Полный текст (1 668 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
٣٥٩ - احتج بأن أكثر الأوامر لم (يدخلوا) في إطلاقها كقوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (وكقوله): ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ و ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ و ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ (وغير ذلك)، فدل على أنهم لا يدخلون في الخطاب.
الجواب: أنهم قد دخلوا في جميع الأوامر مثل قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ و" فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ" و ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ و ﴿إِنَّ اللَّهَ يَامُرُكُمْ
стр. 282
أن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ وغير ذلك، ولا نجد دليلاً خصهم بهذه الأشياء فدل على أنهم دخلوا فيها بعموم الخطاب.
فأما ما ذكروه من الآيات فخرجوا منها بدليل، لأن الزكاة تجب على من ملك نصاباً من المال والعبد لا يملك المال (ثم ذلك لا يمنع من دخوله تحت الخطاب كما قلنا في حق الفقير الحر المسلم فإن الزكاة لا تجب عليه والخطاب متوجه نحوه).
وقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ إنما لم يلزمه الجهاد لأن رقبته (مال)، والمالية التي فيه للسيد، (وفي الجهاد تعرض) للتلف، والسيد له حفظ ماله عن التلف، لا سيما (والجهاد) من فرائض الكفايات، وقد قام به من كفى من الأحرار، (فهو بمثابة مدين يمنعه غريمه من الجهاد) فإن تعين على العبد واحتيج إلى قتاله وجب أن يقاتل.
فأما النكاح فليس من باب العبادات، ولهذا لا يجب على الحر فأولى أن لا يجب على العبد.
وأما الشهادة فهو من أهلها عندنا، فإذا كانت عنده شهادة لزمه تأديتها كالحر (سواء) وأما الجمعة فتجب عليه في إحدى
стр. 283
الروايتين بمطلق الخطاب (وفي الأخرى) لا تلزمه (الجمعة) لقول النبي ﷺ : "لا تجب الجمعة على مريض ولا امرأة ولا مسافر ولا عبد" فاستثناهم فدل على أنهم قد دخلوا في الخطاب كما دخل المسافر والمريض، وإنما خرجوا باستثناء الرسول ﷺ .
٣٦٠ - واحتج بأن رقابهم ومنافعهم مملوكة للولي فلم يجز أن يتصرفوا في شيء من ذلك إلا بإذنه فكان ذلك مانعاً من دخولهم في الأوامر الشرعية.
الجواب: أن المنافع مملوكة للولي ما عدا أوقات العبادات، فإنها مستثناة بالدليل الشرعي كما استثنى أوقات العبادات في حق الزوجة (وفي حق المستأجر) وقد بينا ذلك فيما تقدم من دليلنا,
جواب آخر: أنه لو صح ما قلتم لما جاز أن يدخلوا في الخطاب الخاص وقائل/٣٨ أذلك (يفضي قوله إلى أن) الله تعالى لم يأمر العبيد المسلمين (بشيء) ولم ينههم عن شيء أصلاً وهذا خرق الإجماع.
стр. 284
٣٦١ - احتج بأن العبد أنقص (مرتبة) من الحر لأنه ملكه والحر مالكه، فلا يجوز أن يساويه في الخطاب فيصير مثله.
الجواب: أنهما متساويان في حق الله تعالى لأنهما ملكه، ثم نقصه لا يمنعه من المشاركة كنقص العجم عن العرب، والفاسق عن العدل، ومن أسلم بعد الفتح عمن أسلم قبله، ولأنه قد ساواه في توجه الخطاب الخاص إلى كل واحد منهما وتوجه النهي إليهما، فكذلك في العام لا فرق بينهما، ولأن عدم المماثلة قد حصل من وجه آخر غير الخطاب، وهو أن العبد لا يملك وهو مال يباع (ويوهب) كسائر الأموال، ولا يقتل الحر بقتله، ولا يحد بقذفه، وغير ذلك، فأغنى عن تحقيق نقصه بإخراجه عن مطلق الخطاب.
٣٦٢ - واحتج الرازي بأنه لا يملك فعل شيء من حقوق الآدميين كالعقود والإقرارات وغير ذلك فلم يدخل في الخطاب (بها).
الجواب: أنه لم يملك التصرف فيها بدليل، وهذا لا يمنع من دخوله في الخطاب بها وبغيرها ثم يخص بدليل كالعموم من صيغته الاستغراق وإن جاز أن يخصص، وتخصيصه لا يبطل ما وضع له،
стр. 285
وكذلك حقوق الله تعالى. يتوجه إليه الخطاب بها، وكثير منها لا يملك فعله ولأنه لا يملك شيئاً من حقوق الآدميين ويتوجه إليه الأمر الخاص (بها) فكذلك لا يملكها ويتوجه الأمر العام بها والله أعلم بالصواب.
٣٦٣ - مسألة: هل يدخل المؤنث في جمع المذكر ؟
ينظر فيه فإن كان الجمع بلفظ يختص المذكر نحو قولنا رجال، وذكور لم يدخل فيه المؤنث، وإن كان بلفظ لا يتبين (فيه) التذكير ولا التأنيث كقولنا "من" فإنه يدخل فيه المذكر والمؤنث.
وإن كان بلفظ يتبين فيه علامة التذكير نحو المؤمنين والصابرين، وقاموا، وقعدوا فقد اختلفوا في ذلك فقال شيخنا: يدخل (المؤنث) في ذلك، وهو قول بعض الحنفية وأبي بكر بن داود الفقيه.
