← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14103

التمهيد في أصول الفقه

أبو الخطاب الكلوذاني

Полный текст (1 668 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

الجواب: أنه إن سلم ذلك فلأن عرف الاستعمال مقارن للفظ فكأنه هو (اللغة) حقيقة وغيره مجاز لأن الاسم أحق بالعرف لأنه وضع للتعريف والتميز، فليس بتخصيص في الحقيقة، بخلاف مسألتنا فإن العموم قد ثبت له عرف الاستعمال، والعادة جرت استعمال بعضه فقدم العموم لأنه لفظ شرعي وله عرف الاستغراق فهو أقوى من العرف في البعض فقط. والله أعلم. ٧١٢ - مسألة: إذا ورد لفظ العموم يقصد المتكلم (به) المدح أو الذم لم يمنع من استعمال عمومه وذلك مثل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ لا يمنع من التعلق بها في (الحلي) الكثير الذي يقصد به الكنز وبه قال أكثرهم، وقال بعض الشافعية: يمنع من التعلق بذلك. ٧١٣ - لنا: أن صيغة العموم قد وردت فاقتضت الاستغراق كما لو لم تتضمن مدحاً ولا ذماً.

стр. 527

٧١٤ - واحتج بأن القصد إلحاق الذم بمن يكنزهما وليس القصد العموم. الجواب: أنه لا يمتنع قصد ذم من كنز أن يكون اللفظ مستغرقاً (له) على موضوعه في اللغة فمن ادعى ذلك يجب أن يدل. والله أعلم. ٧١٥ - مسألة: إذا ورد اللفظ العام على سبب خاص، واللفظ مستقل بنفسه، حمل على عمومه، ولم يقتصر على سببه، وذلك مثل: (قول رسول الله ﷺ لما سئل عن ماء البحر أيتوضأ به؟) فقال ﵇: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته". ومثل أن يسأل عن رجل اشترى عبداً، فاستغله، فظهر على عيب فيقول: "الخراج بالضمان" فيكون ذلك في كل مشتر هذه سبيله. وبهذا قال أصحاب أبي حنيفة والأشعرية.

стр. 528

وقال مالك: يقصر على سببه وبه قال أبو ثور واختلف أصحاب الشافعي. فقال المزني والقفال والدقاق كقول مالك، وقال غيرهم كقولنا. ٧١٦ - لنا: أن اللفظ العام الصادر عن حكيم يجب إجراؤه على عمومه إلا لمانع، ولا مانع ها هنا إلا ما يدعيه المخالف وسنبين فساده.

стр. 529

٧١٧ - دليل آخر: الاعتبار بلفظ صاحب الشرع لا بالسبب والسؤال، ألا ترى أنه لو كان السؤال عاماً والجواب خاصاً وجب حمله على خصوصه اعتباراً باللفظ، فكذلك إذا كان السؤال خاصاً واللفظ عاماً يجب أن يحمل على عمومه اعتباراً باللفظ. ٧١٨ - دليل آخر: أنه لفظ لو تجرد عن سؤال خاص حمل على عمومه. فإذا تقدمه (سؤال) خاص حمل على عمومه، أصله إذا قالت المرأة لزوجها طلقني فقال: كل امرأة لي طالق، فإنه يقع بها وبكل زوجة له ولا "يقتصر عليها" كذلك هاهنا. ٧١٩ - دليل آخر: أن قول السائل ليس حجة فلا (يجوز أن) يخص به العموم، أصله كلام غير السائل ممن ليس قوله حجة. ٧٢٠ - دليل آخر: أن العموم يخص ما يخالفه وينافيه، وأما فيما يطابقه في حكمه فلا يجوز تخصيصه به، وسؤال السائل مطابق له في الحكم، فوجب أن لا يخصه. ٧٢١ - دليل آخر: أن الخطاب قد يرد في مكان وزمان ثم لا يقصر عليهما. فكذلك (هاهنا) لا يقصر على سببه بعلة أن السبب غير الخطاب فلم يقصر عليه الخطاب كالزمان والمكان.

стр. 530

٧٢٢ - دليل آخر: أنه لو اعتبر بخصوص السؤال لوجب أن يختص السائل حتى لا يدخل غيره معه في الحكم، وقد أجمع المسلمون على أن آية القذف في شأن عائشة ﵂ عمت جميع الأمة، وكذلك آية اللعان نزلت في شأن هلال بن أمية وزوجته وعمت، وكذلك آية الظهار. ٧٢٣ - دليل آخر: أنه دليل صاحب الشرع فاعتبر موضوعه كما لو ورد ابتداء/٦٧ أ، وكما يعتبر كونه أمراً ونهياً وإباحة وندباً. ٧٢٤ - احتج المخالف بأن السؤال مع الجواب كالجملة الواحدة بدليل أن السؤال هو المقتضي للجواب. وبدليل أن الجواب إذا كان مبهماً أحيل في بيانه على السؤال، وإذا ثبت أنهما الجملة الواحدة وجب أن (يكون) السؤال مقدراً في الجواب فيختص الحكم. الجواب: أنا لا نسلم أنهما كالجملة والحدة بل هما جملتان ولهذا يستقل الجواب بنفسه. وقولهم: (إن السؤال يقتضي الجواب) غير مسلم، لأن الجواب أعم من السؤال، فهو يشتمل على السؤال ويزيد كقوله

