← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14103

التمهيد في أصول الفقه

أبو الخطاب الكلوذاني

Полный текст (1 668 стр.). Показаны 1646–1668 · переход к 1651.

стр. 1646

يتوصل إليه بالتقليد كما قلنا، أو بالاستدلال كما قلتم: لا يجوز القول بأنه يتوصل بالاستدلال، لأنه لا يخلو أن يقال: إنه يلزمه التعليم، عند كمال عقله حتى يصير من أهل الاجتهاد، فيعلم حكم الحادثة، أو يسأل عنه وجود الحادثة عن أدلة الحكم فيها، فيجتهد حينئذ في ذلك لا يجوز الأول، لأنه قول يوجب تعلم العلم على كل المكلف، والإجماع منعقد على أن التفقه فرض على الكفاية، وقد نبه الله تعالى على ذلك بقوله: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾، ولأن في إيجاب ذلك إهمال لأمور الدنيا وإفساد حالها، وما أحد أوجب ذلك ولأنه ليس كل من تفقه صار من أهل الاجتهاد على ما نجد عليه كثيراً من أهل زماننا، وأيضاً فما يصنع إذا نزلت به حادثة في حال تعلمه قبل أن ينتهي إلى حال الاجتهاد؟ وما الجواب إن فرط فلم يتعلم ثم نزلت به حادثة في عباداته أو نكاحه أو طلاقه، ابتدأ بالتفقه وحدثت الحادثة؟ ولا يجوز الثاني، لأنه إذا سأله عن الأدلة ليستدل بها، فإنه لا يمكنه ذلك إلا بعد أن يعرف وضع الخطاب في اللغة والشرع، وكيفية الاستدلال به، وأنه خال عن نسخ وتخصيص وغير ذلك، ويعرف القياس

стр. 1647

وشروطه، فإن رجع إلى العالم في ذلك فقد [قلده]، فإن فحص عن الأخبار [ووجوه] المقاييس وترتيب الأدلة، لم يتمكن من ذلك إلا في زمان طويل يضيق عنه زمان الحادثة، وقد لا يمكنه إذا فحص وعرف ذلك أن يجتهد ويرجح، وكثير من أهل الحديث يعرفون الأحاديث صحيحها وسقيمها، ثم لا يمكنهم الاجتهاد. فإذا بطل طريق الاستدلال لم يبق للعامي طريق إلا التقليد. ودليل آخر: أن العالم يجوز له الرجوع إلى أهل الحديث في الخبر، وكون سنده صحيحاً أو فاسداً، ولا يلزمه أن يتعلم ذلك بالإجماع، فأولى أن لا يجوز للعامي تقليد العالم لوجهين: أحدهما: أن العالم أقوى على ذلك من العامي، لأنه قد تعود الرياضة في معرفة العلوم وحفظها. والثاني: أن تعلم ذلك أيسر من تعلم الفقه وترتيب أدلته. واحتج الخصم: بأنه لما لم يجز للعامي التقليد في الأصول كذلك في الفروع. والجواب: أنه جمع بغير علة، على أن مسائل (الفروع) يطلب فيها ما يغلب على ظنه أنه الحق، وذلك يحصل للعامي بقول المفتي كما يحصل للعالم بخبر الواحد عن الرسول ﷺ . وجواب آخر: أن مسائل الأصول من التوحيد والنبوات طرقها

