Полный текст (1 103 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
٤ - فيه منقبة عظيمة لابن مسعود بحفظه للقرآن واختياره للقراءة ﵁
٥ - فيه إثبات هول القيامة وموقف الشهداء على الأمم
٦ - فيه أن ترتيب الآيات في سورها توقيفي
٧ - في رد ابن مسعود واستفهامه حسن أدب الصحابة وتوقيرهم لرسول الله ﷺ
٨ - في رده ﷺ على ابن مسعود عطف المسئول الكبير على السائل وترفقه به وتعليل أوامره
٧٨ - عن أنس بن مالك ﵁ قال ما كان لنا خمر غير فضيخكم هذا الذي تسمونه الفضيخ فإني لقائم أسقي أبا طلحة وفلانا وفلانا إذ جاء رجل فقال وهل بلغكم الخبر فقالوا وما ذاك قال حرمت الخمر قالوا أهرق هذه القلال يا أنس قال فما سألوا عنها ولا راجعوها بعد خبر الرجل
стр. 842
-[المعنى العام]-
كانت الخمر في الجاهلية مشروبا يجلس له الرجال مجتمعين لذته في اجتماعهم ودوران الكأس عليهم ومسامرتهم أثناء الشرب وبعده حين تأخذ الخمر بالعقول فينطق شاربوها بما لا يقبلون أن ينطقوا به في كمال وعيهم ويتصرفون بما لا يليق أن يتصرفوا به لقد علموا أن الخمر فيها إثم كبير لكن منافعهم منها من حيث إنها تبعث الحرارة في الجسم وتمنحه بعض الخفة وبعض النشاط إذا كانت كميتها في حدود مناسبة كانت هذه المنافع البسيطة قد غلبتهم وجعلتهم يستهينون بما تحدثه من إثم كبير وجاء النهي عن الصلاة وهم سكارى بقوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون﴾ فامتنع الكثيرون عن شربها قبيل الصلوات أو شرب الكثير منها الذي يأخذ بعقولهم واستمرت هذه الحال إلى سنة ست من الهجرة وكان العقلاء من المسلمين لا يشربونها أو لا يكثرون منها بل كان بعضهم يتمنى أن لو حرمت لقد رأوا بأعينهم ما تجره الخمر عليهم من الويلات والعداوات حتى إن قبيلتين من الأنصار اجتمعوا فشربوا حتى ثملوا فعبث بعضهم ببعض لطخوا وجوه بعضهم وعبثوا في شعورهم فلما أن صحوا جعل الرجل يرى في وجهه ورأسه الأثر القبيح فيقول صنع هذا أخي فلان والله لو كان بي رحيما ما فعل بي هذا وكانوا أخوة ليس في قلوبهم ضغائن فوقعت في قلوبهم الضغائن فأنزل الله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون﴾ الآية رقم ٩٠ من سورة المائدة فقرأها رسول الله ﷺ على من حضر ثم بعث مناديا ينادي في المدينة ألا إن الخمر قد حرمت ووصل صوت هذا المنادي إلى مجموعة من الرجال يشربون الخمر في بيت أبي طلحة يسقيهم أنس بن مالك وجاء المنادي على بابهم وخرج إليه أنس يسأله الخبر فيؤكد له المنادي أن الخمر قد حرمت وكأن الموجودين بالدار كانوا يتمنون ذلك فما إن سمعوا حتى قالوا لأنس اكسر أواني الخمر بعد
إراقة ما فيها ولم يتردد ولم يراجع ولم يشك في
стр. 843
الخبر أحد منهم فقام أنس بإراقتها وكسر قلالها وقام كثير من المسلمين في كثير من البيوت بإراقتها في الطريق فكان الرائي يرى سيلا يجري في شوارع المدينة المنورة
-[المباحث العربية]-
(ما كان لنا خمر غير فضيخكم) الفضيخ بفاء مفتوحة وضاد مكسورة على وزن عظيم اسم للبسر إذا شقق ونبذ والبسر هو البلح الذي يحمر أو يصفر قبل أن يترطب وقد يطلق الفضيخ على خليط البسر والرطب كما يطلق على خليط البسر والتمر والمعنى ما كان لأهل المدينة خمر بمعنى عصير العنب وغيره غير نبيذ البسر والرطب والتمر
وفي رواية لأنس كنت أسقي من فضيخ زهو وتمر والزهو بفتح الزاي وسكون الهاء البسر الذي يحمر أو يصفر قبل أن يترطب وفي رواية للبخاري عن أنس أيضا حرمت علينا الخمر حين حرمت وما نجد يعني بالمدينة خمر الأعناب إلا قليلا وعامة خمرنا البسر والتمر
والخمر ما خامر العقل أي غطاه أو خالطه فلم يتركه على حاله وسمي العصير خمرا لأنه يفعل ذلك بالعقل وقيل لأنه يغطى حتى يغلي أي يخمر واللغة الفصحى تأنيث الخمر وحكي جواز التذكير وتؤنث فيقال خمرة
(فإني لقائم أسقي) خمرا والضمير لأنس وكان هو الساقي لأنه كان أصغرهم سنا وكان السقي في منزل أمه وفي رواية أسقيهم من مزادة فيها خليط بسر وتمر وفي رواية أسقيهم حتى كاد الشراب يأخذ فيهم
(أبا طلحة وفلانا وفلانا) في رواية للبخاري عن أنس كنت أسقي أبا عبيدة أي ابن الجراح وأبا طلحة وهو زيد بن سهل زوج أم سليم أم أنس وأبي بن كعب وكان السقي في بيت أبي طلحة وفي رواية عن أنس أن القوم كانوا أحد عشر رجلا
стр. 844
(إذ جاء رجل) قال الحافظ ابن حجر لم أقف على اسمه وعند مسلم فإذا مناد ينادي أن الخمر قد حرمت فيحتمل أن يكون الرجل هو المنادي
(قالوا أهرق هذه القلال) في رواية هرق بفتح الهاء وكسر الراء وسكون القاف والأصل أرق فعل أمر فأبدلت الهمزة هاء وقد تستعمل هذه الكلمة بالهمز والهاء معا كما في روايتنا قالوا وهو نادر وجاء في رواية أكفئها من الإكفاء وهو الإمالة والقلال جمع قلة وكانت جرة كبير
(فما سألوا عنها ولا راجعوها) أي ما شكوا في الخبر وما ترددوا في تنفيذه
-[فقه الحديث]-
جزم الدمياطي في سيرته بأن تحريم الخمر كان سنة الحديبية سنة ست من الهجرة وقد أخرج البيهقي مرفوعا وصححه ابن حبان اجتنبوا الخمر فإنها أم الخبائث وأنها لا تجتمع هي والإيمان إلا وأوشك أحدهما أن يخرج صاحبه
والحديث صريح في أن الصحابة اعتبروا الفضيخ خمرا مع أنه ليس من عصير العنب وجمهور العلماء على أن الخمر في الشرع اسم لكل ما يسكر سواء أكان من عصير العنب أو من نقيع التمر أو الزبيب أو العسل أو غيرها للحديث الصحيح كل مسكر خمر
قال الحافظ ابن حجر استدل بالحديث على أن المتخذ من غير العنب يسمى خمرا على أن السكر المتخذ من غير العنب يحرم شرب قليله كما يحرم شرب القليل من المتخذ من العنب إذا أسكر كثيره لأن الصحابة فهموا من الأمر باجتناب الخمر تحريم ما يتخذ للسكر من جميع الأنواع ولم يستفصلوا وإلى ذلك ذهب جمهور العلماء من الصحابة والتابعين وخالف في ذلك الحنفية فقالوا يحرم المتخذ من العنب قليلا أو كثيرا إلا إذا طبخ وفي المتخذ من غير العنب لا يحرم منه إلا القدر الذي
стр. 845
يسكر وما دونه لا يحرم أهـ
وأدلة هذه المسألة كثيرة ومتشعبة في المطولات مما لا يليق بهذا المختصر وفتح الباري فيه غناء عن جميع المبسوطات
-[ويؤخذ من الحديث: ]-
١ - استدل بالحديث على أن شرب الخمر كان مباحا لا إلى نهاية ثم حرمت وقيل كان المباح الشرب لا السكر المزيل للعقل وبالغ النووي في الرد على هذا القول الأخير فقال ما يقوله بعض من لا تحصيل عنده أن السكر لم يزل محرما باطل لا أصل له وقد قال الله تعالى ﴿لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون﴾ فإن مقتضاه وجود السكر حتى يصل إلى الحد المذكور ونهوا عن الصلاة في تلك الحالة لا في غيرها فدل على أن ذلك كان واقعا
وعلى هذا فهل كانت مباحة بالأصل أو بالشرع فنسخت فيه قولان للعلماء والراجح الأول
٢ - وفي الحديث إجازة خبر الواحد والعمل به فإن المخبر بتحريم الخمر واحد وقد قبل خبره وعمل به
٣ - مدى التزام الصحابة بالشريعة ومسارعتهم إلى إنكار المنكر بإزالته والله أعلم
стр. 846
٧٩ - عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ قال الله يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر بيدي الأمر أقلب الليل والنهار
-[المعنى العام]-
خلق الله الزمان ظرفا لأفعال العباد ولصالح العباد يدبرون أمورهم بواسطته ويحددون مواقيتهم به الليل والنهار وساعاتهما والشهر والعام بل عمر الأشياء وعمر الإنسان نعمة عظيمة من نعم الله ﴿هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون﴾ الآية ٥ من سورة يونس
