Полный текст (80 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الكتاب: المجاز عند الإمام ابن تيمية وتلاميذه بين الإنكار والإقرار
المؤلف: د. عبد العظيم إبراهيم محمد المطعني
الناشر: مكتبة وهبة
الطبعة الأولى ١٤١٦ هـ - ١٩٩٥ م
عدد الأجزاء: ١
تنبيه:
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
جَزَى اللَّهُ كَاتِبَهُ وَمَنْ تَحَمَّلَ نَفَقَةَ الْكِتَابَةِ خَيرَ الجَزَاءِ وَأَوفَاهُ.
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من أقوال الأئمة عن المجاز
"ولو كان المجاز كذباً. وكل فعل ينسب إلى غير الحيوان باطلاً، كان أكثر كلامنا فاسداً؛ لإنَّا نقول: نبت البقل، وطالت الشجرة، وأينعت التمرة، وأقام الجبل، ورحض السعر".
ابن قتيبة
"ومن قدح في المجاز، وهم أن يصفه بغير الصدق فقد خبط خبطاً عظيماً، وتهدَّف لما لا يخفى ... كيف وبطالب الدين حاجة ماسة إليه من جهات يطول عدُّها. وللشيطان من جانب الجهل به مداخل خفيه، يأتيهم منها فيسرق منهم دينهم وهم لا يشعرون؟ ويلقيهم في الضلالة من حيث يظنون أنهم مهتدون".
عبد القاهر الجرجاني
"ولو سقط المجاز من القرآن سقط شطر الحسن".
بدر الدين الزركشي
стр. 3
الفصل الأول الإمام ابن تيمية
حين يذكر الإمام ابن تيمية بين منكري المجاز فإنه يمثل في هذا المقام قطب الدائرة، لأن من أنكر المجاز قبله لم يتحمسوا للإنكار حماسته، ولم يثوروا ثورته، ولم ينزحوا نزحه، ولو يقلبوا وجوه القول تقليبه، ولم يكن بين أيديهم من دواعي الإنكار ما كان بين يديه.
فقد أدار ابن تيمية ﵀ المعركة من جديد بسلاح جديد، واستأنف البحث من حيث لم يدر سابقوه، ولم يعتمد الإمام في إنكار المجاز على الأسباب التي أعتمد عليها سابقوه بل اجتهد ما وسعه الإجتهاد في التترس بدروع أخرى، وأخذ يرمي من ورائها سهامه.
وقد أعانه على ذلك إطلاع أتسعت أفاقه، وعقل أحتد ذكاؤه، وقدرة على الجدل والنظر لم تتجمع آلاتها في رجل كما تجمت فيه، إلى سبب اخر نعتبره نحن - كما اعتبره غيرنا - سبب الأسباب وراء تلك الحملة الضاربة التي شنها الإمام ابن تيمية على المجاز ومجوزيه.
ذلك السبب هو دخول المجاز - قبله وفي عصره - في مباحث العقيدة والتوحيد، وتعلقه بصفات الباري وأن فريقاً من علماء الكلام أوسعوا دائرة التأويل في النصوص المقدسة من غير ضرورة. وأدعوا أن لألفاظ القرآن الحكيم ظاهراً وباطناً يخالف كل منهما الآخر. وتعسفوا في التأويل - كما قال الإمام عبد القاهر الجرجاني من قبل - وذكر صوراً كثيرة لفوضاهم في التأويل، وعبثهم في استنباط المعاني، مما لا يؤيده نقل ولا يسلم به عقل ولا يقر به ذوق.
ودخول المجاز في هذا المجال الخطير - مجال العقيدة والتوحيد - بعد أن كان قضية بلاغية نقدية، ولغوية جمالية، هو الذي أسعر نار الثورة على المجاز عند الإمام؛ لأنه رأي في مثل تأويل "يد الله" بالقدرة تعطيلاً لصفة من صفات الله،
стр. 4
وليت الأمر وقف عند هذا الحد، ولكن بعض الخلف المتوسعين في التأويل رموا السلف - فيما حكاه الإمام ابن قيم الجوزية - بعدم الفهم، حيث رأوا أن مذهب السلف هو مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث من غير فقه ولا فهم لمراد الله ورسوله منها، واعتقدوا أن السلف بمنزلة الأميين الذين قال الله فيهم ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيّ....﴾
وهذا بلا نزاع تظاول على علماء السلف الأبرار، وطعن للمة في واحدٍ من أخطر مقاتلها، فلمذهب السلف وزنه وتقديره وهم من أهل القرون الأولى التي وصفها الصادق المصدوق ﷺ بالخيرية.
هذه العوامل هيى التي دعت شيخ الإسلام بن تيمية لإنكار المجاز، وبشدة لم يعرف لها من قبله مثيل.
موطن إنكار المجاز عن شيخ الإسلام: _
وعلى كثرة ما كتب الإمام ابن تيمية فإننا نراه تصدى لإنكار المجاز - بتوسع - في كتابه الموسوم بـ "الإيمان" وكان السبب المباشر لهذا الإنكار هو إبطال مذهب المرجئة والجهمية والكرامية في تحقيق معنى الإيمان.
وكان هؤلاء يقولون: إن الأعمال الصالحة لا تدخل في حقيقة الإيمان، بل الإيمان هو الاعتقاد وأما الأعمال الصالحة فإطلاق الإيمان عليها من باب المجاز.
ولا سبيل الآن لذكر كل ما قاله الإمام في إنكار المجاز، لذلك نكتفي بذكر الدعائم التي بني عليها الإنكار وأفاض في بيانها ما أفاض. تلك الدعائم هي: -
стр. 5
١- إن سلف الأمة لم يقولوا به، ولم يقسموا الكلام صراحة إلى حقيقة ومجاز إلا عبارة وردت عن الإمام أحمد إمام المذهب الحنبلي قال فيها "هذا من مجاز اللغة" توجيهاً لما ورد في القرآن من "إنَّا ونحن" حديثاً عن نفسه، وقد فسرها الإمام ابن تيمية تفسيراً يُبْعِدها عن المجاز.
٢- إنكار أن يكون للغة وضع أول تفرع عنه المجاز باستعمال اللفظ في غير ما وضع له أولاً كما يقول المجازيون.
٣- إنكار التجريد والإطلاق في التراكيب اللغوية، بل هي دائماً مقيدة بأي نوع من القيود، وهدفه من هذا وأد فكرة المجاز؛ لأن المجازيين يقولون ان التركيب المطلق الخالي من التقييد بالقرائن المجازية حقيقة لغوية، أما المقيد بتلك القرائن فهو مجاز.
٤- إن المجاز نشأ وترعرع في بيئات المعتزلة والجهمية ومن وافقهم.
٥- مناقشة النصوص التي استدل بها مجوزو المجاز وإخراجها من المجاز.
هذه الدعائم هي التي أدار عليها الإمام الحديث عن نفي المجاز لا في القرآن وحده، ولكن فيه وفي اللغة بوجه عام ومن يقرأ ما كتبه في الإيمان يجزم بأن الإمام ابن تيمية ليس له في المجاز مذهب سوى الإنكار القاطع.
وقد شاع هذا عن هذا الإمام الجليل، وصار مذهباً يتميك به كثيراً من أهل العلم، وإلى عهدٍ قريب كنا ممن يسلم بأن الإمام ينكر المجاو إنكاراً قاطعاً، وأن تلميذه البار العلامة ابن قيم الجوزية ليس له موقف من المجاز إلا موقف شيخه الإمام وأن ما كتبه ابن القيم في كتابه: الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، هو امتداد لما كتبه الإمام ﵄ ومقصد الكتابين واحد:
هو إنكار المجاز في اللغة وفي القرآن الكريم. ولا موقف لهما سواه.
стр. 6
ولكن: -
ولكن دعتنا بعض المناسبات في البحث العلمي الأكاديمي فأطالنا الاطلاع على مصنفات الشيخين الجليلين في غير الإيمان والصواعق، وقضينا أكثر من ثلاث سنين نواصل الاطلاع على أعمالهما العلمية الأخرى الصحيحة النسبة إليهما، وخرجنا من واقع ما كتباه بأن للإمامين الجليلين مذهباً آخر في المجاز يزاحم مذهب الإنكار، هو مذهب الإقرار مع حمل كثير من النصوص الشرعية عليه، ثم الاحتجاج به في الدفاع عن الأئمة الأعلام من رجال السلف الصالح ومؤسسي المذاهب الفقهية واتباعهم من الفقهاء ﵁ أجمعين.
