← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 1410

المجاز عند الإمام ابن تيمية وتلاميذه بين الإنكار والإقرار

عبد العظيم المطعني

Полный текст (80 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

لا حقيقية ولا مجازاً؟ نعم، ولا لفظ الأبصار، لأنه لا يعطي معنى البصر والرؤية مجردة، ولكن يقتضي مع معنى البصر معنى التحديق والملاحظة ونحوها. ذكر الإمام هذا النص ونقده من عدة وجوه، ولكنه لم يخطئ السهيلي في ذكر المجاز، مع أنه ورد في كلامه هذا أربع مرات. اليد ليس مصدراً: - في كلام للسهيلي ذهب فيه إلى أن "الأيد" في قوله تعالى ﴿أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾ مصدر يديت يداً في معنى الصدقة، وكذلك "اليد" المضافة إلى الله في مثل قوله تعالى: ﴿يَدِ اللَّهِ﴾ واستدل على هذا بقول الشاعر العربي: يديت على ابن خضخا ض بن عمرو بأسفل ذي الحداة يد الكريم نرى الإمام ابن القيم يتعقبه بالنقد، وينفي أن تكون اليد مصدراً كما ذهب السهيلي. وبقول في توجيه "الآيد" في الآية الحكيمة. "قلت: المراد بالأيد والأبصار - هنا - القوة في أمر الله، والبصر بدينه فأراد أنهم من أهل القوة في أمره، والبصائر في دينه، فليست إليه يداً فتأمله". ثم يؤيد نظره هذه بأن العرب مؤمنهم وكافرهم كانوا يفهمون هذا المعنى، والدليل أن أعداء الدعوة كانوا لها بالمرصاد، فلو لم يكونوا بهذا المعنى، وأنه لا تلزم منه مشابهة الخالق لخلقه لقالوا للنبي: زعمت أن الله ليس كمثله شيء فكيف اثبت أن له يداً وجارحة! هذا ملخص كلامه، ثم يقول بالحرف الواحد:

стр. 37

"ولم لم يتقل ذلك عن مؤمن أو كافر، عُلِمَ أن الأمر كان عندهم فيها جلياً لا خافياً، وأنها صفة سميت الجارحة بها مجازاً، ثم استمر المجاز حتى تُسيِتْ الحقيقة. ورب مجاز كثر واستعمل حتى نُسىَ أصله". غني عن التعليق: - هذا النص بوضوحه غني عن التعليق، فقد استعمل الإمام ابن القيم المجاز في حر كلامه. وأين؟ في كلام الله المعجز. وأين؟ في صفات الله . أستعمله مقتنعاً به وراضياً غياه، ولم ير فيه أدنى غضاضة او كذباً على الله، أو تعطيلاً لصفة من صفاته المقدسة. وإن كان بينه وبيت غيره خلاف فهو ليس في المجاز يكون أو لا يكون، ولكن غيره يقول: اليد حقيقة في العضو مجاز في القدرة والنعمة، وهو يقول: اليد حقيقة في القدرة والنعمة والقوة، مجاز في العضو. فالمجاز موضع اتفاق بين الفريقين، وإنما الخلاف أين يقع المجاز - هنا - هل هو في العضو الجارحة أن في لازم معناه. وكون المجاز في العضو الذي أقره الإمام هنا فقد أخذه من كلام السهيلي الذي قال من قبل إن المجاز في العضو (العين) أما لازم معناها: الرؤية والإدراك فحقيقة: لا مجاز فيه. وأياً كان الأمر، فمن ذا الذي يجرؤ على القول بأن الإمام ابن القيم ليس له في المجاز إلا مذهب الإنكار وهذا هو الإمام نفسه يدحض هذه الدعوى فيما نقلناه وما سننقله عنه من النصوص القاطعة على إقراره بالمجاز تأويلاً وتصريحاً، في اللغة بوجه عام وفي التنزيل الحكيم بوجه خاص. ومن جهة أخرى نراه ينقل عن السهيلي كلاماً استعمل فيه السهيلي المجاز في توضيح بعض آيات الذكر الحكيم فيقره الإمام على وجهات نظره ثم يثنى عليه

стр. 38

فيقول: "هذا من كلامه من المرقصات"، "فإنه أحسن فيه ما شاء". ويقول: "فتأمل ذلك فإنه من المباحث العزيزة الغريبة التي يثنى على مثلها بالخناصر". وكما قال شيخه من قبل: في مسألة هل لفظ الصلاة حقيقة في الدعاء مجاز في العبادة يردد الإمام ابن القيم كلام شيخه الإمام ابن تيمية الذي قال من قبل، من أن لفظ الصلاة متناول للعبادة والدعاء تناول التواطؤ أو الجنس على أفراده، فيقول الإمام ابن القيم: "فاللفظ متناول لهما بهذا الاعتبار: لا تناول المشترك المعنييه، ولا تناول اللفظ لحقيقته ومجازة". فكلامه - هنا - مثل كلام شيخه من قبل: هو منازعة في مثال هل فيه مجاز أو ليس فيه مجاز. أما المجاز - كلية - فهو بعيد عن هذا النزاع. المصطلحات الشرعية: - وقع خلاف بين الأصوليين حول المصطلحات الشرعية كالصوم والصلاة والحج، والصلة بينهما وبين المعاني اللغوية الوضعية، وأسفر الخلاف بينهم عن عدة مذاهب: الأول: هل نقلها الشارع من معانيها اللغوية إلى معانيها الشرعية مراعياً في النقل العلاقة بين المعنيين اللغوي والشرعي على سبيل المجاز؟. الثاني: أو نقلها الشارع نقلاً مبتوت الصلة بالمعاني اللغوية؟.

стр. 39

الثالث: أم أن الشرع وضعها وضعاً جديدً، ولم ينقلها عن اللغة؟. أجمل ابن القيم الحديث عن هذه المذاهب فقال ذاكراً المجاز في بعضها: "وهذا التقرير مافه في مسألة الصلاة، وأنها هل نقلت عن مسماها في اللغة، فصارت حقيقة شرعية منقولة، أو استعملت في هذه العبارة مجازاً للعلاقة بينها وبين المسمى اللغوي؟ أو هي باقية على الوضع اللغوي وضم غليها أركان وشرائط"؟ ثم يضيف إلى هذه المذاهب رأيه الخاص، وحاصله أن الصلاة بمعنى العبادة ليست مجازاً؛ لأنها لم تنفك عن الدعاء الذي هو المعنى اللغوي للصلاة، هذا قوله وشاهدنا فيه أنه ذكر المجاز غير منكر له وكل ما في الأمر أنه لم يجعل منه لفظ الصلاة مستعملاً في العبادة، ودليله أن الصلاة بمعنى العبادة فيها دعاء فهي إذن باقية على معناها اللغوي لا مجاز فيها. بيد أن الذي ذكره مدفوع بأن الصلاة أعم من الدعاء والدعاء القولي جزء منها، وفيها من الأقوال غير الدعاء ومن الأفعال الشيء الكثير. فإذا قيل إنها مجاز فلا غرابة في ذلك؛ لأنها لم تكن كلها دعاء. وتحرير القول في هذا أن الصلاة بمعنى العبادة حقيقة شرعية، وبمعنى الدعاء مجاز شرعي في عرف الشرع. أما من حيث اللغة فالصلاة بمعنى الدعاء حقيقة لغوية وبمعنى العبادة مجاز - والعبرة في هذا كله هو اصطلاح التحاطب كما يقول البلاغيون. الصفات بين الخالق والمخلوق: - ومما ورد فيه ذكر المجاز دون اعتراض من ابن القيم عليه مسألة الصفات بين الخالق والمخلوق فقد نقل فيها ثلاثة مذاهب - كذلك - فقال: أحدها: أنها حقيقة في العبد مجاز في الرب، ووصف هذا المذهب بأنه

стр. 40

أخبث المذاهب. الثاني: أنها حقيقة في الرب مجاز في العبد، ولم يذم هذا المذهب ولم يمدحه. الثالث: أنها حقيقة في الرب والعبد. وقال إن هذا مذهب أهل السنة، وهو أصح المذاهب. تردد المجاز في مذهبين من هذه المذاهب الثلاثة، ومرَّ الإمام مرَّ الكرام بسكوته عنه مقراً به غير منكر، مع أنه نقد المذهب الأول ودعاه أخبث المذاهب؛ لأنه جعل الصفات مثل الحياة والوجود حقيقة في المخلوق مجازاً في الخالق؟!. ويرد المجاز - كذلك - في تقرير الإمام لمذهب أهل السنة والجماعة، موضحاً أنها حقيقة فيه وليست مجازاً. وأن صفات العباد حقيقة فيهم وليست مجازاً فيقول: "والقدر عندهم - أي أهل السنة - هو قدرة الله تعالى وعلمه ومشيئته، وخلقه، فلا تتحرك زرة فما فوقها إلا بمشيئته وعلمه وقدرته، فهم المؤمنون بلا حول ولا قوة إلا بالله، على الحقيقة إذا قالها غيرهم على المجاز.... ويثبتون مع ذلك قدرة العبد وإرادته واختياره وفعله حقيقة لا مجازاً". وفي الرد على نفاة الأسباب: - ويذكر المجاز مرة أخرى في رده على نقاة الأسباب وهم الجبرية الذين ينفون أسباب الأفعال، ويقولون إن الله وحده هو الفاعل المختار المنفرد بالخلق والتأثير، فالطعام لا يُشبْع، والماء لا يروي، والنار لا تحرق، والسيف لا يقطع، وليست هي أسباباً مؤثرة رتب عليها آثارها، ويقولون هذا هو التوحيد.

