Полный текст (1 668 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
الوقت فلو جاز تأخيرها عنه من غير بدل صارت نافلة فلم يكن بد من إثبات بدل وهو العزم.
الجواب: أن يقال إن أردتم بقولكم أنه حظر عليه تأخيرها عن (أول) الوقت لا نسلم ذلك بل الأول، والثاني والثالث في جواز فعلها فيها سواء ولأن حظر تأخيرها مع جواز تأخيرها متناقض فلم يصح ثبوته، وإذا لم يثبت حظر التأخير لم يحتج إلى بدل (نثبته).
فإن قيل: نريد بوجوبها في أول الوقت أنها على صفة المصلحة الحاصلة بفعلها في آخر الوقت.
قلنا لهم: ولم إذا أخرت إلى ما يساويها ويجري مجراها لا يجوز التأخير إلا ببدل (بل هذا بالدليل) على إسقاط البدل أولى.
٣٠٠ - مسألة: إذا ورد الأمر بعبادة مؤقتة ففات وقتها لم تسقط ووجب فعلها بحكم ذلك الأمر ، اختاره شيخنا، وقال أكثر الفقهاء والمتكلمين تسقط ولا يجب قضاؤها إلا بأمر
стр. 247
مستأنف وهو الأقوى عندي، وعن الشافعية/٣٣ ب كالمذهبين.
٣٠١ - والدليل لأصحابنا أن بالأمر ثبت وجوب العبادة في ذمة المكلف) وكل ما (ثبت في الذمة وثبت وجوبه في ذمة المكلف) لا يسقط عنه إلا بالأداء أو الإبراء أو النسخ، وبخروج الوقت لم يحصل الأداء ولا الإبراء فلم يسقط الوجوب.
فإن قيل: الوجوب إنما يثبت بشرط الوقت، فإذا خرج الوقت سقط الوجوب لأن شرطه (قد) زال.
قيل: الوجوب من مقتضى الأمر، والوقت ظرف (لإيقاع الفعل فيه) وبعدم الظرف لا يسقط الوجوب.
جواب آخر: أنه قال: ﴿أَقِمْ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ (فعلق عليه الوجوب عند دلوك الشمس ورخص له في التأخير إلى غسق الليل) وبرخصة
стр. 248
التأخير لا يسقط الوجوب الحاصل في أول الوقت عن ذمته (فبخروج الوقت مع المعصية لا يسقط الوجوب الحاصل في الوقت عن ذمته).
(جواب آخر: أن خروج الوقت لو جعل مسقطاً للوجوب لكان للمكلف أن يسقطه عن نفسه بترك فعلها حتى يخرج الوقت ألا ترى أن الفعل لما كان مسقطاً للوجوب كان للمكلف) أن يسقط الوجوب عن ذمته بإيجاد الفعل ولما لم يجز أن يقال (للمكلف أن) يسقط عن نفسه بالترك دل على أن الترك لا يسقط الوجوب.
جواب آخر: أنه قد ثبت الوجوب بشرط الوقت ولا يسقط بفوات الوقت، ألا ترى أنه لو قال لله عليّ أن أتصدق يوم الجمعة بعشرة دراهم فلم يتصدق يوم الجمعة لم يسقط عنه النظر، وكان من الواجب أن يسقطه لأن شرطه عدم.
٣٠٢ - دليل ثان: أن جنس الأوقات ليس بدليل على إسقاط الوجوب لأن الوجوب يبقى في الوقت الموسع وفيما لم يتعين له وقت مع عدم أوقات كثيرة فيجب أن يكون عدم الوقت المعين (غير مسقط) له أيضاً.
стр. 249
٣٠٣ - دليل ثالث: (أنه) لو وجب القضاء بعد الوقت بأمر مستأنف لم يسم قضاء كما لم يسم في الوقت (المعين) قضاء، فلما سمى قضاء علم أنه قضاء ما وجب عليه فتركه.
فإن قيل: هذا حجتنا لأنه لما تغيرت النية في القضاء (والأداء) كانا فرضين.
(قيل) إن تغير النية لا يخرج الفرض أن يكون واحداً. ألا ترى أن الظهر المقصورة والمجموعة مع الظهر غير المقصورة والمجموعة تختلف نيتهما والفرض فيهما واحد، وإنما اختلفت لنية لتغير الأوقات المشروطة للفعل بأن الله تعالى أوجب العبادة من أول الوقت وجوز لنا تأخيرها إلى آخر الوقت ونهانا عن التأخير عن الوقت فكنا في وقت جواز التأخير نسمى مؤدين وبعده نسمى قاضين والفرض واحد، وعلى أنه لو كان بأمر (آخر) لكان فرضاً مبتدأ لا تعلق له بالأول.
٣٠٤ - دليل آخر: أن الوقت (شرط) من شرائط العبادة وفواته لا يوجب إسقاطها، (دليله) الطهارة والستارة والتوجه وغير ذلك.
стр. 250
٣٠٥ - دليل آخر: أن الأمر (موضوع) يتضمن إيجاب الفعل واعتقاد وجوبه. ثم بخروج الوقت لا يسقط الاعتقاد، فكان لا يسقط وجوب الفعل.
٣٠٦ - دليل آخر: أن الأمر موضوع لإيجاب الفعل وإسقاط القضاء مسقط لإيجاب الفعل.
فإن قيل: هو موجب للفعل في وقت مخصوص (لا) في جميع الأوقات؟
قيل: (أقررت) بإيجابه في وقت فقد ثبت في الذمة فما الذي أسقطه ثم قد بينا فيما تقدم الجواب، ولأن الحق إذا وجب في وقت لم يسقط بفوات وقته كالدين المؤجل إذا مضى زمان الأجل، والنذر إذا عين بوقت وفات.
٣٠٧ - دليل آخر: أن الوقت ليس مقصوداً وإنما المقصود نفس العبادة بدليل أنها تثبت عبادة في غير وقت مخصوص/٣٤ أولا فائدة في وقت لا عبادة فيه فيجب أن يراعى امتثال الأمر في فعل العبادة لا في مراعاة الوقت.
