Полный текст (1 668 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
أسداً. أنه بهيمة، فلو كان وضعهما سواء لما سبق إلى الفهم (أحدهما)، (ولهذا لو) قلت: هذا أسد للرجل. قيل لك بل هو رجل فتحتاج أن تقول هو كالأسد في القوة والإقدام، فصار تسميته بالأسد تشبيها، فدل على أنه مجاز.
فإن قيل: فإذا كانت الحقائق تعم المسميات (فلماذا) تجوز بالأسماء (في) غير ما وضعت له؟
قلنا: لأن في المجاز من المبالغة ما ليس في الحقيقة، ولهذا إذا وصفنا البليد بأنه حمار كان أبلغ في إبانة بلادته من قولنا بليد.
وقد يحصل الكلام مجازاً بضرب من الحذف طلباً/٨١ ب للتخفيف.
فإن قيل: أهل اللغة لم يسموا البليد حماراً مجازاً، بل هو مع قرينته حقيقة.
قلنا: كتب (أهل) اللغة مملوءة بالمجاز والحقيقة فأما قولهم: هو مع قرينته حقيقة غلط لأنه لو كان حقيقة لم يحتج إلى قرينة. كأسماء الحقائق المستعملة في المعاني لا تحتاج إلى قرينة.
٨٣٦ - فصل: نص أحمد ﵀ على أن في القرآن
стр. 632
مجازاً فيما خرجه من متشابه القرآن وبه قال عامة العلماء، وقالت طائفة من أهل الظاهر لا مجاز فيه، وقد ذهب إليه بعض أصحابنا.
٨٣٧ - لنا أن الله تعالى أنزل القرآن بلغة العرب، وفي لغتهم الحقيقة والمجاز على ما بيناه، فيجب أن يكون في القرآن كذلك.
٨٣٨ - دليل آخر: أنه قد نزل القرآن بالمجاز فقال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ﴾ وأراد (أهل القرية) فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، وكذلك قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ﴾، وعيسى ليس بقول (الحق) وإنما هو صاحب قول الحق، وقال: ﴿جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ﴾ ولا إرادة للجدار، (وإنما الإرادة لله تعالى).
стр. 633
٨٣٩ - دليل آخر: أن المجاز ما أفيد به غير ما وضع له، وذلك يحصل إما بزيادة أو نقصان أو استعارة أو تقديم أو تأخير، وقد وجد جميع ذلك في القرآن.
فالزيادة كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (والمراد ليس) مثله شيء.
والنقصان كقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ﴾ والمراد (به) أهل القرية، (وقوله): ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمْ الْعِجْلَ﴾ أي حب الجعل. والاستعارة كقوله تعالى: ﴿جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾ (أراد بالصلوات) المساجد.
والتقديم والتأخير كقوله تعالى: ﴿أَخْرَجَ الْمَرْعَى (٤) فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾ والمراد أخرج المرعى أحوى فجعله غثاء.
стр. 634
فإن قيل: جميع ذلك ليس بمجاز وإنما هو زيادة في الكلام وحذف منه، فأما سؤال القرية والعير فيجوز أن تنطق الجمادات للأنبياء.
قلنا: إلا أن الزيادة والنقصان لم توضعا في حقيقة اللغة، ولهذا (قد) صنف أهل اللغة كتباً وسموا ذلك وأشباهه مجازاً، فإن امتنعتم من الاسم مع الموافقة في المعنى فلا ضير لأنه منازعة في عبارة، والقرية المراد بها أهلها قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَاباً شَدِيداً وَعَذَّبْنَاهَا عَذَاباً نُكْراً﴾ إلى قوله: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً﴾ (والقرية لا) تحاسب ولا تعذب، ثم قد بين أنه أراد أهلها لأنه قال: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ﴾ ولم يقل لها.
٨٤٠ - احتج الخصم بأن قال: المجاز لا ينبيء عن معناه بنفسه، فورود القرآن به يقتضي الإلباس، والقرآن نزل بياناً.
الجواب: أنه لا إلباس (مع) القرينة الدالة على المراد.
جواب آخر: أن في القرآن ما ليس بمبين قال تعالى: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾
стр. 635
وقوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ فلو كان كله على لفظ الحقيقة لم يحتج إلى بيان.
٨٤١ - احتج بأن العدول (عن الحقيقة) إلى المجاز يقتضي العجز عن الحقيقة، وذلك/ ٨٢ أمستحيل في صفة الله سبحانه.
الجواب: أنه إنما يفتضى العجز لو لم يحسن العدول إلى المجاز مع التمكن من الحقيقة، لأن فيه زيادة فصاحة واختصار ومبالغة في التشبيه، ولو لم يكن فيه هذه المعاني، لجاز أن يكون فيه مصلحة لا نعلمها.
جواب آخر: أنا قد بينا أن المراد أن يأتي بالقرآن على لغة العرب ومذاهبهم ليبين عجزهم عن الإتيان بمثله وهو على طريقتهم ولهذا (كرر): ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ و ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ وما أشبه ذلك كما تفعل العرب في كلامها (لا للحاجة) (عن) ذلك - ولأنه لو جاز أن يقال: كلامه بالمجاز للحاجة، (يفسر) كلامه بالحقيقة للحاجة.
стр. 636
فإن قيل: كلامه بالحقيقة لحاجة عباده إلى ذلك.
قلنا: وكذلك كلامه بالمجاز لحاجتهم أيضاً.
٨٤٢ - احتج بأنه لو كان فيه مجاز واستعارة لسمى تعالى متجوزاً ومستعيراً في (كتابه).
