← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 14106

المنهل الحديث في شرح الحديث

موسى شاهين لاشين

Полный текст (1 103 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

التي ألف اعتبارها عند جمهرة الناس على أن الكثير من غيرها يمكن رده إليها ٣ - ولا يتعارض هذا مع ما رواه ابن ماجه عن ابن عمر مرفوعا "لا تتزوجوا النساء لحسنهن فعسى حسنهن أن يرديهن يهلكهن ولا تزوجوهن لأموالهن فعسى أموالهن أن تطغيهن ولكن تزوجوهن على الدين ولأمة سوداء ذات دين أفضل" لأن المراد به النهي عن مراعاة الجمال أو المال مجردا عن الدين فلا يتنافى مع استحباب ذلك في المرأة إذا روعي الدين معه بدليل أمره ﷺ لمن يريد التزوج بالنظر إلى المخطوبة وهو لا يفيد معرفة الدين وإنما يعرف به الجمال أو القبح ٤ - فإذا اختصت كل واحدة بخصلة أو أكثر من هذه الخصال قدم أكثرهن تقوى وأما التفاضل بين المسلمة والكتابية فإن استوتا في بعض الصفات دون بعض قدمت المسلمة قطعا وإذا اجتمعت جميع خصال الكمال في الكتابية وكانت المسلمة على النقيض منها كان للنظر في الترجيح مجال ٥ - وقد اختلف العلماء في كفاءة النكاح فقيل هي في الدين وقيل هي في الحسب وقيل هي في المال والأولى تحكيم العرف -[ويؤخذ من الحديث]- ١ - الحث على تنشئة البنات على الدين والفضيلة ٢ - الحث على حسن اختيار الزوجة وأن يهتم بالصلاح أولا وبالذات ٣ - استدل به بعضهم على أن للزوج الاستمتاع بمال الزوجة فإنه يقصد نكاحها لذلك فإن طابت به نفسا فهو له حلال وإن منعته فإنما له من ذلك بقدر ما بذل من الصداق والصحيح أنه ليس له الاستمتاع بمالها من غير رضاها وليس له الحجر عليها في مالها.

стр. 877

٧ - عن سهل ﵁ قال: مر رجل غني على رسول الله ﷺ فقال "ما تقولون في هذا" قالوا حري إن خطب أن ينكح وإن شفع أن يشفع وإن قال أن يستمع قال ثم سكت فمر رجل من فقراء المسلمين فقال "ما تقولون في هذا" قالوا حري إن خطب أن لا ينكح وإن شفع أن لا يشفع وإن قال أن لا يستمع فقال رسول الله ﷺ "هذا خير من ملء الأرض مثل هذا" -[المعنى العام]- أراد الرسول ﷺ أن يعلم أصحابه مقاييس الرجال وأنهم لا يوزنون بهيئاتهم ولا بأموالهم وإنما المقياس الذي ينبغي أن يحفظوه ويعملوا به هو ما اعتمده الحكيم بقوله ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ أراد أن يعلمهم ذلك فلم يلق إليهم الخبر إلقاء وإنما استخرج خطأهم في الحكم ثم جهلهم ليقع المقياس في نفوسهم كل موقع ويتمكن منهم فضل تمكن

стр. 878

رأى ﷺ غنيا يقدرونه ويعظمونه لكنه ليس من الله في شيء فقال لهم وفيهم أبو ذر الغفاري ما تظنون بهذا الرجل الذي مر أمامكم قالوا رجل له وزن إن خطب بنت أحد منا لم ترد له يد وإن شفع لأحد لم ترد له شفاعة وإن تكلم أنصت له الحاضرون فسكت رسول الله ﷺ حتى مر رجل آخر فقير دميم رث الهيئة يحسبونه هينا وهو عند الله عظيم فقال ما رأيكم في هذا الرجل فأبدوا استخفافهم به وقالوا هذا جدير بالرفض إن طلب يد بنت أحد جدير بالرد أن شفع جدير بعدم الإصغاء لحديثه إن تكلم فقال ﷺ هذا الفقير جدير بأن يفضل على ملء الأرض رجالا من أمثال ذلك الغني -[المباحث العربية]- (ما تقولون في هذا) ما اسم استفهام مفعول مقدم أي تقولون أي شيء في هذا والخطاب للحاضرين من الصحابة (حري أن خطب أن ينكح) حري بفتح الحاء وكسر الراء وتشديد الياء بمعنى حقيق وجدير وينكح بضم الياء وفتح الكاف بالبناء للمجهول أي يزوج وحري خبر مبتدأ محذوف وإن وما دخلت عليه في تأويل مصدر مجرور بحرف محذوف والجار والمجرور متعلق بحري والتقدير هو حري بالنكاح وخطب بفتح الخاء من الخطبة بكسرها وهي طلب النكاح ومفعول "خطب" محذوف وكذا جواب الشرط دل عليه ما قبله والتقدير إن خطب امرأة فهو جدير بالتزويج وجملة الشرط والجواب معترضة بين الجار والمجرور وبين متعلقه (وإن شفع أن يشفع) أن يشفع بتشديد الفاء بمعنى تقبل شفاعته معطوف على "أن ينكح" وجملة الشرط والجواب معترضة أيضا ومثل ذلك يقال في الباقي (وإن قال أن يستمع) بالبناء للمجهول وقد أسند إلى الذات مجازا والأصل إسناده إلى القول أي أن يستمع قوله

стр. 879

(هذا خير من ملء الأرض مثل هذا) الإشارة الأولى للرجل الفقير والثانية للرجل الغني ومثل بالجر صفة وقد اكتسبت التعريف بالإضافة لقصد المماثلة في شيء معين وبالنصب على التمييز -[فقه الحديث]- لم يقف الحفاظ على اسم الرجل الغني ولعل إغفاله من الرواة قصد به الستر عليه أما الفقير فقالوا إنه جعيل بن سراقة وكان رجلا صالحا دميما أسلم قديما وشهد مع رسول الله ﷺ أحدا وقد بنى الصحابة تقديرهم للرجلين على أساس الغنى والحسب والجاه وفاضل الرسول بينهما على أساس الدين ليرشدهم إلى أن منزلة الرجال وكفاءتهم في التزويج ينبغي أن تقاس بهذا المقياس لا بذاك وليس في هذه المفاضلة تفضيل لكل فقير على كل غني وكل ما فيها تفضيل الفقير المذكور على الغني المذكور وقد تكلم الشراح في سر معرفة الرسول لحال الرجلين الدينية فقيل أنه حكم بما كان ظاهرا إذ كان الأول كافرا ويبعده أن يقول الصحابة فيه أنه جدير أن يزوج أن خطب والكافر لا يقبل طلبه وخطبته والأصح أنه كان مسلما وحكم الرسول على بواطن الأمور باطلاع الله إياه عن طريق الوحي -[ويؤخذ من الحديث]- ١ - فضل جعيل بن سراقة إن ثبت أنه الفقير ٢ - أن السيادة لمجرد الدنيا لا أثر لها ٣ - الحث على عدم الاستهانة بالفقراء والمستورين فرب أشعث أغبر خير من ملء الأرض من الأثرياء ٤ - أن من فاته حظ من الدنيا أمكنه الاستعاضة عنه بالصلاح والتقوى ٥ - أخذ منه البخاري فضيلة الفقر فأخرجه في كتاب الرقاق ٦ - الترغيب في النكاح للصالحين بعد الترغيب في الحديث السابق على نكاح الصالحات ولذا أخرجهما البخاري معا في باب الأكفاء في الدين

стр. 880

٨ - عن عائشة ﵂ أنها سمعت صوت رجل يستأذن في بيت حفصة قالت فقلت يا رسول الله هذا رجل يستأذن في بيتك فقال النبي ﷺ أراه فلانا لعم حفصة من الرضاعة قالت عائشة لو كان فلان حيا لعمها من الرضاعة دخل علي فقال "نعم الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة" -[المعنى العام]- كانت حجرات أمهات المؤمنين متلاصقة من جريد النخل المغطى من الخارج بمسوح الشعر وكانت أبوابها مسوحا من الشعر يتناول الواقف سقفها بيده وكانت تسعا لكل واحدة من نسائه ﷺ حجرة وكان النبي ﷺ عند عائشة فسمعت صوت رجل يستأذن في الدخول على حفصة أم المؤمنين فنبهت رسول الله ﷺ قائلة إني أسمع صوت رجل أجنبي يستأذن للدخول في بيتك دون وجودك يا رسول الله فقال النبي ﷺ أعتقد أنه فلان عم حفصة من الرضاع قالت عائشة وهل يجوز للعم من الرضاع أن يختلي ببنت أخيه من الرضاع قال نعم

