السخي بحراً، أو ما سموه بهذه الأسماء، فإن قال ما سموه فلا يتكلم معه لأنه مكابرة (للمشاهدة)، وإن قال سموه بهذه الأسماء لكن هي حقيقة فيه.
стр. 75
قيل: هذا لا يصح لوجهين:
أحدهما: أنه لو كان حقيقة فيه، لكان إذا قال: رأيت حماراً، أن لا يسبق إلى فهمه الحمار المعهود، بل ينزل هو والرجل البليد لأنه على قوله حقيقة فيهما، فلما سبق فهمه دل على أنه مجاز في الرجل البليد.
والثاني: أنه يحصل نفيه، فإن قال: أردت أنه في البلادة وقلة الذكاء مثله.
قيل: فهذا التشبيه يدل على أنه مجاز.
فإن قيل فنحن نقول: هو حقيقة إذا انضمت إليه ((مثل)) هذه القرائن.
قيل: هذه التشبيهات في كتب أصحاب اللغة وأشعارهم مجاز.
والثاني: أنه لما احتاج إلى قرينة دل على أنه مجاز لأن الحقيقة لا تحتاج إلى قرائن ١٢ أ/.
٩٤ - احتج المخالف بأن الحقيقة قد عمت جميع الأشياء، فما بنا حاجة إلى المجاز، لأنه لا يفيد ويكون ذلك عبثاً.
والجواب: أنه يفيد (الغاية) لأنه لو قال: هذا رجل سخي كريم سمح ما بلغ بمثل قوله: هذا بحر، والثاني: أنه يفيد الاختصار في الكلام وحذفه وعدم تطويله لأنه إذا أراد أن يصف نفسه
стр. 76
لا يحتاج أن يقول: سل عني خالداً، أو سل عني حفصاً، وكيف قتلت فلاناً وفعلت، بل يقول: سل عني اليوم الفلاني وسل عني سيفي، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ معناه أهل القرية.
٩٥ - فصل: اختلف الناس في القرآن هل فيه مجاز أ/ كله حقيقة؟ فقال (الأكثرون):
فيه مجاز، ونص على هذا أحمد ﵀.
وقال بعض أهل الظاهر وبعض أصحابنا: ليس فيه مجاز بل كله حقيقة.
٩٦ - والدليل على الأول:
أن القرآن عربي بلغة العرب أنزله الله تعالى فقال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا﴾، وقال تعالى: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾،
стр. 77
وقال: ﴿قُرْآَنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾، ومثل هذا كثير، ثم وجدنا أن لغة العرب يدخلها المجاز فكذلك ((هنا لأنه)) بلغة العرب.
فإن قيل: لا نسلم أن لغة العرب يدخلها المجاز.
قيل: قد أجبنا عن هذا الفصل قبله.
وأيضاً فإن حد المجاز: هو ما يجوز أن يعرب عن الشيء بخلاف ما وضع له، وهو أحد زيادة أو نقصان أو استعارة أو تقديم أو تأخير، وهذه الأشياء موجودة في القرآن.
فأما الزيادة، فمثل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ فهذه كاف زائدة لا يحتاج إليها.
وأما النقصان فمثل قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ وإن كان معناها أهل القرية، وكذلك قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ عيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ﴾ معناه صاحب قول الحق.
فأما الاستعارة فمثل قوله تعالى: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ ((وإن)) كان الجدار ليس له إرادة، فاستعار
стр. 78
الإرادة، وإنما معناه يكاد، وكذلك قوله: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ﴾. وإن كانت الصلاة لا تهدم، وإنما استعارها بدل قوله مكان الصلوات.
وأما المقدم والمؤخر فمثل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى* فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾.
معناه خلق المرعى أحوى فجعله غثاء، ومثل هذه الأشياء كثيرة في القرآن.
فإن قيل: هذا ليس بمجاز وإنما هو زيادة ونقصان (واستعارة) وتقديم وتأخير.
قيل: هذا هو المجاز على ما بيناه، وإلا بينوا المجاز ما هو حتى ننظر فيه هل هو في القرآن أم لا؟
стр. 79
فإن قيل: يجوز أن يأذن الله للقرية حتى تجيبهم، ويجوز أن يجعل للجدار إرادة.
قيل: إن الله تعالى لم يخرجه مخرج المعجز وإنما أخرجه مخرج الخبر، وكل موضع في القرآن ذكر قرية فهو أهل قرية، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾. وإن كانت القرية ما عتت عن أمر ربها، ولا تحاسب حساباً شديداً ولا تعذب وإنما أهل القرية.
٩٧ - واحتج المخالف بأن قال: المجاز لا ينبئ ١٢ ب/ (عن) المراد، فإذا لم ينبئ عن المراد كان ذلك إلباساً وإشكالاً، والقرآن لا يجوز أن يكون فيه تلبيس لأنه بيان، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾.
الجواب: أنه يكون إلباساً لو لم تكن قرينة تدل على المراد، فلما كانت هناك قرينة تدل على المراد دل على أنه ليس فيه إلباس.
والثاني: أن القرآن ليس كله بياناً، وإنما فيه ما يحتاج إلى بيان، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾.
стр. 80
ومعلوم أن المتشابه يحتاج إلى بيان، والدليل على هذا قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ ولو كان جميعه تبياناً لما احتاج إلى مبين.
