← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 14106

المنهل الحديث في شرح الحديث

موسى شاهين لاشين

Полный текст (1 103 стр.). Показаны 1086–1103 · переход к 1091.

стр. 1086

-[المعنى العام]- يهدف النبي ﷺ في ذلك الحديث إلى تحري العدالة بين المتقاضيين وأن على القاضي أن يتجنب كل ما من شأنه أن يحول بينه وبين معرفة الصواب واستبانة الحق ولا سيما ما يكون راجعا إلى نفس القاضي كأن يكون متوتر الأعصاب أو جائعا أو مريضا أو نحو ذلك مما يشغل القلب عن استيفاء النظر وتحري العدالة بين المتخاصمين -[المباحث العربية]- (عن أبي بكرة) نفيع بن الحارث الثقفي (لا يقضين) بتشديد الياء والنون توكيدا للنهي (حكم) بفتح الحاء والكاف هو الحاكم وقد يطلق على القيم بما يسند إليه (بين اثنين) أي بين طرفي خصومة أعم من أن يكونا شخصين أو أكثر (وهو غضبان) جملة حالية والغضب غليان دم القلب لطلب الانتقام -[فقه الحديث]- إنما نهي عن الحكم في هذه الحالة لأن الغضب قد يتجاوز بالحكم إلى غير الحق وقاس الفقهاء على ذلك كل ما يحصل به اضطراب الفكر كجوع شديد ومرض مؤلم وخوف مزعج وبرد قاتل وسائر ما يتعلق به القلب تعلقا يشغل عن استيفاء النظر واقتصر في الحديث على ذكر الغضب لأنه أشد هذه الأنواع حيث يستولي على النفس وتصعب مقاومته بخلاف غيره وهو يشمل الغضب لله تعالى لشغله القلب كغيره ولو خاف وحكم حال الغضب صح إن صادف الحق مع الكراهة وعن بعض الحنابلة لا يصح عملا بظاهر النهي وهي اقتضاؤه للفساد وفصل بعضهم بين أن يكون

стр. 1087

الغضب قد طرأ عليه بعد أن استبان له الحكم فلا يؤثر وإلا فهو محل الخلاف ولا يعترض بأن النبي ﷺ حكم للزبير بعد أن أغضبه خصم الزبير لعصمته ﷺ فلا يقول في الغضب إلا كما يقول في الرضا -[ويستفاد من الحديث: ]- ١ - النهي عن الحكم في حال الغضب فإن حكم فالكراهة عند الجمهور والحرمة عند أهل الظاهر ٢ - حرص الشارع على كل ما يوفر العدالة بين المتخاصمين ويستفاد من إطلاق الغضب أنه لا فرق بين مراتبه ولا أسبابه بالنسبة لهذا الحكم. ٧٥ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال "أتيت النبي ﷺ في دين كان على أبي فدققت الباب فقال من ذا فقلت أنا فقال أنا أنا كأنه كرهها" -[المعنى العام]- يرشد النبي ﷺ من يدق باب الغير لحاجة أو استئذان إذا سئل من

стр. 1088

هذا الذي يستأذن أو يدق الباب أن يجيب بما يكشف عن شخصه ويميز حقيقة ذاته عند السائل ولا يكتفي بمجرد قوله "أنا" فإنه لا يفيد المقصود ولذا كرهه النبي من جابر بن عبد الله حين أجاب به بعد أن دق بابه ﵊ -[المباحث العربية]- (في دين) أي بسبب دين فلفظ (في) هنا للسببية (فدققت الباب) بقافين أي ضربته ضربا شديدا وفي رواية "فضربت" وفي ثالثة "فدفعت" (من ذا) أي من الذي يدق الباب والاستفهام خبر مقدم والإشارة مبتدأ مؤخر (أنا) خبر مبتدأ محذوف أي الذي يدق هو أنا (أنا أنا) الثانية توكيد للأولى وإنما أكد النبي ﷺ لأنه انفعل من ذلك (كرهها) بضمير المؤنث أي كره هذه اللفظة وفي رواية (كأنه كره ذلك) وفي ثالثة "كره ذلك" بدون تشبيه والكلام على التحقيق والراجح رواية التشبيه لما فيها من زيادة الاحتياط لأن الكراهية أمر نفسي خفي يظن ولا يجزم به بالقرائن -[فقه الحديث]- إنما كره النبي قول جابر (أنا) لما فيه من تعظيم النفس والكناية عنها بالضمير المنافي للخضوع والتواضع ولأنه أجابه بغير ما سأل عنه وكان حق الجواب أن يقول (أنا جابر) فإنه ﷺ أراد أن يعرف عين الذي ضرب الباب بعد أن عرف أن ثم ضاربا فلم يستفد منه المقصود وكان الدين الذي على عبد الله الأنصاري والد جابر ثلاثين وسقا من تمر لأبي الشحم اليهودي