٣٠٨ - دليل آخر: أن أوامر الشرع كلها إذا فاتت لزم
стр. 251
قضاؤها ولا نعلم أن أمراً ثانياً ورد بقضائها، فوجب أن يكون القضاء بالأمر الأول.
فإن قيل: منها ما لا يقضي (وهو) الجمعة ورمى الجمار.
قيل: لا نسلم فإن الجمعة تقضي ظهراً (ورمى الجمار يجب بتركه دم) بدل عنها.
٣٠٩ - احتج الخصم بقول الرسول ﷺ : "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها" فأمر بفعلها بعد الوقت ولو كان يجب القضاء بالأمر الأول لم يحتج إلى أن يأمر ثانياً.
الجواب: قد قال: "فليصلها" وهذا كناية عنها، علم أن المفعول بعد وقتها هي (ولهذا) قال "فذلك وقتها" ولأنه (قد) قصد رفع الإشكال لئلا يظن ظان أنها تسقط بخروج وقتها كما ظننتم ولهذا نص (النبي) ﷺ على المعذور لأن فيه
стр. 252
(يقع) الإشكال (ويظن) ظان أنه (لو خرج الوقت بعذر سقطت) فأخبر ﷺ ببقاء فرضها وأن العذر لا يسقطها.
٣١٠ - واحتج بأن ما بعد الوقت لم يتناوله الأمر فلم يجب فيه الفعل كما قبل الوقت.
الجواب: إن أردت لم يتناوله بلفظه فصحيح، وهذا لا يمنع من إيجاب الفعل كالأمر المطلق لم يتناول بلفظه وقتاً بعينه ويجب الفعل، وإن أردت لم يتناوله بلفظه ولا بمعناه لم نسلم لأن حكم الأمر الوجوب وهو ثابت في ذمته لا يسقطه إلا بفعل المأمور به، (فإن) لم يفعله في الأول وجب أن يفعله في الثاني أو الثالث أو الرابع، وفارق هذا قبل الوقت فإنه لم يجب عليه فعل المأمور به بحال، وها هنا قد وجب في الوقت فمن ادعى إسقاطه بخروج الوقت فعليه الدليل.
٣١١ - احتج بأن تخصيصه بالوقت كتخصيصه بالمكان، ثم لو علق الأمر بمكان بعينه فتعذر ولم يفعله في مكان آخر، كذا إذا تعذر الوقت بالفوات، جوابه أنا نقول: لِمَ جعلت تخصيصه بالوقت كتخصيصه بالمكان، وما الجامع بينهما، ثم المكان لا يفوت فأمكن الفعل فيه فلا يعدل إلى غيره بخلاف الزمان فإنه يفوت فوجب القضاء في غيره، فإن تعذر إيقاع الفعل بأن صار لجة بحرا وما أشبهه جاز الفعل في غيره.
стр. 253
وأجاب شيخنا بأن قال: فرق بين تعلق الأمر بزمان وبين تعلقه بمكان كما قلنا في حقوق الآدميين إذا تعلقت بزمان لم تسقط بفواته كما لو مضى وقت محل الدين، ولو تعلقت بمكان سقطت بفواته كما لو مات العبد الجاني سقطت الجناية بموته لأنه محلها، وكذلك الرهن إذا تلف سقط حق المرتهن من الوثيقة لتلف مكانها.
٣١٢ - احتج بأنه لو علق الأمر بشرط أو صفة لم يجب (مع عدمها)، كذلك إذا علقه بزمان.
الجواب: (أن هذا غلط لأنا نقول) ما العلة الجامعة بين الوقت وبين الشرط والصفة ثم (مع) عدم الشرط والصفة لا يجب الفعل لأنه إذا قال: "اضرب (زيداً) الأشقر، وأعط من دخل الدار درهماً، فلما لم يجد أشقر ولا دخولاً لم يجب، فنظيره في مسألتنا أن لا يوجد الوقت فلا يجب، فأما إذا وجد الوقت فقد ثبت الوجوب (في) الذمة فإذا عصى فيه بترك الفعل قلنا له افعله في الثاني لأن الله تعالى أمرك أن تفعل هذا الفعل فلا يسقط عنك إيجاب أمره إلا بفعله، فنظيره أن يجد الأشقر فلا يضربه حال وجوده، فإنه يجب عليه ضربه بعد ذلك وكذلك إذا دخل الدار ولم يعطه وجب أن يعطيه فيما بعد.
стр. 254
٣١٣ - احتج بأن المفعول في الوقت الثاني غير المفعول في الوقت الأول فافتقرنا/٥٤ أإلى دليل كالأول.
قلنا: لا نسلم أنه غيره بل هو ذلك الفعل المأمور به أخره، وإنما يسمى غيره لو كان قد فعل المأمور به في الوقت الأول فكان إذا فعل مثله في الثاني كان غيره، فأما وهو لم يفعله فليس (ذلك) بغيره.
٣١٤ - احتج بأن المصالح تختلف باختلاف الأوقات ولهذا وجبت الصلاة والصيام والحج في أوقات مخصوصة، وقد علمنا كون هذا الفعل (في الوقت) الأول مصلحة ولا نعلم كونه في الوقت الثاني مصلحة إلا بدليل.
الجواب عنه: أن هذا يصح لو كان الأمر يختص بما فيه مصلحة وعند أصحابنا (الأمر) غير موقوت على المصلحة بل يتضمنها ويتضمن غيرها.
جواب آخر: أنا نعلم كونه مصلحة (في الوقت) ونعلم أنه فيما بعده مصلحة إن (كان) تركه الوقت لعذر، وإن كان لغير عذر فهو مصلحة لإسقاط الوجوب (في الوقت) وإن
стр. 255
تضمن معصية لتفويت الوقت المخصص بلفظ الأمر (وهذا) كما يؤمر بقضاء دينه عند محله فلو أخره عصى ولكان يجب قضاؤه فيما بعد لإبراء ذمته.