الجواب عنه: أن إطلاق وصفه بالتجوز يوهم (التسمي) بالقبيح ولهذا (إذا قيل فلان) متجوز في أفعاله (فهم منه أنه يتسمى بالقبيح، وإطلاق وصفه بالاستعارة يوهم أنه استأذن غيره في ملكه لينتفع به وذلك) مستحيل على الله تعالى بخلاف التكلم بالمجاز فإن فصاحة وتوسع في اللغة وتحسين اللفظ. ولأن (أسماء الله) تعالى لا تثبت بالقياس والرأي، وإنما تثبت توقفاً فلو ورد الشرع بتسميته بذلك لجوزناه.
٨٤٣ - احتج بأن القرآن جميعه حق، فلا يجوز أن يكون (حقاً) ولا يكون حقيقة.
الجواب: لم يقال كان كذلك ونحن نعلم أن الحق هو الصدق، فأما الحقيقة فهي المستعملة فيما وضعت له سواء كان
стр. 637
ذلك صدقاً أو كذبا، ألا ترى (أن) قوله تعالى: ﴿وَقَالَتْ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ ليس بحق وهو حقيقة فيما وضعوه وأرادوه، وكذلك قول اليهود: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ ليس بحق وهو حقيقة من قولهم ووضعهم، وكذلك قول الرسول ﷺ : "يا أنجشة رفقاً بالقوارير" وأراد النساء، ليس بحقيقة وإنما هو استعارة، ثم هو حق فيما أراد النبي ﷺ .
٨٤٤ - فصل: ما (يفرق) به يبين الحقيقة والمجاز يكون بنص (من) أهل اللغة أو بضرب من الاستدلال فأما نصهم (فأن يقولوا) هذا حقيقة (وهذا مجاز، أو يقولوا إذا أريد بهذه اللفظة كذا فهو حقيقة وإذا أريد بها كذا فهو مجاز، أو يحددوا الحقيقة بحد، والمجاز بحد).
وأما الاستدلال: فإن يكونوا إذا أرادوا معنى من المعاني اقتصروا على لفظة مخصوصة، وإن أرادوا بها معنى آخر لم يقتصروا على تلك
стр. 638
اللفظة، فعلم أن المعنى الذي اقتصروا عليه هو الحقيقة. (أو) يسبق إلى فهم السامع عند وجود اللفظة من غير قرينة معنى من المعاني فيكون ذلك حقيقتها، أو يستعمل أهل اللغة لفظة في شيء، ولا يدل دليل (آخر) على كونها مجازاً، فيعلم أنها حقيقة ويطرد الاسم في المعنى على الحد الذي استعمل فيه من غير منع شرعي فيكون حقيقة، ومتى لم يطرد كان مجازاً /٨٢ ب كتسميتهم الرجل الطويل "نخلة" هو مجاز لأنه لا يطرد، ولهذا لا يسمى كل طويل من رمح أو شجرة وغير ذلك نخلة.
٨٤٥ - فصل: في أحكام الحقيقة والمجاز. فمن ذلك أنه لا يجوز أن تكون اللفظة مجازاً في شيء، ولا تكون حقيقة في غيره. ويجوز أن تكون حقيقة في شيء ولا تكون مجازاً في غيره، وإنما كان كذلك لأن المجاز ما تجوز به عن موضوعه، وهذا تصريح أنه قد (وضع) لشيء حقيقة ثم تجوز (به) إلى غيره، فأما الحقيقة فما أفيد بها ما وضعت له. (وليس) إذا استعملت فيما وضعت له توجب أن يتجوز بها إلى ما لم توضع له.
стр. 639
٨٤٦ - فصل ومن ذلك أن يحمل اللفظ على حقيقته إذا تجرد ولا يحمل على مجازه إلا بدليل، لأن واضع الكلام للمعنى إنما وضعه ليكتفي به في الدلالة عليه وليستعمل فيه، فكأنه قال: إذا سمعتموني أتكلم بهذا الكلام فاعلموا (أنني أعني به هذا المعنى دون) ما هو مجاز فيه.
فإن قالوا: في الجاز لنا مثل ذلك.
قلنا: ما يوجد فيه مثل ذلك فهو حقيقة وليس بمجاز.
والله أعلم.
٨٤٧ - فصل: والحقيقة قد يجوز أن تصير بالشرع أو بالعرف مجازاً فيما كانت حقيقة فيه، ويجوز أن يصير بهما المجاز حقيقة فيما كان المجاز فيه.
٨٤٨ - فصل: ومن أحكام الحقيقة والمجاز، أن لا يخلو منهما كلام وضعه أهل اللغة، لأن المتكلم به إذا عني به ما (عنوه) في الأصل فهو حقيقة، وإن استعمله فيما استعملوه فيه على وجه التجوز فهو مجاز.
стр. 640
٨٤٩ - فصل: ومن أحكامهما أنهما لا يدخلان أسماء الألقاب، لأن أسماء الألقاب لم تقع على مسمياتها المعينة بوضع أهل اللغة ولا بوضع أهل الشرع، (فلا يقال) إن مستعملها اتبع حقيقة الوضع أو حقيقة الشرع ولا (مجاز فيها).
стр. 641
باب المحكم والمتشابه
٨٥٠ - مسألة: في القرآن آيات متشابهات ، قال الله تعالى: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾.
فإن قيل: فما الفائدة في إنزال بعض القرآن متشابها؟ وقد أريد به الهدى والبيان. لا الإلباس ليضل الناس؟ قلنا: يجوز أن يكون في ذلك فائدة يعلمها الله تعالى ولا نعلمها.
والثاني: يحتمل أن يكون ذلك ليبعث عباده على الاجتهاد وإعمال الفكر لتصفو أفهامهم وتتقوى بصائرهم، وتتخرج عقولهم في معاني ما أراد، فيحصل لهم العلم اليقين والثواب العظيم، ولا يتكلوا على الظاهر فيتركوا الفحص (والفكر) والتدبر، فيتركوا طريق العلم التي هي النظر والاستدلال.
