← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 1410

المجاز عند الإمام ابن تيمية وتلاميذه بين الإنكار والإقرار

عبد العظيم المطعني

Полный текст (80 стр.). Показаны 71–80 · переход к 76.

стр. 71

وقفة مع هذا الكلام: تسمية من كان يتيماً قبل البلوغ يتيماً بعد البلوغ، هي مجاز مرسل عند علماء البيان علاقته اعتبار ما كان، ومجاز مطلق عند الأصوليين له نفس العلاقة، وما قاله الشيخ في بيانه اعتراف بقول الأصولي وعالم البيان، ويسميانه مجازاً ولكن الشيخ لا يسمى. وقد رفع التأويل المجازي الأشكال الحاصل حول: كيف نؤتيهم أموالهم وهم ما يزالون يتامى، فجاء المجاز وقال: ليسوا هم في هذه الحالة يتامى وإنما سموا - كذلك - لقرب عهدهم باليتم. ونضيف إلى هذا سراً بيانياً أخر، وهو أن القرآن سماهم - هنا - يتامى وقد فارقوا اليتم ترقيقاً لقلوب الأوصياء لهم ليحسنوا إليهم فلا يظلموهم شيئاً؛ لأن اليتم وصف يقتضي الإحسان وكذلك يفيد المسارعة لإعطائهم أموالهم.. هذا، وقد جانب الشيخ الصواب حين عد قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ نظير قوله: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى﴾ والفرق كبير بينهما فهم في ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ يتامى حقيقة لا مجازاً. النكاح مجاز في العقد: من صور المجاز المرسل حكاية الشيخ الخلاف بين العلماء والفقهاء والأصوليين في لفظ "النكاح" هل هو حقيقة في العقد مجاز في الوطء؟ أم حقيقة في الوطء مجاز في العقد؟ فإن كان الأول فهو مجاز مرسل من استعمال المسبب في السبب، وإن كان الثاني فهو مجاز مرسل كذلك من استعمال السبب في المسبب، وعلى كلٍ فالمجاز

стр. 72

هنا وارد في كلام الشيخ بلفظه ومعناه في سياق يشعر بإقراره للمجاز ولا تشتم منه أية رائحة للإنكار. جعلا له شركاء: في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا ... ﴾ ذكر الشيخ أن في الآية الكريمة وجهين يشهد القرآن لأحدهما. والوجه الذي قال: أن القرآن يشهد له وجه مجازي بلا أدنى نزاع وفيه يقول الشيخ: الوجه الثاني: إن معنى الآية أنه لما آتى آدم وحواء صالحا كفر به بعد ذلك كثير من ذريتهما. وأسند فعل الذرية إلى آدم وحواء لأنهما أصل لذريتهما، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ أي بتصويرنا لأبيكم آدم؛ لأنه أصلهم. بديل قوله بعده: ﴿ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ ويدل لهذا الوجه الأخير أنه تعالى قال بعده: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٩٠) أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ وهذا نص قرأني صريح في أن المراد المشركون من بني آدم لا آدم وحواء. وقفه مع هذا التوجيه: هذا التأويل محتمل لنوعين من المجاز. في الآية الأولى حيث قد اسند فيها فعل ذرية آدم إلى آدم وحواء. فهو مجاز عقلي من الإسناد إلى السبب. وأما في الآية الثانية: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ فهو مجاز مرسل؛ لأن آدم سبب في توالد بنية المخاطبين. وموطن الشاهد أن الشيخ كثيراً ما يحمل آيات القرآن الكريم على التأويل المجازي الواضح الحسن الجميل. ومع هذا فمذهبه الجدلي في إنكار المجاز قد