واحتج بأن قال: العدول عن الحقيقة مع القدرة عليها يكون ذلك عجزاً، والله تعالى لا يوصف بالعجز.
الجواب: إن هذا صحيح لو لم يستعمل مع القدرة على الحقيقة لفائدة ومعنى، ونحن نعلم أن فيه فائدة ومعنى، وهو الاختصار والفصاحة والإيجاز والتأكيد والاستعارة والمبالغة، على أنه لو لم يعلم له معنى لجاز أن يكون معناه عند الله تعالى لا نعلمه.
الثاني: أن الله تعالى إنما أنزل القرآن بلغة العرب وعجزهم أن يأتوا بمثله، ولو كان جميعه حقيقة لما حسن أن يعجزهم لأنهم يقولون فلو كان بلغتنا لكنا نقول مثله لأن لغتنا فيها حقيقة ومجاز واستعارة. وتقديم وتأخير وغير ذلك، فلما جاء به على لغة العرب وجدوها، ولهذا كرره في مواضع كقوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ كما تكرر العرب أشعارها من قولهم: (قرّبا مربط النعامة مني) عجزهم بعد ذلك مع فصاحتهم.
стр. 81
والثالث: أنه لو حسن أن يقال العدول عن الحقيقة مع القدرة عليها عجز، حسن أيضاً أن يقال العدول عن المجاز مع القدرة عليه عجز.
فإن قيل: الحقيقة فيها منفعة للعباد لأنهم يعرفون بها سائر الأشياء من الأحكام وغير ذلك صورة، والمجاز ما بهم حاجة إليه.
قيل: بل فيه منفعة، وهو ما بيناه من الإيجاز والاختصار والمبالغة وهذا هو فصاحة فلا فرق بينهما.
احتج المخالف بأن قال: لو كان في القرآن مجاز، لجاز أن يسمى الله تعالى متجوزاً أو مستعيراً لأن القرآن صفة من صفاته، فلما لم يجز أن يسمى به دلّ على أن ليس في القرآن مجاز.
الجواب: أنه ليس كل صفات الله تعالى يسمى بها. نحن نعلم أن في القرآن حقيقة ولا يسمى الله متحققاً.
والثاني: أن أسماء الله تعالى تثبت توقيفاً ولم تثبت قياساً ولا اشتقاقاً، فلو كان سمى الله نفسه متجوزاً لسميناه كذلك.
الثالث: (أنه) إنما لم يسم الله متجوزاً ولا مستعيراً لأنها أسماء نقص، لأن المتجوز: من يفعل ما ليس له فعله، والمستعير: هو ما لا يكتفي بنفسه فيستعير ملك الغير، وتبارك الله وتعالى عن ذلك.
احتج بأن: القرآن حق، والحق لا يكون إلا حقيقة.
стр. 82
الجواب ١٣ أ/: أنه قد يكون حقاً ولا يكون حقيقة، ويكون باطلاً ويكون حقيقة، والدليل عليه أن فرعون أخبر الله تعالى عنه في القرآن فقال: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ﴾، فمعلوم أن هذا باطل وإن كان حقيقة، وعكس هذا قول النبي ﷺ : "يا أنجشه رفقاً بالقوارير" ومعلوم أن كلام النبي ﷺ حق، (لكن ليس هو) حقيقة لأن القوارير هي غير النساء.
٩٨ - فصل: والذي يفرق (به) بين الحقيقة والمجاز شيئان أحدهما: نص أهل اللغة، والثاني: الاستدلال.
فأما نص أهل اللغة فهو ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يقولوا هذا حقيقة وهذا مجاز.
الثاني: أن يحدوا حداً للحقيقة وحداً للمجاز.
الثالث: أن يضعوا كلمة فيقولوا هذه حقيقة فما زاد عليها ونقص منها أو تغيرت صفتها صارت مجازاً.
وأما الاستدلال فيحصل من وجهين:
стр. 83
أحدهما: أن يقال كلمة فيسبق إلى الفهم معنى (تلك) الكلمة من غير قرينة.
فهذه الكلمة حقيقة في هذا المعنى مجاز في غيره.
الثاني: أن يكون الاسم مطرداً على المعنى على ما وضع له، مثل أن يقول رجل فهذا اسم للذكر، وهو مطرد في كل موضع لأنك أي وقت قلت رجل لا يكون إلا ذكراً فهذا حقيقة فيه، وما لا يطرد يكون مجازاً مثل قولك للرجل الطويل نخلة. فإن هذا (الاسم) لا يطرد لأنك لا تسمي كل شيء (رأيته طويلاً) نخلة مثل الرمح والشجرة والناقة وغير ذلك. فهذا مجاز في الرجل.
٩٩ - فصل: وكل مجاز في شيء لا بد أن يكون حقيقة في غيره، وليس كل حقيقة ينبغي أن تكون مجازاً، وإنما كان كذلك لأن المجاز هو ما تجوز به عن أصل الحقيقة والموضوع له، بخلاف الحقيقة فإن أصله الموضوع له هو الحقيقة، فلا يفتقر إلى أصل آخر وليس له أصل آخر.
١٠٠ - فصل: اختلف الناس في الأسماء المشتركة في الأشياء المتضادة، كالقرء فإنه اسم للحيض واسم للطهر، فقال الأكثرون: هو حقيقة في أحدهما مجاز في الآخر. ((ومنع منه قوم)).