أدلة هذا المذهب:
وأدلة هذا المذهب غير المشهور عند الإمامين الجليلين كما ظفرنا عليها في أعمالهما العلمية ثلاثة أنواع عند كل منهما.
النوع الأول: تأويلات مجازية نقلاها عن غيرهما من علماء السلف، ثم ارتضياها وسلماً بها.
النوع الثاني: تأويلات مجازية استأنفاها ولم يروياها عن أحد غيرهما.
النوع الثالث: ورود المجاز عندهما لفظاً ومعنى في حر كلامهما. والإحتجاج به في الدفاع عن سلامة الإعتقاد في مواجهة بعض الطاعنين في النصوص الشرعية.
ونبدأ بالإمام ابن تيمية على نفس المنهج الذي ذكرناه وبالله التوفيق:
стр. 7
التأويلات التي نقلها ثم ارتضاها
نقل الإمام ابن تيمية عن السلف تأويلات كثيرة، صُرِف فيها اللفظ عن ظاهره ومن ذلك:
معية الله وقربه من خلقه:
حكى الإمام في معية الله وقربه مذاهب، وارتضى منها مذهباً واحداً هو المذهب الرابع، ونسبه إلى سلف الأمة من أئمة الدين والعلم وشيوخ العلم والعباد كما يقول الإمام نفسه: "إنهم أمنوا بجميع ما جاء به الكتاب والسنة من غير تحريف للكلم، وأثبتوا أن الله تعالى فوق سمواته، وأنه على عرشه بائن من خلقه، وهم بائنون منه، وهو أيضاً مع العباد - عموماً - يعلمه، ومع أنبيائه وأوليائه بالنصر والتأييد والكفاية".
وبعد أن أسند هذا التأويل إلى السلف - عموماً - عاد فأسنده إلى الإمام أحمد شيخ المذهب، قال: إن حنبل بن إسحق سأل الإمام أبا عبد الله عن قوله تعالى: ﴿إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا....﴾ فقال: علمه: عالم الغيب والشهادة محيط بكل شيء".
إذن فلفظاً المعية والقرب هنا مصروفان عن ظاهرهما، والسر في هذا الصرف هو نفي المماسة الحسية، وها ما يقوله مجوزو المجاز في مثل هذه المواضع القرب والمعية - وهما عند المجازيين إن لم تُسغْ فيهما الكناية لجواز إرادة المعنى الظاهر فيعل ساغ فيهما المجاز المرسل بكل يسر.
البقرة وآل عمران:
ثم قال الإمام ابن تيمية أن النبي ﷺ قال:
"أقرأوا البقرة وآل عمران فإنهما يجيئان يوم القيامة يحاجان عن أصحابهما" وهذا الحديث في الصحيح.... فلما أمر بقراءتهما وذكر مجيئهما يحاجان عن القارئ علم أنه أراد بذلك ... عمله ... " فهذا تأويل أخر، وهو عند
стр. 8
علماء البيان مجاز مرسل علاقته السببية. حيث ذكر فيه السبب، وهو السورتان المقروءتان وأراد المسبب. وهو الثواب.
ضرر الأصنام ونفعها:
في القرآن آيات كثيرة تقرر أن الأصنام - وكل معبود من دون الله - لا تنفع ولا تضر - وفي سورة الحج وردت آيتان أولاهما تنفي النفع والضرر عن الأصنام، وهي قوله تعالى:
﴿يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾
والأخرى تثبت للصنام ضراً ونفعاً من حيث الظاهر، وهي قوله تعالى:
﴿يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾
والطاعنون في القرآن قبل عصر الإمام وفي عصره أدَّعَوْا أن في القرآن تناقصاً، وتصدي علماء قبل الإمام للرد عليهم، فلما جاء الإمام تصدي في بصر وبصيرة لوأد هذه الشبهة، فذكر دفوع سابقيه، ومع موافقته عليها قال أنها لم تدفع دعوى التناقص فانبرى لدفعه وأصاب كل الإصابة فماذا قال أثابه الله؟.
دَفْع الإمام ابن تيمية: -
لم يكتف الإمام بما ذكره الثعلبي والبغوي والزمخشري والسُّدي؛ لأن ما ذكروه في الرد على الطاعنين لم يف بالمطلوب، فقال:
المنفي هو فعلهم بقوله: ﴿مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ﴾ والمثبت اسم مضاف إليه، فإنه لم يقل: يضر أعظمَ مما ينفع، بل قال: ﴿لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾ والشيء يضاف إلى الشيء بأدنى ملابسة، فلا يجب أن يكون الضر والنفع المضافان من باب إضافة المصدر للفاعل.
стр. 9
بل قد يضاف المصدر من جهة كونه اسماً كما تضاف سائر الأسماء، وقد يضاف إلى محله وزمانه ومكانه وسبب حدوثه وإن لم يكن فاعلاً، كقوله: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ ولا ريب ان بين المعبود من دون الله، وبين ضرر عابديه تعلق يقتضي الإضافة".
هذا التخريج الذي ذكره الإمام هو بعينه الذي يقوله البلاغيون في هذا النص الكريم وفيما ماثله، وكل ما في الأمر أن البلاغيين يسمونه مجازاً اسنادياً أو حكمياً، والإمام يتوقف عن هذه التسمية، والتسمية لا تأثير لها على حقيقة المسمى: سلباً أو إيجاباً وقد فطن الإمام إلى أن النسب الإضافية مثل النسب الوقوعية والنسب الإيقاعية في العلاقات الإسنادية، وهذا موضع اتفاق عند البلاغيين في مبحث المجاز الحكمي.
كما أن الإمام ذكر من علاقات هذا المجاز ثلاثاً: هي المكانية والزمانية والسببسة، وطبق علاقة السببية على الآية الحكيمة فأجاد وأصاب، فالضر الواقع على عابدي الأصنام هو فِعلُ الله وحده. أما اضافته إلى ضمير الصنم فلأن الله أضر المشرك بسبب عبادته لمن دونه.
وصفوة القول: أن الإمام ابن تيمية مقر بالتأويل المجازي وإن لم يسمه مجازاً. وأنه أتخذ منه وسيلة للدفاع عن سلامة العقيدة، وتبرئة ساحة كتاب الله العزيز من المطاعن.
واستشهاده بآية ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ والتنظير بينها وبين آية ﴿يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ﴾ يتسق تماماً مع مجوزي المجاز من بلاغيين وأصوليين ومفسرين.
وقد حلل الإمام نصوصاً شرعية أخرى على هذا المنوال، منها قول الخليل
стр. 10
عليه السلام: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ....﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ .
وقوله ﷺ "أهلك الناسَ الدرهم والدينار، وأهلك النساء الأحمران: الذهب والحرير".
كل هذه النصوص حللها على أن إسناد الإضلال وزيادة التتبيب، وإهلاك الناس والنساء إلى الأصنام والدرهم والدينار، والذهب والحرير روعي فيها أن هذه المذكورات أسباب أما الفاعل الحقيقي فهو الله .
ومجوزو المجاز من البلاغيين يحللونها هذا التحليل بلا نقص ولا زيادة عما قاله الإمام، اللهم إلا إطلاق مصطلح المجاز الحكمي عليها.
فابن تيمية بلاغي مجازي - هنا - بلا نزاع.
وأكاد أجزم أن قضية ضر الأصنام ونفعها التي عالجها الإمام بحكمة واقتدار لم يكن لها من خرج أمامه، ولا أمام أحد من علماء الإسلام سوى هذه السبيل التي نهجها الإمام ابن تيمية، وهي سبيل التخريج على المجاز الإسنادي الحكمي الذي ينبغي الصيرورة إليه إذا دعت ضرورة شرعية أو عقلية.
التأويل الاستعاري:
وللإمام ﵁ تأويلات أخرى صرَّح فيها بنقل الألفاظ مفردة ومركبة من معانيها الوضعية إلى معان طارئة، وصرح فيها بضرب المثل وتشبيه مضربه بمورده وهذا كله مدرج عند علماء البيان في باب الإستعارة مفردة كانت أو مركبة.