وقيل إنما كان كذلك، لأن العرب كانت تمنع بعضها (بعضاً) من استماع القرآن خوفاً من أن يميل إليه قلب السامع، فأنزل فيه المتشابه ليوهم/٨٣ أمستمعهم أنه متناقض، فيطمع في نقضه وعيبه ورد الحجة به، فيستمعه لذلك، فإذا أعمل فكره فيه وتدبره، رآه معجزاً باهراً، فدعاه ذلك إلى اتباعه.
стр. 642
(وقيل: يحتمل أن يكون ليضل به من يشاء ويهدي به من يشاء).
٨٥١ - مسألة: المحكم: ما استقل بنفسه ولم يحتج إلى بيان. (والمتشابه: ما احتاج إلى بيان) وهذا ظاهر كلام الإمام أحمد ﵁ في رواية ابن إبراهيم، المحكم: الذي ليس فيه اختلاف، والمتشابه: الذي يكون فيه موضع كذا وكذا.
وقال بعضهم: المحكم ما استفيد الحكم منه. مثل الحلال والحرام والوعد والوعيد. والمتشابه: ما لا يفيد حكماً كالقصص والأمثال.
وقال (قوم). المحكم ما وصلت حروفه، والمتشابه: ما فصلت كأوائل السور آلم، آلمر، آلمص، (ونون) وحم (وطسم وطس وطه وما أشبه ذلك).
وقال بعضهم: المحكم الناسخ، والمتشابه المنسوخ.
стр. 643
٨٥٢ - لنا قوله تعالى منه: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ وأم الشيء أصله الذي يتفرع عنه، فاقتضى أن المحكم ما كان أصلا (بنفسه) مستغنياً عن غيره (من بيان وقرينة).
والمتشابه: ما يخالف ذلك فيحتاج إلى بيان، يدل عليه (ما) في سياق الآية ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَاوِيلِهِ﴾ فثبت أنه يحتاج إلى تأويل (وبيان) وأما قول من قال: المحكم ما استفيد منه حكم فغير صحيح لأنه ليس في القرآن إلا ما يصلح أن يكون دالاً على معنى وحكم.
وأما قول من قال هو الناسخ. والمتشابه (هو) المنسوخ والقصص فغلط، لأن المتشابه (ما) لا يعلم معناه والقصص والمنسوخ يعلم معناه.
ومن قال: هو الحروف (المقطعة) لأنها لا يعلم معناها
стр. 644
فكانت متشابهة غلط (أيضاً) لأن غير الحروف المقطعة (أيضا قد) لا يعلم معناها.
٨٥٣ - مسألة: ليس في القرآن غير العربية ، وقال ابن عباس وعكرمة: فيه كلمات بغير العربية كالمشكاة والقسطاس، والسجيل والاستبرق.
٨٥٤ - ولنا قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أَعْجَمِيّاً لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ فنص على أنه ليس فيه بغير العربية، ولأن الله تعالى جعل القرآن معجزة نبيه ودلالة صدقه ليتحداهم به، فلو كان
стр. 645
فيه غير العربية لما صح تحديهم به، لأن الكفار يجدون إلى رده سبيل بأن يقولوا فيما أتيت به عربي، ونحن لا نقدر على الإتيان بمثل العجمية والهندية وإنما نقدر على الكلام العربي.
٨٥٥ - احتج المخالف بأن المشكاة هندية، والسجيل والاستبرق فارسية، وناشئة الليل حبشية، والقسطاس رومية، وفاكهة وأباً، الأب لا تعرفه العرب، وهذا جميعه في القرآن فدل على أن فيه غير العربية.
الجواب: أن جميع ذلك لغة العرب وإنما وافقتها فارس والهند والحبشة (فيها)، كما وافقتها في كثير من الكلام كالدواة والمنارة والتنور.
وقوله: الأب لا (تعرفه العرب) لا يصح لأن في العربية ألفاظ يعرفها بعضهم دون بعض.
قال ابن عباس: "ما كنت أعرف/٨٣ ب كلمات من القرآن بلسان قومي. منه قوله: ﴿فَاطِرُ السَّمَوَاتِ﴾ حتى سمعت امرأة تقول: أنا فطرته أي ابتدأته فعلمت أنه أراد (به) مبتديء
стр. 646
السموات" والأب: هو الحشيش، وقيل (هو) الرطبة.
٨٥٦ - احتج بأن النبي ﷺ بُعث إلى الكافة، فيجب أن يكون في الكتاب المنزل عليه لسان الكافة.
الجواب: أنه يجب أن يكون فيه على (قولكم جميع اللغات) من التركية والزنجية وأصناف الفارسية والأمر بخلاف ذلك.
جواب آخر: يجب أن يكون فهي من هذه اللغات على قولكم ما يعلم به المراد ويقع به التبليغ، فأما هذه الكلمات الشاذة فلا تبليغ يحصل بها ولا بيان.
جواب آخر: إن كان مبعوثاً إلى الكافة إلا أن قصده إعجاز العرب، لأنهم أهل الفصاحة والبيان ونظم الأشعار والخطب، فإذا ظهر عجزهم فغيرهم أعجز، فثبت صدقه في حق الجميع.
وعلى هذا الترتيب بعث الله سبحانه الأنبياء فبعث موسى إلى أحذق الناس بالسحر فجعل معجزته من جنس ما يدعونه وبعث عيسى في زمان الأطباء فكانت معجزته من جنس ما يدعونه، حتى إذا
стр. 647
عجزوا كان غيرهم أعجز، فكذلك العرب كانوا في زمانهم أفصح الناس لساناً وأحسنهم بياناً فجعل معجزته من جنس ما يدعونه، ليبين عجزهم فيكون ذلك أظهر في الحجة، وأبين في المعجزة.