стр. 531

تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (١٧) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾، وقوله "هي عصاي" كاف في الجواب وزاد على ذلك وكخبر الرسول ﷺ في ماء البحر. وقولهم: إنه يحال (بالجواب) المبهم على البيان بالسؤال لا يمنع من كونهما جملتين، كالكتاب يحال في بيانه على السنة وهما جملتان مختلفتان. جواب آخر: أن كلامنا في الجواب إذا كان مستقلاً بنفسه غير مفتقر إلى غيره في البيان كقوله في ماء البحر: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته" وكقول الرجل: "كل زوجة طالق" إذا سألته زوجته طلاقها. فأما إذا لم يستقل بنفسه كقول الرجل لغيره: تغد عندي فيقول: لا والله فإنه يقصر على ذلك الغداء لأن اللفظ لا يفيد بنفسه فائدة فجعل السؤال كالتمام له. ٧٢٥ - احتج: بأنه لو كان الخطاب عاماً لكان جواباً وابتداء، وقصد الجواب ينافي قصد الابتداء فلا يجتمعان. الجواب: أنه جواب عما وقع السؤال عنه، وبيان لحكم ما لم يسأل عنه، وذلك صحيح ولا يتنافى، وإنما يتنافى أنه يقصد الجواب عما سئل عنه والابتداء به خاصة.

стр. 532

٧٢٦ - واحتج بأنه من حق الجواب أن يكون مطابقاً للسؤال، وذلك إنما يحصل المساواة. الجواب: إن أردتم بالمطابقة انتظام الجواب لجميع السؤال فذلك يحصل بالمساواة وحدها، وبالمساواة مع المجاوزة بدليل أنه قد ينتظم الجواب السؤال ويجاوزه إلى حكم غيره كقوله ﵇ وقد سئل عن التوضي بماء البحر فقال: "هو الطهور ماؤه" وجاوزه إلى غيره فقال: "الحل ميتته". ٧٢٧ - احتج بأن السبب كالعلة في ذلك الحكم، لأنه هو (المبين) للحكم والعلة (تقصر) على معلولها. الجواب: أنه إذا كان اللفظ مستقلاً بنفسه وهو أعم من السبب صار كعلة مبتدأة تنتظم أحكاماً، ثم هو كالعلة في مقدار ما يقابله من اللفظ وما زاد من اللفظ يعرف به حكماً ثانياً. ٧٢٨ - احتج بأنه قد يكون في قصره على سببه مصلحة، لأنه لو لم يكن كذلك لم يؤخر بيانه إلى حين (السؤال) (الجواب): أنه يجب أن يقتصر على زمانه ومكانه لجواز (كون) المصلحة في ذلك وأما تأخيره فلجواز أن تكون

стр. 533

المصلحة في بيانه في هذه الحال، كما أخر بيان ما لم يسأل عنه وأجاب به مع السؤال كقوله في خبر (ماء) البحر، ثم يقابله بأنه لو كان بياناً لحكم السبب خاصة لبينه بجواب خاص، ولما عم (الجواب) دل على أنه قصد بيانه وبيان غيره. جواب آخر: يجوز أن يكون قد بينه فيما قبل ثم بينه الآن. ٧٢٩ - واحتج بأنه جواب خرج على سؤال عام فقصر (عليه أصله إذا لم يستقل إلا بالسبب كما لو سأله أصلي في هذا الوقت؟ فقال: لا، أو نعم). (الجواب عنه أنا نقول: قد تقدم من أن)، هناك لا يستقل الخطاب بنفسه، ولا يحسن الابتداء به، بخلاف مسألتنا، فإن الخطاب مستقل بنفسه فصار كالمبتدأ به، ولأن هناك نعلم أن اللفظ (لم) يتناول غير ما وقع السؤال عنه، وها هنا هو عام فيما وقع السؤال عنه وما لم يقع. والله أعلم. ٧٣٠ - مسألة: اللفظ العام إذا تعقبه تقييد بشرط أو صفة أو استثناء أو حكم، وجب حمل اللفظ على عمومه، ولم يجب تخصيص أوله بتخصيص آخره.

стр. 534

مثال التقييد بالصفة والشرط قوله تعالى: ﴿يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ ثم قال: ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً﴾ ومعناه لعله (أن) يحدث رغبة في مراجعتهن وهذا لا يتأتى في البائن. ومثال التقييد بالاستثناء قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَاّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾: والعفو لا يتأتى إلا من المالكة لأمرها وهي البالغة العاقلة. ومثال التقييد بالحكم قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾، ثم قال: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ وهذا لا يكون إلا للرجعيات. وبهذا قال شيخنا وعبد الجبار/ ٣٧ ب بن أحمد وأصحاب الشافعي.

стр. 535

وروي عن أحمد ﵁ ما يدل على أن أول اللفظ يخص بآخره قال في رواية أبي طالب يأخذون بأول الآية، ويدعون آخرها، وقال في رواية المروزي: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَاّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ هو علمه لأنه قال في أول الآية: ﴿أَلَمْ تَرَى أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ وقال في آخرها ﴿أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ فجعل اللفظ العام مخصوصاً بأوله الخاص وآخره الخاص. وهو مذهب (بعض) الحنفية.

