Полный текст (1 668 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.
стр. 1611
والجواب: أنه إذا قال: في المسألة قولان: أحدهما يجب والآخر: لا يجب، فالظاهر أنهما قوله (أوهما قول غيره أو أحدهما قوله) فإن كانا قول غيره، فال مذهب له في المسألة فما وجه ذكرها في مذهبه؟، لأن جميع أصحابه يحكونها مذهباً له، ومنهم من يختار أحدهما، ومنهم من يختار الآخر، فبطل، وإن كان أحدهما قوله، (فكان يجب) أن يذكره وينبه عليه على ما تقدم من قولنا فيه، وإن كانا قوله فقد بينا: أنه لا يجوز كون الشيء عند شخص واحد حلالاً حراماً، فثبت أنه لا عذر فيه، وأنه غلط.
فإن قيل: فقد قال أحمد في رواية أبي الحارث والفضل بن زياد كذلك في المرأة إذا أخرت الصلاة إلى آخر وقتها، ثم حاضت قبل خروج الوقت: فيها قولان: أحدهما لا قضاء عليها، والقول الآخر: أن الصلاة (قد) وجبت عليها بدخول وقتها.
قيل: (وتمام) الراوية: (والقضاء) أعجب القولين إليّ، فنص على مذهبه ولم يطلق ويمسك، كما فعل الشافعي وكذلك إن اعترضوا برواية أبي داود عنه في البكر إذا استحيضت عندنا فيها قولان: أن تقعد أدنى الحيض يوماً ثم تغتسل وتصوم وتصلي،
стр. 1612
أو تعقد غالب حيض النساء ستا أو سبعاً، فصرح بالقولين في حالة واحدة.
قيل له: تمام الرواية، فقلت له: فما تختار أنت قال: من قال: يوماً فهو الاحتياط، (فبين) أن مذهبه اختياره أن تجلس يوماً وعلل بالاحتياط، فما قال الشافعي فيه مثل ذلك، فلا اعتراض عليه (فيه). والله أعلم (بالصواب).
مسألة
إذا نص في مسألة على حكم وعلل بعلة توجد في مسائل أخر، فإن مذهبه في تلك المسائل مذهبه في المسألة المعللة سواء قلنا بتخصيص العلة أو لم نقل، ومثاله: إذا قال: النية واجبة في التيمم، (لأنه) طهارة عن حدث.
стр. 1613
قلنا: (مذهبه) أن النية تجب في الوضوء وغسل الجنابة والحيض، لأنه اعتقد وجوب النية لكونها طهارة عن حدث فيجب أن يشمل ذلك طهارة عن حدث، إذا لم نقل بالتخصيص، وإن (قلنا) بالتخصيص، فإنما تخصص العلة إذا قام على تخصيصها دليل، فإن لم يتم فهي على عمومها كلفظ العموم، يدل على الشمول ما لم يخصه دليل.
فصل
فإن نص على حكم في مسألة وكانت الأخرى تشبهها شبهاً يجوز أن يخفي على بعض المجتهدين لم يجز أن تجعل الأخرى مذهبه، لجواز أن لا تخطر المسألة بباله ولم يتناولها لفظه ولا تنبيه، ولا معناه، ولعلها لو خطرت (له) لصار فيها إلى حكم آخر.
فإن قيل: فلِمَ إذاً علل مسألة وجدتم علتها في الأخرى ألحقتموها بها، وإن كان يجوز أن يحكم فيها بحكم آخر.
(قلنا): لما (ذكرت) من (أن) التعليل (يعم)، وإن الله تعالى من (دأبه) أن يعلق الحكم على العلة إذا نبهنا عليها، فكذلك المجتهد إذا نبهنا على علة (ما نص عليه).
стр. 1614
فإن قيل: فلِمَ إذا نص صاحب الشرع على حكم مسألة ورأي بعض المجتهدين مسألة أخرى تشبهها يلحقها بحكمها قياساً؟
(قلنا): لأن صاحب الشرع تعبدنا أنه إذا حكم في مسألة ونبهنا على علتها أن تجري حكمها أين وجدت إلا أن يرد ما يخصها، والعالم (لم) يدلنا على ذلك، ويجوز أن يذهب إلى فرق فيخطيء، وصاحب الشرع لا يجوز عليه ذلك فافترقا.
فصل
إذا نص العالم في مسألة على حكم ونص في غيرها (تشبهها) على حكم آخر لم يجز نقل جواب إحداهما على الأخرى، وقال بعض الشافعية: ينقل جوابه من إحداهما إلى الأخرى/٢٢٠ أ، فيكون في كل واحدة منهما قولان.
لنا: أن المذهب إنما يضاف إلى الإنسان إذا قاله أو دل عليه (ما) يجري مجرى القول، من تنبيه وغيره، فإذا عدم ذلك
стр. 1615
لم يجز إضافته إليه، ولأن الظاهر أن مذهبه في إحداهما غير مذهبه في الأخرى، لأنه نص فيهما على المخالفة، فلا يجوز الجمع بينهما في قوله.
واحتج الخصم: بأنه إذا نص في إحدى المسألتين على حكم وفي نظيرتها على غيره، (وجب حمل إحداهما على الأخرى) ألا ترى أن الله تعالى لما نص في كفارة القتل على الإيمان وأطلق في الظهار قسنا إحداهما على الأخرى وشرطنا الإيمان فيهما؟، كذلك في مسألتنا.
والجواب: أن في الكفارة صرح في إحداهما وسكت في الأخرى (فقسنا) المسكوت على المنطوق، بخلاف مسألتنا، فإنه صرح في كل واحدة من المسألتين بخلاف الأخرى، فلا يجوز حمل إحداهما على الأخرى (كما قلنا)، (لما) نص في (صوم) الظهار على التتابع وفي صوم التمتع على التفريق لم نلحق إحداهما بالأخرى.