стр. 286
وقال أكثر الفقهاء والمتكلمين لا يدخل (المؤنث) في ذلك وهو الأقوى عندي، ولكن ننصر قول شيخنا.
٣٦٤ - ووجه قوله إنهن قد دخلن في أوامر الشرع (كلها)، ونواهيه بلفظ جمع التذكر كقوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ وقوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ وقوله تعالى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ وقوله: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾ ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَاّ بِالْحَقِّ﴾ وقوله: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا﴾ وغير ذلك، فدل على أن الخطاب يتناولهن.
стр. 287
فإن قيل: لم يدخلن بذلك، وإنما شاركن الرجال في الحكم بدليل غير اللفظ.
قيل: لو كان دليل يخصهم لعلمناه فمدعيه يحتاج إلى إظهاره.
٣٦٥ - دليل آخر: أن أهل اللغة اتفقوا أنه إذا اجتمع رجال ونساء وأراد الآمر أن يعبر (عن لفظ) الجمع (عبر) بلفظ (جمع) التذكير، فدل على أن ذلك (يتناولهم وأنه) وضع لهم.
فإن قيل: ما الدليل على ذلك؟
قيل: يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾.
فعبر عن آدم وحواء وإبليس والحية بلفظ التذكير.
٣٦٦ - ويقول الإنسان لمن بحضرته من الرجال والنساء قوموا وانصرنفوا، ولو قال: قوموا وقمن، وانصرفوا وانصرفن لعدوا ذلك منه عيا ولكنة، فدل على ما قلناه.
стр. 288
فإن قيل: إنما يحمل (اللفظ على الجنسين) إذا علمنا من قصده خطاب الرجال والنساء وإن لم نعلم من قصده/٣٨ ب ذلك حملنا قوله قوموا على الرجال فقط.
قيل: لم يشرط أحد من أهل اللسان علمنا بقصد المتكلم في ذلك، (ثم) لو لم يكن اللفظ يتناول النساء لم يدخلن فيه وإن أرادهن.
ألا ترى أنه لو قال: يا ذكور، أو يا رجال (ادخلوا الدار) لم يدخل فيه النساء وإن أرادهن، فلما دخلن في قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ دل على أن القيام يشملهم والخطاب يعمهم.
فإن قيل: لو استووا في توجه الخطاب لما غلب التذكير في اللفظ، فلما غلب دل على أنه موضوع للذكور على الانفراد، وللذكور والإناث في أصل اللغة بدليل ما بينا، ثم إنما غلب التذكير
стр. 289
(لقوته)، وهذا لا يمنع من تناول الخطاب لهما وإن غلب أحدهما، ألا ترى أنه إذا اجتمع من يعقل (مع من) لا يعقل غلب من يعقل، قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾. وفيهم من يعقل ومن لم يعقل، وكذا إذا اجتمع الليالي والأيام غلب أحدهما واللفظ (متناول) لهما، وكذلك نقول: فلان وفلانة قائمان واللفظ يشملهما وقد غلب التذكير كذا ههنا.
٣٦٧ - دليل آخر: أن لفظ الخبر يشملهم وإن كان بلفظ التذكير قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً﴾ وقال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ وغير ذلك فكذلك لفظ الأمر.
٣٦٨ - دليل آخر ضعيف: وهو: أنه كان ﷺ إذا بعث سرية قال لهم: "سيروا باسم الله وفي سبيل الله تقاتلون من كفر بالله حتى يقولوا لا إله إلا الله، لا تقتلوا امرأة ولا شيخاً كبيراً"
стр. 290
وذكر الخبر. فاستثنى المرأة فلولا أنها دخلت في قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ لما احتاج إلى الاستثناء. وكذا قوله ﵇: "الجمعة لا تجب على امرأة ولا مسافر ولا عبد ولا مريض" استثناء من قوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ الآية .. والاستثناء إنما هو استخراج بعض ما شمله اللفظ فدل على أن لفظ خطاب التذكير يشملهم.
فإن قيل: ليس هذا استثناء وإنما هو دليل على تخصيصهم.
قيل: الاستثناء والتخصيص يدلان على أنهن كن دخلن في اللفظ، وإلا فلم يخص ما لم يدخل تحت العموم.
٣٦٩ - احتج بقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ ﴿إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ ومعلوم أن النساء لا يدخلن في ذلك.
الجواب: أنا قد بينا أن النبي ﷺ استثناهن فدل على دخولهن في ذلك، ثم "هناك" أخرجن من ذلك بدليل الإجماع.
٣٧٠ - احتج بما روى عن أم سلمة أنها قالت: يا رسول
стр. 291
الله ما ترى الله تعالى يذكر إلا الرجال؟ فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ الآية.
فدل على أنهن لا يدخلن في إطلاق جمع التذكير.
الجواب: أنهن قلن ذلك لإرادتهن أن يذكر النساء بلفظ يخصهن.
فإن قيل: لا يجوز أن يكن أردن (ذلك) فإن الرجال لم يذكروا أيضاً بلفظ الخصوص عندكم لأن جمعهم يشاركهم النساء فيه.
قيل: بل علامة التذكير في جمع المذكر هي الواو والنون في أصل الوضع وعلامة التأنيث الألف والتاء فأردن أن يذكرن بما هو علامة عليهن في أصل الوضع ولا يذكرن بلفظ يغلب فيه حكم التذكير.
٣٧١ - احتج بأن الجمع هو تضعيف الواحد ومعلوم أن قام، ومؤمن يفيد الرجل فكذا قاموا ومؤمنون يفيد تضعيف هذه الفائدة وهو التذكير، وهذا عمدة قوية.