стр. 881

قالت لو كان فلان وهو عمي من الرضاع حيا هل يجوز له الدخول علي في غيبتك قال نعم إن الرضاعة المعتبرة شرعا تحرم النكاح كما يحرم النسب فتبيح ما يترتب على ذلك من النظر والخلوة ونحوهما -[المباحث العربية]- (صوت رجل) لم يقف الحافظ على اسمه (يستأذن في بيت حفصة) أم المؤمنين ﵂ أي يطلب الأذن في دخوله عليها (يستأذن في بيتك) للدخول على حفصة وقد أضيف البيت إلى حفصة سكنا وأضيف إلى ضمير رسول الله ﷺ ملكا (أراه فلانا) بضم الهمزة معناه أظنه والهاء مفعوله الأول وفلانا مفعوله الثاني وروي بفتح الهمزة، فأرى علمية بمعنى أعتقده فلانا (لعم حفصة) هذه اللام مثلها في قوله تعالى ﴿وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه﴾ وفيها قال ابن الحاجب أنها بمعنى عن وقال ابن مالك وغيره أنها للتعليل (قالت عائشة) الظاهر أن هذا من كلام (عمرة) الرواية عن عائشة ويحتمل أن يكون من كلام عائشة وكان مقتضى الظاهر قلت فهو من باب الالتفات (ولو كان فلان حيا لعمها) أي لعم عائشة ولم يقف الحافظ على اسمه ووهم من فسره بأفلح أخي أبي القعيس لأن أبا القعيس والد عائشة من الرضاعة وأما أفلح فهو أخوه وهو عمها من الرضاعة وقد عاش حتى جاء يستأذن على عائشة فأمرها النبي أن تأذن له بعد أن امتنعت وقولها هنا لو كان حيا يدل على أنه كان قد مات (الرضاعة) أل في الرضاعة للعهد أي الرضاعة المعتبرة شرعا

стр. 882

-[فقه الحديث]- سياق الحديث يدل على أن أم المؤمنين حفصة أذنت للمستأذن بالدخول ولعلها علمت من الرسول هذا الحكم قبل أن تعلمه عائشة وإجماع الأئمة على أن الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة وتبيح ما تبيح من النكاح ابتداء ودواما وتنشر الحرمة من الرضيع إلى أولاده فقط دون آبائه وأمهاته وأخواته أما الحرمة من المرضعة وصاحب اللبن فتنشر إلى الجميع فتحرم عليه وعلى أولاده هي وأصولها وفروعها وأخوتها وأخواتها لأنها صارت أمه كما صار صاحب اللبن أباه والحكمة في ذلك أن سبب التحريم ما ينفصل من أجزاء المرأة وزوجها من اللبن فإذا اغتذى به الرضيع صار جزؤه من أجزائها فكأن الرضيع صار جزءا منها فانتشر التحريم بينهم بخلاف قرابات الرضيع لأنه ليس بينهم وبين المرضعة ولا زوجها نسب وحيث حرم عليه هؤلاء على التأبيد جاز له النظر والخلوة والمسافرة ولا ينتقض الوضوء باللمس دون سائر أحكام النسب كالميراث والنفقة والعتق بالملك وسقوط القصاص ورد الشهادة وقد جاء في بعض الروايات "الرضاعة تحرم ما يحرم من النسب" قال القرطبي وهذا دال على نقل الرواية بالمعنى ثم قال ويحتمل أن يكون ﷺ قال اللفظين في وقتين وقد رجح الحافظ ابن حجر الثاني لأنه يصار إلى الأول عند اتحاد الراوي والواقعة والقصة والزمن وليس ما هنا كذلك وقد استشكل بما جاء في البخاري من أن عم عائشة من الرضاعة جاء يستأذن على عائشة فأمرها النبي ﷺ أن تأذن له بعد أن امتنعت إذ هذه الرواية تدل على أن عمها كان حيا وقولها في حديثنا "لو كان فلان حيا" يدل على أنه كان ميتا وأجيب بأنهما عمان من الرضاعة واختلفت جهة الاعتبار فيهما فأحدهما رضع مع أبي بكر وهو الذي قالت فيه لو كان حيا فهو أخ من الرضاع لأبيها من النسب والآخر هو أخو أبيها من الرضاعة فهو أخ من النسب لأب من الرضاع وهنا إشكال آخر ناشئ من سؤالها في حديثنا ثم توقفها في الثاني وكل منهما يدل على الحكم بوضوح وقد أجاب عنه القرطبي فقال هما سؤالان وقعا مرتين في زمنين عن رجلين وتكرر منها ذلك إما لأنها نسيت

стр. 883

القصة الأولى وإما لأنها جوزت تغير الحكم فأعادت السؤال وقال عياض إن أحد العمين كان أعلى والآخر كان أدنى أو أحدهما كان شقيقا والآخر كان لأب فتوقفت عن أحدهما وسألت عن الآخر -[ويؤخذ من الحديث: ]- ١ - استئذان الرجل في الدخول ولو كان محرما ٢ - جواز تنبيه الرجل إلى ما يعنيه من أمور بيته ٣ - إن الحلال يقطع أنف الغيرة ٤ - جواز مراجعة المفتي بالمثل والنظير. ٩ - عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ دخل عليها وعندها رجل فكأنه تغير وجهه كأنه كره ذلك فقالت إنه أخي فقال "انظرن من إخوانكن فإنما الرضاعة من المجاعة"

стр. 884

-[المعنى العام]- تروي عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ دخل عليها في بيتها فوجد معها رجلا جالسا فأخذته الغيرة وشق عليه ذلك حتى بدأ الغضب في وجهه فانصرف الرجل فقال ﷺ يا عائشة من هذا ولاحظت كراهيته له وظنت أن ذلك ناشئ من عدم معرفته ﷺ برضاعته معها فقالت أنه أخي من الرضاع يا رسول الله وقد أعلمتنا أن أخوة الرضاع كأخوة النسب فقال ﷺ ليس هذا من ذاك تأملن وتفهمن المراد من أخوة الرضاع لقد رضع هذا معك رضعة أو رضعات وهو كبير وذلك لا يحرم إنما الرضاعة المعتبرة التي تثبت الحرمة وتحل الخلوة هي ما تسد جوعة الطفل وتنبت لحمه وتنمي عظمه -[المباحث العربية]- (عن عائشة أن النبي ﷺ دخل عليها) أي في حجرتها وأن وما دخلت عليه في تأويل مصدر نائب فاعل يروي المحذوف أي روي عن عائشة دخول النبي عليها (وعندها رجل) لم يدر اسمه قال في الفتح وأظنه ابنا لأبي القعيس وغلط من قال أنه عبد الله بن يزيد رضيع عائشة لأن عبد الله هذا تابعي باتفاق الأئمة وكانت أمه التي أرضعت عائشة عاشت بعد النبي وولدته بعد وفاته ﷺ وأرضعته بالطبع فصار أخا لعائشة من الرضاعة لكن ليس هو الذي رآه النبي عندها قطعا (فكأنه تغير وجهه كأنه كره ذلك) في رواية مسلم "وعندي رجل قاعد فاشتد ذلك عليه ورأيت الغضب في وجهه" وعبرت بحرف التشبيه في الجملة الأولى تأدبا لصيانة وجه الرسول عن وصفه بالتغير وفي الثانية لدقة الحكم لأن الكره داخلي لا يجزم به لمجرد الرؤية (فقالت إنه أخي) أي قالت عائشة إن الرجل الجالس أخي من

стр. 885

الرضاعة تريد بذلك رفع ما أغضبه وأكدت الجملة لأن موقف الرسول موقف المنكر (انظرن من إخوانكن) من النظر بمعنى المعرفة والتأمل لا بمعنى الإبصار وفي رواية "ما إخوانكن" إيقاعا لما موقع من والأولى أوجه والأخوان جمع أخ لكنه أكثر ما يستعمل لغة في الأصدقاء بخلاف غيرهم ممن هو بالولادة أو الرضاعة فيقال لهم إخوة "من" اسم استفهام مبتدأ وما بعدها خبر أو بالعكس والجملة في محل النصب مفعول انظرن والخطاب لعائشة ونساء الأمة حيث الحكم عام والمعنى تحقق صحة الرضاعة ووقتها فإنما تثبت الحرمة إذا وقعت على شروطها وفي وقتها (فإنما الرضاعة من المجاعة) تعليل للحث على إمعان النظر والتفكير وأل في الرضاعة للعهد يعني الرضاعة التي تثبت الحرمة ما تكون في الصغر حين يكون الرضيع طفلا يسد اللبن جوعته لأن معدته ضعيفة يكفيها اللبن وينبت لحمه بذلك فيصير كجزء من المرضعة فيكون كسائر أولادها وفي رواية "فإنما الرضاعة من المجاعة" -[فقه الحديث]- مناسبة هذا الحديث لكتاب النكاح مأخوذة من قوله ﷺ "فإنما الرضاعة من المجاعة فإنه يشير إلى مسألتين يتوقف عليهما تحريم النكاح وعدم تحريمه وهما ١ - مقدار اللبن المحرم ٢ - وزمن الرضاعة المعتد به وفيهما خلاف بين الفقهاء أما الأولى فقال مالك وأبو حنيفة كثير الرضاع وقليله في التحريم سواء ولو مصة لإطلاق الآية وهو المشهور عن أحمد وقال الشافعي لا تحرم الرضعة ولا الرضعتان لأنها لا تغني من جوع فاحتاج الأمر إلى تقدير وأولى ما يؤخذ به ما قدرته الشريعة وهو خمس رضعات استنادا إلى ما رواه

