← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 14106

المنهل الحديث في شرح الحديث

موسى شاهين لاشين

Полный текст (1 103 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

الأصليين وفي ذلك يقول ﷺ "من انتسب إلى غير أبيه انتسابا يستحل به حقوق الغير وهو يعلم أنه غير أبيه حرم الله عليه الجنة" -[المباحث العربية]- (ادعى) بوزن افتعل أي انتسب (وهو يعلم) الجملة حالية (فذكر ذلك لأبي بكرة) وهو نفيع بن الحارث الكلدي أي ذكر الحديث والذي ذكره لأبي بكرة هو أبو عثمان الراوي عن سعد وفائدة هذه العبارة التوثيق من صحة الحديث حيث سمعه غيره أيضا ووعاه -[فقه الحديث]- حكمة هذا التحذير أن من نتائج انتساب الرجل إلى غير أبيه أنه قد يتزوج أخته من أبيه الحقيقي أو عمته أو غيرهما مما حرمه الشرع فوق إرثه من غير أبيه وأخذه مال الغير بغير حق وظاهر قوله "فالجنة عليه حرام" تخليده في النار ولهذا حمله بعضهم على المستحل لأن الجنة ما حرمت إلا على الكافرين وحمله بعضهم على التغليظ على الزجر للتنفير من هذا الفعل واستشكل بأن جماعة من خيار الأمة انتسبوا إلى غير آبائهم كالمقداد بن الأسود إذ هو ابن عمرو بن ثعلبة الزهري تبناه الأسود بن عبد يغوث الزهري فنسب إليه وأجيب بأن أهل الجاهلية كانوا لا يستنكرون أن يتبنى الرجل غير ابنه الذي خرج من صلبه فينسب إليه ولم يزل ذلك في أول الإسلام حتى نزل قوله تعالى ﴿وما جعل أدعياءكم أبناءكم﴾ وقوله ﴿ادعوهم لآبائهم﴾ فغلب على بعضهم النسب الذي كان يدعى به من قبل الإسلام فصار إنما يذكر للتعريف لا للانتساب الحقيقي فلا يقتضي الوعيد المذكور لأنه إنما يتعلق بمن انتسب إلى غير أبيه عن علم منه بأنه ليس أباه عامدا مختارا ليحصل على جميع حقوق البنوة -[ويستفاد من الحديث: ]- التحذير الشديد من الانتساب إلى غير الآباء لما في ذلك من المفاسد الكثيرة.

стр. 1052

كتاب الحدود الحدود جمع حد وهو لغة المنع وشرعا عقوبة مقدرة على مرتكب المعصية وإنما جمعه لاشتماله على أنواع وهي حد الزنا وحد القذف وحد الشرب وحد السرقة وفي كون الحدود زواجر أو جواير رأيان والراجح أنها جوابر لأن الله أكرم من أن يعاقب على ذنب مرتين ٦١ - عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده ويسرق الحبل فتقطع يده" -[المعنى العام]- يحذر الرسول ﷺ من السرقة قليلها وكثيرها فيقول إن السارق مستحق للطرد من رحمة الله لأنه ألغى عقله وفقد كرامته وعصى ربه وباع ثمينا ببخس باع يده التي يبطش بها والتي لا تقابل بمال بشيء حقير قد يكون أساسه بيضة رخيصة أو حبلا تافها فما أهون نفسه عليه وما أحقر ما سعى إليه وما أشقاه وما أبعده عن رحمة الله -[المباحث العربية]- (لعن الله السارق) اللعن الطرد من الرحمة ويحتمل أن يكون المراد به هنا الإهانة والخذلان (يسرق البيضة) قيل المراد بها بيضة الحديد وهي الخوذة التي تلبس

стр. 1053

على رأس الجند عند الحرب لوقايتهم وقيل المراد بها بيضة الحيوان -[فقه الحديث]- قبل أن نشرح الحديث نتكلم بإيجاز عن مذاهب الفقهاء في المقدار الذي نقطع من أجله يد السارق ١ - فالظاهرية يقولون بالقطع في القليل والكثير ولا نصاب له استدلالا بظاهر قوله تعالى ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ وبظاهر الحديث الذي معنا ٢ - والحنفية على أنه لا يقطع في أقل من عشرة دراهم (تعادل خمسة وعشرين قرشا مصريا تقريبا) ودليلهم أن قيمة المجن الذي قطع فيه رسول الله ﷺ كانت إذ ذاك عشرة دراهم يروى ذلك عن ابن عباس وغيره ٣ - والمالكية على أنه لا يقطع في أقل من ربع دينار إذا كان المسروق ذهبا (والدينار بالوزن درهم وثلاثة أسباع درهم بميزاننا) وإذا كان فضة فنصابه ثلاثة دراهم لأن ربع الدينار في صدر الإسلام كان يعادل ثلاثة دراهم وإن كان غيرهما قوم بالدراهم ٤ - والشافعية على أن المعتبر في القطع هو ربع الدينار فلو تباعدت النسبة بين الذهب والفضة كما في أيامنا لم تقطع اليد فيما قيمته أدنى من ربع دينار من الذهب الخالص وإن ساوى عشرين درهما من الفضة أو أكثر (ربع الدينار يساوي في أيامنا خمسين قرشا مصريا باعتبار أن ثمن الدرهم من الذهب مائة وأربعون قرشا) من هذا العرض السريع يتضح أن المذاهب الأربعة متفقة على تحديد نصاب للقطع لا ينطبق على بيضة الدجاجة ولا على الحبل التافه ولهذا احتاج الحديث إلى توجيه قال فيه بعضهم إن المراد من البيضة بيضة الحديد التي هي خوذة المحارب ومن الحبل حبل السفينة ونحوه وكل منهما يزيد على النصاب وقال بعضهم إن التأويل لا يجوز عند من يعرف صحيح كلام العرب إذ ليس من كلام العرب والعجم أن يقولوا قبح الله

стр. 1054

فلانا عرض نفسه للضرب في عقد جوهر وإنما العادة في مثل هذا أن يقال لعنه الله تعرض لقطع اليد في بيضة حقيرة وفي حبل رث وعلى هذا فالحديث محمول على المبالغة في التنبيه على عظم ما خسر وتحقير ما حصل فحقيقة البيضة والحبل غير مقصود كقوله ﷺ "من بنى لله مسجدا ولو كمفحص قطاه" فمن المعلوم أن مفحص القطاة وهو قدر ما تحتضن به بيضها لا يتسع للجبهة فلا يتصور أن يكون مسجدا ومنه "تصدقن ولو بظلف محرق" وقال الخطابي إن الحديث من باب التدريج لأنه إذا استمر ذلك به لم يأمن أن يؤديه ذلك إلى سرقة ما فوقه حتى يبلغ فيه القطع فتقطع يده فليحذر هذا الفعل وليتركه قبل أن تملكه العادة ومعنى ذلك أن في الحديث حذفا اعتمادا على المعلوم من الأحاديث الأخرى والأصل يسرق البيضة فيعتاد السرقة فيسرق النصاب فتقطع يده وقال بعضهم لما نزل قوله تعالى ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ مطلقا غير مقيد قال النبي ﷺ هذا الحديث على ظاهر ما نزل ثم أعلمه الله أن القطع لا يكون إلا في ربع دينار فصاعدا فأخبر الأمة بذلك في الأحاديث الأخرى ومعنى ذلك أن الحديث الذي معنا منسوخ وقد استدل بهذا الحديث على جواز لعن الفاسق غير المعين من العصاة مطلقا إذ لا ينبغي تعيير أهل المعاصي ومواجهتهم باللعن وإنما ينبغي أن يلعن في الجملة من قبل فعلهم ليكون ذلك ردعا وزجرا عن انتهاك شيء منها ويحتمل أن لا يراد به حقيقة اللعن بل التنفير فإذا وقعت من معين لم يلعن بعينه لئلا يقنط وييأس ولأن النبي ﷺ نهى عن لعن النعيمان بعد أن أقيم عليه الحد وأجاز بعضهم لعن من لم يقم عليه الحد سواء سمي وعين أم لا ما دام على الحالة الموجبة للطرد من رحمة الله فإذا تاب منها وطهره الحد فلا لعنة تتوجه إليه.