стр. 1616
واحتج: بأنه لو قال: الشفعة لجار الدار وجبت لجار الدكان، لأنه لا فرق بينهما، فقد نقلنا حكم المسألة إلى نظيرتها.
والجواب: أن نظير مسألتنا أن نقول: ولا شفعة في الدكان، فلا ينقل حكم إحداهما إلى الأخرى، فأما إذا لم يصرح في الأخرى بحكم، فالظاهر حملها على نظيرتها.
فصل
إذا روى عنه في مسألة (روايتان مختلفتان) وصح نقلهما، فقد بينا أنه لا يجوز أن يقولهما في حالة واحدة، ولا نقل عنه ذلك (إلا) وبين مذهبه في إحداهما، فإن قالهما في حالتين فلا يخلو أن يعلم أيهما قال أخيراً، أو لا يعلم، فإن لم يعلم اجتهدنا في الأشبه بأصوله الأقوى في الحجة، فجعلناها مذهباً له، وكنا في الأخرى شاكين، وإن علمنا الأخيرة فقد اختلف أصحابنا، فمنهم من لم يجعل الأولى مذهباً له/٢٢٠ ب، فقال: رجع عنها فلا تضاف إليه، ومنهم من قال: تكون مذهباً له إلا أن يصرح بالرجوع عنها، وقد ذكروا ذلك في مسألة رؤية (المتيمم) الماء في الصلاة.
стр. 1617
وجه الأولى: أنهما قولان متضادان، (فالثاني) منهما ترك (للأول) كالنصين المتضادين من صاحب الشرع، ولأنه إذا (أفتاه) بإباحة شيء ثم عاد وأفتاه بتحريمه، فالظاهر أنه رجع عن الأول، لأن الحق عنده في واحد، فلا يجوز أن ينسب إليه.
وجه الثاني: أن قوله أولا بالاجتهاد. والثاني (كذلك)، والاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد، ولهذا روى عن عمر ﵁: أنه لما قضى في المشتركة بأن لا يرث ولد الأم، ثم جاءته بعد عام فقضى بذلك، فقيل له: هب أن أباهم كان حماراً أليس قد ولدتهم الأم؟ حكم بالتشريك، وقال: تلك على ما قضينا، وهذا على ما قضينا، فلم يبطل الأول (بالثاني).
والجواب: أنا لا نقول: إنه إذا حكم في حق قوم ونفذ الحكم يرجع، لأن نقض الاجتهاد بالاجتهاد يفضي (إلى) أن لا يستقر حكم، وإلى وقوع الشغب بين الناس، ولهذا لا يسوغ للحاكم أن ينقض حكم من قبله إذا خالفه، فأما في مسألتنا فهو مذهب الإنسان لم يتعلق به حق غيره، فإذا قال شيئاً ثم عاد فقال
стр. 1618
ضده، علمنا أنه تبين له الحق فرضيه وترك الأول فنسيناه إليه دون المتروك (والله أعلم).
فصل
(فإن) نص في مسألة على حكم، ثم قال: ولو قال قائل: لو ذهب ذاهب إلى كذا (وكذا) حكم يخالف ما نص عليه (وكان مذهباً: لم يجعل ذلك مذهباً له، وقال بعضهم: يجوز أن يجعل مذهباً له.
لنا: أن مذهبه ما نص عليه) أو نبه (أو شملته) (علته) التي علل بها، فأما قوله: ومن قال كذا فقد ذهب مذهباً، فهو إخبار عن كون المسألة من مسائل الاجتهاد فلا يجوز أن تجعل مذهبه، كما لو قال: وقد ذهب آخرون إلى كذا/٢٢١ أ، ضد ما نص عليه، فإنه لا يجعل مذهباً (له) كذلك ها هنا.
واحتج الخصم: بأن قوله: لو قال قائل: كذا، كان مذهباً
стр. 1619
يحتمل أني أقوله أنا، ويحتمل أن غيري قاله، والظاهر أنه إذا سئل أجاب بمذهبه فإذا قال ذلك فالظاهر أنه مذهبه.
والجواب: أنه إذا احتمل لم ينسب إليه المذهب بالشك والذي هو مذهبه قد صرح به، وإنما (بين): إنه يسوغ فيها الاجتهاد.
مسألة
اختلف الناس: هل يجوز أن يفوض الله إلى المكلف أن يوجب، ويبيح، ويحرم باختياره، ويقول له: احكم فإنك لا تحكم إلا بالحق، فقال أكثر العلماء: لا يجوز ذلك وهو
стр. 1620
الأشبه عندي بالمذهب، لأن (المذهب عندنا أن الحق عند الله واحد) وقد نصب الله تعالى عليه أمارة، فكيف يجوز الحكم بغير طلب تلك الأمارة (لتدل) على ذلك الحق، وحكى عن الجبائي أنه قال: ذلك في حق النبي ﷺ وحده، وإليه ذهب شيخنا، وروى أن الجبائي رجع عن القول بذلك، وقال مويس بن عمران صاحب النظام: يجوز ذلك في حق النبي ﷺ وحده، وإليه ذهب شيخنا، وروى أن الجبائي رجع عن القول بذلك، وقال مويس بن عمران صاحب النظام: يجوز ذلك في حق النبي ﷺ وغيره من العلماء، وحكى عن الشافعي: أنه قال في الرسالة: لما علم الله تعالى من نبيه أن الصواب يتفق منه، جعل ذلك إليه، ولم يقطع عليه بل (جوزه) (وجوز غيره)، ورأيت بعض المحققين من أصحابه
стр. 1621
ينكر ذلك أن يكون مذهباً (له) وتأول ما قاله في الرسالة: أنه جعل إليه أن يجتهد لما علم أن الصواب يتفق منه/٢٢١ ب، فقيل له قد جعل الاجتهاد لغيره من العلماء، وإن لم يتفق (منهم) الصواب فأجاب بأن (الاجتهاد) (إذا كان من) النبي ﷺ : لا يجوز خلافه، (واجتهاد غيره يجوز خلافه، وإنما لا يجوز خلافه) إذا كان كل اجتهاده صواباً، وفي هذا من جوابه نظر.