ومن كفر الإنسان وجحوده أن لا يشكر نعمة الله وأن لا يقدرها قدرها وأن لا يستفيد منها وأكثر من ذلك جحودا أن يحول النعمة بسلوكه الخاطئ إلى نقمة وأن يسند أخطاءه إلى غيره وأن يتهم البريء وأن يلصق العيب الذي يقع فيه إلى الزمان أو المكان فيلعن الأرض ويسب الزمان وهو لا يدري أنه بذلك يسب خالقهما ومدبرهما ومسخرهما
منتهى الكفر والجحود أن يسب الإنسان النعمة ويؤذي المنعم بها يسب الزمان والدهر والله هو خالق الزمان والدهر وبيده تصريف الأمور في الأزمنة والأمكنة التي يقدرها يقلب الليل والنهار ويداول الأيام بين الناس يعطي ويمنع مالك الملك يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء بيده الخير إنه على كل شيء قدير إن أنعم فبمحض الفضل وإن سلب فوديعته يستردها متى شاء له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه المآب
стр. 847
-[المباحث العربية]-
(قال الله ﵎ هذا حديث قدسي، أوحي به لرسول الله ﷺ ، وحدث به عن ربه جل وعلا
(يؤذيني ابن آدم) قال القرطبي معناه يخاطبني من القول بما يتأذى به من يجوز في حقه التأذي والله منزه عن أن يصل إليه الأذى وإنما هو من التوسع في الكلام والمراد أن من وقع منه ذلك تعرض لسخط الله
(يسب الدهر) الدهر الزمان جعل ظرفا للأمور وكانت عاداتهم إذا أصابهم مكروه أضافوه إلى الدهر فقالوا بؤسا للدهر وتبا للدهر والجملة مستأنفة لبيان كيفية الإيذاء
(وأنا الدهر) الدهر بالرفع وفي الكلام مضاف محذوف أي أنا خالق الدهر وصاحبه ومدبر الأمور التي ينسبونها إلى الدهر فمن سب الدهر عاد سبه إلى ربه الذي هو فاعل فكأنه قال لا تسبوا الفاعل فإنكم إذا سببتموه سببتموني
(أقلب الليل والنهار) أي إن الدهر حادث بتقليب الليل والنهار ولا فعل له من خير أو شر
-[فقه الحديث]-
كان الكثيرون من أهل الجاهلية لا يؤمنون بإله ويقولون ما هي إلا حياتنا الدنيا وما هي إلا أرحام تدفع وأرض تبلع وما يهلكنا إلا الدهر فيعتقدون أن الدهر فاعل مدبر يسندون إليه الكوارث والنعم وكانت هذه الخرافات عقيدة لهم للجهل والبعد عن العلم فنعى القرآن عليهم بأنهم ﴿ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون﴾
-[ويؤخذ من الحديث: ]-
١ - إبطال مذهب الفلاسفة الدهريين ومن وافقهم من مشركي العرب المنكرين للصانع
стр. 848
٢ - أنه لا يجوز نسبة الأفعال للدهر على سبيل الحقيقة على أن الدهر فاعل مدبر فمن اعتقد ذلك فهو كافر وأما من نطق بذلك دون اعتقاد فهو آثم متشبه بأهل الكفر والضلال
٣ - أخذ ابن حزم من قوله وأنا الدهر أن الدهر اسم من أسمائه تعالى
٨٠ - عن زيد بن أرقم ﵁ قال: كنت في غزاة فسمعت عبد الله بن أبي يقول لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله ولو رجعنا من عنده ليخرجن الأعز منها الأذل فذكرت ذلك لعمي أو لعمر فذكره للنبي ﷺ فدعاني فحدثته فأرسل رسول الله ﷺ إلى عبد الله بن أبي وأصحابه فحلفوا ما قالوا فكذبني رسول الله ﷺ وصدقه فأصابني هم لم يصبني مثله قط فجلست في البيت فقال لي عمي ما أردت إلى أن كذبك رسول الله ﷺ ومقتك فأنزل الله تعالى ﴿إذا جاءك المنافقون﴾ فبعث إلي النبي ﷺ فقرأ فقال: إن الله قد صدقك يا زيد
-[المعنى العام]-
بعد غزوة بني المصطلق وقد نزل جيش المسلمين بعد الانتصار على ماء يسمى ماء المريسيع تشاحن أجير لعمر بن الخطاب مع حليف لعبد الله بن أبي كبير المنافقين من أجل الماء فكسح أجير عمر حليف بن
стр. 849
أبي فنادى الأخير يا للأنصار ونادى أجير عمر يا للمهاجرين وخف إليهما نفر من الفريقين وكادت الفتنة تشتعل بين المهاجرين والأنصار لولا تدخل رسول الله ﷺ وقوله دعوها فإنها منتنه أي دعوا العصبية والقبلية فإنها كريهة وقد دفنها الإسلام وانحسر الفريقان واجتمع فريق من المنافقين بعبد الله بن أبي يقولون له كنت ترجي وتدفع فصرت لا تضر ولا تنفع فأخذته الحمية فقال نافرونا وكاثرونا في بلادنا ما مثلنا إلا كما قال القائل سمن كلبك يأكلك لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن منها الأعز الأذل وقال لمن معه من المنافقين لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا وكان غلام من الأنصار يدعى زيد بن أرقم قريبا من المنافقين سمع كلامهم فأخبر بذلك رئيس قومه الخزرج سعد بن عبادة فأخبر سعد رسول الله ﷺ فدعا زيدا فسأله فحكى ما سمع فقال له رسول الله ﷺ لعلك أخطأ سمعك لعلك شبه عليك ودعا عبد الله بن أبي فسأله فحلف بالله ما قال من ذلك شيئا وقال أتباعه يا رسول الله كبيرنا تكذبه وتصدق عليه صبيا لا يدرك وأحس رسول الله ﷺ بالضيق وأدرك عمر وكبار الصحابة صدق الصبي فقال عمر يا رسول الله دعني أضرب عنق المنافق قال ﷺ لا قال فمر معاذ بن جبل فليقتله قال لا لئلا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه وجاء عبد الله بن عبد الله بن أبي وقد بلغه الخبر فقال يا رسول الله بلغني أنك تريد قتل أبي فيما بلغك عنه وإني أخشى أن يقتله أحد فتكرهه نفسي وتأخذني الحمية ضده فإن كنت فاعلا فمرني به فأنا أحمل إليك رأسه فقال ﷺ بل نرفق به ونحسن صحبته ثم قال يا عمر أذن في الناس بالرحيل وكانوا
في منتصف الليل وفي ساعة لا يرحل فيها الجيش عادة لكنه ﷺ أراد أن يشغل الناس بالسفر عن الفتنة وكانت عائشة في هذه الساعة قد انقطع عقدها تبحث عنه بعيدا عن الجيش فكانت حادثة الإفك وكانت الإشاعة التي أطلقها عبد الله بن أبي ووصل الجيش أبواب المدينة ووقف عبد الله بن عبد الله بن أبي يمنع أباه من الدخول ويقول له والله لا آذن لك بدخولها حتى يأذن لك رسول الله ﷺ وشكا عبد الله بن أبي ابنه
стр. 850
لرسول الله ﷺ فأرسل لابنه أن يأذن له بالدخول فشهر سيفه في وجهه وقال له والله لا أدعك تدخلها حتى تقول أنا الأذل ورسول الله ﷺ الأعز فقال رأس النفاق صاغرا وظن الصبي زيد بن الأرقم وبعض الناس أن رسول الله ﷺ كذبه وصدق ابن أبي فاغتم ولزم بيته خوفا من عتب من يلاقيه وجاءه من يزوره وجاءه عمه يقول له أهكذا تقول خبرا يكذبك فيه رسول الله ﷺ وزاد همه وغمه ونزل القرآن الكريم يكشف المنافقين ويصدق خبر الصبي زيد بن أرقم فدعاه رسول الله ﷺ وعرك أذنه وبشره بأن الله صدقه وتلا عليه وعلى الصحابة سورة المنافقين وفيها ﴿هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا ولله خزائن السموات والأرض ولكن المنافقين لا يفقهون يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون﴾ الآيتان ٧، ٨
-[المباحث العربية]-
(كنت في غزاة) الراجح أنها غزوة بني المصطلق
(عبد الله بن أبي بن سلول) رأس النفاق وسلول اسم أمه
(لا تنفقوا على من عند رسول الله) الخطاب للأنصار الذين أنفقوا على المهاجرين وقاسموهم أموالهم وآثروهم على أنفسهم والمقصود بمن عند رسول الله المهاجرون
(حتى ينفضوا من حوله) أي حتى يتفرقوا عنه ولفظ من حوله من كلام ابن أبي ولم يحكه القرآن في الآية ولم يقصد الراوي بذكره التلاوة
(ولئن رجعنا من عنده) لفظ من عنده أي من جيشه وغزوته من كلام ابن أبي ولم يحكه القرآن أيضا
﴿ليخرجن الأعز منها الأذل﴾ يعني بالأعز نفسه قاتله الله وبالأذل رسول الله ﷺ أعزه الله ورفع ذكره
стр. 851
(فذكرت ذلك لعمي أو لعمر) أو هنا للشك من الراوي وفي سائر الروايات الأخرى في البخاري لعمي بدون شك والمراد بعمه هنا سعد بن عبادة وليس عمه حقيقة وإنما هو سيد قومه الخزرج
(ما أردت إلى أن كذبك رسول الله ﷺ أي ما الذي أردته وقصدته حتى وصلت إلى تكذيب رسول الله ﷺ لك
(ومقتك) أي وغضب عليك وهذا القول كان مبنيا على الظن لا على الواقع