стр. 41

وبعد أن شنَّع عليهم العلامة ابن القيم قال: "هذا كله عند نفاة الأسباب مجاز لا حقيقة له". في هذه المواضع كلها ينازع ابن القيم الخصوم في بعض ما ذهبوا إليه، أما المجاز فعلى كثرة ترديده له لم يَبُحْ بكلمة واحدة تدل على أنه منكر له، بل ينازع الخصوم بأن ما عدوه مجازاً من الصفات ليس هو بمجاز، وإنما حقائق. نص قاطع لكل شبهة: - ولدينا نص قاطع لكل شبهة تحوم حول إقرار العلامة ابن القيم بالمجاز، أثرنا أن نذكره في نهاية هذه الجولة لقوته ووضوحه على إقراره بالمجاز والتأويل المؤدي إليه. وفيه يقول ﵀ المجاز والتأويل لا يدخلان في النصوص، وإنما يدخل في الظاهر المحتمل له، وهنا نكتة ينبغي التفطن لها، وهي أن كون اللفظ نصاً يعرف بشيئين: أحدهما: عدم احتماله لغير معناه وضعاً، كالعشرة. والثاني: اطراد استعماله على طريقة واحدة في جميع موارده، فإنه نص في معناه لا يقبل تأويلاً ولا مجازاً". نترك هذا النص يتحدث عن نفسه، ليقطع كل هاجسه ويزيل كل ريب حول إيمان الإمام بن قيم الجوزية بالمجاز وإقراره به في العديد من مؤلفاته غير "الصوعق" وإننا لم نكن مفترين عليه ولا على شيخه الإمام ابن تيميه حين قلنا أنهما من مثبتي المجاز وإن تفياه في "الإيمان" و"الصواعق" لعارض بدالهما ولكي يدفعا خطر سوء التأويل الذي نشأ في عصرهما وقبل عصرهما. ونص اخر مماثل: كما أن لابن القيم نصاً أخر مماثلاً لهذا النص وضع فيه ضوابط للمجاز في

стр. 42

الكلام: متى يكون ؟ قال ﵀: "من ادعى صرف لفظ عن ظاهره إلى مجازه، لم يتم له ذلك إلا بعد أربعة مقامات: أحدهما: بيان إمتناع إرادة الحقيقة الثاني: بيان صلاحية اللفظ لذلك المعنى الذي عينه - يعني المعنى المجازي - وإلا كان مفترياً على اللغة. الثالث: بيتن تعيين ذلك المحمل إن اكن له عدة مجاوزات. أنت ترى الإمام ابن القيم - هنا - يبين شروط تحقق المجاز، بل إنه في القمام الثالث يقر بأن اللفظ الواحد قد تكون له عدة مجاوزات، ويوجب على من يصرف لفظ إلى واحد منها أن يقيم الدليل على أن المعنى المجازي الذي إليه صرف اللفظ أولى معاني اللفظ المجازية بالاعتبار فابن القيم - هنا - ليس مقراً بالمجاز فحسب، وبكنه ممن يخوضون في بحاره، ويحومون حول دقائقه وقوانينه. ويشرعون له. ولا يقدح في هذه النتائج أنه يقول: "من أجعى صرف لفظ" فقد يفهم منه قصارى النظر أنه يرى أن صرف اللفظ إلى مجازه ادَّعاء. فهو فيه منكر للمجاز ولإزالة هذه الشبه نقول: إن الإمام قال: من أدعى صرف لفظ عن ظاهره إلى مجازه.." ولم يقل من أدعى صرف اللفظ أو الألفاظ. لو كان قال هذا لكان الإدعاء عاماً في جميع الألفاظ، ولصح أن هذا النص فيه إنكار للمجاز رأساً. أما قوله: من أدعى صرف لفظ فهذا يتناول فرغاً خاصاً يجاريه عليه كل مثبتي المجاز. فالأصل في الألفاظ أن تحمل على ظواهرها ومعانيها الوضعية ولا

стр. 43

يجوز صرفها إلى المعاني المجازية إلا لمانع شرعي أو عقلي من إرادة المعنى اللغوي الوضعي، هذا هو المعنى الذي أراده الإمام ابن القيم من عبارته تلك، وهو رجل خبير بمرامي الكلام يعرف ما يقول بكل وعي وحنكة، ذو خبرة عميقة بتذوق الكلام والتفرقة بين دلالاته ومعانيه. في إعلام الموقعين: - ومن يسلوره شك في هذه الحقائق فليرجع إلى كتابه "إعلام الموقعين" الجزء الأول (٢١٥) وسيرى فيه فصولاً ضافية للإمام كتبها حول طرق فهم دلالات الكلام. قسم فيه الباحثين إلى أصحاب معانٍ يسعون وراء مراد المتكلم من كلامه. وإلى اصحاب ألغاط يقفون عند ظواهر الكلام، ويقول في هذه التفرفة بين أهل المعاني وبين أهل الألفاظ "العارف يقول ماذا أراد؟ واللفظي يقول ماذا قال.."؟ إنها لعبارة حكيمة قالها هذا الإمام الحكيم الفطن وقد مهد للعبارة السابقة بعبارة غاية في الصواب، قال فيها: "والألفاظ ليست تعبدية". ومن تطبيقاته على هذا المنهج الحكيم قوله: "ولهذا فهمت الأمة كلها من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا ... ﴾ جميع وجوه الإنتفاع من الملبي والركوب والمسكن وغيرها" أي: ليس المراد مجرد الأكل الوارد في الآية في سياق الوعيد، بل المراد مطلق الإفناء وكأني بالإمام قد أخذ هذا المعنى عن الجاحظ إذا قال من قبل: "يقال لهم ذلك وأن شربوا بتلك الأموال الأنبذة ولبسوا الحلل، وركبوا الدواب، ولم ينفقوا منها في الأكل درهماً واحداً".

стр. 44

ويشنع على من يقف - دائماً عند ظواهر الألفاظ فقال عطفاً على ما تقدم: "وفهمت - يعني الأمة - من قوله تعالى ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ إرادة النهي عن جميع أنواع الأذى بالقول والفعل ... فلو بصق رجل في وجه والديه وضربهما بالنعل، وقال: إني لم أقل لهما أف" لعدة الناس في غاية السخافة والحماقة والجهل.." ثم يصف من يمنعون صرف ظاهر اللفظ إذا اقتضاه مقتضٍ من الشرع أو العقل فقال ويالحسن ما قال: "ومنعُ هذا مكابرة للعقل والفهم والفطرة" ومن مرونة عقل هذا الإمام أننا رأيناه يفُسح مجالاً في الفكر للتفسير الإشاري عند الصوفية وليس له قوة علاقة بالألفاظ كما المجاز، ومع هذا يفسح الإمام صدره له فيقول: "وهذا لا بأس به بأربعة شرائط: ألا يناقص معنى ألاية، وأن يكون معنى صحيحاً في نفسه، وأن يكون في اللفظ إشعار به، وأن يكون بينه وبين معنى الآية ارتباط وتلازم، فإذا اجتمعت هذه الأمور الأربعة كان استنباطاً حسناً". وصفوة القول: - هذه الجولة التي قمنا في تراث الإمام ابن القيم تفيد أن له في المجاز مذهبين، أحدهما مشهور، وهو إنكار المجاز استناداً إلى ما كتبه في "الصواعق المرسلة، على الجهمية والمعطلة. والثاني غير مشهور، وهو إقراره بالمجاز عن رضاًَ وإقتناع. والذي نرجحه أن مذهبه الإقرار بالمجاز هو الأصل والمعتقد عند الإمام التلميذ كما كان هو الأصل والمعتقد عند الإمام الشيخ ابن تيمية رحمهما الله. ومستندنا في هذا الترجيح أربعة امور: -