ووجه الأول: أن الحق واحد ولا يجوز أن يتفق للمكلف إصابة ذلك الواحد أبداً بمجرد اختياره من غير اجتهاد، كما لا يجوز أن يتفق أن يخبر الإنسان بأخبار (لم) يسمعها، ولا علم (له) بها، فتوافق الصواب والصدق في أخباره أبداً، ولو جاز ذلك خرجت الأخبار عن الغيوب من أن (تكون) دلالة على صحة (نبوات)
стр. 1622
(الأنبياء) إذا وجدت على ما قالوا، ولجاز أن يكلف تصديق النبي دون من ليس ينبي من غير علم بذلك، ولجاز أن (لا) تقع الأفعال الكثيرة المحكمة من غير علم، فلما لم يجز جميع ذلك أن يقع (باختياره) من غير علم كذلك في مسألتنا.
فإن قيل: يجوز في مسألتنا أن يتفق له إصابة الحق (أبدا) لقول الله تعالى: (احكم) فإنك لا تحكم إلا بالصواب.
(قلنا): إنه لا يجوز أن يقول الله سبحانه (له) ذلك، كما لا يقول (له) أخبر فإنك لا تخبر إلا بالصواب، وافعل فإن أفعالك كلها تكون محكمة، ولأن في تجويز ذلك ما يؤدي إلى إبطال دلالة الأنبياء بأخبارهم عن الغيوب، ولأنه
стр. 1623
لو جاز ذلك أن يقوله للنبي لجاز قوله للعالم، ولو جاز قوله للعالم لجاز قوله للعامي وأن يتعبده أن يحكم باختياره، وهذا خرق للإجماع.
فإن قيل: الأنبياء والعلماء خصهم الله تعالى بذلك/٢٢٢ أ (لفضلهم)، وإكرامه لهم بخلاف العامي.
قيل: إمكان اتفاق الصواب في العامي)، كإمكانه من النبي والعالم، فلم جوزنا أن (يقول): لأحدهما دون الآخر؟، ولأنهم إنما يفضلون، ويكرمون بالعلم ومعرفة الأدلة فأما بمجرد الاختيار فلا.
ودليل آخر: أنه لو جاز ذلك لم يكن لتكليف الاجتهاد معنى، لأنه يختار الصواب من غير فكر واجتهاد، فلما كلف الاجتهاد بالإجماع ثبت أن ذلك غير جائز.
فإن قيل: إنما كلف الاجتهاد ليكثر ثوابه بذلك.
(والجواب): أن الاجتهاد لا يراد لعينه، وإنما يراد (لتبيين) الصواب والحق، (والثواب) بذلك يحصل، فإذا كان (اختياره) يحصل الثواب فلا فائدة في الاجتهاد،
стр. 1624
وما لا فائدة فيه فلا يثاب عليه، ولا يكلفه، وذكر بعضهم دليلاً آخر، فقال: الأحكام كلها ألطاف ومصالح، فإذا جعلت إلى اختيار المكلف، وهو يجوز أن يختار المصلحة، ويجوز أن يختار المفسدة لم يجز أن يجعل ذلك إليه.
فإن قيل: لا يجوز أن يختار المفسدة مع قول الله (تعالى له): فإنك لا تحكم إلا بالصواب، فقد تقدم الجواب.
فإن قيل: فما تنكر أن تكون مصلحته أن يختار؟، كما جعل مصلحته ما يذهب إليه، ويحكم به بخبر الواحد أو القياس، وإن لم يتفق أن يكون ذلك صواباً يتضمن المصلحة أبداً.
(قلنا): لو كان مصلحته ما يختار لسقط التكليف عنه، لأنه إن شاء فعل (وإن شاء) لم يفعل، وهذا صفة الإباحة لا صفة التكليف، (ويخالف الخبر والقياس، فإن القول بموجبهما لا يؤدي إلى إسقاط التكليف)، لأنه لا يفعل بما (شاء) من ذلك، ولكن بما يقتضيانه.
стр. 1625
فإن قيل: لا يؤدي إلى إسقاط/٢٢٢ ب التكليف، لأنه يجب عليه أن لا يخلو من الفعل (والإخلال به).
قيل: هذا لا يمكن الإنسان الخلو منه، وما لا يمكن الإنسان الخلو منه لا يحسن تكليفه إياه.
دليل آخر: لا يخلو أن يكون الله قد أوجب (عليه) المصلحة بين الفعل وتركه، من غير أن يعينه له، فيكون تكليف ما لا يطاق، أو يكون قد خيره بينه وبين غيره، مما ليس بمصلحة فيكون قد خيره بين (المصلحة والمفسدة)، لأنه قال: "افعل أيهما شئت"، والتخيير بين المصلحة والمفسدة لا يجوز في الحكمة، فبطل أن يكون مفوضاً إليه الاختيار.
стр. 1626
واحتج المخالف: بأشياء: منها ما يدل على ورود التعبد بذلك، ومنها: ما يدل على جواز التعبد بذلك، ومنها: ما يدل على جواز استمرار (اختيار) الصواب دون الخطأ.
فأما ما يدل على ورود التعبد (فذلك) قوله تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَاّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾.
والجواب: أن الآية تشهد أن كل الطعام كان حلاً (لبنيه)، وإسرائيل ليس (بداخل) في بنيه.