الجواب: إن بعضهم قد ارتكب الممانعة، وقال يجوز أن يطلق مؤمن على الرجل والمرأة، وكذلك "قم" لأن المرأة شيء وشخص، والصحيح تسليم ذلك.
стр. 292
ويكون (الجواب) أنا لو أدخلنا المؤنث في/٣٩ أالمذكر في التأحيد والجمع التبس المذكر بالمؤنث ولم (يمتز).
وجواب آخر: أن لفظ الواحد لا يحتمل المذكر والمؤنث لأن واحداً لا يكون مذكراً ومؤنثاً، ولفظ الجمع يحتمل المذكر والمؤنث في الاجتماع والخطاب، ولهذا لو قصد المذكر والمؤنث في الجمع جميعها بلفظ التذكير (صح)، ولو قصد ذلك في التأحيد لم يصح (ولم) يسغ في اللغة.
جواب آخر: أنه ليس يمتنع أن يدخل الشيء في الشيء في حال الجمع ولا يدخل في (حال) التأحيد، ألا ترى أن من لا يعقل يدخل في جمع من يعقل وفي حال التأحيد لا يخاطب من لا يعقل بلفظ من يعقل، وكذا في التأحيد لا يدخل اليوم في الليلة ولا الليلة في اليوم، وفي الجمع يدخل أحدهما في الآخر، فكذلك ههنا.
٣٧٢ - واحتج بأن الرجال لا يدخلون في جمع النساء، فكذلك النساء يجب أن لا يدخلن في جمع الرجال.
стр. 293
الجواب: أنه يقال لِمَ كان ذلك، ثم إنما كان كذلك لأن اللغة وردت بدخول النساء في جمع التذكير ولم ترد بدخول الرجال في جمع (التأنيث) وقد بينا ذلك، ولأن التذكير أقوى فجاز أن يغلب جمعه ولا يغلب جمع الأضعف.
فإن قيل: من أين قلت التذكير أقوى؟
قيل: من حيث (إن) أهل اللسان إذا أرادوا أن يعبروا عن ذكور وإناث بكلمة غلبوا لفظ الذكورية، ولم يغلبوا لفظ الأنوثية، فلو لم يكن ذلك أقوى لما عدلوا إليه، وقال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى﴾ ومعلوم أنه بدأ به في الخلق، ثم جعل الأنثى مخلوقة منه، فهو الأصل وهي فرعه والأصل أقوى من فرعه، والله أعلم بالصواب.
٣٧٣ - مسألة: يدخل الكفار في الخطاب بالشرعيات ، نص عليه أحمد ﵀ في كتاب طاعة الرسول فقال قوله ﵎: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَاّ أَنفُسُهُمْ﴾ فالظاهر يقع على الأمة واليهودية والنصرانية (وغير
стр. 294
ذلك) وبه قال أكثر المعتزلة والأشعرية.
وفيه رواية أخرى لا يتناولهم الخطاب بالشرعيات، وإنما يخاطبون بالإيمان والنواهي، قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَاّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ﴾ قال في رواية حنبل في يهودي أسلم في النصف من (شهر) رمضان يصوم ما بقى ولا يقضي ما مضى، لأنه لم يجب عليه شيء من ذلك، وإنما وجبت عليه الأحكام من الصلاة والطهور بعد ما أسلم، وهو قول الجرجاني وغيره من أصحاب أبي حنيفة
стр. 295
وأبي حامد وغيره من أصحاب الشافعي. وقال بقية الحنفية والشافعية كالرواية الأولى.
٣٧٤ - وفائدة هذه المسألة: أنا نقول أنه يعاقب على إخلاله بالتوحيد وبتصديق الأنبياء وبالشرعيات، وغيرهم لا يعاقب على ترك الشرعيات/٦٢ أفالخلاف يظهر ها هنا حسب، وإلا فقد
стр. 296
أجمعت الأمة الإسلامية على أنه لا يلزمه أن يفعل العبادات في حال كفره، ولا يجب عليه القضاء إذا أسلم.
٣٧٥ - لنا على الرواية الأولى قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ وهذا يتناول المسلم والكافر لأن كل واحد منهما من الناس لوا مانع من دخوله تحت فكان مراداً بذلك، والدليل عليه أنه لا مانع (لأنه لو كان مانعاً لكان عقلياً أو سمعياً، فالمانع العقلي هو فقد التمكن من الفعل، وهو يمكنه أن يحج بأن يقدم قبله الإسلام، كما أن المسلم المحدث يوصف بالتمكن من الصلاة بأن يقدم عليها الطهارة والمانع السمعي معدوم لأنه لو كان لوجد عند الطلب.
(فإن قيل: المراد بالآية القادر على أداء الحج والكافر لا يقدر عليه، فلا يخاطب على ما لا يقدر عليه، ولا يصح منه.
قيل: لا نسلم بل هو قادر على أدائه بأن يسلم بكلمة ويحج، فصار بمثابة المسلم المحدث، فإنه يخاطب بالصلاة، وإن كان لا يصح منه في ذلك الحال لأنه يمكنه أن يتوضأ ويصلي كذلك ههنا).
٣٧٦ - دليل ثان: قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنْ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ إلى قوله ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَاّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ
стр. 297
الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ /٣٩ ب وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾ وهذا صريح في أنهم أمروا بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة كما أمروا بالإيمان.
فإن قيل: إنما أمروا (بعد) أن يعبدوا الله مخلصين (له الدين) وهو الإيمان، ثم قال: ﴿وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾.
