Полный текст (1 668 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
وقيل البيان العام، هو إخراج الشيء من حيز الإشكال إلى حيز التجلي والوضوح.
وأما البيان الخاص، فهو في عرف الفقهاء كل كلام أو فعل دل على المراد بخطاب لا يستقل بنفسه في الدلالة على المراد، ويدخل في ذلك بيان العموم.
فإذا: البيان العام هو، الدلالة المطلقة، والخاص هو: الدلالة الشرعية بأدلة الشرع.
٧٩٩ - فصل: وقد ألحق بالمجمل ما ليس منه، من ذلك: التحليل والتحريم المتعلق بالأعيان كقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾، ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ﴾، قال أبو الحسن الكرخي وأبو عبد الله البصري: إن ذلك من المجمل فلا يصح التعلق بظاهره وهو اختيار شيخنا. ذكره في (العدة) في أصول الفقه، لأن التحريم معلق بنفس الأمهات والميتة وليس ذلك في
стр. 597
مقدورنا فلم يجز أن يحرم علينا: ووجب أن يكون المراد تحريم فعل من أفعالنا يتعلق بالأمهات، وليس ذلك الفعل مذكوراً في الآية، وليس فعل أولى من فعل فاحتجنا إلى بيان، ولأن الآية لو اقتضت تحريم فعل معين لكان المراد بتحريم الأعيان كلها ذلك الفعل بعينه ولا يختلف/٧٦ أبحسب اختلاف الأعيان، وليس التحريم في الأمهات يفيد الفعل الذي (يفيد) في تحريم الميتة.
والذي يقوى عندي أن ذلك ليس بمجمل، (بل) هو ظاهر من جهة العرف في تحريم الاستمتاع في الأمهات والأكل في الميتة، وهو قول الجبائي وابنه وعبد الجبار.
٨٠٠ - والدليل على ذلك أن السامع لقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾، يفهم منه تحريم الاستمتاع لأنه هو المقصود بالتحريم المضاف (إلى النساء)، وكذلك "حرمت عليكم الميتة" يفهم منه تحريم الأكل، لأن المقصود بتحريم الطعام تحريم أكله، وهذا عرف قائم يفهم به المراد، كالعرف في الدابة (أن) المراد به الخيل لا غير فوجب حمله عليه لأجل هذا الظاهر العرفي، ولم نقل إنها مجملة لا نعلم المراد بها.
стр. 598
٨٠١ - فصل: ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾، قال أصحاب أبي حنيفة: إنه مجمل، لأنه يحتمل مسح جميع الرأس ويحتمل (مسح) بعضه، يقال: مسحت يدي برأس اليتيم يحمل على البعض والكل، فإذا احتمل كل واحد منهما افتقر إلى بيان، فلما مسح النبي ﷺ بناصيته كان ذلك بياناً ووجب مسح الناصية. وعندنا أن هذه الآية غير مجملة، لأن الرأس في اللغة عبارة عن جملة الرأس لا (عن) بعضه، ولهذا لا تسمى الناصية رأساً، كما لا تسمى العين وجهاً، بل هو عضو في الوجه، والباء في اللغة للإلصاق فإذا دخلت على المسح وقرنته بالرأس وجب مسح جميع العضو (المسمى) رأساً حقيقة
стр. 599
فلا يعدل عنه وما روي عن الرسول ﷺ ففيه زيادة أنه مسح بناصيته وعمامته، ومسح العمامة بجزيء في إسقاط الفرض، ومسحه على الناصية استحباباً، وقد عبر عن الجميع بالناصية فقال خذ بناصيتي إلى (الخير، وعنده عدة نواص) من الخيل.
٨٠٢ - فصل: في قوله ﵇: "لا صلاة إلا بأم الكتاب" و"لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل" و"لا نكاح إلا بولي"، فأصحاب أبي حنيفة يقولون: ذلك من المجمل، لأن الفعل المنفي موجود فالنفي يرجع إلى حكم من أحكامه، وليس حكم بأولى من حكم (آخر) ويتناقض حمله على نفي الكمال ونفي الإجزاء، لأن في ضمن نفي الكمال إثبات الإجزاء، فيثبت أنه يحتاج إلى بيان المراد.
стр. 600
والصحيح أن هذه الأخبار غير مجملة، بل تدل بظاهرها على نفي صلاة شرعية، أو صيام أو نكاح شرعي، لأن حرف النفي من قول الرسول ﷺ إذا د
خل على ذلك لم يحمل إلا على معانيه الشرعية، فيقتضي ذلك نفي الصلاة الشرعية إذا لم يقرأ بفاتحة الكتاب، وكذلك في الصيام والنكاح، فصار ذلك شرطاً/٧٦ ب.
فإن قيل: قد تسمى الصلاة الفاسدة صلاة فينصرف إليها الخبر.
قلنا: لا تسمى صلاة حقيقة وإنما ذلك مجاز، بمعنى أنها على صورة الصلاة، وكلام الرسول ﵇ ينصرف إلى الحقيقة ما أمكن، وما ذكروه لا (يصلح لأنه) إنما ينصرف حرف النفي إلى الحكم إذا لم يمكن صرفه إلى ما أضيف إليه، وقد بينا أنه يصح صرف حرف النفي إلى ما أضيف إليه، وهو الصلاة الشرعية جميعها، والصيام والنكاح.
٨٠٣ - فصل: فأما قول الرسول ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات" فليس بمجمل لأن المعقول من ذلك نفي إجزاء
стр. 601
العمل، لأن صاحب الشريعة لا ينفي المشاهد، والعمل مشاهد بغير نية، وإنما ينفي الحكم الشرعي فكأنه قال: لا عمل شرعي مجزيء إلا بنية.