وجواب آخر: أنه يجوز أن يكون (حرم) على نفسه بالاجتهاد، أو بالنذر، أو باليمين، وكان في شريعتهم إثبات التحريم بالنذر واليمين، كما ثبت في شريعتنا الإيجاب بالنذر، والتحريم
стр. 1627
باليمين على اختلاف، ويحتمل أن يكون قد (حرم) بدليل (وأضيف) إليه، كما تضاف الأحكام إلى المجتهدين.
فيقال: هذا قول الشافعي/٢٢٣ أ (في قول)، واختيار أحمد (واختيار أبي حنيفة).
(واحتج): بأن السنة مضافة إلى النبي ﷺ ، وحقيقة الإضافة تقتضي أنها من قبله.
والجواب: أنها أضيفت إليه، لأنه هو السفير والمخبر بها، وبقوله أوجبت، ولهذا تضاف إليه جميع السنن، ومعلوم أن جميعها ليس باختياره، لأن منها ما نزل (به الوحي).
واحتج: بأنه قال في مكة: "لا يختلي خلاها"، فقال
стр. 1628
العباس: "إلا الإذخر"، فقال ﵇: "إلا الإذخر" ومعلوم أن الوحي لم يرد في تلك الحال.
والجواب: أنه قد روى الواقدي في المغازي: أنه لما قال العباس: "إلا الإذخر"، سكت رسول الله ﷺ (ساعة)، ثم قال: إلا الإذخر، فدل على أنه لم يقل باختياره، وإنما يجوز أن يكون أوحى إليه أو اجتهد في الأشبه.
وجواب آخر: أنه قد قيل: إن الإذخر ليس من الخلاء، وإنما استثناه العباس تأكيدا، ثم يحتمل أن يكون النبي ﷺ أراد استثناء، فسبقه العباس (إلى سؤاله).
واحتج: بأنه لما سئل (النبي ﷺ عن الحج: يجب في كل عام؟، فقال: لو قلت: نعم لوجبت.
стр. 1629
والجواب: إنه كذلك حيث كان قوله دليلاً على الوجوب، وليس في الكلام ما يدل على أن قوله عن اجتهاد أو اختيار، أو وحي (ولا) حجة فيه.
واحتج: بقوله ﵇: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة) فبين أن أمره موقوف على اختياره.
والجواب: أنه يحتمل لأمرتهم على طريق (التكليف)، ولا يمتنع أن يكون الله تعالى قد أعلمه: [أنه لا ينبغي] أنه (يأمرهم) به، لأجل المشقة، ويحتمل أن يكون خشي، أني فرض عليهم إذا ندبهم إلى المداومة عليه، كما روى أنه ترك المداومة على صلاة التراويح، وقال: (خشيت أن تفرض عليكم)، ويحتمل
стр. 1630
أن يكون لأمرتهم (عن) اجتهاد، لأنه تنظيف وتطهير، ولكن (تركته) للمشقة.
واحتج: بأن موسى أثبت جميع الأحكام من جهته إلا تسع آيات أنزلها الله تعالى عليه.
والجواب: أنا لا نعلم ذلك، ولا يثبت، ولو علمنا، لم نعلم هل أوحى إليه أو اجتهد، أو قال باختياره في جميع الأحكام.
واحتج: بأن الرسول ﷺ قال: "عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق".
والجواب: أنه أضاف العفو إلى نفسه، لأنه هو (الذي يأخذها) وهو الذي يتركها، وإن كان ذلك بأمر الله تعالى، على أن هذا كلها أخبار آحاد، ولايحتج بها في مثل هذا الأصل، ثم
стр. 1631
تعارض هذه الأخبار بأصرح منها يدل على قولنا، (وهو) ما رواه الواقدي بإسناده عن عبيد بن عمير قال: قال: رسول الله ﷺ : "ما هلك نبي حتى يؤمه رجل من قومه" فلما كان يوم الاثنين، صلى أبو بكر ﵁ بالناس، وكان لا يلتفت، فأقبل رسول الله ﷺ حتى جلس إلى جنب أبي بكر ﵁ فصلى بصلاة أبي بكر، فلما قضى صلاته جلس رسول الله ﷺ وعليه خميصة له، فقال: (إنكم والله لا تمسكون عليّ بشيء: إني لا أحل إلا ما أحل الله في كتابه ولا أحرم إلا ما حرم الله في كتابه، يا فاطمة بنت محمد، ويا صفية بنت عبد المطلب: اعملا لما عند الله، لا أملك لكما من الله شيئاً). وروى أيضاً بإسناده عن أم سلمة، أن النبي ﷺ خرج عاصباً رأسه فاستوى على المنبر، فكان أول ما تكلم به، وذكرت الخبر، إلى أن قال: سدوا هذه الأبواب الشوارع إلى المسجد إلا باب أبي بكر، فإن آمن الناس عليّ في صحبته وماله أبو بكر، فلو كنت متخذاً في النسا خليلاً لاتخذت أبا بكرٍ خليلا
стр. 1632
ولكن أخوة الإسلام ومودته، (وذكرت) الخبر حتى قالت: (واعترض) له رجل، فقال يا رسول الله ما بال أبواب أمرت بها أن تفتح، وأبواب أمرت بها أن تغلق؟ فقال: ما فتحتها (عن أمري)، ولا سددتها/٢٢٤ أعن أمري فثبت أن أفعاله كلها كانت بأمر الله تعالى.
واحتج: بأن (الصحابة) ﵃، كانوا يحكمون، (ويقولون: إن كان خطأ فمنا ومن الشيطان، ولو كان حكمهم عن دليل لم يقولوا: ذلك، ولأنهم كانوا يحكمون بالشيء) (ثم يتركونه) إلى غيره، فدل على أن حكمهم بالرأي.
