Полный текст (1 103 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
بهم أو قصد عدد المقاتلة والزيادة من الأتباع من الخدم والنساء والصبيان
كما اختلف في البيعة وعلام بايع المسلمون ففي بعض الروايات أنهم بايعوا على الموت وفي بعضها أنهم بايعوا على أن لا يفروا ومن المعلوم أنه إذا بايع على أن لا يفر لزم من ذلك أن يثبت والذي ثبت إما أن يغلب وإما أن يغلب ومن يغلب إما أن يؤسر وإما أن يموت فلما كان الموت لازما محتملا لمن يفر عبر به بعضهم أما من قال إن البيعة كانت على الثبات وعدم الفرار فقد حكى صورة البيعة وأما لماذا عدت بيعة الرضوان أو صلح الحديبية الفتح الأكبر فلأنها كانت فاتحة نجاح الدعوة نجاحا لم يعهد فقد حصل بها الأمن وزال بسببها الخوف وانتشر بناء عليها الإسلام لأن الناس حين أمنوا كلم بعضهم بعضا وحث المسلم غير المسلم على الإسلام وتناقش الناس في الإسلام بحرية فغزا قلوب الكثيرين مع أن شروطها تبدو مجحفة بالمسلمين فقد كان من شروطها
١ - أن يرجع المسلمون هذا العام ولهم في العام القابل أن يدخلوا مكة ويقيموا بها ثلاثة أيام فقط وسلاحهم في قرابه
٢ - وضع الحرب بين الفريين عشر سنين
٣ - أن لا يناصر محمد محالفيه على قريش كما أن قريشا لا تناصر أحلافها على النبي ﷺ
٤ - من أتى محمدا من قريش رده إليهم وإن كان مسلما ومن أتى قريشا من المسلمين لا يردونه إلى محمد ﷺ
-[ويؤخذ من الحديث: ]-
١ - أن الأحكام على الأشياء ينبغي أن يؤخذ في اعتبارها أثرها وقيمتها في دروب الحياة في الواقع وفي نفس الأمر لا في الظاهر فحسب
٢ - شجاعة الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين وتفانيهم في سبيل
стр. 772
الدعوة وبيعهم أنفسهم هينة سريعة من أجلها
٣ - اعتزازهم بحضور بيعة الرضوان
٤ - عرض الأتباع مشكلتهم على متبوعهم لعله أصوب منهم رأيا وبخاصة رسول الله ﷺ
٥ - أن النبي ﷺ مجاب الدعوة له المنزلة الرفيعة عند ربه
٦ - معجزة تكثير الماء على يديه ﷺ قال الحافظ ابن حجر وقد وقع نبع الماء من بين أصابعه مرارا في الحضر والسفر ﷺ
غزوة خيبر
٦٢ - عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال لما غزا رسول الله ﷺ خيبر أو قال لما توجه رسول الله ﷺ أشرف الناس
стр. 773
على واد فرفعوا أصواتهم بالتكبير الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله فقال رسول الله ﷺ اربعوا على أنفسكم إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا إنكم تدعون سميعا قريبا وهو معكم وأنا خلف دابة رسول الله ﷺ فسمعني وأنا أقول لا حول ولا قوة إلا بالله فقال لي يا عبد الله بن قيس قلت لبيك رسول الله قال ألا أدلك على كلمة من كنز من كنوز الجنة قلت بلى يا رسول الله فداك أبي وأمي قال لا حول ولا قوة إلا بالله
-[المعنى العام]-
عاد رسول الله ﷺ من الحديبية إلى المدينة في ذي الحجة فأقام بها بضع عشر ليلة وكان أهل خيبر من اليهود قد نكثوا عهدهم وخانوا رسول الله ﷺ وتمالئوا مع الأحزاب ضده ﷺ كما فعل قريظة والنضير فكان لزاما تأمين الدعوة من غدرهم كما كان من العدالة تأديبهم
خرج إليهم رسول الله ﷺ في المحرم وصل إلى ديار خيبر ليلا وكان لا يغير على قوم حتى يصبح فلما أصبح وخرجت يهود إلى مزارعهم رأوا جيش رسول الله ﷺ فعادوا وتحصنوا بحصونهم فأقام النبي ﷺ محاصرا إياهم بضع عشرة ليلة فأصابتهم مخمصة شديدة فخرجوا وبدءوا القتال وانتهى اليوم الأول دون نصر لفريق ومال كل إلى عسكره بعد الغروب فلما أصبح الصباح تقاتلوا حتى الغروب دون نصر ومال كل إلى عسكره فلما أصبح الصباح أعطى رسول الله ﷺ الراية أو اللواء لعلي بن أبي طالب ففتح الله به وكان النصر للمسلمين والتجأ اليهود إلى قصر من قصورهم وصالحوا النبي ﷺ على أن يجلوا من خيبر وله الذهب والفضة والحلي ولهم ما حملت ركابهم على أن لا يكتموه شيئا ولا يغيبوا عنه في الأرض مالا لكنهم نكثوا ودفنوا كنوزا يخفونها فأطلعه الله عليها وأخرجها من خربة فعاقبهم بالنكث واستسلموا فسبى النساء والذرية وقرر إجلاءهم فقالوا دعنا في هذه الأرض نصلحها فأبقاهم عمالا بالأرض ليس لهم
стр. 774
فيها ملك ولهم شطر ما يخرج منها ثم قسم المال والسبي وعاد هو وأصحابه وفي طريق عودتهم حينما أشرفوا على واد رفعوا أصواتهم بالتكبير لا إله إلا الله الله أكبر وكانوا قد علموا أن يكبروا كلما علوا جبلا أو هبطوا واديا لكنهم رفعوا أصواتهم عاليا فقال لهم ﷺ هونوا على أنفسكم وارفقوا بها وهدئوا من أصواتكم فإنكم تدعون الله وتكبرونه وهو ليس أصم ولا غائبا ولكنه سميع بصير يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور وهو معكم أينما كنتم وكان أبو موسى الأشعري قريبا من رسول الله ﷺ يختفي عنه وراء ناقة فقال لا حول ولا قوة إلا بالله وسر رسول الله ﷺ بهذا الذكر فناداه يا عبد الله بن قيس قال لبيك يا رسول الله قال حسنا قلت ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة ونعيم كبير من نعيمها
قال بلى دلني يا رسول الله أفديك بأبي وأمي قال لا حول ولا قوة إلا بالله التي قلتها الساعة كنز من كنوز الجنة فاحرص عليها وادع إليها فهي تسليم وتفويض وخير ما يذكر به المسلم ربه التسليم والتفويض
-[المباحث العربية]-
(لما غزا رسول الله ﷺ خيبر) أي وعادوا وفي طريق عودتهم كبروا لأن أبا موسى الراوي لم يكن معهم إلا في طريق عودتهم
(أشرف الناس على واد) أي ارتقوا على جبل يشرف على واد منخفض والشرف المرتفع من الأرض
(اربعوا على أنفسكم) بهمزة وصل مكسورة فراء ساكنة فباء مفتوحة وحكى ابن التين في رواية كسر الباء أي ارفقوا ولا تجهدوا أنفسكم
(إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا) الجملة تعليلية حاصرة لأن رفع الصوت إنما يحتاجه الأصم الذي لا يسمع الصوت المنخفض والبعيد الذي تحول المسافة بين مخرج الصوت وبينه فخفض الصوت صالح لمن اتصف بالصفتين السمع والقرب وأطلق على التكبير دعاء من جهة أنه بمعنى النداء لكون الذاكر يريد إسماع من ذكره والشهادة له
стр. 775
(وهو معكم) جملة حالية لتأكيد معنى القرب لأن القرب أمر نسبي فالبعيد قريب بالنسبة لمن هو أبعد
(وأنا خلف دابة) المتكلم أبو موسى الأشعري راوي الحديث ودواب الغزو الناقة والفرس لكنهم لما كانوا عائدين غانمين للبقر وغيرها من الدواب جاز أن يراد بالدابة البقرة مثلا
(لا حول ولا قوة إلا بالله) لعل أبا موسى قالها تسليما بأن رفع الصوت من الله وخفضه من الله ومعناها لا تحويل للعبد عن معصية الله إلا بعصمة الله ولا قوة له على طاعة الله إلا بتوفيق الله وقيل المعنى لا حيلة للإنسان في أمر ما ولا قدرة له على فعل ما إلا بأمر الله وقدرته فهي كلمة استسلام وتفويض وإن العبد لا يملك من أمره شيئا وليس له حيلة في دفع شر ولا قوة في جلب الخير إلا بإرادة الله
(لبيك يا رسول الله) أي إجابة لك بعد إجابة يا رسول الله
(ألا أدلك على كلمة من كنز من كنوز الجنة) من الأولى بيانية كأنه قال على كلمة أي كنز من كنوز الجنة والكلمة تطلق على الواحدة وعلى الكثير من الكلام حتى على الخطبة الطويلة والكنز في الأصل المال الكثير النفيس المدخر وأطلق على الحوقلة كنز لمشابهتها الكنز في عزتها ونفاستها وعظيم فائدتها فالمراد أنها من ذخائر الجنة أو من محصلات نفائس الجنة وقال النووي المعنى أن قولها يحصل ثوابا نفيسا يدخر لصاحبه في الجنة
(لا حول ولا قوة إلا بالله) هذه الجملة مقصود لفظها مبتدأ خبره محذوف أو خبر لمبتدأ محذوف أو في موضع جر بدل من كنز أو في موضع نصب بتقدير أعني
-[فقه الحديث]-
ذكر البخاري هذا الحديث هنا في الغزوات ثم ذكره في كتاب
стр. 776