стр. 45

الأول: أنهما لم ينكرا المجاز في جميع مؤلفاتهم بل أنكره كل منهما مرة واحدة في مؤلف واحد: الإمام ابن تيمية في كتابه "الإيمان" والإمام ابن القيم في كتابه "الصواعق" وفيما عداهما لم يتعرضا لإنكاره حتلا في المواضع التي ورد فيها ذكره مرات. وذاد الإمام ابن تيمية حيث ردد في قسم أصول الفقه ما سبق ذكره في كتابه "الإيمان". الثاني: تم كلا منهما اقر بالتأويل المجازي الواضح إما نقلا عن السلف وغيرهم، وإما في حر كلامهما. كما أقرا بالمجاز فيما حكاه عن غيرهما، وفي حر كلامهما وأعملاه حتى في النصوص القرآنية كما تقدم. الثالث: ان أدلة الإنكار التي استندا إليها في مرحلة إنكارهما للمجاز مردود عليها كلها حتى الوجوه الخمسين التي ذكرها ابن القيم في كتاب "الصواعق" وللقارئ أن يقرأ ما كتبناه في الرد عليهما في كتاب "المجاز" الذي تقدم التعريف به في أحد الهوامش السابقة. ويضاف إلى هذا أننا استخلصنا فيما تقدم أن الإمام ابن تيمية من خلال النصوص التي نقلناها قد رجع عن كل الدعائم التي استند إليها في إنكار المجاز في كتاب "الإيمان" الادعامة واحدة لم نعثر في كلامه على ما يفيد الرجوع عنها، وهي: عدم ورود المجاز عن السلف في القرنين الأول والثاني الهجريين، وهذا متمسك خفيف الوزن، لإن المجاز مصطلح، والمصطلحات لا تواكب نشأة العلوم والفنون، وإنما تأتي متأخرة نتيجة لتطور البحث. فما أكثر المصطلحات التي استجدت بعد القرنين المشار إليهما في أصول الفقه، وفي الفقه وفي علوم القرآن وعلوم اللغة والأدب والنقد والبيان ولم يقل أحد ببطلان تلك المصطلحات لعدم وجودها في القرنين الأولين. الرابع: أن سوء التأويل لدى بعض الفرق والإسراف في صرف الألفاظ عن ظواهرها بدون مقتض من الشرع أو العقل، والإفتراء على اللغة حتى كادت تفقد ثقة

стр. 46

الناس لكثرة العبث في دلالاتها، هذه الظاهرة كانت سبباً كافياً لوقوف الإمامين الجليلين: ابن تيمية وابن القيم - في وجه الفساد ليردا للغة اعتبارها. ويصونا القرآن والحديث النبوي من عبث العابثين، وألاعيب المتلاعبين. وفي غضون هذه الغضبة منهما على سوء التأويل أكرا المجاز سداً للذرائع بعد أن أسئ استعماله وبلغ الإسراف فيه حداً مخيفاً. وقد رصدنا في كتابنا "المجاز" أمثلة عديدة للإسراف وسوء التأويل وبخاصة من كتاب "فصوص الحِكَم" لابن عربي الباطني الذي اساء في كتابه هذا إلى آيات القرآن الحكيم إساءة لم يسبق لها مثيل، بل ولم يلحق بها مثيل حتى الأن. هذا ما نعتقده تبرئة للإماميت الجليلين من الإتهام بالتناقض في إنكار المجاز مرة، والإقرار به مرات وهذا ليس بمنكر في أعمال الأئمة الأعلام في شتى المجالات. فالإمام عبد القاهر الجرجاني تراه مرة يرفع من شأن المعاني على الألفاظ، وأخرى يمتدح الألفاظ وينصرها على المعاني. وثالثة يسوَّي بينهما. وقد فُسَّر موقفه هذا بأنه حين أنتصر للمعاني على الألفاظ كان يرد على مَنْ جعلوا المزية للفظ وبالغوا في قيمته وحافوا على المعنى، وحين أنتصر للفظ على المعاني كان يواجه المغالين في قيمة المعاني، الحائفين على الألفاظ. أما حين سوَّى بين المعاني والألفاظ فإنه كان يبدي رأيه الخالص في هذه القضية التي شغلت مساحة طويلة عريضة عند النقاد القدماء. فما أشبه موقف الإمامين بهذا الموقف الذي وقفه الجرجاني في كتابه دلائل الإعجاز.

стр. 47

الفصل الثالث وقفة مع الشيخ الشنقيطي بعد عَصْرَيي الإمام ابن تيمية وابن القيم بنهاية النص الأول من القرن الثامن الهجري (٧٥١) توقف الجدل حول إنكار المجاز، قلم يعُدْ أحد متحمساً لإنكاره، ولا أحد كتب في إنكاره مصنفاً منفرداً، ولا أعلن - رأياً ولو مختصراً فيه يفيد إنكاره للمجاز، بيد أن بعض الكاتبين في علوم اللغة كـ الإمام السيوطي، أو علوم القرآن كبدر الدين الزركشي حكوا الخلاف السابق فيه، بدءاً من عصور دواد الظاهري وابنه محمد أبي بكر، وأبي إسحاق الاسفرائيني، وسعيد بن منذر البلوطي وكذلك صنع مثلهما علماء أصول الفقه. وقد أطبقوا - جميعاً - على حكاية الخلاف، وذكر شبهات المنكرين ثم الرد عليها، معلنين في النهاية اقرارهم بوقوع المجاز في القرآن الكريم خاصة، وفي اللغة العربية عامة ومما قاله بدر الدين الزركشي في الرد على منكري وقوع المجاز في القرآن. "من أسقط المجاز من القرآن أسقط شطر الحسن". هذه العبارة وإن كان ظاهرها غير مراد فإن فيها إشارة لوظيفة المجاز في البيان الرفيع، وأثره في الوفاء بحق المعنى وقوة تأثيره في النفوس حين يقتضيه المقام. والقرآن أكثره حقائق لغوية لا مجازات، وهذا أمر بديه لا ينازع فيه. ظل السكوت عن إنكار المجاز طوال خمسة قرون ونصف القرن من وفاة ابن القيم إلى أن وضع الشيخ الشنقيطي رسالة في منع المجاز في القرآن في غضون القرن الثالث عشر الهجري، أطلق عليها:

стр. 48

منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز وهذا العنوان يوحي بأن الشيخ ﵀ يمنع وقوع المجاز في القرآن الكريم دون اللغة بوجه عام. ولكنه في الواقع - ينكره مطلقاً. وإتماماً لمواجهة جميع منكري المجاز - قدماء ومحدثين - أثرنا أن نقف مع رسالة الشيخ الشنقيطي وقفة ناقدة تضع الحق في نصابه، لئلا يظن ظان أن فيها جديداً لم يقله من أنكر المجاز من قبل، أو أننا أهملناها لقوة الحجة فيها. هذا وبالله ومنه التوفيق.

стр. 49

موضوعات رسالة الشيخ الشنقيطي وضع الشيخ رسالته في مقدمة وأربعة فصول وخاتمة: في المقدمة ذكر الخلاف حول منع المجاز وجوازه. وفي الفصل الأول ناقش مقولة "كل ما جاز في اللغة جاز في القرآن". وفي الفصل الثاني ناقش الآيات التي أحتج بها مجوزو المجاز في القرآن الكريم. وفي الفصل الثالث ناقش ما أسماه: إشكالات تتلق بنفي المجاز أو دليل المنع. وفي الفصل الرابع ناقش: تحقيق المقام في آيات الصفات مع نفي المجاز عنها. وفي الخاتمة: عرض مناظرة عن نفي الصفات بالطرق الجدلية. ما يدخل معنا في هذه الدراسة: - ما يدخل معنا في هذه الدراسة - حسب منهجنا - هو المقدمة والفصول الثلاثة الأولى. أما مسألة الصفات فهذه قضية أخرى لم نتطرق لها - قبلاً - إلا عرضاً. وليس من منهجنا أن نفصل القول فيها مع اعتقادنا الذي تزول الجبال ولا يزول أن الله تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ وحتى مع صدق نفي المجاز عنها فإن ذلك لا ينفي المجاز في غيرها كما سيأتي. ونسير في مناقشتنا للشيخ ﵀ على نفس المنهج الذي وضعه هو في رسالته.