﴿إذا جاءك المنافقون﴾ الآيات مقصود لفظها وحكايتها مفعول به لأنزل
(إن الله صدقك يا زيد) صدقك بتشديد الدال أي قرر صدقك وفي رواية فأخذ رسول الله ﷺ بأذن الغلام فقال وفت أذنك يا غلام مرتين أي كانت أذنك وفية مؤدية واعية لما سمعت
-[فقه الحديث]-
ظاهر قوله فأنزل الله ﴿إذا جاءك المنافقون﴾ من غير ذكر نهاية ما أنزل قد يوهم أن السورة قد نزلت حينئذ كلها لكن الروايات الأخرى في الصحيح تثبت نهاية ما أنزل آنذاك وأنه إلى قوله ﴿ليخرجن الأعز منها الأذل﴾ فيكون الذي نزل ﴿إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله إنهم ساء ما كانوا يعملون ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون﴾ ويبدو أن هذا القدر من السورة نزل أولا فقيل لعبد الله بن أبي لو أتيت رسول الله ﷺ فاستغفر لك فجعل يلوي رأسه ممتنعا مستكبرا فنزل ﴿وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رءوسهم ورأيتهم يصدون وهم مستكبرون سواء عليهم أأستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم إن الله لا يهدي القوم الفاسقين هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا ولله خزائن السموات والأرض ولكن المنافقين لا يفقهون يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون﴾ ويبدو أنه لتقارب وقت النزولين واتصال موضعهما ذكر الكل كأنه نزل دفعة واحدة والله أعلم
стр. 852
-[ويؤخذ من الحديث: ]-
١ - ترك مؤاخذة كبراء القوم بالهفوات لئلا ينفر أتباعهم والاقتصار على معاتباتهم ذكره الحافظ ابن حجر وعندي أن ذلك ليس من الهفوات التي يترك أصحابها أو يعاتبون عليها لكن كان سبب هذه المعاملة عدم التأكد من الخبر
٢ - التوقف عن الحكم بناء على أخبار غير جازمة وبدون بينة وقبول عذر من يعتذر حينئذ وتصديق إيمان من يحلف وإن كانت القرائن ترشد إلى خلاف ذلك
٣ - تأنيس وتأليف ضعاف الإيمان لئلا ينفروا أتباعهم وبخاصة عند عدم الإدانة أو في سفساف الأمور
٤ - جواز تبليغ الإمام أخبار بعض الرعية من أجل المصلحة العامة
٥ - جواز تبليغ المقول فيه قولا قيل به ما لم يقصد بذلك الإفساد المطلق وليس ذلك من النميمة وتعتمد في مثل ذلك الموطن قاعدة ترجيح المصلحة العامة على المفسدة الخاصة
٦ - في الحديث منقبة عظيمة لزيد بن الأرقم ﵁
٧ - ذم النفاق والتحذير من المنافقين وحث المؤمن على أن يكون حذرا فطنا
стр. 853
كتاب فضائل القرآن
١ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "لا حسد إلا في اثنتين رجل علمه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل وآناء النهار فسمعه جار له فقال ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان فعملت مثل ما يعمل ورجل آتاه الله مالا فهو يهلكه في الحق فقال رجل ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان فعملت مثل ما يعمل"
-[المعنى العام]-
الدنيا مزرعة الآخرة والكيس من استفاد منها وعمل لما بعد الموت والحكيم من نظر إلى من دونه قدرا في الدنيا فيحمد الله على حاله وإلى من فوقه دينا وتجارة أخروية فنافسه وسابقه وحرص على اللحاق به والزيادة عليه والحديث يرشد إلى ميدانين من ميادين الخير باعتبارهما أهم الميادين وكان غيرهما بجوارهما لا شيء ميدان قراءة القرآن والعمل به وميدان الإنفاق في سبيل الله فيقول لا غبطة محمودة ولا يليق بمسلم أن يتطلع إلى ما عند مسلم ولا أن يتمنى فضلا تفضل الله به على مسلم إلا في حالتين حالة رجل أو امرأة علمه الله القرآن فحفظه أو أجاد قراءته في المصحف فهو يشغل به وقته ويتلوه في ساعات الليل وفي ساعات النهار فإنه يحق للمسلم الذي يسمعه أن يتمنى أن يكون مثله وأن
стр. 854
يعمل مثل ما يعمل يحق للمسلم حينئذ أن يحاول وأن ينافس
الحالة الثانية حالة رجل أو امرأة آتاه الله مالا فجعله في يده لا في قلبه وابتغى به الدار الآخرة وأخذ ينفق منه في وجوه الإنفاق الشرعية صباح مساء فيحق للمسلم الذي يراه أن يتمنى مثله وأن يحاول الكسب الحلال والإنفاق مما يكتسب في سبيل الله
ففي الحالتين فضل كبير فضل قراءة القرآن وفضل الإنفاق في وجوه الخير وفي ذلك فليتنافس المتنافسون
-[المباحث العربية]-
(لا حسد إلا في اثنتين) "لا" نافية للجنس واسمها "حسد" مبني على الفتح في محل نصب وخبرها محذوف تقديره "محمود" أو مرخص به شرعا إلا في خصلتين وحالتين والمستثنى منه محذوف أي لا حسد في شيء من الأشياء أو في خصلة من الخصال إلا في خلصتين والمراد من الحسد الغبطة وهي تمني مثل ما عند الغير وهي محمودة شرعا بخلاف الحسد الذي هو تمني زوال نعمة الغير وهو محرم شرعا وإنما عبر عن الغبطة بالحسد للمشابهة بينهما من بعض الوجوه
(رجل) بالرفع والجر وهو على كل منهما قائم مقام المضاف المحذوف أي خصلة رجل فالرفع خبر مبتدأ محذوف أي إحداهما خصلة رجل والجر على البدلية من "اثنين" وذكر الرجل ليس للاحتراز عن المرأة وإنما ذكره للتمثيل فالحكم يعم النساء
(علمه الله القرآن فهو يتلوه) علمه قراءته حفظا أو قراءة والمراد العمل به مع التلاوة بدليل رواية ابن عمر "فهو يقوم به" وتلاوته أعم من أن تكون في صلاة أو في غير صلاة
(آناء الليل وآناء النهار) أي ساعات الليل وساعات النهار وليس المقصود استغراق جميع الأوقات بالقراءة حتى لا ينام أو لا يأكل أو لا
стр. 855
يشتغل بأمر دنياه بل المراد المبالغة في كثرة القراءة و"آناء" جمع "إنى" بكسر الهمزة وفتح النون منونة كأمعاء جمع معي
(فسمعه جار له) ذكر "جار" مبني على الغالب لأنه الذي يسمع في جميع أحواله غالبا
(ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان فعملت مثل ما يعمل) التمني للأمرين معا والغبطة في اجتماعهما
(آتاه الله مالا) نكرة تفيد الشيوع فيقع على القليل والكثير وعلى أي ممول تجارة وزراعة وصناعة أقواتا وغير أقوات
(فهو يهلكه) أي ينفقه والتعبير بالإهلاك للإشارة إلى استنفاده كله والإسراف في الخير محمود
(في الحق) قيد للاحتراز عن التبذير المذموم
-[فقه الحديث]-
تخصيص هاتين الخصلتين بالذكر وحصر الخير فيهما ادعاء للإشارة إلى عظم أمرهما ومبالغة في فضلهما نعم هناك خصال لها من الفضل مثل ما لهاتين أو أكثر كالجهاد والتفقه في الدين مثلا لكن الحث على بعض الفضائل في بعض الأوقات روعي فيه المناسبات والظروف وحال المخاطبين ولذلك يقول الحافظ ابن حجر ولا يلزم من الحديث أفضلية المقرئ على الفقيه لأن المخاطبين بذلك كانوا فقهاء ولا يلزم كذلك أن يكون المقرئ أفضل ممن هو أعظم عناء في الإسلام كالمجاهد والمرابط والآمر بالمعروف والناهي عن المنكر لأن ذلك دائر على النفع المتعدي إلى الغير فمن كان حصوله عنده أكثر كان أفضل
-[ويؤخذ من الحديث]-
١ - جواز الغبطة بمعنى تمني مثل ما عند الغير من غير تمني زواله عن الغير قال الحافظ ابن حجر فإن كان في الطاعة فهو محمود ومنه ﴿وفي
стр. 856
ذلك فليتنافس المتنافسون﴾ وإن كان في المعصية فهو مذموم
٢ - فضل قراءة القرآن
٣ - فضل الإنفاق في سبيل الله وفي الحق وفضل السخاء
٤ - ذم البخل والشح
٥ - المبالغة في الإنفاق في الحق لا تعد تبذيرا ولا تذم
٦ - الحض على هاتين الخصلتين
٧ - الحث على التنافس في الخيرات
٨ - استدل بالحديث على أن الغني القائم بحقوق المال أفضل من الفقير قال الحافظ ابن حجر نعم يكون أفضل بالنسبة إلى من أعرض ولم يتمن اهـ
وظاهر كلامه أنه لا يكون أفضل من الفقير إذا تمنى لكن حديث "ذهب أهل الدثور بالأجور" يفيد تفضيل الغني المنفق لماله في وجوه الخير على الفقير والله أعلم.