الدعوات تحت عنوان وهو السميع البصير قال ابن بطال غرض البخاري الرد على من قال إن معنى سميع بصير عليم ويلزم من ذلك أن يسويه بالأعمى الذي يعلم أن السماء خضراء ولا يراها وبالأصم الذي يعلم أن في الناس أصواتا ولا يسمعها ولا شك أن من سمع وأبصر أدخل في صنعة الكمال ممن انفرد بأحدهما دون الآخر فصح أن كونه سميعا بصيرا يفيد قدرا زائدا على كونه عليما وكونه سميعا بصيرا يتضمن أنه يسمع بسمع ويبصر ببصر ولا فرق بين إثبات كونه سميعا بصيرا وبين كونه ذا سمع وبصر وهذا قول أهل السنة قاطبة أهـ
وقد يعترض على صنيع البخاري من حيث إن الحديث لا نص فيه على البصير وقد صور الكرماني هذا الاعتراض بقوله لو جاءت الرواية لا تدعون أصم ولا أعمى لكانت أظهر في المناسبة للترجمة والعنوان وأجاب عن الاعتراض بقوله لكنه لما كان الغائب كالأعمى في عدم الرؤية نفي لازمه ليكون أبلغ وأشمل أهـ
-[ويؤخذ من الحديث]-
١ - وصف الله تعالى بالقرب وفي ذلك يقول الله تعالى ﴿وإذا سألك عبادي عني فإني قريب﴾
٢ - عدم مشروعية رفع الصوت بالتكبير أو الدعاء رفعا يجهد النفس ويشق عليها
٣ - من اعتراض الحديث على رفع الصوت بالتكبير لا على أصل التكبير شرع التكبير عند الصعود إلى المكان المرتفع وقد جاء استحباب ذلك صريحا في حديث كان ﷺ إذا قفل من غزو أو حج أو عمرة يكبر على كل شرف من الأرض ثلاث تكبيرات يقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده
قال العلماء ومناسبة التكبير عند الصعود أن الاستعلاء والارتفاع
стр. 777
محبوب للنفوس لما فيه من استشعار الكبرياء فشرع لمن تلبس به أن يذكر الله تعالى وأنه أكبر من كل شيء
٤ - قال ابن بطال في هذا الحديث نفي الآفة المانعة من السمع والآفة المانعة من النظر وإثبات كونه سميعا بصيرا يستلزم أن لا تصح أضداد هذه الصفات عليه
٥ - ما كان عليه ﷺ من حرصه على أمته وشفقته عليهم مصداقا لقوله تعالى ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم﴾
٦ - فضيلة الذكر بلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وقد أخرج الحاكم إذا قال العبد لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم قال الله أسلم عبدي واستسلم
стр. 778
غزوة مؤتة من أرض الشام
٦٣ - عن أسامة بن زيد ﵄ يقول بعثنا رسول الله ﷺ إلى الحرقة فصبحنا القوم فهزمناهم ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلا منهم فلما غشيناه قال لا إله إلا الله فكف الأنصاري فطعنته برمحي حتى قتلته فلما قدمنا بلغ النبي ﷺ فقال يا أسامة أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله قلت كان متعوذا فما زال يكررها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم
-[المعنى العام]-
في رمضان سنة سبع من الهجرة بعث رسول الله ﷺ سرية بإمارة غالب بن عبد الله الليثي لتأديب بطن من بطون جهينة ولتأمين المسلمين في الأرض الإسلامية وكان في هذه السرية أسامة بن زيد فاجأت السرية القوم صباحا فقاتلتهم وراع المسلمين رجل من المشركين أوجع في الضرب وأكثر من قتل المسلمين ولكن الدائرة سرعان ما دارت على المشركين فانهزموا وفروا وتعقب أسامة ورجل من الأنصار هذا المشرك حتى أدركاه وأحاطا به فقال لا إله إلا الله لينجو من القتل وكان معلوما مشهورا أن من قالها عصم دمه وماله فكف الأنصاري عن الرجل لكن أسامة اعتقد أنه يخادع فقد أسرف في قتل المسلمين منذ قليل فقاتله بالسيف فاحتمى منه بشجرة فطعنه أسامة برمحه حتى قضى عليه وذهب البشير بخبر السرية إلى رسول الله ﷺ وحدثه حديث أسامة وقتله الرجل فلما وصل أسامة إلى المدينة سأله رسول الله ﷺ أقتلته يا أسامة بعد أن قال لا إله إلا الله قال إنه قالها خوفا من السلاح قال له هل شققت عن قلبه لتعلم أقالها من قلبه أم خداعا قال يا رسول الله أنه أوجع في القتل وقتل فلانا
стр. 779
وفلانا من المسلمين قال رسول الله ﷺ وقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله قال أسامة يا رسول الله استغفر لي قال وبم تجيب يوم القيامة إذا جاءت لا إله إلا الله تطالبك بحقها في حقن الدم والمال قال استغفر لي يا رسول الله قال وكيف تصنع بـ لا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة أعاد أسامة طلب المغفرة وكرره لكن رسول الله ﷺ لم يزد على قوله كيف تصنع بـ لا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة وتمنى أسامة أنه لم يكن أسلم قبل ذلك اليوم ليغسل الإسلام الجديد ذنبه وحلف ألا يقاتل مسلما فلما جاءت الفتنة واستنفر علي أصحابه ومنهم أسامة أحجم أسامة عن مناصرة علي وأرسل إليه يقول لو كنت في شدق الأسد لأحببت أن أكون معك فيه ولكن أكره قتال
المسلمين
-[المباحث العربية]-
(بعثنا رسول الله ﷺ الضمير لأسامة ومن كان معه من أفراد السرية
(إلى الحرقة) في رواية الحرقات بضم الحاء وفتح الراء بطن من جهينة يقيمون على مسافة نحو ستة وتسعين ميلا من المدينة بناحية نجد قيل سموا بذلك لواقعة كانت بينهم وبين بني مرة بن عوف فأحرقوا بني مرة بالسهام وأكثروا من قتلهم
(فصبحنا القوم) أي فاجأناهم وهجمنا عليهم في الصباح يقال صبحته إذا أتيته صباحا بغتة
(ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلا منهم) لم يقف الحفاظ على اسم الأنصاري أما الحرقي فقيل إن اسمه مرداس بن عمرو الفدكي وقيل مرداس بن نهيك الغزاوي والكلام معطوف على محذوف أي فهزمناهم فولوا هاربين
(فلما غشيناه) بفتح الغين وكسر الشين أي لحقنا به ووقفنا عليه كأنه تغطى بنا
стр. 780
(قال لا إله إلا الله) كناية عن الشهادتين وقيل إن هذه الشهادة وحدها كافية للمنع من القتل وبخاصة من مشرك
(فطعنته برمحي حتى قتلته) أي وما زلت أطعنه حتى قتل
(أقتلته بعد ما قال) الاستفهام للتقرير أي حمل المخاطب على الإقرار ويصح أن يكون للتهويل والعجب ويصح أن يكون للتوبيخ أي ما كان ينبغي
(قلت كان متعوذا) بضم الميم وفتح التاء والعين وكسر الواو المشددة أي ملتجئا إلى الكلمة من أجل العوذ والعصمة
(فما زال يكررها) أي يكرر أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله وفي رواية فما زال يكرر أفلا شققت عن قلبه وفي رواية أنه كرر كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة فيحتمل أنه ﷺ كرر الألفاظ الثلاثة فنقل راو واحدة ونقل الآخر الأخرى
(حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم) في رواية حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ والمعنى تمنيت أنه لم يتقدم إسلامي بل ابتدأت الإسلام الآن ليمحو عني هذا الذنب
-[فقه الحديث]-
قال ابن رشد: قتل أسامة الرجل ليس من العمد الذي فيه الإثم ولا من الخطأ الذي فيه الدية والكفارة وإنما هو عن اجتهاد تبين خطؤه ففيه لأسامة أجر واحد وإنما عنفه ﷺ لتركه الاحتياط فإن الأحوط عدم قتله أهـ
ومما لا شك فيه أن أسامة اجتهد وتأول سواء قلنا إنه ظن أن الرجل قالها خوف السلاح فقط كما اعتذر هو بذلك أو قلنا كما قال الخطابي لعل أسامة تأول قوله تعالى ﴿فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا﴾ ولهذا سقط القصاص عنه باتفاق
стр. 781
أما من جهة الدية أو الكفارة فجمهور العلماء عن أن الدية والكفارة لا تسقط في مثل هذه الحالة لكن هل ألزمه الرسول ﷺ إياها فسكت الرواة عنه أو لم يلزمه حيث كان ذلك قبل نزول آية الدية والكفارة وقال القرطبي يحتمل أنه لم يجب عليه شيء لأنه كان مأذونا له في أصل القتل فلا يضمن ما أتلف من نفس ولا مال كالخاتن والطبيب ثم قال ولم أر من اعتذر عن سقوط الكفارة فلعلها أيضا لم تكن شرعت
والتأويل وإن أسقط القصاص لم يسقط التوبيخ كما وقع ولا العقوبة الأخروية ولذا لم يقبل عذره
-[ويؤخذ من الحديث: ]-
١ - أن الأحكام يعمل فيها بالظواهر والله يتولى السرائر