فمما يحمل على الإستعارة المفردة من تأويلاته قوله في قوله تعالى:
﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾ فقد قال فيه:
стр. 11
"فالمهتدون لما كانوا على هدى من ربهم ونور، وبينه وبصيرة صار مكانة لهم استقروا عليها".
والبيانيون يتصرفون في هذه الآية مثل تصرف الإمام ومنهم من يجعل الإستعارة فيه مركبة ومنهم من يجعلها مفردة.
وكذلك تأويله لقوله تعالى:
﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ قال الإمام معقباً على هذه الآية:
"النور ضد الظلمة ولهذا عقب ذكر النور وأعمال المؤمنين فيها بأعمال الكفار وأهل البدع والضلال" فقال: د
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ إلى قوله: ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ....﴾ .
وبعد محاولة منه لشرح معنى النور في جانب المؤمنين، ومعنى الظلمات في جانب الكافرين قال:
"يوضح ذلك أن الله ضرب مثل إيمان المؤمنين بالنور ومثل أعمال الكفار بالظلمة".
هذا التحليل الذي ذكره الإمام يتضمن استعارتين: استعارة النور للإيمان، واستعارة الظلمة للكفر، أما الايتعارة التمثيلية التي استلزمها كلامه في مواضع متعددة فمنها المثل الذي ساقه وهو:
"يداك أوكتا، فوك نفخ" إذا قيل لمن جنى جناية ثم انكرها.
وترديد المثل في مضاربه بعد مورده أجمع البيانيون على أنه استعارة تمثيلية أو مجاز مركب.
стр. 12
نكتفي بهذا القدر من التأويلات توضيحاً للمجاز ثم نأتي إلى ما هو أهم وهو:
ورود المجاز في حر كلام الإمام ابن تيمية: -
ورد المجاز في حر كلام الإمام بن تيمية مع التسليم به وتوظيفه في جدله مع الخصوم في الرأي أو العقيدة.
النزاع بين مجوزي المجاز ومانعيه لفظي: -
هذه العبارة قالها الإمام ابن تيمية، وقد أوردها لحسم نزاع وقع بين بعض الناس حول:
هل ما نسمعه من أوصوات قراء القرآن هو كلام الله نفسه، أم الصوت ليس كلام الله وإنما التراكيب والمعاني.
ويدفع الإمام هذا الخلاف بأن الفرق كبير بين من يرى الشمس أو القمر بلا واسطة، وبين من يراهما في المرآة أو على سطح الماء. ثم يقول بعد ذلك بالحرف الواحد:
"واللفظ يختلف معناه بالإطلاق والتقييد، فإذا وُصِل بالكلامما يغير معناه كالشرط والاستثناء ... كقوله تعالى: "أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ كان هذا المجموع دالاً على تسعمائة وخمسين سنة بطريق الحقيقة عند جميع المسلمين ومن قال إن هذا مجاز فقد غَلِط، لأن هذا المجموع لم يستعمل في غير موضعه، وما يقترن باللفظ من القرائن الموضوعية هو من تمام الكلام، ولهذا لا يحتمل الكلام معها معنيين ولا يجوز نفي مفهموما. بخلاف استعمال لفظ الأسد في الرجل الشجاع، مع أن قول القائل: هذا اللفظ حقيقة وهذا مجاز نزاع لفظي، وهو مستند من أنكر المجاز في اللغة أو في القرآن".
стр. 13
نستخلص من هذا النص طائفة من النتائج المهمة بالنسبة لموضوع الندوة.
أولاً - إقرار الإمام بالوضع اللغوي الأول ثم اقراره بالنقل منه إلى الاستعمال المجازي. د
ثانياً - إقراره بتقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز.
ثالثاً - إقراره بالقرائن المجازية وأثرها في تبيين ما هو مجاز مما هو حقيقة.
رابعاً - ثم إقراره بالمجاز جملة وتقصيلاً وعزوه الخلاف بين مجوزي المجاز ومانعيه في اللغة أو في القرآن إلى الخلاف اللفظي.
وهذه الأمور جميعاً كانت موضع إنكار فيما كتبه في كتاب الإيمان.
ونتساءل: هل يعتبر هذت رجوعاً من الإمام عما كتبه هناك أم ما كتبه هناك رجوع عما كتبه هنا؟ هذا التساؤل كان من الممكن الإجابة عليه لو كنا نعلم السابق واللاحق من تأليفه. مع ملاحظة أن ما سيأتي يرجح الرجوع عما سجله يرجح الرجوع عما سجله في كتاب الإيمان.
والذي يفهم جلياً من هذا النص أن الإمام ابن تيمية من مجوزي المجاز في اللغة وفي القرآن. وأن ما ذكره في آية العنكبوت هو مناقشة في مثال لا في مبدأ.
نص ثان ورود المجاز عند الإمام: -
وقد ورد المجاز في حر كلام الإمام في نص ثان قال فيه بالحرف "ولم ينطق بهذا - يعني المجاز - أحد من السلف والأئمة، ولم يعرف لفظ المجاز في كلام أحد من الأئمة إلا في كلام الإمام أحمد - يعني - شيخ المذاهب - فإنه قال في الرد على الزنادقة والجهمية هذا من مجاز اللغة. وأول من قال ذلك مطلقاً ابو عبيدة في كتابه الذي صنفه في مجاز القرآن. ثم إن هذا كان عند الأوليين مما يجوز في اللغة ويسوغ، فهم مشتق عندهم من الجواز كما يقول الفقهاء عقد لازم وجائز، وكثير من المتأخرين جعله من الجواز الذي هو العبور من معنى الحقيقة إلى معنى المجاز ثم إنه
стр. 14
لا ريب أن المجاز قد يشيع ويشتهر حتى يصير حقيقة".
هذا النص يعتبر وصفاً تاريخياً لنشأة المجاز وتطوره والنظر في عباراته يقفنا أمام رجل مقر بالمجاز، وبخاصة قوله ﵀.
"ثم إن المجاز قد يشيع ويشتهر حتى يصير حقيقة" وهي عبارة صحيحة.
ومن المجاز المشتهر عند الإمام نفسه تسمية الضيافة نُزُلاً، ونعني بالضيافة ما يقدم للضيف مما يشرب أو يؤكل، وفيها يقول الإمام بالحرف:
"فإن النزل إنما يطلق على ما يؤكل، قال تعالى: ﴿فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ﴾ والضيافة سميت نزلاً؛ لإن العادة أن الضيف يكون راكباً فينزل في مكان يؤتى إليه بضيافة فيه، فسميت الضيافة نزلاً لأجل نزوله".
هذا المجاز المشتهر الذي صار حقيقة هو في الأصل مجاز مرسل عند علماء البيان.
نص ثالث
ومن ورود المجاز في حر كلام الإمام ولم يعقب عليه بإنكار ما نقله عن أبي عمرو في مذهب السلف في الصفات الآلهية.
فقد سئل أو عمرو: هل السلف يؤولونها تأويلاً مجازياً أو يبقونها على الحقائق اللغوية.
فأجاب أبو عمرو بما رواه عنه الإمام بن تيمية فقال:
"أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة في الكتاب والسنة، والإيمان بها، وحملها على الحقيقة لا على المجاز، غير أنهم لا يكيفون".
стр. 15
وهذا النص على قصره يفيد:
* إن الإمام أرتضى إجابة أبي عمرو، ولم ينكر ذكر المجاز فيها ولا في السؤال الذي أجاب عنه أبو عمرو.
* وإن السلف كانوا يعرفون تقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز ولكنهم لا يؤولون صفات الباري تأويلاً مجازياً، بل هي حقائق عندهم.
وقضية إنكار تأويل الصفات ليس معناها إنكار المجاز رأساً فهما قضيتان منفصلتان.
نص رابع:
ويقول ﵁ في تفسير الدعاء في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ وكان قبلاً قد فسر الدعاء تفسيرين:
أحدهما بمعنى العبادة.
والثاني بمعنى الطلب. ثم قال هنا:
فقوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي﴾ يتناول نوعي الدعاء: وبكل منهما فُسَّرت الآية:
قيل: أُعطيه إذا سألني. وقيل أُثيبه إذا "عبدني". والقولان متلازمان.