стр. 84
واستدلوا عليه بأن قالوا: الأسماء إنما وضعت ليفهم بها المعنى ويميز بها بين الأشياء، فإذا ورد خطاب من المخاطب لا يفهم معناه بطل حينئذٍ بغير (الوضع) فلا يكون حقيقة فيهما.
الجواب عن هذا وهو الدليل لنا: أنه لا يمتنع أن يكون قبيلة من العرب قد وضعوا القرء اسماً للحيض وشاع ذلك بينهم، وقبيلة أخرى من العرب قد وضعوا القرء اسماً للطهر ثم انقرضت القبيلتان وبقتي تلك الأسماء بين الناس حقيقة في كل واحد من المعاني، وعلى أنه قد يخاطب المخاطب بالشيء مفسراً فيعرفه بنفس الكلام، مثل أن يقول: رأيت سواداً، ويخاطب أيضاً بالشيء مجملاً مع ما يضاده فيعرف مقصوده إما بقرينة أو بتفسير منه، مثل أن يقول: رأيت لوناً، فإن هذا يقع على أشياء مختلفة وهو حقيقة في أشياء مختلفة، مثل قولهم: عين، فإن هذا يقع على عين الإنسان، وعين الماء، وعين الذهب، وعين الرقية، وهو حقيقة ١٣ ب/ فيهما، وكذلك قولهم لون ((وجون)) وغير ذلك، فكذلك لا يمنع أن يكون هذا مثله.
١٠١ - فصل: عندنا أن الأسماء منقولة من اللغة إلى الشرع وهي حقيقة فيه، وبهذا قال أبو حنيفة والمعتزلة وهو اختيار شيخنا.
стр. 85
وقالت الأشعرية: لم تنقل الأسماء من اللغة إلى الشرع، وإنما أضيف إليها أشياء أخر، وهذا مثل الصلاة، فإنها عندهم هي الدعاء حسب وإنما أضاف إليها الشرع شيئاً وكذلك الحج هو القصد عندهم وأضيف إليه شيء آخر، وكذلك الصيف هو الإمساك في اللغة وأضاف الشرع إليه أشياء أُخر. وهذا اختيار ابن الفراء وللشافعي قولان كالمذهبين.
وفائدة الخلاف أن يخاطبنا الشرع بشيء مثل الصلاة، فإن عندنا هو محمول على الصلاة الشرعية لا يجوز العدول عن ذلك إلا بدليل وقرينة، وعندهم المراد به الصلاة اللغوية ولا يجوز العدول عنها إلى هذه الشرعية إلا بقرينة.
والكلام في هذه المسألة في فصلين: أحدهما أنه يجوز نقل الأسماء (ويحسن) ذلك، والثاني أن الأسماء (منقولة).
١٠٢ - (والدليل على أنه يجوز نقل الأسماء: أن الواضع لما وضع هذه الأسماء) كان يمكنه أن يضعها على غير هذه المعاني،
стр. 86
بأن يسمى الأسود أبيض، والأبيض أسود، وهذا صحيح لأن المعاني كانت موجودة قبل الأسماء ومنفكة عنها، فإذا كان يمكنه ذلك أمكنه لأن ينقلها.
فإن قيل: لا يجوز أن ينقلها، لأن نقلها عما وضعت له يكون قلباً للحقيقة، وقلب الحقائق مستحيل.
قيل: المستحيل هو المعدوم، وقد بينا أنه كان موجوداً وكان أيضاً المعنى منفكاً عن الأسماء، وإنما قد يكون قلب الحقيقة في الاسم الذي لم ينفك عن مسماه.
وأيضاً فإن الله تعالى أمر بالعبادة وذلك المصلحة، وقد يجوز أن يكون نقل الأسماء للمصلحة، والمصلحة وجه حسن.
وأيضاً: فإن (الشارع) قد سمي في الشرع أسماء لم تكن في اللغة، مثل: الإسلام والإيمان والكفارة والعدة، وقد يكون مثل هذا، ألا ترى أن الإنسان يولد له ولد فيسميه باسم ليتميز به من غيره، ويكون ذلك الاسم حقيقة فيه، وغن كان في اللغة موجوداً، وكذلك الصناع يصنعون لآلاتهم أسماء ويكون ذلك حقيقة فيها، فإذا كان كذلك جاز للشارع أن يسمى في الشرع أسماء تكون حقيقة فيما سماه وإن كانت موجودة في اللغة.
١٠٣ - واحتج من خالف بأن قال: الأسماء موضوعة على معانٍ وأحكام، فإذا نقلها من ذلك كان تعطيلاً للمعاني والأحكام، ومثل هذا قبيح.
стр. 87
الجواب: أنا لا نسلم أن تعطيل الأحكام يكون قبيحاً، ولهذا ينسخ الأحكام ولا يكون ذلك قبيحاً. وعلى أنه يمكنه نقل الأسماء من غير أن يبطل الأحكام فيقول قد نقلت هذا الاسم من غير أن أبطل حكمه ومعناه.
١٠٤ - فصل: والدليل على أن الأسماء قد نقلت من اللغة إلى الشرع وكل حقيقة أنا نقول ((معلوم)) أن الصلاة هي في الشرع: اسم لهذه الأفعال، وفي اللغة: اسم للدعاء حسب، ولو قال لنا قائل: صلوا، فإنه لا يسبق إلى فهمنا إلا هذه الأفعال، فدل على أنها اسم في الشرع اسم حقيقة، وإن كانت في اللغة ((غير ذلك)).