فإن قيل: العمل موجود بغير نية، فثبت أن النفي يتضمن إما نفي الكمال أو نفي الإجزاء، وليس أحد الحكمين أولى من الآخر، فاحتاج إلى البيان.
قلنا: نفيه يدل على عدمه وعدم إجزائه، فإذا بطل عدمه بقى "أنه نفي". إجزاءه.
فإن قيل: ما حمله على نفي الكمال؟
قلنا: ثبوته مجزئاً يدل على صحته وثبوته، وذلك يخالف نفيه، لأن من نفى الإجزاء، فقد نفى الكمال فكان حمله على الإجزاء "أحرى وأولى".
فإن قيل: قد ورد "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد" على نفي الكمال.
قلنا: ذلك لدليل.
٨٠٤ - فصل: قوله ﵇: "رفع عن أمتي
стр. 602
الخطأ والنسيان"، يقتضي نفي ما يجب بذلك الفعل لو كان عمداً.
فإن قيل: يحتمل أنه يريد نفي الإثم.
قلنا: الإثم داخل في ذلك، لأنه بعض الأحكام الواجبة بذلك الفعل لو كان عمداً، ولأن الإثم لا مزية لأمته (فيه) على سائر الأمم لأن الناسي غير مكلف.
٨٠٥ - فصل: قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (هذا) عام في كل سارق خلافاً لأصحاب
стр. 603
أبي حنيفة، أنه مجمل لأنه يحتمل سارق قليل وكثير، ومن حرز ومن غير حرز.
٨٠٦ - لنا: أن السارق في اللغة من أخذ الشيء في خفية، قال تعالى: ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ أراد إنكم أخذتم صاع الملك مستسرين بذلك فهو على عمومه إلا ما خصه الدليل.
فأما قوله تعالى: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ فقيل إنه مجمل، لأنه يحتمل اليد من المنكب، ومن المرفق، ومن الكوع، فاحتاج إلى بيان ولأن القطع عبارة عن الإبانة وعبارة اتصال القطع باليد، يقال بري القلم (فقطع) يده: إذا جرحها، وعندنا ليست مجملة لأن اليد عبارة عن جميع اليد إلى الإبط، ولهذا لما (نزلت آية) التيمم مسحت الصحابة إلى الآباط والمناكب، ولهذا إذا قال القائل/٧٧ أقطعت يد فلان جميعها، فهم منه قطعها من المنكب، وإنما قام الدليل على القطع من الكوع لأنه إن تناول جميع اليد حقيقة، (والكف حقيقة)، فيجب حمله أيضاً على أقل ما يقع عليه
стр. 604
الاسم، وهو الكف، ولأنه إذا أمر الإنسان بفعل ما يقع على أشياء، والعقل يحظر فعل ذلك وجب عليه فعل أقلها، والباقي يبقى على المنع ولهذا إذا قال: اضرب رجلاً، وجب عليه ضرب شخص يسمى رجلاً.
٨٠٧ - فصل: وأما قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ فقال شيخنا هو مجمل.
لأن الله تعالى حكى عنهم أنهم قالوا: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ فافتقر إلى ما يميز بين البيع والربا، وعندي أنه ليس بمجمل، وإنما هو على عمومه في كل ما يسمى بيعاً إلا ما خصه الدليل، وما احتج به، فعليه لأنهم فرقوا بين البيع والربا في الاسم وإنما قالوا هو مثله في المعنى. والله أعلم.
٨٠٨ - مسألة: لا يجوز أن يراد بالاسم الواحد معنيان مختلفان ، حقيقيان أو حقيقة، ومجاز كالنكاح المفيد للوطء حقيقة، وللعقد كناية ومجازاً، وإنما يراد به أحدهما.
стр. 605
فإذا كانا حقيقيين كان اللفظ مجملاً فيهما، وبه قال أبو هاشم وأبو الحسن الكرخي وأبو عبد الله البصري. وذهب الجبائي وعبد الجبار إلى جواز ذلك، وهو اختيار شيخنا.
وعن الشافعية كالقولين.
وقال أبو الحسين: لا يجوز ذلك في اللغة ويجوز في الإمكان أن يرادا.
٨٠٩ - لنا على أنه لا يجوز ذلك في اللغة (أن اسم الشخص يقع على الرجل وعلى المرأة حقيقة فلو قال رأيت شخصاً لا يجوز أن يعبر به عن رؤية رجل وامرأة).
(كذلك) وضعوا قولهم "حمار" للبهيمة المخصوصة وحدها (حقيقة)، وتجوزوا به في البليد وحده، ولم يستعملوه
стр. 606
فيهما معاً بدليل أن الإنسان لو قال: رأيت حماراً لم يفهم منه أنه رأى البهيمة والبليد معاً، ولو قال: رأيت حمارين لم يعقل منه أنه رأى أربعة أشخاص بهيمتين وبليدين.
وكذلك قولهم: قرء وضعوه للحيض وحده وللطهر وحده ولم يضعوه لهما لأنه (لو) وضع (لهما لفهم) من قوله: قرءان، أربعة، طهرين وحيضتين، ومن ثلاثة أقراء ستة، ولوجب أن يكون المستعمل (له) في أحدهما، متجوزاً لأنه لم يستعمل اللفظ على ما وضع له على التحقيق، والأمر بخلاف ذلك فصح أن المتكلم إذا قال: للمرأة (اعتدى) بقرء لا يكون مريداً منها أن تعتد بالطهر والحيض (معاً بل) أراد أحدهما. ويفارق هذا قوله: اضرب رجلاً لأنه يضرب أي رجل شاء لأن رجلاً لم يوضع لهذا وحده، وإنما اختص بمعنى الرجولية وهو معنى واحد شائع في أشخاص الرجال، كأنه قال: اضرب شخصاً ممن اختص بمعنى الرجولية فيعلم (منه) أنه أراد منه ضرب الرجال على (البدل) بخلاف اسم القرء لأنه ليس فيد في الطهر والحيض/٧٧ ب فائدة واحدة، فيحمل على أن المتكلم قصد تلك الفائدة، بل يفيد معنيين مختلفين فلم يحمل عليهما.