٣١٥ - احتج بأن النهي المؤقت يسقط بفوات الوقت فكذلك الأمر المؤقت.
قلنا: لا نسلم فإنا إذا نهينا عن شيء في وقت لقبحه لم يجز فعله في وقت آخر لقبحه. وإن سلمنا فلم كان كذا وما الجامع بينهما؟ ثم النهي لا يثبت في ذمته شيئاً والأمر يوجب في ذمته فعلاً فلا يسقط إلا بتأديته والله أعلم بالصواب.
٣١٦ - مسألة: في الأمر المطلق إذا لم يفعل المكلف مأموره في أول أوقات الإمكان هل يقتضي فعله فيما بعد أو يحتاج إلى دليل ؟
أما إذا قلنا: الأمر المؤقت إذا فات وقته لم يحتج قضاؤه إلى دليل فهذا أولى أن لا يحتاج فيما بعد الأول إلى دليل لأن الأمر المطلق لا يختص بالأوقات من جهة اللفظ (والأمر المقيد بالوقت يختص بذلك الوقت من جهة اللفظة) فإذا كان المختص بالوقت يجب فعله فيما بعد الوقت فالذي لا يختص بوقت أولى أن يجب فعله بعد الوقت الأول لأنه يحتمله بلفظه.
стр. 256
وأما إذا قلنا: في المؤقت إنه إذا فات وقته احتاج قضاؤه إلى دليل فإن المكلف إذا لم يفعل المأمور به في الأمر المطلق في أول أوقات الإمكان فإنه يجب عليه أن يفعل فيما بعد ذلك الأمر وبه قال الرازي.
وقال الكرخي وغيره: يحتاج فعله في الثاني إلى دليل كالموقت سواء، ولا يختلف من قال الأمر على التراخي أن المكلف لا يحتاج فيما بعد الوقت الأول إلى دليل.
٣١٧ - دليلنا: أن قوله افعل يقتضي إيجاد الفعل في الوقت الأول أو الثاني أو الثالث أبداً وإنما قلنا يفعله في الأول لأنه لو لم يجب فيه وجاز تأخيره إلى الثاني أو الثالث أو الرابع انتقض الوجوب المستفاد بالأمر ولحق بالنوافل، فقد اجتمع في الأمر شيئان:
стр. 257
أحدهما: الوجوب المقتضى للفور، والثاني نفي تخصيص الأمر بالأوقات ولا يمكن الجمع بينهما في الأمر إلا إذا قلنا: المكلف إذا عصى في الوقت الأول وجب عليه (الفعل) في الثاني، فإن عصى في الثاني وجب عليه في الثالث (وينزل) منزلة قول الآمر افعل في الأول فإن عصيت ففي الثاني، فإن عصيت ففي الثالث (كذلك) أبداً.
فإن قيل: الأمر وإن لم يختص بوقت معين إلا أن الوجوب الذي دل على الفور جعله مختصاً بالوقت (الأول) فصار كالمختص بوقت معين.
قلنا: إنما جعلناه مختصاً بالأول ما لم تقع/٣٥ أالمعصية، فإذا وقعت المعصية بالترك في الوقت الأول بقى مطلق الأمر في الثاني والثالث والرابع أبداً لأنا بينا (أن) الأمر المطلق لا يختص بالفعل في الأول دون الثاني والثالث وفارق المؤقت بوقت معين لأنه يتناول وقتاً واحداً فلا يتناول ما بعده، ولأن التقييد بالوقت له صفة زائدة على المطلق وإلا لم يكن لتقيده بالوقت فائدة، ولا معنى، ولا يجوز إخلاء كلام الحكيم من فائدة فثبت أن فائدته ما قلناه.
стр. 258
٣١٨ - احتج الخصم بأن قال: الأمر المطلق يختص (بأول) أوقات الإمكان من جهة الوجوب والفور كما يختص المؤقت بالوقت من جهة اللفظ فإذا لم يتناول في المقيد ما بعد الوقت كذلك في المطلق لا يتناول ما بعد الوقت الأول.
الجواب عنه ما مضى.
٣١٩ - مسألة: إذا أمر الله تعالى قوماً بالفعل، وعلم أن فيهم من يمنع منه فلا يخلو (إما) أن يعلم الله تعالى أن المنع يزول ويقدر الممنوع على الفعل المأمور به، أو يعلم أن منعه لا يزول.
فإن علم أن المنع يزول دخل في الأمر وصار من جملة المأمورين بلا خلاف.
وإن علم أن منعه لا يزول فهل يدخل في الأمر؟
يقتضي مذهب أصحابنا أنه يدخل في الأمر أيضاً وقال طائفة: يدخل في الأمر بشرط زوال المنع. وقالت المعتزلة: لا يدخل في الأمر من علم الله أنه يمنع من الفعل.
стр. 259
٣٢٠ - وجه قولنا: أن المقصود من الأمر حصول طاعة المأمور، وطاعة المأمور تكون تارة بالفعل، وتارة باعتقاد وجوب أمر الآمر والعزم على فعل ما أمره به متى قدر، فإذا لم يمنع المكلف من الفعل وجدت طاعته بأن يفعل، وإن منع من الفعل وجدت طاعته بأن يعتقد الوجوب ويعزم على الفعل، وإن منع من الفعل وجدت طاعته بأن يعتقد الوجوب ويعزم على الفعل، فقد حصل من الممنوع مقصود الأمر فدخل في الأمر كالفاعل (لما أمر) به، والدليل على أن مقصود الأمر الطاعة أنه يقول أمرتك فأطعتني (أو عصيتني).
قال الشاعر:
أمرتك أمراً جازماً فعصيتني ... فأصبحت مسلوب الإمارة نادماً
فيقابل الأمر بمقصوده من الطاعة أو بضد مقصوده وهو المعصية فثبت ما قلناه.
(فإن قيل: إنما يقال أطاعه إذا فعل المأمور).