فإن قيل: الصلاة في اللغة: هي الاتباع، ولهذا يقال: فرس مصل إذا جاء بعد الأول، وطير مصل. وفي الشرع أيضاً إنما سميت لأنها اتباع الإمام.
قيل: فعلى قولكم يكون كل تابع مصلياً، ونحن نعلم أنه بخلاف ذلك، وعلى أنه لو كان هذا صحيحا ١٤ أ/ لكان ينبغي أن نقول والإمام والمنفرد لا يكونان مصليين لأنهما ليسا متبعين.
ومن وجه آخر وهو أنه لو قال لنا قائل: رأيت رجلاً مصلياً، كان ينبغي أن نقول الأسبق إلى فهمنا الإمام، ونح نعلم أنه بخلاف ذلك.
стр. 88
فإن قيل: فإنما سميت (الصلاة) صلاة لأن فيها دعاء وهو قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ إلى آخر السورة، والدعاء هو الصلاة في اللغة.
قيل: لا يخلو (إما أن) تقولوا سميت هذه الأفعال صلاة لأن فيها دعاء أو سمي الدعاء منها صلاة، وما عداه لا يسمى صلاة.
فإن قلتم: إنها سميت صلاة لأن فيها دعاء، فقد سلمتم أن الصلاة في اللغة اسم لغير هذه المعاني.
وإن قلتم: سمي الدعاء منها صلاة، وما عداه لا يسمى صلاة، فهو غير صحيح لأنا نعلم أن من هو قائم أو راكع أو ساجد يسمى مصلياً وإن كان ((لا)) يدعو.
وعكس هذا إذا فرغ من الصلاة وقعد يدعو، فإنا نسميه فارغاً من صلاته.
ثم يبطل بالأخرس والأعمى، فإنهما لا يدعوان ويسمى كل واحد منهما مصلياً. وعلى أنه لو كان هذا صحيحاً لكان ينبغي أن يقولوا إذا دعا من غير ركوع وسجود، يكون قد فعل المأمور به.
وأيضاً فإنا نعلم أن الصوم في اللغة هو الإمساك في أي زمان كان.
стр. 89
وفي الشرع: هو الإمساك في زمان مخصوص، فدل على أنه اسم لمعنى ليس ذلك المعنى (اسماً للصوم) في اللغة، لأنا نعلم أن من أمسك في زمان الليل أو زمان (الحيض) لا يسمى صائماً.
وكذلك الحج هو في اللغة: القصد، ومعلوم أنه لو كان نائماً بعرفة من غير أن يقصدها فإنا نسميه حاجاً فدل على أنه اسم لمعنى في الشرع حقيقة فيه وإن كان في اللغة اسم لمعنى آخر.
وكذلك الزكاة هي في اللغة: الزيادة والنماء، ولهذا تقول العرب إذا كثرت (المرتعيات): زكا الزرع إذا زاد ونما، وإن كان في الشرع أخذ جزء من المال وهو في الحقيقة تنقيص فهي في الشرع اسم لمعنى ضد المعنى الذي هو اسمه في اللغة.
وأيضاً فإن الشرع قد وضع أسماء لمعانٍ لم تكون في اللغة مثل الإيمان والكفر والإسلام والفسق، ولهذا روي: "أن جبريل ﵇ أتى النبي ﷺ في صورة رجل أعرابي، فقال: يا محمد، ما الإسلام؟، قال: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وتصلي وتصوم وتخرج الزكاة وتحج البيت إن استطعت وتجاهد في سبيل الله. فقال: وما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، فقال: صدقت. وانصرف. فقال الصحابة: من هذا يا رسول الله الذي سألك ثم صدقك، ثم انصرف؟
стр. 90
قال: أخوكم جبريل أتاكم يعلمكم دينكم" فوجه الدليل أنهم لو كانوا يعلمون ذلك لما احتاجوا إلى من يعلمهم.
فإن قيل: جبريل لم يعلمهم الأسماء وإنما علمهم المعاني.
قيل: لعمري لكن علمهم معاني ووضع لها أسماء، وإن كانت تلك الأسماء في اللغة تدل على أنها حقيقة فيها.
١٠٥ - احتج المخالف بأن قال: النبي ﷺ بعث إلى العرب، وخاطبهم بلغتهم وأنزل القرآن على لغتهم. ولهذا ١٤ ب/ قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾، وقال تعالى: ﴿قُرْآَنًا عَرَبِيًّا﴾ وهذا مما يدل على أن اللغة إليهم والرجوع في ذلك إليهم.
الجواب: أن النبي ﷺ كان من أفصح العرب، لأنه أُعطي الفصاحة والعربية والحكمة الإلهية، فإذا جاز أن يضع أسماء لمعانٍ لا تعرفها العرب، لأنه إذا وضع وضعاً جاز وضع لغة شرعي، وعلى أن النبي ﷺ نقل اللغة ولم يغيرها، وإنما تارة يسمي أسماء لمعانٍ لا تعرفها العرب، وتارةً يسمي أسماء لمعانٍ فيها شبه من معاني ذلك الاسم في اللغة.
احتج بأن قال: لو كان قد بينه النبي ﷺ ، لكان قد بينه بياناً عاماً، أو عرفناه نحن كما عرفتموه أنتم.