стр. 607
فإن قيل: أليس يجوز أن يقول الإنسان: رأيت رجلاً وإن كان قد رأى (رجلاً) بعينه، فكيف يقولون: إن رجلاً لا يختص بشخص بعينه؟
(قلنا: لا يفهم السامع منه رجلاً بعينه وإنما ساغ للمتكلم أن يقول ذلك إذا رأى رجلاً بعينه)، لأن اسم الرجل يختص بالمعنى الذي يتميز به الرجل من غيره وهو معنى الرجولية وزيادة، فصح أن يخبر الرجل عن الرجل ويترك الزيادة التي تدل على تعيين ذلك الرجل.
فإن قيل: فما يقولون: إذا قال لا تعتدي بقرء، أليس يحمل على الحيض والطهر؟
ولا يحمل على واحد منهما (معين).
قلنا: بل يحمل على واحد منهما، إما أن يكون أراد الحيض أو الطهر، لأنه لو أراد مجموعهما كان قد أراد ما لم يوضع له اللفظ، وإن أراد ما يسمى قراءً أو ما فيه معنى من معاني القرء، فلفظه ليس فيه ذلك، وإنما علق الحكم بالقرء ولم يقل ما يسمى قرءاً، ولا ما فيه معنى من معاني القرء.
стр. 608
فإن قيل: أليس لو قال (لها): اعتدى بما يسمى قرءاً ما جاز أن تعتد بالطهر، وجاز أن تعتد بالحيض، فقد أفادهما اللفظ.
قلنا: إنما جاز ذلك لأنهما اتفقا في فائدة وصفنا لهما بأنهما يسميان أقراء، فالفائدة غير مختلفة في التسمية، فصار كقوله: اضرب رجلاً في أنه أمر بضرب ما يختص بمعنى الرجولية، وليس كذلك قوله اعتدى بقرء لأن (معنى القرء) الطهر، والحيض مختلف، فكل واحد منهما يفيد في صفته غير ما يفيده الآخر، فلم يدخلا في لفظ واحد.
٨١٠ - دليل آخر: لو جاز استعمال الكلمة الواحدة في حقيقتها ومجازها، لكان قد أراد استعمالها فيما وضعت له، وأراد العدول بها عما وضعت له في حالة واحدة، وذلك يتنافى، كما يتنافى كون لفظة الأمر يراد بها الإيجاب والتهديد، واللفظة يراد بها الاقتصار على الشيء، والمجاوزة إلى غيره، وفيه ضعف، لأنهم (لا) يقولون: إنه يعدل باللفظة عما وضعت له إلى ما لم توضع له، وإنما استعمالها فيما وضعت له وفيما لم توضع له، بيانه: أنه يستعمل النكاح في الوطء والعقد معاً، وذلك لا يتنافى.
٨١١ - دليل آخر: أن يستعمل الكلمة في حقيقتها
стр. 609
لا يحتاج فيها إلى (إضمار) كاف التشبيه، ومستعملها في مجازها لابد أن يضمر كاف التشبيه، ومحال أن يضمر الشيء ولا يضمره، فيقول: رأيت أسداً، ويريد به البهيمة (ورجلاً) شجاعاً كالأسد.
٨١٢ - دليل آخر: لو جاز أن يراد باللفظ الواحد معنيان، لجاز أن يراد به إكرام الرجل وإهانته، ومدحه والاستخفاف به، فلما لم يجز كذلك في مسألتنا، فإن قيل: هناك (لا) يتضادان/٧٨ أولهذا لو صرح بهما في لفظين لم يجز، بخلاف مسألتنا.
قلنا: لا يتضادان ولهذا يجتمعان (بأن يقول: أعطه) ألفاً لأنه دلني على الطريق واصفعه مائة لأنه خاطر بي، "وعز فلاناً بوالده" وهنه بالولاية (بعده).
٨١٣ - احتج المخالف بأن سيبويه قال: قول القائل (لغيره): الويل لك خبر ودعاء، فجعله مفيداً للأمرين.
стр. 610
الجواب: أنه ليس فيه دليل على أنه يستعمل فيهما معاً، ولا يمتنع أنه يردي به أنه موضوع للخبر ويستعمل في الدعاء مجازاً في حالة أخرى.
٨١٤ - احتج بأن ابن عمر قال: قبلة الرجل من الملامسة (فتوضأوا منه).
وأجاز للجنس التيمم بقوله: ﴿أَوْ لامَسْتُمْ النِّسَاءَ﴾ فحمله عليهما معاً.
الجواب: أنه يحتمل أنه علم وجوب التيمم على الجنب بالسنة لا بالآية. (لأن أباه لم يفهم من الآية التيمم للجنب، بدليل قصة عمار ﵁.
٨١٥ - واحتج بأن قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ فقيل: الحيض والطهر، لأن للمرأة تقليد من يرى الحيض، وتقليد من يرى الطهر، وأيهما فعلت فقد أراده الله منها، وكذلك قد أراد من المجتهد ما يؤديه إليه اجتهاده منهما.
стр. 611
الجواب: أن من يقول: (الحق) في واحد، لا يسلم أن كل واحد منهما مراد، بل المراد أحدهما، وعلى المجتهد بذل وسعه واجتهاده، فإما يصيب أو يخطئ، ومن يقول: كل مجتهد مصيب يقول: يحتمل أن يكون ذلك منقولاً من اللغة إلى الشرع بدليل، فيكون الطهر والحيض في الشرع مرادين.