стр. 1055

كتاب الديات الديات جمع دية وأصلها مصدر مأخوذ من الودي وهو دفع المال يقال وديت القتيل أديه وديا فحذفت فاء الكلمة وعوض عنها الهاء ثم غلب استعمال الدية شرعا في المال الواجب بالجناية على الحر في نفس أو فيما دونها ٦٢ - عن عبد الله ﵁ عن النبي ﷺ قال "لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث النفس بالنفس والثيب الزاني والمارق لدينه التارك للجماعة" -[المعنى العام]- يحرم النبي ﵊ دماء المسلمين ويعظم شأنها ويوجب حقنها فلا يجوز قتل المسلم إلا بواحدة من ثلاث خصال أولاها أن يكون قد قتل مسلما عمدا عدوانا وظلما فإنه يقتل قصاصا والثانية أن يزني وهو محصن بالشروط اللازمة للرجم فإنه يقتل حدا والثالثة ارتداد المسلم وخروجه عن دينه القويم وما أبلغ الزجر عن هذه الخصال بهذا الأسلوب الحكيم -[المباحث العربية]- (عبد الله) هو ابن مسعود كما مر في حديث ٤٩

стр. 1056

(لا يحل دم امرئ) المراد لا يحل إراقة دمه أي كله وهو كناية عن القتل ولو لم يرق دما (يشهد أن لا إله إلا الله) أن مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن وخبرها قوله (لا إله إلا الله) وجملة "يشهد إلخ" نعت ثان أتي به لبيان أن المراد بالمسلم هو الآتي بالشهادتين فهي صفة كاشفة وليست قيدا فيه إذ لا يكون مسلما إلا بذلك وقال في شرح المشكاة الظاهر أن "يشهد إلخ" حال جيء به مقيدا للموصوف مع صفته إشعارا بأن الشهادة هي العمدة في حقن الدماء (إلا بإحدى ثلاث) الباء للسببية أي لا يحل إلا بسبب إحدى خصال ثلاث أو الملابسة متعلقة بمحذوف والتقدير إلا متلبسا بفعل إحدى ثلاث فيكون الاستثناء مفرغا ثم المستثنى منه يحتمل أن يكون الدم فيكون التقدير لا يحل دم امرئ مسلم إلا دما متلبسا بإحدى ثلاث ويحتمل أن يكون استثناء من امرئ فيكون التقدير لا يحل دم امرئ مسلم إلا امرءا متلبسا بإحدى ثلاث خصال فمتلبسا حال من امرئ وجاز لأنه تخصص بالوصف الذي هو "مسلم" وجعلها للسببية لا يحوج إلى هذا التكلف (النفس بالنفس) أي النفس القاتلة مأخوذة بالنفس المقتولة فالباء للسببية والجار والمجرور متعلق يكون خاص وقال الشرقاوي النفس الأولى هي المقتولة والثانية هي القاتلة وعليه فالباء للمقابلة وهو كما ترى (الثيب الزاني) بالياء على الأصل ويروى بحذفها اكتفاء بالكسرة كقوله تعالى ﴿الكبير المتعال﴾ (التارك للجماعة) ال في الجماعة للعهد أي جماعة المسلمين وهذه صفة مفسرة للمفارق لدينه -[فقه الحديث]- أورد البخاري هذا الحديث تحت كتاب الديات لأن كل ما يجب فيه

стр. 1057

القصاص يجوز العفو عنه على مال فتكون الدية أشمل وظاهر قوله "لا يحل" أنه يحل قتل من استثني، وهو كذلك وإن كان بعض من استثنى واجب القتل فإن الواجب والمستحب حلال وإنما عبر بهذا اللفظ ليقابل تحريم قتل غيرهم وليس معنى إهدار دم هؤلاء الثلاثة أن لكل إنسان الحق في قتلهم بل صاحب الحق الأول هو الولي بإذن الإمام وصاحب الحق بعده هو الإمام أو نائبه -[ويستفاد من الحديث: ]- ١ - جواز قتل المسلم بالكافر المستأمن والمعاهد لعموم قوله النفس بالنفس والجمهور على خلافه تخصيصا لهذا العموم بحديث لا يقاد مؤمن بكافر ٢ - جواز قتل الأب بابنه وليس كذلك تخصيصا لهذا العموم بقوله ﷺ "لا يقاد الوالد بولده" ولأنه سبب في إحيائه فلا يكون الابن سببا في إفنائه ٣ - أن الجماعة لا يقتلون بالواحد لقوله "النفس بالنفس" بالإفراد وقد روي هذا عن أحمد والجمهور على خلافه مراعاة لحكمة القصاص وهي صون الدماء إذا لو لم يقتص من الجماعة لقتلوا مجتمعين وحينئذ تهدر الدماء ويكثر الفساد ٤ - جواز قتل الحر بالعبد لأن كلا نفس وبهذا قال الحنفية وخصص الجمهور هذا العموم بقوله "كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد" ٥ - أن المرأة حكمها في الردة حكم الرجل لاستواء حكمها في الزنا وبهذا قال الجمهور ومنع بعضهم قتل المرتدة بناء على أن هذه الدلالة دلالة اقتران وهي ضعيفة في الاستدلال ٦ - إن تارك الصلاة لا يقتل بتركها لأنه ليس من الثلاثة وبهذا قال الحنفية ومن وافقهم وقال الجمهور يقتل حدا لا كفرا بعد الاستتابة لأنهم

стр. 1058

ادخلوه في التارك لدينه المفارق للجماعة من ناحية أن المفارق لدينه إما أن يفارقه كله وهو المرتد وأما أن يفارق بعضه كتارك الصلاة وإنما لم يقتل تارك الزكاة لإمكان انتزاعها منه قهرا ولم يقتل تارك الصيام لإمكان منعه من المفطرات وقال أحمد وبعض المالكية إن تارك الصلاة يكفر ولو لم يجحد وجوبها وتمسكوا بظواهر أحاديث وردت في تكفيره وحملها الجمهور على التارك المستحل جمعا بين الأخبار ٧ - أن الصائل لا يجوز قتله وليس كذلك بل يباح قتله في الدفع ويجاب بأنه داخل في المفارق لدينه التارك للجماعة أو المراد لا يحل تعمد قتله إذا اندفع بدون ذلك إذ الصائل يجب دفعه بالأخف ولا يقتل إلا مدافعة ٨ - جواز وصف الشخص بما كان عليه ولو انتقل عنه لاستثنائه المرتد من المسلمين وهو باعتبار ما كان.

стр. 1059

٦٣ - عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال "أبغض الناس إلى الله ثلاثة ملحد في الحرم ومبتغ في الإسلام سنة الجاهلية ومطلب دم امرئ بغير حق ليهريق دمه" -[المعنى العام]- يعظم النبي ﷺ جريمة ثلاثة من عصاة المسلمين ويجعلهم أكثر العصاة بغضا إلى الله في الدنيا وفي الآخرة الأول الذي يفعل المعاصي ويرتكب الكبائر داخل الحرم المكي غير آية بقداسة ذلك المكان ولا بوعيد الله لمن ينتهك حرمته حيث قال ﴿ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم﴾ والثاني الذي يحيي شعائر الجاهلية وعاداتها وآثامها بعد أن قطع الله ذلك وأزاله بالإسلام الحنيف والثالث الذي يطلب القصاص من رجل ليس عليه ذنب هذا القصاص فهو يريد إهدار دم حرمه الله بغير حق وجدير بالمسلم أن يبتعد عما يغضب الله من هذه الأمور وغيرها -[المباحث العربية]- (أبغض) أفعل تفضيل بمعنى المفعول من البغض ومثله أعدم من العدم إذا افتقر قال في الصحاح وقولهم ما أبغضه إلى شاذ لا يقاس عليه والبغض من الله إرادة إيصال المكروه (الناس) المراد بهم عصاة المؤمنين فهؤلاء الثلاثة أبغضهم إلى الله فلا يرد أن المشرك أبغض منهم جميعا (ملحد) هو خبر مبتدأ محذوف تقديره أحدهم ملحد أي مائل عن القصد والإلحاد العدول عن القصد واستشكل عليه بأن مرتكب الصغيرة مائل عن القصد أيضا ودفع بأن هذه الصيغة في عرف الشرع تستعمل في الخروج عن الدين فإذا وصف بها المسلم كان المراد تعظيم الذنب ولذلك