стр. 1089

ولعل ملحظ الزبيدي في ذكر هذا الحديث في كتاب الأحكام هو جواز نيابة الولد عن والده في المقاضاة والتقاضي في ساحة القضاء -[ويؤخذ من الحديث: ]- ١ - مشروعية دق الباب عند الاستئذان دقا مناسبا ٢ - أن على المسئول أن يجيب إجابة واضحة تفيد المقصود من السؤال ٣ - تقويم الحاكم لخطأ المتقاضي وإن كان في بيته ٤ - أن الرسول لم يتخذ لنفسه بوابا. ٧٦ - عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال "لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه ولكن تفسحوا وتوسعوا" -[المعنى العام]- يرشد النبي إلى ما يقوي رباط المحبة والألفة ويرفع الضغائن من النفوس ومن أهم عوامل ذلك الترابط الأخوي والمحبة الدائمة أن لا يقيم الرجل أخاه من مجلسه ليجلس هو مكانه إذ أنه حين يفعل ذلك تملأ نفس أخيه حقدا وضغينه ويوقظ حميته وأنفته فتقع العداوة والبغضاء ولكن الأليق بالجالس أن يفسح للقادم وللداخل أن يقول افسحوا وتوسعوا قال تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا يفسح الله لكم﴾

стр. 1090

-[المباحث العربية]- (لا يقيم الرجل) لا نافة والمراد النهي بدليل رواية "لا يقيمن" بلفظ النهي المؤكد بالنون وذكر الرجل لأن الأغلب مخاطبة الشرع للرجل فالحكم يشمل النساء (ولكن) الاستدراك على لازم العبارة المذكورة أي أنتم أيها الجالسون أحق بأماكنكم ولكن (تفسحوا وتوسعوا) عطف توسعوا تفسيري -[فقه الحديث]- ظاهر النهي التحريم فلا يصرف عنه إلا بدليل ولفظ الحديث وإن كان عاما لكنه مخصوص بالمجالس المباحة إما على العموم كالمسجد ومجالس الحكام والعلم وإما على الخصوص كمن يدعو قوما بأعيانهم إلى منزل لوليمة أو نحوها أما المجالس التي ليس للشخص فيها ملك ولا إذن له فيها فإنه يقام ويخرج منها وكذا إذا جلس في المجالس العامة وكان مجنونا أو يتأذى منه كالسفيه إذا دخل مجلس العلم والحكمة في هذا النهي منع استنقاص المسلم المقتضي للضغائن والحث على التواضع المقتضي للمودة والمحبة وأيضا فالناس في المباح كلهم سواء فمن سبق إلى شيء استحقه ومن استحق شيئا فأخذ منه بغير حق فهو غصب والغصب حرام (ولكن تفسحوا وتوسعوا) وفي رواية "ولكن ليقل افسحوا وتوسعوا" والأمر للندب والاستحسان وكان ابن عمر إذا قام له رجل من مجلس لم يجلس فيه وهو ورع منه لاحتمال أن يكون الذي قام لأجله استحيا من غير طيب قلب فسد ابن عمر الباب ليسلم من هذا -[ويستفاد من الحديث: ]- ١ - منع إقامة شخص من مجلس استحقه ليجلس فيه غيره مهما كان ذلك الغير عظيما ٢ - استحباب أن يتسع الجالسون لمن يقدم عليهم بأن ينضم بعضهم