(قلنا: ويقال: أطاعه إذا قال أنا أعتقد وجوب ذلك وأفعله أي وقت أقدرتني عليه، فيقال أطاع وإنما عجز عن الفعل).
٣٢١ - دليل آخر: أن الله تعالى (قد) كلف الكافر
стр. 260
الصلاة بشرط أن يؤمن مع أنه علم أنه لا يؤمن ولهذا يعاقبه على ترك الصلاة كما يعاقبه على الكفر ولهذا أخبر عن الكفار ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ فتبين أن إدخالهم سقر لأنهم لم يصلوا.
٣٢٢ - دليل آخر: لو رفع المنع التكليف لكان من منع غيره من الصلاة قد أحسن إليه لأنه قد أسقط عنه (تكليفه) من غير توجه ذم إليه.
فإن قيل: إنما لم يكن محسناً لأنه منعه مما يستحق به الثواب الجزيل.
قيل: عندنا لا يستحق على الله تعالى شيئاً لا ثواب ولا عقاب (ولأن الثواب قد يستحق بالاعتقاد لطاعة الآمر فما منعه من الاعتقاد).
٣٢٣ - دليل آخر: لو أسقط المنع التكليف لما علم الواحد منا أنه مكلف بالصلاة قبل تشاغله بها، وذلك يسقط عنه وجوب أخذ الأهبة لها.
стр. 261
فإن قيل: إنما يجب عليه (أخذ الأهبة لها) لثبوت أمارة (بقائه) سالماً إلى وقتها ولهذا لزمه التحرز من ترك ما لا يأمن وجوبه.
قيل أخذ الأهبة من توابع العبادة، ومن المحال أن يجب فعل التابع قبل وجوب المتبوع، (ولأنه غير عالم بالتكليف، ولا بأن الأمر توجه إليه فلم يلزمه أخذ الأهبة وهو لا يعلم هل يقدر أن يفعل أو لا).
٣٢٤ - احتج المعتزلة (بأن المراد بقولنا إن الله تعالى يأمر) بالفعل بشرط زوال المنع هو أنه قال لنا افعلوه وأراده منا (أو) كان له فيه غرض مع فقد المنع ولم يرده مع وجوده/٣٥ ب لأنه لو أراده في الحالتين لكان قد كلف إيقاع الفعل مع وجود المنع ولما كان قد أراده بشرط زوال المنع فإذا علم الله سبحانه أن المنع يحصل لا محالة فقد علم الحالة التي لا غرض له في إيقاع الفعل فيها فلم يجز أن يريده.
الجواب عنه: نحن نخالفكم في هذه القاعدة ونقول ليس من شرط الأمر إرادة المأمور (به) ولا إيقاعه، وإنما من شرط
стр. 262
الأمر وقوع طاعة المأمور على حسب (تمكنه) من الفعل أو الاعتقاد والعزم، وقد تقدم الكلام في هذا الأصل في أول هذا الباب (ولأن الله تعالى لم يرد) من الممنوع إيقاع الفعل، وإنما أراد إيقاع الاعتقاد والعزم فلم يلزم ما (ذكرتم على وجه).
٣٢٥ - احتج بأن الله تعالى (لا يجوز أن يريد) من المكلف إيقاع الفعل مع حصول المنع لأنه تكليف ما لا يطاق.
(الجواب: أنا نقول: يجوز أن يكلف بشرط أن يقدر وإنما كلامنا إذا علم أنه لا يقدر هل يكلفه أم لا؟ وليس فيما ذكرت دليل عليه، وهذا التخريج هو الجواب الذي تقدمه وهو أنه يجوز تكليف ما لا يطاق من جهة العجز لا من جهة الاستحالة.
ثم قد بينا أن المراد بالأمر الطاعة وهي تحصل بالاعتقاد والتزام الوجوب وإن علم احترامه قبل الفعل).
стр. 263
٣٢٦ - احتج الآخرون أن الله تعالى يكلف المعدوم بشرط أن يوجد ويقدر، كذا يكلف الممنوع بشرط زوال المنع والقدرة على الفعل.
(الجواب هو في الجواب الذي قبله وهو أنه يجوز أن يكلف بشرط أن يقدر).
(وأيضاً فإنه) جمع بغير علة ثم الفرق بينهما أن المعدوم لا تتصور منه الطاعة بحال قبل وجوده، وهذا تتصور منه طاعته لامتثال الأمر باعتقاد الوجوب والعزم على الفعل (فبان ما ذكرنا).
٣٢٧ - احتج بأن الله تعالى (قد) كلف الكافر الصلاة بشرط أن يؤمن فكذا يكلفه ها هنا بشرط زوال المنع.
قلنا: بل قد كلفه مع علمه بأنه لا يؤمن وأن الصلاة لا تصح مع الكفر.
٣٢٨ - احتج بأن الواحد منا يأمر غيره بالفعل بشرط أن يقدر فكذلك في حقه تعالى يأمر بالفعل بشرط أني زول المنع.
قلنا: الواحد منا لا يعلم أن المأمور (طاعة إلا أن يفعل، والله) تعالى يعلم باعتقادنا أنا مطيعون عازمون على فعل ما أمرنا
стр. 264
به لو قدرنا وذلك مقصود (الأمر) ولأن الواحد منا لا يأمر من هو عاجز بشرط أن يزول العجز لأنه لا يعلم هل (يزول) العجز أم لا؟ والله تعالى يعلم ذلك.
(ولأنا نقول: يجوز أن يكلف الله تعالى بشرط أن يقدر على ذلك ويجوز أن يكلف وهو يعلم أنه لا يقدر فما المانع من ذلك وقد يأمر الإنسان عبده فتارة يقدر على ما أمره وتارة لا يقدر والله أعلم بالصواب).