стр. 1648

عقلية يحتاج الإنسان فيها إلى تنبيه يسير، فلا ينقطع عمر الإنسان ومعاشه فيها، بخلاف الفروع فإنها تكثر وتتجدد والاجتهاد فيها لا يتم إلا بأمور شرعية لا يمكن ضبطها ومعرفتها إلا بطول يفضي إلى ما ذكرنا. واحتج: بأنه لا يأمن المستفتي أن يكون المفتي لم ينصحه في الاجتهاد فيكون فعله مفسدة، فيحتاج أن يفهم دليله الذي ذهب إليه ليزول شكه. والجواب: أن ينتقض بخبر الواحد، فإن العالم لا يأمن أن يكون المخبر قد كذبه، فيكون بامتثاله ما في الخبر فاعلاً للمفسدة، ثم يلزمه ذلك. فإن قيل: لأن مصلحة العالم أن يعمل بحسب الخبر وإن كان كذباً. قيل: ومصلحة العامي أن يعمل بحسب الفتوى، وإن كان خطأ. وجواب آخر: أنا قد بينا إن إعلامه بالدليل لا يفيد، لأنه لا يعرف وضعه وطريقه وشرطه وترتيبه، فلا فائدة له في ذلك. والله أعلم.

стр. 1649

فصل في شروط الاستفتاء لا يجوز للمستفتي أن يستفتي إلا من يغلب على ظنه أنه من أهل الاجتهاد بما يراه من انتصابه للفتوى بمشهد من أعيان العلماء، وأخذ الناس عنه واجتماعهم على سؤاله وما يتلمحه منه من سمات الدين والستر، وإنما أخذ عليه ذلك من الظن، لأنه ممكن في حقه، كما يمكن في حق العالم الاجتهاد في الأدلة، فأما من يراه مشتغلاً بالعلم أو يرى عليه سيما الدين، فلا يجوز له استفتاءه بمجرد ذلك. فصل وإذا غلب على ظنه في حق جماعة أنهم من أهل الاجتهاد فله أن يقلد من شاء منهم، قال في رواية الحسين بن يسار المخرمي

стр. 1650

وقد سأله عن مسألة في الطلاق، فقال: إن فعل حنث فقال له: يا أبا عبد الله إن أفتاني إنسان - يعني أنه لا يحنث - فقال تعرف حلقة المدنيين؟ حلقة بالرصافة - فقال له: إن أفتوني به حل؟ فقال: نعم. وهذا يدل على أن العامي مخير في المجتهدين، وقال بعضهم العلماء يلزمه أن يجتهد في أعيانهم: أيهم أعلم، وقد أومأ الخرقي إلى نحو ذلك فقال: وإذا اختلف اجتهاد رجلين ولم يتبع أحدهما صاحبه، واتبع الأعمى أوثقهما في نفسه فأوجب عليه اتباع الأوثق. ووجه ذلك أن طريق ذلك غلبة الظن، والعامي يمكنه أن

стр. 1651

يستخير عن ذلك ويبحث حتى يقوى ظنه أو أحدهما أعلم فصار كقوة ظن المجتهد في المسائل. ووجه الأول: أن العلماء في كل عصر لا ينكرون على العامة ترك النظر في أحوال العلماء، فدل على أنه إجماع، ولأن ذلك مما لا يمكنه معرفته بالاستخبار، لأن كل واحد من العلماء لا يخلو ممن يفضله على غيره، فيقع العامي في حيرة. فصل فإن اجتهد في العلماء فاستوى عنده علمهم، وكان أحدهم أدين وجب عليه تقديم الأدين على أحد الوجهين، لأنه الثقة به أقوى. وعلى الوجه الآخر: هما سواء، لأن أهل العلم لا ينكرون على العامة ترك ذلك. فصل فإن استووا عنده في العلم والدين كان مخيراً في الأخذ بأي أقاويلهم شاء، لأنه ليس بعضهم بقبول قوله أولى من بعض،

стр. 1652

فإن كان أحدهما أعلم والآخر أدين فقال بعضهم هما سواء، وقال بعضهم: يقلد الأعلم. ووجهه: أن المبتغي في التقليد الأعلم، لأن الأعلم أقرب إلى إصابة الصواب، لقوته في العلم. ووجه الأول: أن الدين يرجح به كما يرجح بالعلم فاستويا. فصل فإن استويا عنده في جميع الأحوال، وأفتاه أحدهما بالأشد والآخر بالأخف، فهو مخير على ظاهر رواية الحسين بن يسار، لأن له أن يقلد أيهما شاء في الابتداء قبل الفتوى، فكذلك له أن يختار قول أيهما شاء بعد الفتوى. وقال عبد الجبار وبعض الشافعية: ليس له أن يختار الأخف.