стр. 536

وقال أبو الحسين البصري يجب التوقف. ٧٣١ - وجه قول شيخنا: أن اللفظ العام يجب إجراؤه على عمومه إلا أن يضطرنا شيء إلى تخصيصه، وتخصيص آخره لا (يضطر) إلى تخصيصه، ألا ترى أنه لو قال: إلا أن يعفو البالغات منهن لم (يدل) ذلك على تخصيص أولها (وهذا لأن العموم ظاهر في الاستغراق تطرق إلى الشرط أو الاستثناء فحمل كل واحد منهما على مقتضاه، كجملتين عطف إحداهما على الآخر، ثم خص المعطوف بأمر يخصه من شرط أو صفة لا يقتضي عود ذلك المخصص إلى المعطوف عليه وإن اشتركا في العطف). ٧٣٢ - احتج من (قال) بالتخصيص بأن الكناية ترجع إلى من تقدم ذكره، ومن تقدم ذكره هن المطلقات جميعهن

стр. 537

لا بعضهن فصار بمثابة قوله إلا أن يعفو النساء المطلقات، ولو صرح دل على أن النساء المذكورات في أول الكلام (هن) اللواتي يصح منهن العفو. الجواب: أن ظاهر الكناية الرجوع إلى الكل إلا أن يدل الدليل بوجوب تخصيص الكناية (به). وقد دل هاهنا وهو أن غير الجائزة الأمر لا يجوز عفوها، وهذا لا يدل على تخصيص الأول لأن الصداق يجب للبالغة العاقلة وغيرها من الصغيرة والمجنونة فلم يكن تخصيص الأخير مخصصاً للأول. ٧٣٣ - احتج أبو الحسين: أن ظاهر العموم (الأول) الاستغراق، وظاهر الكناية يقتضي الرجوع إلى كل ما تقدم، وليس التمسك بظاهر العموم والعدول عن ظاهر الكناية بأولى من التمسك بظاهر الكناية والعدول عن ظاهر العموم فوجب التوقف. الجواب: أن التمسك (بظاهر العموم) أولى لأنه تمسك بظاهر اللفظ فهو أولى من التمسك بكنايته. جواب آخر: وهو أنه إذا دل الدليل على تخصيص الكناية جاز أن يستقل الدليل المخصوص بها، وجاز أن يرجع إلى ما تقدم

стр. 538

ذكره فهو مشكوك فيه، والاستغراق في لفظ العموم مستقر فلا ينصرف عن المستقر بالشك. ٧٣٤ - مسألة: هل يجب أن يضمر في (المعطوف) جميع ما يمكن إضماره مما في المعطوف عليه؟ فإذا وجب ذلك، وكان المضمر في المعطوف مخصوصاً، وجب أن يكون المعطوف عليه مخصوصاً أم لا؟ قال أصحاب أبي حنيفة بذلك كله (ولم يقل) به الشافعيون، وهو الصحيح عندي. ٧٣٥ - مثاله قول الرسول ﷺ : "لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده". استدللنا (به) على أنه لا يقتل المسلم بالذمي. وقال الحنفية: إن النبي ﷺ عطف (على) ذلك (قوله): "ولا ذو عهد في عهده" ومعلوم أن ذا العهد يقتل بالذمي

стр. 539

ولا يقتل بالحربي فكان (قوله): "لا يقتل مؤمن بكافر" معناه بكافر حربي لأن المضمر في المعطوف هو المظهر ما هو مظهر في المعطوف عليه فأضمروا في المعطوف ما هو مظهر في المعطوف عليه من القتل لأن حكم المعطوف حكم المعطوف عليه. ٧٣٦ - لنا أن المعطوف إذا قيد بصفة لم يجب أن يضمر فيه من المعطوف عليه إلا ما يصير به مستقبلاً، ألا ترى أن رجلاً لو قال: لا نقتل اليهود بالحديد ولا النصارى في الشهر الحرام لم يضمر فيه إلا القتل حتى يكون معناه لا تقتلوا النصارى في الشهر الحرام ولا (يحل) بحديد ولا بغيره، ولا يكون معناه لا تقتل النصارى في الشهر الحرام بالحديد وإنما (لم) يجب ذلك لأنه لما قيد المعطوف بزيادة (ليست) في المعطوف عليه، علمنا أنه أراد أن يخالف بينهما في كيفية القتل وأن يشرك بينهما في القتل حسب؛ لأن للزيادة التي في المعطوف عليه حكم آخر. فإن قيل: قوله في عهده (بمنزلة التأكيد لقوله ذو عهد وليس بزيادة حكم لأنه لو لم يقل في عهده لأفاد ذلك قوله "ذو عهد" لأنه إذا انقضى عهده فليس بذي عهد).

стр. 540

(الجواب عنه أنا نقول: قوله ﵇: في عهده) اقتضى أن النهي عن القتل بسبب ذلك، ألا ترى أنه لو قال لا يقتل مؤمن (بكافر)، ولا كافر في عهده لكان النهي تعلق بكونه (في عهده) كذلك (قوله) ولا ذو عهد في عهده. وأيضاً فإنه إذا اقتضى العطف أن يكون معناه ولا ذو عهد بكافر. ودل الدليل على أنه أراد الحربي لم يجب أن يخص اللفظ الأول العام لأن الاشتراك قد حصل في لفظ الكافر/٦٨ أوالعطف يجوز مع الاشتراك (في) اللفظ وإن اختلفت الصفة (من اللفظ) ألا ترى أن قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ﴾. الصلاة من الله تعالى الرحمة، ومن الملائكة (هي) الدعاء: وإنما اشتركا في اللفظ دون المعنى. ٧٣٧ - احتج بأن العطف يفيد اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في حكمه، وحكمه هو الذي عناه المتكلم وأراده، فلو جعلنا الكافر المذكور في المعطوف عليه عاماً وجعلناه في العطف خاصاً، لم يكن العطف مفيداً للاشتراك فيما قصده المتكلم لأنه قصد بأول الكلام العموم وبآخره الخصوص.