стр. 886

مسلم عن عائشة "كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات ثم نسخن بخمس رضعات محرمات فتوفي رسول الله ﷺ وهن مما يقرأ" ومن شواهده ما رواه أبو داود من حديث ابن مسعود "لا رضاع إلا ما شد العظم وأنبت اللحم" وما رواه النسائي عن عائشة "لا تحرم الخطفة والخطفتان" وفي رواية أخرى عنها "لا تحرم المصة والمصتان" وأما الثانية فقد قال الشافعي وأحمد وأبو يوسف ومحمد المحرم من الرضاع ما كان في الحولين فلا يحرم الرضاع بعدهما لقوله تعالى ﴿والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة﴾ فتمام الرضاعة حولان فلا حكم لما بعدهما فلا يتعلق به التحريم وهذه المدة هي مدة المجاعة التي ذكرها رسول الله ﷺ وقصر الرضاعة المحرمة عليها ولقوله ﷺ "لا رضاع إلا ما كان في الحولين" وقال مالك يحرم ما كان في الحولين وما قاربهما بشهر أو شهرين أو ثلاثة ولا حرمة له بعد ذلك وقال أبو حنيفة إن مدة الرضاع ثلاثون شهرا ومن هذا يتبين أن الأئمة الأربعة متفقون على أن إرضاع الكبير لا يحرم لأنه لا ينبت اللحم ولا ينشز العظم ولو كان إرضاع الكبير محرما لما تغير وجهه ﷺ حينما دخل على عائشة وعندها رجل لذا كان على الأئمة أن يجيبوا على ما روي في الصحيحين عن عائشة قالت "جاءت سهلة بنت سهيل القرشية وهي امرأة أبي حذيفة فقالت يا رسول الله إنا كنا نرى سالما ولدا وأنه قد بلغ مبلغ الرجال وأنه يدخل علينا وإني أظن أن في نفس أبي حذيفة شيئا من ذلك فقال ﷺ "أرضعيه تحرمي عليه" وفي رواية "فقالت وكيف أرضعه وهو رجل كبير" فتبسم ﷺ وقال "قد علمت أنه رجل كبير" وفي رواية "فقالت إنه ذو لحية" فقال ﷺ "أرضعيه يذهب ما في وجه أبي حذيفة" وأجابوا بأن حديث سهلة منسوخ أو هو مخصوص بسالم وسهلة أو رخصة يلجأ إليها عند الحاجة لمن لا يستغني عن دخوله على المرأة ويشق احتجابها عنه ويرد على حديث سهلة إشكال آخر هو كيف يلتقم سالم ثدي سهلة وهي أجنبية عنه وأجاب عياض باحتمال أنها حلبت اللبن ثم

стр. 887

شرب سالم من غير أن يمص الثدي وأجاب النووي بالعفو عن ذلك لأجل الحاجة كما خص بالرضاعة مع الكبر وظاهر قول النبي "أرضعيه" يقتضي ذلك لا الحلب -[ويؤخذ من الحديث: ]- ١ - إن الرضعة الواحدة لا تحرم لأنها لا تغني من جوع وحيث احتيج إلى تقدير فأولى ما يؤخذ به هو ما قدرته الشريعة وهو خمس رضعات ٢ - إن التغذية بلبن المرضعة تحرم سواء بشرب أو بأكل أو بأي صفة إذا وقع ذلك بالعدد المشروط حيث أنه يطرد الجوع خلافا لمن منعه بناء على أن الرضاعة المحرمة هي التقام الثدي ومص اللبن منه ٣ - أن الرضاعة إنما تعتبر في حال الصغر لأنها الحال التي يمكن طرد الجوع فيها باللبن وذلك في الحولين ٤ - جواز دخول من اعترفت المرأة بالرضاعة معه عليها وأنه يصير أخا لها ٥ - وأن الزوج يسأل زوجته عن سبب إدخال الرجال بيته والاحتياط في ذلك ٦ - مدح غيرة الرجل على أهله ٧ - الإرشاد إلى الخطأ بالحلم كالتعليم وعدم العنف ٨ - فطنة عائشة إذ فهمت بسرعة سبب تغير وجهه ﷺ ٩ - حرص الزوجة على إرضاء زوجها بمجرد غضبه بالاعتذار

стр. 888

١٠ - عن جابر ﵁ قال "نهى رسول الله ﷺ أن تنكح المرأة على عمتها أو خالتها" -[المعنى العام]- يحرص الإسلام على صلة الأرحام ويحذر من كل ما يؤدي إلى العقوق ومن ذلك نكاح المرأة على امرأة أخرى قريبة منها قرابة قوية وجعلهما ضرتين مع ما طبعت عليه الضرة من كراهية لضرتها ومن أجل حفظ التواد والصفاء بين الأرحام نهى رسول الله ﷺ أن تزوج المرأة على عمتها أو خالتها وقال "إنكن إذا فعلتن ذلك قطعتن أرحامكن" -[المباحث العربية]- (نهى رسول الله ﷺ أن تنكح المرأة) أن وما دخلت عليه في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف أي نهى عن نكاح المرأة والفعل منزل منزلة اللازم أو لمفعول محذوف أي نهى الأمة (على عمتها أو خالتها) كلمة أو ليست للشك لأن حكمهما واحد -[فقه الحديث]- في معنى العمة والخالة كل امرأة بينها وبين الأخرى قرابة بحيث لو

стр. 889

كانت إحداهما ذكرا لحرمت المناكحة بينهما وعليه فلا يحرم الجمع بين المرأة وبنت خالتها أو بنت خالها ولا بين المرأة وبنت عمتها أو بنت عمها لأنها لو قدرت إحداهما ذكرا لم تحرم الأخرى عليه نعم كره بعض السلف مثل هذا مخافة الضغائن قال الجمهور وهذا الحديث مخصص لعموم قوله تعالى ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾ وقال بعض المحققين أن تحريم هذا الجمع داخل في آية المحرمات دلالة وأن النبي ﷺ قد استنبطه من تحريم الجمع بين الأختين لأنه مبين للناس ما نزل إليهم إذ ينتظم تحريم الجمع في الحالين معنى واحد مشترك هو التسبب في قطع رحم قريبه ومعنى هذا القول أن الحديث مبين غير مخصص ثم النكاح المذكور يقتضي بطلانه فلو نكحهما مرتبا في العقد بطل الثاني لأنه الذي حصل به الجمع ثم إذا طلق ابنة الأخ طلاقا بائنا حل له نكاح عمتها بمجرد البينونة وإن لم تنقض العدة لانقطاع الزوجية حينئذ وليس فيه الجمع بينهما هذا ما ذهب إليه مالك والشافعي وذهب الحنفية إلى أنه لا يحل حتى تنقضي العدة ١١ - عن ابن عمر ﵄ "أن النبي ﷺ نهى عن الشغار"

стр. 890

-[المعنى العام]- حرصا على حقوق الزوجات وبعدا عما يؤدي إلى الإضرار والظلم ينهى الرسول ﷺ عن أن يتزوج الرجل مولية رجل آخر على أن يتزوج هذا الآخر مولية الأول ويضع كل منهما صداق للأخرى وهذا هو المسمى في الإسلام بالشغار "ولا شغار في الإسلام" -[المباحث العربية]- (نهى عن الشغار) أي نهي تحريم والشغار بكسر الشين مصدر شاغر ومثله المشاغرة وهو في اللغة الرفع من قولهم شغر الكلب برجله إذا رفعها ليبول فكأن المتناكحين رفعا المهر بينهما أو كأن كلا من الوليين يقول للآخر لا ترفع رجل ابنتي حتى أرفع رجل ابنتك وفي التشبيه بهذه الهيئة القبيحة تقبيح الشغار وتغليظ على فاعله وقيل معناه في اللغة الخلو من قولهم شغر البلد عن السلطان إذا خلا منه لخلو العقدين عن المهر أو عن بعض الشروط وسيجيء معناه الشرعي -[فقه الحديث]- اختلف العلماء في صورة نكاح الشغار المنهي عنه فصوره بعضهم بأن يزوج بنته أو أخته أو موليته لآخر على أن يزوجه هذا الآخر موليته ويكون وضع كل منهما صداقا للأخرى سواء كان مع البضع مال أو لا والجمهور يشترط في صورته ألا يكون مع البضع صداق آخر فإن لم يقل وبضع كل صداق الأخرى صح النكاح ووجب مهر المثل قال الخطابي كان ابن أبي هريرة يشبهه برجل زوج امرأة واستثنى منها عضوا من أعضائها وبيان ذلك أنه يزوج موليته ويستثني بضعها يجعله صداقا للأخرى فكأن يضع كل من الزوجين مملوك للأخرى لاحق لأحد الزوجين في الانتفاع به وقال ابن القيم اختلف في علة النهي فقيل هي التعليق أي جعل كل واحد من العقدين شرطا في الآخر فكأنه يقول لا ينعقد لك نكاح بنتي حتى ينعقد لي نكاح بنتك وقيل هي التشريك في البضع حيث جعل