قيل: بل جمع الله تعالى عبادته وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة بواو العطف، وهي تقتضي الجمع، وجعل (أمره منصرفاً إلى جميعها).
٣٧٧ - دليل ثالث: قوله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ وهذا يدل على أنهم يعذبون في سقر لتركهم الصلاة والزكاة.
فإن قيل: المراد بالآيات لم نكن (ممن يعتقد الصلاة والزكاة).
قلنا: هذا خلاف الظاهر لأن اللفظ حقيقة في فعل الصلاة، وفعل الإطعام، فلا يحمل على الاعتقاد من غير دليل.
стр. 298
جواب آخر: أن العقوبة (تجب) على ترك الاعتقاد، وقد علمت من قوله: ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾، فيجب أن يحمل اللفظ على فائدة أخرى.
فإن قيل: الظاهر أن العقوبة تجب بمجموع هذه الأشياء لا بواحد منها.
(قلنا: لو لم تكن كل واحدة منها) يستحق به العقوبة، لما وجبت العقوبة بمجموعها، ولأن بالتكذيب بيوم الدين يستحق العقوبة من غير أن ينضم إليه غيره، فكذلك بترك الصلاة وترك الزكاة يجب أن تجب العقوبة.
فإن قيل: قوله تعالى: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ يجوز أن يكون إخباراً عن قوم كانوا (أسلموا)، وارتدوا بعد إسلامهم ولم يكونوا قد صلوا في حال إسلامهم، لأن قوله تعالى: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ ليس يفيد أنهم لم يصلوا في جميع الزمان الماضي.
قلنا: قوله تعالى: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ هو جواب المجرمين المذكورين في قوله تعالى: ﴿يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنْ الْمُجْرِمِينَ﴾ وذلك عام في كل مجرم (مرتد وغير مرتد) على أن قوله: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ
стр. 299
الْمُصَلِّينَ﴾ يفيد أنهم لم يصلوا في جميع الزمان الماضي أو في زمان غير معين، ولا يفيد زماناً معيناً، كما أن قولنا: فلان عوقب لأنه لم يحج يدل على وجوب الحج في زمان غير معين، ومن يحمل الآية على المرتد يحملها على وجوب الصلاة في زمان معين.
٣٧٨ - دليل رابع: قوله تعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾، فذمهم على (شركهم) وإخلالهم بالزكاة.
فإن قيل: ظاهر الكلام أنه ذمهم على الشرك وجعل من صفتهم أنهم لا يؤتون الزكاة: (كقول الزاني السارق إذا كان كل واحد منهما يستحق الحد على الانفراد).
قلنا: بل ذمهم على الصفتين معا، لأن الشرك صفة، والإخلال بإيتاء الزكاة صفة أخرى، فصار كقول القائل ويل للسراق الذين لا يصلون، ذمهم على السرقة وترك الصلاة.
فإن قيل: لو كان كذلك لم يتوجه الذم (إلا إلى الإخلال بالصفتين، وقد أجمعنا أن المشرك مذموم وإن لم يكن له مال تجب زكاته.
قيل: (الذم يتوجه إلى الصفتين) مع اجتماعهما، وإلى
стр. 300
كل واحدة منهما على الانفراد كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرا﴾. فذمه على الصفتين، ويذم على المشاقة على الانفراد، وعلى ترك سبيل المؤمنين على الانفراد وكذلك (يقال): ويل للسارق الذي لا يصلي، يذم على كل (واحدة من الصفتين).
٣٧٩ - دليل خامس: قوله تعالى: ﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى (٣١) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾، فذمه على جميع ذلك.
(فإن قيل: المراد به ترك الاعتقاد.
قيل: لا يصح لأنه قد قدم الصدقة والصلاة، فدل على أن المراد الفعل دون الاعتقاد).
٣٨٠ - دليل سادس: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَاّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً﴾ (فإذا ضوعف عليه العذاب بمجموع ذلك دل على أن/ ٤٠ أالزنا والقتل يدخل فيه فثبت كون ذلك محظوراً) عليه.
стр. 301
٣٨١ - ومن الدليل على المسألة: أن الأمة مجمعة على أن الكافر (يحد) على زناه على وجه النكال، فلو لم يكن مكلفاً ترك الزنا لم يكن الزنا معصية، (ولو) لم يكن معصية (منه) لم يعاقب على فعله.
فإن قيل: إنما حد لأنه لم يترك الكفر الذي بزواله يكون مكلفاً ترك الزنا.
قيل: فيجب أن (يكون) إنما (حد) لأجل يهوديته، ولم يقل أحد ذلك ويلزم أن يحد قبل زناه لأنه كافر قبل الزنا.
فإن قيل: إنما حد لأنه التزم أحكامنا.
قيل: فمن أحكامنا أن لا يحد على المباح، فلو كان الزنا منه مباحاً (لم يحد) عليه.
فإن قيل: إنما كلف الكافر ترك الزنا لأنه (مع) كفره
стр. 302
يمكنه تركه، وليس كذلك الصلاة والصيام لأنه لا يمكنه مع كفره فعلهما فلم (يخاطب) بفعلهما.
(قيل: نحن لا نريد منه الفعل مع الكفر، إنما نريد منه الفعل بشرط أن يقدم عليه شرطه فيتصور منه أن يتقدم على شرطه ويفعله، كالمحدث يقدم الشرط الذي هو الطهارة ويفعل الصلاة).