стр. 541

والجواب: أنا قد بينا أنه تعالى إذا قيد العطف بزيادة صفة علمنا أنه لم يقصد الاشتراك في الحكم. وجواب آخر: وهو أن الاشتراك في الحكم حاصل في اسم الكافر (وأما صفته) فلا يلزم الاشتراك فيها، ألا ترى أنه (لو) قال: ضربت زيداً وعمراً، وقام الدليل (على أنه) ضرب زيداً على صفة العمد بالسيف لم يجب أن يجعل ضرب عمرو بتلك الصفة لأجل العطف من غير دليل. ٧٣٨ - احتج بعضهم بأن قال: ظاهر الأول (يقتضي) العموم، وظاهر العطف يقتضي أن يجعل حكم المعطوف (حكم) المعطوف عليه وهو مخصص فوجب أن يقف. الجواب: أنا قد بينا أن اشتراكهما في لفظ الكفر يستقل به العطف فلا يحتاج إلى اشتراكهما في المعنى بغير دليل. ٧٣٩ - مسألة: إذا علق العموم حكماً على أشياء وورد لفظ يقيد تعليق ذلك الحكم على بعضها لم يجب انتفاء الحكم عما عدا ذلك البعض.

стр. 542

وحكي (أن) أبا ثور أوجب ذلك لأنه قال في قول النبي ﷺ (في شاة ميمونة): "دباغها طهورها" يخص قول النبي ﷺ : "أيما إهاب دبغ فقد طهر". ٧٤٠ - لنا: أن لفظ العموم يقتضي الاستغراق، فلا يخص إلا بما ينافيه، ولا تنافي بين قوله: "دباغها طهورها" وبين قوله:"أيما إهاب دبغ فقد طهر" "فلم يجز" تخصيصه. فإن قيل: تعليقه الطهارة على تلك الشاة على أن ما عداها بخلافها. قيل: دليل الخطاب ليس بحجة في أحد الوجهين، وإن قلنا إنه حجة فصريح العموم أولى منه، لأن صريح العموم أولى من دليل صريحه. والله أعلم.

стр. 543

مسائل المطلق والمقيد ٧٤١ - (منها مسألة) إذا ورد لفظان أحدهما مطلق والآخر مقيد، لم يخل إما أن يكون ذلك في حكم واحد أو في حكمين مختلفين. فإن كان في حكم واحد. فلا يخلو أن يكون التعبد بهما بكونهما أمرين أو نهيين. ٧٤٢ - فإن كان أمرين، مثل أن يقول سبحانه، إذا حنثتم فأعتقوا رقبة، ويقول في موضع آخر فإذا حنثتم فأعتقوا رقبة مؤمنة، فإنه يجب هاهنا حمل المطلق على المقيد لأن العتق واحد وقد اشترط الإيمان فيه. فإن قيل: لم قلتم إن العتق واحد؟ قلنا: لأنه لو لم يكن واحداً لوجب عتق رقبتين في الحنث لأن الأمر (المتكرر) يفيد تكرار المأمور به لا سيما إذا اختلفت صفته، ولا أحد قال هذا، فثبت أن المأمور به عتق واحد. فإن قيل: ألا حملتم (اشتراط) الإيمان على الندب لأجل المطلق، ولم تقيدوا المطلق لأجل المقيد.

стр. 544

قلنا: لأن المقيد أشد اختصاصاً بالأمر لأنه صريح فيه والمطلق أفاد الكافر بعمومه، والخاص أولى من العام. على أن هذا السؤال لا يصح إذا ورد التعبد في المقيد بلفظ الإيجاب لأن المطلق لا ينفي الإيجاب. فإن قيل: إن كان بمنزلة الخاص والعام فالخاص داخل في العام، فقل إن ما تناوله الخاص ثبت بالخاص والعام، وما زاد على ذلك ثابت بالعام دون الخاص. قيل: (قد) تقدم الكلام في هذا في باب تخصيص العموم، على أنا متى جوزنا كافراً أسقطنا أمره بالمؤمنة، وأمره بالإيمان يقتضي الانحتام. ٧٤٣ - فصل: وإن كان نهيين مثل أن يقول: إن حنثتم فلا تكفروا بالعتق، ثم يقول في موضع (آخر) إذا حنثتم فلا تكفروا بعتق كافر، فإن هذا ينبني على دليل الخطاب. فمن يقول ليس بحجة/٦٨ ب يقول لا يجب العتق أبداً لأن النهي يفيد التأبيد ولا يخص النهي المقيد لأنه بعض ما دخل تحته، والشيء لا يخص بذكر بعض ما دخل تحته. ومن يقول بدليل الخطاب يقول: تخصيصه بالكافرة يدل على أنه يجوز أن يكفر بالمسلمة فيخص به اللفظ المطلق، ويكون كأنه

стр. 545

نهى في الموضعين عن الكافرة، ويجعل دليل الخطاب بمنزلة النطق في وجوب الاستعمال. ٧٤٤ - فصل: وإن كان اللفظان في حكمين مختلفين لم يبن أحدهما على الآخر، سواء كان سببهما واحداً، كالكفارة فيها صيام شهرين متتابعين وإطعام ستين مسكيناً مطلقاً, "أو" كان السبب مختلفاً مثل أن يأمره بالصلاة مطلقاً وبالصيام متتابعاً. (وقد قال): أحمد ﵁ في رواية ابن منصور: إذا أخذ في الصوم فجامع في الليل استقبل فإن أطعم "فوطيء يبني" ليس هذا (من) هذا، والوجه في ذلك أن البناء في اللفظين يجب إذا كان الحكم مذكوراً في اللفظين، فأما إذا كان (الحكم مذكوراً) في أحد اللفظين غير الحكم (في) الآخر فلا تعلق