٨٥٧ - فصل: يجوز تفسير القرآن على مقتضى اللغة، ذكره شيخنا وقال: قد فسر أحمد ﵀، قال في رواية المروزي "روح الله" إنما معناها (أنها) روح خلقها الله تعالى كما يقال عبد الله وسماء الله وأرض الله، وقال في قوله سبحانه: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا﴾ هو جائز في اللغة يقول الرجل سأجري عليك رزقاً أي سأفعل لك خيراً، وظاهره أنه فسره على مقتضى اللغة.
وروي عنه الفضل بن زياد: أنه سئل عن القرآن يتمثل الرجل له بشيء من الشعر؟
فقال: "لا يعجبني". قال: "وظاهره المنع".
٨٥٨ - الدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً﴾ وقوله: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ وهذا يدل على أنه إذا تحقق معنى اللفظ في اللغة حملناه عليه.
стр. 648
٨٥٩ - واحتج من منع بقوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾.
الجواب: أنه محمول على بيان الأحكام.
٨٦٠ - واحتج بقوله: ﴿الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً وَأَجْدَرُ أَلَاّ يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾.
الجواب: أنا لا نحتج بقولهم في الحدود والأحكام إنما يحتج بقولهم في الألفاظ ومعناها مثل السواد والبياض والإنسان، فأما أخبارهم وحكمهم فلا نقبله.
٨٦١ - فصل: يجوز أن يتعلم التأويل لقوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾، فحث على تدبره، وروى يحيى بن سلام في تفسيره أن النبي ﷺ دعا لابن عباس فقال: "اللهم فقهه/٨٤ أفي الدين وعلمه التأويل".
وروى أبو بكر عن ابن مسعود قال: "كان الرجل منا إذا
стр. 649
تعلم عشراً لم يجاوزهن حتى يعلم معانيهن ويعمل بهن" فدل على أن التأويل مستحب.
٨٦٢ - فصل: وأما تفسيره برأيه من غير لغة ولا نقل فمكروه. روى ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: "من قال في القران برأيه فليتبوأ مقعده من النار" وعنه أنه قال: "من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ" أي في فعله حيث قال بالرأي، وعن عائشة "ما كان النبي ﷺ يفسر شيئاً من القرآن إلا آيات علمه جبريل ﵇ إياها".
٨٦٣ - فصل: ونرجع إلى تفسير الصحابة ﵃، ويتخرج وجه أنه لا يرجع إليهم على ما قلنا إن قولهم ليس بحجة.
وجه الأول: أنهم شاهدوا التنزيل وحضروا التأويل وعلموا، فيجب أن يرجع إلى قولهم، لأنه أمارة ظاهرة. ويحتج للآخر: بأنه شخص يقر على الخطأ فهو كالتابعين وفارق الرسول ﷺ ، فإنه لا يقر على الخطأ.
стр. 650
باب البيان
٨٦٤ - بيان الأحكام الشرعية يحصل بالمواضعة، والمواضعة ثلاثة: الكلام، والكتابة، والعقد.
فأما الكلام: فنحو قوله ﵇ في شأن الصلاة:
"توضأ كما أمرك الله ثم استقبل القبلة ثم كبر ثم اقرأ". وذلك كثير.
وأما الكتابة: فنحو كتبه إلى عماله في الصدقات وإلى كسرى وقيصر في الدعاء إلى التوحيد.
وأما العقود (في الحساب) فمعلومة.
والضرب الآخر: يحصل بالإشارة وقد روى عنه ﵇. أنه قال: "الشهر هكذا وهكذا".
ويحصل بأمارة القياس، نحو ثبوت الحكم عند صفة، ونفيه عند نفيها.
стр. 651
٨٦٥ - ويحصل بالأفعال فيما هي بيان له (بالقول)، نحو قوله ﵇: "خذوا عني مناسككم" و"صلوا كما رأيتموني أصلي" وقال بعض الناس، الأفعال لا تكون بياناً لوجهين:
أحدهما: أن الفعل لا ينبئ عن شيء، وإنما ينبئ عنه القول.
والآخر: أن الفعل يتأخر عن الخطاب، ولا يجوز تأخير البيان عن الخطاب.
ولنا: أن قولهم لا يخلو أن يريدوا به أنه لا يصح وقوع البيان بالأفعال، أو أنه لا يحسن من جهة الحكمة أن يبين بها المجمل، لأنه يؤدي إلى تأخير البيان عن وقت الخطاب.
فالأول غلط لأن فعل النبي ﷺ للحج والصلاة أدل على صفتها وأوقع في الفهم من صفتها بالقول، لما في المشاهدة من المزية على الإخبار عن الشيء، ولهذا بين النبي ﷺ الحج بفعله، وقال: "خذوا عني مناسككم" وبين الصلاة بفعله.
وقال: "صلوا كما رأيتموني أصلي"، وبين أصحابه الوضوء بفعلهم.
стр. 652
فإن قيل: هناك وقع البيان بقوله.
قيل: معلوم أنه قوله: "خذوا عني مناسككم" و"صلوا كما رأيتموني أصلي"/٨٤ ب لا تعلم منه المناسك ولا الصلاة، وإنما بان ذلك وعلم بفعله.
وإن أرادوا (به) أنه لا يحسن، لأنه يؤدي إلى تأخير البيان فإن تأخير البيان جائز عند أصحابنا على ما (سنذكره) إن شاء الله. وعلى قول الباقين لا يجوز تأخير البيان عن (وقت) الخطاب، إلا أنه لا يلزم لأنه يمكن أن يتعقب الفعل القول كما يتعقب القول الفعل، وإن طال الفعل فإن القول قد يطول زماناً ثم يقع به البيان كذلك الفعل، ولأنه إذا كان في التأخير تأكيد البيان من حيث حصول المشاهدة، جاز ذلك، وقد روى عن النبي ﷺ أن رجلاً سأله عن أوقات فقال (له): "صل معنا" فبين له الأوقات بالفعل في يومين ولم يعد ذلك من تأخير البيان، فصح ما قلناه.