стр. 1060

أوردها بالجملة الإسمية المشعرة بثبوت الصفة وبتنكير التعظيم فالمراد من يفعل كبيرة (في الحرم) أل فيه للعهد والمراد الحرم المكي لأن سبب الحديث أن رجلا قتل رجلا بالمزدلفة في غزوة الفتح (مطلب) بضم الميم وتشديد الطاء مفتعل من الطلب وأصله "متطلب" فأبدلت التاء طاء وأدغمت في الطاء أي المبالغ في الطلب أو المتكلف له (ليهريق) بضم الياء وفتح الهاء ويجوز إسكانها أي يريق (سنة الجاهلية) طريقة أهل الجاهلية الذميمة -[فقه الحديث]- في الحديث إشارة إلى أن عقاب الكبيرة الواقعة في الحرم أشد من عقابها في غيره وظاهر سياق الحديث أن فعل الصغيرة في الحرم أشد من فعل الكبيرة في غيره وهو مشكل فيتعين أن المراد بالإلحاد فعل الكبيرة ويؤخذ ذلك من سياق الآية فإن الإتيان بالجملة الإسمية يفيد ثبوت الإلحاد ودوامه والتقييد بالظلم والتصريح بالظرفية وتنوين التعظيم في الحاد أي من يكون إلحاده عظيما وجعل بعضهم من خصوصيات الحرم أن يعاقب ناوي الشر فيه أخذا من قوله تعالى ﴿ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم﴾ بل قال ابن مسعود ما من رجل يهم فيه بسيئة إلا كتبت عليه وسنة الجاهلية اسم جنس يعم جميع ما كان عند أهل الجاهلية والمراد هنا ما جاء الإسلام بتركه من الطيرة والكهانة وأخذ الجار بجاره وأن يكون له الحق عند شخص فيطلبه من غيره والمراد من المطلب دم امرئ الطالب الذي ترتب على طلبه المقصود وهو هنا الإراقة لأن من طلب ولم ينل مقصوده المترتب عليه لا يكون بهذه المنزلة أو ذكر الطلب ولم يذكر الفعل ليكون الزجر عن الفعل بطريق الأولى واحترز بقوله ﴿بغير حق﴾ عمن يطلب بحق كطلب القصاص من القاتل عدوانا

стр. 1061

-[ويؤخذ من الحديث: ]- ١ - الترهيب الشديد من هذه الخصال الثلاث ٢ - حرمة الحرم المكي وعظم الذنب فيه ٣ - أن العزم المصمم عليه يؤاخذ به ولا سيما في حرم مكة. ٦٤ - عن أبي هريرة ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول "لو اطلع في بيتك أحد ولم تأذن له خذفته بحصاة ففقأت عينه ما كان عليك من جناح" -[المعنى العام]- يحفظ النبي ﵊ حرمة البيوت وعورات الناس من أن يطلع عليها الأجانب عنهم بغير إذنهم فيهدر قيمة المعتدي ويحكم بأنه لو رمى صاحب البيت من ينظر إلى حرماته وعوراته بحصاة ففقأ عين الناظر فلا قصاص ولا دية ولا مؤاخذة -[المباحث العربية]- (خذفته) بالخاء والذال ثم فاء أي رميته بحصاة بأن جعلتها بين

стр. 1062

إبهامك وسبابتك قاله في المصباح وقيل هو أن تجعلها على طرف الإبهام وترميها بطرف السبابة وفي بعض النسخ (فحذفته) بالحاء المهملة قال الطبري وهو خطأ لأن في نفس الخبر الرمي بالحصاة وهو بالمعجمة جزما قال في الفتح ولا مانع من استعمال المهملة في ذلك مجازا (ففقأت عينه) أي قلعتها أو أطفأت ضوءها (ما كان عليك من جناح) من زائدة لتأكيد النفي وفي رواية بدونها وجناح اسم كان والمراد منه الإثم والمؤاخذة والحرج -[فقه الحديث]- في الحديث احتراز عمن اطلع بإذن فحذفته بحصاة ففقأت عينه فإنك تؤاخذ في ذلك أما من انتهك حرمة بيتك بغير إذن ففقأت عينه فليس عليك إثم وفي رواية صححها ابن حبان والبيهقي (فلا قود ولا دية) وهذا مذهب الشافعية وعبارة النووي ومن نظر إلى حرمة في داره من كوة أو ثقب فرماه بخفيف كحصاة فأعماه أو أصاب قرب عينه فجرحه فمات فهدر بشرط عدم محرم وزوجة للناظر اهـ والمعنى فيه المنع من النظر وإن كانت حرمة مستورة أو منعطفة لعموم الإخبار ولأنه لا يدري متى تستتر ومتى تنكشف فيحسم باب النظر وخرج بالدار المسجد والشارع ونحوهما وبالثقب الباب والكوة الواسعة والشباك الواسع العيون وبقرب عينه ما لو أصاب موضعا بعيدا عنها فلا تهدر في الجميع ومحل ذلك ما لم يقصر صاحب الدار وكان الناظر مجتازا فنظر غير قاصد وذهب المالكية إلى القصاص وخرجوا الحديث مخرج التغليظ واعتلوا بأن المعصية لا تدفع بالمعصية ورد بأن المأذون فيه إذا ثبت الإذن لا يسمى معصية وهل يشترك الإنذار قبل الرمي أولا وجهان أصحهما أنه لا يشترط -[ويؤخذ من الحديث: ]- ١ - محافظة الشارع على حرمات المنازل

стр. 1063

٢ - المنع من الاطلاع في بيت الأجنبي ولو كان الناظر امرأة ٣ - إباحة الدفاع عن المحارم ولو أدى إلى فقء العين ٤ - وفيه مشروعية الاستئذان ٥ - وجواز رمي من يتجسس وحاول الوقوف على عورات الناس وأحوالهم.

стр. 1064

كتاب التعبير أي تفسير الرؤيا تقول عبرت الرؤيا عبرا وعبارة إذا انتقلت من ظاهرها في باطنها ومنه عبور النهر أي الانتقال من شاطئ إلى آخر ويقال عبرت الرؤيا بالتخفيف إذا فسرتها وعبرت بالتشديد للمبالغة في تفسيرها وهواستعمال قليل وقد غلب مصدره (تعبير) على تفسير الرؤيا وقد كثر الكلام عن حقيقة الرؤيا وأقرب ما قيل إنها إدراكات الروح النائم تأتيها بغير طريق الحواس الخمس المعروفة لبطلان عمل هذه الحواس بالنوم وطريق هذه الإدراكات ما يعبر عنه بالبصيرة أو ما يعبر عنه المناطقة بالحواس الباطنة أو ما يعبر عنه علماء النفس بالعقل الباطن وقال ابن الأثير الرؤيا والحلم عبارة عما يراه النائم في النوم من الأشياء لكن غلبت الرؤيا على ما يراه من الخير والشيء الحسن وغلب الحلم على ما يراه من الشيء القبيح ومنه قوله تعالى ﴿أضغاث أحلام﴾ وفي الحديث (الرؤيا من الله والحلم من الشيطان) ٦٥ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول "إذا رأى أحدكم رؤيا يحبها فإنما هي من الله فليحمد الله عليها وليحدث بها وإذا رأى غير ذلك مما يكره فإنما هي من الشيطان فليستعذ من شرها ولا يذكرها لأحد فإنها لا تضره" -[المعنى العام]- لقد أخبر النبي ﷺ أن ما يراه النائم على ضربين أحدهما يؤذن بخير