стр. 1091

إلى بعض حتى يفضل مجلس للداخل ٣ - مراعاة آداب المجالس عامة ومجالس الحكام خاصة. ٧٧ - عن عبد الله ﵁ قال قال النبي ﷺ "إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى رجلان دون الآخر حتى تختلطوا بالناس أجل أن يحزنه" -[المعنى العام]- يحرص النبي ﷺ على تقوية العلاقات الاجتماعية فينهى عما يؤدي إلى تفريق الناس واختلافهم وتأثر بعضهم من بعض وسوء ظن المسلم بأخيه حين يتناجى اثنان أو أكثر ويتركون واحدا تفترسه الظنون وتحيط به الشكوك من جراء ذلك التصرف المشين وقد يحمله ذلك على التباغض والتقاطع وهذا ما لا يرضاه الدين -[المباحث العربية]- (فلا يتناجى) بالألف بعد الجيم فلفظه خبر ومعناه النهي وفي نسخة "يتناج" بإسقاط الألف بلفظ النهي والفاء في جواب "إذا"

стр. 1092

(حتى تختلطوا) بالتاء قبل الخاء وفي رواية بالياء أي حتى يختلط الثلاثة بغيرهم واحدا كان ذلك الغير أو أكثر (أجل) بجيم ساكنة ولام مفتوحة كذا استعمله العرب فقالوا "أجل قد فضلكم" بحذف من أي من أجل وهو مفعول لأجله (أن يحزنه) يجوز أن يكون من حزن وأن يكون من أحزن فالأول من الحزن والثاني من الإحزان والمصدر مضاف إليه وفي الكلام مضاف محذوف أي أجل خشية إحزانه -[فقه الحديث]- جاء في صحيح مسلم عن نافع عن ابن عمر مرفوعا "إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث إلا بإذنه فإن ذلك يحزنه" والعلة في ذلك أن الواحد إذا بقي فردا وتناجى من عداه دونه ربما ظن احتقارهم له وسوء رأيهم فيه أو أنهم يريدون به غائلة وهذا المعنى مأمون عند الاختلاط وعدم إفراده من بين القوم بترك المناجاة فلا يتناجى ثلاثة دون واحد لأنه قد نهي عن أن يترك واحد وإنما خص الثلاثة بالذكر لأنه أول عدد يتصور فيه ذلك المعنى فما وجد المعنى فيه ألحق به في الحكم فإن تناجى اثنان وتركا ثالثا فلا يجوز له التسمع عليهما فإن هدف الشارع مراعاة الشعور والحرص على ترك ما يؤذي المؤمن كذلك لا ينبغي لداخل القعود عند متناجيين ولا التسمع من بعد لحديثهما إلا إذا وجدت قرينة الإذن والرضا -[ويستفاد من الحديث: ]- ١ - النهي عن مناجاة ومسارة أحد الجالسين معك وترك آخر فريدا ٢ - جواز مناجاة البعض وترك البعض عند الاختلاط سواء كان الزائد عن الثلاثة قد جاء اتفاقا أم عن طلب كما كان يفعل ابن عمر إذ كان يدعو رابعا ثم يناجي الذي أراد

стр. 1093

٣ - يؤخذ من التعليل أن المناجي إذا كان ممن إذا خص أحدا بمناجاته أحزن الباقين امتنعت مناجاته ٤ - أن الإسلام دين المجتمعات والإحساس الرقيق ومراعاة شعور الناس ٥ - رعاية آداب المجالس عامة ومجلس القضاء خاصة

стр. 1094

كتاب الدعوات ٧٨ - عن أبي هريرة ﵁ قال أن رسول الله ﷺ قال "لكل نبي دعوة مستجابة يدعو بها وأريد أن أختبئ دعوتي شفاعة لأمتي في الآخرة" -[المعنى العام]- يكشف هذا الحديث عن مدى حرص الرسول ﷺ على خير أمته وسعادتها في الدنيا والآخرة حيث أنه يدخر دعوته المستجابة وشفاعته العظمى التي وعده الله بها إلى الآخرة حتى يشفع للمذنبين من أمته شفاعة كريمة يرضي بها قلب الرسول الرءوف الرحيم -[المباحث العربية]- (يدعو بها) أي بهذه الدعوة والجملة صفة دعوة (اختبئ دعوتي شفاعة) أي ادخرها و"شفاعة" مفعول لأجله -[فقه الحديث]- استشكل ظاهر الحديث بما وقع لكثير من الأنبياء من الدعوات المستجابة ولا سيما نبينا ﷺ إذ ظاهره أن لكل نبي دعوة مستجابة واحدة فقط وأجيب بأن المراد بالإجابة في الدعوة المذكورة القطع بها وما عدا ذلك