٨٦٦ - فصل: ويجوز أن يكون البيان أضعف من المبين، فيكون مظنوناً والمبين معلوماً، (ولهذا يقبل خبر الواحد في بيان القرآن ويخصصه)
стр. 653
وبه قال أكثرهم. وقال الكرخي: لا يكون البيان إلا مثل المبين في القوة فإن كان أضعف، لم يقبل كخبر الأوساق لا نقبله في باين قوله "فيما سقت السماء العشر" لأن ذلك أشهر من خبر الأوساق.
لنا: قوله : ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ وكلام الرسول ﷺ في بيان القرآن مقبول، وهو دون كلام الله تعالى في الرتبة، ولهذا جاز تخصيص القرآن بخبر الواحد، لأن (لا) يمتنع تعلق المصلحة به.
٨٦٧ - فصل: يجوز أن يكون المبين واجباً، وبيانه غير واجب، وقال قوم: لا يكون بيان الواجب إلا واجباً. وهذا غلط، لأن البيان لا يتضمن لفظاً يفيد الوجوب وإنما يتضمن صفة المبين، والوجوب في المبين ثبت بدليل آخر.
стр. 654
٨٦٨ - فصل: لا يجوز للنبي ﷺ تأخير التبليغ وقال أكثر المعتزلة: يجوز أن يؤخر (التبليغ) إلى الوقت الذي يحتاج المكلف أن يؤدي العبادة (فيه). لنا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ والأمر على الفور، وقد تقدم الكلام في ذلك.
فإن قيل: هذا الأمر إنما يفيد وجوب تبليغه على الحد الذي أمر أن يبلغ عليه من تقديم أو تأخير.
قلنا: الحد الذي أمر أن يبلغ عليه هو التعجيل، (بدلالة) هذا الأمر.
فإن قيل: المراد بذلك القرآن: لأنه الذي يطلق عليه الوصف بأنه منزل من الرب .
قلنا: إذا وجب تعجيل تبليغ القرآن بمطلق هذا الأمر، فكذلك ما أمر به من الأحكام ولا فصل بينهما.
стр. 655
فإن قيل: لا يخلو أن تقولوا (إن) ذلك وجب بالعقل أو بالسمع. فلو كان بالعقل لاشتركنا في (معرفته)، ولو كان بالسمع لوجب ذكره.
الجواب: أنا قد بينا أن ذلك وجب بالسمع في قوله: "بلغ ما أنزل إليك من ربك".
٨٦٩ - فصل: لا يجوز تأخير بيان الخطاب/٨٥ أعن وقت الحاجة لأن في ذلك إيقاع المكلف في الحيرة. وتكليفه بما لا يمكنه فعله، وقد قال سبحانه: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَاّ وُسْعَهَا﴾.
٨٧٠ - مسألة: اختلف أصحابنا في تأخير بيان (الحكم) المجمل والعموم عن وقت الخطاب.
فقال ابن حامد وشيخنا: يجوز ذلك، وبه قال أكثر
стр. 656
الشافعية والأشعرية وبعض الحنفية.
وقال أبو بكر عبد العزيز وأبو الحسن التميمي لا يجوز ذلك وهو قول المعتزلة وأهل الظاهر.
وقال أبو الحسن الكرخي: يجوز (تأخير) بيان المجمل ولا يجوز تأخير بيان العموم، وبه قال بعض الشافعية.
وقال بعضهم: يجوز تأخير بيان العموم دون المجمل.
وقال بعضهم: يجوز تأخير بيان الأمر دون الخبر، وأجاز الجميع تأخير بيان النسخ.
وقال أبو الحسين البصري: (لا) يجوز تأخير بيان ما له
стр. 657
ظاهر مثل تأخير بيان التخصيص وتأخير بيان النسخ وتأخير بيان الأسماء المنقولة إلى الشرع، فأما ما لا ظاهر له كالأسماء المشتركة فيجوز تأخير بيانه.
٨٧١ - والدليل على (الجواز) في الجملة: قوله : ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَانَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ (ومعنى جمعه) وقرآنه: ضم بعضه إلى بعض، والبيان بعد ذلك له، لأنه أتى بلفظة "ثم" وهي للتراخي والمهلة فدل على جواز تراخي البيان (عن الخطاب).
فإن قيل معنى بيانه إظهاره وتنزيله، بدليل أن الكناية راجعة إلى جميع القرآن، وجمعه لا يفتقر إلى بيان.
قلنا: اتباعه لقرآنه لا (يكون) إلا بعد تنزيله، فالاتباع يتعقب التنزيل، والبيان بعد ذلك بقوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ فلا معنى لحمل البيان على التنزيل، فأما قوله: إن ذلك يعود إلى جميع القرآن وذلك (لا يحتاج) إلى بيان فغير صحيح، (لأن)
стр. 658
الكناية راجعة إلى (الخبر) الذي نزل (إليه) فإنه كان يقرأه مع جبريل ﵇ مخافة أن لا يحفظه، فنهى عن العجلة بقوله: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾. أي ضمه إلى ما سبق نزوله ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾: أي بيان ذلك الجزء الذي ينزل عليك (بعد ذلك).
جواب آخر: يجوز أن يضاف البيان إلى الجملة وإن كان فيها ما لا يشكل كما يقال فسر فلان القرآن وإن كان فيه ما لا يحتاج إلى تفسير، وشرح فلان الكتاب الفلاني وإن كان فيه ما لا يفتقر إلى (الشرح) ويكون ذلك حقيقة، كذلك هاهنا.