стр. 857
٢ - عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال "إنما مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل المعقلة إن عاهد عليها أمسكها وإن أطلقها ذهبت"
-[المعنى العام]-
يقول الله تعالى ﴿إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا﴾ ويقول ﴿سنقرئك فلا تنسى﴾ بهاتين الآيتين أشار الله تعالى إلى صعوبة حفظ القرآن وصعوبة الاحتفاظ بهذا الحفظ وأشار إلى طريق المحافظة عليه بقوله ﴿ورتل القرآن ترتيلا﴾ وقوله ﴿فاقرءوا ما تيسر من القرآن﴾ حتى من يكون منا مرضى أو ضاربين في الأرض فطريق إمساك المسلم بما حفظ مداومة التلاوة وهذا الحديث يوضح ذلك المعنى بضرب المثل وتشبيه القرآن في صدر حافظه بالإبل المقيدة مادام القيد والتعاهد ظلت ممسكة وإن فك قيدها ولم تراقب انفلتت وذهبت وصاحب القرآن كذلك إن داوم على تلاوته واستذكاره ظل حافظا وإن غفل عن تلاوته وأهمل قراءته نسي ما حفظه وما أعظم مصيبة من حفظ آية ثم نسيها وما أشد خسران من نسي القرآن بعد حفظه نعوذ بالله من ذلك
-[المباحث العربية]-
(إنما مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل) الصاحب الملازم لذي ألف الشيء أو الذي يملكه و"إنما" أداة حصر ادعائي لأن لصاحب القرآن تشبيهات أخرى
(المعقلة) بضم الميم وفتح العين وتشديد القاف المفتوحة هي
стр. 858
المشدودة بالعقال وهو الحبل الذي يشد في ركبة البعير بعد ثني الساق على الفخذ قاعدا وبه لا يستطيع القيام
(إن عاهد عليها أمسكها وإن أطلقها ذهبت) وفي رواية لمسلم "إن تعاهدها صاحبها فعقلها أمسكها وإن أطلق عقالها ذهبت" تعاهد الإبل وعقل الإبل قد يراد به إحداث ذلك بعد أن لم يكن وقد يراد به استمرار ذلك وتعاهد القرآن كذلك قد يرد به إنشاء القراءة والحفظ وقد يراد به استمرار القراءة ومداومة الحفظ والظاهر -مع صحة الأمرين- أن المراد هنا الاستمرار لذا وضع البخاري الحديث تحت عنوان باب استذكار القرآن وتعاهده أي طلب ذكره وتجديد العهد بملازمته وهذه الجملة بيان لوجه الشبه
والتشبيه في الحديث تشبيه مركب بتشبيه القرآن بالإبل وقارئه بصاحب الإبل وتشبيه المذاكرة والتلاوة بمداومة العقل والحفظ بالإمساك والنسيان بالإطلاق ويصح أن يكون تشبيه تمثيل أي تشبيه هيئة صاحب القرآن مع القرآن من حيث التعاهد أو عدمه بهيئة صاحب الإبل مع الإبل من هذه الحيثية بجامع الإمساك عند التعاهد والانفلات عند الإهمال
-[فقه الحديث]-
قال القاضي عياض ألف التلاوة أعم من أن يألفها صاحب القرآن نظرا من المصحف أو عن ظهر قلب فإن الذي يداوم على ذلك يذل له لسانه ويسهل عليه قراءته فإذا هجره ثقلت عليه القراءة وشقت عليه اهـ
ويؤكد هذا المعنى حديث البخاري "استذكروا القرآن فإنه أشد تفصيا أي تفلتا من صدور الرجال من النعم"
وقال ابن بطال هذا الحديث يوافق الآيتين قوله تعالى ﴿إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا﴾ وقوله تعالى ﴿ولقد يسرنا القرآن للذكر﴾ فمن أقبل عليه بالمحافظة والتعاهد يسر له ومن أعرض عنه تفلت منه اهـ
стр. 859
-[ويؤخذ من الحديث]-
١ - ضرب الأمثال لإيضاح المقاصد وتشبيه المعقول بالمحسوس لزيادة التمكن في النفس
٢ - الإشارة إلى صعوبة حفظ القرآن وصعوبة استمرار إمساكه مما يوحي بالمشقة المؤدية إلى زيادة الأجر
٣ - الحض على المحافظة على القرآن بدوام دراسته وتكرار تلاوته
٣ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه قال سمعت رسول الله ﷺ يقول "يخرج فيكم قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم وصيامكم مع صيامهم وعملكم مع عملهم ويقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ينظر في النصل فلا يرى شيئا وينظر في القدح فلا يرى شيئا وينظر في الريش فلا يرى شيئا ويتمارى في الفوق"
стр. 860
-[المعنى العام]-
يحذر ﷺ من المراءاة بقراءة القرآن وبالعبادات وينبه إلى أن الأساس استقرار الإيمان في القلوب ويوجه الأمة إلى عدم الاغترار بالمظاهر ويتنبأ عن طريق الوحي بقوم يخرجون في مستقبل الزمان يبالغون في الصلاة والصيام والأعمال الخيرية ظاهرا ويقرءون القرآن كثيرا درجة أن الصحابي العابد لو رآهم لاحتقر عبادته نفسه بالنسبة لعبادتهم لاحتقر صلاته بالنسبة لصلاتهم واحتقر صيامه بالنسبة لصيامهم واحتقر قراءته للقرآن بالنسبة لقراءتهم لكن أعمالهم تلك مع كثرتها ومبالغتها هيكل وشكل وصورة لا حقيقة لها فأذكارهم لا تتجاوز ألسنتهم وقراءتهم لا تتجاوز حناجرهم لأنها لم تنبع من إيمان قلبي فمثل عبادتهم تلك كمثل السهم الذي يخترق الصيد ويخرج بسرعة لشدة سرعته لا يعلق به شيء من الصيد حتى الدم لا يكاد يرى فيه يحس الصائد أنه رجع من رميته صفر اليدين ينظر في أجزاء سلاحه لعله يجد شيئا من الصيد ينتفع به فلا يجد وهكذا هؤلاء الناس يخرجون من مظاهر الطقوس التي مارسوها من غير قبول ومن غير أجر أو ثواب
-[المباحث العربية]-
(يخرج فيكم) الخطاب قيل للصحابة على معنى أن الموصوفين سيخرجون إلى الوجود في عصر الصحابة ولو عند آخر صحابي على معنى لو فرض ورأيتموهم بينكم حقرتم صلاتكم
وقيل الخطاب للأمة أي يخرج فيكم معشر المسلمين قوم تحقرون معشر العابدين صلاتكم
(تحقرون صلاتكم مع صلاتهم) أي تعدون صلاتكم بالنسبة لظاهر صلاتهم قليلة
(وعملكم مع عملهم) أي وعملكم الصالح أي عبادتكم مع عبادتهم
стр. 861
فهو من عطف العام على الخاص ليتناول غير الصلاة والصيام من العبادات
(ويقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم) أي يقرءون بتجدد وكثرة قراءة بالألسنة والحروف التي لا تصل إلى القلب والحناجر جمع حنجرة وهي الحلقوم والبلعوم وهو طرف المريء مما يلي الفم وفي رواية "لا يجاوز تراقيهم ولا تعيه قلبهم"
(يمرقون من الدين) أي يخرجون من أعمالهم الدينية الظاهرية
(كما يخرج السهم من الرمية) بفتح الراء وكسر الميم وتشديد الياء فعيلة بمعنى مفعولة، أي الصيد المرمي. شبه مروقهم من الدين بالسهم الذي يصيب الصيد فيدخل فيه ويخرج منه ومن شدة سرعة خروجة لقوة الرامي لا يعلق به من جسد الصيد شيء
(ينظر في النصل فلا يرى شيئا) فاعل "ينظر" للرامي المعلوم من المقام والنصل بفتح النون وسكون الصاد حديدة السهم وسنه
(وينظر في القدح فلا يرى شيئا) "القدح" بكسر القاف وسكون الدال عود السهم قبل أن يراش ويتصل
(وينظر في الريش فلا يرى شيئا) الريش هو ما يلصق على السهم ليحمله في الهواء كما يحمل الطائر وهو يشبه الأجنحة التي توضع في مقدمة الصاروخ
(ويتمارى في الفوق) أي ويتشكك الرامي في وجود أثر من الصيد في "الفوق" وهو بضم الفاء الجزء المشقوق من رأس السهم حيث يركب في الوتر
-[فقه الحديث]-
ذهب بعض العلماء إلى أن الحديث يشير إلى الخوارج اعتمادا على رواية للبخاري في كتاب استتابه المرتدين في باب قتل الخوارج تربط الحديث بالحرورية والحق أنها إن ربطت بهم لا تمنع من وجود طوائف
стр. 862
غيرهم فيها الصفات الواردة في الحديث وفي هذا الزمان كثير ممن يتصفون بهذه الصفات
وقد قال الحافظ ابن حجر في تصويرهم أن قراءتهم لا يرفعها الله ولا يقبلها وقيل لا يعملون بالقرآن فلا يثابون على قراءته فلا يحصل لهم إلا سرده وقال النووي المراد أنهم ليس لهم فيه حظ إلا مروره على لسانهم لا يصل إلى حلوقهم فضلا عن أن يصل إلى قلوبهم لأن المطلوب تعقله وتدبره بوقوعه في القلب وحكى القرطبي عن قراءتهم هذه أن المراد منها الحذق في التلاوة أي يأتون به على أحسن أحواله نطقا أو أنهم يواظبون على تلاوته أو هو كناية عن حسن الصوت به وهذه وجوه احتقار الآخرين لقراءة أنفسهم
-[ويؤخذ من الحديث: ]-
علم من أعلام النبوة وإخبار عما حدث في المستقبل من وجود هذه الطائفة
٢ - التحذير من المراءاة بالقرآن
٣ - التنبيه إلى عدم الاغترار بالمظاهر
٤ - الحث على قراءة القرآن بقلب واع وتدبر
٥ - ذم النفاق والمراءاة بالعبادة.