стр. 1095

من دعواتهم فهو على رجاء الإجابة وقيل معنى قوله "لكلنبي دعوة" أي أفضل دعواته وله دعوات أخرى وقيل لكل منهم دعوة عامة مستجابة في أمته إما بإهلاكهم وإما بنجاتهم وأما الدعوات الخاصة فمنها ما يستجاب في الحال ومنها ما يؤخر إلى وقت إرادة الله "وأريد أن أختبئ دعوتي" أي المقطوع بإجابتها "شافعة لأمتي" أي المذنبين منها "في الآخرة" وظاهر قوله "فجعلت دعوتي شافعة" الجزم بذلك وهو يتعارض مع قوله هنا "أريد أن أختبئ" وجمع الحافظ بينهما بقوله وبأنه ﷺ أراد أن يؤخرها ثم عزم ففعل ورجا وقوع ذلك فأعلمه الله فجزم به وفي حديث أنس "لكل نبي دعوة فدعا بها فاستجيبت فجعلت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة" ومن كثرة كرمه ﵊ أن آثر أمته على نفسه ومن صحة نظره أن جعلها في الدار الباقية دون الفانية وللمذنبين لاحتياجهم إليها دون الطائعين -[ويستفاد من الحديث: ]- ١ - فضل نبينا على سائر الأنبياء حيث آثر أمته بدعوته المجابة ولم يجعلها أيضا دعاء عليهم بالهلاك كما وقع من غيره ٢ - كمال شفقته بأمته ورأفته بهم واعتناؤه بالنظر في مصالحهم حيث جعل دعوته في أهم أوقات حاجتهم.

стр. 1096

كتاب التوحيد ٧٩ - عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ يقول الله "أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملإ ذكرته في ملإ خير منهم وإن تقرب إلي بشبر تقربت إليه ذراعا وإن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا وإن أتاني يمشي أتيته هرولة" -[المعنى العام]- يبين الحديث فضل الله على عباده المؤمنين الذين يتقربون إليه تعالى فيعملون الصالحات ويؤدون الواجبات راجين القبول طامعين في الغفران تمسكا بصادق وعده فإنه سبحانه يقبل أعمالهم ويثيبهم على طاعتهم يستجيب دعاءهم ويقبل عليهم ويرضى عنهم ويخلصهم من المحن والشدائد والكروب كما يبين أيضا أن من وفق من عباد الله لعمل طاعة من الطاعات مخلصا فيها ضمن من الله جزاء وافرا وذلك بالرضا عنه والإقبال والمبادرة إلى إكرامه أعظم الإكرام فسبحان من تفضل على عباده المؤمنين بنعمة الإيجاد في البداية وفي حال الحياة بالهداية وبالنعيم المقيم في النهاية -[المباحث العربية]- (أنا عند ظن عبدي) قال بعضهم لفظ "عند" موضوع للمكان والله

стр. 1097

تعالى منزه عن المكان فالمراد هنا سبق إثابة الله لمن يظن به خيرا وقال الراغب أنه موضوع للقرب ويستعمل في المكان (في ملإ) أي في جماعة وقوم والظاهر أن "في" هنا للظرفية المجازية لتلبس الذكر بالملإ حيث وصل إلى أسماعهم كتلبس المظروف بالظرف فيكون الشخص ذاكرا والملإ مستمعين وعلى هذا لا تكون "في" للمصاحبة (شبرا ذراعا باعا) بالنصب على التمييز أي مقدار شبر ومقدار باع والباع عبارة عن طول ذراعي الإنسان وعضديه وعرض صدره (هرولة) أي إسراعا وفي المصباح هرول أسرع في مشيه ولهذا يقال هو بين المشي والعدو ولفظ النفس والتقرب والهرولة في جانب الله مجاز على سبيل المشاكلة أو على طريق الاستعارة أو قصد إرادة لوازمها وإلا فهذه الإطلاقات وأشباهها مستحيلة على الله تعالى على سبيل الحقيقة -[فقه الحديث]- يقول الله "أنا عند ظن عبدي بي" أي قادر على أن أعمل به ما ظن أني عامله به فإن ظن أني أعفو عنه وأغفر له فله ذلك وإن ظن أني أعاقبه وأؤاخذه فذلك وقيده بعض أهل التحقيق بالمحتضر وما قبل ذلك فالمختار الاعتدال وعليه فينبغي للمرء أن يجتهد في العبادات موقنا بأن الله يقبله ويغفر له لأنه وعد بذلك والله لا يخلف الميعاد فإن اعتقد أو ظن خلاف ذلك فهو آيس من رحمة الله تعالى وهذا من الكبائر ومن مات على ذلك وكل إلى ظنه ومحل ذلك أن يكون العبد قائما بما طلب منه وأما ظن المغفرة مع الإصرار على المعصية فذلك محض الجهل والغرور والخلاصة أن حسن الظن المعتبر مستلزم لحسن العمل وإلا فهو الطمع المذموم الذي يورد صاحبه موارد الهلكة ومعنى "وأنا معه إذا ذكرني" أن العبد حين يذكر فالله معه بالرحمة والتوفيق والهداية والرعاية والإعانة فهي معية خصوصية غير المعلومة من قوله تعالى ﴿وهو معكم أين ما كنتم﴾ فإنها