стр. 891

بضع كل واحدة موردا لنجاح امرأة ومهرا للأخرى وهي لا تنتفع به فلم يرجع المهر إليها بل عاد المهر إلى الولي وهو ملكه بضع زوجته بتمليكه بضع موليته وهذا ظلم لكل واحدة من المرأتين وإخلاء لنكاحها عن مهر تنتفع به فأشبه تزويج واحدة من رجلين اثنين قال ابن عبد البر أجمع العلماء على أن نكاح الشغار حرام ولا يجوز إذا خلا من ذكر ما يصلح مهرا أما إن ذكر مع البضع ما يصلح مهرا فقد اختلفوا في صحته فالجمهور على البطلان لأن الأصل في أبضاع النساء التحريم إلا ما أحله الله بشروطه وذهب الحنفية إلى صحته ووجوب مهر المثل لكل منهما لأن النكاح لا يبطل بالشروط الفاسدة وقال الحنابلة إن سمي لإحداهما ولم يسم للأخرى صح نكاح من سمي لها وهنا مسألة جديرة بالبحث منتشرة في عهدنا وهي زواج البدل كأن يزوج محمد مثلا ابنته لابن أحمد على أن يأخذ بنت أحمد لابنه ولا يذكر هذه الشروط في العقد وهذا النوع من النكاح وإن لم يكن شغارا بالمعنى المصطلح عليه إلا أنه يتبعه حتما تساهل كل من الوليين في حقوق كل من الزوجتين فضلا عما يجره هذا النكاح من الأضرار بواحدة إذا ما أضر بالأخرى فينبغي أن يكره ١٢ - عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال "لا تنكح الأيم حتى تستأمر ولا تنكح البكر حتى تستأذن" قالوا يا رسول الله وكيف إذنها قال "أن تسكت"

стр. 892

-[المعنى العام]- كانت المرأة قبل الإسلام من سقط المتاع ولم يكن يحسب لرأيها أي حساب حتى في أهم الأمور التي تخصها وهو زواجها فجاء الإسلام رافعا من شأنها معتمدا رأيها إذا كانت من ذوات الرأي بأن كانت بالغة عاقلة فطلب من الولي ألا يزوجها إلا بعد أن يأخذ إذنها في شريك حياتها "الأيم تستأمر" أي لا تزوج الثيب حتى تصرح بقبولها لهذا الزوج "والبكر تستأذن" فلا تزوج حتى يحصل الولي على إذنها قالت عائشة إن البكر تستحي أن تعلن رضاها يا رسول الله قال ﷺ "رضاها صمتها" -[المباحث العربية]- (لا تنكح الأيم) ببناء الفعل للمجهول ولا نافية والفعل مرفوع فهو خبر بمعنى النهي أو ناهية والفعل مجزوم ويحرك بالكسر للتخلص من التقاء الساكنين والنفي أبلغ من النهي والأيم بفتح الهمزة وكسر الياء المشددة وهي في الأصل التي لا زوج لها بكرا كانت أو ثيبا مطلقة كانت أو متوفى عنها والمراد بها هنا الثيب التي زالت بكارتها بأي وجه سواء زالت بنكاح صحيح أو شبهة أو فاسد أو زنا أو أصبع أو غير ذلك لأنها جعلت مقابلة للبكر (حتى تستأمر) ببناء الفعل للمجهول والسين والتاء للطلب أي حتى يطلب أمرها والمراد لازم الطلب أي حتى تأمر (حتى تستأذن) ببناء الفعل للمجهول أيضا أي حتى يطلب إذنها والمراد لازم الطلب أي حتى تأذن وفرق بين الأمر والأذن بأن الأمر لا بد فيه من لفظ والأذن يكون بلفظ وغيره (وكيف إذنها) خبر مقدم ومبتدأ مؤخر والضمير للبكر (قال أن تسكت) المصدر المنسبك من أن والفعل خبر مبتدأ محذوف أي إذنها سكوتها

стр. 893

-[فقه الحديث]- يتعرض الحديث إلى إذن الزوجة سواء كانت بكرا غير بالغة أو ثيبا غير بالغة أو بكرا بالغة أو ثيبا بالغة وفي حكم هذا الإذن وفي حكم النكاح بدونه اختلف الفقهاء على النحو الآتي أولا البكر غير البالغة ويزوجها أبوها ولا يشترط إذنها اتفاقا إلا من شذ ثانيا الثيب غير البالغة قال أبو حنيفة يزوجها كل ولي فإذا بلغت ثبت لها الخيار وقال الحنابلة بثبوت الخيار لمن كانت دون التسع سنين لا من لها تسع سنين فأكثر نعم ظاهر الحديث أنه لا بد من إذن الزوجة صغيرة كانت أو كبيرة لكن تستثنى الصغيرة من حيث المعنى لأنها لا عبارة لها ثالثا البكر البالغة ذهب مالك والشافعي وأحمد إلى أنه يجوز للأب أن يزوجها بغير إذنها احتجاجا بمفهوم ما رواه مسلم "الثيب أحق بنفسها من وليها والبكر يستأذنها أبوها" إذ يدل على أن ولي البكر أحق بها منها على أن التفرقة في حديثنا بالاستئمار في جانب الثيب والاستئذان في جانب البكر تعطي التفرقة في تزويج كل من حيث أن الاستئمار يدل على تأكيد المشاورة وجعل الأمر إلى المستأمرة دون البكر وذهب أبو حنيفة إلى أنه ليس للأب أن يجبر البكر البالغة فإن أجبرها لم يصح العقد وقيل يصح ولها الخيار والحديث الذي معنا دليل له من حيث أنه يدل على أنه لا إجبار للأب عليها إذا امتنعت كما أنه من المقرر أن البكر الرشيد لا يتصرف أبوها في شيء من مالها إلا برضاها ولا يجبرها على إخراج اليسير منه فكيف يجوز له أن يخرج بضعها بغير رضاها وهذا الرأي وجبه يتفق وروح عصرنا الذي خرجت فيه الفتاة ودرست الرجال لكن ليس معنى طلب رضاها وعدم إجبارها أن تستقل هي بالاختيار وتجبر وليها وتلزمه بالأمر الواقع لأنها مهما تثقفت وتعلمت تغلبها عاطفتها

стр. 894

ولأن في استقلالها بهذا الأمر نكرانا للأبوة وإيغارا للصدور رابعا الثيب العاقلة وقد اتفقوا على أنه لا يجوز تزويجها إلا بإذنها قال الشافعي وأحمد إذا زوجها بغير إذنها فالنكاح باطل وإن رضيته لأنه ﷺ رد نكاح خنساء ولم يقل إلا أن تجيزه وقال مالك لا يجوز وإن أجازته إلا أن يكون بالقرب ويبطل إذا بعد لأن عقده بغير أمرها ليس بعقد هذا فيما يتعلق بتزويج الولي أما تزويج المرأة نفسها فعند أبي حنيفة بنفذ نكاح المرأة البالغة العاقلة إذا زوجت نفسها من غير ولي ومن غير إجازته وقال الشافعي ومالك وأحمد لا ينعقد بعبارة النساء أصلا لقوله ﷺ "لا نكاح إلا بولي" ولقوله ﷺ "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل فنكاحها باطل فنكاحها باطل" وإنما اكتفي في إذن البكر بأن تسكت لأنها تستحي عادة أما الثيب فلا بد من لفظها لأن كمال حيائها قد زال بممارسة الرجال فإن ظهر مع سكوت البكر قرينة الرضا كالتبسم زوجها باتفاق وأما قرينة السخط كالبكاء فعند المالكية لا تزوج وعند الشافعية لا يؤثر ذلك إلا أن وقع مع البكاء صياح ونحوه فلا يزوجها -[ويؤخذ من الحديث: ]- ١ - احترام الإسلام للمرأة وتقديره لرأيها ٢ - مشروعية أخذ رأي الزوجة في زواجها قبل إبرام العقد ٣ - أن الاستحياء عن إبداء الرأي لا يسقط مشروعية المشورة ٤ - أن سكوت من عرف بالحياء دليل على رضاه ما لم تظهر قرينة مانعة.