стр. 546

له به، فلا وجه للبناء، ألا ترى أن العام يبني على الخاص في الحكم الواحد، فأما (في) حكمين مختلفين فلا. ٧٤٥ - فصل: فإن كان الحكم واحداً (والسبب) مختلفاً مثل نصه في كفارة الظهار على عتق المطلق، ونصه في كفارة القتل على عتق مقيد بالإيمان، فقد روى عن أحمد ﵀ ما يدل على أنه لا يبنى المطلق على المقيد قال في رواية أبي الحارث: التيمم ضربة للوجه والكفين، فقيل: أليس التيمم بدلاً عن الوضوء والوضوء إلى المرفقين؟ فقال: إنما قال تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾. ولم يقل إلى المرافق، وقال في الوضوء إلى المرافق، وقال في: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾، ومن أين يقطع السارق؟ من الكف "فظاهره أنه لم يبن التيمم المطلق على الوضوء المقيد وهو اختيار أبي إسحق بن شاقلا، وبه قال جل أصحاب أبي حنيفة. وقد روى عن أحمد ما يدل على أنه يبنى المطلق على المقيد، قال في رواية أبي طالب "أحب إليّ أن يعتق في الظهار مسلمة".

стр. 547

واحتج من قال بذلك: أن الله تعالى قال: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ وقال تعالى في موضع آخر: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ ولم يذكر عدلاً. ولا يجوز إلا عدل، وظاهر هذا أنه يبني المطلق على المقيد من طريق اللغة، وبه قال أًحاب مالك وهو اختيار شيخنا، وقال جل أصحاب الشافعي يبني المطلق على المقيد، واختلفوا فقال بعضهم: يبني من جهة اللغة وقال بعضهم: يبني من جهة القياس (ويقوى عندي أنه لا يبنى المطلق على المقيد من جهة اللغة ويبني من جهة القياس). وبه قال أبو الحسين البصري وجل أصحاب الشافعي فالكلام في فصلين: أحدهما: أنه لا يبنى من جهة اللغة خلافاً لمالك وإحدى الروايتين واختيار شيخنا وبعض الشافعية، والثاني أنه يبنى من جهة القياس، خلافاً لأصحاب أبي حنيفة والرواية الأخرى عن أحمد رحمة الله عليه.

стр. 548

٧٤٦ - دليلنا على الأول، أن ظاهر المطلق يقتضي أن يحمل على إطلاقه، فلا يخص بالمقيد إلا أن يكون بينهما علاقة، إما من جهة اللفظ، وإما من جهة المعنى. فالعلاقة من جهة اللفظ: أن يكون المطلق معطوفاً على المقيد بحرف عطف أو إضمار وهذا غير حاصل في مسألتنا. والعلاقة من جهة المعنى: أن يتفق (العتقان) في علة التقييد، وهذا حمل بالقياس، وليس كلامنا فيه، وإذا لم يكن بينهما علاقة لم يحمل أحدهما على الآخر كما لو كانا من جنسين. ٧٤٧ - دليل آخر: أنه يجوز أن يصرح الباري تعالى بالإيمان في كفارة القتل، وبالكفر في كفارة الظهار ولا تحمل إحداهما على الأخرى، كذلك إذا نص على الإيمان في كفارة القتل وأطلق في الظهار، لأنه في الموضعين لا وصلة بينهما. فإن قيل: هناك الحمل يفضي إلى إسقاط أحد النصين. (قلنا: وها هنا الحمل) يفضي إلى تخصيص العموم بغير دليل. ٧٤٨ - دليل ثالث: أن اللفظ المطلق لا يتناول المقيد، فلو جاز أني جعل المطلق مقيداً لجاز أني جعل المقيد مطلقاً لإطلاق

стр. 549

غيره، وهذا لا يجوز/٦٩ أكما لا يجوز أن يجعل العام خاصاً لتخصيص غيره (ولا الخاص عاماً) لعموم غيره، ولا المطلق مشروطاً للشرط في غيره، وارتكاب مثل هذا يمنع الثقة باللغة والرجوع إليها. ٧٤٩ - احتج من نصر ذلك بأن (قال) حمل المطلق على المقيد لغة العرب قال تعالى: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ﴾ (ومعناه لله). وقال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنْ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ﴾. وأراد نقصاً من (الأموال) (والأنفس والثمرات، ولكنه) لما قيد بالأموال اكتفى. وقال الشاعر: وما أدري إذا يممت أرضا ... أريد الخير أيهما يليني أألخير الذي أنا أبتغيه ... أم الشر الذي هو يبتغيني معناه أريد الخير وأتقي الشر.

стр. 550

وقال الآخر: نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض والرأي مختلف يعني نحن بما عندنا راضون فاكتفى بأحدهما عن الآخر كذا في مسألتنا. الجواب: أن جميع ما ذكروه حمل فيه المطلق على المقيد لأجل العطف، لأن حكم المعطوف حكم المعطوف عليه، يقال: رأيت زيداً وعمراً، معناه: ورأيت عمراً، فأما في مسألتنا فلا وصلة بينهما بعطف ولا غيره. جواب آخر: أنه إنما حمل هناك لأن أحد الكلامين غير مستقل بنفسه، ولا يفيد فائدة فحمل على الآخر لموضع الحاجة إلى حمل الكلام على فائدة، بخلاف مسألتنا فإن كل واحد من الكلامين مفيد بنفسه، فلا حاجة بنا إلى حمله على الآخر إلا بدليل. جواب آخر: في المواضع المستشهد بها قامت دلالة لأن قوله: "والذاكرين الله كثيراً" أريد به الله تعالى لأن الكلام خرج مخرج المدح والحث على ذكر الله بدليل أنه قال: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾، ولا يكون ذلك إلا في ذكره تعالى. فأما بقية أنواع الذكر للناس أو الملائكة، فليس فيه هذا الثواب العظيم، وكذلك (الآية) الأخرى ذكر فيها الابتلاء وبشر الصابرين على ذلك بأن عليهم صلوات من ربهم ورحمة وسمى كل شيء من ذلك مصيبة.