٢ - استدل به بعضهم على أن من تمنى أنه لم يكن أسلم قبل اليوم لا يكفر لأنه جازم بالإسلام في الحال والاستقبال وفي هذا الاستدلال نظر لأن أسامة لم يقصد التمني حقيقة وإنما قصد المبالغة في الخوف
٣ - جواز اللوم والتعنيف والمبالغة في الوعظ عند الأمور الهامة
٤ - قال القرطبي في تكريره ﷺ وإعراضه عن قبول العذر زجر شديد عن الإقدام على مثل ذلك
٥ - أن لا إله إلا الله تعصم الدم
٦ - جواز المراجعة في العلم
٧ - حلم العالم على السائل
стр. 782
غزوة الطائف
٦٤ - عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال لما حاصر رسول الله ﷺ الطائف فلم ينل منهم شيئا قال إنا قافلون إن شاء الله فثقل عليهم وقالوا نذهب ولا نفتحه وقال مرة نقفل فقال اغدوا على القتال فغدوا فأصابهم جراح فقال إنا قافلون غدا إن شاء الله فأعجبهم فضحك النبي ﷺ
-[المعنى العام]-
عاد النبي ﷺ وأصحابه من غزوة حنين التي سنتكلم عنها في الحديث التالي وحبس الغنائم بمكان يدعى الجعرانة وكان مالك بن عوف النضري قائد الكفار في حنين قد دخل الطائف بعد أن انهزم في حنين وكان له حصن في ضواحيها فأمر النبي ﷺ بإدراكه وغزو الطائف وفي طريقه هدم حصن مالك بن عوف ووصل الطائف في شوال سنة ثمان من الهجرة ودخل ثقيف أهل الطائف مدينتهم وأغلقوا على أنفسهم أسوارها المنيعة وتحصنوا بها وقد جمعوا بالداخل قوت سنة حاصرهم رسول الله ﷺ وكانت ثقيف قوما رماة صعدوا الأسوار ومن ثقوب أخذوا يرمون المسلمين بالنبال ولا تنالهم نبال المسلمين بعد بضعة عشر يوما من حصار غير مفيد والمسلمون يقدمون الشهداء استشار الرسول ﷺ خبراء
стр. 783
القوم فقال نوفل بن معاوية الديلي يا رسول الله هم ثعلب في جحر إن أقمت عليه أخذته وإن تركته لم يضرك فكر رسول الله ﷺ في العودة وقال إنا قافلون إن شاء الله وقويت عزيمته على ذلك حين جاءه أصحابه يقولون يا رسول الله أحرقتنا نبال ثقيف فادع عليهم فقال اللهم اهد ثقيفا ثم قال لأصحابه مرة ثانية إنا قافلون إلى المدينة غدا إن شاء الله فلم يعجبهم هذا القرار وثقل عليهم وعز عليهم أن يرجعوا دون فتح الطائف وهم في كثرة وقوة فقال قائلهم نأتي إلى هنا ونحاصرهم ويعلم بنا العرب ثم نعود كما جئنا وأحس رسول الله ﷺ أن الغالبية لا تستريح لقرار العودة فرأى أن يدركوا بأنفسهم أن القرار حكيم وضروري فقال لهم لكم ما تشاءون اغدوا للقتال فأصبحوا يرمون رجال الأسوار بالنبال دون إصابة وحاولوا فتح أبواب الحصن وكانت ثقيف مستعدة لهذه المحاولة بقطع الحديد المحمي التي ألقتها من فوق الأسوار على المسلمين فأصيب منهم الكثير وجاءوا يشكون إلى رسول الله ﷺ قال إنا راجعون غدا إن شاء الله فأعجبهم القرار وأعلنوا الرضا
به والموافقة عليه فتبسم ﷺ وعادوا إلى الجعرانة فقسم الغنائم كما سيأتي في الحديث التالي وشاء الله لأهل الطائف أن يسلموا بعد عام
-[المباحث العربية]-
(الطائف) بلد كبير مشهور كثير الأعناب والنخيل على بعد نحو مائتي ميل من مكة من جهة الشرق أشهر سكانها قبائل ثقيف
(إنا قافلون) راجعون من حيث جئنا أي غدا إن شاء الله
(فثقل عليهم) أي اشتد وعظم عليهم أمر الرجوع
(وقالوا نذهب ولا نفتحه) الكلام على الاستفهام التعجبي أو الإنكاري أي لا ينبغي أن يقع ذلك والمعنى نذهب عن الطائف ولا نفتحه لا يكون ذلك
(وقال مرة نقفل) بضم الفاء أي قال ذلك مرة أخرى قبل اعتراضهم
стр. 784
أي قال ذلك مرتين فاعترضوا فقال بعد الاعتراض
(اغدوا على القتال) الغدو السير أول النهار أي سيروا للقتال غدا صباحا كعادتكم
(فغدوا) على القتال بالنبال ومحاولة فتح الحصن
(فأصابهم جراح) شديدة من النبال ومن قطع الحديد المحمي
(فقال) معطوف على محذوف أي فشكوا إليه فقال
(فأعجبهم) ضمير الفاعل يعود على قرار العودة المفهوم من المقام
(فضحك النبي ﷺ كان ضحكه ﷺ تبسما ولذا جاء في رواية أخرى في الصحيح فتبسم
-[فقه الحديث]-
يرجع العلماء أسباب عدم النيل من ثقيف وعدم فتح الطائف إلى
١ - أنهم كانوا قد أحكموا سورا عاليا حول بلدتهم وأحكموا أبوابه
٢ - وأنهم جعلوا عليه منافذ علوية محصنة للرمي منها على الخارج
٣ - واستعانوا ببعض المهرة من الرماة من الكفار من غير أهل الطائف
٤ - وأنهم كانوا مشهورين بالشجاعة والقوة
٥ - وأنهم جعلوا مواشيهم ترتع في موضع بعيد مأمون
٦ - وأن النبي ﷺ حينما بدأ يقطع أعنابهم ويحرق نخيلهم سألوه أن يدعها لله وللرحم حيث إن الجدة العليا لأمه ﷺ كانت من ثقيف فتركها رسول الله ﷺ
٧ - أنهم خافوا إن نزلوا أو استسلموا أن يقتل مقاتلتهم ويسبي ذراريهم كما فعل ببني قريظة فقاتلوا قتال المستميت
٨ - قال بعضهم لم يؤذن له ﷺ في فتح الطائف كيلا يستأصل
стр. 785
المسلمون أهله انتقاما على سوء معاملتهم للرسول ﷺ حين عرض عليهم نفسه فأغروا به الصبية والسفهاء أهـ
وفي هذا نظر لأنه ﷺ حينما طلب منه في الحصار أن يدعو عليهم دعا لهم ولأنه ساعة أوذي طلب لهم المغفرة والهداية
-[ويؤخذ من الحديث: ]-
١ - حرصه ﷺ وشفقته بأمته ورحمته بقومه حيث أمرهم بالرحيل حماية لهم من الضرر
٢ - أن الإمام لا يضره أن ينزل على رأي الرعية حتى يستبين لهم وجه الصواب
٣ - أنه يشرع احتمال أخف الضررين فقد حملهم ﷺ بعض الأذى من أجل أن لا يندموا ويرتابوا في صحة القرار
٤ - سماحته ﷺ حين استسلموا ورجعوا إلى قبول رأيه فلم يعنفهم بل لم يعتب عليهم رفضهم واعتراضهم
٥ - أن الرجوع إلى الحق والصواب خير من العناد والتمادي في غير المصلحة
стр. 786
٦٥ - عن أنس بن مالك ﵁ قال جمع النبي ﷺ ناسا من الأنصار فقال إن قريشا حديث عهد بجاهلية ومصيبة وإني أردت أن أجبرهم وأتألفهم أما ترضون أن يرجع الناس بالدنيا وترجعون برسول الله ﷺ إلى بيوتكم قالوا بلى قال لو سلك الناس واديا وسلكت الأنصار شعبا لسلكت وادي الأنصار أو شعب الأنصار
-[المعنى العام]-
في رمضان على رأس ثمان سنين ونصف السنة من هجرته ﷺ إلى المدينة فتحت له مكة بعد أن سار إليها في عشرة آلاف مسلم أقام بها خمسة عشر يوما ثم بلغه أن هوازن وثقيفا قد جمعوا جموعهم بواد يسمى حنين قريب من الطائف يريدون قتال رسول الله ﷺ فسار بجموعه التي فتحت مكة بل تبعه كثير ممن قرب عهدهم بالإسلام من أهل مكة جيش لم يسبق له مثيل في كثرة عدده وعدده حتى أعجب المسلمون بكثرتهم وقال قائلهم لن نغلب اليوم من قلة ولم يحسبوا أن هوازن جمعت من الأعداء ضعف عددهم وأنهم أهل الأرض وأدرى بشعابها وأهل خبرة في الحرب وقوة وبأس لقد صفوا الخيل ثم المقاتلة ثم النساء من وراء ذلك ثم الغنم ثم النعم ثم أخذوا المسلمين على غرة ففر المؤلفة قلوبهم وتبعهم كثير من جيش المسلمين حتى قيل إنه لم يثبت مع النبي ﷺ سوى أقل من مائة رجل فقال ﷺ لعمه العباس ناد أصحاب الشجرة فنادى فرجع الناس وحملوا على المشركين فهزموهم واستاقوا السبي والغنم والنعم غنائم كثيرة يحتاج حصرها وتوزيعها إلى وقت طويل فأمر ﷺ بجمعها وحفظها في الجعرانة وأقام عليها حرسا حتى يرجع هو وأصحابه من الطائف فلما عاد من الطائف أخذ يوزع غنائم حنين فقسمها بين قريش والمهاجرين ولم يعط الأنصار منها شيئا وفاز المؤلفة قلوبهم من مسلمي الفتح بأكبر نصيب، فقد أعطى أبا سفيان مائة من الإبل وأعطى صفوان بن
стр. 787
أمية مائة وأعطى عيينة بن حصن مائة وأعطى مالك بن عوف مائة وأعطى الأقرع بن حابس مائة وغيرهم أعطي مائة مائة. فغضب الأنصار وتكلموا فيما بينهم. قال أحدهم: هذه قسمة ما أريد بها وجه الله وقال آخر: إذا كانت الشدة ندعى لها، ويعطى الغنيمة غيرنا وقال ثالث والله إن هذا لهو العجب إن قريشا حديثة إسلام لم تحارب للدعوة بعد بل ما زالت سيوفنا تقطر من دمائهم لدفاعهم عن الكفر يعطون ولا نعطى؟ غفر الله لرسوله.