قيل: إنه لا يجوز أن يكلف ترك الزنا إلا وقد كلف أن يعلم قبحه، ولا سبيل له إلى (العلم بقبحه) إلا بشريعة الإسلام، لأن ما عداها من الشرائع قد منع (المكلفون) من الرجوع إليها، ولا يمكنه مع جحد الإسلام أن يعلم به قبح شيء، كما لا يمكنه فعل الصلاة في هذا الحال فلا فرق بينهما.
فإن قيل: لا يمتنع أن يكلف العلم بقبح الزنا بأن يسلم فيستدل على قبحه فيتركه.
قيل: لكم مثله في الصلاة والحج.
٣٨٢ - دليل آخر: من تناوله الأمر بالإيمان، تناوله الأمر بالعبادة كالمسلم، والمسلم إنما دخل في الأمر لصلاحه له في اللغة، وهذا موجود في الكافر فوجب دخوله في الأمر، وعندي أن في العبارة خللاً لأن المسلم لا يحسن خطابه بالإسلام والإيمان، فإنه مسلم
стр. 303
مؤمن، كيف يقال قد تناوله الأمر بالإيمان (بل يقال هذا أمر بالتعبد دخل فيه الكافر أصله الإيمان وتصحيحه أنه حر ويعقل الخطاب مثل المسلم سواء).
٣٨٣ - دليل آخر: أن نقول قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (ونحوه أمر) مطلق فدخل فيه الكفار كالأمر بالإيمان، ولأنه ليس فيه أكثر من الكفر (وهو) يقدر على إزالته، ومن قدر على شرط الفرض يخاطب بالفرض، ألا ترى أن المحدث إذا دخل عليه وقت الصلاة يخاطب بها؟ لأنه يقدر على شرطها وهو الطهارة.
فإن قيل: الحدث لا ينافي صحة الصلاة، ولهذا يصلي المتيمم وهو محدث وكذلك المستحاضة.
قيل: هناك ضرورة وأما الاختيار (فلا) تصح (الصلاة) مع الحدث، ثم لا يمنع (من) توجه الخطاب بها.
стр. 304
٣٨٤ - دليل آخر: أن نقول. هو مخاطب بالإيمان وهو شرط العبادات، ومن خوطب بالشرط كان مخاطباً بالمشروط، ألا ترى أن من خوطب بالطهارة كان مخاطباً بالصلاة.
٣٨٥ - والدليل على من قال: هو مخاطب بالنهي (دون الأمر أن نقول من دخل في أحد الخطابين دخل في الآخر، كالمسلم، يؤيد هذا أن النهي) أمر بالترك، والأمر (بالترك) (أمر) بالفعل، فهما سواء في المعنى (وتحريره أن هذا أحد نوعي الخطاب، وخوطب به الكافر، أصله النوع الآخر، والنهي أمر بالفعل فهما سواء في المعنى).
فإن قيل: النهي لما توجه إليه تعلقت به أحكامه من الحدود وغيرها، والأمر لا تتوجه إليه أحكامه من صحة الفعل ووجوب (العقاب على الترك) والقضاء بالفوات فدل على أنه لا يتوجه إليه.
قيل: أما/٤٠ ب صحة الفعل فيصح بشرط أن يسلم فيفعل، وأما وجوب العقاب (والقضاء) فلا يتعلق بالأمر وإنما يتعلق بأمر ثان (عندي) وذلك لم يوجد فيسقط، وإن قلنا: القضاء يجب
стр. 305
بالأمر فسقوط القضاء لا يدل على أنه لم يتوجه إليه الخطاب بالفعل، ألا ترى أن الجمعة لا يجب على المسلم قضاؤها ويتوجه إليه الخطاب بها في الابتداء؟ كذلك ههنا.
فإن قيل: النهي يصح منه امتثاله وهو الترك فدخل فيه والأمر لا يصح منه امتثاله فلم (يدخل في خطابه).
قيل: يبطل بالأمر بالصلاة في حق المحدث وأنه لا يصح منه امتثاله ويتوجه (إليه).
٣٨٦ - احتج الخصم: بأن النبي ﷺ لما بعث معاذاً إلى اليمن قال له: "ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله"، الخبر (بطوله)، فأمر أن يدعوهم إلى الإسلام، فلو كان الخطاب يتوجه إليهم بغير ذلك، لأمره أن يدعوهم إليه.
وكذا كتب إلى كسرى وقيصر ودعاهما إلى التوحيد ولم يدعهما إلى غيره.
стр. 306
الجواب عنه: أنا نقول: أنه لم يدعهم إلى العبادات لأنه لم يصح فعلها في حال الكفر (ولأن الإسلام أسهل تناولاً من غيره لأنه يتقدم كل عبادة) فأمره أن يدعوهم إلى ما يصح فعله وهو الإيمان.
٣٨٧ - (فإن احتج بأن يقول: الكافر يستحيل منه أن يفعل) الشرعيات عبادة وقربة مع كفره فلا يكلف ما لا يطيقه، كما لا يكلف الزمن أن يصلي قائماً، والحائض أن تصلي مع حيضها.
الجواب عنه أن نقول: (المستحيل أن يكلف فعل العبادات) مع كفره ولم يكلف ذلك وإنما كلف بأن يقدم عليها الإسلام كما كلف المحدث فعل الصلاة لا مع حدثه، لكن بأن يقدم عليها الطهارة.
فإن قيل: فكذا نقول إذا أسلم يكلف الفعل.