فإن قيل: المراد بجمعه وقرآنه في اللوح المحفوظ، وبيانه: نزوله إليه. قلنا: قد بينا أن قرآنه أنزلناه، لأن الاتباع لا يمكن (أن يكون) إلا بعد النزول ثم البيان بعد الاتباع.
٨٧٢ - دليل آخر: قوله تعالى: ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ والمراد (به) لا تعجل ببيانه (من) قبل أن يبين لك بالوحي.
стр. 659
فإن قيل: الظاهر يقتضي لا تعجل بأداء نفس القرآن عقيب سماعه.
قلنا: هذا غلط، لأنه/٨٥ ب غير منهي عن أدائه عقيب سماعه، بل (هو) مأمور بذلك بقوله: ﴿بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ والأمر على الفور (ولأنه عقب) ذلك يأمره بأن يدعو بزيادة العلم، والعلم هو البيان لا نفس التلاوة، فمعناه لا تعجل بالبيان (قبل أن يبين لك وقل رب زدني علماً يقع علي به البيان).
٨٧٣ - دليل آخر: أنه قد وجدنا تأخير البيان في القرآن قال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾. فأخر بيان ذلك حتى قال ابن الزبعري: "لأخصمن محمداً".
ثم قال: "أليس قد عبدت الملائكة (من دون الله) وعبد المسيح وأمه: أهم حصب جهنم؟ فأنزل الله ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾. فكان بياناً للآية.
فإن قيل: قد كان في الآية بيان، إلا أنهم لم يعقلوه، وهو أن "ما" لما لا يعقل.
стр. 660
قلنا: "ما" لما يعقل ولما لا يعقل بمعنى "الذي"، يدل عليه أنها تضمر من يعقل بمعنى "من" كقوله سبحانه: ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ أراد (به) من الإماء.
(وكذا قوله سبحانه) ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (٥) وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا﴾ الآيات (بمعنى الذي)، وتقول ما زيد؟ فيقال (لك): إنسان، وتقول العرب: سبحان ما سبحت له يعنون الرعد، ويدل عليه أن الرسول ﷺ كان أفصح العرب وابن الزبعري شاعراً فصيحاً قالا ذلك ولم يرد الرسول ﷺ بما ذكرتم.
٨٧٤ - دليل آخر: قوله لنوح: ﴿احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ﴾ فلما سأله حمل ابنه قال: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ فبين أنه أراد بأهله من كان على دينه، وهذا لم (يبينه) له وقت الخطاب، ولهذا سأل نوح إنجاء ابنه وحمله في السفينة.
стр. 661
وكذلك قول الملائكة لإبراهيم ﵇: ﴿إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ ولم يستثنوا أحداً، فلما قال إبراهيم: ﴿إِنَّ فِيهَا لُوطاً قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَاّ امْرَأَتَهُ﴾ فبين التخصيص بعد سؤاله.
وكذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً﴾ ثم بعد ذلك نزل جبريل فبين الأوقات حين صلى بالنبي ﷺ عند البيت في اليومين.
وكذا قوله سبحانه: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ ثم بين النبي ﷺ (أن ذلك بعد) سلب القاتل، وأن بني أمية وبني نوفل لا يدخلون في ذوي القربى. فإن قيل: يحتمل أني كون البيان في ذلك كان (قد) تقدم.
قلنا: الأصل عدم ذلك فمن ادعاه يحتاج إلى دليل.
وكذلك قوله تعالى: (لبني إسرائيل) على لسان موسى:
стр. 662
"إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة".
ثم بين بعد ذلك صفاتها حين سألوا وكرروا.
فإن قيل: البقرة المأمور (بذبحها) كانت منكرة أي بقرة كانت إلا أنهم شددوا، فشدد الله عليهم، كذا قال ابن عباس.
قلنا: هذا غلط لأنهم سألوا أن يبين لهم ما هي؟ وما لونها؟ فبين أنها بقرة لا فارض ولا بكر صفراء فاقع لونها (تسر الناظرين) لا ذلول تثير الأرض، ولا تسقى الحرث، وظاهر هذه الكنايات/٨٦ أرجوعها إلى ما أمروا بذبحه (لا) إلى تكاليف (مجددة).
وروى عن النبي ﷺ أنه نهي عن المزابنة ثم أرخص بعد ذلك في بيع العرايا، وهي من المزانبة لأن المزابنة بيع التمر بخرصه من الرطب في (النخل).
وروى أن عمر ﵁ سأل النبي ﷺ عن الكلالة فقال يكفيك آية الصف، فقال: اللهم مهما بينت فإن عمر لم يتبين، فقد أخر البيان عن وقت الخطاب.
стр. 663
ويدل عليه أن البيان إنما يجب ليتمكن المكلف من أداء ما كلف، والتمكن من ذلك إنما يحتاج إليه عند (الفعل) ولا يحتاج إليه عند الخطاب، ألا ترى أن القدرة لما كانت (لإيجاد) الفعل وجب كونها عند الفعل دون الخطاب.
فإن قيل: ما أنكرتم أن يكون الخطاب يجب لمعنى آخر، وهو خروج الخطاب عن أن يكون عبثاً.