стр. 1653

واحتجوا: بقول الرسول ﷺ : "الحق ثقيل مريء والباطل خفيف وبيء"، فدل على أنه الحق في الأشد. والجواب: أنه من أخبار الآحاد، ويقابله قول الرسول ﷺ بعثت بالحنيفية السمحة السهلة، وقوله: إن الله يحب أن يؤخذ برخصة كما يؤخذ بعزائمه. واحتج: بأنه إذا جاز أن يختار الإباحة حتى شاء أسقط حكم الخطر. وصار الفعل مباحاً في حقه، فلا يجوز أن يعتقد حظره.

стр. 1654

والجواب: أنه ليس كذلك، بل نقول أن المفتين إذا استويا عنده، صار الأخف رخصة لا عزيمة يجب فعلهما. والله أعلم. مسألة لا يجوز للمجتهد أن يقلد مجتهداً غيره سواء في ذلك ضيق الزمان وسعته ، نص عليه في رواية الفضل بن زياد: أن أحمد قال له: يا أبا العباس. لا تقلد دينك الرجال، فإنهم لن يسلموا أن يغلطوا. وفي رواية ابن الحارث: لا تقلد أمرك أحداً وعليك بالأثر، وبهذا قال أبو يوسف والشافعي، وقال محمد بن الحسن: يجوز للعالم أن يقلد من هو أعلم منه، أما مثله فلا. وعن أبي حنيفة روايتان.

стр. 1655

إحداهما: جوازه، والأخرى المنع منه. واختلف الشافعية: فروى عن ابن سريج مثل قول محمد وروى عنه: أنه يجوز ذلك مع ضيق الوقت لامع سعته وقال الصيرفي وابن أبي هريرة: مثل قولنا. وقال بعضهم: إن لم يجتهد فله أن يقلد على الإطلاق، وإن اجتهد فلا يجوز له التقليد. وحكى أبو إسحاق الشيرازي: أن مذهبنا جواز تقليد العالم للعالم، وهذا لا نعرفه عن أصحابنا وقد بينا كلام

стр. 1656

صاحب مقالتنا. لنا: الأدلة الموجبة للنظر الدالة على فساد التقليد في الأصل، وأيضاً قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ والرد إليهما لا يمكن، فثبت أنه يلزم الرد إلى دلالة خطابهما. فإن قيل: تقليد العالم حكم الله، لأنه حكم بما غلب على ظنه. والجواب: أنه إذا لم يجتهد فيأخذ بما يقتضيه ظاهر الكتاب والسنة فما رد إلى حكم الله ورسوله، وإنما رد إلى رأي غيره، فلم يجز، وأيضاً قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ وإذا قلد غيره فقد أخذ بما لا علم له به وأيضاً قوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾، ولم يقل إلى عالم يقلده، وأيضاً قول النبي ﷺ :"اجتهدوا فكل ميسر لما خلق" ولم يفصل،