قيل: عندكم الشرط في تكليفه تقدم الإسلام، فإن لم يسلم لم يستحق العقاب على الإخلال بالعبادات، ونحن نقول: يستحق العقاب بإخلاله بها وإن لم يسلم. فإن وافقتم في العقاب ارتفع الخلاف، فإنه لا فائدة (في الخلاف) سواه، فأما الزمن والحائض فإنه لا يمكنهما إزالة الزمانة والحيض، بخلاف الكافر فإنه يمكنه أن يسلم ويفعل.
стр. 307
فإن قيل: فعلى أصلكم يجوز أن يمنع الله الكافر من الإيمان فلا يمكنه فعله كما لا يمكن للزمن إزالة الزمانة، (ولا) الحائض إزالة الحيض.
قيل: يجوز أن يمنعه إلا أنه ممنوع (مع) أهلية القدرة، بخلاف الزمن والحائض، فإنهما يستحيل منهما القدرة، لأن عندنا يجوز أن يكلفه العبادات ويمنعه من شروطها كما يكلفه الإيمان ويمنعه منه، ويكلفه الصلاة (ويعدمه) الماء والتراب، وهذا لأنه لا اعتراض عليه فيما يفعله ولا (فوقه تعالى من) يحظر عليه، قال تعالى: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾، ولهذا (عندكم يجوز) أن يكلف الإيمان من في علمه أنه لا يؤمن، ولا يكون ذلك عيباً ولا قبيحاً.
٣٨٨ - فإن احتج بأنه لو كلف الشرعيات لأخذ بأدائها كالمسلم.
الجواب عنه: أنه باطل بالإيمان بالله وبرسوله، وقد كلف فعلهما ولم يحمل على أدائهما، ولأنه إنما لم يقتل بتركهما لأنه مجتهد
стр. 308
(وناظر) هل يجب ذلك عليه أم لا؟ والمجتهد لا تجوز عقوبته (بخلاف المسلم فإنه بالتزام الإسلام لزمته العبادات ولا اجتهاد له في ذلك).
٣٨٩ - احتج بأنه لو خوطب بالعبادات لصحت منه (في حال الكفر ولوجب عليه القضاء في حال الإسلام).
الجواب عنه: أنه إنما لم تصح منه لعدم شرطها، وهذا لا يمنع من الخطاب بها، كالمحدث يخاطب بالصلاة ولا تصح منه، لعدم الشرط، وأما القضاء فهو فرض ثان يجب بغير الخطاب الأول ثم تلزم الجمعة - تجب - ولا (يلزم) قضاؤها بعينها. وعلى/٤١ أأن إيجاب قضائها تنفير له عن الإسلام لأنه (متى علم أنه إذا) أسلم وهو شيخ أخذ بعبادة خمسين سنة من صلاة وصيام وغير ذلك لم يسلم ولهذا المعنى قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ وقال ﵇: "الإسلام يجب ما قبله" فدل
стр. 309
على أن الإسلام يسقط عنهم ما كان لزمهم من العبادات في حال الكفر.
٣٩٠ - احتج بأنه لو كلف أداء الزكاة لوجب إذا أسلم قبل حلول الحول بيوم أن يلزمه الزكاة، لأنه قد كان مكلفاً فعلها وقد حصل عند وجوب الداء على صفة يصح معها أداؤها.
والجواب عنه: أنا لا نقول: أنه كلف وهو كافر في أول الحول أن يزكي إذا أسلم قبل حلول الحول، وإنما نقول إنه كلف (الأداء في آخر الحول إذا كان مسلماً وكان معاقباً على تفويتها، بتفويت شرط انعقادها وهو الإسلام).
٣٩١ - احتج بأن الكافر لو كلف الشرعيات لكان مكلفاً ما لا يطيقه لأنه يستحيل منه فعل الشرعيات عبادة وقرية مع كفره، (ولم يكلف ذلك).
الجواب عنه: أنا نقول: يجوز أن يكلف ما لا يطيقه من جهة المنع لا من جهة الاستحالة عند أصحابنا، وإن سلم فالمستحيل أن يفعلها مع كفره، ولم يكلف ذلك، وإنما كلف (أن) يقدم الإسلام ويفعل.
فإن قيل: فكذا نقول.
стр. 310
قلنا: بل أنتم تجعلون (شرط) كونه مخاطباً بها تقدم إسلامه، ونحن نقول: يخاطب بفعلها بأن يقدم على ذلك شرطها، فإن لم يفعل عوقب عليها وعلى شرطها، كالمحدث يخاطب بالصلاة بأن يقدم الطهارة، فإن لم يفعل عوقب على الصلاة والطهارة، فإن وافقتم في ذلك زال الخلاف (فإنه لا فائدة في المسألة إلا العقاب).
٣٩٢ - احتج بأن الكفر يمنع صحة العبادة ويمنع لزوم قضائها في (الثاني) فهو كالمجنون.
الجواب عنه: أنه يلزم الحدث لأنه يمنع صحة الصلاة وقضائها، ثم لاي سقط معه الخطاب والمعنى في المجنون أنه غير مخاطب (بالإيمان) والنواهي بخلاف الكافر العاقل.
٣٩٣ - فإن احتج: بأن خطابه بالعبادة خطاب بما لا منفعة له فيه، وتكليف المكلف ما لا منفعة له فيه لا يجوز.
الجواب: نحن نكلفه على وجه ينتفع به وهو أنا نأمره بالعبادة، وبأن يقدم عليها الإيمان ثم يفعلها فينتفع بذلك، فمتى عصى عوقب على ذلك (جميعه).