ثم يقول:
"وليس هذا من استعمال اللفظ المشترك في معنييه كليهما. أو استعمال اللفظ في حيقيقته ومجازه. بل هذا استعماله في حقيقته المتضمنة للأمرين جميعاً".
يريد الإمام أن يقول: إن دلالة الدعاء على العبادة والطلب دلالة تواطؤ لا دلالة اشتراك ولا مجاز.
стр. 16
نص خامس:
وفي رده على من سوَّى في التفسير بين الأستواءين في قوله تعالى:
﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا..﴾ . وقوله تعالى ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ وقد فسَّر فريق من العلماء الإستواء إلى السماء بالعمد والقصد إليها لخلقها.
والإمام ابن تيمية يرفض ان يكون الإستواء على العرش مثل الإستواء إلى السماء، ملاحظاً الفرق بين أداة التعدية إلى الفعلين: في الإستواء الأول عُدَّىِ الفعل بـ إلى وفي الإستواء الثاني عدى بـ على. فلا يفشر على العرش بالعمد للفرق بين معنيي الاستواءين. وفي هذا الفرق يقول بالحرف:
"فإذا كان العرش مخلوقاً قبل خلق السموات فكيف يمكون استواؤه عَمْده إلى خلقه له؟ لو كان يعرف في اللغة أن استوى على كذا بمعنى عمد إلى فعله، وهذا لا يعرف قط في اللغة لا حقيقة ولا مجازاً، لا في نظم ولا في نثر".
هذا قوله، وهو صواب بلا نزاع. وشاهدنا فيه أن الإمام ﵁ قد ذكر الحقيقة والمجاز في حر كلامه. ولم يُشم من كلامه - هنا - رائحة إنكار للمجاز.
نص سادس.
وفي نص أخر له يشنَّع ﵀ على من يجهل الفروق بين دلالات اللغة، ويجهل دلالات الحقيقة والمجاز، ورد هذا النص رداً على من يدعي أن استواء الله على العرش يتناول شيئاً من صفات المخلوقين فقال بالحرف كذلك:
"فمن ظن أن هذا الاستواء إذا كان حقيقة يتناول شيئاً منه مع كون النص قد خصه بالله. كان جاهلاً جداً بدلالات اللغات ومعرفة الحقيقة والمجاز".
هذا كلام الإمام، وهو دليل قاطع على أخذه بالمجاز واعتماده.
стр. 17
الدفاع عن الأئمة الأعلام: -
ةفي دفاعه عن الأئمة الأعلام من مؤسسي المذاهب الفقهية وكبار تلاميذهم وتابعيهم من أهل السنة والجماعة رأينا الإمام ابن تيمية ﵀ يتخذ من المجاز سلاحاً للدفاع عنهم، وكان بعض المبطلين قد طعن فيهم، لأنهم وقفوا من بعض أحاديث النبي ﷺ مواقف متباينة: بعضهم يقبل حديثاً وآخر يرده، بعضهم يصحح حديثاً وأخر يضعفه، بعضهم يفهم من حديث معنى، وأخر يخالفه. ولما كث اللغط حول هذه الظاهرة انبرى الإمام ابن تيمية اثابه الله، ووضع رسالة صغيرة الحجم جمة الفوائد اسماها "رفع الملام عن الأئمة الأعلام".
وبر أفيها ساحة الأئمة من مخالفة الرسول ﷺ وأدار دفاعه عنهم على عشرة أسباب. وفي السببين السادس والثامن ذكر الحقيقة والمجاز والاختلاف بين دلالتيهما ركيزة من ركائز الدفاع عنهم فقال في السبب السادس ما نصه:
" وتارة يكون مشتركاً، أو مجملاً، أو متدداً بين حقيقة ومجاز، فيحمله - أي الفقيه - على الأقرب عنده وإن كان المراد هو الآخر".
وفي السبب الثامن يستهل الحديث بتعارض الدلالات فيقول:
"اعتقاده - يعني الفقيه - أن تلك الدلالة قد عرضها ما دلَّ على أنها غير مراده".
مثل معارضة العام بخاص، أو المطلق بمقيد، أو الأمر المطلق بما ينفي الوجوب، أو الحقيقة بما يدل على المجاز، إلى - أخر - أنواع المعارضات، فإن تعارض دلالات الأقوال، وترجيح بعضها على بعض بحر خضم".
стр. 18
هذا ما تيسر ذكره من أقوال شيخ الإسلام ابن تيمية مما وردج ذكر المجاز صريحاً فيها في حر كلامه، ودلالتها على موقفه العام من المجاز وارتضائه إياه أمر لا يسوغ دفعه، ولا التقليل من شأنه.
وهذا يعتبر رجوعاً منه عما كتبه في الإيمان، فقد أقر في ما نقلناه عنه آنفاً بكل ما أنكره هناك. ومن يتمسك بعد ذلك بأن الإمام ابن تيمية لم يقر بالمجاز في حر كلامه فعليه أن يتصرف في هذه الأقوال القاطعة التي وردت عنه في مواضع متعددة من مؤلفاته، وفي حر كلامه. عليه أن يتصرف فيها إما بإنكار ورودها عنه، وليس إلى ذلك من سبيل، أو بتجريدها مما تدل عليه، وليس إلى ذلك من سبيل كذلك.
فلم يبق إذن إلا التسليم بأن للإمام بن تيمية مذهبين في المجاز هما:
مذهب جدلي نظري أنكر فيه المجاز في اللغة وفي القرآن الكريم، وقد دعاه إلى ذلك فزضى التأويل في عصره وقبل عصره، عملاً بالأصل المعروف لدى علماء أصول الفقه، وهو: سد الذرائع.
ومذهب عملي سلوكي طبقه على آيات من الذكر الحكيم كما تقدم.
ولا عجب ولا تناقض في موقفه من المجاز عند التحقيق فهم إمام جليل واسع المعرفة، ومناضل قدير، وفقيه مبرَّز، ومجتهد واع، ومن كانت هذه صفاته فله أن يتغير اجتهاده كسابقيه من الأئمة الفقهاء الأعلام. والمجاز - عموماً - ليس ركناً من أركان الإسلام فيُكَّفّر منُكره أو عبادةً مبتدعة فَيُفَسَّق مثبتُه، وإنما هو فن من فنون القول التي زخرت بها اللغة العربية التي نزل بها القرآن وكادت الأمة تجمع على اشتمال القرآن عليه لولا أولئك النفر القليلون الذين أنكروه بناء على شبهات لاحت لهم وقد أزال تلك الشبهات مجوزو المجاز بوعي واقتدار.
стр. 19
الفصل الثاني الإمام ابن القيم
موقف الإمام ابن قيم الجوزية من المجاز مثل موقف شيخه الإمام ابن تيمية، والتشابه بين موقفيهما يكاد يبلغ حد المماثلة التامة في كل الوجوه.
فقد أنكر ابن القيم المجاز بشدة في كتابه "الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة" وحشد أكثر من خمسين وجهاً لإنكار المجاز. كما أنكره شيخه الإمام ابن تيمية في كتابه "الإيمان" وبذل جهداً جدلياً نظرياً بالغ المدى في إنكاره كما كتب فصلاً ضافياً في قسم أصول الفقه ردد فيه ما قاله في كتابه "الإيمان".
والإمام الشيخ أقر بالمجاز تأولاً وتصريحاً في مواضع متعددة من مؤلفاته الأخرى كما تقدم.
وكذلك الإمام التلميذ أقر بالمجاز تأويلاً وتصريحاً في مواضع مختلفة من مؤلفاته الأخرى كما سيأتي ومعنى هذا أن لابن القيم مذهبين في المجاز، مذهباً متعارفاً مشهوراً هو الإنكار، ومذهباً غير مشهور وهو الإقرار.
وكانت أدلتنا على إقرار الإمام ابن تيمية بالمجاز ثلاثة:
الأول - تأويلات مجازية نقلها عن بعض السلف ثم ارتضاها مذهباً له في نصوص قرآنية.
стр. 20
الثاني: تأويلات مجازية استأنفها هو استثنافاً من عند نفسه.
الثالث: ورود المجاز في حر كلامه مع الرضا به وإعماله في توجيه مشكلات نشأت عن صعوبة الأخذ بظواهر نصوص مقدسة. كما أتخذ من المجاز وسيلة للدفاع عن الأئمة ومواقفهم من الحديث النبوي الشريف. وقد تقدم هذا كله في إيجاز.