стр. 73

عرفناه. وكفى المجاز أصالة أن منكريه لم يستطيعوا الاستغناء عنه. وهذا من الوضوح بمكان. خلقك من تراب: ومن المجاز المرسل تأويله لقوله تعالى: ﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ..﴾ . حيث قال فيه: "معنى خلقه من تراب أي خلق آدم الذي هو أصله من التراب". والمعنى المجازي في هذا التأويل واضح، فليس المخاطب هو المراد، بل أصله وسببه. وتأتون في ناديكم المنكر: قال الشيخ في معنى النادي: "فالنادي والندى يطلقان على المجلس. وعلى القوم الجالسين فيه، وكذلك المجلس يطلق على القوم الجالسين فيه. ومن إطلاق الندى على المكان قول الفرزدق. وما قام منا قائم في ندينا فينطق إلا بالتي هي أعرف وقوله تعالى: ﴿وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ ومن إطلاقه على القوم قوله تعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾ ومن إطلاق المجلس على القوم الجالسين فيه قول ذي الرمة: لهم مجلس صهب السبال أذلة سواسية أحرارها وعبيدها

стр. 74

وقفة مع هذا الكلام: إطلاق النادي والندى على المكان حقيقة. وإطلاقه على من هو حال فيه مجاز مرسل بعلاقة المجاورة أو المكانية. وإطلاق المجلس على المكان حقيقة لأنه اسم مكان في أصل الوضع، أما إطلاقه على القوم الجالسين فيه فمجاز مرسل. وكل هذه التأويلات مستساغة عند المؤلف فلماذا هجر التسمية إذن؟ صور أخرى للمجاز المرسل: وبقيت صور أخرى كثيرة مبثوثة في ثنايا الكتاب في أجزائه العشرة ومنها خروج الاستفهام إلى الإنكار والتوبيخ والإبعاد. وخروج الأمر والنهي للتهديد والتعجيز وغيرهما من المعاني المجازية، أثرنا عدم الإطالة بذكرها كلها ونكتفي منها بما يأتي: خروج الخبر للتوبيخ: الخبر موضوع في اللغة لإعلام المخاطب بمضمون الكلام وفائدته أو بلازم فائدته وخروجه عن هذين معدود عند علماء البيان من المجاز المرسل. والمؤلف - كعهدنا به - يتابع القوم في التأويل المجازي ويتوقف عن التسمية فتراه في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ يحمله على التوبيخ فيقول: "لا يخفى أنه توبيخ وتقريع ... وأمثال ذلك كثير في القرآن، كقوله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ .. والآيات بمثل ذلك كثير جداً. والشيخ يسمي مثل هذه الخروجات اسلوباً من أساليب اللغة. وغيره يسميها مجازاً والاختلاف في التسمية بعد الاتفاق على وجود المسمى أمره يسير.

стр. 75

خروج الأمر: وتحدث الشيخ عن خروج الأمر عن مجرد الطلب إلى معان أخرى في مواضع كثيرة من تفسيره. ومن ذلك: قوله في قوله تعالى: ﴿فَلْيَمْدُدْ ... ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ قال: فصيغة الأمر في قوله ﴿فَلْيَمْدُدْ﴾ ثم في قوله ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ للتعجيز. خروج الاستفهام: حمل الاستفهام في قوله تعالى حكاية عن منكري البعث: ﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ على الإنكار فقال: "والآيات بمثل هذا في إنكارهم للبعث كثيرة، والاستفهام في قوله: ﴿أَإِنَّا﴾ إنكار منهم للبعث". هذه مثل مختارة بغير اختيار من التأويلات المجازية المندرجة تحت المجاز العقلي والمجاز المرسل أردنا بها الاستدلال على أن الشيخ مع انكاره للمجاز في مذهبه الجدلي النظري لم يستطع أن يتخلص من المجاز وهو يتصدى لتفسير كلام الله أقدس الكلام وأرفعه. وهذا يدل على أصالة المجاز وأن انكاره ضرب من التحكم الذي لا يقوم عليه دليل. ولا شبه دليل.