стр. 1657

وأيضاً فإن الصحابة كانوا يتناظرون في الحكم، ولا يقلد بعضهم بعضاً، ولو جاز التقليد لم يكن لمناظرتهم معنى، ولقائل أن يقول: إنما يتناظرون، لأن العمل على الاجتهاد أولى من التقليد. قلنا: الدليل الذي جعل الاجتهاد أولى من التقليد هو الذي منع من التقليد. ودليل آخر: أن المجتهد يمكنه التوصل إلى الحكم باجتهاده لتكامل الآلة، فلم يجز له أن يقلد غيره كما نقول في العقليات (لما) تمكن منها بنفسه لا يمكن تقليده. فإن قيل: المطلوب في العقليات العلم، والعلم لا يحصل بالتقليد، والمطلوب في مسألتنا: العمل التابع للظن، وذلك يحصل بتقليد العال. قلنا: إلا أن المأخوذ عليه طلب الحق بظنه، ولا يحصل ذلك إلا بنظره في الأدلة الموجبة له غلبة الظن، فأما تقليد غيره فلا يحصل له ذلك، ولأن المأخوذ عليه إحاطة علمه بظنه، ولا يحصل ذلك بتقليد غيره.

стр. 1658

ودليل آخر: أن المجتهد لو اجتهد فأداه اجتهاده إلى خلاف قول من هو أعلم منه، لم يجز ترك رأيه والأخذ برأي ذلك الغير، فوجب أن لا يجوز وإن لم يجتهد، لأنه لا يأمن لو اجتهد أن يؤديه اجتهاده إلى خلاف ذلك القول. فإن قيل: فيلزم العامي، فإنه لا يأمن لو تفقه أن يؤديه اجتهاده إلى خلاف ما أفتاه العالم، ويجوز له الأخذ بفتياه في هذه الحالة. قلنا: العامي ليس معه آلة الاجتهاد، وإلى أن يتعلمها زمان يضيق عن وقت الحادثة، وينقطع عن صلاح دنياه وربما وصل، وربما لم يصل بخلاف العالم. ودليل آخر: أن المجتهد متمكن من معرفة الحكم باجتهاده، فلم يجز العدول عن ذلك إلى ما هو أنقص منه، كما لا يجوز للمتمكن من العلم العدول عنه إلى الظن، وهذا صحيح، فإنه يحيط بظنه يقيناً إذا اجتهد، ولا يحيط بظن غيره يقينا. ودليل آخر: أن المجتهد متعبد باجتهاده وعمله بحسبه، يدل على ذلك أنه بذلك يكون مطيعاً لله تعالى، ويدل عليه أن الله سبحانه ما نصب الأمارة إلا وقد أراد من المجتهد أن يجتهد فيها، وليس بعض المجتهدين أولى بذلك من بعض، فلا يجوز إثبات يدل لهذا المراد المتعبد به إلا بدلالة عقلية أو سمعية، ولا دليل ها هنا على البدل بهذا الاجتهاد من التقليد فيجب أن لا يجوز إثباته. ودليل آخر: أنه لا خلاف أنه يجوز ترك قول الأعلم باجتهاده، ومن جاز ترك قوله باجتهاده لم يجز ترك اجتهاده لقوله

стр. 1659

كالذي هو وسيلة، وكالمجتهد في القبلة، ولا يلزم قول الرسول ﷺ وقول الإجماع لأنه لا يجوز تركه باجتهاده. فإن قيل: يلزم العامي [أن لا يتبع] مثله، ويتبع العالم. قيل: إنما لم يتبع مثله، لأنهما استويا في عدم الأدلة المؤدية إلى الحكم، واتبع العالم لتحققه بآلة الاجتهاد دونه في مسألتنا لا خصيصة له عليه، وهو من ظن نفسه على يقين، ومن ظن غيره على شك فلم يجز اتباعه، يؤكد هذا: أن العامي يجب اتباع العالم، ولا يجب على المجتهد اتباع من هو أعلم منه، بل له أن يخالفه في اجتهاده، فافترقا، ولأن الأصل أن لا يتبع الإنسان قول غيره، وإنما جوزنا للعامي لقيام الدليل، وبقى العالم على الأصل. احتج الخصم: بقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ وهذا قبل اجتهاده لا يعلم حكم الحادثة. والجواب: إنها حجتنا، لأنه شرط أن لا يعلم، والمجتهد عالم بطرق الاجتهاد، وبطرق الأدلة. وجواب آخر: أن المراد بها العامة بدليل أنه أمرنا بالسؤال، والمجتهد لا يجب عليه السؤال، وإنما يجب على العامي، وعين أن يكون المسؤول من أهل الذكر، فاقتضى أن يكون السائل من غير أهل الذكر، وإلا كان مأموراً بسؤال نفسه، لأنه من أهل الذكر، فيكون السائل هو المسؤول.