стр. 863
٤ - عن أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ قال: "المؤمن الذي يقرأ القرآن ويعمل به كالأترجة طعمها طيب وريحها طيب والمؤمن الذي لا يقرأ القرآن ويعمل به كالتمرة طعمها طيب ولا ريح لها ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كالريحانة ريحها طيب وطعمها مر ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كالحنظلة طعمها مر أو خبيث وريحها مر"
-[المعنى العام]-
لما كان فضل القرآن عظيما عملا به وقراءة لدرجة قال حكيمهم من أراد أن يسمع الله فليقرأ القرآن ومن أراد أن يناجي الله فليقم إلى الصلاة وورد في الحديث القدسي "من شغله القرآن عن ذكري وعن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين"
لما كان الأمر كذلك كان الناس أمام هذه السوق الأخروية أربعة أصناف قارئ عامل وعامل غير قارئ وقارئ غير عامل وغير قارئ وغير عامل والحديث يشبه كل صنف من هذه الأصناف الأربعة بنوع من أنواع النبات تقريبا للأذهان وتوضيحا للمعاني فالمؤمن الذي يقرأ القرآن ويعمل بما جاء فيه مثله مثل الأترجة الفاكهة النضرة الجميلة الناعمة الصفراء اللون التي تسر الناظرين ذات الرائحة الطيبة والطعم اللذيذ وذات الفوائد الكثيرة للبدن فهي حسنة ظاهرا والباطن نافعة لمن يتناولها ولمن يقرب منه فيراها أو يشمها وكذلك قارئ القرآن العامل به حسن الظاهر والباطن نافع نفسه ونافع من يسمعه أو يراه والمؤمن الذي يعمل بما جاء
стр. 864
به القرآن ولا يقرؤه مثله مثل التمرة حلوة في حقيقة طعمها نافعة لآكلها لكنها لا تنفع من بجواره لأنها لا رائحة لها ولا متعة في منظرها
والمنافق الذي يقرأ القرآن مثله مثل الريحانة ريحها طيب تعطر ما حولها وطعمها مر لا تمتع آكلها
والمنافق الذي لا يقرأ القرآن خبيث الباطن قبيح الظاهر مثله مثل الحنظلة لا يستلذ بها متناولها ولا يتمتع بها من يجاوره لأن طعمها مر أو خبيث وريحها قبيح جعلنا الله من المؤمنين الصادقين القارئين العاملين
-[المباحث العربية]-
(كالأترجة) بضم الهمزة وسكون التاء وضم الراء وتشديد الجيم المفتوحة وقد تخفف الجيم ويزاد قبلها نون ساكنة فاكهة شبيهة بالبرتقال إلا أنها أكبر ولونها يميل إلى الصفرة أكثر
(طعمها طيب وريحها طيب) ربط الطعم في الحالات الأربع بصفة الإيمان وربط الريح بالقراءة
قيل لأن الإيمان ألزم للمؤمن من القرآن إذ يمكن حصول الإيمان بدون القراءة وكذلك الطعم ألزم للجوهر من الريح فقد يذهب ريح الجوهر ويبقى طعمه
ثم قيل الحكمة في تخصيص الأترجة بالتمثيل دون غيرها من الفاكهة التي تجمع طيب الطعم والريح كالتفاحة لأنه يتداوى بقشرها ويستخرج من حبها دهن له منافع وفيها أيضا من المزايا كبر جرمها وحسن منظرها ولين ملمسها وفي أكلها مع الالتذاذ طيب رائحة ودباغ معدة وجودة هضم ولها منافع أخرى قاله الحافظ ابن حجر
(الذي لا يقرأ القرآن ويعمل به) "يعمل" معطوف على "لا يقرأ" لا على "يقرأ"
(طعمها مر أو خبيث) شك من الراوي
стр. 865
(وريحها مر) استشكلت هذه الرواية بأن المرارة من أوصاف الطعوم فكيف يوصف بها الريح وأجيب بأن ريحها لما كان كريها استعير له وصف المرارة قاله الحافظ ابن حجر وحاصله أنه شبه خبث الرائحة بمرار الطعم بجامع النفور والتقزز في كل واستعيرت المرارة للخبث على سبيل الاستعارة التصريحية وفي رواية للبخاري "ولا ريح لها" وللحنظلة حقيقة ريح خبيث فرواية "لا ريح لها" محمولة على نفي الريح الطيبة
-[فقه الحديث]-
-[ويؤخذ من الحديث]-
١ - فضل قراءة القرآن والحث عليه
٢ - ضرب المثل لتقريب المعاني وتثبيتها في النفوس
٣ - أن الهدف من قراءة القرآن تدبره والعمل به لا مجرد النطق بألفاظه
٤ - تحقير أمر المنافق لعدم استفادته من أعماله التي ظاهرها العبادة
стр. 866
كتاب النكاح
النكاح من نكح ينكح من باب ضرب وفتح ويقال هي ناكح وناكحة وأصل النكاح في اللغة الضم والمخالطة يقال نكح المطر الأرض ونكح النعاس عينه ونكحت الحصاة أخفاف الإبل ثم أطلق على الوطء لأنه ملزوم وعلى العقد لأنه سبب الوطء فصار حقيقة عرفية شرعية وفي حقيقته الشرعية ثلاثة أقوال
الأول قول الجمهور وهو أصحها أنه حقيقة في العقد مجاز في الوطء وحجتهم في ذلك كثرة وروده في الكتاب والسنة للعقد حتى قيل أنه لم يرد في القرآن إلا للعقد وقوله تعالى ﴿حتى تنكح زوجا غيره﴾ معناه حتى تتزوج أي يعقد عليها لأن العقد لا بد منه نعم مفهومه أن ذلك كاف بمجرده لكن بينت السنة أن لا عبرة بمفهوم الغاية بل لا بد بعد العقد من ذوق العسيلة كما أنه لا بد بعد ذلك من التطليق ثم العدة
الثاني قول الحنفية ووجه للشافعية أنه حقيقة في الوطء مجاز في العقد وهو بمعنى القيد يسند للرجل والمرأة قال تعالى ﴿حتى تنكح زوجا غيره﴾
الثالث أنه حقيقة فيهما بالاشتراك ويتعين المقصود بالقرينة فإذا قالوا نكح فلانة أو بنت فلان أو أخت فلان أرادوا عقد عليها وإذا قالوا نكح امرأته أو زوجته لم يريدوا إلا الوطء قال ابن حجر وهذا أرجح في نظري
стр. 867
ومن فوائده أنه سبب وجود النوع الإنساني ومنها قضاء الوطر بنيل اللذة والتمتع بالنعمة منها غض البصر وكف النفس عن الحرام إلى غير ذلك.
