← Общие книги

Общие книги · id 1411

سماحة الإسلام في الدعوة إلى الله

عبد العظيم المطعني

Полный текст (171 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الكتاب: سماحة الإسلام في الدعوة إلى الله والعلاقات الإنسانية منهاجا ... وسيرة المؤلف: د. عبد العظيم إبراهيم محمد المطعني الناشر: مكتبة وهبة الطبعة الأولى ١٤١٤ هـ - ١٩٩٣ م عدد الأجزاء: ١ تنبيه: [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] جَزَى اللَّهُ كَاتِبَهُ وَمَنْ تَحَمَّلَ نَفَقَةَ الْكِتَابَةِ خَيرَ الجَزَاءِ وَأَوفَاهُ.

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تقديم هذا الكتاب - الذي بين يديك - يتصدى لخصوم الإسلام لدحض أخطر دعوى من دعاويهم التي يروجونها - الآن - على نطاق واسع؛ بعد أن كان أسلافهم من الكارهين لما أنزل الله يروّجونها في نطاق محدود، تلك الدعوى هي أن الإسلام دين دموي وإرهابي عنيف، يصادر الحريات ولا يقبل من الناس إلا أن يُسلْمَوُا أم يُقْتَلوا، وأنه لا يرى وجوداً في الجيان لغير المسلم؟ وأن الإسلام طبع المسلمين على التوحض والبطش، فصار الإسلام بذلك هو عدو الإنسانية وحضاراتها، لذلك يجب دحره أو القضاء عليه؟. هذه الدعاوى الجوفاء كرَّست أوروبا - الآن - كل جهودخا لترويجها وإثارتها وبخاصة بعد سقوط الشيوعية وتفتيت كيانها لم تخلُ وسيلة من وسائل الدعاية الحديثة من الاشتراك في هذه الحملات الضارية، التي يشارك فيها سياسو أوربا ومفكروها وصحفيوها وإعلاميوها ومؤتمراتها. والهدف هو إما القضاء على الإسلام، وإما تحجيمه في نطاق ضيق، وإما تشويه محياه الجميل الباسم، حتى لا يغزو العالم، ويملأ الفرراغ الذي تعيش فيه أوروبا - الآن - منذ اتخذت الفكر المادي فلسفة وعقيدة، وسلوكاً. والعجيب أن إ'لام الغرب الذي يصف الإسلام بهذه الحقارات ينسى أو يتناسى تاريخ الشيوعية والصليبية والصهيونية الملطخ بالدماء في كل سطر من سطورة قديماً ووسيطاً وحديثاً، فالشيوعية عبارة عن سيف مصلت على رقاب الناس، غدر وخيانة وفتك، والصليبية ترى محاكم التفتيش الفظيعة، هي عنوان تاريخها، والصهيونية بدأ أسلافها بقتل الأنبياء، وهذا لم يحدث في التاريخ النبوي الممتد عبر ألف سنة من تاريخهم القديم إلا على أيدى أسلاف الصهيونية. ثم ختموا تاريخهم القديم بالتآمر على قتل آخر أنبيائهم عيسى ابن مريم ﵇، لولا أن نجاه الله منهم، ويكاد يجمع مؤرخو الغرب على أن الحربين العالميتين: - الأولى والثانية - كانتا من تدابيرهم؛ لأنهم - كما يقول المثل:

стр. 3

"لايصطادون إلا في الماء العكر" - هذا هو تاريخ أوروبا وحلفائها، تتناساه هي الآم، لتتفرغ في غير حياءء ولا خجل لمحاربة الإسلام، كما تتناسى أوروبا فظائعها وإجرامها وإرهابها الذي يجري الآن ضد مسلمي البوسنة والهرسك، الذين لا ذنب لهم سوى أنهم مسلمون: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ . ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ....﴾ . لقد سلطت أوروبا - ومعها عظام الشيوعية النخرة - حماقها وسفاءها من الصرب على إبادة المسلمين في البلقان، فارتكبوا من الجرائم والفظائع ما لم يسبق له مثيل في تاريخ الحروب، وأوربا تتابع وهي متلجة الصدور، قريرة العيون، باسمة الثغور؛ لأن أرواح المسلمين تزهق، وماءهم تُسال، وحرمات نسائهم وفتياتهم تُنتهك، وأراضيهم تُسلب، ومقدساتهم تُداس يالأقدام، ومعاهدهم ومساجدهم تُهدم؟!. كل هذا تنساه أوروبا بلا حياء لتقول إن الإسلام هو دين الإرهاب والعنف ومصادرة الحريات وعدم الإنسانية جمعاء؟ إنت المثل العربي القديم الذي يقول: "رمتني بدائها وأنسلت" أي وصفتني بالمرض الذي فيها وذهبت، هذا المثل يصدق كل الصدق على موقف أوروبا - الآن - من المسلمين والإسلام، ما لذلك من سبب سوى الحقد والحسد، وقديماً قال الشاعر في مثل هذه الظواهر: حسداً بَلَّغُنَهُ في حقها وقديماً كان في الناس الحسد إن تاريخ أوروبا وحاضرها معاً: إجرام في إجرام، وعنف في عنف، ولو كان عندها ذرة حياء أو مُسّكة من عقل لكفت عن بذاءاتها ضد الإسلام، ولكن الحقد أعمى أبصارها، وأصم آذانها، وحجُّر قلوبها فأخذت تهذى ضد الإسلام هذيان المخمور أو المحموم. ومن سلب الله من الحياء فلا يصدر عنه إلا الغرائب كما يقول المصطفى ﷺ : "إذا لم تستح فاصنع ما شئت". * * *