стр. 1660

واحتج: بقوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ ولم يفصل. والجواب: أن المراد الطاعة في الغزوات والسرايا، وإقامة الحدود وغير ذلك، ولهذا خص أولي الأمر، ولهذا تجب طاعة الأمراء في ذلك بمقتضى الأمر، ولا يجب على العالم تقليد غيره، وله مخالفته باجتهاده ولو كانت الآية تناول مسألتنا وجب علينا قبول قولهم، ولم يجز لنا مخالفتهم. واحتج: بأن الصحابة ﵃ رجعت إلى التقليد بدليل أن عبد الرحمن بن عوف دعا عثمان وعليا ﵃ إلى سنة الشيخين ﵄، فأجاب عثمان فبايعه. وهذا هو التقليد. والجواب: أن ابن عمر جعله عمر في المشورة، وذكر الخبر: أن عبد الرحمن سارهما ثم صفق على يد عثمان، قال فمن أخبرك أنه علم ما قال لهما فقد كذب. وهذا يدل على أنه لا يعلم هل بايع له لأجل ذلك أم لا؟

стр. 1661

وجواب آخر: إن صح فمحمول على أنه أراد سنة الشيخين في السيرة والاجتهاد في الفتوح، وتجهيز الجيوش والقناعة بيسير الرزق ولمي رد الأحكام، يدل على ذلك أن أبا بكر وعمر اختلفا في كثير من المسائل فكيف يمكنه اتباعهما في حكمين متضادين، وعثمان أيضاً خالفهما في مسائل ولم يقل له: اترك اجتهادك لقولهما، ويدل على ذلك أنه لا أحد قال: يجب على العالم تقليد من هو أعلم منه، وخبر الشورى يقتضي أن عبد الرحمن (يرى) ذلك، حتى أن علياً لما لم يجبه إلى التقليد لم يبايعه، فدل على أنه لم يرد به الأحكام، وإلا كان مخالفاً للإجماع، ولأن تقليد الميت لا يجوز فكيف يحمل خبر عبد الرحمن أنه بايع عثمان على تقليد أبي بكر وعمر وهما ميتان. واحتج: بأن عمر ﵁ قال: إني رأيت في الجد رأيا فاتبعوني فقال له عثمان: إن نتبع رأيك فرأى رشيد، وإن نتبع رأي من قبلك فنعم ذا الرأي، وروى أنه رجع إلى رأي على لما أنقذ إلى امرأة أجهضت ذا بطنها، وروى أنه سأل ابن مسعود عن الصرف، فقال: لا بأس به. فقال عمر: لكني أكره، فقال ابن مسعود كرهت إذ كرهته. وهذا تقليد. والجواب: أن هذا لا يدل على التقليد، لكن يدل على أ، بعضهم تنبه على الدليل بقول بعض، وهذا كما يتردد الإنسان بين