стр. 895

١٣ - عن ابن عمر ﵄ قال "نهى النبي ﷺ أن يبيع بعضكم على بيع بعض ولا يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى يترك الخاطب قبله أو يأذن له الخاطب" -[المعنى العام]- يحرص الرسول ﷺ على رباط الألفة والمحبة بين الناس فيحذرهم من بعض أسباب الحقد والتباغض والإيذاء بقوله لا يبع الرجل على بيع أخيه ولا يخطب أحد امرأة على خطبة أخيه إلا إذا ترك الخاطب الأول أو أذن للخاطب الثاني إذنا يدل على الرضا والانصراف -[المباحث العربية]- (نهى النبي أن يبيع) أن وما دخلت عليه في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف أي نهى عن بيع بعضكم على بعض والتعبير بالبعض هنا دون الرجل المعبر به في الخطبة ليشمل بيع الجماعة للجماعة أو للفرد وبالعكس سواء كان المبيع شيئا واحدا أو أكثر (ولا يخطب الرجل) بالرفع والجزم والنصب أما الرفع فعلى أنه

стр. 896

خبر بمعنى النهي ولا نافية وجعل سياقه في صورة الخبر أبلغ في المنع لإشعاره بأنه أمر ممتثل فعلا يخبر عنه وأما الجزم فعلى النهي الصريح وأما النصب فعلى عطفه على يبيع و"لا" زائدة (على خطبة أخيه) الخطبة بكسر الخاء طلب المرأة من وليها وأصلها الهيئة التي يكون عليها الإنسان حين يخطب نحو الجلسة من خطب يخطب من باب نصر فهو خاطب والمبالغة منه خطاب وأما الخطبة بضم الخاء فهي من القول والكلام فهو خاطب وخطيب والمراد من الإخوة الإخوة في العهد والحرمة فتشمل المسلم والذمي وذكر الأخ جري على الغالب ولأنه أدعى لسرعة الامتثال (حتى يترك الخاطب قبله) الضمير للرجل الخاطب الثاني وقيل للتزويج وهو بعيد (أو يأذن له الخاطب) أي يأذن للخاطب الثاني الخاطب الأول -[فقه الحديث]- أما بيع البعض على بيع البعض فقد قيل في صورته أن يقول الرجل لمن اشترى سلعة في زمن خيار المجلس أو الشرط افسخ لأبيعك خيرا منها بمثل ثمنها أو مثلها بالنقص ومثل ذلك الشراء على الشراء كأن يقول البائع أفسخ لأشتري منك بأكثر والنهي في الحديث للتحريم وقد أجمع العلماء على أن البيع على البيع والشراء على الشراء حرام وفي صحته خلاف واستثنى بعضهم من الحرمة ما إذا كان البائع أو المشتري مغبونا لكن هذا الاستثناء مردود أما السوم على السوم وهو أن يتفق صاحب السلعة والراغب فيها على البيع وقبل أن يعقدا يقول آخر لصاحبها أنا أشتريها بأكثر أو للراغب أنا أبيعك خيرا منها بأرخص فهو حرام كالبيع على البيع والشراء على الشراء والمعنى في ذلك ما فيه من الإيذاء والتقاطع بخلاف المزايدة والمناقصة فلا شيء فيهما لأنهما قبل الاتفاق والاستقرار وأما الخطبة على الخطبة فصورتها أن يخطب رجل امرأة فتركن إليه

стр. 897

ويتفقا ويتراضيا ولم يبق إلا العقد فيجيء آخر وهو يعلم بكل هذا فيخطب على خطبة الأول وهي حرام بالإجماع وإن نقل عن أكثر العلماء أن عقد الخاطب الثاني لا يبطل والمعتبر في التحريم إجابتها إن كانت غير مجبرة أو إجابة الولي إن كانت مجبرة أو إجابتهما معا إن كان الخاطب غير كفء أما إذا لم تركن إليه وإن كانت مجبرة أو لم يركن وليها إن كانت مجبرة أو قبل أن يتفقا كوقت المشورة أو لم يكن الثاني يعلم بخطبة الأول فهو على حكم الأصل من الإباحة على الأصح وقال بعض المالكية لا تحرم حتى يرضوا بالزواج ويسمى المهر ويشترط كذلك ألا تكون خطبة الأول محرمة كأن تكون في العدة مثلا لأنه لا يثبت للخاطب بخطبته حينئذ حق وكما يأثم الخاطب الثاني يأثم ولي المخطوبة إذا قبل منه ودل الحديث كذلك على تحريم أن تخطب المرأة على خطبة امرأة أخرى إلحاقا لحكم النساء بحكم الرجال كأن ترغب امرأة في رجل وتدعوه إلى تزويجها فيجيبها فتأتي أخرى فترغبه في نفسها وتزهده في التي قبلها وإنما عبر بالرجل لأن الخطبة عادة من شأن الرجال والحكمة في ذلك ما فيه من الإيذاء والتقاطع ولهذا قيد الحديث إباحة الخطبة على الخطبة بترك الخاطب الأول أو إذنه للخاطب الثاني وفي معنى الترك والإذن ما لو طال الزمان بعد إجابته حتى عد معرضا أو غاب زمنا يحصل به الضرر أو رجعوا عن إجابته وفيما لو أذن الخاطب الأول للخاطب الثاني هل يختص ذلك بالمأذون له أو يتعدى لغيره لأن مجرد الإذن الصادر من الخاطب الأول دال على إعراضه عن تزوج تلك المرأة وبإعراضه يجوز لغيره أن يخطبها الظاهر الثاني فيكون الجواز للمأذون له بالتنصيص ولغير المأذون له بالإلحاق وقيل يختص بالمأذون له الجواز كون ذلك عن طريق الإيثار لا عن طريق الإعراض والأحسن أن يقال بتحكيم العرف والقرائن في ذلك وليس في هذا الحديث منافاة لما ثبت أن النبي خطب فاطمة بنت قيس لأسامة بن زيد على خطبة معاوية وأبي الجهم لأن ذلك حصل قبل النهي عن الخطبة على الخطبة وقال النووي أن النبي أشار بأسامة ولم يخطب وعلى تقدير أن يكون خطب فكأنه لما ذكر لها ما في معاوية وأبي الجهم ظهر منها الرغبة عنهما فخطبها لأسامة

стр. 898

وإنما جاءت مستشيرة فأشار عليها بما هو الأول ولم يكن هناك خطبة على خطبة -[ويؤخذ من الحديث: ]- ١ - النهي عن كل ما فيه تضييق على الناس ٢ - النهي عن كل ما يحدث الشقاق ويوغر الصدور ويورث الشحناء ٣ - تحريم البيع على البيع ٤ - تحريم الخطبة على الخطبة ١٤ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال "لا يحل لامرأة تسأل طلاق أختها لتستفرغ صحفتها فإنما لها ما قدر لها" -[المعنى العام]- نهي آخر عن أسباب العداوة والبغضاء والتفريق بين المرء وبين

стр. 899

عشيرته بعد أن نهى ﷺ الرجال صريحا عن التشاحن مع الرجال بخطبتهم على خطبتهم نهى النساء عن التعدي على النساء لا يحل لامرأة أن تسأل رجلا طلاق زوجته التي هي أختها في الإنسانية ولها مالها من حقوق الزوجية والاستقرار لا يحل لها أن يكون غرضها من هذا السؤال أن تحظى هي بهذا الرجل وأن تنفرد به دونها ولتعلم من تسول لها نفسها بذلك أنها ليس لها إلا ما قدر لها في الأزل من زوج معين ومن سعادة أو شقاء مهما سألت ذلك وألحت فيه واشترطته فإنه لا يقع من ذلك إلا ما قدر الله تعالى وإذا فلا فائدة من الإقدام على هذا المنكر إلا إثارة الضغائن والأحقاد والمشاحنة وتقطيع الأرحام فلترض بما قسم الله ولتعلم أن ما أخطأها لم يكن ليصيبها وما أصابها لم يكن ليخطئها -[المباحث العربية]- (لا يحل لامرأة تسأل طلاق أختها) تسأل مؤول بمصدر من غير سابك والمصدر فاعل "يحل" ومفعول تسأل الأول محذوف والتقدير تسأل زوج أختها طلاق أختها والمراد من الأخت قيل الضرة وقال النووي المراد بأختها غيرها سواء كانت أختا من النسب أو الرضاع أو الدين ويلحق بذلك الكافرة في الحكم وإن لم تكن أختا في الدين إما لأن المراد بهذا التعبير كونه الغالب كقوله تعالى ﴿وربائبكم اللاتي في حجوركم﴾ أو لأنها أختها في الجنس الآدمي ويشتد النهي إذا كانت قريبة من النسب لما فيه من قطيعة الرحم (لتستفرغ صحفتها) أي لقلب ما في إنائها وأصله من أفرغت الإناء إفراغا إذا قلبت ما فيه وأصل الصحفة إناء كالقصعة المبسوطة جمعها صحاف ويقال الصحفة القصعة التي تشبع الخمسة وفي الكلام كما قال الطيبي استعارة تمثيلية مستملحة شبهت المرأة بالصحفة وحظوظها وتمتعاتها بما يوضح في الصحفة من الأطعمة اللذيذة وشبه الافتراق المسبب عن الطلاق باستفراغ الصحفة عن تلك الأطعمة ثم أدخل المشبه في جنس

стр. 900

المشبه به واستعمل في المشبه ما كان مستعملا في المشبه به من الألفاظ والأولى أن يقال شبهت الهيئة الحاصلة من الزوجة والحظوظ الواردة عليها وإبعاد الزوجة عن حظوظها وتمتعاتها بسبب الطلاق بالهيئة الحاصلة من الإناء والأطعمة التي فيه وتفريغ الإناء مما فيه بجامع إذهاب النفع في كل ثم ادعينا أن الهيئة المشبهة من جنس الهيئة المشبهة بها ثم استعرنا التركيب الدال على المشبه به للمشبه على سبيل الاستعارة التمثيلية وقيل استفراغ الإناء كفاية من سلب ما للزوجة من النفقة والعشرة وما لها من حقوق عند الزوج (فإنما لها ما قدر لها) أي فإنما للمرأة التي تسأل الطلاق لأختها ما قدر لها في الأزل والجملة تعليل للنهي عن السؤال فالفاء تعليلية -[فقه الحديث]- قال النووي: معنى الحديث نهي المرأة الأجنبية أن تسأل رجلا طلاق زوجته ليطلقها ويتزوج بها وقيل صورته أن يخطب الرجل امرأة وله امرأة فتشترط عليه طلاق الأولى لتنفرد به والأول والثاني هو الظاهر إذ أخرج البخاري الحديث تحت باب الشروط التي لا تحل في النكاح وصدره بقول ابن مسعود لا تشترط المرأة طلاق أختها وظاهر الحديث التحريم قال الحافظ ابن حجر لكنه محمول على ما إذا لم يكن هناك سبب يجوز ذلك كريبة في المرأة لا ينبغي معها أن تستمر في عصمة الزوج ويكون ذلك على سبيل النصيحة المحضة وحمل بعضهم النهي على الكراهة واعترض عليه ابن بطال بأن نفي الحل تحريم صريح ولكن لا يلزم منه فسخ النكاح وإنما فيه التغليظ على المرأة أن تسأل طلاق الأخرى قال الطحاوي أجاز الكوفيون ومالك والشافعي أن يتزوج المرأة على أن يطلق زوجته لكنه إن وفى بما قال فلا شيء عليه وإن لم يوف فلها مهر المثل عند الكوفيين قال الشافعي لها مهر المثل وفى أو لم يوف ومثل المرأة في الإثم وليها إذا طلب طلاق امرأة ليزوج موليته مكانها