стр. 50

نقد ما أورده في المقدمة: - من أبرز ما ذكره في المقدمة أن المجاز مختلف في وقوعه في اللغة، وأن أبا إسحق الإسفرائيني وأبا علي الفارسي قالا لا مجاز في اللغة كما عزاه لهما ابن السبكي في جمع الجوامع. ويترتب على هذا أن مجوزي المجاز في اللغة اختلفوا مرة اخرى حول وقوعه في القرآن وعدم وقوعه، وراح يردد ما ردده غيره من قبل من أن ابن خويز منداد من المالكية وابن القاص من الشافعية، وضم إليهما موقفي الإمام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، وقال إنهما أوضحا منعه في اللغة أصلاً. نقد هذا الكلام: - مثل هذا الكلام كان له بريق ووجه من قبل، ولكن بعد الذي كشفت عنه هذه الدراسة أصبح مجرد نقوش ورسوم لا طائل تحته. فأبو إسحاق مظلوم في هذه النسبة، فقد علمنا من قبل أن له نصاً مستفيضاً في المجاز نقله العلامة ابن القيم كما أشرنا إلى ذلك فيما تقدم، ونقل مثله من قبل ابن القيم إمام الحرمين. ولأبي أسحق تأويلات هي من صميم المجاز. أما أبو علي فالظلم الواقع عليه أشد من الظلم الواقع على أبي إسحاق، فقد روي عنه تلميذه ابو الفتح ابن جني أقوالاً في المجاز، وكذلك الإمام عبد القاهر الجرجاني ثم الإمام ابن القيم نفسه في كتابيه: (الصواعق) و (شفاء العليل) . أما موقفا الإمامين ابن تيمية وابن القيم، فقد قدمنا ما فيه الكفاية حولهما. ولم نجد لهما في مذهب الإنكار دليلاً واحداً ليس فيه مقال. لا مجاز في القرآن وإن صح في اللغة: -

стр. 51

هذا ما أورده الشيخ في المقدمة. ونصه بالحرف: "والذي ندين الله به" ويلزم قبوله كل منصف محقق أنه لا يجوز إطلاق المجاز في القرآن مطلقاً على كلا القولين: أما على القول بأنه لا يجوز في اللغة أصلاً - وهو الحق - فعدم المجاز في القرآن واضح. وأما على القول بوقوع المجاز في اللغة العربية فلا يجوز القول به في القرآن". تعقيب قصير: - نقف أما عبارتين أوردهما ضمن هذا النص: إحداهما قوله "ويلزم قبوله كل منصف محقق ... ". وثانيتهما قوله مذهب منع المجاز في اللغة بأنه - وهو الحق. ولنا عليهما تعقيب واحد: إن هاتين العبارتين، أو الُحكمين، لم يقدم الشيخ الشنقيطي ولا أحد قبله من مانعي المجاز دليلاً واحداً صحيحاً يلزم منه "الإلزام" والقبول، أو يجعله حقيقاً بأنه "الحق" فهما دعويان لم يؤيدهما دليل. ولو أن الشيخ الشنقيطي تتبع كل ما قاله ابن تيمية والإمام ابن القيم لما سولت له نفسه أن يقطع بالحقية والإلزام. ويبدو أنه لم يقرأ لابن تيمية سوى ما كتبه في "الإيمان" ولم يقرأ لابن القيم غير ما كتبه في "الصواعق" فجزم بما جزم. ولو كان تجاوز هذين المصدرين لكان له موقف أخر.

стр. 52

كل مجاز يجوز نفيه: - قال الشيخ: "وأوضح دليل على منعه في القرآن إجماع القائلين بالمجاز على أن كل مجاز يجوز نفيه، ويكون نافيه صادقاً في نفس الأمر. ويرتب على هذه المقولة مقولة أخرى فيقول: "فيلزم من القول بأن في القرآن مجازاً أن في القرآن ما يجوز نفيه ولا شك أنه لا يجوز نفي شيء من القرآن". ويستطرد فيضع شكلاً منطقياً على طريقة المناطقة في الاستدلال فيقول: "وطريق مناظرة القائل بالمجاز في القرآن هي أن يقال": "لا شيء من القرآن يجوز نفيه، وكل مجاز يجوز نفيه، ينتج: لا شيء من القرآن بمجاز". ويجزم ﵀ بأن مقدمتى هذا الاستدلال صحيحتان ليثبت أن النتيجة صحيحة. نقد هذا الكلام: - وقع الشيخ هنا في عدة مبالغات أدت إلى فساد ما جزم به من أحكام وتقديرات: أولاً: أنه أدعى إجماع القائلين بالمجاز على جواز نفيه. وحكاية الإجماع - هنا - مغلوطة. فالذين قالوا هذا هم الأصوليون في سردهم لأمارات المجاز - والأصوليون لا يؤخذ عنهم درس المجاز، لأن لهذا الفن رجالاً وفرساناً أخرين هم علماء البلاغة والبيان. أما الأصوليون فمع ما لهم من دقة وطرافة في مباحث المجاز فإن لهم - كذلك - تصورات لا يجاريهم عليها أحد من أرباب الصناعة وحذاقها. وقد ناقشنا كثيراً من تصوراتهم غير المسلمة في المبحث الخاص بهم في كتابنا "المجاز". ومما لا نسأم تكراره أن شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم،

стр. 53

وتلميذهما الشيخ الشنقيطي أداروا معركتهم في نفي المجاز مع الأصوليين، ولم يديروها مع رجالها المشهود لهم بالتحقيق والتحرير في مسائل البلاغة بعامة والمجاز بخاصة. فأين هو الإجماع الذي يحكيه الشيخ ﵀ ويجزم به ويعتمد عليه في الاستنباط؟!. ثانياً: أن الشيخ جزم بصحة المقدمتين، وهذا كلام فيه مقال، علماً بأنه لم يحدد المراد بالنفي الذي قال فيه: لا شيء من القرآن يجوز نفيه ومع هذا فإننا نضع أمام الشيخ بعض ما حكاه القرآن الكريم عن بعض الكفرة والعصاة مثل قوله تعالى عن فرعون لقومه: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ . قوله لهم كذلك: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ . وقول إبليس في المفاضلة على آدم ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ . قول منكري البعث عن البعث: ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ . وقول اليهود والنصارى في عزيز والمسيح: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ....﴾ وحكاية الله عن المنافقين حين رجعوا عن القتال مع النبي وقالوا: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾ هذه مجرد مثل لما حكاه القرآن الأمين عن بعض الكفرة والعصاة. فما رأي الشيخ ﵀ في هذه الحكايات؟ أكان قائلوها صادقين في تصوير الدعاوي

стр. 54

التي دبجوها؟ أو كانوا كاذبين؟. وما هو موقف المؤمن الصادق الإيمان منها؟ أيقول: إن فرعون كان صادقاً، فيما حكاه عنه القرآن الكريم من أقوال ومزاعم؟ كيف والقرآن نفسه كرَّ عليها فنفاها، فقال في قوله اليهود والنصارى: ﴿ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ وقال معقباً على عدوى المنافقين ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ﴾ . ونعود فنقول: إن الشيخ لم يحدد ما هو مراده من النفي الذي لا يجوز في القرآن؟ فإن كان أراد أننا لا نقول على شيء في القرآن أنه ليس قرآناً فنحن وكل المؤمنين معه. وإن أراد لأن بعض المعاني التي في القرآن لا يجوز نفيها ويجب اعتقاد الصدق فيها فهذا القول في حاجة إلى مراجعة وقد بينا الدليل. وأما المقدمة الثانية "كل مجاز يجوز نفيه" فإن الشيخ أخذ هذه الجملة على ظاهرها، وأهمل تفسير الأصوليين لها، وهو بلا نزاع قد وقف عليه وهذا مما يدعو إلى العجب. فالأصوليون حين قالوا: من علامات المجاز أنه يجوز نفيه. وقال لهم المعارض: إن المجاز كذب إذن. أجابوا على قول المعارض بجواب مقنع جداً فقالوا: حين نقول للبليد حمار، وللشجاع أسد يصح أن يقال: ليس هو بحمار وإنما هو إنسان، وليس هو بأسد وإنما هو رجل. وهذا من إمارات المجاز عندنا، ولكنه لا يحيل المجاز إلى كذب؛ لأن هذا النفي منصب على "إرادة الحقيقة" لا على المعنى المجازي: يعني ليس هو حماراً حقيقة ولا أسداً حقيقة. والمجازي حين يقول عن البليد إنه: حمار، وعن الشجاع إنه: أسد لا يريد لهما حقيقة الحمارية والأسدية، وإنما يكون المجاز كذباً لو صح انصباب النفي على المعنى المراد، فصح نفي البلادة والشجاعة. وهذا غير وارد قطعاً. وباختصار نقول: إن المقدمتين اللتين اعتمد عليهما الشيخ في الاستدلال