стр. 1662

رأيين في الحرب لم يصمم على أحدهما، فيقول له قائل: ليس هذا بصواب بل الصواب كذا وكذا، فيقول له صدقت، فيعلم الحاضرون لذلك، إنما صدقه ليتنبه على وجه الرأي والمصلحة، لأن قول ذلك عنده أصوب من رأيه وقول عمر في الجد اتبعوني يعني اتبعوا دليلي، كما يدعو أحدنا الآخر في النظر إلى الأخذ بدليله لا إلا تقليده. فقال له عثمان رأيك رشيد في هذا الدليل، ورأي أبي بكر في دليله نعم الرأي، ولهذا عثمان وعبد الرحمن قالا لعمر: إنما أنت مؤدب لا شيء عليك ولم يتبعهما واتبع قول علي، فدل على أن اجتهاده أداه إلى قول علي في هذه المسألة وكذا قول ابن مسعود بان لي إذ كرهت وجه الكراهة فكرهت ذلك أيضاً. واحتج: بأنه حكم يسوغ الاجتهاد فيه فجاز التقليد فيه، كما لو كان المستفتي عامياً. والجواب: أن العامي عادم للآلة المؤدية إلى الحكم باجتهاده، [فجاز له التقليد، أما العالم] فلم يجز له التقليد كالعامي في العقليات من التوحيد والنبوة وغير ذلك، ولأن العامي لما جاز له التقليد وجب عليه التقليد وترك مخالفة من قلده، والعالم لا يجب عليه التقليد ويجوز له مخالفة من قلده إلى اجتهاده فافترقا. واحتج: بأنه يجوز للعالم أن يقلد الرسول ويقلد الصحابي ويترك اجتهاده وكذلك يجوز أن يقلد من هو أعلم منه أو مثله. والجواب: أن ما سمعه لا يسمى فيه مقلداً، بل هو الحجة.

стр. 1663

الواضحة في الشرع، لأنه إن كان عن وحي فهو مقطوع بصحته أيضاً، لأنه لا يخطيء مما شرعه وما يجوز عليه الخطأ فيه لا يقر عليه فإذا لا يأمن فيه الخطأ ومعه طريق إلى الحكم يوجب أن يجتهد في ذلك، وأما الصحابي فلا يجوز للعالم تقليده في إحدى الروايتين وهو الأقوى عندي، ومن سلمها قال: إن قول الصحابي حجة في الشرع بخلاف المفتى من غير الصحابة يوضح صحة ما ذكرنا أنه يجب على العالم ترك اجتهاده والأخذ بقول الرسول ﷺ وبقول الصحابي على قول من جعل حجة، ولا يجب عليه تقليد غيره، فبان ما ذكرنا. واحتج: بأن العالم يجوز أن يأخذ بخبر الواحد في الحكم ويقلد راويه وإن جاز عليه الخطأ، فيجوز أن يأخذ أيضاً بقول العالم في الحكم. والجواب: أنه جمع من غير علة، ثم العالم في باب الأخبار وأسانيدها مع المحدث بمنزلة العامي من العالم، لأنه عادم لطريق معرفة الرجال وسماع الحديث، ولو طلب ذلك فربما تعذر عليه بموت راوي الحديث، أو يتعذر عليه الطريق بينهما، فسقط عنه ذلك للمشقة، كما سقط عن العامي طلب طريق الفقه في حال نزول الحادثة، بخلاف مسألتنا، فإن آلة الاجتهاد موجودة على ما بينا فافترقا، ولأن خبر الواحد ظهر من غير نظر، وأسند إلى المعصوم ﷺ فلزم قبوله، بخلاف مسألتنا، فإن الحكم مختلف فيه، ولا يأمن الخطأ على المفتي ومعه آلة الاجتهاد التي يجوز [أن يؤديه] إلى غير ما أفتاه به، فلم يجز تقليده.