стр. 1065

للرائي في دنياه أو أخراه فينبغي لمن رأى ذلك أن يحمد الله تعالى عليه وأن يتحدث به إلى من يحب والثاني يزعج النفس ويوقعها في الوهم والاضطراب وغير ذلك مما يكرهه الرائي فعليه أن يستعيذ بالله من شر تلك الرؤيا ومن شر الشيطان وأن يكتمها عن الناس ولا يذكرها لأحد فإنه إن فعل ذلك وقاه الله ضررها وأنجاه من شرها وهو بكل شيء حفيظ -[المباحث العربية]- (رؤيا) بالألف اسم لما يراه النائم والرؤية بالتاء اسم لما يكون في اليقظة وقد تستعمل أولى في موضع الثانية قال تعالى ﴿وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس﴾ على أنها الإسراء وكان يقظة لا مناما (وليحدث بها) مفعول محذوف تقديره وليحدث بها لبيبا أو حبيبا -[فقه الحديث]- إذا رأى أحدكم في نومه رؤيا يحبها لما تشير من خيري الدنيا والآخرة فليحمد الله عليها وليحدث بها وعند مسلم "فإن رأى رؤيا حسنة فليبشر ولا يخبر إلا من يحب" وقوله "فليبشر" بضم الياء من الإبشار والبشرى كما قال النووي أي فليستبشر وفي حديث عند الترمذي "ولا يحدث بها إلا لبيبا أو حبيبا" وفي آخر "ولا يقص الرؤيا إلا على عالم أو ناصح" قال القاضي أبو بكر ابن العربي "أما العالم فإنه يؤولها على الخير مهما أمكنه وأما الناصح فإنه يرشده إلى ما ينفعه ويعينه عليه وأما اللبيب وهو العارف بتأويلها فإنه يعلمه بما يعول عليه في معناها أو يسكت وأما الحبيب فإن عرف خيرا قاله وإن جهل أو شك سكت" اهـ قال الحافظ والأولى الجمع فإن اللبيب عبر به عن العالم والحبيب عبر به عن الناصح وأما الحكمة في أنه لا يحدث بها من لا يحب فهي أنه يفسرها له بما لا يحب إما بغضا وإما حسدا فيتعجل لنفسه من ذلك حزنا ونكدا وإنما نسبت غير المحبوبة إلى الشيطان لأنه هو الذي يخيل بها أو لأنها تناسب صفته من الكذب والتهويل أو لأنها على هواه ومراده إذ هو يحب الشر دائما لا أنه

стр. 1066

يوجدها إذ كل شيء بخلق الله وتقديره وأضيفت الرؤيا إلى الله تعالى أضافة تشريف وظاهره أن المضافة إلى الشيطان يقال لها رؤيا أيضا وقيل لها حلم أخذا من حديث "الرؤيا من الله والحلم من الشيطان" وهو تصرف شرعي وإلا فالكل يسمى رؤيا والحكمة في كتمان الرؤيا المكروهة مخافة تعجيل اشتغال قلب الرائي بمكروه تفسيرها لأنها قد تبطئ فإذا لم يخبر بها زال تعجيل روعها وتخويفها ويبقى إذا لم يعبرها له أحد بين الطمع في أن لها تعبيرا حسنا والرجاء في أنها من الأضغاث فيكون ذلك أسكن لنفسه كذا قال القاضي عياض وفي معنى "فإنها لا تضره" قال النووي إن الله جعل ما ذكر سببا للسلامة من المكروه المترتب على الرؤيا كما جعل الصدقة وقاية للمال اهـ ويمكن أن يقال إن الاستعاذة والتفل والتحول إلى الجنب الآخر والصلاة وقراءة القرآن الواردات في بعض الروايات إنما هي لتقوية الروح المعنوية ومدافعة الوهم والخوف اللذين يؤثران تأثيرا ضارا أكثر من تأثير وقوع المصائب -[ويستفاد من الحديث: ]- ١ - مشروعية حمد الله عند الرؤيا الصالحة ٢ - والتحدث بها للعالم الناصح ٣ - ومشروعية التعوذ بالله عند الرؤيا المكروهة ٤ - وعدم ذكرها لأحد ٥ - أن الرؤيا قد تقع على ما يعبر به أخذا من قوله "ولا يذكرها لأحد" ٦ - استدل بقوله "فليستعذ بالله من شرها" على أن للوهم تأثيرا في النفوس لأن الاستعاذة مما يدفع الوهم فكأنه لم يكن.

стр. 1067

٦٦ - عن أبي هريرة ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول "لم يبق من النبوة إلا المبشرات" قالوا وما المبشرات قال "الرؤيا الصالحة" -[المعنى العام]- في المرض الذي توفي فيه ﷺ كشف الستارة ورأسه معصوب والناس صفاف خلف أبي بكر فقال أيها الناس إن الوحي ينقطع بموتي وأنه لن يبقى بعدي ما يعلم به أخبار المستقبل إلا الرؤيا الصالحة يراها العبد لنفسه أو ترى له من غيره -[المباحث العربية]- (لم يبق) عبر بلم المفيدة للمضي تحقيقا لوقوعه والمراد الاستقبال أي لا يبقى يدل لذلك ما ورد عن عائشة بلفظ "لن يبقى بعدي" فهذا الظرف والتصريح بلن قرينتان على إرادة الاستقبال وقيل هو على ظاهره من المضي واللام في النبوة للعهد والمراد نبوته ﵊ أي لم يبق بعد النبوة المختصة بي إلا المبشرات -[فقه الحديث]- لا يرد على الحصر في الحديث الإلهام لأن المراد الباقي من النبوة

стр. 1068

الذي يعم أفراد المؤمنين وأما الإلهام فمختص ببعضهم فضلا عن قلة وقوعه وظاهر الاستثناء أن الرؤيا نبوة أو جزء من النبوة حقيقة وليس كذلك بل المراد تشبيه الرؤيا بالنبوة في الصدق والتعبير بالمبشرات خرج مخرج الغالب وإلا فمن الرؤيا ما تكون منذرة وهي صادقة يريها الله تعالى لعبده المؤمن لطفا به ليستعد لما يقع قبل وقوعه وعند أحمد من حديث أبي الدرداء عن النبي ﷺ في قوله تعالى ﴿لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾ قال "الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له" وعند ابن جرير من حديث أبي هريرة قال "البشرى في الدنيا الرؤيا الصالحة يراها العبد أو ترى له وفي الآخرة الجنة" ويدل الحديث على صدق الرؤيا الصالحة وأنها جزء من النبوة وفيض من العلي الكريم حيث يبين لعباده ما عسى أن يقع بهم من خير أو شر -[والحاصل أن ما يراه النائم على أنواع: ]- ١ - نوع يكون تخليطا بصور غير متناسقة ولا مرتبطة الأجزاء ويسمى بالهواجس ٢ - ونوع يصدر عن هوى النفس وعن صور مكبوتة في اليقظة تظهر عند انطلاقها في النوم حيث لا حدود ولا رقيب وهذا النوع هو محل اهتمام علماء النفس ٣ - ونوع غير هذين النوعين وهو ما يعني به الشرع وهو قسمان بشير ونذير ومنه الصحيح الذي لا يحتاج إلى تأويل كرؤيا ملك يوسف وصاحبي السجن والناس إزاء هذا النوع على ثلاث درجات الأنبياء ورؤياهم كلها صدق وقد يقع فيها ما يحتاج إلى تعبير والصالحون والأغلب على رؤياهم الصدق وقد يقع فيها ما لا يحتاج إلى تعبير وغيرهم ويقع في رؤياهم الصدق والأضغاث وتغلب الأضغاث مع الفسقة ويندر الصدق مع الكفار.

стр. 1069

كتاب الفتن الفتن جمع فتنة وهي المحنة والشدة والعذاب وكل مكروه كالكفر والإثم والفضيحة والفجور والمصيبة وغيرها من المكروهات فإن كانت من الله تعالى فهي على وجه الحكمة وإن كانت من الإنسان بغير ما أمر الله فهي مذمومة فقد ذم الله الإنسان بإيقاع الفتنة قال تعالى ﴿والفتنة أشد من القتل﴾ وقال ﴿إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا﴾ إلخ وأصلها من الفتن بفتح الفاء وسكون التاء وهو كما قال الراغب إدخال الذهب النار لتظهر جودته من رداءته ٦٧ - عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال "من كره من أميره شيئا فليصبر فإنه من خرج من السلطان شبرا مات ميتة جاهلية" وفي رواية أخرى عنه قال "من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر عليه فإنه من فارق الجماعة شبرا فمات إلا مات ميتة جاهلية" -[المعنى العام]- يهدف النبي ﷺ إلى دعم الصلات بين الحاكم والمحكوم وسد منافذ الفرقة والانقسام ودرء المفاسد المترتبة على تصدع بنيان الأمة وتفرق صفوفها حين تخرج على حاكمها وأمرائها فيقول كان بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما مات نبي قام بعده نبي وأنه لا نبي بعدي وسيكون خلفاء وأمراء ترون منهم ما تنكرون يأخذون مالكم بالحق الذي