والجواب: أنه لو كان الحكم مفوضاً إليهم، وهم مصيبون فيما يحكمون لم يقولوا: إن أخطأنا، ولم يحكموا بالشيء ويتركوه إلى غيرها أيضاً على أنا (نحن نقول): الحق في الواحد والمجتهد يجوز أن يصيبه، ويجوز أن يخطئه، فلا يلزمنا السؤال.
стр. 1633
(واحتج): على جواز التعبد بذلك، بأنه إذا جاز أن يفوض الله تعالى إلى المكلف أن يختار واحداً من الكفارات جاز أن يفوض إليه الحكم بواحد من الأحكام.
والجواب: أن عند المخالف كلها واجبة ومصلحة، فلا يصح منه هذا الدليل، وعندنا كلها صواب، وليس فيها خطأ بخلاف الأحكام، فإن فيها (صواب) ومصلحة، وفيها خطأ ومفسدة، وباختياره لا يجوز أن يوافق الصواب، دائماً على ما بينا.
جواب آخر: أن الكفارات تخالف مسألتنا، لأن العامي يجوز أن يختار إحدى الكفارات، ولا يجوز أن يفوض إليه اختيار ما شاء من الأحكام.
فإن قيل: يجوز أن يتخير إذا أفتاه فقيهان بحكمين (ضدين) أيهما شاء، ويتعين ذلك باختياره.
والجواب: أنه ينبغي (أن يجوز) أن يفوض إليه أن يختار (أي) الحكمين شاء من غير استغناء برأيه، (ولأن عند) المخالف كل واحد من المجتهدين مصيب، فهو مخير بين صوابين، بخلاف مسألتنا، وأما عندنا فالحق في واحد، والعامي معذور فيه،
стр. 1634
(وإن) أخطأ كما (نقول:) المجتهد معذور وإن أخطأ، فأما أن (نقول): باختياره يحصل له الصواب فلا، وعلى أن فرض العامي تقليد المجتهد فإذا قلد أحدهما فقد فعل ما وجب عليه، بخلاف مسألتنا فإن المأخوذ عليه طلب الحق، وذلك لا يحصل إلا بالاجتهاد في الأدلة، فأما /٢٢٤ ب مجرد الاختيار فلا.
(واحتج): بأن الواجب في التكليف (أن يحصل) (المكلف) طريقاً إلى ما كلف، إما على الجملة أو على التفصيل لنأمن الخطأ فيما (نفعل)، فإذا قال للمكلف: احكم فإنك لا تحكم إلا بالصواب، فقد جعل له طريقاً يقطع به على صحة الحكم.
والجواب: أنا قد بينا أنه لا يجوز أن يقول سبحانه ذلك، لأنه لو قاله كان (مخيراً) بين المصلحة والمفسدة أو إباحة في كل الأحكام.
واحتج: بأنه إذا جاز للإنسان أن يكلف العمل على الأمارات مع كونها تخطيء وتصيب، جاز أن يكلف العمل على اختياره، وإن كان يخطيء في اختياره ويصيب.
стр. 1635
والجواب: أن عمله على الأمارات لا يفضي إلى إسقاط التكليف، لأنه يجتهد فيها وينظر أقربها شبهاً بالحق فيحكم بخلاف اختياره، فأنا قد أفسدنا أن يكون موصلاً للصواب برأيه.
واحتجوا على جواز استمرار اختيار الصواب: بأنه إذا جاز أن يتفق اختيار الأنبياء على الصغائر دون الكبائر أبداً دائماً، وإن لم يكن (لهم) على عينها دليل جاز اختيارهم للصواب دون الخطأ، وإن لم يكن (لهم) على (عينه) دليل.
والجواب: أن الأنبياء قد لا يقع (منهم) صغيرة أصلاً وإن كانت تجوز فإنما جازت لقلتها، ثم لا يقرون عليها، فأما الكبائر، فإنه كان ﵇ يعلمها، ولهذا ذكر الكبائر وعدها وقد تقدم ذلك. والله أعلم.
стр. 1636
فصل
في صفة المجتهد الذي يجوز له الفتوى ويحرم عليه التقليد
من (شروط) المجتهد في الأحكام الشرعية: أن يكون عالماً (بطرق) الاجتهاد، وهو أن يعرف الأدلة الشرعية، وكيفية الاستدلال بها. والأدلة الشرعية على ضربين .. منها ظاهر، ومنها استنباط.
فالظاهر: خطاب صاحب الشرع وأفعاله.
وأما الاستنباط: /٢٢٥ أفهو القياس والاستدلال.
فأما الخطاب فيحتاج أن يعرف طريق نقله، فإن كان تواتراً فلا
стр. 1637
حاجة به إلى الفحص عن عدالة الرواة (على خلاف ذكرناه)، وإن كان نقله بالآحاد افتقر إلى الفحص عن عدالة الرواة وضبطهم، فإذا ثبت ذلك احتاج إلى معرفة ما وضع له الخطاب في اللغة، وفي العرف، (وفي الشرع)، ليحمله عليه، ويعرف مجازه ليعدل (عند) انضمام القرينة إليه، وذلك كالنسخ والتخصيص، وما أشبه ذلك مما يصرف اللفظ عن حقيقته إلى (المجاز) ويعرف حكم أفعاله ﷺ وحكم ما اقترب بها من الأمارات، ويعرف من حال المخاطب ما يثق معه إلى حصول مدلول خطابه، كمعرفته بأن الله حكيم عالم غني قادر، وأن الرسول ﷺ معصوم عن الخطأ فيما يشرعه وأن إجماع الأمة (معصوم)، ولا يصح معرفته بذلك من حال الباري سبحانه إلا بمعرفته بذاته وصفاته.