٨١٦ - واحتج بأن كل معنيين جاز (إيرادهما بلفظين، جاز إيرادهما) بلفظ يصلح لهما، كالمعنيين المتفقين.
الجواب: أن هذا قياس فاسد، لأن المتفقين بمعناهما واحد، وفائدتهما واحدة فلا يسميان معنيين. على أن اللفظين يجوز فيهما ما (لا) يجوز في اللفظ الواحد، ألا ترى أنه يجوز أن يتكلم بالأمر ويريد به الإيجاب؟ ويتكلم مرة أخرى ويريد به التهديد، ولا يجوز ذلك في اللفظة الواحدة، وكذلك يتكلم بالعموم ومراده الاستغراق، ويتكلم به ثانياً ومراده الخصوص ولا يجوز أن يريد بهما في حالة واحدة الاستغراق والخصوص.
٨١٧ - احتج بأن المنع من ذلك لا يخلو إما أن يكون لاستحالة اجتماعهما في الإرادة، أو لأن اللفظ (لا) يصلح لهما، لا يجوز أن يكون (الأول)، لأنه لا يستحيل أن يريد
стр. 612
بالملامسة (الوطء) وما دونه، ويريد بقوله: ثلاثة قروء الحيض والطهر، ولهذا يصح أن يصرح بذلك فيقول: إذا لامست باليد أو بالجماع فتطهر، واعتدى بثلاثة أقراء من الحيض أو الطهر، (ولا يجوز أن يكون لأن اللفظ لا يصلح لهما فالقرء يصلح للحيض والطهر) فلا وجه للمنع.
الجواب: أن المنع من ذلك لأن اللفظ الواحد لم يستعلمه أهل اللغة في معنيين مختلفين في حالة واحدة، ولهذا لم يعقل من قولهم: رأيت حماراً أنه رأى بهيمة وبليدا في حالة واحدة، فمدعى ذلك يحتاج (إلى) أنا ينقل عنهم أنهم استعملوا ذلك/٧٨ ب.
стр. 613
(باب الحقيقة والمجاز)
٨١٨ - باب نذكر فيه (بيان) الحقيقة والمجاز وحدهما ليعلما ونقدم حقيقة الكلام وهذا الباب يجب أن (يجعل) في أول الكتاب وقد ذكرناه هاهنا لأنه (مما) يفتقر (إلى) معرفة المجمل والمفسر.
٨١٩ - فصل: حقيقة الكلام: ما انتظم (من) حرفين فصاعداً، من الحروف المسموعة المتميزة.
وبهذا الحد ينفصل الكلام مما ليس بكلام، لأنه ينفصل من الإشارة لأنها لا (تنتظم)، ومن الحرف الواحد لأنه ليس بحرفين، ومن حروف الكتابة لأنها ليست مسموعة، ومن أصوات كثير من البهائم، لأنها ليست بحروف متميزة.
стр. 614
وقال بعضهم: حد الكلام ما كان مفيداً، ويلزمه على هذا أن تكون الإشارة (والفعل) كلامين.
وقال بعضهم: من شرط الكلام ما وقع عليه المواضعة.
وهذا فاسد من وجهين: أحدهما، أن أهل اللغة قسموا الكلام إلى: مهمل، ومستعمل، فجعلوا المهمل كلاماً وإن لم يوضع لشيء، والمستعمل ما وضع ليستعمل في المعاني، والآخر (أنه) يلزمه أن لا تكون الحروف المؤلفة كلاماً إذا لم يقع عليها الاصطلاح.
فإذا ثبت هذا، فالكلام المستعمل على (ضربين): أحدهما: يفيد صفة فيما استعمل (فيه)، كقولنا: أسود وطويل، والآخر: لا يفيد صفة (فيما) استعمل فيه.
وهو ضربان: أحدهما، فيه معنى الشمول كقولنا: شيء وضع لكل ما يصح أن يعلم.
والثاني: ليس (فيه) معنى الشمول، كأسماء الأعلام كزيد وعمرو، فإن من سمى ابنه زيداً، لا يجب أن يشارك بينه وبين
стр. 615
غيره في الاسم، فأما اللقب فإنه يجري مجرى الإشارة، لأنه يفيد صفة مخصوصة، ألا ترى أن صفات الملقب تنقص وتزيد فلا يتغير اسمه؟ ويجوز أن يتغير لقبه فيقال: أعرج وأعمى وما أشبه ذلك. فصار الكلام المستعمل على ضربين: أحدهما لقب والآخر ليس بلقب، فاللقب لا تدخله الحقيقة والمجاز، وما ليس بلقب يدخله الحقيقة والمجاز.
٨٢٠ - فصل: حد أبو الحسين الحقيقة (بأنها): "ما أفيد بها ما وضعت له في أصل الاصطلاح (الذي وقع التخاطب فيه) وقد دخلت فيه الحقيقة اللغوية والعرفية والشرعية.
والمجاز: ما أفيد به معنى مصطلحاً عليه غير ما اصطلح عليه في أصل تلك المواضعة.
وحدها أبو عبد الله البصري وعبد الجبار بأن الحقيقة: ما أفيد بها ما وضعت له.
стр. 616
والمجاز: ما أفيد به غير ما وضع له.
وهو أقوى من الأول لأن الأول عنده إذا قال الواضع: سموا هذا حائطاً أو قال قد سميت هذا حائطاً لا يكون قوله في تلك الحال حقيقة ولا مجازاً لأنه/٧٩ ألم يتقدم (ذلك) مواضعة واصطلاح، وهذا خطأ لأن الكلام إذا خلا عن حقيقة ومجاز كان مهملاً، وهذا كلام مفهوم غير مهمل.