أما الإمام ابن القيم فلنا على مذهب الإقرار بالمجاز عنده دليلان إضافيان لا يتطرق إليهما شك وهما: -
الأول: تأويلات مجازية مستقيضة وردت في كتبه غير الصواعق.
الثاني: ورود المجاز صريحاً في حر كلامه، وهو في هذين الدليلين أطول باعاً، وأكثر لهجاً من شيخه الإمام ابن تيمية ﵄ وعلى هذا الأساس ندير الجديث.
التأويلات المجازية: -
تتبعنا في التأويلات المجازية عند العلامة ابن القيم وأرجعنا كثيراً منها إلى أصولها البلاغية فوجدناها موزعة على جميع أنواع المجاز، فكان منها:
* تأويلات مجازية من قبيل المجاز العقلي.
* وتأويلات مجازية من قبيل المجاز اللغوي المرسل.
* وتأويلات مجازية من قبيل المجاز اللغوي الإستعاري.
وفي بيان هذا كله نسطر ما يأتي.
стр. 21
المجاز العقلي
وردت تأويلات محمولة على المجاز العقلي لا تكاد تحصر في كلام العلامة ابن القيم ومن ذلك:
ماء دافق:
لابن القيم وقفة في توجيه قوله تعالى: ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ حكى فيها أقوالاً عن غيره، ثم أدلى هو فيها بدلوه فقال:
"والدافق قيل إنه فاعل بمعنى مفعول، كقولهم: سِرٌ كاتم، وعيشة راضية، وقيل هو على النسب، أي ذي دفق".
نقل العلامة هذين القولين، ومع التسليم باًلأصل المقيس عليه "سر كاتم" وهو عند البلاغيين مجاز عقلي علاقته المفعولية، نازع أن تكون الآية: ﴿مَاءٍ دَافِقٍ﴾ من قبيل: سر كاتم، واختار أن يكون "دافق" اسم فاعل على بابه أي دافق هو لا مدفوق. وحمله على قولهم: نهر جار، ورجل ميت. بناء على أن الفاعل هو من فعل الفعل أو قام به، وعنده أن النهر والميت وقع عليها الفعل: الجري والموت، ولم يفعلاه في الواقع بيد أن تسويته بين جريان النهر وموت الميت غير سديد لن الماء في مجرى الحس والمشاهدة فاعل للجريان بخلاف الميت فإن الفعل واقع عليه.
وشاهدنا في هذا الموضوع هو تسليمه بأصل التأويل المجازي العقلي في سر كاتم، وعدم اعتراضه عليه كل ما في الأمر أنه لم يسلم بحمل "ماء دافق" عليه
فاعل التزيين: -
ومن أوضح تأويلاته المفضية - قطعاً - إلى المجاز العقلي حديثه عن فاعل تزيين الأعمال السيئة في نفوس فاعليها ففي القرآن الكريم جاء إسناد هذا التزيين
стр. 22
إلى الله في مواضع، ثم إلى الشيطان في مواضع أخرى، كما أسندت إلى فاعليها من العباد أحيانأً، أو يُبني الفعل للمفعول ويُطوى ذكر فاعله.
فمن الإسناد إلى الله - سبحانه - قوله تعالى في سورة الأنعام آية (١٠٨) ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ ومن الإسناد إلى الشيطان قوله تعالى في سورة العنكبوت آية (٣٨) ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ..﴾ ومن الإسناد إلى العبد قوله تعالى في سورة يوسف آية (١٨) ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا ... ﴾ ومن الإسناد إلى المجهول قوله تعالى في سورة فاطر آية (٨) ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ ... ﴾ .
وقد عهرض العلامة ابن القيم لتوجيه اختلاف الإسناد في هذه المواضع فقال:
"فاضاف التزيين إليه - سبحانه - خلقاً ومشيئة ونسبه إلى سببه - يعني الشيطان - ومن أجراه على يديه تارة".
أما الإسناد إلى العبد فلإنه أحب تزيين الشيطان. وردت هذه التأويلات المجازيو لالرد على القدرية الذين يمنعون غسناد ما فيه قبح إلى الله، ويدفع هذا القول بأنها من الشيطان ومن العبد قبيحة. أما من الله فلا قبح لأنه فعله عقاباً فهو منه جميل.
ولا ريب أن إسناد التزيين إلى الله حقيقة إذ هو خالقه ومشيؤه كما يقول العلامة نفسه في الموضع المشار إليه من كتابه: شفاء العليل.
أما الإسناد إلى الشيطان فلإنه سبب داع ومؤثر أما العبد فلإنه مباشر للفعل.
والإسناد إلى الشيطان والعبد إسناد مجازي عقلي حيث جُعِل غير الفاعل فاعلاً، وهذا هو المجاز العقلي عند علماء البيان، فلم يترك ابن القيم إلا تسمية هذا التأويل مجازاً.
стр. 23
عيشة راضية: -
نقل العلامة في إسناد الرضا إلى ضمير العيشة تأويلاً مجازياً ثم رجَّح أن تكون "عيشة" فاعلاً للرضا فعلاً فقال:
"وأما العيشة الراضية فالوصف بها أحسن من الوصف بالمرضية، لأنها اللائقة بهم، فشبُه ذلك برضاها بهم كما رضوا بها، كأنها رضيت بهم ورضوا بها. وهذا ابلغ من مجرد كونها مرضية فقط فتأمله".
وهذا التأويل الذي ارتضاه العلامة يخرج الآية ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ من دائرة المجاز العقلي ويدخلها - قطعاً - في دائرة الإستعارة بالكناية فالمجاز لاحق به فيما فرَّ منه وفيما فرَّ إليه. وإجراء الإستعارة بالكناية في صور المجاز العقلي سائغ جداً، لذلك فإن ابا يعقوب السكاكي يجزم بأن كل ما يمكن جمله على المجاز العقلي باعتبار يمكن حمله على الاستعارة المكنية باعتبار آخر، وهذا القول له وزنه، والسكاكي منزلته بين البلاغيين كمنزلة سيبويه بين النحاة.
إختلاف الإسناد في التوفية: -
وذهب الإمام ابن القيم مذهباً مماثلاً في توجيه إختلاف الإسناد في الاماته والتوفيه.
ففي التنزيل الحكيم أسندت إلى الله في قوله تعالى في سورة الزمر آية (٤٢) : ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ .
وأسندت إلى ملك الموت في سورة السجدة آية (١١) :
﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ... ﴾
واسندت إلى ملائكته الموت في سورة الأنعام في قوله تعالى آية (٦١) ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ .
стр. 24
وقد نهج العلامة ابن القيم منهج المجاز العقلي في توجيهه لهذه الآيات الحيكمات، فقال ما معناه بكل دقة:
الإسناد إلى الله لأنه الخالق المشيء. وإلى ملك الموت لنه الذي ينزع الروح من الجسد، وإلى الملائكة لأن ملك الموت له أعوان.
وهذا كلام هو عين الصواب ومجوزو المجاز في اللغة وفي القرآن الكريم لا يضيفون شيئاً إلى ما قاله العلامة في تقرير المجاز العقلي في هذه الآيات. اللهم إلا أنهم يسمونه مجازاً عقلياً وهو يسكت عن هذه التسمية وسكوته لا ينفي حقيقة المسمى.
стр. 25
المجاز المرسل
وللعلامة ابن القيم تأويلات أخرى مفضية إلى المجاز اللغوي المرسل - لا محالة - ومن ذلك:
خروج الإستفهام إلى الإرتكاز: -
الإستفهام موضوع اصلاً لطلب الفهمن يصدر عن متكلم يجهل حقيقة ما يستفهم عنه، تقول لمن لا تعرف اسمه: ما اسمك؟ فيقول؟ فلان.
وفي القرآن الكريم استفهامات مستفيضة صادرة عن الله سبحانه، والله لا يعزب عنه شيء في الأرض ولا في السماء فقد أحاط بكل شيء علماً، ومعنى هذا أن كل استفهام صادر عن الله يجب حمله على غير ظاهره بما يليق بالذات العلية، وهذا ما صنعه الإمام ابن القيم في قوله تعالى:
﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ الإنشقاق (٢٠) فقد قال فيه بالحرف:
"إنكاراً على من لم يؤمن بعد ظهور الايات المستلزمة لمدلولها اتم استلزام".
وقوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ﴾ القيامة (٣) فقال في توجيهه:
"فأنكر - سبحانه - عليه حسبانه أن الله لا يجمع عظامه.
وقال في قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾ .
"إن مثل هذا إنما يراد به النفي والاستبعاد، أي لا أحد يرقى من هذه العلة بعد ما وصل صاحبها إلى هذه الحال" يعني حالة حضور الوفاة وما ذكره العلامة في الموضع الأخير يجوز حمله على ظاهره من الاستفهام الحقيقي وهو ما
стр. 26
يفعله الناس الآن من استدعاء الأطباء للعلاج حتى في لحظات النزع الأخير.
أما الأمثلة الأخرى فقد أجاد فيها وأحسن. والذي نقوله تعقيباً على كلامه: أن خروج الاستفهام إلى النفي أو الإنكار معدود عند علماء البيان من صور المجاز المرسل الذي علاقته الإطلاق والتقييد. اي أطلق الإستفهام من دلالته على طلب الفهم ثم قُيَّد مرة أخرى باستعماله في الإنكار أو النفي أو غيرهما من المعاني المنصوص عليها في مصنفات البيانيين.
وأن الإمام ابن القيم - بهذا - مؤول مجازي خبير بمرامي الكلام ودقائق التراكيب. وكفى بذلك اقراراً بالمجاز وتأصيلاً لوظيفته في البيان.
مجئ الخبر بمعنى الأمر: -
من أفانين القول في اللغة العربية - لغة التنزيل الحكيم - فن معروف في البلاغة العربية يمكن أن نطلق عليه مصطلحاً جديداً يجمع شتاته كله، وهو فن: تبادل الصيغ والأدوات وإحلال بعضها محل بعض ولهذا الفن معان وأسرار دقيقة في الأساليب الرفيعة.
والقرآن الحكيم حافل بصور تبادل الصيغ والأدوات ومن ذلك مجئ الخبر بمعنى الإنشاء، ومنه مجئ الخبر بمعنى الأمر كما جاء في عنوان هذه الفقرة وذلك مثل قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ ... ﴾ البقرة (٢٢٨) والتربص: الترقب والانتظار.
وقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ... ﴾ البقرة: (٢٣٣) وقد تعرض العلامة ابن القيم لتوضيح السر البياني لمجئ هذا الخبر: ﴿يُرْضِعْنَ﴾ بدل الأمر: "أرضعن" لأن المقصود من الخبر هنا إنشاء الأمر بالرضاعة وقد أصاب العلامة في توضيحه فقال:
стр. 27
تمهيد:
قبل حديثه المباشر عن هذه الآية مهَّد له بقوله: "فقد جاءت أشياء بلفظ الخبر، وهي في معنى الأمر والنهي، منها قول عمر: صلي أمرؤ في كذا وكذا من اللباس، وقولهم أنجز حر ما وعد ... وهو كثير، فجاء بلفظ الحاصل تحقيقاً لثبوته، وأنه مما ينغبي ان يكون واقعاً ولابد، فلا يطلب من المخاطب إيجاده، بل يخبر به ليحققه خبراً صرفاً".
مراد المؤلف من قوله هذا أن السر البياني لمجئ الخبر بمعنى الأمر هو المسارعة إلى إمتثال الأمر حتى لكان المطلوب بالأمر حاصل وقت النطق به فيخبر عنه لأنه أمر موجود متصف به المخاطب المأمور. وهذا فهم في غاية الجودة يحمد للعلامة ابن القيم وهو في هذا التوضيح بياني ذواقة مرهف الحس ثم قال:
"وفيه طريقة أخرى، وهي أفقه معنى من هذه وهي أن هذا إخبار محض عن وجوب ذلك واستقرار حسنه فب العقل والشريعة والفطرة وكأنهم يريدون بقولهم: أنجز حرَّ ما وعد، اي ثبت ذلك في المروءة، وأستقر في الفطرة في التوجيه الأول جاء الخبر بمعنى الأمر إشارة إلى وجوب المسارعة والإمتثال.
وفي التوجيه الثاني جاء الخبر بمعنى الأمر إشارة إلى استحسان المأمور به عقلاً وشرعاً وفطرة وأياً كان الأمر فإن الإمام ابن القيم قد أوَّل الكلام تأويلاً مجازياً لغوياً مرسلاً فيما ذهب إليه في الوجه الأول.
ثم يعمد إلى الآية: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ﴾ والآية ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ فيقول ﵀ وهذا موضع مجئ المسألة المشهورة, وهي مجئ الخبر بمعنى الأمر في القرآن في نحو قوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ﴾ و ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ ونظائره فمن سلك المسلك الأول - يعني مسلك المسارعة والامتثال - جعله خبراً بمعنى الأمر.
стр. 28
ومن سلك المسلك الثاني قال: بل خبر حقيقة غير مصروف عن جملة الخبرية، ولكن هو خبر عن حكم الله وشرعه ودينه ليس خبراً عن الواقع".
ثم قال: "وكذلك بعض المطلقات يخالفن ولا يتربصن، وهذا الإحتراس - أي مجئ الخبر بمعنى الأمر - في غاية الشرف والبلاغة، فرحم الله العلماء الذين عرفوا لكتاب ربهم حقه فوفوه حسابه".
وصفوة القول: إن استبدال الصيغ والأدوات في الخبر والإنشاء، وإحلال بعضها محل بعض:
الخبر محل الإنشاء، والإنشاء محل الخبر، وخروج بعضها إلى غير معانيها الزضعية على نحو ما رأينا في تخريجات العلامة ابن القيم هو عند البلاغيين من صور المجاز المرسل، الذي علاقته الإطلاق والتقييد.
وعلى هذا تُحمل تخريجات الإمام ابن القيم بلا نزاع.
стр. 29
المجاز اللغوي الاستعاري
بقيت التأويلات المجازية المفضية إلى الاستعارة وهي من المجاز اللغوي، وابن القيم ضارب في هذا المجال بسهم وافر، ومن ذلك.
فلا أقتحم العقبة: -
نقل الإمام في التحليل البلاغي لهذه الآية ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ تأويلاً مجازياً رائعاً، يفضي - لا محالة - إلى المجاز اللغوي الإستعاري. قال:
"وقال مقاتل: هذا مثل ضربه الله يريد: أن المعتق رقبة، والمطعم اليتيم والمسكين، يقاحم نفسه وشيطانه - يعني يغالب ويجالد - مثل لأن يتكلف صعود العقبة فشُبَّه المعتق رقبة في شدته عليه بالمتكلف صعود العقبة".
هذا التأويل يُفضى إلى أن هذه الآية مجاز لغوي من قبيل الاستعارة التمثيلية، شُبَّه فيها الهئية الحاصلة من فعل التكاليف الشاقة على النفس ببذل الطعام لمستحقيه وتحرير الرقاب من الرق بالهيئة الحاصلة من المشاق التي يتجشمها رجل يحاول صعود جبلاً مثلاً، وهذا هو المجاز المركب، وقد صرَّح ابن القيم بالمشبه والمشبه به وكأنه يجري الاستعارة كما يجريها البيانيون.
جاء الله من طور سيناء: -
هذه العبارة وردت في فقرة من التوراة. وهذا نصها:
"جاء الله من صور سيناء، واشرق من ساعير، واستعلن من فاران".
وفيها بشارة برسولَيْ الله عيسى ومحمد ﵉ وقد ذكر هذه الفقرة العلامة ابن القيم، ثم أوَّل معانيها تأويلاً مجازياً واضحاً فقال:
"فمجيئه من طور سيناء يعثته لموسى بن عمران وبدأ به على حكم الترتيب الواقعي، ثم ثنى بنبوة المسيح، ثم ختمه بنبوة محمد ﷺ .
стр. 30
وجعل نبوة موسى بمنزلة مجئ الصبح - الفجر - ونبوة المسيح بعدهما بمنزلة طلوع الشمس وإشراقها، ونبوة محمد ﷺ وعليهما بعده بمنزلة استعلانها وظهورها للعالم".
وحين ينظر بلاغي مدقق في تخريجاتى العلامة لهذه الفقرة، ينتهي - لا محالة - إلى ست صور مجازية: ثلاث من المجاز العقلي، وثلاث من المجاز اللغوي، وإليك البيان.