стр. 4

ومن الغريب حقاً أن فريقاً منا - نحن المسلمين والعرب - تَبَنَّوْا بكل جراءة ووقاحة - كراهية أوروبا للإسلام، وأظهروا العداء له في كل ما يقولون وما يذيعون وما يكتبون، وبهاصة عملاء الشيوعية وأبواق العلمانية، ومنهم صليبيون معروفون - وفي مصر - حماها الله - نشط هؤلاء "الرفاق" نشاطاً ملحوظاً في العامين الأخيرين (١٩٩٢ - ١٩٩٣) عقيب مواراة الشيوعية التراب. ماتت الشيوعية في عقر دارها في غير انتظار بعث، فأرادوا إحياءها في مصر حفظها الله، هذا وقد تهيأت لهم الفرص في جميع المجالات: الإعلام بعامة، والصحافة بخاصة، ومؤسسات التربية والتعليم، ومدرجات الجامعة، وفي الفنون والآداب. ونحن لا نرسل القول هنا جزافاً بغير دليل، فليرجع معي القارئ الكريم إلى عدد صحيفة الأهرام بتاريخ (٧/٤/١٩٩٣) ، وليقرأ فيه مقالاً منشوراً في الصفحة (١٥) بعنوان: "كُتَّاب سيدنا أم جامعة القاهرة" كتبه أحد أ'لام الشيوعية. وها نحن أولاء ننقل فقرة واحدة نقلاً حرفياً من المقال ليرى القارئ بعينه ما فيها من "كفر صريح" وليس مقنعاً. يقول الكاتب وهو ساخط على جامعة القاهرة، لأنها رفضت ترقية رفيق له إلى درجة أستاذ لضعف نتاجه علمياً وتجزئه على أصول الإسلام، يقول الكاتب بالحرف الواحد من السطر رقم (٢٥) إلى السطر رقم (٣١) ما نصه: "وأحسب أن هذا نوع مرعب من الأزمات. لماذا؟ لأنه يدفع شيئاً فشيئاً بالجامعة إلى كيان محسَّن شكلياً من "كتاب سيدنا" القائم على آحادية الفكر، والتلقين المبسط الزجرر الإرهابي، الذي يُفَرَّخ لنا حفظه نصوص مصبوبة في قوالب جامدة تخاصم العقل وحرية الفكر، وتجبن عن ارتياد آفاق الإبداع التي لا نهاية لها ... ". عزيزي القارئ ... تأمل هذا الكلام جيداً، تر الكاتب قد شتم الله - تعالى عما يقولون علواً كبيراً - وشتم كتابه العزيز بكل وقاحة وجرأة ... كما سخر ية لاذعة من حُفَّاظ كتاب الله؟!. اسأل نفسك ما المراد من النصوص المصبوبة في قوالب جامدة؟! وما المراد من النصوص التي تخاصم العقل وحرية الفكر؟!

стр. 5

وما المراد من النصوص "الجبانة" التي تجبن عن ارتياد آفاق الإبداع؟! إنه القرآن - والقرآن وحده - هو المراد من هذه النصوص عند الكاتب قاتله الله. وإذا كان القرآن جباناً - حاش لله - فالقرآن هو كلام الله. والكلام صفة المتكلم، وهذا يقتضي أن الكاتب شتم الذات الإلهية بالـ.... ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ومما يوقع في الحيرة أن هذا الكاتب بعد شهر واحد من نشر "كفرياته" هذه كرمته الدولة في عيد الإعلاميين (٢٧ مايو ١٩٩٣) ومنحته وسام تقدير في الحفل الذي رأسه رئيس الجمهورية وكبار رجال الدولة؟! فعلام كافأنا هذا الكاتب يا ترى؟ ألأنه تطاول على الله وكتابه العزيز؟! أأصبحنا ضعيفى الذاكرة والوعي إلى هذا الحد؟ فلم نميز بين الحق والباطل؟ أم أن الأمر كما قال الشاعر: "وعين الرضا عن كل عيب كليلة"؟! كان من المفروض على مصر المسلمة - إن لم يكن بنقتضى إسلامها، فبمقتضى دستورها - أن تقدم هذا الرجل إلى محاكمة عادلة عاجلة، لا أن تشد على يديه وتقول لله: المزيد من الكفريات.... المزيد؟! وفي نفس الحفل الإعلامي كرمت الدولة كُتَّاباً آخرين معروفين بالعداء الحاقد على الإسلام. ووصف القرآن بالتخلف والجمود والإرهاب أمر متفق عليه بين هؤلاء الرفاق المكَّرمين من الدولة وغير المكَّرمين، في نفس الوقت الذي تشكو فيه مصر من "التطرف"، وهذا التكريم غير الشرعي يزيد التطرف ضراوة واشتعالاً، فكانت مصالح مصر العليا تقتضي أن لا يكون شيء من هذا أبداً، ومثلما تهجم هذا الكاتب على كتاب الله الغزيز، تهجم رفيق آخر منهم على الكتاب العزيز وعلى سنُة رسوله الكريم، وهو رجل يتربع على عرش أخطر وزارة في مصر، وزارة التربية والتعليم حيث وصف هذا "الوزير" ما جاء في عذاب القبر بأنه: "خزعبلات"؟! يعني: خرافات؟!