стр. 311
٣٩٤ - مسألة: (امتثال) الأمر يدل على الإجزاء وبه قال عامة الفقهاء (والمتكلمين)، وقال عبد الجبار، ومن (تابعه) من المعتزلة لا يدل على الإجزاء (إلا بدليل آخر).
ومعنى قولنا إنها مجزية: أنها إذا فعلت بكمال شروطها، كفت وأجزأت في إسقاط التعبد بالأمر فلا يجب قضاؤها.
стр. 312
٣٩٥ - دليلنا: قول النبي ﷺ للخثعمية:"أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيه أكان يجزيه؟ قالت: نعم" فعقلت (من الأداء بما وجب) الإجزاء فكان هذا أصلاً مقرراً عند النبي ﷺ وعندها ولهذا ردها إليه فأقرت به. فدل على أن امتثال الأمر يحصل به الإجزاء.
فإن قيل: فقد قالت: أفيجزيه أن أحج عنه؟ فتوقفت عن ذلك في الحج وسألت عن الإجزاء: فدل على أن الإجزاء يحتاج إلى دليل.
قلنا إنما توقفت لأن الأمر لم يتوجه إليها وإنما توجه إلى أبيها، فسألت: هل يجزيء فعل عن الغير لأن عبادات/٤١ ب الأبدان لا يفعلها الغير عن الغير، فهذا مكان إشكال، فسألت النبي ﷺ عن بيانه
стр. 313
(لها) فلما أوضحه (الرسول) (لها) ورده إلى الأصل المقرر علمته.
٣٩٦ - دليل ثان: أنا نقول لا يحسن من الحكيم أن يقول لعبده افعل كذا فإذا فعلته كما أمرتك لم يجزك وعليك القضاء لما في ذلك من التناقض فلما لم يجز أن يصرح به لم يكن (معقولاً منه).
٣٩٧ - دليل ثالث: أنا نقول: الفعل إنما لزمه بالأمر، فإذا فعل ذلك على حسب ما يتناوله الأمر فقد امتثل الأمر فيجب أن يجزيء لأنه خرج عن عهدة (التعبد) بالأمر وعاد كما (كان) قبل الأمر (وصار) بمنزلة السيد إذا قال لعبده افعل ففعل لم يبق عليه شيء من ناحية أمره ويحسن إذا قال له: أفعلت؟ فيقول: فعلت ويكون خبره صدقاً.
٣٩٨ - دليل رابع: أنا نقول إنه لا طريق إلى الإجزاء إلا بامتثال الأمر، كما أنه لا طريق إلى كونه غير مجزيء إلا (المخالفة بترك) الامتثال، ولهذا يخبر أنه مطيع إذا فعل وبأنه عاص إذا لم يفعل
стр. 314
٣٩٩ - دليل خامس: أنا نقول: إن قولنا يجزيء أي أنه) يكفي في إسقاط التعبد بها (ألا ترى أنه) لا فرق بين قول القائل: هذا الشيء يكفيني، وبين قوله: هذا الشيء يجزئني، والمعقول من ذلك أنه يكفي في الغرض، فكذا في العبادة أنه يكفي ويجزيء في إسقاط التعبد الذي لزم بالأمر.
٤٠٠ - احتج الخصم بأن قال: قولنا لا يجزيء معناه أنه يجب القضاء، وقد يفعل الإنسان المأمور ويلزمه القضاء، ألا ترى أنه (يؤمر أن) يمضي في الحجة الفاسدة ويؤمر (بالإمساك في) الصوم الفاسد، كاليوم الذي يظن أنه من شعبان ثم تبين أنه من رمضان ويؤمر أن يصلي مع عدم الماء والتراب بغير طهارة ثم يجب قضاء جميع ذلك فدل على أن الإجزاء لا يحصل بامتثال الأمر وإنما يحصل بدليل آخر.
الجواب: أنا نقول: يدل على أن فعل المأمور به يمنع لزوم القضاء، فإن القضاء للعبادة المؤقتة هو فعل يوقع بعد خروج وقتها بدلاً من فعلها في وقتها، وذلك يكون إما لأن العبادة ما فعلت أصلاً أو فعلت على وجه الفساد، وذلك غير حاصل لأنه قد فعلها في وقتها بكمال شروطها على وجه الصحة فلم يتصور لزوم القضاء.
فأما قولهم في الحجة الفاسدة والإمساك (في الصوم
стр. 315
الفاسد) والصلاة أنه امتثل الأمر فلا نسلم، لأنه لم يأت بالمأمور على ما اقتضاه الأمر فيبقى التعبد الواجب بالأمر في ذمته بخلاف هذا، فإنه أتى بالمأمور على كماله وصحته فبرأت ذمته (منه).
جواب آخر: أن فعل تلك الأشياء مع عدم شروطها (لا يجزيء) في إسقاط الأمر بها، فأما أن يجزيء في إسقاط الأمر بالحجة الصحيحة (والصوم الصحيح والصلاة الصحيحة) التي يسقط بها الفرض (فلأن) التعبد الصحيح (قد) امتثل.
٤٠١ - احتج بأن الأمر لا يدل على أكثر من الإيجاب وإرادة المأمور (به) فأما الإجزاء وسقوط الفرض فلا يدل عليه لفظ الأمر، فافتقر إلى دليل آخر.
الجواب: أنا نقول: الأمر يتضمن إيجاد المأمور به وامتثاله، فإذا أوجده وامتثل ما أمر به، برئت ذمته عن حكم الأمر، فعاد إلى ما كان (عليه) قبل الأمر، فلا يجب عليه فعل غيره إلا بدليل.