وبلغ كل ذلك رسول الله ﷺ فدعاهم في قبة ثم خطبهم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال يا معشر الأنصار ما حديث بلغني عنكم أقلتم كذا وكذا قالوا نعم فقال أما والله لو شئتم لقلتم فصدقتم وصدقتم لو شئتم قلتم أتيتنا مكذبا فصدقناك ومخذولا فنصرناك وطريدا فآويناك وعائلا فواسيناك وخائفا فآمناك فقالوا بل المن علينا لله ولرسوله بماذا نجيبك يا رسول الله فقال إن قريشا حديثو العهد بالإسلام قريبو عهد بجاهلية وقريبو عهد بمصيبة وهزيمة في مكة وذل وصغار فأردت أن أجبرهم وأن أتألفهم أما يرضيكم أن ترجع قريش بالإبل والشاة وترجعون أنتم برسول الله قالوا بلى يا رسول الله قال فوالله لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به قالوا رضينا يا رسول الله ولا حاجة لنا بالدنيا قال ﷺ لو سلك الناس طريقا وسلك الأنصار طريقا آخر لسلكت طريق الأنصار ولولا الهجرة وفضلها لتمنيت أن أكون امرءا من الأنصار
-[المباحث العربية]-
(جمع النبي ﷺ ناسا من الأنصار) في رواية فأرسل إلى الأنصار فجمعهم في قبة من أدم ولم يدع معهم غيرهم وفي رواية فدخل سعد بن عبادة فذكر له ما جال في نفوس قومه فقال له ﷺ فأين أنت من ذلك يا سعد قال ما أنا إلا من قومي قال فاجمع لي قومك فخرج فجمعهم
(إن قريشا حديث عهد بجاهلية ومصيبة) في بعض الروايات حديثو
стр. 788
عهد بالجمع أي قريبون من الجاهلية وقريبون من هزيمتهم وفتح بلادهم وقتل أقاربهم في سابق الغزوات
(وإني أردت أن أجبرهم) بفتح الهمزة وسكون الجيم وضم الباء من الجبر ضد الكسر وفي رواية أجيزهم بضم الهمزة وكسر الجيم بعدها ياء فزاي أي أعطيهم وأثيبهم
(أما ترضون) الهمزة للاستفهام التقريري أي حمل المخاطبين على الإقرار بما بعد النفي أي ارضوا ليقولوا رضينا وقد قالوها فعلا فقد جاء في رواية أنهم قالوا يا رسول الله قد رضينا وفي روايتنا قالوا بلى
(أن يرجع الناس بالدنيا) المراد من الناس من أعطوا من الغنائم من قريش والمراد من الدنيا الغنيمة وفي رواية بالشاة والبعير وفي رواية أن يذهب الناس بالأموال
(وترجعون برسول الله إلى بيوتكم) وفي رواية تحوزونه إلى بيوتكم
(لو سلك الناس واديا وسلكت الأنصار شعبا) الوادي هو المكان المنخفض وقيل الذي فيه ماء والشعب بكسر الشين اسم لما انفرج بين جبلين وقيل الطريق في الجبل
-[فقه الحديث]-
تطلق المؤلفة قلوبهم شرعا على ناس أسلموا إسلاما ضعيفا وعلى كفار قريبين من الإسلام وعلى مسلمين لهم أتباع كفار ليتألفوهم وعلى مسلمين أول ما دخلوا في الإسلام ليتمكن الإسلام من قلوبهم قال الحافظ ابن حجر والمراد هنا الأخير لقوله في بعض الروايات فإني أعطي رجالا حديثي عهد بكفر أتألفهم وظاهر الحديث أن العطية التي أعطاها قريشا كانت من جميع الغنيمة وقال القرطبي الإجراء على أصول الشريعة يفيد أن العطاء المذكور كان من الخمس فقد روي أنه ﷺ قال للأعرابي في هذه الغزوة ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس والخمس مردود فيكم
стр. 789
وقيل إنما كان تصرفا في الغنيمة لأن الأنصار كانوا قد انهزموا فلم يرجعوا حتى وقعت الهزيمة على الكفار فرد الله الغنيمة لنبيه فهو خاص بهذه الواقعة
أما قول من قال من الأنصار فقد اعتذر عنه رؤساؤهم بأن ذلك كان من بعض أتباعهم لما شرح لهم رسول الله ﷺ ما خفي عليهم من الحكمة مما صنع رجعوا إليه مذعنين ورأوا أن الغنيمة العظمى هي ما حصل لهم من عود الرسول ﷺ إلى بلادهم
وقال ﷺ ما قال تطييبا وتواضعا وإنصافا وإلا ففي الحقيقة أن الحجة البالغة والمنة الظاهرة له عليهم ولذا جاء في بعض روايات الصحيح أنه قال لهم ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي وكنتم متفرقين فألفكم الله بي وعالة فأغناكم الله بي وكلما قال شيئا قالوا الله ورسوله أمن
-[ويؤخذ من الحديث: ]-
١ - أن للإمام تفضيل بعض الناس على بعض في مصارف الفيء والغنيمة للمصلحة
٢ - أن من طلب حقه من الدنيا لا لوم عليه
٣ - تسلية من فاته شيء من الدنيا بما حصل له في الآخرة من ثواب
٤ - العمل على الهداية وتأليف القلوب وإزالة ما يعلق بالنفوس
٥ - حسن أدب الأنصار في عدم الجدل والمماراة مع رسول الله ﷺ
٦ - إقامة الحجة على الخصم وإقناعه بالحق
٧ - فيه مناقب عظيمة للأنصار
٨ - ما كان عليه ﷺ من حلم وحسن معاملة
стр. 790
٦٦ - عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ بينا أنا نائم أتيت بخزائن الأرض فوضع في كفي سواران من ذهب فكبرا علي فأوحي إلي أن انفخهما فنفختهما فذهبا فأولتهما الكذابين اللذين أنا بينهما صاحب صنعاء وصاحب اليمامة
-[المعنى العام]-
في سنة تسع من الهجرة وفدت وفود العرب إلى المدينة لتسلم وتتزود من معارف الإسلام على يد الرسول ﷺ ومن هذه الوفود وفد بني حنيفة الذين كانوا يسكنون اليمامة بين مكة واليمن كان الوفد بضعة عشر رجلا وفيهم مسيلمة وأسلموا وعادوا إلى بلادهم وفي العام التالي جاء وفد كبير آخر من بني حنيفة على رأسه مسيلمة.