стр. 31
صور المجاز العقلي
أولاها: إسناد المجئ من طور سينا إلى الله والجائي حقيقة رسالة الله إلى موسى ﵇.
وثانيتها: إسناد الإشراق من ساعير إلى الله والمراد رسالته إلى عيسى ﵇.
وثالثتها: إسناد الاستعلان من فاران إلى الله والمقصود رسالته الخاتمة إلى محمد ﷺ وعلاقة هذه المجازات هي الفاعلية. فالله هو فاعل الإرسال، لذا صح أن يُسْند غليه المجئ من طور سيناء، والإشراق من غير ساعير والاستعلان من فاران.
стр. 32
صور المجاز اللغوي
أولاها: في جاء من طور سيناء حيث قال ابن القيم أنه بمنزلة بدو الصبح، يعني الفجر.
وثانيتها: في إشراقة من ساعير، حيث شبه نبوة عيسى ﵇ بإشراق الشمس.
وثالثتها: واستعلن من فاران حيث شبه رسالة خاتم النبيين بتوسط الشمس كبد السماء، وإضاءة أرجاء العالم فهذه ثلاث استعارات تصريحية تنجم عن كلام ابن القيم حين ينظر فيه البلاغي المدقق ولم يترك ابن القيم إلا تسمية هذه التأويلات مجازاً. وهذا لا يقدح في إقراره بالمجاز بكل صوره وهذا لا نزاع فيه عند أهل الأصناف.
والسماء والطارق: -
ذهب الإمام ابن القيم وغيره من المفسرين واللغويين إلى أن المراد من "الطارق" في قوله تعالى ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ أنه "النجم" ثم يخطو بنا الإمام خكوة أخرى يجيب على سؤال مطروح حاصلة: لِمَ سُمَّيّ النجم طارقاً؟.
وفي الإجابة يقول ﵀:
"وسمي النجم طارقاً؛ لأنه يظهر بالليل بعد اختفائه بضوء الشمس، فشُبَّه بالطارق الذي يطرق الناس أو يطرق أهله ليلاً ... ".
ومعنى هذا الكلام أن في "الطارق" استعارة تصريحية اصلية، ويجوز حملها على الاستعارة بالكناية عند علماء البيان.
فما الذي نريده من العلامة لإقراره بالمجاز لا في اللغة فحسب، ولكن فيها وفي القرآن، بعد هذا التحليل المجازي الواضح؟.
стр. 33
آتيناه آياتنا فانسلخ منها: -
من شواهد البلاغيين المتعارفة في تشبيه المعنوي بالحسي على سبيل الإستعارة التصريحية التبعية قوله تعالى:
﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾ يس: (٣٧) .
فقد استعير السلخ للإزالة لما يترتب على كل منهما من الكشف والإيانة وإحلال شيء محل آخر وقد ورد الإنسلاخ في مثل الذي آتاه الله آياته فأعرض عنها وضل ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ الأعراف (١٧٥) وكانت هذه الآية مما تناوله العلامة ابن القيم بالتأويل فقال:
"فانسلخ منها: اي خرج كما تنسلخ الحية من جلدها وفارقها فراق الجلد يسلخ عن اللحم ... ".
وهذا الكلام على قصره دقيق رائع، وفيه يؤول الإمام الإنسلاخ تأويلاً مجازياً مفضياً إلى الاستعارة التصريحية التبعية كما صنع البلاغيون في الآية السابقة. فابن القيم مثلهم إلا أنهم يصرحون بالمجاز اللغوي الاستعاري فيها. وهو يقف عند التأويل المجازي ولا يصرح.
ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك:
ظتهر هذه الآية النهي عن ربط اليد بسلسلة من حديد - الغُل - وشدها إلى العنق بإحكام حتى لا تستطيع حراكاً.
وليس هذا الظاهر مراداً عهند جميع علماء الأمة: سلفاً وخلقاً. وقد قال فيه العلامة ابن القيم صارفاً له عن ظاهر معناه الذي بينَّاه:
"شبه الإمساك عن الانفاق باليد إذا غُلَّتْ إلى العنق، ومن هنا قال الفراء: "إنَّا جعلنا في أعناقهم أغلالاً": حبسناهم عن الانفاق".
стр. 34
إن هذا الذي قاله ابن القيم حق وصواب لا يماري فيه أحد. وكلامه يترتب عليه أن في الآية الحكيمة مجازاً لغوياً على سبيل الاستعارة التمثيلية أو المركبة، حيث صرح بالمشبه والمشبه به، مع ملاحظة أن المشبه محذوف، وهو الإمساك عن الإنفاق.
هذا ما أردنا نقله من تأويلات ابن القيم المجازية التي شملت كل أنواع المجاز، وقد أهلمنا كثيراً منها فلم تذكره توخياً للإيجاز. وفي ما نقلناه عنه قدر صالح إن شاء الله على إقرار الإمام بالمجاز تأويلاً.
стр. 35
ورود المجاز صريحاً بلفظه ومعناه في حر كلامه
نقصد بورود المجاز صريحاً بلفظه ومعناه أن ابن القيم تخطى مرحلة التأويل المجازي الصَّرف، إلى مرحلة ذكر المجاز والتصريح به بلا أدنى غموض، مريداً منه معناه الإصطلاحي عند علماء البيان، ولم يرد به شيئاً سواه ونقصد بحر كلامه أنه لم يذكر المجاز مجاراة ومحاكاة للقائلين به راداً عليهم ومبطلاً أقوالهم، ومما يدخل معنا في حر كلامه ما نقله هو عن غيره ثم ارتضاه ولم يعقب عليه بإنكار، أو يورد أدنى احتراس يفيد أنه مجرد محاكٍ لكلام غيره، إذا اتضح هذا نقول:
لقد ورد المجاز بالضوابط المذكورة كثيراً عند الإمام ابن القيم. وهاك البيان في إيجاز:
ابن القيم والسهيلي:
نقل الإملم ابن القيم نصوصاً عن السهيلي أكثر السهيلي فيها من ذكر المجاز والإستعارة، ومع تقد ابن القيم لبعص نصوص السهيلي من عدة وجوب لم يتعرض للرد عليه في استعماله للمجاز والاستعارة. بل رضي بما أورده عن السهيلي، ثم أنتقل من حالة الرضا إلى مرحلة الأعجاب والثناء البالغ، وهذه فقرات من كلام الإمام ابن القيم ممزوجة بكلام السهيلي:
"قال السهيلي: إذا عَلمت هذا فاعلم أن العين اضيفت إلى الباري من قوله تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ حقيقة لا مجازاً كما توهم أكثر الناس؛ لأنه صفة في معنى الرؤية والإدراك، وإنما المجاز في تسمية العضو - يعني العين - بها، وكل شيء يوهم الكفر والتجسيم فلا يضاف إلى الباري تعالى لا حقيقة ولا مجازاً، ألا ترى كيف لم يضف - سبحانه - إلى نفسه ما هو في معنى عين الإنسان كالمقلة والحدقة
стр. 36
لا حقيقية ولا مجازاً؟ نعم، ولا لفظ الأبصار، لأنه لا يعطي معنى البصر والرؤية مجردة، ولكن يقتضي مع معنى البصر معنى التحديق والملاحظة ونحوها.
ذكر الإمام هذا النص ونقده من عدة وجوه، ولكنه لم يخطئ السهيلي في ذكر المجاز، مع أنه ورد في كلامه هذا أربع مرات.
اليد ليس مصدراً: -
في كلام للسهيلي ذهب فيه إلى أن "الأيد" في قوله تعالى ﴿أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾ مصدر يديت يداً في معنى الصدقة، وكذلك "اليد" المضافة إلى الله في مثل قوله تعالى: ﴿يَدِ اللَّهِ﴾ واستدل على هذا بقول الشاعر العربي:
يديت على ابن خضخا ض بن عمرو
بأسفل ذي الحداة يد الكريم
نرى الإمام ابن القيم يتعقبه بالنقد، وينفي أن تكون اليد مصدراً كما ذهب السهيلي. وبقول في توجيه "الآيد" في الآية الحكيمة.
"قلت: المراد بالأيد والأبصار - هنا - القوة في أمر الله، والبصر بدينه فأراد أنهم من أهل القوة في أمره، والبصائر في دينه، فليست إليه يداً فتأمله".