٣٢٩ - مسألة: هل يدخل الآمر في الأمر ؟ قال شيخنا: يدخل النبي ﷺ فيما يأمر به أمته، وذكر أن من كلام أحمد ﵀ ما يدل عليه لأنه قال في رواية الأثرم وقد سأله عن حديث أم سلمة: "إذا دخل العشر وأراد أحدكم أن يضحي فلا يمس من
стр. 265
شعره ولا من أظفاره" وحديث عائشة ﵂ خلاف هذا قالت: "كان إذا بعث بالهدى وأقام لم يجتنب شيئاً وهذا إذا أراد أن يضحي في مصره لا يمس من شعره ولا من أظفاره فعارض نهيه بفعله، فلو كان لايدخل فيما نهى عنه لم يحتج بفعله عليه لأنه كان يقول نهيه خاص لأمته فلا يكون فعله مبطلاً للنهي، وأشياء عارض فيها نهيه بفعله ذكرها وجميعها لا تدل على هذه المسألة، بل تدل على أن فعله يجب أن يتبع فيه كما (أن) أمره ونهيه يتبع فيه فيتعارضان.
فأما أن يدل على أنه يدخل في الأمر أو لا يدخل فلا.
وهذه (المسألة) تشتمل على (فصول).
٣٣٠ - (أحدها): أن يقال: هل يأمر الإنسان نفسه أم لا؟
وهذا لا يخلو أن يراد به (الإنسان يمكنه أن) يأمر نفسه بأن يقول: افعلي يا نفس كذا وكذا، فذلك ممكن لا شبهة فيه،
стр. 266
ولكن لا (نقول) أمراً حقيقة لأن من شرط الأمر الرتبة والاستعلاء وذلك لا يتأتى إلا بين (ذاتين تترتب إحداهما على الأخرى، ولا يحسن أيضاً لأن فائدة الأمر أن يعلم المأمور به وينظر) طاعته أو مخالفته ويؤكد/٣٦ أالحجة عليه ويكون الآمر ممن يتقرب المأمور إليه بفعل ما أمر به (وكل) هذا لا يحسن في أمر الإنسان نفسه لأن نفسه تعلم بالأمر قبل أن يقول لها افعلي وتعرف طاعتها ومعصيتها، والنفس لا تتقرب إلى الإنسان.
٣٣١ - والآخر: إذا أمر الإنسان غيره هل يدخل في الأمر؟
لا يخلو أن يكون ناقلاً للأمر عن غيره فينظر في خطابه فإن كان يتناوله مثل أن يقول: إن الله تعالى يأمرنا بكذا فإنه يدخل فيه (ولا) يذكر عن نفسه شيئاً نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَامُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾.
وقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ
стр. 267
الأُنثَيَيْنِ﴾ (فإنه) يدخل فيه أيضاً لأن خطاب الله تعالى يتناول كل مكلف إلا من خصه الدليل.
وإن كان لا يتناوله نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَامُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ كما لم يدخل موسى ﵇ في ذلك الأمر بدليل أنه قال في آخر القصة: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ ولا يظن بموسى ﵇ أن يأمره الله تعالى بذبحها فلا يكاد يفعل.
٣٣٢ - وإن لم يكن ناقلاً للأمر عن غيره، بل كان المخاطب بالأمر هو الآمر فلا يدخل في الأمر عندي، وهو قول أكثر الفقهاء والمتكلمين، وقال بعض الشافعية يدخل في الأمر.
٣٣٣ - دليلنا ما تقدم أن الإنسان لا يحسن أن يأمر نفسه ولا يكون (ذلك) أمراً حقيقة.
٣٣٤ - دليل آخر: أنه لا خلاف بين أهل اللسان أن
стр. 268
السيد إذا أمر عبده أن يسقيه (ماء) أنه لا يدخل هو في (هذا) الأمر، فكذلك النبي ﷺ إذا أمر أمته.
٣٣٥ - دليل آخر: أن الآمر لا يجوز أن يكون مأموراً، كما لا يجوز أن يكون المأمور بالشيء آمراً به، وكذلك لا يجوز أن يكون الطالب للشيء مطالباً به ولا السائل عن الشيء مسؤولاً عنه.
٣٣٦ - دليل آخر: لو جاز (دخوله في غير أمره) لجاز أن يدخل في أمره لنفسه وحده، وهو أن يقول: افعل كذا (وكذا) ولما ثبت أنه لا يجوز أن يختص بالأمر فكذلك لا يدخل في عموم الأمر.
٣٣٧ - دليل آخر: أن مقصود الآمر (امتثال المأمور) سواء ضر أو نفع، ولهذا يقول المأمور: أطعت وامتثلت وفعلت، وهذا لا يكون إلا من (الغير) وكذلك الإنسان يجتنب ما يضره ويأتي ما ينفعه فلا يتصور أن يدخل فيما يضره مع كونه مجتنباً له لأنه يتناقض.
٣٣٨ - دليل آخر: أن الأمر هو الاستدعاء للفعل بالقول ممن هو دونه ولا يتصور أن يكون الإنسان دون نفسه (كذا لا يجوز
стр. 269
أن يأمر نفسه) فلم توجد حقيقة الأمر وفيما قررنا في الأول (مغن عن) هذه الأدلة كلها.
٣٣٩ - دليل آخر: (أنه) لما لم يجز أن يخبر نفسه، كذا لا يجوز أن يأمر نفسه لأنه لا فائدة فيهما ويجوز أن يخبر غيره عن نفسه ويأمر بأمره.
٣٤٠ - احتجوا بأن: النبي ﷺ لما أمر أصحابه بفسخ الحج إلى العمرة قالوا: "أتأمرنا بالفسخ وأنت لا تفسخ"؟ فقال: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت لجعلتها عمرة ولحللت كما تحلون"، فلولا أنه يدخل معهم في الأمر لما قالوا له فلم لا تفسخ.