стр. 551

وكذلك قول الشاعر: "أريد الخير" مفهومه أن من يريد الخير لا يريد الشر. فإذا ثبت (هذا) فلم نحمله على ذلك إلا بدليل، وفي مسألتنا لا دليل في ذلك فوجب حمل أحدهما على الآخر إلا أن يكون من جهة القياس والمعنى وليس هو (من) مسألتنا. ٧٥٠ - احتج: بأن الله قيد الشهادة في موضع بالعدالة، وأطلق في موضع، وحملنا المطلق على المقيد فلا نقبل إلا عدلاً. الجواب: أنا لم نشترط العدالة في الآية المطلقة بالتقييد في الأخرى بالعدالة وإنما بشيء آخر. جواب آخر: أنه قد قيد في الوضوء بالمرافق وأطلق في التيمم فلم نحمله عليه. وكذلك ذكر في كفارة الظهار "الإيمان" وأطلق في كفارة القتل (فلم) نحمله عليه فتقابلا. (جواب آخر: أنه قد ورد في القرآن رد شهادة الفاسق بقوله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ الآية فاشترط العدالة، كذلك لا نحمل المطلق على المقيد).

стр. 552

٧٥١ - احتج بأن قال القرآن كالكلمة الواحدة فيجب تقييد بعضه بما يفيد به البعض الآخر. الجواب: إن أردتم أنه كالكلمة الواحدة في أنه لا تناقض فيه فصحيح، (وإذا) كان صحيحاً لايتناقض، يجب تقييد بعضه (ببعض كالجنسين) المختلفين. وإن أردتم أنه كالكلمة في وجوب تقييد بعضه ببعض فهو نفس الخلاف ولهذا لم يقيد بعضه بما قيد به بعض فخالف في الحكم، ثم لو صح هذا (لوجب) أن يكون كل ما فيه عموم، (لأن فيه عموماً)، أو يجعل كل أمر فيه غير واجب لأن فيه أمراً غير واجب، أو يجعل كل إطلاق فيه مشروطاً. ٧٥٢ - احتج بأنا نقول في الخبرين: أحدهما عام، والآخر خاص، يحمل العام على الخاص كذلك في المطلق والمقيد. الجواب: أنه لا فرق بينهما لأنا نقول بذلك إذا ورداً في حكم واحد وأما إذا وردا في حكمين فلا يخص العام بالخاص. ٧٥٣ - فصل: (والدليل) على بناء المطلق على المقيد

стр. 553

من جهة القياس: (أن) المطلق يقتضي العموم، وتخصيص العموم جائز بالقياس، ولأن من منع تقييد المطلق بالقياس لا يخلو (أن يكون) منعه لأجل أن التخصيص لا يتأتى في العين الواحدة، وهذا عين واحدة، وهذا غلط لأن المطلق يشتمل على جميع صفات الشيء وأحواله/٦٩ ب أو لأن القياس ليس بدليل أو دليل لا يخصص العموم، فالكلام (في) الأول يأتي في الدليل على القياس، والثاني قد مضى الكلام فيه، أو لأن تقييد المطلق زيادة (على) النص وهو نسخ. ونحن لا نسلم وسيأتي في باب النسخ، أو لأن الله تعالى استوفى حكم المطلق ونحن لا نسلم ذلك ونقول: الدليل على صحة علة القياس يدل على أنه لم يستوف حكم المطلق بهذا الكلام كما قلنا في العموم. قالوا: في حمل أحدهما على الآخر قياس المنصوص على المنصوص (عليه) وذلك لا يجوز، لأنه يفضي إلى إسقاط أحد النصين، وهذا كما لا يجوز قياس القطع في السرقة على القطع في قطاع

стр. 554

الطرق في قطع اليد والرجل ولم يجز عندكم قياس التيمم على الوضوء في إيجاب مسح الرأس والرجلين. الجواب أن هذا قياس المسكوت (عنه) على المنطوق به، وذلك جائز ولا يفضي إلى إسقاط شيء، وأما قياس السرقة على المحاربة (والتيمم على الوضوء) في مسح الرجل والرأس فالإجماع منع منه، ومن شرط كون القياس حجة أن لا يعارضه نص ولا إجماع، وفي مسألتنا (لم يعارضه). ٧٥٤ - فصل: فإن كان الحكم المطلق قد قيد في مثله بقيدين متنافيين نحو قضاء رمضان ورد قضاؤه مطلقاً، وقيد في صوم الظهار بالتتابع وفي صوم المتعة بالتفريق، فإنا نحمله على أحد التقييدين إذا كان بالقياس عليه أولى من القياس على الآخر. ومن قال: المطلق لا يحمل على المقيد (أو يحمل عليه) من جهة اللغة لا بحمله على أحد التقييدين لأن ليس عنده أحدهما أولى من الآخر، وقد مضى الكلام (في جواز ذلك) وجواز الحمل.