стр. 1098

المعية بالعلم والإحاطة "فإن ذكرني" بالتنزيه والتقديس والتعظيم "في نفسه" بالقلب أو باللسان سرا "ذكرته" أي أثبته ورحمته وأمنته إن كان خائفا وآنسته إن كان مستوحشا "في نفسي" دون أن أعلنه للملائكة أو غيرهم "إن ذكرني في ملإ" أي أمام جمع وهمم يستمعون عظمة الله تعالى وجلاله ونعمه وكل ما يليق به "ذكرته في ملإ خير منهم" وهم الملأ الأعلى أي أن الله تعالى يذكره بحسن الثناء والوعد بالجزاء مسمعا بذلك الملائكة وغيرهم وهذا فخر دونه كل فخر ولا يلزم من ذلك تفضيل الملائكة على بني آدم لاحتمال أن يكون المراد بالملأ الذين هم خير من ملأ الذاكر الأنبياء والشهداء فلم ينحصر ذلك في الملائكة وأيضا فإن الخيرية إنما حصلت بالذكر والملأ معا فالجانب الذي فيه رب العزة خير من الملأ الذي ليس فيه بلا ارتياب فالخيرية حصلت بالمجموع على المجموع "وإن تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا وإن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا وإن أتاني يمشي أتيته هرولة" يعني من تقرب إلي بطاعة قليلة جازيته بمثوبة كثيرة وكلما زاد في الطاعة زدت في ثوابه وإن كان إتيانه بالطاعة على التأني فإتياني له بالثواب على السرعة -[ويستفاد من الحديث: ]- ١ - جواز إطلاق النفس على الذات العلية فهو إذن شرعي في إطلاقها عليه تعالى ويقويه قول الله تعالى ﴿ويحذركم الله نفسه﴾ ٢ - مضاعفة الله للعبد ثواب أعماله ٣ - سعة فضل الله على عباده وإكرامه لهم بعاجل الثواب ٤ - قال الكرماني وفي السياق إشارة إلى ترجيح جانب الرجاء على الخوف وكأنه أخذه من جهة العندية فإن العاقل إذا سمع ذلك ظن لنفسه الخير

стр. 1099

٨٠ - عن أبي هريرة ﵁ قال قال النبي ﷺ "كلمتان حبيبتان إلى الرحمن خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم" -[المعنى العام]- يدفع النبي ﷺ المسلمين إلى السمو النفسي والطهر القلبي والنور الرباني والصفاء الروحاني والتفاني ظاهرا وباطنا في تقديس الله تعالى وتنزيهه وتمجيده وتعظيمه وإجلاله فيحتم على مداومة ذكره تعالى بكلمتين خفيفتين على اللسان فلا يصعب على أحد ترديدهما ولكنهما ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن يعم من يتقرب إليه بهما كل إكرام وتفضيل من الخالق على المخلوقين وإن شئت فاستمع إلى قوله ﵊ من قال سبحان الله وبحمده في اليوم مائة مرة حطت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر وعن علي ﵁ قال من أحب أن يكتال بالمكيال الأوفى فليقل آخر مجلسه أو حين يقوم سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين

стр. 1100

-[المباحث العربية]- (كلمتان) أي كلامان فهو من باب إطلاق الكلمة على الكلام وهو خبر مقدم وما بعده صفة بعد صفة والمبتدأ جملتا "سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم" لأنهما وإن كانا منصوبين على الحكاية فهما في محل رفع ولا يرد أن الخبر مثنى والمبتدأ ليس كذلك لأنه على حذف العاطف أي سبحان الله وبحمده وسبحان الله العظيم كلمتان خفيفتان إلخ وقدم الخبر ليشرف السامع إلى المبتدأ فيكون أوقع في النفس وأدخل في القبول لأن الحاصل بعد الطلب أعز من المنساق بلا تعب ورجح بعضهم كون "سبحان الله إلخ" هو الخبر لأنه مؤخر لفظا والأصل عدم مخالفة اللفظ محله إلا لموجب يوجبه ولأنه محط للفائدة بنفسه بخلاف "كلمتان" فإنه إنما يكون محطا للفائدة باعتبار وصفه بالخفة على اللسان والثقل في الميزان والمحبة للرحمن لا باعتبار ذاته إذ ليس متعلق الغرض الإخبار منه ﷺ عن سبحان الله إلخ بأنهما كلمتان بل بملاحظة وصفه بما ذكر فكان اعتبار سبحان الله إلخ خبرا أولى وهو من قبيل الخبر المفرد بلا تعدد لأن كلا من سبحان الله عامله المحذوف الأول والثاني مع عامله الثاني إنما أريد لفظه والجملة المتعددة إذا أريد لفظها فهي من قبيل المفرد المبتدأ لأنه معلوم وكلمتان باعتبار وصفه بما ذكر هو الخبر لأنه مجهول والقاعدة إذا اجتمع معلوم ومجهول يجعل المعلوم مبتدأ والمجهول خبرا (حبيبتان) تثنية حبيبة بمعنى محبوبة وفعيل إذا كان بمعنى مفعول يستوي فيه المذكر والمؤنث إذا ذكر الموصوف نحو رجل قتيل وامرأة قتيل فإن لم يذكر الموصوف فرق بينهما نحو قتيل وقتيلة وحينئذ فوجه لحوق علامة التأنيث هنا أن التسوية جائزة لا واجبة ومناسبته للخفيفة والثقيلة لأنهما بمعنى الفاعل لا المفعول وقيل هذه التاء لنقل اللفظ من الوصفية إلى الإسمية (خفيفتان على اللسان) فيه استعارة حيث شبه سهولة جريانهما على اللسان بخفة المحمول من الأمتعة واشتق من ذلك (خفيفتان) بمعنى سهلتي الجري على اللسان لقلة حروفهما ورشاقتهما

стр. 1101

(الميزان) هو الذي يوزن به في القيامة أعمال العباد والأصح أنه جسم محسوس ذو لسان وكفتين وفي كيفيته أقوال وفي هذا الجزء من الحديث المقابلة والموازنة في السجع لأنه قابل الخفة على اللسان بالثقل في الميزان وقال حبيبتان إلى الرحمن لأجل الموازنة بقوله على اللسان وحبيبتان وخفيفتان وثقيلتان صفات لقوله كلمتان كما مر وفي الرواية تقديم حبيبتان على ما بعدها وفي رواية "كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن" (سبحان الله) سبحان اسم مصدر لسبح بالتشديد وقياس مصدر فعل المشدد إذا كان صحيح اللام التفعيل كالتسليم والتكريم وقيل مصدر لأنه سمع له فعل ثلاثي وهو من الأسماء الملازمة للإضافة وقد يفرد فإذا أفرد منع الصرف للتعريف وزيادة الألف والنون وهو لازم النصب بفعل مقدر ولا يجوز إظهاره وإضافته إلى المفعول أي سبحت الله ويجوز أن يكون مضافا إلى الفاعل أي نزه نفسه والأول هو المشهور ومعناه تنزيه الله عما لا يليق به من كل نقص (وبحمده) قيل الواو زائدة فهو مع سبحان الله جملة واحدة وقيل عاطفة أي وبحمده سبحته فذلك جملتان وقيل للحال أي أسبحه متلبسا بحمدي له من أجل توفيقه لي للتسبيح ونحوه والباء في قوله "بحمده" للملابسة والحمد مضاف للمفعول أي متلبسا بحمدي له كما تقرر وقيل للاستعانة والحمد مضاف للفاعل أي أسبحه بحمده إذ ليس كل تنزيه محمودا ألا ترى أن تسبيح المعتزلة اقتضى تعطيل كثير من الصفات وقيل للسببية أي أسبح الله وأثني عليه بحمده قال الخطابي المعنى وبمعونتك التي هي نعمة توجب على حمدك سبحتك لا بحولي وقوتي يريد أنه مما أقيم فيه المسبب مقام السبب -[فقه الحديث]- أراد النبي ﷺ بقوله "كلمتان حبيبتان إلى الرحمن" أن قائلهما محبوب