٥ - عن أنس بن مالك ﵁ قال "جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادة النبي ﷺ فلما أخبروا كأنهم تقالوها فقالوا وأين نحن من النبي ﷺ قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر قال أحدهم أما أنا فإني أصلي الليل أبدا وقال آخر أنا أصوم الدهر ولا أفطر وقال آخر أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا فجاء رسول الله ﷺ إليهم فقال "أنتم الذين قلتم كذا وكذا أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني"
-[المعنى العام]-
كان علي كرم الله وجهه في أناس ممن أرادوا أن يحرموا أنفسهم من الشهوات رغبة في التبتل والانقطاع إلى العبادة فذهبوا إلى بيوت أزواج النبي ﷺ يسألونهن الواحدة تلو الأخرى عن عبادة رسول الله ﷺ وما يقوم به من الطاعات سرا في بيتها وفي ليلتها فعلموا أنه ﷺ يصوم ويفطر ويقوم وينام ويقضي مآربه من النساء ويأكل من الطيبات ويلبس من المباحات دون إسراف ودون حرمان كانوا يأملون في الحصول على مبالغات الرسول في التبتل والعبادة ليقتدوا به فلم يجدوا تشددا ولا إسرافا بل بعضهم اعتدالا وإنصافا ومع ذلك عزموا على المضي في مغالاتهم قال بعضهم لبعض لا ينبغي أن نقيس أنفسنا بالرسول الذي أمنه ربه وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر قال أحدهم أما أنا فسأداوم على قيام الليل كله بالصلاة وقال آخر وأما أنا فسأصوم العام كله لا آكل إلا في الليل ولا أفطر إلا الأيام التي حرم الله
стр. 868
صومها وقال الثالث وأما أنا فسأعتزل التمتع بالنساء فلن أتزوج أبدا لأتفرغ لعبادة الله فبلغ ذلك النبي ﷺ فجاءهم فقال لهم أنتم الذين قلتم كذا وكذا قالوا نعم يا رسول الله دفعنا إلى ذلك خوفنا من عقاب الله قال ﵊ رفقا بأنفسكم فما أيسر الدين إن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهر أبقى إني أكثر منكم خوفا وخشية وأحرص منكم على التقوى لله ولكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء وهذه سنتي التي أمرني الله بها فمن رغب عنها ولو إلى خير منها في نظره فليس من أتباعي
-[المباحث العربية]-
(عن أنس قال) الجار والمجرور متعلق بفعل محذوف أي روي عن أنس و"قال" يسبك بمصدر من غير سابك والمصدر نائب فاعل روي
(جاء ثلاثة رهط) إضافة ثلاثة إلى رهط بيانية أي ثلاثة هم رهط والرهط من ثلاثة إلى عشرة من الرجال ليس فيهم امرأة وهو اسم جمع لا واحد له من لفظه كالنفر والفرق بينهما أن النفر من ثلاثة إلى تسعة لا إلى عشرة كما في الرهط وقد جاء في مرسل سعيد بن المسيب أن الثلاثة هم علي بن أبي طالب وعبد الله بن عمرو بن العاص وعثمان بن مظعون
(يسألون عن عبادة النبي ﷺ أي العبادة السرية وقد جاء في رواية مسلم عن علقمة "في السر" وجملة "يسألون" مستأنفة كأن سائلا سال لم جاءا أو حال من ثلاثة باعتبار تخصصه بالإضافة أي جاء ثلاثة رهط سائلين
(فلما أخبروا) بالبناء للمجهول والمعمول محذوف تقديره فلما أخبروا بعبادته وجواب "لما" محذوف تقديره عجبوا
(كأنهم تقالوها) بتشديد اللام المضمومة أي عدوها قليلة أي رأى كل منهم أنها قليلة وأصله تقاللوها فأدغمت اللام في اللام لاجتماع المثلين والتعبير بالتشبيه للدلالة على أنهم لم يتقالوها بالفعل لأن الاستهانة
стр. 869
بعبادة النبي ﷺ استهانة به ولا تقع من صحابة أجلاء
(وأين نحن من النبي ﷺ الاستفهام إنكاري بمعنى النفي وأين خبر مقدم والضمير مبتدأ مؤخر والجار والمجرور متعلق بما تعلق به الخبر والواو عاطفة للجملة على محذوف والتقدير هذا شأنه ﷺ ومكانته ولسنا قريبين منه
(وقد غفر له) بالبناء للمجهول وفي رواية "غفر الله له" والجملة في محل النصب على الحال من النبي أي لسنا قريبين من النبي حالة كونه مغفورا له ومستأنفة استئنافا تعليليا أي لسنا قريبين منه لأنه قد غفر له
(ما تقدم من ذنبه وما تأخر) كناية عن الكل والإحاطة
(أما أنا فإني) أما بفتح الهمزة وتشديد الميم حرف شرط وتفصيل نابت مناب مهما يكن من شيء والفاء لازمة لتلو تاليها
(أصلي الليل أبدا) اللام في الليل لاستغراق جميع أجزائه
وكلا الطرفين متعلق بالفعل كأنه قال أصلي في جميع حالات ساعات الليل وقال الحافظ ابن حجر أبدا قيد "لليل" لا لقوله "أصلي" وكأنه يريد إعرابه حالا على التأويل أي أصلي الليل متواصلا
(أصوم الدهر ولا أفطر) بالنهار سوى العيدين وأيام التشريق ولذا لم يقيد بالتأبيد كأخويه
(فجاء رسول الله ﷺ معطوف على محذوف أي فعلم رسول الله ﷺ أو فبلغ ذلك رسول الله فجاء
(أما والله) بفتح الهمزة وتخفيف الميم حرف تنبيه
(لكني أصوم وأفطر) استدراك على ما فهم من الكلام السابق لأن بلوغه ﷺ منتهى الخشية والتقوى يوهم أنه لا يتعاطى شيئا من متع الدنيا ولا يفتر عن العبادة فرفع هذا بما ذكره كأنه قال أنا وإن تميزت عنكم بذلك لكني إلخ
стр. 870
(فمن رغب عن سنتي) أي من أعرض عن طريقتي
(فليس مني) في الكلام مضاف محذوف أي ليس من متبعي
-[فقه الحديث]-
مناسبة هذا الحديث لكتاب النكاح قوله ﷺ "وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني" وسبب مجيء هذا الرهط ما روي أن رسول الله ﷺ ذكر الناس وخوفهم فاجتمع بعضهم واتفقوا على أن يصوم بعضهم النهار ويقوم بعضهم الليل ولا ينام بعضهم على الفراش ولا يأكل بعضهم اللحم ولا يقرب بعضهم النساء ثم جاءوا يسألون ليقتدوا ولعل السر في أنهم لم يسألوه ﷺ وسألوا زوجاته أنهم ظنوا أنه سيخفي عبادته السرية عنهم قولا كما أخفاها عملا شفقة منه على الأمة والرواية التي معنا تفيد أن الرسول خاطبهم بقوله "أنتم الذين قلتم كذا وكذا" إلخ لكن جاء في رواية مسلم "فبلغ ذلك النبي ﷺ فحمد الله وأثنى عليه وقال ما بال أقوام قالوا كذا" وقد جمع بينهما بأنه خاطبهم فيما بينه وبينهم ثم منع أصحابه عامة عن التكلف مع عدم تعيينهم رفقا بهم وسترا عليهم وإنما قال لهم الرسول "إني لأخشاكم لله وأتقاكم له" ليرد بذلك ما بنوا عليه أمرهم من أن المغفور له لا يحتاج إلى مزيد في العبادة بخلاف غيره فأعلمهم بأنه مع كونه لم يبالغ في التشديد في العبادة أخشى لله وأتقى من الذين يشددون لأن المشدد لا يأمن الملل بخلاف المقتصد فإنه أمكن لاستمراره وخير العمل ما داوم عليه صاحبه وقال ابن المنير إن هؤلاء بنوا أمرهم على أن الخوف الباعث على العبادة ينحصر في خوف العقوبة فلما علموا أنه ﷺ مغفور له ظنوا عدم خوفه وحملوا قلة العبادة على ذلك فرد عليهم مبينا أن خوف الإجلال أعظم من خوف العقوبة ومرادهم من الذنب المغفور ما فرط من خلاف الأولى أو ما هو ذنب في نظره العالي ﷺ وإن لم يكن ذنبا ولا خلاف الأولى في الواقع وقد اختلف العلماء في النكاح هل هو من العبادات أو من المباحات فذهب الحنفية إلى
стр. 871
أنه سنة مؤكدة على الأصح وقال النووي إن قصد به طاعة كاتباع السنة أو تحصيل الولد الصالح أو
عفة الفرج والعين فهو من أعمال الآخرة يثاب عليه وهو للتآئق إليه القادر على تكاليفه أفضل من التخلي للعبادة تحصينا للدين وإبقاء للنسل والعاجز عن تكاليفه يصوم أما القادر على التكاليف غير التآئق فالتخلي عنه إلى العبادة أفضل وعند أحمد في رواية عنه إن النكاح أو التسري لازم إذا خاف العنت والظاهر أن الأصل فيه الندب بكثرة الأحاديث المرغبة فيه وقد يعرض له الوجوب أو الحرمة أو الكراهة والمراد من قوله "فمن رغب عن سنتي فليس مني" من ترك طريقتي وأخذ بطريقة غيري فليس متصلا بي وهو يلمح بذلك إلى طريق الرهبانية فإنهم الذين ابتدعوا التشديد كما وصفهم الله تعالى وقد عابهم بأنهم ما وفوا بما التزموه فإن كانت الرغبة بضرب من التأويل يعذر صاحبه فيه كالورع فالمراد ليس على طريقتي الكاملة ولا يلزم أن يخرج عن الملة وإن كان إعراضا وتنطعا يفضي إلى اعتقاد أرجحية عمله فالمراد ليس على ملتي لأن اعتقاد ذلك نوع من الكفر