стр. 6

وهذا تكذيب صريح لما جاء في القرآن الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾ أي لما يرونه من العذار. ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ . ويقول الصادق المصدوق ﷺ : "القبر إما روضة من رياض الجنة، وإما حفرة من حفر النار". ومرَّ النبي ﷺ على قبرين فقال في صاحبيهما: "إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير ... ". أمع هذا يقال: أنَّ ما جاء في عذاب القبر خزعبلات وخرافات وتنشر هذا الكلام صحيفة من أ'رق الصحف المصرية وأوسعها انتشاراً؟! هذا هو الوضع الراهن للشيوعيين "الأيتام" في مصر الآن، إنهم يتمتعون بحريات أكثر من أي عهد مضى، وهذا من شأنه أن يترك الحليم حيران، وليس الأمر مقصوراً على مصر وحدها، فما أكثر الأقطار الإسلامية التي اجتاحها الفكر الإلحادي المدمر، وقال المسيرة فيها ردحاً من الزمن ولا يزال؟! والجماهير المسلمة شُغِلت عما يراد بها، ولها، بمشكلات الحياة اليومية من جهة، وبالخوف والتخويف من جهة أخرى، حتى أصبح لسان حال كل فرد منهم أن يقول لنفسه: انُج يا سعد، فقد هلك سعيد؟ هذا هو الواقع الؤسف الذي تعبأ فيه كل الجهود عالمياً ومحلياً لتقليص ظل الإسلام، والورقة الرابحة في أيدي خصوم الإسلام - الآن - هو وصفالإسلام بالإرهاب الفكري والمادي، وكبت الحريات. ونحن في هذه الدراسة التي ترجمنا لها بـ: "سماحة الإسلام منهجاً وسيرة" نتصدى لهذه الفرية موضوعياً، ونفند شبهات القائلين بها شبهو شبهة، سواء أكان القائل الغرب أو عملاءه من الشرق.

стр. 7

ومن البداية أن مًن أراد لأن يحكم على الإسلام بشيء أن يستمد حكمه من ثلاثة مصادر: القرآن نفسه - ثم سنة رسوله الصحيحة السند إليه - ثم التطبيق العملي الوثيق الصلة بالإسلام. أما الأعمال التي لا صلة لها بالإسلام من قريب أو بعيد فيجب أن تُستبعد تماماً من هذا المجال. وتوخياً للإيجاز المقنع قصرنا الدراسة على عصر النبوة وحده من خلال المصادر الثلاثة التي تقدم ذكرها. ولذلك جاءت موضوعات الدراسة موزعة على المنهج الآتي: المرحلة الأولى للدعوة: الدعوة إلى الإسلام بالوسائل السلمية. * الفصل الأول: سماحة الدعوة في القرآن الكريم. المبحث الأول: سماحة الدعوة في القرآن الكريم في العهد المكي. المبحث الثاني: سماحة الدعوة في القرآن الكريم في العهد المدني. * الفصل الثاني: سماحة الدعوة في القرآن الكريم في حرية الاعتقاد. * الفصل الثالث: سماحة الدعوة في النشاط النبوي. المبحث الأول: سماحة الجعوة في السنة القولية. المبحث الثاني: سماحة الدعوة في السنة العملية. المرحلة الثانية للدعوة: مشروعية القتال وضوابطه. * الفصل الأول: متى ولماذا شرع القتال في الإسلام؟ * الفصل الثاني: ضوابط ممارسة القتال وأخلاقياته. * الفصل الثالث: حقيقة العلاقة بين المسلمين وغيرهم. وفي كل هذه الموضوعات رعينا أمرين: الأول: التركيز والإيجاز.

стр. 8

الثاني: وضوح الدليل على سماحة الإسلام وقوة الاستدلال عليها ... والله نسأل حسن التوفيق. مكة المكرمة - حي العزيزية: مساء الجمعة ٩/١١/١٤١٣ هـ (الموافق ٢٩/٤/١٩٩٣م) . د. عبد العظيم المطعني. عفا الله عنه * * *

стр. 9

المرحلة الأولى للدعوة الإسلامية الدعوة إلى الإسلام بالوسائل السلمية * سماحة الدعوة في القرآن الكريم. * سماحة الدعوة - في القرآن الكريم - في حرية الاعتقاد. * سماحة الدعوة في النشاط النبوي. * * *