стр. 1664

واحتج: بأن الاجتهاد من فروض الكفايات، فجاز أن يتكل فيه البعض على البعض كالجهاد يتكل على البعض الذين تقع الكفاية بهم في رد العدو وإذلاله. والجواب: أنا لا نسلم أنه مع وجود آلة الاجتهاد وحصول الاختلاف في الحكم يكون من فروض الكفايات، بل يجب على كل مجتهد النظر في ذلك الحكم إذا نزل به، ويصير نظيره من الجهاد نزول العدو بكل فريق من المسلمين، فإنه يجب على الكل الجهاد. واحتج محمد: بأن الأعلم له مزية لكثرة علمه وبصيرته بطريق الاجتهاد، وأخذ الإنسان باجتهاد نفسه له مزية، وإحاطته بظن نفسه وثقته باجتهاده، وليس من اجتهاد الأعلم على ثقة، فإذا اجتمعا تساويا فتخير بينهما. والجواب: إن هذا يبطل باجتهاد من طالت صحبته للنبي ﷺ مع اجتهاد من لم تطل صحبته، فإن للطويل الصحبة مزية بكثرة سماعه من الرسول وقوة معرفته بمقاصده وأنسه) بكلامه، ثم لا يجوز لمن لم تطل صحبته تقليده لأجل ذلك إذا تساويا في العلم لم يقلد أحدهما الآخر، وإن كان الصحابي له مزية الصحبة (والمحاضرة للرسول ﷺ وسماع التنزيل).

стр. 1665

وجواب آخر: إن معرفة الإحاطة لا يوازيها زيادة علم الآخر لأنه على يقين من نفسه واجتهاده على شك من الأعلم هل استعمل حقيقة اجتهاده، ومنتهى بحثه أم لا؟ والشك لا يوازي اليقين. فصل الدليل على أنه لا يجوز للعالم التقليد مع ضيق الزمان والوقت أيضاً خلافاً لابن سريج ما تقدم في المسألة، وأيضاً أنه مجتهد فلم يجز له التقليد، كما لو لم يخف فوت الوقت وأيضاً من لم يجز له التقليد إذا لم يخف الفوت، (كذلك) وإن خاف الفوت، دليله سائر المكلفين في العقليات، فإن المكلف لو خشي أن يموت لم يجز له التقليد في معرفة الله والواحدانية وغير ذلك، كما لا يجوز إذا لم يخف الموت، ولأن اجتهاده شرط في الحادثة، فلم يسقط بخوف فوت الوقت كسائر الشروط في العبادة، مثل الطهارة والستارة (في الصلاة) ولأن فرض العامي التقليد كما أ، فرض المجتهد الاجتهاد، ثم العامي لا يسقط عنه فرض التقليد والسؤال (بخوف) فوت الوقت، كذلك لا يسقط عن العالم الاجتهاد لخوف الفوت. واحتج الخصم: بقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ

стр. 1666

لا تَعْلَمُونَ﴾ وقد بينا الجواب وأن المراد به لا تعلمون طرق الاجتهاد، لأنه ذكر البينات والزبر وهما طرق الاجتهاد، وهذا العالم يعلم طرق الاجتهاد فلم يجز له السؤال. واحتج: بأنه لا يمكنه أداء فرضه باجتهاده، فكان فرضه التقليد كالعامي. (والجواب): أنا لا نسلم الوصف، لأن فرضه يؤديه بعد اجتهاده، والمعنى في العامي أنه لا يعرف طرق الاجتهاد، بخلاف العالم، (ويوضح هذا أن العامي يجوز له التقليد مع سعة الوقت بخلاف العالم). واحتج: بأنه محتاج إلى التقليد، لأنه إذا اجتهد فاتته العبادة بخروج وقتها وذلك لا يجوز. والجواب: أنه إن كانت العبادة مما يجوز تأخيرها للعذر جاز ها هنا، لأن اجتهاده عذر له في التأخير، وإن كانت مما لا يجوز تأخيرها كالصلاة وغيرها، فإنه يفعلها على حسب حاله، ثم يعيد إذا تبين فلا ضرورة به إلى التقليد، وهذا كما (نقول) فيمن عدم الماء يصلي على حسب حاله ويعيد، وكذلك من حبس في موضع نجس

стр. 1667

يصلي ويعيده (والله أعلم).

стр. 1668

انتهى الجزء الرابع من كتاب "التمهيد" لأبي الخطاب محفوظ أحمد الكلوذاني الحنبلي المتوفى سنة ٥١٠ هـ. وبتمامه تم الكتاب