стр. 55

غير مسلمتين. ويلزم من هذا فساد النتيجة، المتولدة عنهما وهي منع جواز المجاز في القرآن. وهو المطلوب. كل ما جاز في اللغة العربية جاز في القرآن: أورد الشيخ ﵀ هذه المقولة على أن مجوزي المجاز في القرآن كانوا قد استدلوا بها على صدق مذهبهم. وأعمل فيها ذكاءه المنطقي ومحصوله النظري الجدلي. وانتهى إلى أنها مقولة كاذبة ترتب عليها كذب مطلوبها. وهو دعوى وقوع المجاز في القرآن الكريم. ووما نلفت إليه الأنظار ان الشيخ غالى جداً في التعصب لرأيه ودفع رأي خصومه، فتراه يقول: "والدليل على صدق الجزئية السالبة التي نقضنا بها كليته الموجبة كثرة وقوع الأشياء المستحسنة في اللغة عند البيانيين، كاستحسان المجاز، وهي ممنوعة في القرآن بلا نزاع ... ". فقد غالى - عفا الله عنه - في تصوير المسألة. وقال: إن القرآن ممنوع وقوع المجاز فيه بلا نزاع؟!. فإذا كان المنع بلا نزاع فلماذا وضع هو رسالته: منع جواز المجاز ... وعلى من يردُّ فيها؟. وقارئ كتابنا "المجاز" يعلم علم اليقين أن علماء الأمة أطبقوا على وقوع المجاز في القرآن، ولم يشذ منهم إلا قليل. فكيف يستقيم قول الشيخ عفا الله عنه أن منع وقوع المجاز في القرآن لا نزاع فيه؟!. وقد توهم الشيخ أنه بهذا الاستدلال أول من منع بعض الفنون البلاغية من ورودها في القرآن الكريم مثل:

стр. 56

الرجوع، وحسن التعليل، وبعض أنواع المبالغة. إلخ. تعقيب: - نستطيع أن نقول أن هذا الكلام لا طائل تحته وإن اصاب فيه الشيخ، لأن القاعدة التي ساقها لم ترد عن مجوزي المجاز، وهي كل ما جاز في اللغة جاز في القرآن. فالشعر مثلاً جائز في اللغة ولم يقل أحد من البلاغيين بوروده في القرآن ومنه بعضهم أن يقال أن في القرآن سجعاً. كما منعوا تجاهل العارف. وحسن التعليل قولاً واحداً. وهذا معناه أنهم لم يقولوا: أن كل جائز في اللغة جائز في القرآن إذن فهذا الكلام من الشيخ لم يصادف محلاً، وعلماء الأمة يشاركونه في تنزيه كلام الله عن كل كلام هازل أو غير شريف المعنى. فما الجديد الذي أتى به ﵀. وصفوة القول: أن هذه المقولة لا صلة لها باثبات المجاز في القرآن أو نفيه عنه.

стр. 57

الرد على شواهد الجواز وينتقل الشيخ بعد هذا إلى مناقشة الشواهد القرآنية التي كان مجوزو المجاز في القرآن قد استشهدوا بها. ومنها قوله تعالى: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ وقوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ وقوله: ﴿جَنَاحَ الذُّلِّ﴾ . ويذهب الشيخ إلى أن هذه الألفاظ مستعملة في حقائقها اللغوية وليست مجازات. وفي الآية الأولى يقول: "فالجواب": أن قوله ﴿يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ لا مانع من حمله على حقيقة الإرادة المعروفة في اللغة، لأن الله يعلم للجمادات ما لا نعلمه لها. كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ . "وقد ثبت في صحيح البخاري حنين الجذع الذي كان يخطب عليه ﷺ . وثبت في صحيح مسلم إنه ﷺ قال: "إني لأعراف حجراً كان يسلم عليّ في مكة".. فلا مانع من أن يعلم الله من ذلك الجدار إرادة الانقضاض". تعقيب: نحن لا ننكر علم الله المحيط بكل شيء، ولكن الله خاطبنا على عادتنا في الخطاب وليس على مقتضى علمع المحيط. ولما أراد الله لرسوله سليمان شيئاً من ذلك علمه منطق الطير. وإلاَّ لَمَا فهم سليمان ﵇ كلام الهدهد. ولا كلام النملة. وبعد تعليمه فهم وصار ذلك معجزة لسليمان ﵇. وكذلك حنين الجذع، وتسلم الحجر على نبينا ﷺ كان من الخوارق والمعجزات؟!. إن معيار الدلالات في اللغة خاضع لضوابط المتكلمين بها لا تتجاوز المتعارف عندهم، وإلا لصبحت أحاجي وألغازاً. ومن أجل هذا لم يرسل الله رسولاً

стр. 58

إلا بلسان قومه ليبين لهم. استطراد: - ويستطرد الشيخ فيقول: "إنه لا مانع من كون العربل تستعمل الإرادة عند الإطلاق في معناها المشهور. وتستعملها في الميل عند دلالة القرينة على ذلك. وكلا الاستعمالين حقيقة في محله". تعقيب: - في هذا الكلام صواب وغير صواب. وأما الصواب ففي استعمال العرب الإرادة في معناها المشهور عند الإطلاق، وفي غيره بمعونة القرنية وهذا ما يقوله مجوزو المجاز، فقد اتفقنا إذن فعلام الجدل؟!. وأما غير الصواب فجعل كلا الاستعمالين حقيقة في محله. فقد أقر الشيخ ﵀ أن هناك فرقاً بين الاستعمالين. والفرق يعني اختلاف التسمية. فما دام الأول يسمى حقيقة، وهو بها جدير فبم نسمي الثاني لنمايز بينهما في التسمية كما تمايزا في الدلالة؟!. لو سميناها معاً حقيقتين أو مجازين، لجمدت اللغة فلم نجد فيها علامة تميز به الاثنين ولكانت اللغة قاصرة عن دقائق البيان؟ كيف وهي لغة التنزيل المحكم المعجز: إن لغتنا الجميلة وافية بحاجات المعبرين كل الوفاء. وأن فيها فروقاً جد واضحة بين المتماثلين، كاليدين والرجلين والعينين. ولا ينفي أحد التماثل بين هذه الألفاظ. ولكن اللغة تفرق بينهما فيقال: اليد اليمنى واليد اليسرى، وهكذا الرجلان والعينان. فلو كان لا نجد علامة للتفرقة بين المعنى عند الإطلاق. والمعنى عند التقييد لكن ذلك قصوراً في لغة لا تعرف القصور. ولكن لغتنا اسعفتنا بكيفيات الدقة في التعبير. فكان المعنى عند

стр. 59

الإطلاق حقيقة، وعند التقييد الخاص مجازاً. وإن كان ليس كل مقيد مجازاً. والواقع يدفع دعوى الشيخ للتساوي بين الدلالتين. فهل كان العربي ذو السليقة العربية يفهم من قولنا: "أراد الرجل أن ينقض" نفس المعنى من قولنا: أراد الجدار أن ينقض؟ لو قلنا هذا لاتهمناه بالبلادة والعجز عن فهم لغته. إن إرادة الرجل أو الإنسان العاقل موضع مدح إن كانت في الخير. وموضع ذم إن كانت في الشر. د أما إرادة "الجدار" فلا تمدح ولا تذم. ولو كان العربي يفهم من تلك الإرادة ما يفهم من هذه الإرادة لما استحق أن يخاطبه الله بكلامه الرفيع المعجز. والصياغة القرآنية نفسها ترد هذا الفهم. فالنظم القرآني يقول: ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾ قال فأقامه ليدل على أن المراد من "الإرادة" الاعوجاج والميل. أي أن موسى ﵇ رأى الجدار مائلاً معوجاً فأقامه. يعني جعله قائماًَ مستوياً ولعل السر البياني هنا هو تصوير قرب الجدار من الانقضاض والتهدم، بإرادة المريد حقيقة لهذا التهدم، فكأنه هو الفاعل المختار لهذا الفعل. أما في قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ فقد حاول الشيخ ﵀ محاولات عديدة لاخراجها من المجاز عند الأصوليين والبيانيين وقد وسع دائرة الجدل حولها عله يلتقط خيطاً يصل به إلى المراد وننقل فيما يلي ما انتهى إليه من محاولاته. قال ﵀: "فظهر أن مثل واسأل القرية من المدلول عليه بالاقتضاء وأنه ليس من المجاز عند جمهور الأصوليين القائلين بالمجاز في القرآن. وآحرى غيرهم - يعني البيانيين - مع أن حد المجاز لا يشمل مثل: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ لأن القرية فيه عند القائل به من مجاز النقص مستعملة في معناها الحقيقي، وإنما جاءها المجاز عندهم من قبيل النقص المؤدي لتغيير الإعراب. وقد قدمنا أن المحذوف مقتضى,