وكان لمسيلمة شأن بين قومه فكان يدعى رحمان اليمامة وشاء الله له أن يكون مثل إبليس حمله غروره أن يفكر في مشاركة محمد ﷺ في الرسالة أو أن يخلفه فيها بعد
стр. 791
وفاته وأذاع هذا الفكر الخبيث بين جماعته حين قدم على رأس وفد وجعل يقول إن جعل لي محمد الأمر بعده تبعته وفي المدينة طلب مقابلة محمد ﷺ فذهب ﷺ إليه في رحله ومعه ثابت بن قيس الخطيب المسلم المشهور المعروف بخطيب رسول الله ﷺ وفي يد رسول الله ﷺ قطعة من جريد فقال مسيلمة لرسول الله ﷺ أسألك أن تجعل لي الخلافة بعدك وكان ﷺ قد رأى في منامه أن خزائن الأرض قد وضعت بين يديه وأنه وضع في كفيه سواران من ذهب فكرههما وعظم عليه طرحهما فأوحى الله إليه في المنام أن ينفخهما فنفخهما فذهبا فلما سمع من مسيلمة ما سمع تذكر الرؤيا ووقع في نفسه أن مسيلمة أحد السوارين وأنه شر على الإسلام يخدع الناس لكنه ﷺ لا يقتل بالظنة ثم إن وفد بني حنيفة قوم كثير ثم ماذا يقال عنه إذا أساء إلى رءوس الوفود قد أحسن القول والفعل لمسيلمة لكنه قال له لو سألتني الجريدة التي في يدي ما أعطيتكها فضلا عن الخلافة وإني لأظنك الذي رأيت في منامي ولن تعدو أن تتخطى أمر الله فقد رأيت ضياعك وهلاكك ولن أطيل الكلام معك ولكني سأترك لك ثابت بن قيس يجيبك وعاد ﷺ وعاد مسيلمة إلى اليمامة ليكتب لرسول الله ﷺ كتابا يقول فيه من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله أما بعد فإن الأرض بيني وبينك لي نصفها ولك نصفها فكتب إليه رسول الله ﷺ يقول من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب أما بعد فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين وأعلن مسيلمة النبوة وادعى أن قرآنا ينزل عليه وخدع الكثير من قومه فآمنوا به وسمع أن امرأة
من بني تميم تدعى سجاحا تدعي النبوة أيضا وأن جماعة من قومها آمنوا بها فأرسل إليها وتزوجها واجتمع قومها وقومه على طاعته وفي هذه الأثناء ادعى النبوة في اليمن رجل آخر يدعى الأسود العنسي وتابعه كثير من قومه وخرج بهم إلى صنعاء فغلب عامل الرسول ﷺ عليها وملكها وعلم النبي ﷺ بذلك فأوله بالسوار الثاني
فأما ما كان من أمر الأسود العنسي فقد قتل قبل وفاة الرسول ﷺ بليلة
стр. 792
واحدة وأما ما كان من أمر مسيلمة فقد أرسل إليه أبو بكر بجيش كبير في حروب الردة فقضى عليه وعاد الإسلام من جديد إلى ربوع الجزيرة العربية بعد أن اختفى منها حتى لم تكن تقام الجماعة فيها إلا في مسجدين مسجد المدينة ومسجد عبد القيس
-[المباحث العربية]-
(أتيت بخزائن الأرض) أي في المنام ورؤيا النبي ﷺ وحي وتأويل خزائن الأرض فتح الله على أمته من كنوز كسرى وقيصر وخيرات الأرض ومعادنها وما أصابهم من غنى وملك بعده ﷺ
(فوضع في كفي سواران من ذهب) وضع بالبناء للمجهول وكفي بالإفراد ومن بيانية والسوار ما يوضع في اليد حول المعصم وهو بكسر السين ويجوز ضمها وفي رواية إسواران بكسر الهمزة وسكون السين وهو تثنية إسوار وهي لغة في السوار وظاهر الرواية أن السوارين لم يلبسا في اليدين في المعصمين بل كانا مجموعين في كف واحدة لكن الرواية الأخرى في البخاري تقول رأيت في يدي بالتثنية سوارين من ذهب مما يقتضي وضع سوار في كل يد
(فكبرا علي) بضم الباء أي عظما وثقلا وفي رواية للبخاري ففظعتهما وكرهتهما وفي رواية أخرى له أيضا فأهمني شأنهما والفظيع الأمر الشديد
(فأوحى الله إلي) يحتمل أن يكون من وحي الإلهام أو على لسان الملك
(فأولتهما الكذابين اللذين أنا بينهما) تأويل الرؤيا اجتهاد منه ﷺ والرواية صريحة في أن الكذابين كانا حينئذ موجودين بكذبهما لكن جاء في رواية أخرى للبخاري فأولتهما كذابين يخرجان مما يدل على أنه إخبار بغير واقع سيقع وقد جمع بينهما بأن الكذابين كانا موجودين لكن أمرهما وشيوع كذبهما لم يكن خرج بعد أما رواية يخرجان بعدي فالمراد منها
стр. 793
خروج شوكتهما ومحاربتهما والمراد من البينية في أنا بينهما بينية الدعوة الصادقة والداعية الصادق بين كذابين وليست بينية مكانية لأن اليمامة بين مكة وصنعاء والمدينة في الطرف البعيد عنها
(صاحب صنعاء وصاحب اليمامة) أي الأسود العنسي ومسيلمة وكلمة صاحب بالنصب بدل من الكذابين وبالرفع خبر لمبتدأ محذوف أي هما صاحب صنعاء وصاحب اليمامة والصاحب الملازم من المصاحبة والصحبة
-[فقه الحديث]-
إنما أول النبي ﷺ السوارين بالكذابين لأن الكذب وضع الشيء في غير موضعه فلما رأى في ذراعيه سوارين من ذهب وليسا من لبسه لأنهما من حلي النساء عرف أنه سيظهر من يدعي ما ليس له وأيضا في كونهما من ذهب والذهب مشتق من الذهاب يشير إلى أنه شيء يذهب ولا يبقى وتأكد ذلك بالوحي بنفخهما فطارا فعرف أنه لا يثبت لهما أمر إذ النفخ يشير إلى حقارة أمرها لأن شأن الذي ينفخ فيه فيذهب بالنفخ أن يكون في غاية الحقارة والمراد الحقارة المعنوية لا الحسية.
-[ويؤخذ من الحديث: ]-
١ - في الحديث علم من أعلام النبوة وأن أمة الإسلام ستفتح عليها خزائن الأرض وقد كان ما أخبر به
٢ - قال الحافظ ابن حجر ويؤخذ منه منقبة عظيمة لأبي بكر الصديق ﵁ لأن النبي ﷺ تولى نفخ السوارين بنفسه حتى طارا أما الأسود فقتل في زمنه وأما مسيلمة فكان القائم عليه حتى قتله أبو بكر الصديق قام مقام النبي ﷺ في ذلك
٣ - ويؤخذ منه أن السوار وسائر آلات أنواع الحلي اللائقة بالنساء تعبر للرجال بما يسوؤهم ولا يسرهم إذا رؤي في المنام
стр. 794
قصة أهل نجران
٦٧ - عن حذيفة قال جاء العاقب والسيد صاحبا نجران إلى رسول الله ﷺ يريدان أن يلاعناه قال فقال أحدهما لصاحبه لا تفعل فوالله لئن كان نبيا فلاعنا لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا قالا إنا نعطيك ما سألتنا وابعث معنا رجلا أمينا ولا تبعث معنا إلا أمينا فقال لأبعثن معكم رجلا أمينا حق أمين فاستشرف له أصحاب رسول الله ﷺ فقال قم يا أبا عبيدة بن الجراح فلما قام قال رسول الله ﷺ هذا أمين هذه الأمة
-[المعنى العام]-
نجران بلد كبير يتبعه قرى كثيرة فوق السبعين قرية وتقع بين مكة واليمن أرسل إليهم رسول الله ﷺ وهو في مكة يدعوهم إلى الإسلام فخرج إليه وفد عاد ولم يسلم وفي المدينة وفي سنة تسع من الهجرة قدم
стр. 795
وفد نجران شأنهم شأن كثير من الوفود التي قدمت بعد أن ذاع أمر الإسلام وقويت شوكة المسلمين جاء عشرون رجلا على رأسهم رجلان رجل يلقب بالسيد واسمه الأيهم وكان رئيسهم في مجتمعاتهم ورجل يلقب بالعاقب واسمه عبد المسيح وكان صاحب الرأي والمشورة فيهم دعاهم النبي ﷺ إلى الإسلام فلم تلن له قلوبهم وانصرفوا من يومهم ونزل على رسول الله ﷺ ثمانون آية من أول سورة آل عمران إحداها تقول ﴿فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين﴾ فلما عادوا في اليوم الثاني قرأ عليهم رسول الله ﷺ الآية وقال لهم إن أنكرتم ما أقول فهلم أباهلكم أي ألاعنكم أي يقول كل منا ألا لعنة الله على الظالمين فانصرفوا يتشاورون فلما أصبح الصباح خرج رسول الله ﷺ وهو آخذ بيد الحسن والحسين ليباهل الوفد وقال لأصحابه لقد أتاني البشير يبشرني بهلاك أهل نجران إن هم أقدموا على المباهلة وجاء الوفد ورئيساه العاقب والسيد فقال أحدهما لصاحبه والله لا نباهله أبدا لأنه لو كان نبيا ولاعناه لن نفلح أبدا نحن ولا أولادنا من بعدنا قال الآخر وهل نستجيب لما يطلبه منا إنه يطلب جزية في مقابل حمايته لنا مع بقائنا على ديننا إنه يطلب ألفي حلة في العام ألفا في رجب وألفا في صفر ومع كل حلة أوقية من ذهب إنها جزية كبيرة قال له صاحبه لكنها أهون علينا من المباهلة وأهون علينا من الدخول في دينه فذهبا إلى رسول الله ﷺ يقولان له لن نباهلك ولكنا سنعطيك ما طلبت من الجزية فابعث معنا رجلا أمينا