الجواب: أن هذا ليس بأمر منه ولهذا لا يجب فسخ الحج إلى العمرة وإنما أشار عليهم بالتحلل للترفه. فقالوا: فأنت لم لا تترفه؟ فبين عذره ثم لو كان ذلك أمراً احتمل أن يكون الآمر هناك هو الله ليتمتع من لم يسق الهدى ليخرج هدياً فيتسع اللحم على فقراء الحرم والنبي ﷺ قد ساق الهدى فقد حصل المقصود وأمر الله تعالى يدخل فيه كل مكلف.
٣٤١ - احتج بأن أمر النبي ﷺ يتضمن الإخبار عن
стр. 270
(وجوبه) في الشرع فدخل فيه كما لو قال هذه العبادة واجبة (مشروعة).
الجواب: أنا قد بينا أنه لو كان مخبراً عن الله تعالى بأنه شرع كذا وكذا دخل فيه، وليس الخلاف في هذا، (وإنما) الخلاف فيما يأمر به ابتداء من عنده أو يخبر عن الله تعالى أنه أمره أن يأمر أمته بكذا وكذا، فلا يدخل في هذا (لأنه) يتضمن الوجوب (على غيره، وأما الوجوب على الإطلاق فلا، والمعنى في الأصل أنه لفظ مطلق يقتضي الوجوب) على كل مكلف، وفي مسألتنا هو إيجاب خاص على المخاطبين فنظيره أن يقول فرضت عليكم ووجب في حقكم، ولأن في قوله هذه العبادة واجبة إخبار للغير ويجوز أن يخبر الغير عن نفسه وغيره، وها هنا أمر للغير فلا يكون أمراً لنفسه، كما أنه إذا أخبر الغير لا يكون مخبراً لنفسه والله أعلم بالصواب.
٣٤٢ - مسألة: إذا توجه الأمر إلى واحد لم يدخل غيره فيه بإطلاقه ، وهو اختيار أبي الحسن التميمي، (وبه قال الأشعرية وبعض الشافعية).
стр. 271
(وقال) شيخنا إذا خاطب الله نبينا ﷺ بالأمر بفعل عبادة ولم يخصه بلفظ التخصيص نحو قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمْ اللَّيْلَ﴾ دخل أمته في ذلك وكذلك إذا توجه (الأمر إلى واحد) من الصحابة دخل غيره (من الصحابة في ذلك). (وهذا إن أراد به إذا سأله إنسان عن مسألة فأجابه كقوله للأعرابي لما قال: "وقعت على أهلي": "أعتق رقبة"، فذلك يلزم كل من وقع في مثلما وقع فيه، فأما قوله لما مرض: "مروا أبا بكر فليصل بالناس" يدخل فيه كل الصحابة في الإمامة فلا، وكذلك قوله للرجل منهم: "قم فبارز هذا" لم يجز لغيره ذلك، وفي أن لا نقول ثبت على الغير المبارزة.
وإذا حكم في حادثة بين نفسين كانت واجبة على كل أحد أن يحكم عليه بمثل ذلك إذا وجدت منه مثل تلك الحادثة فهذا ما أعلم فيه خلافاً وكذلك إذا خاطبه الله تعالى:
стр. 272
﴿قُمْ اللَّيْلَ﴾ أو ﴿قُمْ فَأَنذِرْ﴾ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ الآيات. يلزم الأمة أن يخيروا أزواجهم فلا يجب).
٣٤٣ - وجه (قولنا) أنه لا خلاف بين أهل اللغة أن الإنسان إذا قال لعبده افعل كذا (وكذا) لم يدخل بقية عبيده في ذلك، فكذلك إذا أمر الله تعالى نبيه لم تدخل فيه الأمة.
٣٤٤ - دليل آخر: (أنه) لو ورد الأمر بعبادة لم يتناول بمطلقه عبادة أخرى، فكذلك إذا توجه إلى متعبد لم يدخل فيه متعبد آخر، وهذا لأن الأمر يتناول العبادة والمتعبد بها فكما لا يتعدى أحدهما لا يتعدى الآخر.
٣٤٥ - دليل آخر: أن لفظ الخصوص ضد لفظ العموم، ثم لفظ العموم لا يحمل على الخصوص بمطلقه، فكذلك لفظ الخصوص لا يحمل على الاستغراق بمطلقه.
стр. 273
٣٤٦ - (دليل آخر: أنه قد يجوز أن يكون ما أمر به النبي ﷺ مصلحة له مفسدة لغيره فلا يكون أن يدخل فيه إلا بدليل).
٣٤٧ - دليل آخر: أنه لو دخل أمته في لفظ الخطاب المتوجه إليه لدخلوا فيما خص به بلفظ الخصوص وهو قوله تعالى: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وما أشبه (ذلك) ومن قال (هذا) خالف العقل والإجماع.
فإن قيل: هناك خصه وأخلصه، فإذا شاركه غيره خرج عن الخلوص له بخلاف اللفظ المطلق، فإنه شرع يتناول الجميع.
قلنا: لا فرق بينهما (فإنه ههنا خصه بلفظ التوحيد ولفظ التوحيد لا يصلح للجمع) لأنه يخرج (عن) أن يكون توحيداً (لقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾) (ولأن هذا يفضي إلى أن يجعل لفظ الخصوص لفظ العموم ولفظ العموم للخصوص وهذا تخليط الأوضاع فلم يجز).
стр. 274
٣٤٨ - احتج (الشيخ ومن قال بقوله وهم بعض الشافعية وبعض المالكية) بقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً﴾.
(قالوا هذا تعليل من الله تعالى لأنه ما زوجه زوجة زيد إلا لنفي الحرج عن المؤمنين إذا أرادوا أن يتزوجوا بأزواج أدعيائهم. فلو لم تدخل أمته في خطاب الله لنبيه لما علله بهذا، وبقوله تعالى: ﴿يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ وبقوله تعالى: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ قالوا: فقد شارك النبي ﷺ في هذه الأشياء أمته وبقوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ/٣٧ أالْمُؤْمِنِينَ﴾ قالوا: لو لم تدخل الأمة معه في خطاب واحد لما احتاج إلى استثناء وتخصيص.