стр. 10

﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ (النحل: ١٢٥) * * *

стр. 11

الفصل الأول سماحة الدعوة في القرآن الكريم المبحث الأول - سماحة الدعوة في القرآن الكريم في العهد المكي: واجه القرآن الكريم في مكة قبل الهجرة قضايا شديدة الخطورة، بعضها يتعلق بأصول الإيمان، وبعضها يتعلق بالسلوك والأخلاق. وفي السطور الآتية نبين سماحة الإسلام من خلال قضيتين من قضايا أصول الإيمان، وهما: (أ) قضية التوحيدة. (ب) قضية البعث. وهما لقضيتان اللتان أولاهما القرآن الحكيم اهتمامً كبيراً، لما كان عليه العرب حينذاك من شرك ووثنيه وإنكار للحياة الآخرة، ولما أثاروه من جدل حول هاتين القضيتين. كما سنرى في حديث القرآن الأمين عنهما. * * *

стр. 12

القضية الأولى: قضية التوحيد قضية التوحيد هي المحور الأساسي الذي ركزت عليه الدعوة القرآنية قبل الهجرة، وكان لابد من ذلك في بدء المواجهة، لأن القوم في مكة، كانوا وثنيين يعبدون الأصنام والأوثان آلهة من دون الله، وقد زين لهم الشيطان سوء عملهم فرأوه حسناً. وحينما واجه القرآن هذه الظاهرة طوَّقها من كل جهة، ولم يدع وسيلة من وسائل الإقناع السلمي إلا وقد استثمرها في خطاب لاقوم، ونصب لها من الدلائل والبراهين ما هو كفيل بتحقيق الإيمان بالله الخالق البارئ، المبدئ المعيد، لولا العناد والمكابرة والعزة بالإثم، وهي رواسب شيطانية حجبت عن القوم المبادرة إلى الهدى طوال المدة التي قضاها صاحب الدعوة ﷺ بين أظهرهم من بدء الوحي حتى الهجرة المباركة إلى مدينة يثرب على مدى ثلاثة عشر عاماً. فقد دعاهم للنظر والتأمل في الكون: سمائه وأرضه وبحاره وما بين الأرض والسماء، ولفت أنظارهم لعجائب خلقه في الحيوان والنبات، وفي أنفسهم، وضرب لهم الأمثال الكاشفة، وساق لهم القصص الصادق، وجادل وحاور، وبشَّر وأنذر، ووعد وأوعد، وكشف لهم الحقائق ناصعة جلية، وأزال ما يعتلق في أنفسهم من شبهات في أساليب من القول واضحة، وأفانين من البيان مؤثرة في غير التواء ولا غموض، ليحيا مَن حيَّ عن بينة ويهلك من هلك عن بينه، ما ربك بظلام للعبيد, والحديث عن كل ذلك طويل وطويل. فلنأخذ بذكر ما قلَّ ودَلَّ. * * *

стр. 13

نماذج المواجهة: تعجب المشركين من عقيدة التوحيد النموذج الأول: من سورة (ص) : حكت سورة "ص" - وهي مكية - تعجب المشركين من عقيدة التوحيد في قوله تعالى: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٤) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ . وبنوا إنكارهم وتعجبهم من عقيدة الإله الواحد (الله) على شبهتين: أولاهما: أنهم لم يسمعوا بهذه العقيدة كما حكى القرآن عنهم قولهم: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ..﴾ يقصدون ما كان يروجه النصارى من عقيدة التثليث، وملًّة عيسى هي الملة الآخرة. والأخرى: إنكار أن يكون الله قد خصًّ محمداً ﷺ بإنزال القرآن عليه من دونهم، وهم - في نظرهم - أولى منه بهذا الفضل: ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾ ؟! * المواجهة: من منهج القرآن الأمين أن يذكر شبهات الخصوم على الوجه الذي أوردوها فيه بكل أمانة وصدق. ثم يكر عليها واحدة واحدة، فلا يبقى لها على أثر في ميدان الجدل والحوار، وهنا تراه قد ذكر قُطب مقولتهم كما رددوها. ثم جاء دور الرد عليها على النسق الآتي: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي ... ﴾ . انتقل من تصوير مقولتهم في إنكار عقيدة التوحيد والتعجب منها، وفي إنكار أن يكون صاحب الدعوة أهلاً لنزول القرآن عليه من دونهم؛ لأنهم - حسب زعمهم - أحق منه بهذا لو كان فعلاً أنًّ ما يقوله وحي من عند الله.