стр. 901

-[ويؤخذ من الحديث: ]- ١ - وجوب الإيمان بالقضاء والقدر ٢ - حرمة العمل على قطع عيش الغير مطلقا لأنه إذا حرم على من ينتفع من ورائه حرم على من لا ينتفع من باب أولى ٣ - أن السعي في ذلك لا يضر المطعون فيه ولا ينفع الطاعن فإنما لكل ما قدر له ١٥ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جاره واستوصوا بالنساء خيرا فإنهن خلقن من ضلع وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه فإن ذهبت تقيمه كسرته وإن تركته لم يزل أعوج فاستوصوا بالنساء خيرا" -[المعني العام]- أدب رفيع وسياسة حكيمة يدعو إليها الرسول الكريم بقوله من كان يؤمن بالله وبيوم الجزاء إيمانا كاملا فلا يؤذ أحدا مهما أوذي وليدفع بالتي هي أحسن وليكن خلقه مع جيرانه حسن المعاملة خصوصا مع النساء

стр. 902

ذلك المخلوق العجيب الذي حارت في سياسته العقول التي ساست الدول والذي استعبد كثيرا من الملوك الذين استعبدوا الشعوب والذي قال الله فيه ﴿إن كيدكن عظيم﴾ على حين قال ﴿إن كيد الشيطان كان ضعيفا﴾ فيقول النبي استوصوا بهذا المخلوق الأعوج في طباعه وفي معاملاته وعاشروه بالحكمة والكياسة يكن ذلك خيرا له ولكم لأنه كالضلع المعوج بل كطرف الضلع الأعلى الشديد الأعوجاج الذي لا يمكن تقويمه لأن الشدة تكسره واللين لا يقومه فاستوصوا بالنساء خيرا تنتفعوا بهن مع اعوجاجهن -[المباحث العربية]- (عن أبي هريرة عن النبي قال) الجار والمجرور متعلق بفعل محذوف والثاني متعلق بمحذوف هو حال من أبي هريرة والمصدر المنسبك من قال من غير سابك نائب فاعل روي المحذوف والتقدير روي عن أبي هريرة حالة كونه راويا عن النبي قول النبي كذا ومفعول راويا محذوف لدلالة نائب فاعل روي عليه (من كان يؤمن) كان ناقصة واسمها ضمير يعود على من وجملة يؤمن خبرها والشرط والجواب خبر "من" وفعل كان لا دلالة له في الأصل على غير الوجود في الماضي من غير دلالة على انقطاع أو دوام وتستعمل للأزلية كما في صفاته تعالى وقد تستعمل للزوم الشيء وعدم انفكاكه نحو قوله ﴿وكان الإنسان عجولا﴾ (فلا يؤذ جاره) بحذف الياء على أن لا ناهية وبإثباتها على أن لا نافية (واستوصوا بالنساء خيرا) السين والتاء للقبول والمطاوعة مثلها في أقمته فاستقام أي اقبلوا وصيتي واعملوا بها وقيل السين والتاء للطلب جيء بهما للمبالغة أي اطلبوا الوصية بهن من أنفسكم أو ليطلب الوصية بعضكم من بعض ويلزم من ذلك أن تحافظوا لأن من وصى غيره بشيء كان أحرص عليه والنساء اسم جمع لا واحد له من لفظه وامرأة واحدة

стр. 903

من معناه وخيرا منصوب على أنه مفعول لفعل محذوف والتقدير استوصوا استيصاء خيرا أو على أنه مفعول لفعل محذوف والتقدير استوصوا لتفعلوا خيرا أو على أنه خبر يكن المحذوفة مع اسمها والتقدير استوصوا بالنساء يكن الاستيصاء خيرا ذكر ذلك النحاة في قوله تعالى ﴿وأنفقوا خيرا لأنفسكم﴾ والجملة معطوفة على (فلا يؤذ جاره) أي لا تؤذوا الجار واستوصوا وفي الكلام التفات من الغيبة إلى الخطاب لمزيد العناية بالخطاب (فإنهن) الفاء للتعليل وما بعدها بيان لسبب وصيته ﷺ بهن (خلقن من ضلع) بكسر الضاد وفتح اللام وسكونها والفتح أفصح والظاهر أن في الكلام استعارة والأصل فإنهن خلقن من شيء كالضلع في اعوجاجه أي خلقن خلقا فيه اعوجاج وشذوذ تخالف به الرجل أي طبعت على العوج كأنه جسم تكونت منه ففي الحديث حذف المشبه ووجه الشبهة والأداة واستعير لفظ المشبه به للمشبه على سبيل الاستعارة التصريحية الأصلية وقيل أراد به أول النساء حواء خلقت من ضلع آدم ﵇ فيكون لفظ الضلع على حقيقته ويكون معنى خلقها من الضلع الحقيقي إخراجها منه عند أصل الخلقة (وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه) قال الحافظ ابن حجر فيه إشارة إلى أنها خلقت من أشد أجزاء الضلع اعوجاجا مبالغة في إثبات هذه الصفة لها ويحتمل أن يكون قد ضرب ذلك مثلا لأعلى المرأة لأن أعلاها رأسها وفيه لسانها وهو الذي يحصل منه الأذى وأعوج صفة مشبهة وليس أفعل تفضيل لأن أفعل التفضيل لا يأتي من ألفاظ العيوب التي صفتها على وزن أفعل وقيل هو أفعل تفضيل شذوذا أو محل المنع عند الالتباس بالصفة فإذا تميز عنها بالقرينة فلا منع (فإن ذهبت تقيمه كسرته) الضمير المنصوب للضلع وهو يذكر ويؤنث وجملة (تقيمه) في محل النصب على الحال

стр. 904

(فاستوصوا بالنساء خيرا) الفاء فصيحة وقعت في جواب شرط مقدر أي إذا كان هذا شأنهن فاستوصوا -[فقه الحديث]- يفهم من قوله ﷺ "من كان يؤمن بالله" أن من آذى جاره لا يكون مؤمنا لكن هذا المفهوم غير مراد إذ المعنى من كان يؤمن بالله إيمانا كاملا فلا يؤذ وذكر هذه العبارة للحض على الطاعة لأن من آمن بالمبدأ والمعاد كف عن المعصية وسارع إلى الطاعة وإنما خص الجار بالذكر والواجب على المؤمن ألا يؤذي أحد مطلقا لشدة العقاب على إيذاء الجار إذ لهذه الملاصقة حرمة وحقوق كحقوق الأخوة فإيذاؤه أفحش الإيذاء وفيه بعث على دوام الشقاق وفي ذلك تعرض أكثر لارتكاب الجرائم أو خص الجار بالذكر لكونه مظنة الأذى غالبا لكثرة التعامل بين المتجاورين وقيل إن المراد بالجار ما يشمل الملكين الكاتبين وإيذاؤهما يحصل بأذى كل مخلوق وقد فهم بعضهم من ذكر البخاري لهذا الحديث على جزأين فهم أن قوله ﷺ "واستوصوا بالنساء خيرا إلخ" حديث مستقل جمعه الراوي مع ما قبله في سند واحد ولكن اتصال الكلام يدل على أن الجزأين حديث واحد إذ المرأة أعلى مراتب المجاورة فهي الجار الملاصق بدون حجاب وهي التي عبر عنها القرآن بالصاحب بالجنب وإنما أكد الحديث الوصية بالنساء فكررها لضعفهن واحتياجهن إلى من يقوم بأمرهن ولذا علل الأمر بأن طبيعتهن الاعوجاج فهن شبه معذورات فيما يرى منهن مما لا يرضي إذ من العسير عليهن الانفكاك عما جبلن عليه فليكن التحمل والملاينة من الرجال ولهذا أيضا عدل عن النهي عن الإيذاء إلى الاستيصاء للإشارة إلى أن حسن الخلق مع النساء ليس كف الأذى عنهن بل احتمال الأذى منهن والحلم عن طيشهن والإحسان إليهن اقتداء برسول الله ﷺ فقد كان أزواجه يراجعنه الكلام وتهجره إحداهن إلى الليل وأعلى من ذلك أن يمزح معهن وينزل إلى درجات عقولهن في الأعمال والأخبار حتى روي أنه كان يسابق عائشة في العدو فسبقته يوما فقال هذه بتلك