ولا تصح معرفته بعصمة النبي ﷺ وحكمته إلا بعد معرفته بكونه نبياً، ولا تصح) معرفته بعصمة الأمة، حتى (يعلم) (أن إجماعهم يستحيل عليه الخطأ)، ولا تصح
стр. 1638
معرفة القرائن حتى يعرف ما النسخ وما التخصيص، وما المطلق، وما المقيد، (وما المفسر وما المجمل)، وقد تقدم بيان ذلك.
وما الاستنباط فيحتاج أن يعرف القياس: وهو إثبات حكم الأصل في الفرع لاجتماعهما في علة الحكم، ومن شرط المستدل بالقياس/٢٢٥ ب [أن يكون عن غير عالم بحكم الفرع]، ويكون عارفاً بالأصل وبحكمه وظاناً لعلته، ثم يعلم أو يظن بثبوتها في الفرع فيلحق حينئذ الفرع بالأصل في الحكم لاجتماعهما في العلة، ولابد أن يعرف تعبده بالقياس ويعرف شروط القياس، ليستعمل من الأقيسة ما اختص بتلك الشروط، ويتوقى ما لم توجد فيه، فإن كان استنباطه لا على وجه القياس، وإنما ذكر استدلالاً فلا يخلو، إما أن يكون استدلالاً بأمارة أو علة فيحتاج أن يدل عليها، وإن كان استدلالاً بشهادة الأصول من غير علة على قول من يصحح ذلك، فإنه يفتقر إلى معرفة الأصول، ومعرفة حكمها، ولا يعرف حكم الفرع حتى يلحقه بها، كما ذكرنا في القياس، إلا أنه لا يفتقر إلى الدلالة على العلة فإذا عرف الإنسان ذلك كله، وكان ثقة عدلاً في دينه وجب عليه الاجتهاد، ولم يجز له التقليد، وجاز أن يفتي من استفتاه إلا أن يتعين عليه الفتوى، ويجب أن يفتي من استفتاه.
стр. 1639
فصل
فإن كان عالماً بالمواريث وأحكامها دون بقية الفقه جاز له أن يجتهد فيها، ويفتى غيره دون بقية الأحكام، لأن المواريث لا تبتني على غيرها، ولا تستنبط من سواها إلا في النادر، والنادر لا يقدح الخطأ فيه في الاجتهاد، ألا ترى أنه قد يخفي على المجتهد [يسير] من النصوص، ويغمض عليه [قليل] من الاستنباط، ولا يقدح ذلك في كونه مجتهداً.
стр. 1640
فصل
في كيفية فتوى المفتي
إذا سئل المجتهد عن الحكم لم يجز أن يفتي بمذهب غيره، لأنه سئل عما عنده، فإن سئل المجتهد عن مذهب غيره جاز له أن يحكيه، لأن العامي يجوز له حكاية قول غيره، ولا يجوز له أن يفتي بما يجده في كتب الفقهاء، أو بما يفتيه به فقيه، وإذا سئل المفتي عن مسألة، فإن كان قد تقدم له فيها اجتهاد وقول وهو ذاكر لطريق الاجتهاد والحكم جاز له أن يفتي بذلك، وإن لم يكن قد تقدم له فيها اجتهاد لم يجز أن يفتي حتى يجتهد، فإن ذكر الحكم، ولم يذكر طريق الاجتهاد لزمه أن يتذكر طريق الاجتهاد، ويعيد النظر في ذلك فإن أداه اجتهاده إلى ذلك الحكم أفتى به، وإن أداه إلى غيره أفتى به، فإن أفتى باجتهاده، ثم تغير اجتهاده، فإن كان المستفتي قد عمل بما أفتاه لم يلزم المفتي أن يعرفه اجتهاده، ولا يلزم المستفتي نقض ما عمله، وإن كان لم يعمل بما أفتاه لزم المفتي تعريفه ذلك إن أمكنه، لأن العامي يعمل بذلك الحكم، لأنه قول ذلك المفتي، ومعلوم أنه ليس هو قوله في تلك الحال، فإن لم يعمل ومات المفتي، فهل: يجوز للمستفتي العمل بما أفتاه؟ يحتمل أن لا يجوز، لأنه لا يدري أنه لو كان حياً كان قائلاً بذلك الحكم وذاكراً لطريقة الاجتهاد فيه أم لا؟ ويحتمل أن يجوز، لأن الظاهر أنه قول ذلك الفقيه إلى أن مات، وموته قد أزال عنه التكليف فأمن أن يعيد الاجتهاد فيرجع عن ذلك الحكم.
стр. 1641
باب
التقليد وما يجوز أن يقلد فيه وما لا يجوز
التقليد: مشتق من تطويق المقلد للمقلد، وما يتعلق بذلك الحكم من خير وشر كتطويق قلادته، وخص بذلك، لأن القلادة ألزم الملابس لعنق الإنسان، ولهذا يقال للشيء اللازم هذا عنق فلان - أي - لزومه له كلزوم القلادة، قال الله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ قيل في التفسير هو خيره وشره، وإنما سمى بذلك، لأن المقلد يقبل قول المقلد بغير حجة، فيلزم المقلد ما كان في ذلك القول من خير وشر وعلى هذا لا يسمى الرسول ﷺ مقلداً أو الإجماع مقلداً، لقيام الدلالة على أن قول الرسول والإجماع حجة، فلا شر في الأخذ به، لأنه معصوم من الخطأ والمفسدة، والمفتي غير معصوم من الخطأ والفساد والتقليد في الحقيقة، إنما هو تقليد الشر، فأما الخير فلا يحتاج فيه إلى التقليد، فهذا هو الفرق بينهما والله أعلم، وإلا فهما سواء من حيث يجب على العامي الرجوع إلى العالم، كما يجب على العالم الرجوع إلى قول الرسول ﷺ ، وإلى الإجماع.