٣٤٩ - وبقوله: أجمعنا أنتم وإيانا في رواية لنا بأن شرع من قبلنا شرع لنا مع تباعد العصر وتباين الأحكام، فلأن نقول شرع النبي ﷺ مع تقارب العهد به ودنو العصر وكونه سفيراً بيننا وبين الله
стр. 275
تعالى وهو المتبع والمشرع، ولم يكن ذلك إلا كأمره لغيره بطاعة من الطاعات لله، فإنا أجمعنا على أنه يدخل فيها، كذلك ههنا مثله فإنه إذا أمر الله تعالى (نبيه) ﵇ بطاعة من الطاعات دخل أمته في ذلك).
٣٥٠ - (احتج بأن الصحابة كانت ترجع إلى أفعال النبي ﷺ كرجوعهم في التقاء الختانين والمسح على الخفين.
قلنا: رجعوا إلى ذلك بدليل آخر من رواية عائشة ﵂ أنه ﵇ قال: "إذا قعد بين شعبها الأربع والتقى الختان بالختان وجب الغسل أنزل أم لم ينزل" ولروايتهم عنه: "أنه أمرهم إذا كانوا مسافرين أن يمسحوا على خفافهم ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر لا من جناية لكن من غائط أو بول".
٣٥١ - احتج بقوله ﷺ : "ما أمرني الله يأمر إلا وقد أمرتكم به ولا نهاني إلا وقد نهيتكم عنه".
стр. 276
قلنا: هو حجتنا لأنه لو كان الأمر له والنهي يدخل فيه لما احتاج أن يأمرهم وينهاهم عنه، وقد صدق ﵇ لأنه أمرهم بما شرعه وكذا نهاهم عما ليس بمشروع، وأمره أن يبلغه فنهانا وأمرنا فصار ذلك شرعاً لنا لأنها بأمره ولا خلاف في ذلك وإنما إذا قال له (قم الليل) ولم يقل لنا قوموا الليل، فإنه لا يلزمنا ونظائر هذا هو الخلاف. والله أعلم بالصواب).
٣٥٢ - مسألة: (يدخل العبيد) في مطلق خطاب صاحب الشرع ، وقال بعض الشافعية لا يدخلون، وحكي عن
стр. 277
أبي بكر الرازي أنه قال: لا يدخلون/٣٧ أفي الخطاب المتعلق بحقوق الآدميين، فأما المتعلق بحقوق الله تعالى فيدخلون.
٣٥٣ - لنا أن الخطاب مشتمل على الأحرار والعبيد بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ وبقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ و ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ و ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ وبقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ﴾ و ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ و ﴿إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ وغير ذلك من الخطاب، فوجب (كونهم معنيين) به، إلا أن يمنع مانع عقلي أو سمعي ولا مانع (عقلي ولا سمعي) من ذلك.
стр. 278
فإن قيل: المانع ما ثبت من وجوب خدمة سيده في أوقات العبادات، وذلك يمنعه من العبادات.
قلنا: لا يجب خدمة سيده حتى يفرغ من العبادات، لأن أوقات العبادات مستثناة لهم، فلا يجب فيها حق السيد.
فإن قيل: لشمَ كان الدليل الذي أوجب خدمة السيد مخصوصاً بما دل على العبادات بأولى (من) أن يكون دليل العبادات مخصوصاً بما دل على وجوب خدمة سيده؟
قيل: لأن ما دل على خدمة السيد عمم الأمر بطاعته، وهو في حكم العام، وما دل على العبادات يتناولها بلفظ مخصوص، كآية الصلاة والصيام وغير ذلك فهو في حكم الخاص (والخاص من حقه) أن يعترض به على العام.
والجواب الجيد أن يقال: أوقات العبادة مقتطعة للمالك (القديم) الذي ملكه حق، وإنما ملكنا ما خلا محل حقه في العبيد، فلهذا كان حقه المقدم.
٣٥٤ - دليل ثان: أنه مكلف فجاز أن يدخل في (مطلق الأمر) كالحر، وهذا لأن الخطاب يتوجه إلى من يعقل ويصح منه الامتثال، ولهذا لا يتوجه إلى الصبي والمجنون لعدم العقل والامتثال،
стр. 279
والعبد صالح لذلك كالحر لاشتراكهما في العقل وصحة الفعل، فمن يزعم أن الخطاب يختص بالأحرار مع صلاح العبيد للخطاب (كان) كمن قال: إن العرب تختص بالخطاب دون العجم، وإن بنى فلان يختصون به دون بنى فلان، ولا دليل على من قال ذلك، إلا أ، يقول جماعتهم سواء في صلاح توجه الخطاب إليهم، فكانوا سواء في دخولهم فيه.
٣٥٥ - دليل ثالث: لا خلاف أن العبد يشارك الحر في توجه النهي كقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾ ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ﴾ ﴿وَلا تَاكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ وغير ذلك فكذلك في الأمر.
فإن قيل: لا نسلم ذلك.
قيل: لا يخلو إما/٣٧ ب أن يقولوا المنهيات (مباحات له) أو محرمة عليه، فإن قلتم بالأول خرقتم الإجماع وخالفتم الشرع، وإن قلتم بالثاني فتحريمه إما بنص ورد فيه خاص وهذا ما لا طريق لكم إليه، أو بما ذكرنا من الآيات فهو دخول في الخطاب المطلق كما بينا.
فإن قيل: استفدنا تحريمه بالقياس على الحر.
стр. 280
قلنا: القياس من الظواهر والعموم مستنبط.
٣٥٦ - دليل رابع: أنهم يدخلون في لفظ الخبر كقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ وقوله تعالى: ﴿أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ وغير ذلك، فوجب أن يدخلوا في الأمر المطلق لأن الخبر يلزم قبوله من الصادق كالأمر يلزم (قبوله) من الشارع.
٣٥٧ - دليل خامس: "من تناوله الخطاب الخاص جاز أن يتناوله الخطاب العام كالخبر، وهذا لأنه لو لم يصلح للخطاب لم يتناوله خاص (الخطاب) كغير المكلف، فلما تناوله دل على أنه يصلح للخطاب فدخل في إطلاقه كالحر سواء.