قلنا: إذا تعلق بالخطاب فائدة (في ثاني الخطاب) خرج عن كونه عبثاً، لأن العبث مالا يفيد شيئاً، على أ، هـ في الحال يفيد اعتقاد الوجوب والعزم (والعموم) فإن قيل: لو كان البيان لا يراد إلا للتمكن من الفعل لجاز أن يخاطب العربي بالزنجية ويكون بيانه عند الفعل. قلنا: خطاب العربي بالزنجية لا يفيد شيئاً في الحال، ولا في الثاني، إنما تحصل الإفادة بغير ذلك اللفظ، وهو تفسيره، وتفسيره يقوم بنفسه خطاباً، بخلاف بيان الخطاب المجمل، فإنه قد استفاد منه أن عليه حقاً لكن لا يعلم صفته، فالبيان بيان صفة لا بيان وجوب حق.
٨٧٥ - دليل آخر: لو قبح تأخير بيان المجمل، لأن المكلف لا يفهم جميع المراد بالخطاب، لقبح تأخير بيان النسخ، وكون المكلف غير مراد بالخطاب إذا كان المعلوم أنه يموت قبل الفعل أو العجز، فلما لم يقبح ذلك، كذلك تأخير بيان المجمل.
стр. 664
فإن قيل: تأخير بيان ما ذكرتموه لا يخل بمعرفة صفة ما كلفناه في وقت الخطاب، وذلك لا يمنع من التمكن من الفعل في وقته، وليس كذلك بيان المجمل فإنه يخل بمعرفة صفة ما كلفناه، وذلك يمنع من التمكن من الفعل في وقته.
الجواب عنه أنا نقول: ظاهر اللفظ الإطلاق في الأزمان، وإذا كان المراد في بعض الأزمان فقد أخل بصفة ما كلفناه، على (أن) تأخير بيان صفة العبادة عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة لا يخل بأداء العبادة في قوتها، ولو كان فيه تأخير بيان يمنع من الفعل في وقت العبادة لم يجز تأخيره.
٨٧٦ - دليل آخر: أن تأخير بيان النسخ تأخير لبيان تخصيص الأزمان كما أن تأخير بيان التخصيص، تأخير بيان تخصيص الأعيان، ثم بيان النسخ يجوز تأخيره، كذلك تأخير (بيان) التخصيص.
فإن قيل: لا يجوز تأخير بيان النسخ إلا مع الإشعار بالنسخ.
قلنا: الإشعار لا يحصل به بيان وقت النسخ، ثم يجب أن تقولوا يجوز تأخير بيان العموم والمجمل إذا أشعرنا بالتخصيص.
стр. 665
فإن ارتكب ذلك مرتكب.
قلنا: فإذا دل الدليل على جواز النسخ وجواز التخصيص كان ذلك كالإشعار بهما، فيجب أن يجوز تأخير بيانهما.
وقيل/٨٦ ب: إن الله أمرنا بأشياء ثم نسخها، كالقبلة وصيام عاشوراء وغير ذلك، ولم يقرن بواحد منهما إشعاراً بأنه ينسخه فيما بعد.
فإن قيل: إنما جاز تأخير بيان النسخ لأنه بيان ما لم يرد (به الخطاب).
قلنا: ولم إذا كان كذلك يجوز تأخيره، وعلى أن تأخير التخصيص هو (تأخير). بيان ما لم يرد بالعموم فلا فرق بينهما.
فإن قيل: فرق بين النسخ والتخصيص، لأن النسخ رفع التكليف، وعلمنا حاصل بانقطاع التكليف، وليس كذلك التخصيص فإنه بخلافه.
قلنا: انقطاع التكليف بالموت، خارج (عن) الخطاب المطلق بالدليل، بخلاف المنسوخ فإنه داخل في ظاهر الخطاب، فإذا جاز تأخير بيانه كذلك التخصيص.
стр. 666
فإن قيل: التخصيص وإن كان بيان ما لم يرد باللفظ إلا أن تأخيره يقدح في العلم فيمن أراده المتكلم، لأنا إذا جوزنا أن يكون المراد به بعض (ما) تناوله، لم نأمن في كل شخص أن لا يكون مراداً.
الجواب عنه أنا نقول: إن مثل ذلك في النسخ، لأن الخطاب إذا أفاد ظاهره إيجاب الفعل في وقت، وكل واحد من المكلفين يجوز أن يموت قبل الوقت، فلا يكون مراداً بالخطاب، وفي ذلك شك في أعيان من أريد بالخطاب.
٨٧٧ - دليل آخر: أنه يجوز أن يخاطب العاجز عن الفعل (بالفعل) في وقت قدرته، فيقول: إذا جاء رمضان فصم، وإن كان حين الأمر عاجزاً عن الصوم، إذا كان قادراً وقت الفعل، (كذلك في التالي).
٨٧٨ - دليل آخر: لو قبح تأخير البيان، لقبح تأخيره الزمان اليسير، ولقبح البيان بالكلام الطويل.
فإن قيل: إنما يحسن تأخير البيان مدة لا يخرج الكلام معها من أن يكون مترقباً يرجو فيه السامع زيادة شرط، ويفسد بصفة، وهذا حاصل في الزمان القصير والكلام الطويل إذا عطف بعضه على بعض جرى مجرى الجملة (الواحدة لا يترتب) (قلنا: .....).
стр. 667
٨٧٩ - دليل آخر: لو قبح تأخير البيان لكان وجه قبحه (فقد) تبين المكلف، وذلك لا يقتضي قبح الخطاب، ألا ترى أنه لو بين للمكلف فلم يتبين لا يقبح الخطاب وهو كقصة عمر ﵁ في الكلالة.
٨٨٠ - احتج المخالف: على أن ما له ظاهر، إذا أراد خلاف ظاهره لم يجز تأخيره بيانه فإنه إذا خاطبنا بالعموم فإنما قصد إفهامنا، (ولولا ذلك لم يكن مخاطباً لنا، وإذا قصد إفهامنا) فلابد أن يخاطبنا بما نفهم مراده به، فإذا لم يبين لنا مراده فما أفاد خطابه الإفهام، فصار بمنزلة من خاطب العرب بالزنجية.