стр. 555

مسائل دليل الخطاب وفحواه ٧٥٥ - مسألة: إذا علق الحكم بشرط مثل قوله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ وقول النبي ﷺ : "من باع نخلاً بعد أن تؤبر فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع"، فإنه يدل على انتفاء الحكم فيما عداه، إلا أن يقوم دليل على تعلق الحكم بشرط آخر يقوم مقامه في تعلق الحكم به، فإذا انتفى الشرطان انتفى الحكم. فإن دل دليل على ثبوت الحكم (مع عدم) الشرط على كل حال علمنا أن ذلك ليس بشرط وأنه تجوز به، مثاله أن يقول: إن كانت المعتدة حاملاً فأنفق عليها، فإذا انتفى الحمل لم تجب النفقة. فإن قال: إن كانت المعتدة (الحامل) يملك ردها فأنفق عليها فإن النفقة تعلق بالشرط الأول وبالشرط الثاني، فإذا انتفيا

стр. 556

سقطت النفقة، وإن انتفى أحدهما لم تسقط، فلو قال: أنفق على المعتدة بكل حال سقط حكم شرط الحمل والرجعة. وعلم أنهما ليسا بشرط وكذلك قوله: إذا زنى المسلم وهو محصن حل دمه تعلقت الإباحة بذلك، فإن قال: وإن قتل حل دمه تعلقت إباحة دمه بشرط آخر قام مقام الأول، فلا يباح دمه مع عدم الشرطين إلا أن يعلقه (بشرط ثالث) فأما أن يباح دمه مع عدم الشروط (كلها) فذلك يبطل الشروط. وبه قال جل أصحاب الشافعي وأكثر المتكلمين وأبو الحسن الكرخي (حتى قال) لا يقبل شاهد ويمين، لأن الله تعالى شرط في الحكم الشاهد الثاني، فإذا لم يوجد لم يجز الحكم. وقال أبو عبد الله البصري وعبد الجبار بن أحمد البصري: لا يدل (الشرط) على أن ما عداه بخلافه.

стр. 557

٧٥٦ - لنا ما روي (أن) يعلى بن أمية سأل عمر ابن الخطاب ﵁ فقال: "ما بالنا نقصر/ ٧٠ أوقد أمنا"؟ فقال: عجبت مما عجبت منه فسألت رسول الله ﷺ فقال: "صدقة تصدق الله سبحانه بها عليكم فاقبلوا صدقته". فلو لم يعقلا من الشرط نفي الحكم عما عداه، لم يكن (لتعجبهما معنى). فإن قيل: إنما عجباً لأن الآيات أمرت بإتمام الصلاة، وإنما أباح القصر مع الخوف وبقى الإتمام واجباً فيما عداه بالآيات الدالة على التمام. قيل: ليس في القرآن آية تدل على إتمام الصلاة بلفظها خاصة ولهذا يقول المخالف: إن الأصل في الصلاة القصر ويروي عن عائشة كرم الله وجهها أنها قالت "كانت صلاة السفر والحضر ركعتين

стр. 558

فأقرت صلاة السفر وزيد في الحضر"، فدل على (أن) تعجبهما لبقاء الحكم مع عدم الشرط. جواب آخر: أنهما لم يرجعا (إلا) إلى الشرط ولهذا قال يعلي: ما بالنا نقصر وقد أمنا؟ وقد قال تعالى: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمْ﴾ ولم يقل والأصل هو الإتمام. فإن قيل: فالآية حجتنا لأن عدم الشرط لم يدل على عدم الحكم وهو القصر. قلنا: بل قد دل على منع القصر، وإنما قام دليل على إباحته (في موضع آخر)، (فرد) ظاهر دليل الخطاب، كما يرد دليل فيرد ظاهر العموم وظاهر النطق. جواب آخر: أنه قد يحتمل أن ذكر الشرط (يبين) أن السبب في نزول إباحة القصر كان الخوف ثم عمت إباحته كما قال سبحانه: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تجِدُوا كَاتِباً فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ فبين أن ذلك سبب الارتهان لا أنه شرط في الارتهان

стр. 559

فإن قيل: يحتمل أن يكون ذكر الشرط لتأكيد حال المشروط، لأنه إذا ورد مطلقاً ظن المكلف أنه لم يدخل فيه المشروط، بيانه أن يقول : ضحوا بالشاة وإن كانت عوراء، فيتوهم المخاطب أنه لو قال (ضحوا) بالشاة أنه لا يجوز العوراء فلما قيده بالعور بان أنه قد دخل في قوله ضحوا بالشاة. (قلنا: لم نقل) إن ما عدا الشرط (يكون) بخلافه لأنه لابد لذلك من فائدة فيبين (المخالف) هذه الفائدة. وإنما قلنا: (لأن) لفظة "إن" وضعت موضع الشرط فكأنه قال الشرط في هذا (القصر) الخوف، أو الشرط في هذا الحكم كيت وكيت، ولو قال ذلك لوقف الحكم عليه، كذلك إذا قال (إن) كان كيت وكيت فافعل الحكم. فإن قيل: لو منع الشرط من ثبوت الحكم مع فقده لكان قوله : ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً﴾ يدل على أنه لم (يحظر) الإكراه على البغاء إن لم يردن التحصن.