فإن قيل: فحدكم يلزم عليه أن يكون من استعمل (اسم) السماء (في الأرض قد) تجوز به لأنه (قد) أفاد به غير ما وضع له.
قلنا: كذا نقول، ومن سلم قال: الأرض (لا) تعقل من اسم السماء، والأسد في الشجاع يفهم إذا علمنا أنه لم يرد باللفظ الحقيقة، ولهذا لو أطلق قوله أسد جوز السامع أن يكون قد استعمله في (الشجاع)، ولا يجوز (إذا) أطلق السماء أن يكون قد استعملها في الأرض.
стр. 617
٨٢١ - فصل: اختلفوا في الاسم المشترك بين شيئين هل هو حقيقة فيهما مثل قولنا: قرء، هل هو حقيقة في الحيض، وحقيقة في الطهر؟
فقال أكثر الناس: هو حقيقة فيهما، ومنع الأقل من ذلك.
وذكروا (أن الغرض من المواضعة) تمييز المعاني (بالأسماء) ليقع بها الإفهام، فلو وضعوا لفظة واحدة لشيء ولخلافه على البدل لم يفهم بها أحدهما، وفي ذلك نقض الغرض بالمواضعة، وهذا غلط، لأنه لا يمتنع أن تضع قبيلة سام القرء للحيض، وتضعه أخرى للطهر ويشيع ذلك، ويخفى (أن الاسم موضوع لهما من قبيلتين، ويفهم من إطلاقه الحيض والطهر على البدل لما شاع) وثبت.
جواب آخر: أن المواضعة تابعة للأغراض، وغير ممتنع أن يكون للإنسان غرض في تعريف غيره شيئاً مفصلاً تارة، ومجملاً (تارة)، (نحو أن يرى سوادا). (فيقول): يا عمر
стр. 618
أرى سوادا، أو يقول يا عمر أرى لونا، ولأن أهل اللغة قالوا قولنا (شفق وقرء من) أسماء الأضداد، وهو اسم مشترك.
٨٢٢ - فصل: الأسماء المنقولة من اللغة إلى الشرع حقيقة في مسمياتها، مثل الصلاة والصيام والزكاة والحج، فيكون حد الاسم الشرعي: ما استفيد بالشرع وضعه للمعنى، سواء عرفه أهل اللغة أو لم يعرفوه، فإذا أطلق (الشرع) الأمر بالصلاة أو الزكاة أو الصوم أو الحج حمل على الشرعية، وبه قال عامة المعتزلة وأصحاب أبي حنيفة.
وقالت الأشعرية: لم ينقل شيء من الأسماء من اللغة إلى الشرع، ولا يجوز ذلك بل الاسم باق على ما كان (عليه) في
стр. 619
اللغة، وضم الشرع إليه أفعالاً، فالصلاة اسم الدعاء وضم الشرع إليها ركوعاً وسجوداً وقياماً وجلوساً وذكراً، وكذلك الصيام عبارة عن الإمساك وضم الشرع إليه النية.
وعن الشافعية كالمذهبين.
والكلام في فصلين: أحدهما (في) جواز نقل ذلك (وحسنه).
(والثاني في) أنه قد نقل.
٨٢٣ - أما الأول فالدليل عليه (أنا نقول: الاسم قد يكون اسماً لمعنى) غير واجب له وإنما هو تابع للاختيار، بدليل انتفاء الاسم عن المعنى قبل المواضعة، وأنه كان يجوز أن يسمى المعنى بغير ما سمي به، نحو أن (يسمى السواد بياضاً) /٧٩ ب إلى غير ذلك، وإذا ثبت ذلك، جاز أن يختار مختار سلب الاسم عن معناه (ونقله) إلى غيره لأنه تابع للاخيتار.
стр. 620
فإن قيل: لو جاز ذلك لكان فيه قلب الحقائق وذلك مستحيل.
قلنا: إنما يستحيل ذلك، لو استحال انفكاك الاسم عن المعنى، (وقد بينا أن المعنى يجوز) أن ينفك عن الاسم، والاسم ينفك عن المعنى.
والدليل على حسنه: أنه لا يمتنع أن يكون في (هذا) النقل مصلحة، كما لا يمتنع أن يكون في تكليف العبادة مصلحة، والمصلحة وجه حسن.
٨٢٤ - دليل آخر: أن الشريعة قد جاءت بعبادات لم تكن معروفة في اللغة، فلم يكن بد من (وضع اسم) لها لتتميز به (عن) غيرها، كما وضع أهل الصنائع لكل ما استحدثوا من الأدوات أسماء تعرف بها عند الحاجة إلى ذكرها، وكذلك إذا ولد للإنسان مولود سماه ليميزه (عن) غيره.
فإن قيل: نقل الاسم (عن) معناه إلى معنى آخر يقتضي تغيير الأحكام المتعلقة به، لأنه إذا أمر بالصلاة وهي الدعاء ثم نقلها إلى هذه الأفعال تغير الحكم وهذا قبيح.
стр. 621
قلنا: هذا لا يقبح كما لا يقبح النسخ، على أنه لو سلم فهذا في الاسم الذي تعلق به فرض، فلم منعت في الاسم الذي لم يتعلق به فرض؟ على أن فرض الدعاء لا يسقط (بأن) ينقل الله اسم الصلاة إلى هذه الأفعال والأقوال، ولو وجب سقوطه بذلك لأمكن أن يدلنا الله تعالى على أنه لا يسقط بأن يقول: ما كانت (أوجبته بالدعاء) فوجوبه باق عليكم.
٨٢٥ - فأما الدليل على أن الشرع (قد) نقل بعض الأسماء، وهو الفصل الثاني أنا نقول: "صلاة" لم يكن مستعملاً في اللغة لمجموع هذه الأفعال الشرعية لأن أهل اللغة لم يعرفوا هذه الصلاة ولا شروطها، ثم صار اسماً لمجموعها حتى لا يعقل من إطلاقه سواه.