стр. 60

وأن أعراب المضاف إليه إعراب المضاف إذا حذف من أساليب اللغة العربية". نقد هذا الكلام: إن من يرجع إلى كتب جميع الأصوليين يجدهم عند حديثهم عن اقسام المجاز يمثلون أول ما يمثلون لمجاز النقص بقوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ ولا يكاد يشذ منهم أحد. فمحاولة إلزام الشيخ الأصوليين بإخراج هذه الآية من المجاز طريقها جدلي بحت. يضاف إلى ذلك أن دلالة الإقتضاء عند الأصوليين واحدة من دلالات المجاز. وضابط المجاز ينطبق عليه تماماً. لإإن وجد من بينهم من يرى خلاف ذلك فما أكثر التصورات غير الدقيقة التي يثبتها كثير من الأصوليين في بحث المجاز، والعاصم من هذا الخلط هو تحقيقات البلاغيين كالسعد والسيد، وقد صححا كثيراً من تصورات الأصوليين غير الدقيقة. أما قول الشيخ: أن القرية مستعملة في معناها الحقيقي ليتوصل بهذا القول إلى نفي المجاز عنها فهذا كذلك - مردود. لأن القرية هنا لها تخريجان: الأول: أنها باقية على مدلولها الحقيقي فعلاً. وهذا لا يخرجها من المجاز، لأن الذي فيها مجاز عقلي واقع في النسب والإسناد. والمجاز العقلي لم تخرج فيه الألفاظ عن مدلولاتها اللغوية ولذلك كان التجوز فيه عقلياً. الثاني: إخراجها عن المدلول اللغوي فشبهت بمن يسأل ويكون التجوز فيها لغوياً (استعارة بالكناية) وعلى كلا التقديرين فهي غير خارجة عن دائرة المجاز سواء قلنا باستعمالها في معناها الحقيقي، لو خروجها عنه فأين المفر؟. أما قوله: جاءها المجاز من تغيير الأعراب فهو فليس بدقيق لأن تغيير

стр. 61

الإعراب ترتب عليه تغيير المعنى فأصبحت القرية معه "مسئولة" وكان المسئول فيما لو لم يغير إعرابها هو أهلها لا هي. وهذه الآية لفتت نظر الرواد منذ عهد سيبويه، وكان لها فضل كبير في تنشئة المجاز وتطوره، ولكن الشيخ ﵀ بعد خمسة عشر قرناً يريد أن يعكس مسيرة الفلك، وهذا شيء فات أوانه. جناح الذل: ويذهب الشيخ إلى أن الذل جناح كجناح الطائر من حيث يرى أن الجناح المضاف للذل حقيقة كالجناح المضاف للطائر. وهذه مماحكات لفظية فالذل معنى وقصد، وصورة معقولة، وليس بهيكل ولا جسم، وقد اغرى الشيخ أن يقول: أن جناح الذل حقيقة لا مجاز آيات من القرآن الكريم أضيف فيه الجناح لغير ذي جناح، مثل قوله تعالى: ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وأقوال وردت عن العرب مثل قولهم: وأنت الشهير بخفض الجناح فلاتك في رفعه أجدلا والشيخ ﵀ حفظ شيئاً وغابت عنه أشياء. فليست دلالة الجناح على "الجنب واليد" كدلالة الجنب على الجنب واليد على اليد فالجناح في قوله تعالى: ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ غير الجناح في قوله سبحانه: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ..﴾ والدليل على ذلك أن القرآن الكريم يستعمل الجناح في مواضع، واليد في مواضع، والمواضع التي يستعمل فيها "اليد" مطلوب فيها دقة الضبط لأنها موارد للأحكام الشرعية. ففي بيان حد السرقة جاء في التنزيل المحكم: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ، ولم يقل

стр. 62

جناحيهما. وفي بيان كيفية الوضوء جاء فيه: ﴿.. فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ . وفي بيان كيفية التيمم جاء فيه: ﴿وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ . وجاء فيه أيضاً: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ . وفي بيان حد المفسدين في الأرض يقول: ﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ . وفي بيان التفضل على المؤمنين بكف الأذى عنهم جاء فيه: ﴿إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾ . لم يقل في كل ذلك: أجنحتكم ولا أجنحتهم. فدل ذلك على أن الجناح ليس يداً. وإنما تشبه اليد بالجناح في مواضع إثارة العواطف كما هو. فهي في الأولى دلالة علمية مقنعة. وفي الثانية دلالة أدبية ممتعة. أما ورود ذلك عن العرب. فالعرب ما أكثر المجازات في كلامهم. ولولا ورود المجاز عنهم لما وجد له أثر في العصور اللاحقة. ولما حفل به القرآن الكريم. الرجوع إلى الكناية: وكأننا بالشيخ ﵀ قد أحس بصعف ما ذهب إليه فعدل عن الحقيقة الخالصة إلى الكناية فقال:

стр. 63

"والجواب: أن الجناح في قوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ﴾ إن الجناح هنا مستعمل في حقيقته؛ لأن الجناح يطلق على يد الإنسان وعضده وابطه؟!!. والخفض مستعمل في معناه الحقيقي.. لأن مريد البطش يرفع جناحيه ومظهر الذل والتواضع يخفض جناحيه. فالأمر بخفض الجناح للوالدين كناية عن لين الجانب..". تعقيب: إن الذهاب إلى حقيقة الجناح والخفض - هنا - فيه حجر على معنى الآية الوارف الظلال. فقد يكون "الولد" خافض الجناحين، وهو مع هذا من أشد الناس عنفاً. وألحقهم أذى بوالديه. ولا يكون - على هذا الفهم الضيق" باراً بوالديه ولو إذا خفض جناحيه. هذا لازم الوقوف عند المعنى الحقيقي للجناح والخفض. وكذلك فإن رفع الجناحين لا يلزم منه الشدة والعنف، فقد يكون دليلاً على الاستسلام وفقدان الحول والقوة. وهذه المحاذير لا ترد إذا حملنا الكلام على التمثيل لحالة الطائر فإنه يكون أقرب ما يكون من النفع والقرب من مريديه إذا خفض جناحيه وترك الطيران وهبط على الأرض، وحين يكون طائراً فذلك هو الشرود والعقوق بعينه؟. وما رأي الشيخ ﵀ في ولد اقطع اليدين أو مشلولهما. أهذا مستحيل عليه أن يبر والديه حيث لا يدان أو لا جناحان له يخفضهما؟. وإذا غضضنا الطرف عن هذا كله، أنسى الشيخ ﵀ أن الكناية فيها. جانبا حقيقة ومجاز. فليست هي حقيقة خالصة، ولا مجازاً خالصاً. فالقائل بجواز ورودها في القرآن قائل - لا محالة - بوقوع نصف مجاز في القرآن، وهو يستوي مع من قال بوقوع مجاز كامل. فأين المفر مرة أخرى.

стр. 64

المجاز ليس أعجميا ؟!. في مواضع كثيرة ردد الشيخ على ما يسميه غيره مجازاً أنه ليس بمجاز، بل هو أسلوب من أساليب اللغة العربية. وهذا السلوك كان يكون مفيداً في النزاع لو كان القائلون بالمجاز يقولون أن المجاز أعجمي وليس بعربي أما والمجاز عربي أصيل وما عرفت لغة صلتها بالمجاز أقوى من صلة اللغة العربية به. وإن كان لابد من فرق بين الشيخ ﵀، وهو ينفي كل أساليب المجاز ويكتفي بأن يطلق عليها أنها أسلوب من أساليب اللغة العربية. إن. الذي يطلق عليه هو "أسلوب من أساليب اللغة" يطلق عليه غيره أنه "مجاز" والاختلاف في التسمية مع الاعتراف بوجود المسمى لا طائل تحته. بيد أن خصوم الشيخ أكثر منه دقة وضبطاً، لأن تسميتهم للمجاز مجازاً فيها تمييز واضح عما سواه من الحقائق، أما تسمية الشيخ له "أسلوب من أساليب اللغة" فهذا يطلق على الحقائق كما يطلق على المجازات.. وفي هذا خلط وتمويه. أيجوز لرجل رزقه الله ذرية أن يسمي الأول منهم، ويكتفي بأن يدعي كل من الباقين بأنه "ولد فلان" دون أن يكون له اسم يميزه عن أشقائه؟! وبعد هذا كله ننتقل إلى ما هو أخطر مما تقدم، فنسأل هذا السؤال الذي سيجلي حقيقة مواقف منكري المجاز حديثاً كما جلاها قديما. وهذا السؤال.