نسلمها له ولا تبعث معنا إلا أمينا فقال ﷺ كل المسلمين أمين وسأبعث معكم رجلا أمينا حق أمين وأعظم أمين وبات المسلمون كل يتطلع لأن يكون هو المبعوث ليحظى بهذا الشرف الكبير أمين حق أمين فلما أصبحوا وانتظر الصحابة من يكون صاحب هذا الشرف قال ﷺ قم يا أبا عبيدة بن الجراح فاذهب معهم والتفت إليهم وقال هذا أمين هذه الأمة
стр. 796
-[المباحث العربية]-
(جاء العاقب والسيد) العاقب اسمه عبد المسيح وكان صاحب الرأي والمشورة في أهل نجران والسيد واسمه الأيهم بياء ساكنة بعد الهمزة ويقال اسمه شرحبيل وكان رئيس مجتمعاتهم
(صاحبا نجران) أي المقيمان بها الملازمان لها من الصحبة ونجران بفتح النون وسكون الجيم بلدة كبيرة بين مكة واليمن يتبعها ثلاث وسبعون قرية
(يريدان أن يلاعناه) المراد من الملاعنة أن يقول كل من المختلفين على أمر لعنة الله على الكاذب وهي المباهلة الواردة في قوله تعالى ﴿فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين﴾ وإسناد الإرادة لهما مع أن أحدهما كان يعارض الآخر إما على سبيل تغليب المريد على غير المريد وإما لأن المعارض كان يريد ثم عدل
(فقال أحدهما لصاحبه لا تفعل) الملاعنة قيل إن القائل هو السيد وقيل هو العاقب وهو الأقرب لأنه صاحب الرأي والمشورة
(فوالله لو كان نبيا فلاعنا) في رواية فلاعننا بإظهار النون والمراد على الروايتين فلاعننا هو وليس المراد فلاعناه نحن أي دعا علينا باللعنة
(لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا) المراد من العقب الذرية التي تأتي عقب الآباء فالمراد من البعدية التأكيد أو المراد بعد أن نذهب نحن وتستقل الذرية بأمرها
(قالا إنا نعطيك ما سألتنا) ولا نلاعن القائل أحدهما وأسند القول إليهما لموافقة الآخر وكان قد سألهم أن يصالحهم ويحميهم على ألفي حلة وألفي أوقية من الذهب كجزية ما داموا لم يسلموا وكانوا نصارى
(وابعث معنا رجلا أمينا) ليتسلم مال الصلح وطلبا الأمانة في الرجل
стр. 797
لئلا يتهما في حالة عدم وصول المتفق عليه كاملا
(ولا تبعث معنا إلا أمينا) تصريح بلازم الجملة الأولى للتأكيد
(أمينا حق أمين) حق أمين من إضافة الصفة إلى الموصوف أي أمينا حقا
(فاستشرف له أصحاب رسول الله) أي فتطلع لرسول الله ﷺ أصحابه واشرأبت له أعناقهم كل يحرص أن يكون هو الموصوف بهذا الوصف حتى روي عن عمر أنه قال ما أحببت الإمارة قط إلا مرة واحدة ثم ذكر القصة وقال فتعرضت أن تصيبني
(فقال قم يا أبا عبيدة بن الجراح) أي قف وأبو عبيدة اسمه عامر بن عبد الله بن الجراح بن هلال يجتمع مع النبي ﷺ في فهر بن مالك مات أبو عبيدة بالطاعون وهو أمير على الشام من قبل عمر سنة ثمان عشرة
-[فقه الحديث]-
قال الحافظ ابن حجر ذكر ابن إسحاق أنهم وفدوا على رسول الله ﷺ بمكة وهم حينئذ عشرون رجلا لكن أعاد ذكرهم في الوفود بالمدينة فكأنهم قدموا مرتين أهـ
-[ويؤخذ من الحديث: ]-
١ - أن إقرار الكافر بالنبوة لا يدخله في الإسلام حتى يلتزم أحكام الإسلام ذكر ذلك الحافظ ابن حجر وفيه نظر لأن ما حصل من صاحبي نجران الخوف والخشية من أن يكون نبيا ثم التسليم بغلبته عليهم ودفع الجزية له وليس بلازم أن يكونا مقرين في أنفسهما له بالنبوة
٢ - جواز مجادلة أهل الكتاب وقد تجب إذا تعينت طريقا للمصلحة قال تعالى ﴿ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن﴾
٣ - مشروعية مباهلة المخالف إذا أصر بعد ظهور الحجة قال الحافظ
стр. 798
ابن حجر وقد دعا ابن عباس إلى ذلك ثم الأوزاعي ووقع ذلك لجماعة من العلماء ومما عرف بالتجربة أن من باهل وكان مبطلا لا تمضي عليه سنة من يوم المباهلة ووقع لي ذلك مع شخص كان يتعصب لبعض الملاحدة فلم يقم بعدها غير شهرين أهـ
٤ - وفيه مصالحة أهل الذمة على ما يراه الإمام من أصناف المال ويجري ذلك مجرى ضرب الجزية عليهم فإن كلا منهما مال يؤخذ من الكفار على وجه الصغار وفي كل عام
٥ - وفيه بعث الإمام العالم الأمين إلى أهل الهدنة في مصلحة الإسلام قال الحافظ ابن حجر وذكر ابن إسحاق أن النبي ﷺ بعث عليا إلى أهل نجران ليأتي بصدقاتهم وجزيتهم قال وهذه قصة غير قصة أبي عبيدة لأن أبا عبيدة توجه معهم فقبض مال الصلح ورجع وعلي أرسل بعد ذلك لقبض الجزية ممن لم يسلم والصدقة ممن أسلم
٦ - وفيه منقبة عظيمة لأبي عبيدة بن الجراح ﵁ وأنه أمين وهذه الصفة وإن كانت مشتركة بينه وبين كثير غيره لكن السياق يشعر بأن له مزيدا فيها وقد خص النبي ﷺ بعض كبار الصحابة بفضيلة ووصفه بها وقد أخرج الترمذي وابن حبان أرحم أمتي بأمتي أبو بكر وأشدهم في أمر الله عمر وأصدقهم حياء عثمان وأقرؤهم لكتاب الله أبي وأفرضهم زيد وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ ألا وإن لكل أمة أمينا وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح
стр. 799
قدوم الأشعريين وأهل اليمن
٦٨ - عن أبي موسى ﵁ قال إنا أتينا النبي ﷺ نفر من الأشعريين فاستحملناه فأبى أن يحملنا فاستحملناه فحلف أن لا يحملنا ثم لم يلبث النبي ﷺ أن أتي بنهب إبل فأمر لنا بخمس ذود فلما قبضناها قلنا تغف لنا النبي ﷺ يمينه لا نفلح بعدها أبدا فأتيته فقلت يا رسول الله إنك حلفت أن لا تحملنا وقد حملتنا قال أجل ولكن لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت الذي هو خير منها
-[المعنى العام]-
في سنة تسع من الهجرة عام الوفود قدم وفد الأشعريين ضمن وفد يمني وكانت الوفود تأتي إلى المدينة بعد أن شاع الإسلام وأمن على نفسه من آمن جاءوا يرغبون في الاستزادة من الإسلام برؤية النبي ﷺ جاءت رءوس القبائل تعلن طاعتها وإسلامها وجاء الفقراء منهم للتفقه في الدين وابتغاء فضل الله حيث كانت الغنائم تتوالى رأى الأشعريون وهم الفقراء سماحة رسول الله ﷺ وجوده وكثرة عطائه فتعرضوا للعطاء مرة ومرتين فلم يصبهم لأن الرسول ﷺ كان يقدم البعض على البعض لاعتبارات فقد
стр. 800
يقدم ضعيف الإيمان يستأنفه وإن كان غنيا وقد يقدم وفد قبيلة غليظة الفؤاد على وفد قبيلة رقيقة القلوب يستلينهم نعم وقد يعطي الرجل وغيره أحب إليه ممن أعطاه ولم يصبر الأشعريون وللفقر أنياب موجعة لقد صرحوا بالطلب فأعرض ﷺ صرحوا مرة أخرى أن يعطيهم نوقا تحملهم فاعتذر لهم برفق ألحوا وألحفوا فغضب ﷺ وحلف أن لا يعطيهم وبدا عليهم الانكسار والتأسف وأقاموا بين عذاب الضمير لإغضابهم رسول الله ﷺ وبين الحرمان فلا هم أخذوا ولا هم استبقوا رضا رسول الله ﷺ كانوا يأتون مجلسه خائفين وجلين يغضون الطرف ويخفضون الصوت لكن الكريم السمح الذي يعز عليه مشقة أمته الرءوف الرحيم لا يفوته جبر خاطر من عنفه وأغلظ له مؤدبا لقد جاءه ﷺ قطيع من إبل ساقها الله غنيمة للمسلمين فأمر أن يعطي الأشعريون منها خمسا فلما أخذوها قال بعضهم لبعض لقد كان ﷺ قد حلف أنه لن يعطينا لعله نسي يمينه وأعطانا في غفلة عنها ولئن أخذناها والحالة هذه لا يبارك لنا فيها ولا نفلح بعدها أبدا في أبداننا وأموالنا وأولادنا فلنرجع إليه بالنوق نذكره يمينه فرجعوا وتكلم أبو موسى الأشعري نيابة عنهم فقال يا رسول الله إنك حلفت لا تعطينا وقد أعطيتنا أنسيت يمينك قال صلى