стр. 316
٤٠٢ - احتج بأنه قد يؤمر أن يدخل مع الإمام إذا أدركه وقد رفع من الركوع، ثم لا تجزئه الركعة، وكذا يصلي مع النجاسة ويلزمه القضاء.
الجواب: أنه أمر بالدخول/٤٢ أمعه لإدراك الجماعة وقد أدرك (ذلك) وأجزأه، وكذا أمر بالصلاة لشغل الوقت وقد وجد ذلك، وذلك فرض يتعلق في تلك الحالة وهو غير الفرض الواجب عليه في الأصل، وعلى أنا نقول قد أجزأت الركعة والصلاة بالنجاسة، والقضاء وجب (بأمر) مستأنف فسقط الدليل.
٤٠٣ - احتج بأن قال: عندكم قد يأمره بما لا يريده، فلم لا يجوز أن يأمره بما لا يجزيء عنده؟
الجواب عنه: أنه إذا أمره بالشيء ففعله (فقد) أراد فعله، فكذلك إذا فعله يجب أن يجزيء فعله لتصح الموازنة.
جواب آخر: أنا لا نعلم بالأمر أن الشيء مجزيء، وإنما نعلم (أنه) مجزيء بالامتثال كما لا نعلم أنه مراد (ولكن) إذا فعله علمنا أنه مراد.
٤٠٤ - مسألة: الأمر المطلق بالشيء (يدل) على
стр. 317
وجوب ما لا يتم الشيء المأمور إلا به نحو قوله للمكلف: اصعد السطح ولا يتم له الصعود إلا (أن ينصب سلما) فإنه يجب عليه نصب السلم (بمطلق الأمر بالصعود) وهو قول أكثر العلماء (والمتكلمين).
وقالت طائفة: لا يجب عليه نصب السلم بمطلق الأمر بالصعود.
٤٠٥ - لنا أن الأمر المطلق بالشيء يقتضي إيقاع فعل الشيء متى أمكن فعله على كل حال، بدليل ما لو قال له: (اصعد السطح، كيف أمكن في هذا الوقت لزمه الصعود على كل حال إذا أمكنه وصار كما لو قال) اشتر لي خبزاً واسقني ماء.
فإن قيل: هو هناك مقيد بالأمارة، فإنه لا يطلب ذلك إلا لحاجته إليه بخلاف قوله اصعد السطح.
стр. 318
قلنا: لا نعلم ذلك يقيناً، وظاهره أنه يريد منه فعل ذلك كما يريد ها هنا صعود السطح (مع الإمكان وهو متمكن فصار) كما لو قال له: اصعد السطح في هذا الوقت، كيف أمكنك لزمه الصعود على كل حال إذا أمكنه ولا يجوز له التأخير حتى يخرج الوقت، وإن لم يكن في لفظ الأمر ذكر الشرط.
فإن قيل: إنما لزمه لأنه خطر عليه كيف أمكن ويمكنه نصب السلم، وليس في المطلق شرط الإمكان.
قلنا: والأمر المطلق يقتضي وجوب نصب السلم لأنه لو لم يقتض ذلك، بل كان مباحاً أن لا (ينصبه) لكان الآمر كأنه قال له: مباح أن لا تنصب السلم وواجب عليك مع فقد السلم وغيره الصعود، وذلك تكليف ما لا يطاق.
فإن قيل: لا يخلو إما أن يكون الأمر مشروطاً بنصب السلم أو غير مشروط، فإن كان مشروطاً فهو قولنا، وإن كان غير مشروط فهو تكليف ما لا يطاق.
قلنا: (بل) هو مشروط بإمكان الصعود وذلك يحصل بكون السلم منصوباً، ويكون المأمور يقدر على نصبه، وليس في ذلك تكليف ما لا يطاق، ولهذا من أمر غلامه بشراء (الخبز) وهو في
стр. 319
٤٠٧ - مسألة: إذا فعل زيادة على ما يتناوله الاسم من الفعل المأمور به فالزيادة على ما (تناوله) الاسم تطوع، وما تناوله الاسم واجب ، (وهو قول الجرجاني وابن الباقلاني وأصحاب الشافعي، وقال الكرخي كل ذلك واجب)، وقال شيخنا (هو واجب) وهو ظاهر كلام أحمد ﵀ لأنه استحب للإمام أن ينتظر المأموم في الركوع، فلولا أنه واجب جميعه لكان المأموم يقتدي به وهو متطوع، ولا يجوز اقتداء المفترض بالمتطوع.
стр. 320
وهذا (الاستنباط) غلط لأن المفترض يمنع أن يقتدي بمن هو متنفل في جميع صلاته، فأما إذا أدرك معه ما هو سنة في الصلاة فلا يكون قد اقتدى بمتنفل عند الجميع، ولهذا لو أدركه في حال الافتتاح والاستعاذة وقراءة السورة يكون قد أدركه وهو متطوع ثم لا يقول أحد إنه لا يصح اقتداؤه (به).
وعلى أن عن أحمد ﵁ في اقتداء المفترض بالمتنفل روايتان فكيف يحمل قوله في هذه الرواية على إحداهما دون الأخرى (ويستنبط) له (مذهب) من ذلك من غير دليل.
٤٠٨ - دليلنا: أن فعله (ما يسمى) ركوعاً أو سجوداً يسقط (عنه) حكم الأمر بالركوع والسجود، فيجب أن يكون هو الفرض وما زاد عليه تطوع؟ كما أن الدينار عن أربعين (ديناراً) يسقط فرض زكاتها، فلو زاد على الدينار كان تطوعاً،
следующие страницы →