-[ويؤخذ من الحديث: ]-
١ - تتبع أحوال الأكابر للتأسي بأفعالهم
٢ - وأنه إذا تعذرت معرفتها من الرجال جاز استكشافها من النساء
٣ - وأن من عزم على فعل خير واحتاج إلى إظهاره فلا بأس بإعلانه حيث يأمن الرياء
٤ - وأن من المباحات ما ينقلب بالقصد إلى الكراهة
٥ - وأن الدين يسر ومساير لطبائع البشر
٦ - وفيه فضل النكاح والترغيب فيه
٧ - وبيان الأحكام للمكلفين وإزالة الشبهة عن المجتهدين
٨ - وفيه رفقه ﷺ بأصحابه وأخذهم بالتي هي أحسن
стр. 872
٩ - وفيه إشارة إلى أن العلم بالله ومعرفة ما يجب من حقه أعظم قدرا من مجرد العبادة البدنية
١٠ - وفيه حث على وجوب اتباع الرسول في أعماله
١١ - قال الطبري وفيه الرد على منع استعمال الحلال من الأطعمة والملابس وآثر غليظ الثياب وخشن المأكل وأما قوله تعالى ﴿أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا﴾ ففي الكفار قال الحافظ ابن حجر والحق أن ملازمة استعمال الطيبات تفضي إلى الترفه والبطر ولا يؤمن معها من الوقوع في الشبهات كما أن منع تناول ذلك يفضي إلى التنطع المنهي عنه ويرد عليه صريح قوله تعالى ﴿قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق﴾ كما أن الأخذ بالتشديد في العبادة يفضي إلى الملل القاطع لأصلها وملازمة الاقتصار على الفرائض مثلا وترك النوافل يفضي إلى إيثار البطالة وعدم النشاط إلى العبادة وخير الأمور الوسط
стр. 873
٦ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال "تنكح المرأة لأربع لمالها ولحسبها وجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك"
-[المعنى العام]-
بين الرسول ﷺ ما جرت به عادة الناس من رغبتهم في التزوج من ذوات المال حتى كادت هذه الرغبة أن تقدم على ما عداها وكثير من الشباب الطائش يحرص كل الحرص على الجمال حتى يعميه عما ينبغي أن يهتم به من خلال وما درى هذا وذلك أن المال عرض زائل وإن الجمال في طريقه لا محالة إلى التحول والذبول ثم لم يحسب هذا وذاك حسابا لما يجره مال الزوجة من شقاق وعصيان وما يجره جمالها من تيه ودلال وغيرة وفساد وخيانة في كثير من الحالات ما لم يتحصن المال والجمال بالحسب والدين نعم الإسلام لا يكره الغنى ولا ينفر من الجمال ولكنه يدعو إلى جعل الدين والصلاح أساس الاختيار فإذا ما توفر فاطلب ما شئت من صفات الكمال فإن لم تحرص على صاحبة الدين ولم تظفر بها فإنك لا تأمن الفقر والإفلاس في كل شيء في المال والأخلاق والراحة والسعادة والهناء فكم من بيوت شاهدناها شامخة ثم انهارت على صخرة الفساد وما أعناها مالها وما نفعها جمالها فاظفر بذات الدين إن رمت السعادة وانشد ضالتك في غنى النفس ووفرة الصلاح والأخلاق
-[المباحث العربية]-
(تنكح المرأة) بالبناء للمجهول والمرأة نائب فاعل
стр. 874
(لأربع) تمييز العدد محذوف أي لأربع خصال
(لمالها) بدل من السابق بإعادة الجار للإشارة إلى استقلال كل في المقصد
(لحسبها) الحسب في الأصل الشرف بالآباء والأقارب مأخوذ من الحساب لأنهم كانوا إذا تفاخروا عدوا مناقبهم ومآثر آبائهم وحسبوها فيحكم لمن زاد عدده على غيره بالشرف وأما قوله ﷺ "الحسب المال والكرم التقوى" فالمراد منه أن المال حسب من لا حسب له
(وجمالها) في هذه الرواية حذفت اللام الجارة للإشارة إلى أن هذه الصفة قد لا تقصد بذاتها بل تقصد تابعة لغيرها وفي مسلم بإعادتها في الأربع لإفادة أن كلا منها مستقل في الغرض
(فاظفر بذات الدين) الفاء واقعة في جواب شرط مقدر أي إذا تحققت ما فصلت لك فاظفر بذات الدين وذات بمعنى صاحبة وفي رواية لمسلم "فعليك بذات الدين" والخطاب لكل من يقصد النكاح
(تربت يداك) الجملة جواب لشرط محذوف تقديره إن خالفت ما أمرتك به وتفسيرها افتقرت يداك يقال ترب الرجل إذا افتقر ومعناه الأصلي التصقت يداه بالتراب ويلزمه الفقر وقيل هي كلمة جارية على ألسنتهم لا يراد بها حقيقة الدعاء بل القصد منها الحث على امتثال الأمر الذي قبلها وللعرب كلمات توسعوا فيها حتى أخرجوها عن حقيقتها لإرادة الإنكار أو اللتعجب أو التعظيم أو الحث على الشيء كما هنا ومن هذه الكلمات قاتلك الله لا أب لك
-[فقه الحديث]-
الكلام عن هذا الحديث يتعرض إلى النقاط التالية
١ - بيان هذه المقاصد الأربعة وهل هي مقاصد عادية أو شرعية
٢ - بيان غيرها من المقاصد ووجه اقتصار الحديث عليها
стр. 875
٣ - الجمع بين الحديث وما يعارض ظاهره
٤ - كيفية التفصيل إذا وجدت بعض الصفات
٥ - بيان الكفاءة في النكاح وصلتها بهذه الصفات
٦ - ما يؤخذ من الحديث وإليك التفصيل
١ - قال القرطبي معنى الحديث أن هذه الخصال الأربع هي التي يرغب في نكاح المرأة لأجلها فهو أخبار عما في الوجود لا أنه وقع الأمر بذلك بل ظاهره إباحة النكاح لقصد كل من ذلك لكن قصد الدين أولى فهو يبين العادة الجارية بين الناس ويوافق عليها ويقدم بعضها على بعض فالمال يعين الزوج عند الشدة وتستغني به المرأة عن مطالبة الزوج بما تحتاج إليه أو بما لا طاقة له بتحمله وقد يحصل له منها ولد فيعود إليه مالها والحسب يحفظ للرجل منزلة أدبية بين المجتمع الذي يعيش فيه وقد حمل عليه بعضهم قوله ﷺ "تخيروا لنطفكم" فكرهوا نكاح بنت الزنا وبنت الفاسق واللقيطة ومن لا يعرف أبوها والجمال يعف الزوج عن النظر إلى الغير ويشرح الصدر روى الحاكم "خير النساء من تسر إذا نظرت وتطيع إذا أمرت" والجمال مطلوب في كل شيء لا سيما في المرأة التي تكون قرينة وضجيعة هذا إذا لم يؤد الجمال إلى زهوها ودلالها وفساد أخلاقها أما الدين فهو سنام الصفات المبتغاة وهو اللائق طلبه من ذوي المروءات وأرباب الديانات لأن أثره عظيم وخطر فقده جسيم ولذا أرشد إليه ﷺ بآكد وجه وأبلغه فعبر بالظفر الذي هو غاية البغية ومنتهى الاختيار وبصيغة الطلب الدالة على الاهتمام بالمطلوب
٢ - نعم هناك مقاصد أخرى غير هذه الأربعة كالعاقلة والتي تحسن تدبير المنزل والمتعلمة والودود والولود والبكر وغير القريبة لضعف الشهوة وأما تزوجه ﷺ بزينب بنت عمته فلبيان الجواز ولهدم قاعدة التبني وألا تكون ذات ولد من غيره إلا لمصلحة كما تزوج النبي أم سلمة ومعها ولد أبي سلمة للمصلحة وإنما اقتصر الحديث على هذه الأربعة لأنها هي
стр. 876
التي ألف اعتبارها عند جمهرة الناس على أن الكثير من غيرها يمكن رده إليها
٣ - ولا يتعارض هذا مع ما رواه ابن ماجه عن ابن عمر مرفوعا "لا تتزوجوا النساء لحسنهن فعسى حسنهن أن يرديهن يهلكهن ولا تزوجوهن لأموالهن فعسى أموالهن أن تطغيهن ولكن تزوجوهن على الدين ولأمة سوداء ذات دين أفضل" لأن المراد به النهي عن مراعاة الجمال أو المال مجردا عن الدين فلا يتنافى مع استحباب ذلك في المرأة إذا روعي الدين معه بدليل أمره ﷺ لمن يريد التزوج بالنظر إلى المخطوبة وهو لا يفيد معرفة الدين وإنما يعرف به الجمال أو القبح
٤ - فإذا اختصت كل واحدة بخصلة أو أكثر من هذه الخصال قدم أكثرهن تقوى وأما التفاضل بين المسلمة والكتابية فإن استوتا في بعض الصفات دون بعض قدمت المسلمة قطعا وإذا اجتمعت جميع خصال الكمال في الكتابية وكانت المسلمة على النقيض منها كان للنظر في الترجيح مجال
٥ - وقد اختلف العلماء في كفاءة النكاح فقيل هي في الدين وقيل هي في الحسب وقيل هي في المال والأولى تحكيم العرف
-[ويؤخذ من الحديث]-
١ - الحث على تنشئة البنات على الدين والفضيلة
٢ - الحث على حسن اختيار الزوجة وأن يهتم بالصلاح أولا وبالذات
٣ - استدل به بعضهم على أن للزوج الاستمتاع بمال الزوجة فإنه يقصد نكاحها لذلك فإن طابت به نفسا فهو له حلال وإن منعته فإنما له من ذلك بقدر ما بذل من الصداق والصحيح أنه ليس له الاستمتاع بمالها من غير رضاها وليس له الحجر عليها في مالها.