فإن قيل: الصلاة في اللغة عبارة عن الاتباع، ولهذا يسمون الفرس مصليا إذا تبع الأول، وكذلك الطائر، فإذا تبع المأموم الإمام قيل هو مصل على ما وضع في اللغة. قلنا: فيجب أن لا تسمى صلاة (الإمام والمنفرد) صلاة، وأن من أطلق المصلى في الشرع لا يعقل منه إلا المتبع ومعلوم أن هذا لا يخطر ببال السامع والمتكلم، (وإنما) يعبر به عمن أتى بهذه الأفعال.
стр. 622
فإن قيل: إنما سميت بذلك للدعاء الذي فيها.
قلنا: إن عنيتم أن الصلاة تقع على جملة هذه الأفعال لأن فيها دعاء فقد سلمتم ما نريده من إفادة الاسم لما لم يكن يفيده في اللغة، ولا يضرنا أن تعللوا وقوع الاسم على هذه الأفعال بما ذكرتموه.
وإن أردتم أن اسم الصلاة واقع على الدعاء من جملة هذه الأفعال، فذلك باطل، لأن المفهوم من قولنا: صلاة جملة الأفعال ولهذا نقول: فلان في الصلاة إذا كان في هذه الأفعال وإن لم يكن في الدعاء، وقد خرج من الصلاة إذا فرغ من أفعالها/٨٠ أوإن كان متشاغلاً بالدعاء.
(جواب آخر: أنه يجب أن لا تسمى صلاة الأخرس صلاة، لأنه لا دعاء فيها وكذلك الأمي، ولم يقل ذلك أحد).
جواب آخر: أنه يجب إذا أتى بالدعاء وأخل بالقراءة والركوع والسجود أن تقولوا إنه قد صلى. وقد أتى بالصلاة ولم يقل ذلك أحد.
٨٢٦ - دليل آخر: أن قولنا: صوم (كان) يفيد في اللغة الإمساك ليلاً ونهاراً، وهو يفيد في الشريعة إمساكاً مخصوصاً.
وقولنا: زكاة يفيد في اللغة (النماء) تقول العرب إذا كثرت
стр. 623
المؤتفكات: زكا الزرع، أي (إذا) كثرت الرياح، زاد (الزرع)، ثم جعل في الشرع اسماً لإخراج جزء من المال طهرة، وذلك في الحقيقة نقصان (وليس بزيادة).
وكذلك الحج القصد. ولو نوى الإحرام وهو (واقف) بعرفة صار حاجاً ولم يقصد فدل على أن الاسم منقول.
٨٢٧ - دليل آخر: أن الشرع سمى إسلاماً وإيماناً لمعاني مخصوصة وكذلك سمى من رد على النبي ﷺ كافراً، ومن شرب الخمر وزنى فاسقاً، وهذا مما لم يضعه أهل اللغة ولا عرفوه، ولذلك جاء جبريل ﵇ إلى النبي ﷺ في صورة رجل فقال: "يا محمد ما الإسلام"؟
قال: شهادة أن لا إله إلا الله، وذكره. فقال: ما الإيمان؟ قال أن تؤمن بالله وملائكته، وذكره. فقال ﷺ : "هذا جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم." فلولا أن الاسم شرعي ما احتاج إلى بيانه لأن العرب تعرفه.
стр. 624
فإن قيل: إلا أن صاحب الشريعة بعث ليعلمنا الأحكام لا الأسماء.
قلنا: إلا أنه إذا وضع حكماً لابد أن يضع له اسماً يعرفنا إياه، ليميزه عن غيره، فصار ذلك عائداً إلى الأحكام.
٨٢٨ - احتج بأن قال: الله سبحانه خاطب نبيه بلسان العرب، وكذلك خطاب الرسول لهم بلسانهم قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَاّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ فيجب أن يكون الاسم ما سموه.
الجواب: أن الشرع إذا وضع أسماء لمعان فإن ذلك لسان العرب ولغتهم، لأنه مؤيد بالفصاحة العربية والحكمة الإلهية، ولا فرق بين أن يضع لها اسماً مبتدأ لم تعرفه العرب، وبين أن ينقل إليها اسماً من أسماء اللغة يستعمل في معنى له شبه بالمعنى الشرعي، ولا يكون بذلك تاركاً للغة العرب.
٨٢٩ - احتج بأنه لو كان في الأسماء منقول، لبينه الرسول ﷺ ، ولو بينه لعلمناه كما علمتموه.
(الجواب: أنه قد) بينه بياناً عاماً ظاهراً، لأنه سمى هذه الأفعال صلاة في أي موضع ذكرها، وكذلك الحج والصوم والزكاة، حتى إذا أطلقت لم يفهم السامع غيرها.
جواب آخر: أنه ليس من شرط الاسم الموضوع أن يعلمه
стр. 625
كل أحد بدليل أسماء الآلات (التي للصناع)، وغير ذلك، ولهذا قال ﷺ : "خذوا عني مناسككم" فبين، ثم اختلفوا في إحرامه هل كان قارناً أو مفرداً؟ وفي أفعاله.
٨٣٠ - احتج بما هو عمدة لهم قال: لو كان قولنا: صلاة قد نقل إلى معنى شرعي، لكان ذلك معلوماً محصلاً، وليس الأمر كذلك.
فإن قلتم: إنه معلوم لأنه عبارة عن القراءة والركوع والسجود/٨٠ ب فيجب أن تكون صلاة الأخرس ليست بصلاة ل، هـ لا قراءة فيها، وصلاة الجنازة والمريض الموميء لا ركوع فيها ولا سجود فإذا لم يكن محصلاً، علم أن الاسم ما انتقل.