стр. 91
الجواب: أنه قد بينه بياناً عاماً لأنه سماه صلاة وزكاة لمعانٍ ليست في اللغة، فإذا خاطبنا مخاطب فقال: صلوا، أو زكوا، فإنه لا يسبق إلى أفهامنا إلا هذه الأفعال، وعلى أنه لا يمنع أن يبينه بياناً عاماً وينقل نقل الخاص كما بين الحج وقال: "خذوا عني مناسك الحج" ثم نَقَلَ نقلْ خاص واختلفوا في ذلك، وكذلك الأذان يتكرر في اليوم خمس مرات، ثم نأخذ طريق نقله حتى اختلفوا فيه.
احتج بأن قال: لو كانت هذه الأسماء قد نقلت لكانت محصلة، وإن قلتم إنها محصلة لهذه الأفعال من الركوع والسجود وغير ذلك، وكان ينبغي أن يقولوا إذا خلت عن بعض الأشياء لا تسمى صلاة، ونحن نعلم أن المومئ تخلو صلاته عن أكثر هذا، وكذلك صلاة الجنازة فلو كانت قد تحصلت لما سميت تلك صلاة.
الجواب: أن هذا هو الحجة عليكم إذ لو كان ما ذكرتم إنها على مقتضى اللغة لكان لا تسمى صلاة المومئ وصلاة الأمي صلاة، وعلى أن هذا غير صحيح لأن الصلاة تارة تضاف إلى الزمان وتارة تضاف إلى الشخص، فيقال: صلاة مومئ، صلاة مسافر، صلاة قادر، وكذلك يقال: صلاة جمعة، وصلاة ظهر، وصلاة عيد، وصلاة جنازة، فهي محصلة لهذا الذي قد بيناه.
احتج بأنه لو كان هذا صحيحاً لكان ينبغي أن يقولوا إذا خاطبنا الشرع بعبادة ولا نعلم ما المراد بها في الشرع أن يقف حتى يتبين ما المراد بها.
стр. 92
الجواب: أنه متى خاطبنا الشرع بعبادة ولم نعلم ما المراد بها في الشرع، فإنا نقف مع اللغة إلى أن يقوم دليل يصرفنا عن ذلك وصار هذا بمثابة ما ذكرناه من العموم، فإنه إذا لم يعلم تخصيصه في الشرع وقفنا مع عمومه على مقتضى اللغة، وكذلك الأسماء إذا لم نعلم أنها مجاز وقفنا على ((حقيقتها)) في اللغة إلا أن يقوم دليل يصرفنا عن ذلك.
وهذا المعنى وهو أن الأصل هو اللغة فلا يعدل عنه إلا بدليل.
١٠٦ - فصل: عندنا أن الأسماء العرفية منقولة من اللغة، حقيقة في العرف، وهذا مثل النجو فإنه في اللغة الغائط، ومثل المزادة فإنها سميت راوية في العرف وهي في اللغة اسم للجمل، وإنما سميت بهذا لمقارنتها الجمل. والدليل على أنه يحسن ذلك أن بعض العرب قد ينفر طبعها من اسم أو تستثقله، فتسميه بما يقاربه أو بما يشابهه، مثل ما استوحشوا أن يسموا الوطء وطئاً فعبروا عنه بالمسيس وباللمس، وقد عبر الله تعالى عنه بذلك فنسميه بهذا الاسم ويشيع ذلك ثم ينقرضون هم، والواضعون للأسماء بعدهم قوم لا يعرفون إلا ذلك الاسم فيكون حقيقة عندهم.
فإذا ثبت أن يحسن كان وجهاً صحيحاً: وإن كان يستعمله
стр. 93
في اللغة كما يستعمله في العرف ((كان)) حقيقة فيهما مثل القرء والشفق.
وإذا خاطبنا الشرع باسم وكان يستعمل في اللغة كما يستعمل في العرف فأيهما يسبق إلى فهم المخاطب، قدم، وإن استويا عنده في العلم وقف حتى ينظر ما المراد به ويستعملها جميعاً ١٥ أ/.
стр. 94
باب الحروف
١٠٧ - باب الحروف التي تجرى بين المتناظرين وتدخل على الخطاب فتغيره، وإنما ذكرناها لأنا ذكرنا الخطاب، وقد بدأنا منها بالواو.
وقد ترد ويراد بها الاستئناف كما قال تعالى: " وَمَا يَعْلَمُ تَاوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ " فاستأنف "والراسخون في العلم" إذ لو لم يرد الاستئناف كان قوله تعالى: "يقولون آمنا به" كلاماً منقطعاً.
١٠٨ - وقد ترد ويراد بها بدل عن رُبّ كقول الشاعر:
وليلةٍ ذات ندىً سريت ... ولم يعقني عن سراها ليت
وسائلٍ عن خبرٍ لويت ... فقلت: لا أدري، وقد دريت
معناه: ورب ليلة، ورب سائل.
стр. 95
١٠٩ - وقد ترد بدلاً عن باء القسم لأن الأصل في القسم أحلف بالله وأقسم بالله فاستثقلوا أحلف وأقسم، قالوا بالله، ثم أبدلوا الباء بالواو فقالوا: والله لأفعلن والله لا فعلت.
١١٠ - وقد ترد ويراد بها العطف فتقول رأيت عمراً وزيداً، وأكلت خبزاً وتمراً، وقد أجمع الناس أن واو العطف هي للجمع، واختلف الناس هل تكون للترتيب أم لا؟
فقال الأكثرون من النحويين والمتكلمين. لا (ترد للترتيب) بل للجمع حسب، وإلى هذا ذهب أصحابنا.