стр. 1070

عليكم ويمنعونكم الحق الذي لكم قالوا يا رسول الله أنقاتلهم قال لا ما أقاموا الصلاة أكرهوا عملهم لا تنزعوا يدا من طاعة أدوا إليهم حقهم وسلوا الله حقكم عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم كفوا واصبروا فإن من خرج على الإمام وعلى الجماعة أدنى خروج مات ميتة تشبه ميتة الجاهلية في بعدها عن الخير وعن رضوان الله تعالى -[المباحث العربية]- (شيئا) من أمور الدنيا أو من أمور الدين غير الكفر (فإنه من خرج من السلطان) في الكلام مضاف محذوف أي من خرج من طاعة السلطان والفاء للتعليل واسم إن ضمير الشأن والجملة بعده خبر (شبرا) أي قدر شبر وكني به عن أدنى معصية للسلطان (ميتة) بكسر الميم بيان لهيئة الموت وحالته التي يكون عليها (إلا مات ميتة جاهلية) إلا زائدة كما تدل على ذلك الرواية السابقة وقيل من للاستفهام الإنكاري بمعنى النفي وإلا غير زائدة بل على معناها فكأنه قال ما فارق أحد الجماعة شبرا فمات إلا مات ميتة جاهلية وقيل غير ذلك -[فقه الحديث]- لقد قصد النبي بقوله (إلا مات ميتة جاهلية) أنه يموت كأهل الجاهلية على التفرقة والضلال إذ كانوا لا يرجعون إلى طاعة أمير ولا يتبعون هدي إمام ولا يعتبرون بحديث أو نذير وليس المراد أنه يموت كافرا بل يكون عاصيا ويحتمل أن ذلك ورد مورد الزجر والتنفير وظاهره غير مراد كما قصد النبي بقوله (فارق الجماعة) الخروج عن طاعة الإمام أو الأمراء ونصب العداء لهم قال ابن أبي جمرة المراد بالمفارقة السعي في حل عقد البيعة التي حصلت لذلك الأمير ولو بأدنى شيء وإنما حذر الشارع من ذلك

стр. 1071

لأن من خرج على السلطان فقد خرج على جماعة المسلمين وفي الخروج على الجماعة من الفتن العامة الجالبة للشر الكثير ما يجب على المسلم أن يتجنبه ولو ناله في سبيل ذلك ضرر إذ ضرره وحده أخف من ضرر جماعة المسلمين ولا شك أن المؤمن الذي يتحمل هذا الضرر لهذا القصد يكون له عند الله ثواب عظيم -[ويؤخذ من الحديث: ]- ١ - أن السلطان لا يعزل بالفسق إذ قد يكون عزله سببا للفتنة وإراقة الدماء وتفريق ذات البين فالمفسدة في عزله أكثر منها في إبقائه ٢ - فيه حجة على ترك الخروج على أئمة الجور وعلى لزوم السمع والطاعة لهم وقد أجمع الفقهاء على أن الإمام المتغلب تلزم طاعته فيما ليس معصية ما أقام الجماعات والجهاد إلا إذا وقع منه كفر صريح فلا تجوز طاعته بل تجب مجاهدته لمن قدر عليها. ٦٨ - عن عبادة بن الصامت ﵁ قال "دعانا النبي ﷺ فبايعناه فقال فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثره علينا وأن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان"

стр. 1072

-[المعنى العام]- يحدث عبادة بن الصامت أنه كان مما بايعهم عليه النبي ﷺ ليلة العقبة الأولى أن يسمعوا ويطيعوا له ﵇ ولغيره من الحكام في جميع الأحوال إلا في حال وقوع الكفر الصريح من ولي الأمر الشرعي فلا سمع ولا طاعة وفيما عدا ذلك عليهم أن يمتثلوا وينقادوا لما يأمرهم به إمامهم في حال نشاطهم وحبهم للأمر وفي حال كسلهم وكراهتهم له وفي حال فقرهم وفي حال غناهم حتى لو استأثر الولاة بأمور الدنيا وحظوظها ولم يعطوهم منها فلا ينازعوهم في ولايتهم ولا يخرجوا من طاعتهم لما في ذلك من تصدع الأمة وتفرق كلمتها وسقوط هيبتها وسقوط هيبتها وقيام الفتن الداخلية الجالبة للشر الكثير ولذا أوصد النبي هذا الباب فأوجب السمع والطاعة لولاة الأمر ما أقاموا على شريعة الله وأحكام دينه القويم -[المباحث العربية]- (دعانا النبي فبايعناه) بإثبات ضمير الفعول في النسخ المعتمدة وفي رواية بإسقاط الضمير وفي أخرى "فبايعنا" بفتح العين أي دعانا ﷺ إلى المبايعة فبايعناه والمراد عاهدناه ففيه استعارة تبعية (فيما أخذ علينا) أي فيما عاهدنا عليه واشترك علينا الوفاء به وظاهر هذه العبارة أن عبادة لم يذكر هنا كل ما أخذه عليهم (أن بايعنا) بفتح همزة أن وعين "بايعنا" والفاعل ضمير يعود على النبي ﷺ وأن مفسرة لجملة قال مع مفعولها المحذوف وهذا على رأي من لا يشترط في أن المفسرة أن تسبق بما فيه معنى القول دون حروفه وإلا فلنجعل أن زائدة والجملة بعدها بيانا لجملة "قال" (في منشطنا ومكرهنا) بفتح الميم فيهما مصدران ميميان والجار والمجرور تنازعه كل من السمع والطاعة أي نسمع ونطيع في حال نشاطنا وحبنا للمأمور به كالسفر في جو معتدل إلى غزو قوم مضمون الظفر بهم

стр. 1073

وفي حال كرهنا للمأمور به كالدعوة إلى السفر في الحر إلى عدو قوي الشكيمة (وأثره علينا) بفتحات أو بضم الهمزة وسكون التاء أي أنانية وحب النفس وهو مجرور عطفا على منا قبله (وأن لا ننازع الأمر أهله) لمراد بالأمر الملك والإمارة والمصدر المسبوك من أن والفعل عطف تفسير لما قبله لأن معنى عدم المنازعة هو الصبر على الأثرة (إلا أن تروا) استثناه من عموم الأحوال والتقدير وأن لا ننازع الأمر أهله في حال من الأحوال إلا في حال أن نرى منهم إلخ وكان المناسب أن يقول "إلا أن نرى" لكن عبر بضمير المخاطب لأن التقدير بايعنا قائلا إلا أن تروا إلخ (بواحا) أي ظاهرا باديا من قولهم باح بالشيء يبوح به بوحا إذا أذاعه وأظهره (عندكم فيه من الله برهان) أي نص من قرآن أو خبر صحيح لا يحتمل التأويل -[فقه الحديث]- قال النووي المراد بالكفر هنا المعصية ومعنى الحديث لا تنازعوا ولاة الأمور في ولايتهم ولا تعترضوا عليهم إلا أن تروا منهم منكرا محققا تعلمونه مخالفا لقواعد الإسلام فإذا رأيتم ذلك فأنكروا عليهم وقولوا بالحق حيثما كنتم وقال الكرماني الظاهر أن الكفر باق على ظاهره والمراد من النزاع القتال فلا يقاتل السلطان إلا إذا وقع في الكفر الظاهر -[ويدل الحديث: ]- ١ - على وجوب السمع والطاعة لولي الأمر وعدم الخروج عليه ما دام فعله يحتمل التأويل

стр. 1074

٢ - وعلى ضرر الشقاق والخروج على الحاكم الشرعي ٣ - وعلى إثم ذلك عند الله. ٦٩ - عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم والقائم فيها خير من الماشي والماشي فيها خير من الساعي من تشرف لها تستشرفه فمن وجد منها ملجأ أو معاذا فليعذ به" -[المعنى العام]- أخبر النبي ﵊ بما سيقع في الأمة المحمدية من الفتن والأحداث التي يختلط فيها الأمر ولا يتبين الصواب وحذر من الخوض فيها ومشايعة أربابها أو اذكاء نارها أو مباشرة أي عمل فيها إذا في كل ذلك شر لما يترتب عليه من إزهاق أرواح وإضاعة أموال من غير موجب لذلك وبدون تضحية في سبيل الله والإسلام ثم أرشد النبي المسلمين إلى أن من أدخل نفسه في الفتن صرعته وأهلكته ومن وجد منفذا ينجو منه فليسلك