стр. 877
٧ - عن سهل ﵁ قال: مر رجل غني على رسول الله ﷺ فقال "ما تقولون في هذا" قالوا حري إن خطب أن ينكح وإن شفع أن يشفع وإن قال أن يستمع قال ثم سكت فمر رجل من فقراء المسلمين فقال "ما تقولون في هذا" قالوا حري إن خطب أن لا ينكح وإن شفع أن لا يشفع وإن قال أن لا يستمع فقال رسول الله ﷺ "هذا خير من ملء الأرض مثل هذا"
-[المعنى العام]-
أراد الرسول ﷺ أن يعلم أصحابه مقاييس الرجال وأنهم لا يوزنون بهيئاتهم ولا بأموالهم وإنما المقياس الذي ينبغي أن يحفظوه ويعملوا به هو ما اعتمده الحكيم بقوله ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ أراد أن يعلمهم ذلك فلم يلق إليهم الخبر إلقاء وإنما استخرج خطأهم في الحكم ثم جهلهم ليقع المقياس في نفوسهم كل موقع ويتمكن منهم فضل تمكن
стр. 878
رأى ﷺ غنيا يقدرونه ويعظمونه لكنه ليس من الله في شيء فقال لهم وفيهم أبو ذر الغفاري ما تظنون بهذا الرجل الذي مر أمامكم قالوا رجل له وزن إن خطب بنت أحد منا لم ترد له يد وإن شفع لأحد لم ترد له شفاعة وإن تكلم أنصت له الحاضرون فسكت رسول الله ﷺ حتى مر رجل آخر فقير دميم رث الهيئة يحسبونه هينا وهو عند الله عظيم فقال ما رأيكم في هذا الرجل فأبدوا استخفافهم به وقالوا هذا جدير بالرفض إن طلب يد بنت أحد جدير بالرد أن شفع جدير بعدم الإصغاء لحديثه إن تكلم فقال ﷺ هذا الفقير جدير بأن يفضل على ملء الأرض رجالا من أمثال ذلك الغني
-[المباحث العربية]-
(ما تقولون في هذا) ما اسم استفهام مفعول مقدم أي تقولون أي شيء في هذا والخطاب للحاضرين من الصحابة
(حري أن خطب أن ينكح) حري بفتح الحاء وكسر الراء وتشديد الياء بمعنى حقيق وجدير وينكح بضم الياء وفتح الكاف بالبناء للمجهول أي يزوج وحري خبر مبتدأ محذوف وإن وما دخلت عليه في تأويل مصدر مجرور بحرف محذوف والجار والمجرور متعلق بحري والتقدير هو حري بالنكاح وخطب بفتح الخاء من الخطبة بكسرها وهي طلب النكاح ومفعول "خطب" محذوف وكذا جواب الشرط دل عليه ما قبله والتقدير إن خطب امرأة فهو جدير بالتزويج وجملة الشرط والجواب معترضة بين الجار والمجرور وبين متعلقه
(وإن شفع أن يشفع) أن يشفع بتشديد الفاء بمعنى تقبل شفاعته معطوف على "أن ينكح" وجملة الشرط والجواب معترضة أيضا ومثل ذلك يقال في الباقي
(وإن قال أن يستمع) بالبناء للمجهول وقد أسند إلى الذات مجازا والأصل إسناده إلى القول أي أن يستمع قوله
стр. 879
(هذا خير من ملء الأرض مثل هذا) الإشارة الأولى للرجل الفقير والثانية للرجل الغني ومثل بالجر صفة وقد اكتسبت التعريف بالإضافة لقصد المماثلة في شيء معين وبالنصب على التمييز
-[فقه الحديث]-
لم يقف الحفاظ على اسم الرجل الغني ولعل إغفاله من الرواة قصد به الستر عليه أما الفقير فقالوا إنه جعيل بن سراقة وكان رجلا صالحا دميما أسلم قديما وشهد مع رسول الله ﷺ أحدا وقد بنى الصحابة تقديرهم للرجلين على أساس الغنى والحسب والجاه وفاضل الرسول بينهما على أساس الدين ليرشدهم إلى أن منزلة الرجال وكفاءتهم في التزويج ينبغي أن تقاس بهذا المقياس لا بذاك وليس في هذه المفاضلة تفضيل لكل فقير على كل غني وكل ما فيها تفضيل الفقير المذكور على الغني المذكور وقد تكلم الشراح في سر معرفة الرسول لحال الرجلين الدينية فقيل أنه حكم بما كان ظاهرا إذ كان الأول كافرا ويبعده أن يقول الصحابة فيه أنه جدير أن يزوج أن خطب والكافر لا يقبل طلبه وخطبته والأصح أنه كان مسلما وحكم الرسول على بواطن الأمور باطلاع الله إياه عن طريق الوحي
-[ويؤخذ من الحديث]-
١ - فضل جعيل بن سراقة إن ثبت أنه الفقير
٢ - أن السيادة لمجرد الدنيا لا أثر لها
٣ - الحث على عدم الاستهانة بالفقراء والمستورين فرب أشعث أغبر خير من ملء الأرض من الأثرياء
٤ - أن من فاته حظ من الدنيا أمكنه الاستعاضة عنه بالصلاح والتقوى
٥ - أخذ منه البخاري فضيلة الفقر فأخرجه في كتاب الرقاق
٦ - الترغيب في النكاح للصالحين بعد الترغيب في الحديث السابق على نكاح الصالحات ولذا أخرجهما البخاري معا في باب الأكفاء في الدين
стр. 880
٨ - عن عائشة ﵂ أنها سمعت صوت رجل يستأذن في بيت حفصة قالت فقلت يا رسول الله هذا رجل يستأذن في بيتك فقال النبي ﷺ أراه فلانا لعم حفصة من الرضاعة قالت عائشة لو كان فلان حيا لعمها من الرضاعة دخل علي فقال "نعم الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة"
-[المعنى العام]-
كانت حجرات أمهات المؤمنين متلاصقة من جريد النخل المغطى من الخارج بمسوح الشعر وكانت أبوابها مسوحا من الشعر يتناول الواقف سقفها بيده وكانت تسعا لكل واحدة من نسائه ﷺ حجرة
وكان النبي ﷺ عند عائشة فسمعت صوت رجل يستأذن في الدخول على حفصة أم المؤمنين فنبهت رسول الله ﷺ قائلة إني أسمع صوت رجل أجنبي يستأذن للدخول في بيتك دون وجودك يا رسول الله فقال النبي ﷺ أعتقد أنه فلان عم حفصة من الرضاع قالت عائشة وهل يجوز للعم من الرضاع أن يختلي ببنت أخيه من الرضاع قال نعم
следующие страницы →