стр. 1642
فصل
إذا ثبت هذا فالعلوم على ضربين: منها: ما لا يسوغ التقليد فيها وهو معرفة الله ووحدانيته ومعرفة صحة الرسالة، وبه قال عامة العلماء، وقال بعض الشافعية: يجوز للعامي التقليد في ذلك.
لنا: أن المكلف قد أخذ عليه العلم بذلك (وبالتقليد) لا يحصل له العلم، لأنه يجوز خطأ من يقلده.
دليل: مقدم وهو قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾. فضمنوا لهم أعلى مراتب التقليد وهو حمل الخطايا فرد الله سبحانه عليهم قولهم وكذبهم في ذلك، فدل على أنه لا يصح التقليد، ولأنه لا يختلف الشافعية، أنه ليس للمكلف المسلم أن يقلد في وجوب الصلاة والصيام عليه، وإعداد ذلك،
стр. 1643
فأولى أن لا يجوز له التقليد في الوحدانية والنبوة.
واحتج الخصم: بأن العامة يضعفون عن ترتيب الأدلة مراتبها حتى تثبت لهم المعرفة بها، فإذا منعوا من التقليد أفضى ذلك إلى القول بضلالهم وهم أكثر الأمة، وهذا لا يجوز، ويوضح هذا: أنك لو رجعت إليهم في الطريق الذي منه أخذ التوحيد والنبوات لم يقوموا ببيان ذلك، ولا يتهيأ لهم، فوجب أن يجوز لهم التقليد، كما يجوز في فروع الشريعة لهذه الأمة.
والجواب: أنه ليس كذلك، بل العامة يشاركون العلماء في معرفة الله، وطرق التوحيد والنبوات، لأنها أمور يدركها الإنسان بحسه، ويتفكر فيها بعقله، فيعلم بما يدركه من صنائع الله سبحانه من خلف السموات بغير عمد، وما جعل فيها من الشمس والقمر والنجوم وسيرها، وسطح الأرضين على الماء مع كون البناء لا يثبت على الماء وخلق الإنسان من النطفة وتنقله في الأحوال حتى صار عالماً ربانياً يدير الأمور، ويقيس المقاييس، ويصنع الصنائع، ولو تعطل منه أنملة زال كماله، ولو انقطعت منه شعرة لم يمكنه ردها، إن لها صانعاً يخلقها في كل أحوالها متقدماً عليها في الوجود مستغني عن كل موجود، ويحتاج إليه كل موجود، ذلك هو الله رب العالمين، ويعلم أيضاً أنه واحد لا شريك له بما يراه من انتظام الأمور واتساق الأحوال في المخلوقات، ولو كان له شريكاً أو معه مدير لفسد
стр. 1644
النظام، ووقع الاختلاف، كما يشاهد في ملوك الدنيا إذا كانوا جماعة أو اثنين، ويعلم بظهور المعجزات التي لا يقدر البشر على مثلها إلا بالتأييد الإلهي من القرآن المعجز النظم المخبر عن الغيوب الجامع للحكم، وغيره من انشقاق القمر، وحنين الجذع وإطعام العالم الكثير من الطعام اليسير حتى شبعوا وهو بحاله، وغير ذلك من إحياء الموتى، وتنزيل المائدة من السماء، وقلب العصا حية، وإخراج اليد البيضاء من غير سوء، إن الذي أيد بذلك رسول صادق، لأن مثل ذلك لا يجوز أن يؤيد الله سبحانه به الكذابين، وإذا ثبت عنده صدقه لزمه اتباعه فيما جاء به عن ربه تعالى، وهذا كل أحد يعقله ويعلمه، وإن لم يقدر العامي على أن يعبر عنه بالألفاظ الكلامية لا يضره ذلك في معرفته، لأن ذلك عجز عن العبارة، لا عن المعنى المحصل للمعرفة، ويخالف فروع الدين على ما نبينه بعد هذا.
فصل
وكذلك أصول العبادات كالصلوات الخمس وصيام رمضان وحج البيت والزكاة، فإن الناس أجمعوا على أنه لا يسوغ فيه التقليد؛ لأنه ثبت بالتواتر وثقلته الأمة خلفاً عن سلف، فمعرفة العامي توافق معرفة العالم فيها، كما تتفق معرفة الجميع فيما يحصل بأخبار التواتر من البلدان النائية والقرون الماضية.
стр. 1645
فصل
وأما الضرب الثاني: وهو فروع الدين وأحكامه كالبيوع والأنكحة والعتاق وأحكامها والحدود والكفارات ونحوها، فيجوز للعامي تقليد العالم فيها وبهذا قال أكثر العلماء، قوال بعض المعتزلة البغداديين: لا يجوز له تقليده في الحكم حتى يتبين له طريق الحكم وما يثبت به، فإذا عرفه عمل بالحكم.
لنا: قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ فدل على أنه يرد الحكم إلى أهل الاستنباط، وأيضاً أن الإجماع على جواز ذلك قد حصل قبل وجود المخالف، فإن الصحابة، ومن بعدهم من التابعين كانوا يسألون عن الأحكام فيفتون، ولا يعرفون السائل طريق الحكم، ولا أدلته، ولا نهي بعضهم عن ذلك إذ قال: سلوني عن الكلالة، فلم يلتفت إلى قول المخالف.