стр. 65

ولكن. . . هل سلم الشيخ من المجاز؟ عرفنا مذهب الشيخ الشنقيطي في المجاز، وأنه من أشد أهل العصر انكاراً له. لا في القرآن وحده، بل وفي اللغة كذلك وللشيخ أعمال علمية وضعها قبل موته وهي بين أيدي القراء ومن أبرزها - كما سبق - أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن. الذي كتب سبعة أجزائه الأولى. وأكمله أحد تلاميذه إلى العشرة. فهل - يا ترى - سلم الشيخ من المجاز في حر كلامه فطابق مذهبه العملي السلوكي مذهبه الجدلي النظري الذي تقدم، فيكون الرجل وفياً بمذهبه في الإنكار؟ أم أنه لم يسلم من القول بالمجاز في حر كلامه فكان مثل الإمام ابن تيمية والإمام ابن القيم له مذهبان: أحدهما: جدلي نظري أنكر فيه المجاز. وثانيهما: سلوكي عملي مارس فيه شيئاً من المجاز؟ الواقع أن الشيخ ﵀ مثل الإمامين له نفس المذهبين اللذين لهما، مع فارق واحد. فقد استدللنا على مذهبي الإمامين بنوعين من الأدلة. أحدهما: التأويلات المجازية. وثانيهما: ورود المجاز صريحاً بلفظه ومعناه في حر كلامهما وإن زاد ابن القيم بوضعه مؤلفا في علم البيان تحدث فيه عن المجز حديثاً مطولا. أما الشيخ الشنقيطي ﵀ فدليلنا على مذهبه السلوكي العملي نوع واحد هو كثرة التأويلات المجازية في حر كلامه فقد قرأنا كتابه: أضواء البيان في أجزائه العشرة، وظفرنا بالكثير من التأويلات المجازية الواردة في حر كلامه بيد أننا لن نستشهد إلا بما ورد في الأجزاء السبعة الأولى التي كتبها بنفسه. أما ما أكمله

стр. 66

تلميذه الشيخ عطية محمد سالم فلن نعتمد عليه، حتى لا نحمل الرجل عمل غيره وإن كان التلميذ قد توخى مذهب شيخه بكل دقة وإتقان. ونورد من تأويلاته ﵀ ما يندرج تحت الفنون المجازية الآتية: المجاز العقلي - المجاز اللغوي المرسل - المجاز اللغوي الاستعاري ومن الله التوفيق.

стр. 67

المجاز العقلي أول ما يلقانا من تأويلاته المجازية التي هي من صريح المجاز العقلي توجيهه إسناد التوفي إلى الله مرة، وإسناده إلى ملك الموت مرة، ثم إسناده إلى الملائكة مرة. ونصه بالحرف في التصرف بالحذف. "أسند هنا جل وعلا التوفي للملائكة في قوله تعالى: ﴿تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ وأسنده في السجدة لملك الموت في قوله: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ وأسنده في الزمر إلى نفسه جل وعلا في قوله: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ وقد بينا.. أنه لا معارضة بين الآيات المذكورة فإسناده التوفي لنفسه؛ لأنه لا يموت أحد إلا بمشيئته تعالى.... وأسنده لملك الموت؛ لأنه هو المأمور بقبض الأرواح وأسنده إلى الملائكة لأن لملك الموت أعواناً من الملائكة". تعقيب: هذا قوله، وهو نفس القول الذي يقوله البيانيون حين يقررون أن في هذه الآيات مجازاً عقلياً. وليس ثمة من فرق بينه وبينهم سوى أنهم يطلقون على هذا اسم المجاز العقلي أو الحكمي وهو يسكت عن التسمية. كما فعل الإمام اين القيم وشيخه من قبل. وجعلنا آية النهار مبصرة: بعد أن أورد الشيخ تفسير السلف لهذه الآية قال بالحرف: "قال مقيده عفا الله عنه: هذا التفسير من قبل قولهم: نهاره صائم، وليله قائم. ومنه: لقد لمتنا يا أم غيلان في السرى ونمت. وماليل المطى بنائم.

стр. 68

تعقيب: هذه الأمثلة التي ذكرها هي بعينها التي يمثل بها علماء البيان فيما يمثلون للمجاز العقلي. وقد طفق الرواد الأوائل يرددون هذه المثل قبل ارساء قواعد علوم البلاغة على أنها من الاتساع في اللغة. والتأويل المجازي فيها ظاهر وإن أمسك الشيخ عن التسمية. حجاباً مستوراً: قال ﵀ في تفسير هذه الآية ما نصه: "قال بعض العلماء هو من إطلاق اسم المفعول وإرادة اسم الفاعل أي حجاباً ساتراً. وقد يقع عكسه كقوله تعالى: ﴿مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ أي مدفوق. ﴿عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ أي مرضية فاطلاق كل من اسم الفاعل واسم المفعول، وإرادة الآخر اسلوب من أساليب اللغة العربية. والبيانيون يسمون مثل ذلك الإطلاق: مجازاً عقلياً ... ". وقفة مع هذا الكلام: ها هو ذل الشيخ ﵀ لم يستغن عن التأويل المجازي في الكشف عن المراد من هذه الآية الكريمة. فأقر ثلاثة تأويلات مجازية في القرآن. مستور بمعنى ساتر، ودافق بمعنى مدفوق، وراضية بمعنى مرضية. ارتضى هذا التأويل وهو يدرك تماماً بم يسميه البيانيون ولكنه نحا إلى تسميته أسلوباً من أساليب اللغة العربية وهذه التسمية لا تمنع تسمية أدق منها وأضبط، وهي المجاز العقلي. ومعلوم عند النظار أن هذا خلاف لفظي ليس له محصول. فالشيخ إذن مقر بالمجاز. وفيم؟ في القرآن العظيم الذي اجتهد في وسالته السابقة أن ينفي عنه المجاز فلم يستطع إلا ترك التسمية.

стр. 69

اهتزت وربت: وفي هذه الآية يستعين الشيخ بالتأويل المجازي الواضح للكشف عن معنى الاهتزاز المسند إلى الأرض فيها: فيقول: "اهتزت: أي تحركت بالنبات. ولما كان النبات ثابتاً فيها ومتصلا بها، كان اهتزازه كأنه اهتزازها. فأطلق عليها بهذا الاعتبار، أنها اهتزت بالنبات. وهذا أسلوب عربي معروف". وقفة مع هذا الكلام: هذا التأويل الذي يسميه الشيخ - لحاجة في نفس يعقوب - أسلوباً معروفاً من أساليب اللغة العربية، يسميه علماء البيان مجازاً عقلياً علاقته المكانية، لأن الأرض مكان الاهتزاز ومحله فأسند إليها وكأنها هي فاعلة الاهتزاز، وزانه قولهم: نهر جار: أي جازع ماؤه فيه. وحقيقة الآية على تأويله: اهتز نباتها فيها. وسواء أقر الشيخ بالتسمية المجازية. أم لم يقر فالمجاز لازم له. ونحن مع إلزامنا له بالمجاز على حسب تأويله نورد في الآية ما لم يقله هو، ولو كان قاله لكان أجدى على مذهبه في نفي المجاز في هذه الآية بعينها. فلا مانع أن يكون الاهتزاز مسنداً للأرض حقيقة لا مجازاً لأنها حين ينزل فيها الماء، وبخاصة عن طريق المطر، تهتز ذراتها اهتزازاً حقيقياً وإن غاب عن النظر المجرد. وكذلك إذا غمرها الماء سيحاً؛ لأن الأرض تتحرك وتزداد في حجمها باختلاط الماء بها فكل من الاهتزاز والزيادة في "اهتزت وربت" حقيقتان لغويتان فيها ومع هذا فإننا نتمسك بما قاله الشيخ؛ لا لأنه عين الصواب ولكن لإلزامه بالتأويل المجازي الذي لم يستطع الاستغناء عنه.