٣٥٨ - دليل سادس: أن العبيد في الأصل أحرار عقلاء وإنما (طرأ) عليهم لزوم حق، وهذا لا يسقط توجه الخطاب، (كما لو لزم العقلاء حد أو قصاص فإنه لا يؤثر في توجه الخطاب) كذلك لزوم الرق لا يمنع منه.
стр. 281
٣٥٩ - احتج بأن أكثر الأوامر لم (يدخلوا) في إطلاقها كقوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (وكقوله): ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ و ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ و ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ (وغير ذلك)، فدل على أنهم لا يدخلون في الخطاب.
الجواب: أنهم قد دخلوا في جميع الأوامر مثل قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ و" فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ" و ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ و ﴿إِنَّ اللَّهَ يَامُرُكُمْ
стр. 282
أن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ وغير ذلك، ولا نجد دليلاً خصهم بهذه الأشياء فدل على أنهم دخلوا فيها بعموم الخطاب.
فأما ما ذكروه من الآيات فخرجوا منها بدليل، لأن الزكاة تجب على من ملك نصاباً من المال والعبد لا يملك المال (ثم ذلك لا يمنع من دخوله تحت الخطاب كما قلنا في حق الفقير الحر المسلم فإن الزكاة لا تجب عليه والخطاب متوجه نحوه).
وقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ إنما لم يلزمه الجهاد لأن رقبته (مال)، والمالية التي فيه للسيد، (وفي الجهاد تعرض) للتلف، والسيد له حفظ ماله عن التلف، لا سيما (والجهاد) من فرائض الكفايات، وقد قام به من كفى من الأحرار، (فهو بمثابة مدين يمنعه غريمه من الجهاد) فإن تعين على العبد واحتيج إلى قتاله وجب أن يقاتل.
فأما النكاح فليس من باب العبادات، ولهذا لا يجب على الحر فأولى أن لا يجب على العبد.
وأما الشهادة فهو من أهلها عندنا، فإذا كانت عنده شهادة لزمه تأديتها كالحر (سواء) وأما الجمعة فتجب عليه في إحدى
стр. 283
الروايتين بمطلق الخطاب (وفي الأخرى) لا تلزمه (الجمعة) لقول النبي ﷺ : "لا تجب الجمعة على مريض ولا امرأة ولا مسافر ولا عبد" فاستثناهم فدل على أنهم قد دخلوا في الخطاب كما دخل المسافر والمريض، وإنما خرجوا باستثناء الرسول ﷺ .
٣٦٠ - واحتج بأن رقابهم ومنافعهم مملوكة للولي فلم يجز أن يتصرفوا في شيء من ذلك إلا بإذنه فكان ذلك مانعاً من دخولهم في الأوامر الشرعية.
الجواب: أن المنافع مملوكة للولي ما عدا أوقات العبادات، فإنها مستثناة بالدليل الشرعي كما استثنى أوقات العبادات في حق الزوجة (وفي حق المستأجر) وقد بينا ذلك فيما تقدم من دليلنا,
جواب آخر: أنه لو صح ما قلتم لما جاز أن يدخلوا في الخطاب الخاص وقائل/٣٨ أذلك (يفضي قوله إلى أن) الله تعالى لم يأمر العبيد المسلمين (بشيء) ولم ينههم عن شيء أصلاً وهذا خرق الإجماع.
стр. 284
٣٦١ - احتج بأن العبد أنقص (مرتبة) من الحر لأنه ملكه والحر مالكه، فلا يجوز أن يساويه في الخطاب فيصير مثله.
الجواب: أنهما متساويان في حق الله تعالى لأنهما ملكه، ثم نقصه لا يمنعه من المشاركة كنقص العجم عن العرب، والفاسق عن العدل، ومن أسلم بعد الفتح عمن أسلم قبله، ولأنه قد ساواه في توجه الخطاب الخاص إلى كل واحد منهما وتوجه النهي إليهما، فكذلك في العام لا فرق بينهما، ولأن عدم المماثلة قد حصل من وجه آخر غير الخطاب، وهو أن العبد لا يملك وهو مال يباع (ويوهب) كسائر الأموال، ولا يقتل الحر بقتله، ولا يحد بقذفه، وغير ذلك، فأغنى عن تحقيق نقصه بإخراجه عن مطلق الخطاب.
٣٦٢ - واحتج الرازي بأنه لا يملك فعل شيء من حقوق الآدميين كالعقود والإقرارات وغير ذلك فلم يدخل في الخطاب (بها).
الجواب: أنه لم يملك التصرف فيها بدليل، وهذا لا يمنع من دخوله في الخطاب بها وبغيرها ثم يخص بدليل كالعموم من صيغته الاستغراق وإن جاز أن يخصص، وتخصيصه لا يبطل ما وضع له،
стр. 285
وكذلك حقوق الله تعالى. يتوجه إليه الخطاب بها، وكثير منها لا يملك فعله ولأنه لا يملك شيئاً من حقوق الآدميين ويتوجه إليه الأمر الخاص (بها) فكذلك لا يملكها ويتوجه الأمر العام بها والله أعلم بالصواب.
٣٦٣ - مسألة: هل يدخل المؤنث في جمع المذكر ؟
ينظر فيه فإن كان الجمع بلفظ يختص المذكر نحو قولنا رجال، وذكور لم يدخل فيه المؤنث، وإن كان بلفظ لا يتبين (فيه) التذكير ولا التأنيث كقولنا "من" فإنه يدخل فيه المذكر والمؤنث.
وإن كان بلفظ يتبين فيه علامة التذكير نحو المؤمنين والصابرين، وقاموا، وقعدوا فقد اختلفوا في ذلك فقال شيخنا: يدخل (المؤنث) في ذلك، وهو قول بعض الحنفية وأبي بكر بن داود الفقيه.
следующие страницы →