ودليل آخر: أن الإجماع منعقد على أن العامي إذا نزلت به حادثة، فإنه يلزمه فيها حكم شرعي، وذلك الحكم لا يخلو أن
стр. 1646
يتوصل إليه بالتقليد كما قلنا، أو بالاستدلال كما قلتم: لا يجوز القول بأنه يتوصل بالاستدلال، لأنه لا يخلو أن يقال: إنه يلزمه التعليم، عند كمال عقله حتى يصير من أهل الاجتهاد، فيعلم حكم الحادثة، أو يسأل عنه وجود الحادثة عن أدلة الحكم فيها، فيجتهد حينئذ في ذلك لا يجوز الأول، لأنه قول يوجب تعلم العلم على كل المكلف، والإجماع منعقد على أن التفقه فرض على الكفاية، وقد نبه الله تعالى على ذلك بقوله: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾، ولأن في إيجاب ذلك إهمال لأمور الدنيا وإفساد حالها، وما أحد أوجب ذلك ولأنه ليس كل من تفقه صار من أهل الاجتهاد على ما نجد عليه كثيراً من أهل زماننا، وأيضاً فما يصنع إذا نزلت به حادثة في حال تعلمه قبل أن ينتهي إلى حال الاجتهاد؟
وما الجواب إن فرط فلم يتعلم ثم نزلت به حادثة في عباداته أو نكاحه أو طلاقه، ابتدأ بالتفقه وحدثت الحادثة؟ ولا يجوز الثاني، لأنه إذا سأله عن الأدلة ليستدل بها، فإنه لا يمكنه ذلك إلا بعد أن يعرف وضع الخطاب في اللغة والشرع، وكيفية الاستدلال به، وأنه خال عن نسخ وتخصيص وغير ذلك، ويعرف القياس
стр. 1647
وشروطه، فإن رجع إلى العالم في ذلك فقد [قلده]، فإن فحص عن الأخبار [ووجوه] المقاييس وترتيب الأدلة، لم يتمكن من ذلك إلا في زمان طويل يضيق عنه زمان الحادثة، وقد لا يمكنه إذا فحص وعرف ذلك أن يجتهد ويرجح، وكثير من أهل الحديث يعرفون الأحاديث صحيحها وسقيمها، ثم لا يمكنهم الاجتهاد. فإذا بطل طريق الاستدلال لم يبق للعامي طريق إلا التقليد.
ودليل آخر: أن العالم يجوز له الرجوع إلى أهل الحديث في الخبر، وكون سنده صحيحاً أو فاسداً، ولا يلزمه أن يتعلم ذلك بالإجماع، فأولى أن لا يجوز للعامي تقليد العالم لوجهين: أحدهما: أن العالم أقوى على ذلك من العامي، لأنه قد تعود الرياضة في معرفة العلوم وحفظها. والثاني: أن تعلم ذلك أيسر من تعلم الفقه وترتيب أدلته.
واحتج الخصم: بأنه لما لم يجز للعامي التقليد في الأصول كذلك في الفروع.
والجواب: أنه جمع بغير علة، على أن مسائل (الفروع) يطلب فيها ما يغلب على ظنه أنه الحق، وذلك يحصل للعامي بقول المفتي كما يحصل للعالم بخبر الواحد عن الرسول ﷺ .
وجواب آخر: أن مسائل الأصول من التوحيد والنبوات طرقها
стр. 1648
عقلية يحتاج الإنسان فيها إلى تنبيه يسير، فلا ينقطع عمر الإنسان ومعاشه فيها، بخلاف الفروع فإنها تكثر وتتجدد والاجتهاد فيها لا يتم إلا بأمور شرعية لا يمكن ضبطها ومعرفتها إلا بطول يفضي إلى ما ذكرنا.
واحتج: بأنه لا يأمن المستفتي أن يكون المفتي لم ينصحه في الاجتهاد فيكون فعله مفسدة، فيحتاج أن يفهم دليله الذي ذهب إليه ليزول شكه.
والجواب: أن ينتقض بخبر الواحد، فإن العالم لا يأمن أن يكون المخبر قد كذبه، فيكون بامتثاله ما في الخبر فاعلاً للمفسدة، ثم يلزمه ذلك.
فإن قيل: لأن مصلحة العالم أن يعمل بحسب الخبر وإن كان كذباً.
قيل: ومصلحة العامي أن يعمل بحسب الفتوى، وإن كان خطأ.
وجواب آخر: أنا قد بينا إن إعلامه بالدليل لا يفيد، لأنه لا يعرف وضعه وطريقه وشرطه وترتيبه، فلا فائدة له في ذلك. والله أعلم.
стр. 1649
فصل
في شروط الاستفتاء
لا يجوز للمستفتي أن يستفتي إلا من يغلب على ظنه أنه من أهل الاجتهاد بما يراه من انتصابه للفتوى بمشهد من أعيان العلماء، وأخذ الناس عنه واجتماعهم على سؤاله وما يتلمحه منه من سمات الدين والستر، وإنما أخذ عليه ذلك من الظن، لأنه ممكن في حقه، كما يمكن في حق العالم الاجتهاد في الأدلة، فأما من يراه مشتغلاً بالعلم أو يرى عليه سيما الدين، فلا يجوز له استفتاءه بمجرد ذلك.
فصل
وإذا غلب على ظنه في حق جماعة أنهم من أهل الاجتهاد فله أن يقلد من شاء منهم، قال في رواية الحسين بن يسار المخرمي
стр. 1650
وقد سأله عن مسألة في الطلاق، فقال: إن فعل حنث فقال له: يا أبا عبد الله إن أفتاني إنسان - يعني أنه لا يحنث - فقال تعرف حلقة المدنيين؟ حلقة بالرصافة - فقال له: إن أفتوني به حل؟ فقال: نعم.
وهذا يدل على أن العامي مخير في المجتهدين، وقال بعضهم العلماء يلزمه أن يجتهد في أعيانهم: أيهم أعلم، وقد أومأ الخرقي إلى نحو ذلك فقال: وإذا اختلف اجتهاد رجلين ولم يتبع أحدهما صاحبه، واتبع الأعمى أوثقهما في نفسه فأوجب عليه اتباع الأوثق.
ووجه ذلك أن طريق ذلك غلبة الظن، والعامي يمكنه أن
следующие страницы →