الجواب: أنه إذا كان يفيد ما أفاد به في اللغة (من الدعاء) لم تسم صلاة (الأخرس) صلاة، ولا صلاة الأمي لأنه لا دعاء فيها.
جواب آخر: أن قولنا صلاة، نقل إلى معان مختلفة وليس ذلك يمتنع، كما لا يمتنع كون الاسم اللغوي مشتركاً بين أشياء مختلفة كالعين واللون، وإنما وضع له قولنا صلاة بالإضافة إما إلى الوقت
стр. 626
كقولنا:" صلاة عيد وصلاة جمعة (وصلاة ظهر) وما (أشبه ذلك) أو بإضافتها إلى المصلى وأحواله كقولنا: صلاة مقيم، (وصلاة مسافر)، وصلاة خائف، (وصلاة آمن)، وصلاة موميء، أو أخرس، وما (أشبه ذلك).
٨٣١ - احتج بأنه لو كان لصاحب الشريعة (النقل) لكان إذا خاطبنا بكلام أو علق حكماً على سام أن نتوقف فيه، لجواز أن يكون (قد) نقل ذلك الاسم من اللغة إلى الشرع.
الجواب: أنا لا نتوقف، بل نحمله على (مقتضى) اللغة، إلا أن يعلمنا أنه قد نقله إلى معنى شرعي، ألا ترى أن الاسم اللغوي له حقيقة ومجاز؟ فإذا ورد مطلقاً لم نتوقف (وإنما نحمله) على الحقيقة، إلا أن يبين لنا أن المراد به المجاز وكذلك العموم نحمله على الاستغراق، إلا أن يبين لنا التخصيص.
стр. 627
٨٣٢ - فصل: الأسماء العرفية، ما انتفل (عن) بابه (بغلبة) عرف الاستعمال عليه، لا من جهة الشرع، فيصير حقيقة فيما انتقل إليه من العرف كالغائط اسم للمطمئن من الأرض في اللغة، وهو في العرف (اسم) للنجو الخارج من الإنسان، والراوية اسم للجمل في اللغة (وهو في) العرف اسم للمزادة، والدابة اسم لما دب وهو في العرف اسم للفرس، فإذا أطلق ذلك انصرف إلى الاسم العرفي.
٨٣٣ - وإنما حسن ذلك لأن في انتقاله غرضاً صحيحاً لأن الطباع (قد) تنفر عن بعض المعاني وتتجافى الناس التصريح بها، فيكنون عنه باسم ما اتصل به وقاربه في معناه، كالجماع كنى عنه باسم الملامسة. قال ابن عمر: إن الله تعالى: حيي كريم كنى عن القبيح بالحسن (الجميل)، فكنى عن الوطء
стр. 628
(بالملامسة)، والحاجة كنى عنها باسم المكان المطمئن من الأرض، وما تحصل فيه الغرض الصحيح فهو حسن، وقد بينا إمكان نقله بالشرع، كذلك نقله بالعرف.
وكيفية انتقاله بالعرف أن تنقله طائفة من الطوائف، (لأنه يبعد أن) يتواطأ عليه (جميع) أهل اللغة مع كثرتهم، فإذا نقلته طائفة استفاضي فيها وتعدى إلى غيرها، (فيشيع على) طول الزمان (في الكل)، ثم (يفشو) القرن الثاني فلا يعرفون من إطلاق ذلك الاسم إلا ذلك المعنى الذي نقل إليه/٨١ أ. فأما إن تردد في فهم السامع عند إطلاق (الاسم) المعنى العرفي والمعنى اللغوي معاً كان الاسم مشتركاً فيهما على سبيل الحقيقة كالقرء والشفق.
٨٣٤ - إذا ورد ماله حقيقة في اللغة وحقيقة في الشرع كقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ قال شيخنا: (هي) مجملة وهو قول بعض الشافعية ويقوى عند أن
стр. 629
تقدم الحقيقة الشرعية، لأن الآية غير مجملة، (بل تحمل) على الصلاة الشرعية لأنه قد ثبت بما تقدم أن اسم الصلاة والزكاة (والحج) والصوم والوضوء، منقول من اللغة إلى الشرع، وأنه في الشرع حقيقة لهذه الأفعال المخصوصة، فإذا أمرنا الشرع (فظاهره) يقتضي أنه أراد (الحكم) الذي وضع له الاسم، لأنه ﷺ بعث لبيان ذلك، لا لبيان غيره من الأسماء، ولأن الشرع (طاريء)، فصار كالناسخ مع المنسوخ للاسم، والخاص بعد العام.
قالوا: (اللفظ له) حقيقة في اللغة، وحقيقة في الشرع، فإذا ورد (ما يتناول حقيقتين) مطلقاً لم يعلم ما أراد، فصار كالقرء والشفق.
الجواب: أنا قد بينا أن الشرع إذا وضع اسما لحكم ثم أمر بذلك الاسم فالظاهر أنه أمر بذلك الحكم لا غير، بخلاف القرء والشفق فإنهما حقيقيان في اللغة فلم يكن لأحدهما مزية على الآخر، والشرع واللغة إذا اجتمعا قدم الشرع (لقوته) في الحكم ولأنه حادث على اللغة.
стр. 630
فإن قيل: فلم لا تحمل الآية على العموم؟
قلنا: لأن العموم ما يتناول شيئين فصاعداً لا مزية لأحدهما على الآخر، وهاهنا الشرع أظهر من اللغة على ما بينا ولأنه (لا) أحد قال نحمله على هذه الأفعال (وعلى الدعاء) معاً. والله أعلم.
٨٣٥ - فصل: ذهب أكثر الناس إلى أن في اللغة مجازاً، ومنع قوم من ذلك.