стр. 560

قلنا: إنما شرط إرادة التحصن لأنهن إذا لم يردن (أن يتحصن لم تتصور كراهتهن) للبغاء، وإنما يقع الإكراه على البغاء إذا أردن (التحصن)، فصار إرادة التحصن شرطاً في الإكراه لا في الحكم. ٧٥٧ - دليل آخر: (أن قوله يا زيد ادخل الدار إن دخلها عمرو). يفهم منه أن الشرط في دخولك الدار دخول عمرو، فعلم أنه لم يلزمه دخولها ما لم يدخل عمرو. ٧٥٨ - دليل آخر: لو لم يقف الحكم على الشرط وجاز أن يوجد مع عدمه لجاز أن يكون كل شيء شرطاً في كل شيء حتى يقول: إن دخول (زيد) الدار شرط في كون السماء فوق الأرض، وإن وجد ذلك مع عدم الدخول لأن الشرط لا يختص به الحكم، وفي القول بهذا خروج عن اللغة والعقل. ٧٥٩ - احتجوا بأنه لو وقف الحكم على الشرط، لما صح قيام الدلالة على ثبوت شرط آخر، يوجب ثبوت الحكم مع عدم الشرط الأول، ونحن نعلم أنه لو قال: إن دخل زيد الدار، فأعطه/٧٠ ب درهماً (وإن) دخل المسجد فأعطه درهماً، فلو دخل المسجد ولم

стр. 561

يدخل الدار استحق الدرهم. (وإن) كان الشرط في استحقاق الدرهم دخول الدار أولا. قيل: إنما لم يمنع الشرط من قيام الدلالة على شرط آخر لأن الشرط الأول (لا يتعرض) للشرط الثاني بنفي ولا إثبات، ألا ترى أن قوله: إن دخل زيد الدار، فأعطه درهماً (أنه جعل) (من) كمال (الشرط) في عطيته دخول الدار، وذلك لا يتعرض لقوله وإن دخل المسجد فأعطه درهماً. (فإن قيل: لا يتعرض قوله إن دخل الدار) فأعطه درهماً لقوله وإن لم يدخل. قلنا: بل قوله وإن لم يدخل إبطال للشرط ورجوع عنه (لأنه يستحق) الدرهم بكل حال ولو لم يدخل قط، بخلاف قوله وإن دخل المسجد لأنه قام مقام الشرط الأول شرط ثان لا يستحق (به) العطية إلا (بكل) واحد منهما فلا تكون العطية مستحقة مع عدم الشرط الأول بكل حال لأن العطية تقف عليهما

стр. 562

فإن قيل: إذا لم يناف الشرط الآخر، لم يدل على أن ما عدا الحكم بخلافه. قلنا: بل يدل (على) أن ما عداه بخلافه، مع كونه لم يذكر شرطاً آخر (لأنه لو أراد شرطاً آخر) لذكره، أو دل عليه، فلما سكت وأطلق دل (على أنه) علق الحكم بهذا الشرط خاصة فلم يثبت عدمه. ٧٦٠ - فصل: فأما قول الكرخي إن الشاهد الثاني شرط في الحكم، فإن أراد به أنه ذكر بلفظ الشرط، فمعلوم أنه ليس في الآية لفظ شرط، وإن أراد به أنه ذكر بلفظ الشرط (أن) الحكم لا يجوز مع فقده في حال ويجوز في حال، فهكذا نقول: إنه لا يحكم (بالشاهد) حتى تنضم إليه اليمين، وإن منع منه لأنه زيادةف ي النص، والزيادة في النص نسخ فلا نسلم أن الزيادة في النص نسخ (وسيأتي الكلام في ذلك). ٧٦١ - فصل: إذا علق الحكم بغاية وحد (منع)

стр. 563

ظاهرها من ثبوت الحكم بعدها لأن قوله : ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ يجري مجرى قوله: صوموا صياماً غايته ونهايته الليل، لأن إلى للغاية والحد، ولو قال ذلك لم يدخل الليل في الصوم لأنه لو دخل الليل في الصوم خرج الليل أن يكون آخر الصوم ونهايته بل (جاز) أن يكون الليل وسطاً للصوم. فإن قيل: أليس يجوز أن يدل دليل على أن الليل ليس بنهاية الصوم؟ (بل) يجب صوم جزء من الليل. قلنا: إذا دل دليل على ذلك صرفنا عن الظاهر وصارت الغاية مجازاً، كأنه أراد أن الغاية (مرتبة) من نهايته وغايته، وقد تصرف عن الظاهر بل عن الحقيقة بدليل. ٧٦٢ - فصل: فإن علق الحكم بعدد، دل على أن ما عداه بخلافه نص عليه أحمد في رواية محمد بن العباس وقد

стр. 564

سئل عن الرضاع فقال عن النبي ﷺ : "لا تحرم الرضعة ولا الرضعتان" فأرى الثالثة تحرم. وبه قال مالك وداود وبعض الشافعية. وقال أصحاب أبي حنيفة والمعتزلة والأشعرية وجل أصحاب الشافعي وابن داود: لا يدل على أن ما عداه بخلافه. ٧٦٣ - ولنا: ما روى يحيى بن سلام في تفسيره عن قتادة لما نزل قوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ

стр. 565

اللَّهُ لَهُمْ﴾. قال رسول الله ﷺ : "قد خيرني ربي فوالله لأزيدن على السبعين" فأنزل الله تعالى في سورة المنافقين ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾. فوجهه أن النبي ﷺ عقل أن ما بعد السبعين يخالف حكم (ما قبل) السبعين. فإن قيل: الكافر لا (يغفر) له من جهة السمع، بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ فغير جائز أن يخالفه الرسول، وبان (أن) الخبر غير صحيح. قلنا: الخبر ثابت مشهور (لم) يختلف في صحته، فأما استغفار النبي ﷺ (فكان) قبل تسميتهم كفارا، وقبل قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ /٧١ أومغفرة الله سبحانه لا يحيلها العقل فلهذا قال ذلك. فإن قيل: فإذا كان العفو جائزاً، والاستغفار جائزاً، فإن ما زاد على السبعين بحكم ذلك لا بدليل الخطاب.
следующие страницы →