الله عليه وسلم ما نسيت وما أعطيتكم ولكن الله الذي أعطاكم فالعطاء كله من الله إنما أنا قاسم والله هو المعطي وما حلفت على شيء ورأيت غيره خيرا منه إلا فعلت ما هو خير وحنثت وكفرت عن يميني
-[المباحث العربية]-
(أتينا النبي ﷺ نفر من الأشعريين) نفر بالرفع بدل من الضمير الفاعل في أتينا وقد استدل به ابن مالك على جواز الإبدال من ضمير الحاضر بدل كل من كل
والأشعريون قوم أبي موسى سكناهم اليمن قيل سموا بذلك نسبة إلى الأشعر جد لهم ولدته أمه كثير الشعر على جميع أعضاء جسمه
стр. 801
(فاستحملناه فأبى) السين والتاء للطلب أي طلبنا منه أن يحملنا على إبل أي طلبنا منه إبلا تحملنا ونركب عليها فأبى أن يعطينا مقدما غيرنا علينا
(فاستحملناه فحلف) أي فطلبنا منه مرة ثانية وفي رواية عن أبي موسى أرسلني أصحابي إلى النبي ﷺ أسأله الحملان فوافقته وهو غضبان فقال والله لا أحملكم
(ثم لم يلبث) أي ثم لم تمض مدة طويلة على حلفه حتى عاد في حلفه
(أن أتي بنهب إبل) نهب بفتح النون وسكون الهاء بعدها باء أصله ما يؤخذ اختطافا بحسب السبق إليه من غير تسوية بين الآخذين والمراد هنا غنيمة وأطلق عليها لفظ نهب مجازا وإضافته إلى إبل إضافة بمعنى من أي بغنيمة من إبل
(بخمس ذود) بإضافته خمس إلى ذود وروي بالتنوين فذود إما بدل مجرور أو مرفوع خبر لمبتدأ محذوف والذود بفتح الذال وسكون الواو بعدها دال من الثلاث إلى العشرة من النوق وقيل إلى السبع وهو مؤنث ولا واحد له من لفظه والتكسير له أذواد وفي رواية بثلاث ذود وفي رواية ستة أبعرة قال بعضهم في الجمع بين الروايات يحتمل أنه أمر لهم أولا بثلاث ثم زادهم
(تغفلنا النبي ﷺ يمينه) أي أخذنا منه ما أعطانا في حال غفلته عن يمينه ولم نذكره به
(فلما قبضناها قلنا) في رواية فاندفعنا أي سرنا مسرعين وفي رواية ثم انطلقنا فقلت لأصحابي ... فالقائل أبو موسى وأسند القول للجمع لرضاهم به
(لا أحلف على يمين) أي على محلوف يمين فأطلق عليه لفظ يمين للملابسة وفي رواية على أمر
стр. 802
(فأرى غيرها خيرا منها) ظاهر الكلام عود الضمير على اليمين ولا يصح عوده على اليمين بمعناها الحقيقي فالمعنى فأرى غير المحلوف عليه خيرا من المحلوف عليه والرؤية هنا اعتقادية لا بصرية
(وتحللتها) أي فعلت ونقلت المنع إلى الإذن فيصير حلالا ويحصل ذلك بالكفارة
-[فقه الحديث]-
ظاهر قوله إلا أتيت الذي هو خير منها وتحللتها تقديم الحنث على الكفارة ولا خلاف في جواز ذلك لكن الخلاف في جواز تقديم الكفارة على الحنث أخذا من رواية فكفر عن يمينك وائت الذي هو خير ورواية إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير
فالحنفية وأشهب من المالكية وداود الظاهري يرون أن الكفارة لا تجزئ قبل الحنث وقالوا في قوله تعالى ﴿ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم﴾ أي إذا حلفتم فحنثتم وقالوا أيضا إن الكفارة تجب بالحنث لا بنفس اليمين إذ لو كانت بنفس اليمين لم تسقط عمن لم يحنث، وقالوا أيضا إن الكفارة بعد الحنث فرض وإخراجها قبل الحنث تطوع ولا يقوم التطوع مقام الفرض
وذهب ربيعة والأوزاعي والليث والشافعي وسائر فقهاء الأمصار إلى أن الكفارة تجزئ قبل الحنث وإن استحبوا تأخيرها لما بعد الحنث واحتجوا بأن اختلاف ألفاظ الحديث لا يدل على تعيين أحد الأمرين وإنما أمر الحالف بأمرين فإذا أتى بهما جميعا فقد فعل ما أمر به وقد اختلف لفظ الحديث فقدم الكفارة مرة وأخرها مرة لكن بحرف الواو الذي لا يوجب ترتيبا قال الباجي وابن التين وجماعة الروايتان دالتان على الجواز لأن الواو لا ترتب وقال الجمهور في قوله تعالى ﴿ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم﴾ أي إذا حلفتم فأردتم الحنث وللإمام مالك في المسألة روايتان قال عياض ومنع بعض المالكية تقديم كفارة المعصية لأن فيه إعانة على المعصية والله أعلم
стр. 803
واختلف العلماء في هل كفر ﷺ عن يمينه المذكورة فقيل لم يكفر أصلا لأنه مغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر إنما نزلت الكفارة تعليما للأمة والظاهر من الحديث أنه كفر وهو الأصح لقوله في رواية الصحيح وكفرت عن يميني
-[ويؤخذ من الحديث: ]-
١ - ترجيح الحنث في اليمين إذا كان خيرا من التمادي في التمسك به وخص ذلك بعضهم بما كان طاعة مستأنسا برواية مسلم فرأى غيرها أتقى لله فليأت التقوى
٢ - وأن تعمد الحنث في مثل ذلك يكون طاعة لا معصية
٣ - وجواز الحلف من غير استحلاف لتأكيد الخبر ولو كان مستقبلا
٤ - وفيه جواز اليمين عند المنع
٥ - ورد السائل الملحف عند تعذر الإسعاف
٦ - وتأديبه بنوع من الإغلاظ بالقول
٧ - واستحباب استدراك جبر خاطر السائل الذي يؤدب على الحاجة إذا تيسر
٨ - وأن من أخذ شيئا يعلم أن المعطي لم يكن راضيا بإعطائه لا يبارك له فيه
стр. 804
٦٩ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أتاكم أهل اليمن هم أرق أفئدة وألين قلوبا الإيمان يمان والحكمة يمانية والفخر والخيلاء في أصحاب الإبل والسكينة والوقار في أهل الغنم
-[المعنى العام]-
القلوب كالمعادن تصفو وترق وتشع وتجلو ثم هي تصدأ وتغلظ وتجمد وتسود نعم وللقلوب طلاء كطلاء المعادن وطلاؤها الذكر والتدبر والنظر في مخلوقات الله واتخاذ أسباب التواضع والرفق والحلم والرحمة والخوف والوجل
نعم للقلوب صدأ كصدأ الحديد وسواد ودخان يتكاثف عليها كتكاثفه على النحاس بفعل النار يجلبه الغرور وكثرة المال والتكالب على الدنيا
وقد وصف الله تعالى الصنف الأول في آيات كثيرة فقال ﴿الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾ ﴿والذين يؤتون ما
стр. 805
آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون﴾ ﴿الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله﴾ ﴿وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة﴾ ووصفه رسول الله ﷺ في هذا الحديث أتاكم أهل اليمن هم أرق أفئدة وألين قلوبا ... السكينة والوقار في أهل الغنم
كما وصف القرآن الكريم الصنف الثاني في آيات كثيرة فقال ﴿ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا﴾ ﴿لهم قلوب لا يفقهون بها﴾ ﴿فإنها لا تعمي الأبصار ولكن تعمي القلوب التي في الصدور﴾ ﴿ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة﴾
وصفه رسول الله ﷺ في هذا الحديث بقوله والفخر والخيلاء في أهل الإبل وفي رواية غلظ القلوب والجفاء في المشرق
ويهدف الرسول ﷺ بعد بيان اختلاف القلوب إلى إعطاء كل ذي حق حقه من المدح أو الذم إلى إعطاء اليمنيين الذين سارعوا إلى الإسلام وقبول الإيمان حقهم من الثناء أتاكم معشر المهاجرين والأنصار ... أتاكم أهل اليمن أضعف قلوبا وأرق أفئدة الإيمان يمان والحكمة يمانية ... والسكينة والوقار في أهل الغنم وإلى إعطاء ربيعة ومضر الذين قست قلوبهم وأعرضوا عن الإيمان حقهم من الذم والفخر والخيلاء في أهل الإبل جعلنا الله ممن رقت قلوبهم و ﴿الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب﴾
-[المباحث العربية]-
(أتاكم أهل اليمن) الخطاب للصحابة والمهاجرين والأنصار وقال لهم هذا القول وهو بتبوك
(هم أرق أفئدة وألين قلوبا) المفضل عليه محذوف أي هم أرق أفئدة ممن سواهم أو من أهل المشرق وهو الأولى والمشهور أن الفؤاد هو القلب وعليه يكون الوصفان الرقة واللين لموصوف واحد وقيل الفؤاد
стр. 806