стр. 1075

طريقه ويعتزل تلك الفتن فإنه أسلم لدينه وأبعد عن مواطن الزلل والشبهات أنجانا الله من ذلك -[المباحث العربية]- (فتن) بكسر الفاء وفتح التاء على صيغة الجمع وفي رواية "فتنة" بالأفراد هو فاعل تكون لأنها تامة (القاعد فيها) أي في زمن الفتن أو في نفسها (من تشرف لها) بفتح التاء والشين والراء المشددة أي تطلع لها بأن يتصدى ويتعرض لها ولا يعرض عنها (تستشرفه) بالجزم جواب الشرط أي تجعله مشرفا على الهلاك يقال استشرفت الشيء أي علوته وأشرفت عليه (ملجأ) أي موضعا يلتجئ إليه من شرها (أو معاذا) بفتح الميم والذال وضبطه بعضهم بضم الميم وهو بمعنى الملجأ -[فقه الحديث]- المراد بالفتن جميع الاختلافات التي تكون بين أهل الإسلام ولا يكون الحق فيها معلوما وقيل المراد ما ينشأ عن الاختلاف في طلب الملك حيث لا يعلم المحق من المبطل وزاد الإسماعيلي عن إبراهيم بن سعد في أول هذا الحديث "النائم فيها خير من اليقظان واليقظان خير من القاعد" واليقظان هو المضطجع والظاهر أن المراد بيان طبقات المباشرين للفتنة في أطوارها كلها وأنهم درجات بعضهم في ذلك أشد من بعض فأعلاهم الساعي فيها بحيث يكون مدبرا لها ومهيئا أسبابها ثم من يكون محافظا على قيام أسبابها وهو الماشي ثم من يكون مباشرا لها أي منفذا لأعمالها وهو القائم ثم من يكون مع النظارة ولا يقاتل وهو القاعد ثم من يكون مجتنبا لها

стр. 1076

ولا يباشر ولا ينظر وهو المضطجع اليقظان ثم من لا يقع منه شيء من ذلك ولكنه راض عنها وهو النائم فالمراد من الأفضلية في هذه الخيرية أن يكون بعضهم أقل شرا ممن فوقه على التفصيل المذكور وقوله "من تشرف لها تستشرفه" أي من انتصب وتعرض لها انتصبت وتعرضت له فوقع فيها ومن أعرض عنها أعرضت عنه وقيل هو من المخاطرة والإشراف على الهلاك أي من خاطر بنفسه فيها أهلكته ونحوه قول القائل من غلبها غلبته "ومن وجد فيها ملجأ أو معاذا فليعذ به" أي من لقي في زمن الفتنة مكانا بعيدا عنها فليعتصم به ويعتزل فيه ليسلم من الفتنة -[ويؤخذ من الحديث: ]- ١ - التحذير من الفتنة والحث على اجتناب الدخول فيها ٢ - وأن شرها يكون بحسب التعلق بها والدور الذي يقوم به الداخل فيها. ٧٠ - عن ابن عمر ﵄ قال قال رسول الله ﷺ "إذا أنزل الله بقوم عذابا أصاب العذاب من كان فيهم ثم بعثوا على أعمالهم"

стр. 1077

-[المعنى العام]- يحذر النبي ﷺ من أن يسكت المرء على المنكرات والمعاصي وإن كان لم يفعلها بنفسه ولكن قومه وبني وطنه يأتونها سرا وجهرا ولا ينكر عليهم يحذر النبي أمثال هذا بأن العقاب ينزل عليهم عقوبة لهم على سيئ أعمالهم يصيبهم جميعا صالحا وطالحا وإن كان جزاؤهم في الآخرة سيكون مختلفا على حسب أعمالهم وإذا كان ذلك الشأن مع من سكت عن النهي فكيف بمن داهن فكيف بمن رضي فكيف بمن عاون نسأل الله السلامة -[المباحث العربية]- (أصاب العذاب) الجملة جواب إذا والعذاب الثاني هو الأول إذ النكرة إذا أعيدت معرفة كان الثاني عين الأول (ثم بعثوا) بالبناء للمجهول أي بعثهم الله يوم القيامة -[فقه الحديث]- لقد أراد النبي ﷺ بقوله "من كان فيهم" ذلك الذي يكون مع العصاة وإن لم يعمل بعملهم وليس على منهاجهم فالمعنى أن العذاب يصيبهم حتى الصالحين منهم ثم يبعث كل واحد على حسب عمله إن كان صالحا فعقباه صالحة وإلا فسيئة وذلك العذاب طهرة للصالحين وزيادة في درجاتهم ونقمة على الفاسقين فلا يلزم من الاشتراك في الموت الاشتراك في العذاب بل يجازى كل بعمله على حسب نيته وهذا من الحكم العدل لأن أعمالهم الصالحة إنما يجازون عليها في الآخرة وأما في الدنيا فما أصابهم من بلاء فهو تكفير لما قدموه من عمل سيئ كترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو رفع لدرجاتهم أما أخذ الأطفال فهو لتكفير سيئات آبائهم أو رفع درجاتهم -[ويدل الحديث على: ]- ١ - أن الهلاك يعم الطائع مع العاصي

стр. 1078

٢ - وأن المجتمع لا ينجيه إلا الاستقامة لأن وجود العصاة المفسدين في المجتمع يهدمه ويمزقه ٣ - وأنه لا يلزم من الاشتراك في كيفية الموت الاشتراك في الثواب أو العقاب ٤ - وفيه تحذير وتخويف عظيم لمن سكت عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ٥ - ومشروعية الهرب من الكفار ومن الظلمة لأن الإقامة معهم من إلقاء النفس إلى التهلكة هذا إذا لم يرض أفعالهم فإن أعان أو رضي فهو منهم قاله في الفتح.

стр. 1079

كتاب الأحكام الأحكام جمع حكم وهو عند الأصوليين خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين والمراد هنا النسبة التامة في القضية فالأحكام أي النسب التامة المتعلقة بأمور خاصة غير ما تقدم كالإمارة والقضاء وما أشبه ذلك والمقصود بيان آداب الحاكم وشروطه سواء كان خليفة أو قاضيا أو واليا أو أميرا كذا آداب المتحاكمين ومجلس القضاء ٧١ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال "إنكم ستحرصون على الإمارة وستكون ندامة يوم القيامة فنعم المرضعة وبئست الفاطمة" -[المعنى العام]- دخل رجلان من الأشعريين على رسول الله ﷺ فقال أحدهما أمرنا يا رسول الله على قومنا وقال الآخر مثله فقال رسول الله ﷺ "أنا لا نولي هذا الأمر من سأله ولا من حرص عليه" وسأل أبو بكر رسول الله ﷺ عن هذا الأمر فقال يا أبا بكر هو لمن يرغب عنه لا لمن يجاحش عليه ولمن يتضاءل عنه لا لمن يتنفج إليه هو لمن يقال هو لك لا لمن يقول هو لي ويحذر النبي أصحابه من الحرص على الإمارة والسعي لها ويخبرهم عن حالة ذميمة سيكونون عليها في مستقبل أيامهم فيقول إنكم ستحرصون على الإمارة فتفتكون وتسفكون الدماء وتستبيحون الأموال والأعراض فتكون

стр. 1080

الإمارة بهذه الطريقة ندامة نعم قد ترضع صاحبها بعض الوقت وتنفعه بالمال والجاه ونفاذ الكلمة ولكنه لا محالة سيفطم وسيفصل عنها بالعزل أو بالموت فتكون الندامة والحسرة ولقاء الجزاء فلا ينبغي لعاقل أن يفرح بلذة يعقبها حسرات -[المباحث العربية]- (إنكم ستحرصون على الإمارة) الخطاب للصحابة ومن بعدهم والمراد من الإمارة ما يشمل الإمامة العظمى وجميع الرئاسات (فنعم المرضعة وبئست الفاطمة) المخصوص بالمدح والذم محذوف لتقدم ما يدل عليه والفاء فصيحة في جواب وشرط التقدير إذا كانت الإمارة ندامة فنعم المرضعة الولاية وبئست الفاطمة هي وأسقطت التاء من نعم وألحقت لبئس تفننا وألا فالحكم فيهما واحد وهو أنه يجوز التأنيث وتركه إذ أن الفاعل مؤنث مجازي فيهما فضلا عن أن الحكم الخاص بنعم وبئس هو جواز تذكيرهما وتأنيثهما ولو كان الفاعل اسما ظاهرا حقيقي التأنيث تقول نعم المرأة هند ونعمت المرأة هند وقيل النكتة في ذلك أن إرضاعها هو أحب حالتيها إلى النفس وفطامها أشق الحالتين عليها فهو مبغوض لها والتأنيث أبغض حالتي الفعل والتذكير أشرف حالتيه فجعل أشرف حالتي الفعل مع الحالة المحبوبة وأبغض حالتيه مع الحالة المبغوطة وفي الحديث استعارة تبعية حيث شبه نفع الولاية صاحبها بالجاه والمال ونفاذ الكلمة والالتذاذ بذلك بالإرضاع واشتق من ذلك مرضعة بمعنى نافعة وشبه انقطاع فوائد الولاية وانفصاله عنها بموت أو غيره بالفطام عن الرضاع واشتق من ذلك فاطمة بمعنى قاطعة للنفع -[فقه الحديث]- يذم الحديث الحرص على الإمارة والسعي للحصول عليها لما يترتب على ذلك من مضار منها