стр. 14

فبين في صدر المواجهة أن المسألة ليست إنكاراً للتوحيد ولاختصاص صاحب الدعوة بالوحي فحسب، بل الواقع أنهم في شك من قضية الوحي جملة. وأن السبب في هذا الشك واستمراره هو إمهال الله لهم، حيث لم يعجل لهم العذاب ... ومع هذا الإمهال فإن العذاب نازل بهم - لا محالة -؛ لأن ﴿لَمَّا﴾ في قوله تعالى: ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ تأتي لنفي الفعل بعدها في الحال وتؤذن بقرب وقوعه: اي لما يذوقوا عذابي وسيذوقوه قريباً، كما قال الشاعر: أشواقاً ولمَّا لي غير ليلة فكيف إذا جدَّ المسير بنا شهراً يتعجب من شدة الشوق لمفارقته أهله قبل أن تنقضي الليلة الأولى من رحيله عنهم، فكيف الحال إذا بلغ الرحيل شهراً. * * * * الخطوة الثانية في المواجهة: ثم انتقل البيان القرآني إلى الخطوة الثانية من المواجهة في الآيتين الآتيتين: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ (٩) أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ﴾ . لما أنكر المشركون مبدأ التوحيد، وتعجبوا منه، وجعلوا الأصل هو التعدد في الآلهة. ثم أنكروا أن يكون محمد ﷺ هو المختار لتلقي الوحي وتبليغه، لما فعلوا ذلك فقدزجزا بأنفسهم في مجال ليسوا هم أهله وتطاولوا في الجعوى وأنزلوا أنفسهم في غير منازلها، لذلك واجه القرآن هذا الغرور وتلك الجهالة، فتساءل منكراً عليهم ما ادعوه لأنفسهم: هل هم يملكون خزائن رحمة الله العزيز الذي لا يُقهر، الوهاب بفيوض النعم صغيرها وكبيرها - ومنها النبوة التي آثر بها عبده ورسوله محمداً ﷺ ؟ إن كان تلك الخزائن فليوزعوا رحمة الله ونبواته تبعاً لأهوائهم وتصوراتهم؟

стр. 15

بل هل هم يملكون السموات والأرض وما بينهما؟ إن كان لهم ذلك فليأخذوا في أسباب الرقي والصعود إلى السماء ويديروا شئون العالم كما يشاءون؟ ولكنهم - كما علموا - من أنفسهم أنهم مخلوقون مقهورون لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً، نواصيهم بيد خالقهم يصنع بهم ما يريد، ويقضي فيهم بما يشاء، ولا راد لما أراد، ولا دافع لما قضى وأبرم، فعلام هذا الجهل والتطاول؟ * * * * الخطوة الثالثة: أما الخطوة الثالثة في المواجهة في قوله تعالى: ﴿جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ﴾ . أي أنهم جند قد تحزبوا على صاحب الدعوة. وسوف تحل بهم الهزيمة لا محالة. وقد تضمن هذا الخبر الصادق وَعْداً ووعيداً: الوعد لصاحب الدعوة بأن الله ناصره وهازمهم. والوعيد للمشركين: بأن مصيرهم الهلام ما لم يؤمنوا ويذعنوا للحق الذي يدعو إليه محمد ﷺ . * * * * الخطوة الرابعة: بقيت خطوة رابعة في المواجهة، انتهى فيها القرآن إلى غاية النصح لهم، وأزاح ما بقى من عوائق تحول بينهم وبين الانصياع للحق. ذلك أنهم كانوا - في بدء الدعوة - يستكثرون أنفسهم، وستقلون محمداً ﷺ ، ويقولون: ﴿نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ . ولما قال الوحي عنهم: ﴿جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ﴾ فإن شعورهم

стр. 16

بالكثرة والتجمع يوحي إليهم - مع إغراء الشيطان - بأنهم لن يُغلبوا أمام محمد ﷺ ، ولم يكن معه إلا القليل من الأتباع. فأزاح عنهم القرآن هذا الوهم بأدلة من التاريخ النبوي يعرفونها: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ (١٢) وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ (١٣) إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ﴾ . أشار القرآن الأمين إلى مهلك ستة أقوام كذَّبوا لارسل فحق عليهم العقاب العادل من الله، ولم ينفعهم تجمعهم وكونهم أحزاباً من حلول نقمة الله بهم. ومشركو مكة إذا استمروا في تكذيبهم بالحق فسيحل بهم ما حل بأسلافهم في الكفر والعناد، وإن الله لبامرصاد. في هذا البيان الواضح، والحقائق الناصعة إرشاد ونصح أمين وضعه الله أمام خصوم الدعوة، وهداهم النجدين: طريق النجاة، وطريق الهلاك، فإذا رجعوا إلى أنفسهم وتدبروا واطَّرحوا أسباب العناد هُدُوا ونَجَوْا، وإن بقوا على كبريائهم وجهلهم فما على الرسول إلا البلاغ المبين، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون؟ وكان هدف العوة - هنا - من الوسائل السلمية التي جعلتها مادة للحوار لحمة وسدى: إقناع خصوم الدعوة بأن ما هم عليه باطل وضلال، وأن الحق إنما هو فيما يدعوهم إليه الوحي الأمين على لسان الرسول الكريم، الذي رموه زوراً وبهتاناً - بأنه ساحر كذاب؟! * * *

стр. 17

عجز الأصنام النموذج الثاني - من سورة الأحقاف: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤) وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ . الشرك: نوع من الكفر، والمشرك - مع كفره - يؤمن بالله، ولكنه يجعل له أنداداً من خلقه، ونلحظ أن القرآن لم يجادل مشركي مكة في أصل الإيمان: اي في هل الله موجود أو غير موجود، وإنما جادلهم في عقيدة التوحيد: أي كون الله واحداً لا شريك له في الوجود، لا على معنى أن في الوجود آلهة أخرى ولكنها ليست شريكة لله، بل على نفي أن يكون في الوجود إله أو آلهة أخرى إلا الله الواحد القهار ولما كان خصوم الدعوة في مكة يؤمنون بوجود الله أصلاً، ويدعون أن معه آلهة أخرى، أكثر القرآن من التصدي لدحض هذه الفرية الشنيعة. مع تصريحه في بعض المواضع بأن هؤلاء المشركين يؤمنون بالله خالقاً. وفي آيات الأحقاف الثلاث يتصدى القرآن ليكشف للمشركين ضلال معتقدتهم في الأصنام التي دَهَوْها آلهة مع الله - سبحانه عما قالوا وتعالى علواً كبيراً - وكان مدخل التصدي هذا الاستفهام: ﴿أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ... ﴾ ؟ أي: استحضروا صورتهم في أذهانكم وأجيلوا نظركم في حقيقتها؟ ثم اسمعوا ما يتلى عليكم من تساؤلات حولها:

стр. 18

أولاً: أروني أي جزء من الأرض كان من خلقهم وتكوينهم؟ ثانياً: إذا عجزتم عن نسبة شيء من الأرض إليهم فهل لهم شرك في السموات العلا؟ ثالثاً: إن ادعيتم شيئاً من ذلك لأصنامكم فأنتم تعلمون أن الدعاوى لا تصح ولا تثبت إلا باقامة الدليل عليها. فما هو دليلكم على ما تقولون؟ ألديكم كتاب حصلتموه قبل القرآن يقرر ما تقولون؟ إن كان لديكم فأبرزوه لنا. أجل ليس ليكم كتاب يقرر ما تقولون. فَدَعوا أمر هذا الكتاب ما دام ليس في حوزتكم. ولنسهل عليكم المر: ألديكم أثارة من علم صحيح - أي أثارة مهما ضؤلت - تؤيد قولكم؟ نبئوني بعلمٍ إن كنتم صادقين. هكذا يضيق القرآن الخناق على المشركين ليُجلَّى لهم حقيقة الأصنام التي يدعونها من دون الله. والمقصود بهذا البيان هو مساعدتهم على الخروج من الضلال الذي هم فيه، لتتراءى لهم حقائق الإيمان فينقذوا بالإقبال عليه. ووسائل الإقناع السليمة هي التي استثمرها القرآن هنا وهو يتصدى لدحض شبهات الشرك ودواعيخ. فلا سيوف، ولا رملح، ولا خناجر، ولكن كلمات طيبات منيرات. * * * * الخطوة الثانية - وصف الداعين بعد وصف المدعوين: فرغت الآية من آيات الأحقاف الثلاث من وصف، المدعوين: الأصنام، وانتهت إلى أنهم "لا شيء"، أما الآية الثانية فقد أبرزت في صورة الاستفهام الإنكاري: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ ... ﴾ وصف الداعين عبدة الأصنام: بأنهم بلغوا قمة الضلال وصاروا أوحديين فيه فلم يبلغ أح غيرهم مثل ما بلغوا هم من الضلال. فهم أئمة الضلال، وغيرهم تابعون لهم فيه. * الأسباب: ثم تبين الآية الكريمة أسباب الحكم عليهم بـ "الأضلية" فهم: _ أولاً - يدعون من لا يجيب دعاءهم إلى يوم القيامة، وفي هذا كناية عن تيئيسهم وإقناطهم السرمدي الدائم.

стр. 19

وهم - ثانياً - يدعون من لا يمسع ولا يبصر ولا يتكلم، أي يدعون "لا شيء" ﴿وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ . وهم - ثالثاً - هذا حالهم في الدنيا. فإذا حشر الناس للحساب يوم القيامة ﴿كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ وبهذا قضت الآية الثالثة من آيات الأحقاف الثلاث المذكورة. تلا صاحب الجعوة هذا البيان على أسماعهم مرات. عساهم يرعوون عن غبهم وضلالهم. جادلهم بالحكمة والموعظة الحسنة ولم يقرهم قهراً على الإيمان. بل عن طريق البيان الهادئ الرزين. * * *

стр. 20

تمثيل عجز الأصنام * النموذج الثالث - من سورة الرعد: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ . في مواجهة القرآن لدعاوى المشركين، حيث اعتقدوا أن اصنامهم تنفع وتضر، رَكَّز لبقرآن كثيراً على تعرية الأصنام من الفائدة، فلا هي بنافعة، ولا هي بضارة، وآية الرعد التي ذكرنهاها آنفاً واحدة من آيات كثيرة مثبوثة في سور الذكر الحكيم، أسهمت في وضوح في تجريد الصنام من أي نفع أو ضر، وأخلصت في النصح لمن يدعى تلك الدعوى من مشركي قريش وأسلافهم من الأمم الغابرة، كقوم إبراهيم وهود وصالح عليهم صلوات الله وسلامه. بدأت الآية المواجهة بأن الله له دعوة الحق، فهو - وحده - النافع والضار. وأما ما يدعونه من دونه فلا يملكون نفعاً ولا ضراً، لذلك فهم: ﴿لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾ أي وإن كان تافهاً حقيراً. وقد نفى فعل الإستجابة بحرف النفي "لا" دون لم، أو لن مثلاً، لأن النفي بـ "لا" مقصور على الماضي، وبـ "لن" موقوف على المستقبل. أما "لا" فهي للنفي في جميع الأوقات، وهو المناسب هنا: لأن الأصنام عارية عن الاستجابة في كل وقت: ماضياً، وحاضراً، مستقبلاً. ثم يمضي القرآن قُدُماً في تيئيس المشركين من آلهتهم التي يدعونها من دونه، فيصور لهم عجز آلهتهم في صورة حسية موحية، ويكشف لهم عن ضلال عقيدتهم وسعيهم، فيصوَّرهم يرجون النفع من أصنامهم بصورة رجل كاذ يقتله الظمأ فوقف على شاطئ بحيرة وبسط كفيه في الهواء راجياً أن يصعد الماء إلة كفيه ليرفعه إلى "فمه"؟! فالماء لن يصعد من مكانه، فلت يبلغ كفيه ولن يبلغ فاه (فمه) وسيظل باسطاًكفيه محروماً ظامئاً حتى يلقى هلاكه.