стр. 76

المجاز الاستعاري: أما المجاز اللغوي الاستعاري فما أكثر تأويلات الشيخ المفضية إليه وإن تحفظ هو من التصريح بالاسم. وفيما يلي نماذج منها نعرضها بكل إيجاز: فأذاقها الله لباس الجوع والخوف: عرض المؤلف اختلاف وجهات النظر عند البيانيين في نوع المجاز في هذه الآية وما قرن به من دقائق الدلالات والأسرار، وهو في جملة كلامه يرفض كل الرفض أن يكون في الآية مجاز بناء على ما قرره في مذهبه الجدلي النظري من منع جواز المجاز في القرآن وخلاصة كلامه في المنع عنا هو قوله: "فلا حاجة إلى ما يذكره البيانيون من الاستعارات في هذه الآية الكريمة وقد أوضحنا في رسالتنا: منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز" أنه لا يجوز لأحد أن يقول أن في القرآن مجازاً..... وأوضحنا ذلك بأدلته وبينا أن ما يسميه البيانيون مجازاً أنه اسلوب من أساليب اللغة العربية. قلت: حسناً، فليرفض الشيخ ما شاء، ولكن ماذا قال الشيخ في توجيه هذا التعبير القرآني الرائع، وهل استطاع وهو ينكر طريقة البيانيين أن يأتي هو ببديل مغاير تماماً لما قالوه فيه - وكان في قولهم - امتاع وإقناع؟ أم الشيخ يتلقى باليمين ما يصده بالشمال؟ قول الشيخ في الآية: ولنسمع الآن للشيخ وهو يفسر الآية الكريمة، وقد رفض من قبل طريقة علماء البيان: قال مقيده عفا الله عنه والجواب عن هذا السؤال، وهو أنه أطلق اسم اللباس على ما أصابهم من الجوع والخوف؛ لأن آثار الجوع والخوف تظهر على أبدانهم، وتحيط بها كاللباس، ومن حيث وجدانه ذلك اللباس المعبر به عن آثار الجوع والخوف أوقع عليه الإذاقة".

стр. 77

وقفة مع الشيخ: هذا هو كلام الشيخ. ومن يرجع إلى كلام البيانيين من بلاغيين ومفسرين وغيرهم يجد أن الشيخ أخذ كلامهم وسار على هداه وحذف منه ما ينفع ذكره ويضر حذفه ثم ادعى أنه لم يذهب مذهبهم، وليس في كلامه جديد لم يقولوه. فارجع مثلا إلى ما كتبه الإمام جار الله، وما كتبه صاحب الطراز وقارن بين ما قالاه وما قاله هو، واسأل نفسك: هل خرج الشيخ فعلا عما قاله البيانيون اللذين رفض طريقتهم منذ قليل. نجاريه ... ثم نلزمه بما فرضه: وإذا جارينا الشيخ - جدلا وسلمنا أن كلامه غير ما عليه البيانيون. فإن كلامه ملزم له بالقول بالمجاز دري أم لم يدر. رضي أم لم يرض. ففي كلامه قد صرح بأن آثار الجوع والخوف المحيطة بهم شبهت باللباس. وعبارته هي: "لأن أثار الجوع والخوف تظهر على أبدانهم، وتحيط بها كاللباس". هي نص قاطع في الحمل على المجاز. ولن يفيده - هنا - أي اعتذار. فما الذي بقي من المجاز - هنا - سوى التسمية. نوع الاستعارة في هذا الكلام: لا نزاع أن في الآية استعارة شبهت فيها الآثار المترتبة على الجوع والخوف باللباس، بجامع الإحاطة وشدة الإحساس في كل. وهي استعارة تصريحية أصلية لوقوعها في اسم الجنس. من قبيل استعارة المحسوس للمعقول كما يرى بعض البلاغيين. أو استعارة المحسوس للمحسوس على رأي بعض منهم ويجوز حملها على الاستعارة التمثيلية التي شبهت فيها هيئة بهيئة وصورة بصورة. وهذا ما أميل إليه.