الجواب: أنه قد تعلق بخطابه إفهام لنا وهو الأمر بالفعل على سبيل الاستغراق، وكذلك (في) المجمل يفهم (من) قوله: ﴿أَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ الأمر بصلاة، فأما خطاب العربي بالزنجية فيحتمل أن (يجوز) إذا علم أن المخاطب حكيم لأنه يعلم، أنه قد أراد منه شيئاً ما إما أمراً وإما نهياً وأنه سيبينه له فيما بعد، ولهذا أرسل الله رسوله إلى كل زنجي وفارسي وغير ذلك من اللغات وهو عربي وخاطبهم بالقرآن العربي وإن لم يفهموا ذلك في الحال.
стр. 668
(وإن سلم) فإن الزنجية ليس لها ظاهر عند العربي تدعوه إلى اعتقاد معنى الخطاب فلا فائدة فيه.
٨٨١ - احتج بأنه إذا أمرنا بما له ظاهر ولم يرد ظاهره فلا يخلو أن يريد منا أن نعتقد ما أراد منا أو اعتقاد ظاهر الأمر فإن أراد اعتقاد ما أراده منا فذلك ما لا سبيل لنا إليه، وإن أراد اعتقاد ظاهره فقد أراد اعتقادنا الجهل.
الجواب: أنه إذا اعتقد (أن) الأمر على ظاهره ما لم يخص كان ذلك اعتقاداً موافقاً للفظ لا جهل فيه، ألا ترى أنه إذا سمع لفظ العموم فإنه يعتقده عموماً إلى أن يجد ما يخصه، وكل جواب له (عن) اعتقاد العموم إلى أن يجد المخصص هو جوابنا هاهنا إلى أن يرد البيان، وكذلك الأمر المطلق يجوز أن يرد عليه النسخ بعد ذلك فيعتقد فيه وجوب المأمور على التأبيد وإن كان بخلاف مراد الأمر.
فإن قيل: لابد من إشعار النسخ فيصير كالمجمل لا يعتقد إطلاقه.
قلنا: إن الدليل قد دل على جواز النسخ فلا يحتاج إلى الإشعار كذلك أيضاً اللفظ العام لما كان التخصيص يجوز فيه صار بمنزلة أن يشعره تخصيصه في اعتقاد عمومه فإذا جاء وقت البيان بينه.
стр. 669
٨٨٢ - احتج بأنه لو جاز أن يريد بالعموم الخصوص فلا يبين لنا ذلك في الحال ولا يشعرنا بأنه لم يكن لنا طريق إلى وقت الفعل الذي يقف وجوب البيان عليه لأنه لو قال: صلوا غداً جوزنا أن يكون المراد به بعد غد وما بعده أبداً لأن غداً تستعمل في ذلك على طريق المجاز ولم يبينه لنا ويتعذر مع ذلك معرفتنا بالخطاب.
الجواب: أنه يجوز أن لا يعرف الوقت الذي أراد أن يفعل فيه إلا بعد ورود البيان (بصفة العبادة ولا يحصل به البيان) فإذا ورد البيان في الغد أو بعده علمنا أنه الوقت الذي أراد إيقاع الفعل فيه.
فإن قيل: ورود البيان بصفة العبادة لا يحصل به البيان وقت فعلها إلا أن الوقت يجوز أن يتأخر عن بيان صفة العبادة.
قلنا: إذا بين صفة العبادة وقال: افعلوها الآن من غير تأخير بحال، علمنا أن ذلك وقتها وانقطع تجويز التأخير.
٨٨٣ - احتج بأن العموم يخص مرة بالاستثناء ومرة بالدليل، ثم التخصيص بالاستثناء لا يجوز أن يتأخر عن العموم فكذلك التخصيص بالدليل.
الجواب: أن الاستثناء لا يستقل بنفسه ولا يفيد معنى فلم يجز تأخيره والتخصيص بالدليل يستقل بنفسه ويفيد (معنى) إذا انفرد فجاز تأخيره، يدل على هذا أن الاستثناء لو تقدم على الخطاب لم يجز، ولو تقدم الدليل الموجب للتخصيص جاز فافترقا.
стр. 670
٨٨٤ - احتج بأن البيان مع المبين كالجملة الواحدة ألا ترى أنهما بمجموعهما يدلان على المقصود (بهما) كالمبتدأ والخبر ولا خلاف أنه (لا يحسن) تأخير الخبر عن المبتدأ بأن يقول زيد ثم يقول بعد أيام "قائم"، فكذلك تأخير البيان.
الجواب: لا نسلم أنهما الجملة الواحدة/ ٨٧ ب ولا (أنهما) يدلان على المقصود بل أحدهما وهو المبين يدل على الحق والبيان يدل على صفته.
جواب آخر: أن التفريق بين الابتداء والخبر ليس من أقسام (الخطاب)، وليس كذلك إطلاق العموم والمجمل فإنه من أقسام خطابهم وأنواع كلامهم لأنهم يتكلمون بالعموم والمجمل وإن (افتقرا) إلى البيان فافترقا.
٨٨٥ - احتج بأنه إذا خاطب بلفظ والمراد به غير ظاهره فقد بالغ في الإشكال عليهم وهذا لا يجوز كما (لو) قال: اقتلوا المسلمين، ويريد به المشركين.
الجواب: أنه يبطل بتأخير بيان النسخ فإنه قد أتى بغير ما يقتضيه لفظه لأن لفظه يقتضي التأبيد، والنسخ يقتضي التأقيت ثم يجوز. فأما إذا قال اقتلوا المسلمين ويريد (به) المشركين فلا يجوز لأن أحدهما لا يستعمل في الآخر (بحال)، ولهذا لو فسره بذلك
следующие страницы →