وقال أبو عمر غلام ثعلب وعلي بن عيسى الربعي
стр. 96
وبعض أصحاب الشافعي: إنها تكون للترتيب أيضاً.
١١١ - وجه ما قال الأكثرون: أنا نقول إنها لو كانت للترتيب لأفضى إلى التناقض في كلام الله تعالى، من حيث إن الله تعالى قال: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾. ثم قال: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ فلو كانت تكون للترتيب كان هذا تناقضاً.
١١٢ - وجه آخر وهو أن الله تعالى قال: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ و ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ ولو كانت للترتيب كان معناه رب المشرقين ثم رب المغربين ورب موسى ثم رب هارون.
стр. 97
١١٣ - ومن وجه آخر وهو: أن الله تعالى قال: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآَتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾.
فقدم عيسى على أيوب ويونس، ومعلوم أنهم كانوا قبله، وكذلك قدم سليمان على داود وقد أوحي إليه قبله.
١١٤ - وأيضاً ما روي عن النبي ﷺ : "أنه سمع رجلاً يقول: ما شاء الله وشئت، فقال: أمثلان أنتما؟ ألا قلت ما شاء الله ثم شئت".
ولو كانت للترتيب لما نهاه عن الترتيب وأمره به.
١١٥ - وأيضاً ما احتج به المبرد من شعر حسان بن ثابت:
стр. 98
وما زال في الإسلام من آل هاشم ... دعائم عز لا ترام ومفخر
بهاليل منهم جعفر وابن أمه ... علي ومنهم أحمد المتخير
قال: ولو كانت الواو للترتيب لما قدم جعفراً وعلياً على النبي ﷺ .
١١٦ - وأيضاً دليل من قول الشاعر:
ومنهل فيه الغراب ميت ... كأنه من الأجون زيت
سقيت منه القوم واستقيت
ولو كان للترتيب لما قدم السقي على الاستقاء لأنه يحتاج إلى أن يستقي ثم يسقى.
١١٧ - وأيضاً (يقال) اجتمع فلان وفلان، واشترك فلان وفلان، ولو كانت الواو للترتيب لما حسن ذلك، ألا ترى أنه لا يحسن أن يقال اشترك فلان (ثم) فلان.
١١٨ - وأيضاً أنه يقال: رأيت زيداً وعمراً فإنه لا يسبق إلى فهم السامع أنه رأى أحدهما قبل الآخر، فلو قال ١٥ ب/ رأيت زيداً ثم عمراً أفاد معنى لم يفده الأول لأن ثم للترتيب.
стр. 99
١١٩ - وأيضاً أنه لو قال: رأيت زيداً وعمراً معاً كان كلاماً صحيحاً فلو قال: رأيت زيداً ثم عمراً معاً لم يصح ذلك (فدل على أن الواو ليست للترتيب).
١٢٠ - (وأيضاً فإنه أجمع أهل اللغة على أن واو العطف) في الأسماء المختلفة كواو الجمع في الأسماء المتفقة ((وكياء التثنية)) في الأسماء المتفقة.
وبيانه وهو أنه لا فرق بين أن يقول: رأيت زيداً وبكراً وخالداً، أو يقول: هؤلاء الزيدون، ورأيت الزيدين فإن الواو عندهم على حدٍ سواء، ثم قد ثبت أن واو الجمع في الأسماء المتفقة لا تكون للترتيب فكذلك واو العطف.
فإن قيل: فيبطل بثم وبالفاء، فإنهما يجريان في الأسماء المختلفة إذا عطف بهما كما يجريان في الأسماء المتفقة ومع هذا فإنهما للترتيب، وبيانه أن يقول رأيت زيداً فبكراً فخالداً، ورأيت زيداً ثم بكراً ثم خالداً، وإذا قال: رأيت الزيدين وهؤلاء الزيدون "كان مثله".
قيل: إن هذا لا يصح لأنه لو كان كما ذكرتم لكان أهل اللغة يقولون: إن الواو والفاء وثم في الأسماء المختلفة مثل واو الجمع في الأسماء المتفقة. ولم يقل أحد هذا.
стр. 100
وعلى أن الفاء تكون للتعقيب، وثم تكون للترتيب، فلم يبق إلا أن الواو تكون للجمع من غير هذين المعنيين.
١٢١ - وأيضاً: فإن الجمع هو معنى معقول، ولا بد أن تضع العرب له لفظه يعرف بها ليس هو إلا واواً.
فإن قيل: فهنالك لفظة تدل عليه وهي قولهم مع قيل: لعمري إن مع للجمع إلا أنها في موضع واحد وهو في حال الاشتراك ونحن نريد لفظة تكون في حال الاشتراك وغير حال الاشتراك.
فإن قيل: هناك لفظة تدل على الاشتراك في الجمع وغيره وهو أن يقول ((رأيت زيداً، رأيت بكراً، رأيت خالداً)).
قيل لعمري إنه كما ذكرتم إلا أن يكون عياً من الكلام لأنه تكرار لفظة واحدة بمعنى واحد، والعرب لم تستعمل هذا.
١٢٢ - وأيضاً فإنه لو كانت واو الجمع تكون للترتيب، لدخلت في جزاء الشرط، ومعلوم أنه إذا قال: إن دخل زيد داري فأعطه درهماً حسن ذلك، ولو قال إن دخل زيد داري وأعطه درهماً لم يحسن ذلك.