стр. 905

ولا يظن من هذا أن الإسلام يدعو إلى ترك المرأة وهواها دون تقويم بل مراده الرفق في المعاملة باستعمال اللين في غير ضعف والشدة من غير عنف وإلى ذلك يشير ﷺ بقوله "فإن ذهبت تقيمه كسرته" أي إن رمت تقويمهن بالشدة أفسدت ولم تنتفع بهن مع أنه لا غنى عنهن "وإن تركته لم يزل أعوج" أي وإن تراخيت وتساهلت في الإصلاح بقي فسادهن وازداد فلا تكن لينا فتعصر ولا جامدا فتكسر -[ويؤخذ من الحديث: ]- - مداراة سيئ الأخلاق وعدم الاصطدام به ٢ - الندب إلى الملاينة لاستمالة النفوس وتأليف القلوب ٣ - الدعوة إلى الصبر على أذى الجار ٤ - إن عدم الإيذاء من كمال الإيمان ٥ - إن معاملة النساء ينبغي أن تكون بين اللين والحزم ٦ - ارفق بالضعيف وحسن معاملته

стр. 906

١٦ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال "لا يحل للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه ولا تأذن في بيته إلا بإذنه وما أنفقت من نفقة من غير أمره فإنه يؤدى إليه شطره" -[المعنى العام]- بين لنا الحديث السابق ما ينبغي أن تكون عليه معاشرة الزوج لزوجته ويبين لنا هذا الحديث ما ينبغي أن تكون عليه معاشرة الزوجة لزوجها فلا يحل لها أن تصوم نفلا وهو حاضر صيامها إلا بإذنه فقد يتضرر بهذا الصوم ويفوت عليه بعض مقاصده ولمنزله حرمة لا تنتهك فلا يجوز لها أن تدخل فيه أحدا أيا كان وهو حاضر أو غائب إلا بإذنه فقد يغار على زوجته من الأجنبي وقد يكون في بيته من القصور والعيوب ما يحرص على إخفائه ولا يجب أن يراه أقرب الأقربين وهي راعية في ماله مسئولة عنه أمام الله فلا تنفق شيئا منه إلا بإذنه فإن أنفقت من غير إذنه الخاص بعد حصول إذنه العام وهي تعلم رضاه فلها أجر بقصدها الخير وفعلها له ولزوجها أجر مثله باكتسابه هذا المال لا ينقص أحدهم من أجر الآخر شيئا -[المباحث العربية]- (وزوجها شاهد) أي حاضر ومفعوله محذوف أي شاهد صومها والجملة في محل النصب على الحال (ولا تأذن في بيته) معطوف على تصوم داخل في حيز نفي الحل أي ولا يحل لها أن تأذن والمأذون به محذوف والتقدير أن تأذن بدخول أحد في بيته

стр. 907

(وما أنفقت من نفقة) ما شرطية مفعول مقدم و"من" بيانية (فإنه يؤدي إليه شطره) الجملة جواب الشرط ويؤدي مبني للمجهول وشطره نائب فاعل والشطر النصف أو الجزء -[فقه الحديث]- الكلام عن الحديث يتناول النقاط التالية ١ - آراء الفقهاء في نوع الصوم المنهي عنه وحكمه وأدلتهم وعلة هذا النهي ٢ - آراؤهم في دخول أبي الزوجة بدون إذن الزوج وأدلتهم ٣ - بيان المراد من قوله وما أنفقت من نفقة إلخ ٤ - ما يؤخذ من الحديث وإليك البيان ١ - المراد من الصوم المنهي عنه صوم النفل يدل له ما رواه أبو داود والترمذي "لا تصومن امرأة يوما سوى شهر رمضان وزوجها شاهد إلا بإذنه" وما رواه الطبراني "ومن حق الزوج على زوجته ألا تصوم تطوعا إلا بإذنه" ومثل النفل ما وجب على التراخي وظاهر الحديث أن النهي للتحريم وهو قول الجمهور ونقل النووي عن بعض الشافعية القول بالكراهة والصحيح الأول فلو صامت بغير إذنه صح وأثمت وأمر قبوله إلى الله قال النووي ومقتضى المذهب عدم الثواب وفي علة النهي قيل لأن من حقه الاستمتاع بها في كل وقت وعليه فلو منع من الاستمتاع بها مانع آخر كأن كان مريضا بحيث لا يستطيع التمتع أو كان محرما أو صائما صوما مفروضا أو مسافرا جاز لها التطوع فلو قدم من سفره وهي صائمة فله إفساد صومها من غير كراهة وقال المالكية ليس له ذلك ولا يبتعد أن يكون النهي لما للزوج من حقوق غير التمتع كالمحافظة على صحتها ونضرتها أو على قدرتها على أداء أعمالها في منزلها ورعايتها لأولادها أو على وفرة لبنها إذا كانت مرضعة أو نحو ذلك وعليه فليس لها مهما كان مريضا أو محرما أو صائما أو مسافرا أن تصوم نفلا إلا بإذنه ويكون قيد "وزوجها شاهد" لا

стр. 908

مفهوم له بل خرج مخرج الغالب كقوله تعالى ﴿لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة﴾ ولا مانع أن تكون الحكمة مجموع الأمرين معا ٢ - ولا يحل لها أن تأذن لأحد بدخول بيته كائنا من كان إلا بإذنه ولو كانت امرأة فالفساد بدخول النساء أكثر منه بدخول الرجال ولو كان أبا أو جدا بهذا قال الجمهور وقال المالكية بجواز دخول الأب بغير إذن الزوج وأجابوا عن الحديث بأنه معارض بصلة الرحم لكن يرد عليهم بأن صلة الرحم إنما تندب بما يملكه الواصل والتصرف في بيت الزوج لا تملكه المرأة إلا بإذنه وإذا كانت لا تصل أهلها بماله إلا بإذنه فليس لها أن تصلهم بدخولهم بيته إلا بإذنه ٣ - ونفقة المرأة من بيت زوجها إما أن تكون بإذن خاص كأن يقول تصدقي اليوم على فلان بعشرة وحكمها ظاهر وإما أن تكون ضمن إذن عام كأن يأذن لها بالتصدق من ماله في حدود معينة على جهة مخصوصة وعلى هذا النوع حمل الحديث أي وما أنفقت من نفقة من غير أمره الخاص بعد أمره العام فإن الله يؤدي إليه نصف ثواب هذه الصدقة، ويدل لذلك ما رواه البخاري في الزكاة "كان لها أجرها بما أنفقت ولزوجها أجره بما كسب لا ينقص بعضهم أجر بعض" وما رواه أبو داود في النفقات "إذا أنفقت المرأة من كسب زوجها من غير أمره فله نصف أجره" أما إذا تصدقت من ماله بغير إذن أصلا لا صريحا ولا ضمنا أثمت والأجر له وحمل بعضهم الحديث على تصدق المرأة بغير إذن الزوج من المال الذي يعطيه لها لنفقتها فيكون الأجر بينهما للرجل باكتسابه ولأنه يؤجر على ما ينفقه على أهله وللمرأة لتصدقها بما يخصها يؤيده ما أخرجه أبو داود إنه ﷺ سئل عن المرأة تتصدق من بيت زوجها فقال "لا إلا من قوتها والأجر بينهما ولا يحل لها أن تتصدق من مال زوجها إلا بإذنه" وحمل الخطابي الحديث على ما إذا أنفقت على نفسها من ماله بغير إذنه فوق ما يجب لها من القوت وفسر قوله فإنه يؤدى إليه شطره بأنها تغرم له شطره أي جزءه الزائد على ما يجب لها وهذا الحمل بعيد والإذن في

стр. 909

هذه الأمور مراد به الرضا ولا يشترط فيه القول والعرف في اعتباره هو الحكم -[ويؤخذ من الحديث: ]- ١ - فضل الإنفاق ٢ - إثابة الإنسان على الخير إذا كان سببا فيه ولو لم يعلم ٣ - إعظام حق الزوج على المرأة ٤ - إن حق الزوج آكد من التطوع بالخير لأنه واجب ٥ - احتج به الحنفية والمالكية على وجوب القضاء على من أفطر في صيام التطوع عامدا إذ لو كان للرجل أن يفسد عليها صومها بجماع ما احتاجت إلى إذنه ولو كان مباحا كان إذنه لا معنى له ومن السهل الرد على هذا الاحتجاج بالتأمل في علة النهي المذكور عن قريب