غير القلب فإنه عين القلب أو باطن القلب أو غشاء القلب وأما الوصف باللين والرقة والضعف فالمراد منه أنها ذات خشية واستكانة وأنها سريعة الاستجابة والتأثر لأن الغشاء إذا رق سهل نفوذ الشيء إلى ما وراءه
(الإيمان يمان) أي الإيمان في أهل اليمن أي أنهم لصفات فيهم أسرع قبولا له وأصل يمان يمني نسبة إلى اليمن فحذفت الياء تخفيفا وعوض عنها الألف
(والحكمة يمانية) بتخفيف ياء يمانية لأن الألف فيه عوض عن ياء النسب كما قلنا في يمان ولا يجمع بين العوض والمعوض والياء هنا مزيدة للتوصل إلى تاء التأنيث والحكمة هي كل كلام موافق للحق
وفي القاموس الحكمة العدل والعلم والحلم أهـ وقال بعضهم كل كلمة وعظتك وزجرتك أو دعتك إلى مكرمة أو نهتك عن قبيح فهي حكمة والمراد من الحكمة هنا في الحديث العلم المشتمل على معرفة الله تعالى
(والفخر والخيلاء) قد يفرق بينهما بأن الفخر إظهار الكبر وإعلانه سواء كان موجودا بالفعل أو غير موجود والخيلاء إعجاب نفسي وقد يظهر ببعض المظاهر وفي رواية والجفاء وغلظ القلوب وقيل الفخر هو الافتخار وعد المآثر القديمة تعظيما ومنه الإعجاب بالنفس والخيلاء الكبر واحتقار الناس
(في أهل الإبل) في رواية أهل الوبر والوبر شعر الإبل وفي رواية أهل الخيل والإبل وفي رواية في الفدادين عند أصول أذناب الإبل والفداد بتشديد الدال هو شديد الصوت والمعنى أن القسوة وغلظ القلوب والكبر في المكثرين من الإبل الذين تعلو أصواتهم خلفها عند سوقهم لها وفي رواية في أهل المشرق وفي رواية في ربيعة ومضر لأن ربيعة ومضر كانوا يمثلون أغلبية سكان أهل المشرق وقد اشتهروا بتربية الإبل والخيل
(في أهل الغنم) أي في اليمن لأن معظم تربيتهم الغنم وفي رواية في أصحاب الشاء
стр. 807
-[فقه الحديث]-
حاول بعض العلماء صرف نسبة الإيمان إلى أهل اليمن عن ظاهرها حيث أن مبدأ الإيمان من مكة ثم من المدينة وقد تكلفوا لهذا الصرف تكلفات بعيدة منها
أن المراد من اليمن مكة فإنه يقال إن مكة تهامة وتهامة من أرض اليمن ومنها أن المراد من اليمن مكة والمدينة فإنه يروي أن النبي ﷺ قال هذا الكلام وهو في تبوك ومكة والمدينة حينئذ بينه وبين اليمن فأشار إلى ناحية اليمن وهو يريد مكة والمدينة كما قالوا الركن اليماني وهو بمكة لكونه ناحية اليمن
ومنها أن المراد بذلك الأنصار لأنهم يمنيون في الأصل فنسب الإيمان إليهم لكونهم أنصاره
والحق أن هذا التكلف بعيد عن الصواب وبعيد عن ألفاظ الحديث في مجموع طرقه ورواياته إذ من ألفاظه كما هنا أتاكم أهل اليمن والكلام لأهل مكة المهاجرين ولأهل المدينة الأنصار فالآتي إذن غيرهم ثم إنه ليس هناك مانع أصلا من إجراء الكلام على ظاهره وحمله على أهل اليمن حقيقة فأهل اليمن سارعوا إلى قبول الإيمان
ثم إن نسبة الإيمان إليهم وإن كان فيها إشعار بكمال إيمانهم لا تنفي الإيمان عن غيرهم بل جاء في رواية صحيحة والإيمان في أهل الحجاز
ثم إن هذا الحكم لا ينسحب على أهل اليمن فردا فردا ولا في جميع العصور فإن اللفظ لا يقتضيه
-[ويؤخذ من الحديث: ]-
١ - منقبة عظيمة للمؤمنين من أهل اليمن
стр. 808
٢ - تفاضل أهل اليمن وأن المؤمنين كالقبائل بعضهم أرفع إيمانا من بعض
٣ - مدح السكينة والوقار ولين القلوب ورقة الأفئدة
٤ - التنفير من الفخر والخيلاء والكبر والغرور
٥ - أن من اتصف بشيء وقوي قيامه به نسب إليه إشعارا بكمال حاله فيه
٦ - ذم أهل الإبل الذين يشتغلون بها عن أمور دينهم وتصل بهم إلى غلظة القلوب والخيلاء
غزوة تبوك وهي غزوة العسرة
٧٠ - عن مصعب بن سعد ﵁ عن أبيه أن رسول الله ﷺ خرج إلى تبوك واستخلف عليا فقال أتخلفني في
стр. 809
الصبيان والنساء قال ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه ليس نبي بعدي
-[المعنى العام]-
في شهر رجب سنة تسع من الهجرة بلغ المسلمين من التجار الذين ينتقلون بين الشام والمدينة أن الروم جمعوا جموعا كثيرة وحرضوا بعض القبائل العربية المتاخمة لمملكتهم لمحاربة المسلمين وكانت نصارى العرب قد كتبوا إلى هرقل أن المسلمين في هذه الفترة قد أصابتهم السنون فهلكت أموالهم فأراد هرقل أن يستغل هذه الفرصة فجهز جيشا يزيد على أربعين ألف مقاتل علم النبي ﷺ بذلك فأمر بالاستعداد للخروج ولكن كيف يخرجون إنهم في شبه مجاعة بل في مجاعة حقيقية أين الظهر الذي يركبونه من المدينة إلى الشام وأين التموين الذي يكفيهم عسرة ما بعدها عسرة لقد قدم الصحابة ما يمكن أن يقدموه قدم أبو بكر كل ماله لكنه قليل وقدم عمر نصف ماله لكنه أقل وها هو ذا عثمان قد أعد للتجارة مائتي بعير تحمل القمح قد جعلها في سبيل الله وسلمها لرسول الله ﷺ ومعها مائتا أوقية استجاب المسلمون لأمر رسول الله ﷺ رغم الحر الشديد وضيق الحال تجمع جيش إسلامي يبلغ ثلاثين ألفا وتحرك نحو الشام مسافة تبلع الأربعمائة ميل أو تزيد ومن يخلف المسلمين في المدينة يرعى أمورها ويحفظ ذمارها ويحمي حماها مدة الغيبة الطويلة لقد اختار رسول الله ﷺ عليا ابن عمه لهذه المهمة الصعبة كما اختاره ليقوم مقامه ليلة الهجرة لكن عليا ﵁ نظر إلى هذه المهمة نظرة أخرى ظن أنها مهمة غير القادرين على القتال كيف وهو المشهور بالقوة والشجاعة والإقدام إذا اشتد البأس كيف وهو الذي صرع كل من بارزه في ساحة المعارك كيف وهو الذي فتح الله على يديه خيبر يوم حمل لواء الإسلام وقاد المسلمين ظن أنه بمراجعته رسول الله ﷺ يتغير القرار فقال يا رسول الله أتذهب بالجيش وتتركني في المدينة بين صبيانها ونسائها أما كان
стр. 810
هناك من يقوم بهذا الأمر غيري فقال له رسول الله ﷺ إما أن تبقى وإما أن أبقى ألا
يرضيك أن تخلفني في أهل المدينة كما خلف هارون موسى حين قال له موسى اخلفني في قومي وأصلح ألا يرضيك أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى قال رضيت يا رسول الله قال إنك مني بمنزلة هارون من موسى غير أن هارون كان نبيا ولا نبي بعدي
وبقي علي بالمدينة وسار الجيش في قيظ شديد وفي قلة من الظهر العشرة يخصهم بعير واحد يتعاقبون عليه الماء ينفد ينحرون البعير فيشربون ما في كرشه من الماء وصلوا عينا أو بئر تبوك فلم يسعفهم ماؤها فنضبت فمضمض فيها رسول الله ﷺ ففاضت نفد زاد القوم أو كاد لجأوا إلى النوى بعد نفاد التمر يمصون النواة كغذاء ويشربون عليه الماء ذهبوا يستأذنون النبي في ذبح بقية نواضحهم وإبلهم يسدون بها الرمق فأذن لهم لكن عمر قال يا رسول الله ما بقاء الناس بعد إبلهم قال وماذا ينقذ الناس قال يا رسول الله لو جمعت ما بقي من أزواد القوم فدعوت الله عليها قال: أفعل فجاء صاحب البر ببره وذو التمر بتمره وصاحب الكسرة بكسرته وصاحب النوى بنواه فجمع على النطع شيء يسير فدعا ﷺ بالبركة ثم قال خذوا في أوعيتكم فما تركوا في العسكر وعاء إلا ملأوه فأكلوا وشبعوا وفضلت فضلة أقاموا في تبوك بضع عشرة ليلة ولم يحاربهم جيش الروم وجاء وفود نصارى العرب إلى رسول الله ﷺ فصالحهم وفرض عليهم الجزية ثم رجع من تبوك وتحدثت آيات كثيرة من سورة التوبة عن هذه الغزوة وعن الثلاثة الذين خلفوا عنها وتوبة الله عليهم
-[المباحث العربية]-
(خرج إلى تبوك) وهي آخر غزوة غزاها رسول الله ﷺ وهي غزوة العسرة وتبوك مكان معروف في منتصف الطريق بين المدينة ودمشق أو هي أقرب منها إلى المدينة وهو ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث إذا أريد به البقعة وقد يصرف
следующие страницы →