стр. 70

المجاز المرسل: ورود التأويلات المجازية المندرجة تحت صور المجاز المرسل كثرت في الأضواء كثرة مستفيضة ويريد تأويل الشيخ لها ما للمجاز من دور جليل الشأن في لغة العرب عامة، وفي البيان القرآني خاصة، وأنه لولا المجاز لاستغلق على الأفهام قسط كبير من القرآن العظيم، وبخاصة في مجالات الأحكام، وفيما يلي نذكر نماذج متعددة من أقوال الشيخ فيها ﵀ رحمة واسعة. وآتوا اليتامى أموالهم: هذا خطاب من الله لأوصياء اليتامى بإعطائهم أموالهم التي كانوا يقومون على رعايتها، والأوصياء إنما صاروا أوصياء بتحقيق وصف اليتم فيمن هم أوصياء عليهم. وتستمر الوصاية ما دام اليتم. فإذا زال اليتم زالت. لذلك كان في هذه الآية أشكال حيث أمرت الأوصياء أمراً مطلقاً أن يؤتوا اليتامى أموالهم. وهذا - بحسب الظاهر - مناف لحكمة التشريع من نصب وصي على مال اليتامى. لذلك يقول الشيخ ﵀: "أمر الله تعالى في هذه الآية الكريمة بإيتاء اليتامى أموالهم، ولم يشترط هنا شرطا في ذلك؛ ولكنه بين بعد هذا أن هذا الإيتاء مشروط بشرطين: الأول: بلوغ اليتامى، والثاني: إيناس الرشد منهم، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ وتسميتهم يتامى في الموضعين إنما هي باعتبار يتمهم الذي كانوا متصفين به قبل البلوغ. إذ لا يتم ذلك إلا بعد البلوغ إجماعاً".

стр. 71

وقفة مع هذا الكلام: تسمية من كان يتيماً قبل البلوغ يتيماً بعد البلوغ، هي مجاز مرسل عند علماء البيان علاقته اعتبار ما كان، ومجاز مطلق عند الأصوليين له نفس العلاقة، وما قاله الشيخ في بيانه اعتراف بقول الأصولي وعالم البيان، ويسميانه مجازاً ولكن الشيخ لا يسمى. وقد رفع التأويل المجازي الأشكال الحاصل حول: كيف نؤتيهم أموالهم وهم ما يزالون يتامى، فجاء المجاز وقال: ليسوا هم في هذه الحالة يتامى وإنما سموا - كذلك - لقرب عهدهم باليتم. ونضيف إلى هذا سراً بيانياً أخر، وهو أن القرآن سماهم - هنا - يتامى وقد فارقوا اليتم ترقيقاً لقلوب الأوصياء لهم ليحسنوا إليهم فلا يظلموهم شيئاً؛ لأن اليتم وصف يقتضي الإحسان وكذلك يفيد المسارعة لإعطائهم أموالهم.. هذا، وقد جانب الشيخ الصواب حين عد قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ نظير قوله: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى﴾ والفرق كبير بينهما فهم في ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ يتامى حقيقة لا مجازاً. النكاح مجاز في العقد: من صور المجاز المرسل حكاية الشيخ الخلاف بين العلماء والفقهاء والأصوليين في لفظ "النكاح" هل هو حقيقة في العقد مجاز في الوطء؟ أم حقيقة في الوطء مجاز في العقد؟ فإن كان الأول فهو مجاز مرسل من استعمال المسبب في السبب، وإن كان الثاني فهو مجاز مرسل كذلك من استعمال السبب في المسبب، وعلى كلٍ فالمجاز

стр. 72

هنا وارد في كلام الشيخ بلفظه ومعناه في سياق يشعر بإقراره للمجاز ولا تشتم منه أية رائحة للإنكار. جعلا له شركاء: في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا ... ﴾ ذكر الشيخ أن في الآية الكريمة وجهين يشهد القرآن لأحدهما. والوجه الذي قال: أن القرآن يشهد له وجه مجازي بلا أدنى نزاع وفيه يقول الشيخ: الوجه الثاني: إن معنى الآية أنه لما آتى آدم وحواء صالحا كفر به بعد ذلك كثير من ذريتهما. وأسند فعل الذرية إلى آدم وحواء لأنهما أصل لذريتهما، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ أي بتصويرنا لأبيكم آدم؛ لأنه أصلهم. بديل قوله بعده: ﴿ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ ويدل لهذا الوجه الأخير أنه تعالى قال بعده: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٩٠) أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ وهذا نص قرأني صريح في أن المراد المشركون من بني آدم لا آدم وحواء. وقفه مع هذا التوجيه: هذا التأويل محتمل لنوعين من المجاز. في الآية الأولى حيث قد اسند فيها فعل ذرية آدم إلى آدم وحواء. فهو مجاز عقلي من الإسناد إلى السبب. وأما في الآية الثانية: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ فهو مجاز مرسل؛ لأن آدم سبب في توالد بنية المخاطبين. وموطن الشاهد أن الشيخ كثيراً ما يحمل آيات القرآن الكريم على التأويل المجازي الواضح الحسن الجميل. ومع هذا فمذهبه الجدلي في إنكار المجاز قد

стр. 73

عرفناه. وكفى المجاز أصالة أن منكريه لم يستطيعوا الاستغناء عنه. وهذا من الوضوح بمكان. خلقك من تراب: ومن المجاز المرسل تأويله لقوله تعالى: ﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ..﴾ . حيث قال فيه: "معنى خلقه من تراب أي خلق آدم الذي هو أصله من التراب". والمعنى المجازي في هذا التأويل واضح، فليس المخاطب هو المراد، بل أصله وسببه. وتأتون في ناديكم المنكر: قال الشيخ في معنى النادي: "فالنادي والندى يطلقان على المجلس. وعلى القوم الجالسين فيه، وكذلك المجلس يطلق على القوم الجالسين فيه. ومن إطلاق الندى على المكان قول الفرزدق. وما قام منا قائم في ندينا فينطق إلا بالتي هي أعرف وقوله تعالى: ﴿وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ ومن إطلاقه على القوم قوله تعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾ ومن إطلاق المجلس على القوم الجالسين فيه قول ذي الرمة: لهم مجلس صهب السبال أذلة سواسية أحرارها وعبيدها

стр. 74

وقفة مع هذا الكلام: إطلاق النادي والندى على المكان حقيقة. وإطلاقه على من هو حال فيه مجاز مرسل بعلاقة المجاورة أو المكانية. وإطلاق المجلس على المكان حقيقة لأنه اسم مكان في أصل الوضع، أما إطلاقه على القوم الجالسين فيه فمجاز مرسل. وكل هذه التأويلات مستساغة عند المؤلف فلماذا هجر التسمية إذن؟ صور أخرى للمجاز المرسل: وبقيت صور أخرى كثيرة مبثوثة في ثنايا الكتاب في أجزائه العشرة ومنها خروج الاستفهام إلى الإنكار والتوبيخ والإبعاد. وخروج الأمر والنهي للتهديد والتعجيز وغيرهما من المعاني المجازية، أثرنا عدم الإطالة بذكرها كلها ونكتفي منها بما يأتي: خروج الخبر للتوبيخ: الخبر موضوع في اللغة لإعلام المخاطب بمضمون الكلام وفائدته أو بلازم فائدته وخروجه عن هذين معدود عند علماء البيان من المجاز المرسل. والمؤلف - كعهدنا به - يتابع القوم في التأويل المجازي ويتوقف عن التسمية فتراه في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ يحمله على التوبيخ فيقول: "لا يخفى أنه توبيخ وتقريع ... وأمثال ذلك كثير في القرآن، كقوله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ .. والآيات بمثل ذلك كثير جداً. والشيخ يسمي مثل هذه الخروجات اسلوباً من أساليب اللغة. وغيره يسميها مجازاً والاختلاف في التسمية بعد الاتفاق على وجود المسمى أمره يسير.

стр. 75

خروج الأمر: وتحدث الشيخ عن خروج الأمر عن مجرد الطلب إلى معان أخرى في مواضع كثيرة من تفسيره. ومن ذلك: قوله في قوله تعالى: ﴿فَلْيَمْدُدْ ... ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ قال: فصيغة الأمر في قوله ﴿فَلْيَمْدُدْ﴾ ثم في قوله ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ للتعجيز. خروج الاستفهام: حمل الاستفهام في قوله تعالى حكاية عن منكري البعث: ﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ على الإنكار فقال: "والآيات بمثل هذا في إنكارهم للبعث كثيرة، والاستفهام في قوله: ﴿أَإِنَّا﴾ إنكار منهم للبعث". هذه مثل مختارة بغير اختيار من التأويلات المجازية المندرجة تحت المجاز العقلي والمجاز المرسل أردنا بها الاستدلال على أن الشيخ مع انكاره للمجاز في مذهبه الجدلي النظري لم يستطع أن يتخلص من المجاز وهو يتصدى لتفسير كلام الله أقدس الكلام وأرفعه. وهذا يدل على أصالة المجاز وأن انكاره ضرب من التحكم الذي لا يقوم عليه دليل. ولا شبه دليل.
следующие страницы →