стр. 1102

لله تعالى ومحبة الله لعبده إرادته إيصال الخير له والتكريم وخص اسم الرحمن دون غيره من أسماء الله الحسنى لأن كل اسم منها إنما يذكر في المكان اللائق به كقوله تعالى ﴿استغفروا ربكم إنه كان غفارا﴾ وكذلك هنا ولما كان جزاء من يسبح بحمده تعالى الرحمة ذكر في سياقها الاسم المناسب لذلك وهو الرحمن والكلمتان خفيفتان على اللسان للين حروفهما وسهولة مخارجهما فالنطق بهما سريع وذلك لأنه ليس فيهما من حروف الشدة المعروفة ولا من حروف الاستعلاء أيضا سوى حرفين "الباء والظاء" وقد اجتمعت فيهما حروف اللين الثلاثة "الألف والواو والياء" وبالجملة فالحروف السهلة الخفيفة فيهما أكثر من العكس واختلف في قوله "ثقيلتان في الميزان" فقيل الثقل حقيقة كما هو مذهب أهل السنة لكثرة الأجور المدخرة لقائلهما والحسنات المضاعفة للذاكر بهما فالموزون نفس الكلمات لأن الأعمال تتجسم وقيل الموزون صحائفها لحديث البطاقة المشهور ووصف الكلمتين بالخفة والثقل لبيان قلة العمل وكثرة الثواب وفي هذا الوصف إشارة إلى أن سائر التكاليف صعبة شاقة على النفوس وهذه خفيفة سهلة عليها مع أنها تثقل في الميزان وقد روي في الآثار أن عيسى ﵊ سئل ما بال الحسنة تثقل والسيئة تخف فقال لأن الحسنة حضرت مرارتها وغابت حلاوتها فثقلت فلا يحملنك ثقلها على تركها والسيئة حضرت حلاوتها وغابت مرارتها فلذلك خفت عليك فلا يحملنك على فعلها خفتها فإنما بذلك تخف الموازين يوم القيامة "سبحان الله وبحمده" أي أسبح الله تسبيحا يختص به وأنزهه عن كل ما لا يليق به تنزيها متلبسا بحمدي له من أجل توفيقه لي وقدم التسبيح على التحميد تقديما للتخلية وختم بقوله "سبحان الله العظيم" ليجمع بين مقامي الرجاء والخوف إذ معنى الرحمن يرجع إلى الإنعام والإحسان فيقتضي الرجاء ومعنى العظيم يشعر بالقوة والغلبة فيقتضي الخوف من هيبته تعالى وفي رواية "سبحان الله العظيم سبحان الله وبحمده" وكرر التسبيح دون التحميد اعتناء بشأن التسبيح لكثرة المخالفين فيه قال الحافظ وجاء ترتيب هذا الحديث على إسلوب عظيم وهو أن حب الرب سابق وذكر العبد وخفة الذكر على لسانه تال ثم

стр. 1103

بين ما فيهما من الثواب العظيم النافع يوم القيامة -[ويؤخذ من الحديث: ]- ١ - الحث على إدامة الذكر باللفظ المذكور لمحبة الرحمن له وخفته بالنسبة لما يتعلق بالعمل وثقله بالنسبة لإظهار الثواب ٢ - أن مثل هذا السجع الوارد فيه جائز فإن المنهي عنه في قوله ﵊ "سجع كسجع الكهان" ما كان متكلفا أو متضمنا للباطل لا ما جاء عن غير قصد أو تضمن حقا ويؤخذ من ذلك أن السجع ليس يشعر فلا يوزن على أن الممنوع منه ﷺ ما كان عن قصد كما تقدم ٣ - إيراد الحكم المرغوب في فعله بلفظ الخبر لأن المقصود من الحديث الأمر بملازمة الذكر ٤ - جواز المقابلة والموازنة في السجع. ٥ - فيه إشارة إلى امتثال قوله تعالى ﴿وسبح بحمد ربك﴾