стр. 78

الاستعارة في زمن الفعل: وفي التأويل المجازي - عنده - المندرج تحت الاستعارة في زمن الفعل قوله في قوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ فقد قال فيه: "وعبر بصيغة الماضي تنزيلا لتحقيق الوقوع منزلة الوقوع" هذه العبارة على قصرها تلزم الشيخ بمتابعة علماء البيان في جعلها استعارة في زمن الفعل وهي قسيمة الاستعارة في معنى الفعل. وبعد إقراره بهذا الأصل المجازي: وضع الماضي موضع المستقبل تنزيلا للمتوقع منزله الواقع "نبه على أنه كثير الوقوع في القرآن الكريم، مثل: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ ومثل: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ﴾ ومثل: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ......﴾ ثم قال: "فكل هذه الأفعال الماضية بمعنى الاستقبال نزل فيها تحقق وقوعها منزلة الوقوع". وهذا القول هو ما يقوله المجازيون بالضبط، والشيخ ﵀ كان يعلم ذلك فلم لم يقلها فيرح ويسترح؟. وجوب الصرف عن الظاهر: صرف اللفظ عن ظاهره خطوة مهمة في كل عملية مجازية. وكثيراً ما يلهج بعض منكري المجاز بمنع صرف اللفظ عن ظاهره. فإذا مارسوا شيئاً من درس النصوص رأيناهم يقعون في الصرف والتأويل من ذرا رءوسهم إلى أخمص أقدامهم. وها نحن قد وقفنا على كثير من صور الصرف والتأويلات عند الأقطاب الثلاثة الذين وضعوا مصنفات خاصة في منع المجاز، وهم الإمام ابن تيمية، والإمام ابن القيم، والشيخ محمد الأمين الشنقيطي. ولإبن القيم نص صريح فيه

стр. 79

بضوابط صرف اللفظ عن ظاهره قد ذكرناه من قبل. أما الشيخ الشنقيطي فبعد ممارسة الصروفات والتلأويلات فإنه يضع مثل الإمام ابن القيم شرطاً للصرف والتأويل في نصوص الوحي فيقول: "وحمل نصوص الوحي على مدلولاتها اللغوية واجب إلا لدليل يدل على تخصيصها أو صرفها عن ظاهرها المتبادر منها كما هو مقرر في الأصول". ورود المجاز صريحاً في أخر كلامه: الشيخ الشنقيطي أكثر حيطة من سابقيه في تجنب ذكر المجاز صريحاً بلفظه ومعناه في حر كلامه. ومع تلك الحيطة فإن المجاز يقفز من ذهنه أحياناً ويتخذ لنفسه مكاناً بين كلماته المكتوبة على كره منه. وقد ورد هذا في كتابه الأضواء مرات. ومنها ما سبق ذكره حول النكاح أحقيقة هو في العقد مجاز في الوطء أم عكسه. ومنها قوله في موضوع آخر، وهو يقرر أن المسح قد يأتي بمعنى الغسل. ثم يقول: "وليس من حمل المشترك على معنييه، ولا من حمل اللفظ على حقيقته ومجازاه". فهذا اعتراف منه بالمجاز، وقد تابع في هذا التعبير كلا من الإمامين ابن تيمية وابن القيم من قبل. هذا وقد بقي أمر مهم فقد ذكر الشيخ عبد الرحمن السديس أحد أئمة الحرم المكي الشريف في كتاب ترجم فيه للشيخ الشنقيطي بأن له كتاباً في علم البيان كان يقوم بتدريسه في جامعة أم درمان وأنه نحا فيه منحى البلاغيين في الإقرار بالمجاز في اللغة وفي القرآن الكريم. وأنه لم ينكر المجاز إلا في أخريات حياته لما استقر به المقام في مدينة "الرياض" بالمملكة العربية السعودية.

стр. 80

صفوة القول: وصفوة القول: أن الشيخ محمد الأمين بن محمد المختار الشنقيطي ﵀ له في المجاز مذهبان: مذهب جدلي نظري: انتهى فيه إلى منع المجاز وإنكاره في أخريات حياته , ومذهب عملي سلوكي: نحا فيه منحى مجوزي المجاز، أو رأي له ضرورة لا غنى عنها في استجلاء المعاني، وكشف أسرار البيان. وبعد كل ما تقدم نقول: "إن إنكار المجاز في اللغة بوجه عام، وفي القرآن الحكيم بوجه خاص، إنما هو مجرد دعوى بنيت على شبهات واهية، كتب لها الذيوع والانتشار والشهرة ولكن لم يكتب لها النجاح". *** عبد العظيم المطعني البلد الطيب الأمين: مكة المكرمة في جمادى الثاني ١٤١٥ هـ نوفمبر ١٩٩٤ م.