стр. 910

١٧ - عن عائشة ﵂ قالت قال رسول الله ﷺ "إني لأعلم إذا كنت عني راضية وإذا كنت علي غضبى قالت فقلت من أين تعرف ذلك فقال أما إذا كنت عني راضية فإنك تقولين لا ورب محمد وإذا كنت علي غضبى قلت لا ورب إبراهيم قالت قلت أجل والله يا رسول الله ما أهجر إلا اسمك" -[المعنى العام]- في جو من المرح والعتاب والتلطف يضرب الرسول ﷺ المثل الأعلى في تحمل النساء والحلم عن هفواتهن فيقول لزوجته عائشة إني لأعلم حالك وشأنك من حديثك فاعلم إذا كنت راضية عني أو كنت غاضبة مني ولم تدهش عائشة لوثوقها من كمال فطنة الرسول ولكنها لدلالها رغبت في أن تسمع وصفها في الحالين من لسانه الشريف فقالت كيف تعرف ذلك يا رسول الله قال إذا كنت عني راضية ودعا للقسم داع قلت لم أفعل كذا ورب محمد وإذا كنت علي غضبى قلت إذا أقسمت لا ورب إبراهيم قالت عائشة نعم يا رسول الله هذه حالي ولكن لا يخطر ببالك تغير قلبي وتحوله عنك وهجره لذاتك الشريفة حين أغضب فوالله لا أهجر حينذاك إلا اسمك الشريف على مضض مني وتألم فأظهر الصدود بلساني وقلبي بذاتك متعلق وحبي لك ثابت وهواك في نفسي لا يتغير -[المباحث العربية]- (إني لأعلم إذا كنت عني راضية) أكد النبي الكلام بأن واللام لتنزيل عائشة منزلة المنكر للحكم وسبب هذا التنزيل إخفاؤها غضبها عنه ﷺ وإذا ظرف لمفعول أعلم المحذوف والتقدير أعلم شأنك وقت رضاك عني وقد استدل ابن مالك بمثل هذا الحديث على خروج "إذا" عن الظرفية وأعربها مفعول أعلم والجمهور على خلافه

стр. 911

(من أين تعرف ذلك) أصل "أين" ظرف للمكان والمراد هنا السببية فكأنها قالت بأي شيء تعرف ذلك والمشار إليه مفعول أعلم (لا ورب محمد) لا حرف نفي وقعت جوابا عن كلام سابق وجواب القسم محذوف تقديره ورب محمد لم أفعل (أجل) حرف جواب بمعنى نعم (والله ما أهجر إلا اسمك) عبرت بالقسم والقصر لتأكيد مضمون الجملة وزيادة تقريره في ذهن الرسول وإنما كان غضبها من شدة غيرتها على النبي وقوة حبها له ﵇ استدل بهذا الحديث على كمال فطنة عائشة ﵂ من وجوه (أ) تخصيصها إبراهيم ﵇ دون غيره لأنه ﷺ أولى الناس بإبراهيم كما في التنزيل فلما لم يكن بد من هجر اسمه الشريف أبدلته ممن هو منه بسبيل حتى لا تخرج عن دائرة التعلق في الجملة (ب) تعبيرها بهذا الحصر الدال على غاية اللطف لأنها أخبرت أنها إذا كانت في نهاية الغضب الذي يسلب العاقل اختياره لا تنحرف عن كمال المحبة فلا يهجر قلبها من أغضبها بل يظل على وده وتعلقه (جـ) تعبيرها بالهجران بدل الترك لأنه يدل على أنها تتألم من هذا الترك الذي لا اختيار لها فيه كما قال الشاعر إني لأمنحك الصدود وإنني قسما إليك مع الصدود أميل -[ويستفاد من الحديث: ]- - استقراء الرجل لحال المرأة من فعلها وقولها فيما يتعلق بالميل وعدمه ٢ - الحكم بالقرائن لأن النبي ﷺ حكم برضا عائشة وغضبها بمجرد ذكرها اسمه الشريف وسكوتها عن ذكره ٣ - وفيه حسن معاملته ﷺ لزوجاته أمهات المؤمنين

стр. 912

٤ - وفيه إرشاد للزوجات لما ينبغي أن يكون عليه إذا غضبن من أزواجهن ٥ - وفيه فضيلة عائشة ﵂ ٦ - وفيه وجد النساء والمهن ٧ - وفيه ملاطفة كل من الزوجين صاحبه في بحبوحة من الظرف والأدب ٨ - استدل به على أن الاسم غير المسمى في المخلوقات إذ لو كان الاسم عين المسمى لكانت بهجره هاجرة لذاته وليس كذلك

стр. 913

كتاب الطلاق ساق البخاري أحاديث في حقوق المرأة على الرجل وأتبعها أحاديث أخرى في حقوق الرجل على المرأة ثم ضرب المثل الأعلى للزوجية الكاملة ثم ألحق بذلك الطلاق وهو لغة حل القيد وشرعا حل عقد النكاح بلفظ الطلاق ونحوه وفي مشروعية النكاح مصالح العباد الدينية والدنيوية وفي الطلاق إكمال لها إذ قد لا يوافقه النكاح فيطلب الخلاص عند تباين الأخلاق وفي جعله عددا حكمة لطيفة فقد خلق الإنسان من عجل كما خلق هلوعا فربما يتسرع حين يضيق صدره فيفصم عروة النكاح فإذا ما هدأ ندم فرحمة به وإشفاقا عليه شرعه سبحانه ثلاثا فإن وقع الثالث كان من الحكمة تأديبه وعلاج استهتاره ببعض القسوة بأن تنكح زوجا غيره قبل أن تعود إليه فتبارك الله أحكم المشرعين ١٨ - عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه طلق امرأته وهي حائض على عهد رسول الله ﷺ فسأل عمر بن الخطاب رسول الله ﷺ عن ذلك فقال رسول الله ﷺ "مره فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء أمسك بعد وإن شاء طلق قبل أن يمس فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء" -[المعنى العام]- طلق ابن عمر امرأته وهي حائض بعد أن بينت الشريعة عدة المطلقة

стр. 914

بأنها ثلاثة قروء وشعر عمر بالإيذاء الذي يلحق المرأة من ذلك بطول عدتها فسأل رسول الله ﷺ عن حكم طلاق ابنه قال يا رسول الله إن ابني طلق امرأته وهي حائض فغضب النبي ﷺ وتغيظ ثم قال مر ابنك فليراجع امرأته ثم ليستمر على إمساكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء استمرار الإمساك أمسك بعد وإن شاء التطليق طلق قبل أن يمس في هذا الطهر فتلك الحالة من وقوع الطلاق في طهر لم تمس فيه هي التي أذن للرجال أن يطلقوا فيها النساء لتستقبل المرأة عدتها دون تطويل -[المباحث العربية]- (طلق امرأته) آمنة بنت غفار وقيل اسمها النوار ويمكن الجمع بأن اسمها آمنة ولقبها النوار (وهي حائض) لم يؤنث لفظ حائض ليطابق المبتدأ لأن الصفة إذا كانت خاصة بالنساء فلا حاجة لتأنيثها والجملة في محل النصب على الحال (على عهد رسول الله) أي في زمنه وأيامه والجار والمجرور متعلق بطلق قال العيني وأكثر الرواة لم يذكروا هذا لأن قوله "فسأل عمر رسول الله" يغني عنه (عن ذلك) الإشارة إلى الطلاق بتقدير مضاف أي عن حكم الطلاق على هذه الصفة (مره) الخطاب لعمر والضمير المنصوب لابنه أي مر ابنك وأصل "مر" أؤمر بهمزتين الأولى همزة الوصل مضمومة تبعا لثالث الفعل فإن وصل بما قبله سقطت نحو قوله تعالى ﴿وأمر أهلك بالصلاة﴾ والثانية فاء الكلمة فحذفوها تخفيفا ثم حذفت همزة الوصل استغناء عنها لتحرك ما بعدها (ثم ليمسكها) بإعادة اللام وهي مكسورة على الأصل في لام

стр. 915

الأمر فرقا بينها وبين لام التوكيد وإسكانها بعد الفاء والواو أكثر من تحريكها وقد تسكن بعد ثم قال تعالى ﴿ثم ليقضوا تفثهم﴾ والمراد من الأمر بالإمساك الأمر باستمراره لأن المراجعة المأمور بها إمساك (فتلك العدة) الإشارة إلى مدة الطهر والكلام على حذف مضاف أي زمن العدة (التي أمر الله) الأمر هنا مجاز عن الإذن (أن يطلق لها النساء) المصدر مجرور بحرف محذوف أي أذن الله في تطليق النساء مستقبلات لها -[فقه الحديث]- تتلخص نقاط الحديث فيما يأتي ١ - أحوال الطلاق وأحكامه من حيث الحاجة إليه وعدمها ومن حيث زمن إيقاعه ٢ - آراء الفقهاء في أخذ الأمر من قوله "مره" وكونه للوجوب أو للندب مع أدلتهم ٣ - علة تأخير الطلاق في الحديث إلى الطهر الثاني وحكم ذلك ٤ - ما يؤخذ من الحديث وإليك التفصيل ١ - روى أبو داود وغيره عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ "أبغض الحلال عند الله الطلاق" لكنه يختلف حكمه باختلاف المقاصد والأغراض فقد يكون واجبا كطلاق المولى إذا انقضت مدة الإيلاء ولم يرجع وطالبت الزوجة بحقها وقد يكون مندوبا كطلاق سيئة الخلق سوءا لا يحتمل وقد يكون حراما كطلاق من ظلمها في القسم قبل أن يقضى لها وقد يكون مكروها كطلاق مستقيمة الحال وقد يكون مباحا كطلاق من
следующие страницы →