ثم الجواب يبطل (بوجهين): أحدهما: أنه يبطل بثم فإنها لا تدخل في جزاء الشرط وتكون للترتيب، والوجه الآخر: أنهم يقولون إن كلامنا في واو العطف وها هنا ليس واو العطف.
стр. 101
١٢٣ - وأيضاً فإن أهل اللغة لم ينقل عنهم إلا كمذهبنا. وهو أنهم يقولون: نحن من أهل اللغة وقد خالفنا، ويقولون أيضاً: أهو عن أهل اللغة جميعهم؟ إنهم إن قالوا ذلك فلا يمكنه هذا.
١٢٤ - واحتجوا بما روي عن النبي ﷺ رواه عدي بن حاتم الطائي، أنه سمع خطيباً يقول: "من يطع الله ورسوله، فقد فاز، ومن يعصهما فقد غوى، فقال: بئس الخطيب أنت. ألا قلت: من يطع الله ورسوله فقد فاز ومن يعص الله ورسوله فقد غوى". فوجه الدليل أنه لو كانت الواو لا تراد للترتيب لما نهاه عن الجمع ووافقه في الجمع.
الجواب: إنما نهاه عن ذلك لأنه جمع الخالق والمخلوق في كتابة واحدة وذلك مكروه، ألا ترى أن الله تعالى قال: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ جمع في الاسم وفرق في الكتابة ١٦ أ/.
стр. 102
١٢٥ - واحتج بما روي أن عبد بني (الحسحاس) مدح عمر ﵁ فقال:
عُميرة ودِّع إن تجهزت غادياً ... كفى الشيب والإسلام للمرء ناهياً
فقال عمر ﵁: ((لو)) قدمت الإسلام لأجزتك" فلو لم تكن الواو للترتيب لم يكن لتقديم (الإسلام) فائدة.
الجواب: أن هذا فيه ضعف لأنه قيل إن عبد بني الحسحاس قتل قبل إسلام عمر، ولو صح لمعناه كيف لم (يقدم) الأشرف والأهم؟ ومن عادة العرب أن تقدم الأشرف.
١٢٦ - احتج بأن معاوية ﵁ لما عمل
стр. 103
المقصورة في الجامع قال: "إن هذا المسجد قد قتل (قرشياً وقرشياً) وإني أخاف أن يقتلني" ولو لم تكن الواو للترتيب، لكان يقول قتل (قرشيين).
الجواب: أنه يحتمل أنه أراد ((ذكر)) قرشي واحد، ثم عنّ له أن يذكر الآخر فقال هكذا.
وجواب آخر (وهو): أنه يحتمل أنه أراد به تطويل الخطبة لأن العرب تفعل مثل ذلك فتقول: قتل رجلاً وقتل آخر.
١٢٧ - واحتج بأن قال: معلوم أنه إذا كتب كتاباً وأنفذه على يد زيد وعمرو قال: قد أنفذت زيداً وعمراً، فإنه يسبق إلى فهم الإنسان أن المقدم زيد وأنه السابق وأن عمراً مرتب بعده.
قيل: هذا في لغة المتأولة، وأما العرب فخلاف ذلك، على أن المقدم ها هنا ((المرتب التقديم لأن الواو لا ترتب))، ثم يبطل في لغة العرب إذا قال أنفذت زيداً أنفذت عمراً، فإن هذا المعنى موجود ولا يكون ترتيباً، وعلى أنه إنما قدمه لأنه أشرف منه وأسبق.
стр. 104
١٢٨ - احتج بأنه: لو قال: رأيت زيداً وعمراً فإنه يسبق إلى فهم السامع أنه رأى زيداً قبل عمرو.
الجواب: أنا لا نسلم هذا، ولو سلمناه فإنه يحتمل أنه أراد أن يذكر عمراً بعد ذلك، فقال عمراً وإن كان قد رأى عمراً الأول، وعلى أن هذا التقديم يرتبه لا الواو.
الثالث: إنما سبق إلى الفهم بتقديمه بمعنى أنه أشرف منه وأجل، ومن عادة العرب أنها تقدم الأشرف فقدمه وإن كان قد رأى عمراً قبله.
١٢٩ - واحتج بأن قال: لو كانت الواو للجمع، لكان ينبغي أن يقولوا إذا قال لغير مدخول بها: أنت طالق وطالق وطالق، يقع الثلاث.
والجواب: (أنا كذا) نقول وقد نص عليه أحمد ﵀.
стр. 105
١٣٠ - فصل: فأما "أو" فإنها تدخل في ثلاث مواضع.
أحدها: في الخبر والاستخبار، فتكون فيهما للشك نقول: رأيت زيداً أو عمراً فهذا إخبار مشكوك فيما أخبر، وأما الاستخبار فتقول أعندك زيد أو عمرو؟
والثاني: يدخل في الأمر والإباحة للتخيير:
فأما في الأمر فكقوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾.
وأما الإباحة: فكقولك: اجلس مع أحمد أو الشافعي.
والثالث: يدخل في النهي تارة للجمع، وتارة للتخيير كقول الرجل: لا تدخل إلا هذه الدار ((أو)) هذه الدار.
وأما الجمع: فكقوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آَثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ معناه آثماً وكفوراً.