стр. 1081

١ - محاولة جمع الأنصار والمؤيدين بشتى الوسائل مما يوقع الفرقة والبغضاء بين المسلمين ٢ - فرض طالب الإمارة نفسه على الناس وإشعارهم بأنه خير منهم وهذا يتنافى مع التواضع الذي ينبغي أن يكون عليه الأمير ٣ - أن فتح هذا الباب يتيح لغير الأكفاء والعتاة الوصول إليها بسيف الحياء أو بالإكراه ٤ - أن الباعث على طلبها غالبا ما يكون حب الرياسة وما يلابسها من منافع وملذات عاجلة بغض النظر عما تحتاجه من علم وورع وتبعات ٥ - أن في إباحة طلب الإمارة تقاتل الراغبين فيها وتناحرهم وانتقام الغالب من المغلوب وحزبه وانتهاز المغلوب الفرصة للانقضاض على الغالب ولا يتنافى تقييد الندامة هنا بيوم القيامة مع ما تفيده رواية الطبراني من كون الندامة في الدنيا حيث روى "أولها ملامة وثانيها ندامة وثالثها عذاب يوم القيامة" لأن الندامة قد تحصل في الدنيا بالحصار والعزل والحبس ومصادرة الأموال والقتل وقد تكون في الآخرة حين يطالب بتبعاتها وهذا لمن لم يعمل فيها بما يرضي الله ويحكم بما أنزل الله ولا يعارض هذا الحديث قول يوسف ﵇ "اجعلني على خزائن الأرض" وقول سليمان "هب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي" لأن الكلام في غير الأنبياء فإنهم لا توجد في طلبهم الإمارة المضار السالفة الذكر -[ويؤخذ من الحديث: ]- ١ - أن ما ينال الأمير من البأساء والضراء أبلغ وأشد بما يناله من النعماء والسراء ٢ - ذم الحرص على الإمارة والتهالك في طلبها ٣ - في الحديث علم من أعلام النبوة فقد وقع ما أخبر به ﷺ .

стр. 1082

٧٢ - عن معقل بن يسار قال سمعت النبي ﷺ يقول "ما من عبد استرعاه الله رعية فلم يحطها بنصيحة إلا لم يجد رائحة الجنة" -[المعنى العام]- يزجر النبي ويتوعد الحكام الذين يفرطون في حقوق الرعية ولا يؤدون الأمانة بإخلاص ولا يقومون على شئون العباد بما يصلح دينهم ودنياهم يتوعدهم بأنهم يكونوا يوم القيامة أبعد الناس عن رحمة الله حتى رائحة الجنة لا يشمونها مع أنها تدرك من مسافة بعيدة وما ذاك إلا لعظم ما ارتكبوا من خيانة الأمة وتضييع حقوقها -[المباحث العربية]- (استرعاه الله رعية) أي جعله راعيا وحافظا والجملة صفة لعبد (فلم يحطها) الفاء للعاقبة والصيرورة كاللام في قوله ﴿فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا﴾ أي ليصير الأمر إلى ذلك و"يحطها" بضم الحاء وسكون الطاء أي يحفظها وفي المختار "حاطه كلأه ورعاه وبابه قال وكتب" اهـ

стр. 1083

(بنصيحة) وفي رواية "بالنصيحة" بزيادة ال وفي أخرى "بنصحه" بضم النون وهاء الضمير والنصح مصدر نصحه ونصح له ينصح والنصيحة الاسم منه وهما الإخلاص واجتناب الغش (إلا لم يجد رائحة الجنة) إلا أداة استثناء ملغاة وهي مع ما تفيد القصر وجملة "لم" يجد رائحة الجنة خبر المبتدأ الذي هو عبد ومن زائدة وفي نسخة بدون إلا وهي مشكلة لأن نفي النفي إثبات فتؤدي إلى أنه يجد رائحة الجنة وهو عكس المقصود وأجيب عنها بأن إلا مقدرة أو أن الخبر محذوف أي ما من عبد كذا إلا حرم الله عليه الجنة وجملة "لم يجد" استئناف كالمفسر له أو "ما" ليست نافية بل شرطية وجاز زيادة من للتأكيد في الإثبات عند بعض النحاة -[فقه الحديث]- أثبتت الروايات أن معقلا حدث بذلك حين عاده عبيد الله بن زياد في مرضه الذي مات فيه وكان ابن زياد أمير البصرة في زمن معاوية وولده يزيد وكان سفيها سفاكا للدماء ولذا حدثه معقل بما لعله يردعه والمراد من قوله "إلا لم يجد رائحة الجنة" أنه لا يجد هذه الرائحة إذا كان مستحلا لذلك أو لا يجدها مع السابقين أو الكلام خرج مخرج التغليظ والتنفير ورائحة الجنة يدركها الشخص يوم القيامة من مسافة بعيدة ففي رواية الطبراني "وعرفها يوجد يوم القيامة من مسيرة سبعين عاما" فيكون في الكلام مبالغة في بعده عن الجنة -[ويستفاد من الحديث: ]- ١ - عظم المسئولية والأمانة الملقاة على عاتق الحكام ٢ - الزجر والنهي عن ظلم الرعية وخيانة الوطن ٣ - الوعيد الشديد للولاة الظالمين.

стр. 1084

٧٣ - وعنه أيضا ﵁ عن رسول الله ﷺ قال "ما من وال يلي رعية من المسلمين فيموت وهو غاش لهم إلا حرم الله عليه الجنة" -[المعنى العام]- يعلم النبي أمته أن من قلده الله شيئا من أمر المسلمين واسترعاه عليهم ونصبه لمصلحتهم في دينهم ودنياهم ثم خان فيما أؤتمن عليه يظلمه لهم من أخذ أموالهم أو سفك دمائهم أو انتهاك أعراضهم أو حبس حقوقهم أو إهمال إقامة الحدود فيهم وردع المفسدين منهم ونحو ذلك فيخبر أن من غش وخان بشيء من ذلك حرم الله عليه الجنة وتوجه إليه الطلب بمظالم العباد يوم القيامة فليحذر الذين يخالفون عن أمره وليعلموا أن الله سائل كل راع عما استرعاه حفظ أم ضيع -[المباحث العربية]- (ما من وال) ما نافية ومن زائدة ووال مبتدأ (فيموت) الفاء هنا للعاقبة والصيرورة كاللام في قوله تعالى ﴿فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا﴾ وفي قولهم "للموت ما تلد

стр. 1085

الوالدة" وهي لم تلده لأن يموت ولكن المصير إلى ذلك قاله الزجاج (وهو غاش) جملة حالية مقيدة للفعل مقصودة بالذكر (إلا حرم الله عليه الجنة) إلا أداة استثناء ملغاة وهي مع ما تفيد القصر وجملة "حرم الله إلخ" خبر المبتدأ -[فقه الحديث]- لقد قصد النبي ﷺ أن يعلم كل حاكم أو رئيس لجماعة من المسلمين أن الله تعالى إنما ولاه واسترعاه على عباده ليديم لهم النصيحة حتى يموت على ذلك فإذا قلب القضية استحق أن يعاقب بأن حرم الله عليه الجنة وهذا وعيد شديد لائمة الجور فمن ضيع حقوق من استرعاه الله عليهم استحق هذا العذاب إذا استحل ما صنع أو المراد به التغليظ والتنفير وعبر هنا بقوله "حرم الله عليه الجنة" وفيما قبله بقوله "لم يجد رائحة الجنة" ولا مانع من وقوع اللفظين منه ﷺ فحفظ بعض الرواة ما لم يحفظ البعض قال في الفتح وهو محتمل لكن الظاهر أنه لفظ واحد تصرف فيه الرواة والله أعلم. ٧٤ - عن أبي بكرة ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول "لا يقضين حكم بين اثنين وهو غضبان"