ثم يؤيد نظره هذه بأن العرب مؤمنهم وكافرهم كانوا يفهمون هذا المعنى، والدليل أن أعداء الدعوة كانوا لها بالمرصاد، فلو لم يكونوا بهذا المعنى، وأنه لا تلزم منه مشابهة الخالق لخلقه لقالوا للنبي:
زعمت أن الله ليس كمثله شيء فكيف اثبت أن له يداً وجارحة! هذا ملخص كلامه، ثم يقول بالحرف الواحد:
стр. 37
"ولم لم يتقل ذلك عن مؤمن أو كافر، عُلِمَ أن الأمر كان عندهم فيها جلياً لا خافياً، وأنها صفة سميت الجارحة بها مجازاً، ثم استمر المجاز حتى تُسيِتْ الحقيقة. ورب مجاز كثر واستعمل حتى نُسىَ أصله".
غني عن التعليق: -
هذا النص بوضوحه غني عن التعليق، فقد استعمل الإمام ابن القيم المجاز في حر كلامه. وأين؟ في كلام الله المعجز. وأين؟ في صفات الله . أستعمله مقتنعاً به وراضياً غياه، ولم ير فيه أدنى غضاضة او كذباً على الله، أو تعطيلاً لصفة من صفاته المقدسة.
وإن كان بينه وبيت غيره خلاف فهو ليس في المجاز يكون أو لا يكون، ولكن غيره يقول: اليد حقيقة في العضو مجاز في القدرة والنعمة، وهو يقول: اليد حقيقة في القدرة والنعمة والقوة، مجاز في العضو.
فالمجاز موضع اتفاق بين الفريقين، وإنما الخلاف أين يقع المجاز - هنا - هل هو في العضو الجارحة أن في لازم معناه.
وكون المجاز في العضو الذي أقره الإمام هنا فقد أخذه من كلام السهيلي الذي قال من قبل إن المجاز في العضو (العين) أما لازم معناها: الرؤية والإدراك فحقيقة: لا مجاز فيه.
وأياً كان الأمر، فمن ذا الذي يجرؤ على القول بأن الإمام ابن القيم ليس له في المجاز إلا مذهب الإنكار وهذا هو الإمام نفسه يدحض هذه الدعوى فيما نقلناه وما سننقله عنه من النصوص القاطعة على إقراره بالمجاز تأويلاً وتصريحاً، في اللغة بوجه عام وفي التنزيل الحكيم بوجه خاص.
ومن جهة أخرى نراه ينقل عن السهيلي كلاماً استعمل فيه السهيلي المجاز في توضيح بعض آيات الذكر الحكيم فيقره الإمام على وجهات نظره ثم يثنى عليه
стр. 38
فيقول:
"هذا من كلامه من المرقصات"، "فإنه أحسن فيه ما شاء".
ويقول: "فتأمل ذلك فإنه من المباحث العزيزة الغريبة التي يثنى على مثلها بالخناصر".
وكما قال شيخه من قبل:
في مسألة هل لفظ الصلاة حقيقة في الدعاء مجاز في العبادة يردد الإمام ابن القيم كلام شيخه الإمام ابن تيمية الذي قال من قبل، من أن لفظ الصلاة متناول للعبادة والدعاء تناول التواطؤ أو الجنس على أفراده، فيقول الإمام ابن القيم:
"فاللفظ متناول لهما بهذا الاعتبار: لا تناول المشترك المعنييه، ولا تناول اللفظ لحقيقته ومجازة".
فكلامه - هنا - مثل كلام شيخه من قبل: هو منازعة في مثال هل فيه مجاز أو ليس فيه مجاز. أما المجاز - كلية - فهو بعيد عن هذا النزاع.
المصطلحات الشرعية: -
وقع خلاف بين الأصوليين حول المصطلحات الشرعية كالصوم والصلاة والحج، والصلة بينهما وبين المعاني اللغوية الوضعية، وأسفر الخلاف بينهم عن عدة مذاهب:
الأول: هل نقلها الشارع من معانيها اللغوية إلى معانيها الشرعية مراعياً في النقل العلاقة بين المعنيين اللغوي والشرعي على سبيل المجاز؟.
الثاني: أو نقلها الشارع نقلاً مبتوت الصلة بالمعاني اللغوية؟.
стр. 39
الثالث: أم أن الشرع وضعها وضعاً جديدً، ولم ينقلها عن اللغة؟.
أجمل ابن القيم الحديث عن هذه المذاهب فقال ذاكراً المجاز في بعضها:
"وهذا التقرير مافه في مسألة الصلاة، وأنها هل نقلت عن مسماها في اللغة، فصارت حقيقة شرعية منقولة، أو استعملت في هذه العبارة مجازاً للعلاقة بينها وبين المسمى اللغوي؟ أو هي باقية على الوضع اللغوي وضم غليها أركان وشرائط"؟ ثم يضيف إلى هذه المذاهب رأيه الخاص، وحاصله أن الصلاة بمعنى العبادة ليست مجازاً؛ لأنها لم تنفك عن الدعاء الذي هو المعنى اللغوي للصلاة، هذا قوله وشاهدنا فيه أنه ذكر المجاز غير منكر له وكل ما في الأمر أنه لم يجعل منه لفظ الصلاة مستعملاً في العبادة، ودليله أن الصلاة بمعنى العبادة فيها دعاء فهي إذن باقية على معناها اللغوي لا مجاز فيها.
بيد أن الذي ذكره مدفوع بأن الصلاة أعم من الدعاء والدعاء القولي جزء منها، وفيها من الأقوال غير الدعاء ومن الأفعال الشيء الكثير. فإذا قيل إنها مجاز فلا غرابة في ذلك؛ لأنها لم تكن كلها دعاء. وتحرير القول في هذا أن الصلاة بمعنى العبادة حقيقة شرعية، وبمعنى الدعاء مجاز شرعي في عرف الشرع.
أما من حيث اللغة فالصلاة بمعنى الدعاء حقيقة لغوية وبمعنى العبادة مجاز - والعبرة في هذا كله هو اصطلاح التحاطب كما يقول البلاغيون.
الصفات بين الخالق والمخلوق: -
ومما ورد فيه ذكر المجاز دون اعتراض من ابن القيم عليه مسألة الصفات بين الخالق والمخلوق فقد نقل فيها ثلاثة مذاهب - كذلك - فقال:
أحدها: أنها حقيقة في العبد مجاز في الرب، ووصف هذا المذهب بأنه
стр. 40
أخبث المذاهب.
الثاني: أنها حقيقة في الرب مجاز في العبد، ولم يذم هذا المذهب ولم يمدحه.
الثالث: أنها حقيقة في الرب والعبد. وقال إن هذا مذهب أهل السنة، وهو أصح المذاهب.
تردد المجاز في مذهبين من هذه المذاهب الثلاثة، ومرَّ الإمام مرَّ الكرام بسكوته عنه مقراً به غير منكر، مع أنه نقد المذهب الأول ودعاه أخبث المذاهب؛ لأنه جعل الصفات مثل الحياة والوجود حقيقة في المخلوق مجازاً في الخالق؟!.
ويرد المجاز - كذلك - في تقرير الإمام لمذهب أهل السنة والجماعة، موضحاً أنها حقيقة فيه وليست مجازاً. وأن صفات العباد حقيقة فيهم وليست مجازاً فيقول:
"والقدر عندهم - أي أهل السنة - هو قدرة الله تعالى وعلمه ومشيئته، وخلقه، فلا تتحرك زرة فما فوقها إلا بمشيئته وعلمه وقدرته، فهم المؤمنون بلا حول ولا قوة إلا بالله، على الحقيقة إذا قالها غيرهم على المجاز.... ويثبتون مع ذلك قدرة العبد وإرادته واختياره وفعله حقيقة لا مجازاً".
وفي الرد على نفاة الأسباب: -
ويذكر المجاز مرة أخرى في رده على نقاة الأسباب وهم الجبرية الذين ينفون أسباب الأفعال، ويقولون إن الله وحده هو الفاعل المختار المنفرد بالخلق والتأثير، فالطعام لا يُشبْع، والماء لا يروي، والنار لا تحرق، والسيف لا يقطع، وليست هي أسباباً مؤثرة رتب عليها آثارها، ويقولون هذا هو التوحيد.
следующие страницы →