ولا يخلو منعهم أن يقولوا: إن أهل اللغة (لم يستعملوا) اسم الحمار في البليد، واسم الأسد في الشجاع، وما (أشبه ذلك) من الأسماء التي نقول إنها مجاز، فهذه مكابرة لا يكلم مرتكبها، أو يقولوا: إن أهل اللغة وضعوا اسم الحمار للبليد، واسم الأسد للشجاع، كما وضعوه للبهيمة فهذا باطل لأنا نعلم أن السابق إلى فهم من سمع قائلاً يقول: مر بي حمار، أن المار بهيمة ورأيت
стр. 631
أسداً. أنه بهيمة، فلو كان وضعهما سواء لما سبق إلى الفهم (أحدهما)، (ولهذا لو) قلت: هذا أسد للرجل. قيل لك بل هو رجل فتحتاج أن تقول هو كالأسد في القوة والإقدام، فصار تسميته بالأسد تشبيها، فدل على أنه مجاز.
فإن قيل: فإذا كانت الحقائق تعم المسميات (فلماذا) تجوز بالأسماء (في) غير ما وضعت له؟
قلنا: لأن في المجاز من المبالغة ما ليس في الحقيقة، ولهذا إذا وصفنا البليد بأنه حمار كان أبلغ في إبانة بلادته من قولنا بليد.
وقد يحصل الكلام مجازاً بضرب من الحذف طلباً/٨١ ب للتخفيف.
فإن قيل: أهل اللغة لم يسموا البليد حماراً مجازاً، بل هو مع قرينته حقيقة.
قلنا: كتب (أهل) اللغة مملوءة بالمجاز والحقيقة فأما قولهم: هو مع قرينته حقيقة غلط لأنه لو كان حقيقة لم يحتج إلى قرينة. كأسماء الحقائق المستعملة في المعاني لا تحتاج إلى قرينة.
٨٣٦ - فصل: نص أحمد ﵀ على أن في القرآن
стр. 632
مجازاً فيما خرجه من متشابه القرآن وبه قال عامة العلماء، وقالت طائفة من أهل الظاهر لا مجاز فيه، وقد ذهب إليه بعض أصحابنا.
٨٣٧ - لنا أن الله تعالى أنزل القرآن بلغة العرب، وفي لغتهم الحقيقة والمجاز على ما بيناه، فيجب أن يكون في القرآن كذلك.
٨٣٨ - دليل آخر: أنه قد نزل القرآن بالمجاز فقال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ﴾ وأراد (أهل القرية) فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، وكذلك قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ﴾، وعيسى ليس بقول (الحق) وإنما هو صاحب قول الحق، وقال: ﴿جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ﴾ ولا إرادة للجدار، (وإنما الإرادة لله تعالى).
стр. 633
٨٣٩ - دليل آخر: أن المجاز ما أفيد به غير ما وضع له، وذلك يحصل إما بزيادة أو نقصان أو استعارة أو تقديم أو تأخير، وقد وجد جميع ذلك في القرآن.
فالزيادة كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (والمراد ليس) مثله شيء.
والنقصان كقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ﴾ والمراد (به) أهل القرية، (وقوله): ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمْ الْعِجْلَ﴾ أي حب الجعل. والاستعارة كقوله تعالى: ﴿جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾ (أراد بالصلوات) المساجد.
والتقديم والتأخير كقوله تعالى: ﴿أَخْرَجَ الْمَرْعَى (٤) فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾ والمراد أخرج المرعى أحوى فجعله غثاء.
стр. 634
فإن قيل: جميع ذلك ليس بمجاز وإنما هو زيادة في الكلام وحذف منه، فأما سؤال القرية والعير فيجوز أن تنطق الجمادات للأنبياء.
قلنا: إلا أن الزيادة والنقصان لم توضعا في حقيقة اللغة، ولهذا (قد) صنف أهل اللغة كتباً وسموا ذلك وأشباهه مجازاً، فإن امتنعتم من الاسم مع الموافقة في المعنى فلا ضير لأنه منازعة في عبارة، والقرية المراد بها أهلها قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَاباً شَدِيداً وَعَذَّبْنَاهَا عَذَاباً نُكْراً﴾ إلى قوله: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً﴾ (والقرية لا) تحاسب ولا تعذب، ثم قد بين أنه أراد أهلها لأنه قال: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ﴾ ولم يقل لها.
٨٤٠ - احتج الخصم بأن قال: المجاز لا ينبيء عن معناه بنفسه، فورود القرآن به يقتضي الإلباس، والقرآن نزل بياناً.
الجواب: أنه لا إلباس (مع) القرينة الدالة على المراد.
جواب آخر: أن في القرآن ما ليس بمبين قال تعالى: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾
стр. 635
وقوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ فلو كان كله على لفظ الحقيقة لم يحتج إلى بيان.
٨٤١ - احتج بأن العدول (عن الحقيقة) إلى المجاز يقتضي العجز عن الحقيقة، وذلك/ ٨٢ أمستحيل في صفة الله سبحانه.
الجواب: أنه إنما يفتضى العجز لو لم يحسن العدول إلى المجاز مع التمكن من الحقيقة، لأن فيه زيادة فصاحة واختصار ومبالغة في التشبيه، ولو لم يكن فيه هذه المعاني، لجاز أن يكون فيه مصلحة لا نعلمها.
جواب آخر: أنا قد بينا أن المراد أن يأتي بالقرآن على لغة العرب ومذاهبهم ليبين عجزهم عن الإتيان بمثله وهو على طريقتهم ولهذا (كرر): ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ و ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ وما أشبه ذلك كما تفعل العرب في كلامها (لا للحاجة) (عن) ذلك - ولأنه لو جاز أن يقال: كلامه بالمجاز للحاجة، (يفسر) كلامه بالحقيقة للحاجة.
следующие страницы →