стр. 1086

-[المعنى العام]- يهدف النبي ﷺ في ذلك الحديث إلى تحري العدالة بين المتقاضيين وأن على القاضي أن يتجنب كل ما من شأنه أن يحول بينه وبين معرفة الصواب واستبانة الحق ولا سيما ما يكون راجعا إلى نفس القاضي كأن يكون متوتر الأعصاب أو جائعا أو مريضا أو نحو ذلك مما يشغل القلب عن استيفاء النظر وتحري العدالة بين المتخاصمين -[المباحث العربية]- (عن أبي بكرة) نفيع بن الحارث الثقفي (لا يقضين) بتشديد الياء والنون توكيدا للنهي (حكم) بفتح الحاء والكاف هو الحاكم وقد يطلق على القيم بما يسند إليه (بين اثنين) أي بين طرفي خصومة أعم من أن يكونا شخصين أو أكثر (وهو غضبان) جملة حالية والغضب غليان دم القلب لطلب الانتقام -[فقه الحديث]- إنما نهي عن الحكم في هذه الحالة لأن الغضب قد يتجاوز بالحكم إلى غير الحق وقاس الفقهاء على ذلك كل ما يحصل به اضطراب الفكر كجوع شديد ومرض مؤلم وخوف مزعج وبرد قاتل وسائر ما يتعلق به القلب تعلقا يشغل عن استيفاء النظر واقتصر في الحديث على ذكر الغضب لأنه أشد هذه الأنواع حيث يستولي على النفس وتصعب مقاومته بخلاف غيره وهو يشمل الغضب لله تعالى لشغله القلب كغيره ولو خاف وحكم حال الغضب صح إن صادف الحق مع الكراهة وعن بعض الحنابلة لا يصح عملا بظاهر النهي وهي اقتضاؤه للفساد وفصل بعضهم بين أن يكون

стр. 1087

الغضب قد طرأ عليه بعد أن استبان له الحكم فلا يؤثر وإلا فهو محل الخلاف ولا يعترض بأن النبي ﷺ حكم للزبير بعد أن أغضبه خصم الزبير لعصمته ﷺ فلا يقول في الغضب إلا كما يقول في الرضا -[ويستفاد من الحديث: ]- ١ - النهي عن الحكم في حال الغضب فإن حكم فالكراهة عند الجمهور والحرمة عند أهل الظاهر ٢ - حرص الشارع على كل ما يوفر العدالة بين المتخاصمين ويستفاد من إطلاق الغضب أنه لا فرق بين مراتبه ولا أسبابه بالنسبة لهذا الحكم. ٧٥ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال "أتيت النبي ﷺ في دين كان على أبي فدققت الباب فقال من ذا فقلت أنا فقال أنا أنا كأنه كرهها" -[المعنى العام]- يرشد النبي ﷺ من يدق باب الغير لحاجة أو استئذان إذا سئل من

стр. 1088

هذا الذي يستأذن أو يدق الباب أن يجيب بما يكشف عن شخصه ويميز حقيقة ذاته عند السائل ولا يكتفي بمجرد قوله "أنا" فإنه لا يفيد المقصود ولذا كرهه النبي من جابر بن عبد الله حين أجاب به بعد أن دق بابه ﵊ -[المباحث العربية]- (في دين) أي بسبب دين فلفظ (في) هنا للسببية (فدققت الباب) بقافين أي ضربته ضربا شديدا وفي رواية "فضربت" وفي ثالثة "فدفعت" (من ذا) أي من الذي يدق الباب والاستفهام خبر مقدم والإشارة مبتدأ مؤخر (أنا) خبر مبتدأ محذوف أي الذي يدق هو أنا (أنا أنا) الثانية توكيد للأولى وإنما أكد النبي ﷺ لأنه انفعل من ذلك (كرهها) بضمير المؤنث أي كره هذه اللفظة وفي رواية (كأنه كره ذلك) وفي ثالثة "كره ذلك" بدون تشبيه والكلام على التحقيق والراجح رواية التشبيه لما فيها من زيادة الاحتياط لأن الكراهية أمر نفسي خفي يظن ولا يجزم به بالقرائن -[فقه الحديث]- إنما كره النبي قول جابر (أنا) لما فيه من تعظيم النفس والكناية عنها بالضمير المنافي للخضوع والتواضع ولأنه أجابه بغير ما سأل عنه وكان حق الجواب أن يقول (أنا جابر) فإنه ﷺ أراد أن يعرف عين الذي ضرب الباب بعد أن عرف أن ثم ضاربا فلم يستفد منه المقصود وكان الدين الذي على عبد الله الأنصاري والد جابر ثلاثين وسقا من تمر لأبي الشحم اليهودي

стр. 1089

ولعل ملحظ الزبيدي في ذكر هذا الحديث في كتاب الأحكام هو جواز نيابة الولد عن والده في المقاضاة والتقاضي في ساحة القضاء -[ويؤخذ من الحديث: ]- ١ - مشروعية دق الباب عند الاستئذان دقا مناسبا ٢ - أن على المسئول أن يجيب إجابة واضحة تفيد المقصود من السؤال ٣ - تقويم الحاكم لخطأ المتقاضي وإن كان في بيته ٤ - أن الرسول لم يتخذ لنفسه بوابا. ٧٦ - عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال "لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه ولكن تفسحوا وتوسعوا" -[المعنى العام]- يرشد النبي إلى ما يقوي رباط المحبة والألفة ويرفع الضغائن من النفوس ومن أهم عوامل ذلك الترابط الأخوي والمحبة الدائمة أن لا يقيم الرجل أخاه من مجلسه ليجلس هو مكانه إذ أنه حين يفعل ذلك تملأ نفس أخيه حقدا وضغينه ويوقظ حميته وأنفته فتقع العداوة والبغضاء ولكن الأليق بالجالس أن يفسح للقادم وللداخل أن يقول افسحوا وتوسعوا قال تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا يفسح الله لكم﴾

стр. 1090

-[المباحث العربية]- (لا يقيم الرجل) لا نافة والمراد النهي بدليل رواية "لا يقيمن" بلفظ النهي المؤكد بالنون وذكر الرجل لأن الأغلب مخاطبة الشرع للرجل فالحكم يشمل النساء (ولكن) الاستدراك على لازم العبارة المذكورة أي أنتم أيها الجالسون أحق بأماكنكم ولكن (تفسحوا وتوسعوا) عطف توسعوا تفسيري -[فقه الحديث]- ظاهر النهي التحريم فلا يصرف عنه إلا بدليل ولفظ الحديث وإن كان عاما لكنه مخصوص بالمجالس المباحة إما على العموم كالمسجد ومجالس الحكام والعلم وإما على الخصوص كمن يدعو قوما بأعيانهم إلى منزل لوليمة أو نحوها أما المجالس التي ليس للشخص فيها ملك ولا إذن له فيها فإنه يقام ويخرج منها وكذا إذا جلس في المجالس العامة وكان مجنونا أو يتأذى منه كالسفيه إذا دخل مجلس العلم والحكمة في هذا النهي منع استنقاص المسلم المقتضي للضغائن والحث على التواضع المقتضي للمودة والمحبة وأيضا فالناس في المباح كلهم سواء فمن سبق إلى شيء استحقه ومن استحق شيئا فأخذ منه بغير حق فهو غصب والغصب حرام (ولكن تفسحوا وتوسعوا) وفي رواية "ولكن ليقل افسحوا وتوسعوا" والأمر للندب والاستحسان وكان ابن عمر إذا قام له رجل من مجلس لم يجلس فيه وهو ورع منه لاحتمال أن يكون الذي قام لأجله استحيا من غير طيب قلب فسد ابن عمر الباب ليسلم من هذا -[ويستفاد من الحديث: ]- ١ - منع إقامة شخص من مجلس استحقه ليجلس فيه غيره مهما كان ذلك الغير عظيما ٢ - استحباب أن يتسع الجالسون لمن يقدم عليهم بأن ينضم بعضهم
следующие страницы →