١٣١ - فصل: ١٦ ب/ وأما الفاء فإنها تكون للتعقيب، قال
стр. 106
سيبويه: إذا قال الرجل رأيت زيداً فعمراً، فإنه يقتضي أنه رأى عمراً عقيب زيد.
والدليل على هذا أنه يقال من دخل داري فأعطه درهماً، فإنه يكون الإعطاء عقيب الدخول، وكذلك يقول الرجل لعبده: إذا رأيت الأمير فترجل، فإنه يكون الترجل بعد الرؤية.
١٣٢ - فصل: وأما ثم فإنها تكون للترتيب (و) التراخي، وترد في بعض المواضع للجمع.
فأما موضع تكون فيه للترتيب والتراخي فكقول الرجل لعبده: ادخل هذه الدار ثم هذه الدار، واركب هذه الفرس ثم هذه الفرس، واشتر الخبز ثم التمر. فإن هذا كله ما أمره به أولاً، ثم الثاني على التراخي والانفصال.
والدليل على أنها تكون في موضع للجمع قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ﴾، معناه: والله شهيد.
стр. 107
١٣٣ - وأما الباء فإنها تراد للإلصاق والامتزاج.
فأما الإلصاق فكقولك: ألصقت ظهري بالحائط ومسحت برأس اليتيم وأخذت بزمام الناقة.
وأما الامتزاج فتقول: مزجت الماء باللبن والخل بالدهن.
وذهب أصحاب الشافعي إلى أنها تكون للتبعيض ((واستدلوا بأنه إذا قال)) مسحت برأس اليتيم، وأخذت بزمام الناقة لا يكون أخذ إلا ببعض الزمام، ومسح ببعض الرأس.
الجواب عنه: أنها لو كانت للتبعيض لما دخلت فيما لا يتبعض، ومعلوم أنه يقال تزوجت بامرأة وطفت بالبيت ومعلوم أن هذا لا يتبعض.
وأما ما استدلوا به فإن هناك استدللنا على التبعيض بقرينة لا بالباء، ولأن هناك ليس المقصود منه التبعيض وإنما كان مقصوده من مسح رأس اليتيم الحنو والشفقة، ومن أخذ زمام الناقة انقيادها لا أنه يريد التبعيض.
١٣٤ - ومن الحروف من وإلى، فمن لابتداء الغاية، وإلى لانتهاء الغاية، يقال: سرت من الكوفة إلى البصرة، وينبني على
стр. 108
هذا مسائل منها: إذا قال بعتك من هذا الحائط إلى هذا الحائط، ومن هذه النخلة إلى هذه النخلة، وله عليّ من درهم إلى عشرة هل يدخل الحد في المحدود أم لا؟ فيه خلاف.
وإلى: قد تدخل في مواضع بمعنى مع قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَاكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ يعني مع أموالكم.
ومن: قد تدخل في بعض المواضع للتبعيض يقول: خذ من الدراهم، وكل من الطعام يعني البعض. وكذلك قال الله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ يعني ببعضه.
١٣٥ - فصل: ومن الحروف على وهي: للإيجاب، تقول له عليَّ كذا وكذا، وله على فلان كذا وكذا.
١٣٦ - فصل: ومن الحروف "في" وهي: للظرف تقول (له): عندي تمر في جراب، ودابة في اصطبل، يكون ذلك إقراراً بالمظروف دون الظرف وفي هذا خلاف.
١٣٧ - فصل: ومن الحروف اللام وهي: للتمليك، يقال دار لزيد وغلام لعمرو.
стр. 109
وقد تدخل في بعض المواضع للتعليل كقوله تعالى: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً﴾.
معناه: لئلا، وكذلك قول النبي ﷺ : "إنما نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي لأجل الدافة"، والدافة هي الفاقة.
وقد يكون في مواضع (للتجزئة) كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾.
وقد تكون في موضع للعاقبة: كقوله تعالى: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾.
وكذلك قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾ وأصلها أنها للتمليك فلا يجوز العدول عنه إلى هذه الأشياء إلا بدليل، وكذلك جميع ما ذكرنا.
стр. 110
ونذكر من الحروف، الأصل فيها من اللغة ما يقتدى به، ولا ١٧ أ/ يجوز العدول عن ذلك الشيء إلا بدليل، وعلى أن اللام قد قيل: إنما تدخل في ثمانية وعشرين موضعاً، وقيل نيف وأربعين، وإنما ذكرنا ذلك لأنه يتكرر في الفقه.
١٣٨ - فصل: ومن الحروف "إنما" وهي للحصر، وقد عبر عنها بأنها لإثبات المشار إليه ونفي ما عداه كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ معناه لا إله إلا الله.
١٣٩ - فصل: ومنها أيضاً (لا) للنفي في نكرة، فإن كان في النهي استغرق الجنس مثاله أن يقول: لا تأكل الطعام، فإنه لا يجوز ان يأكل شيئاً من الأطعمة.
وكذلك إذا قال: لا تصل شيئاً (فإنه لا يجوز أن يصلي شيئاً) من الصلوات والنفي في النكرة إذا كان في الخبر فالظاهر أنه كذلك، ومثاله أن يقول: لا آكل خبزاً ولا آكل طعاماً.
١٤٠ - فصل: وأما الإثبات في النكرة فإنه إذا كان في الأمر لم يستغرق الجنس وإنما (يمتثل) الأمر بما يقع عليه الاسم
следующие страницы →