стр. 21

هذه الصورة التشبيهية توحي بالمعاني الآتية: أولاً: خيبة مسعى المشركين الأبدية. ثالنياً: العجز الأبدي الحاصل للأصنام. ثالثاً: التعريض بالمشركين بأنهم ليسوا عقلاء، لأن العاقل لا يصدر عنه هذا "البله" من مدَّ الأكف فوق الماء راجياً صعود الماء إليها. رابعاً: أن المشركين حين عبدوا آلهة من دون الله ورَجَواْ منها النفع لم يسلكوت الأسباب الصحيحة لتحقيق مقاصدهم، بل هم تنكبوا سواء الصراط. أما الأسباب الصحيحة لتحقيق السعادة في الدنيا والآخرة فهي توحيد الله ذاتاً، وأفعالاً وصفات، مع الالتزام بالمنهج الذي أساسه التوحيد قولاً وعملاً، فِعْلاً وتركاً، هذا هو الحق، وماذا بعد الحق إلا الضلال؟ أرأيت كيف نقل القرآن عجز ما يُعبد من دون الله، وضلال عقيدة الشرك من صورة ذهنية مجردة إلى صورة حسية موحية شاخصة للعيان، يدركها ويسخر من صانعيها حتى الأطفال فضلاً عن الأذكياء وأولي الألباب. هذا هو شأن القرآن في نصاعة البيان، وبلاغة القول. * * *

стр. 22

تمثيل حقارة الأصنام * النموذج الرابع - من سورة الروم: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ . هذه الاية الحكيمة تمثل دوراً في الدعوة بالوسائل السليمة لنبذ شبهة الإشراك وتمكين عقيدة التوحيد في العقول والقلوب. فهي ترقق المشاعر، وتهذب الوجدان، وتفتح القلوب الغُلْف، وتخاطب العقول المستنيرة، وتضع أمامها الحقائق في رفق ولين، لتقز منها - بعد أن تتأملها - إلى الحق الذي لا مفر منه. وتسد - بذلك - ثغرة من المنافذ منها الشيطان إلى طوايا النفوس فيملأها أوهاماً ,وأضاليل. فالمشركون - كما حكى عنهم القرآن - يتذرعون في عبادتهم للأصنام بأنها شفعلؤهم عند الله؟ جاء ذلك صريحاً في قوله تعالى حكاية عنهم: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ ... ﴾ وكذلك قولهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى....﴾ . وهم - بهذا - يرفعون أصنامهم إلى درجة أن يكونوا نافذي الكلمة عند الله؟ وهذا الاعتقاد الضال تواجهه آية الروم السالفة الذكر مواجهة هادئة، ولكنها قوية السلطان، بالغة التأثير. فالمثل المذكور فيها منتزع لهم من أحوال أنفسهم كما قال سبحانه: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ....﴾ .

стр. 23

أما صورة المثل فقد استُهِلَّت باستفهام إنكاري هكذا: ﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ ؟! أي هل لكم من عبيدكم الذين تملكون شركاء في ما آتيناكم من أموال تخافونهم إذا تصرفتم في أموالكم دون مشورتهم أن يغضبوا عليكم ويردوا تصرفاتكم التي تصرفتموها في أموالكم بغير رضاهم والرجوع إليهم كما تخافون أنفسكم إذا شارك بعض أحراركم بعضاً آخر من الأحرار؟! إن كان ذلك واقعاً فعلاً في حياتكم فيصح أن الأصنام تدفع عنكم ما يراد بكم من عذاب من الله. أما إذا لم يكن واقعاً، وإنكم لا تقيمون وزناً لعبيدكم في كل تصرفاتكم فكذلك الله لا يخشى أحداً من مخلوقاته، فليس للأصنام عنده شفاعة، ولا يستطيعون أن يردوا منت قضاء الله شيئاً ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ . لقد وضع هذا المثل المشركين أمام باطلهم وجهاً لوجه. فما عساهم أن يقولوا؟ إن قالوا: لنا شركاء مما ملكت أيماننا، كابروا وخدعوا أنفسهم. وإن قالوا: ليس من عبيدنا شؤكاء، لزمهم القول ببطلان الشرك، ولم يبق أمامه إلا التوحيد الخالص إن أرادوا لأنفسهم الخير، وإلا فقد لزمتهم الحُجَّة وكانوا من حصب جهنم هم فيها خالدون. أنظر كيف آلان معهم القرآن القول، وقادهم برفق إلى مجالى الحق؟ براهين ناصعة غايتها الإقناع. وحِكَم بيانية ساطعة غايتها الإمتاع. وسياسة للنفوس تستل منها الأكدار، وتَبَّطَّف في الدعوة إلى الحق في كلمات قصار: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ . * * *

стр. 24

تمثيل عقيدة الشرك * النموذج الخامس - من سورة العنكبوت: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ وهذا تمثيل آخر لضلال عقيدة الشرك وضعفها، ويضربه القرآن مثلاً للمشركين وعبدة الأصنام، وكل من اتخذ ولياً من دون الله، والعنكبوت حشرة لا يخلو منها بدوٌ ولا حضر، وهي في البيئات البدوية أكثر انتشاراً منها في البيئات الحضرية، ولا ريب أن مشركي العرب الذين عاصوا نزول القرآن كانوا شديدى الإلف بهذه الحشرة، وهي تعشعش في بيوتهم ونواديهم، وأن خبرتهم بها وبأحوالها تجعلهم مؤهلين لفقه هذا المثل القرآني الحكيم، وبيت العنكبوت - كما جاء في الآية الكريمة - هو مضرب الأمثال في الضعف، لأنه يتكون من خيوط رقيقة إذا تعرضت لنسمة لطيفة من نسمات الهواء تمزقت بدداً، وإذا مرر طفل عليها كفه تحطمت وعلقت أشلاءها بيده، وليس بعد ذلك ضعف وحقارة. والتمثيل القرآني - هنا - وإن كان مسوقاً في دلالته المباشرة لبيان حقارة بيت العنكبوت، فإننا نلحظ فيه معنى آخر مكوياً في ثنايا هذا التمثيل. ذلك المعنى أن بيت العنكبوت لا يخفية عن الأنظار، فهو بيت فضلاً عن ضعفه: فاضح لمن حلَّ به، وشأن البيوت الصالحة أن تكون قوية البناء ساترة لمن فيها. وهذا هو شأن الشرك مع المشركين. إن المشرك يمسك بأسباب واهية واهنة حين يعتقد أن مع الله آلهة أخرى - سبحانه - وهي لضعفها لا تجلب له نفعاً، اي نفع، ولا تدفع عنه شراً، أيّ دفع. ومع هذه الخسة خسة أخرى، وهي أن الشرك مفضوح مهتوك الأسرار ومن يركن إلى عقيدة الشرك، مثل بيت العنكبوت الذي يرى ظاهره باطنة، وباطنه من ظاهره.

стр. 25

وبعد أنه ألمح التمثيل القرآني إلى هذه المعاني، وكشف للمشركين ضلال عقيدتهم أثارهم وألهب مشاعرهم ليتفكروا لعلهم يؤثرون الحق على الباطل: ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ . ضعف الأصنام صورة ذهنية مجردة، والصور الذهنية أقا إدراكاً من الصور الحسية الواقعية المشاهدة، وهكذا سلك المنهج القرآني في تمثيل تلك الصورة الذهنية، حيث لم يقل لهم: إن الأصنام ضعيفة، بل عمد إلى مشهد تقع عليه أعينهم صباح مساء، ومثَّل به لهم ضعف أصنامهم في صورة مرئية تقع أمام أبصارهم مرات في اليوم الواحد، وكأنه يقول لهم: كلما أبصرتم بيتاً لعنكبوت فتصوَّره مثلاً لأصنامكم وآلهتكم التي تدعونها من دون الله، فأنتهم عناكب وشرككم بيت العناكب، ولو كنتم حقاً من أهل العلم لبنبذتم الشرك بعد ما كشفنا لكم عن بطلانه وحقارته. هذا - لو كنتم تعلمون؟! أترى القرآن - هنا - حدثهم بما لم تدركه عقولهم، أو بما لم تألفه نفوسهم؟ أم حدثهم بما لا تخفي معانيه ومراميه حتى على السذج والبُلْه؟ * * *

стр. 26

مثُل من التاريخ النبوي * النموذج السادس - من سورة الأنبياء: ثم ساق القرآن عظة وعبرة من عبر التاريخ وعظاته على لسان أبي الأنبياء إبراهيم ﵇. وفيها يقول القرآن الأمين: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (٥١) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (٥٢) قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ﴾ . سألهم إبراهيم ساخراً منهم ومن تماثيلهم عما هم فيه من ضلال، فما كان جوابهم إلا التقليد الأعمى لآبائهم. فكرَّ عليخم إبراهيم كَرَّة أخرى مسفهاً لهم ولآبائهم فقال لهم: ﴿لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ . فوضعوا أمامه سؤالاً: ﴿أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ﴾ ؟ فأجابهم بغير ما ينتظرون ألاعب هو أم جاد. بل صار بهم إلى حقيقة التوحيد مباشرة: ﴿قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ . ثم تحداهم عَيَاناً جهاراً في أسلوب قَسَمى هادر: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ هكذا يقف إبراهيم ﵇ أُمَّة وحده حزب الشيطان ويخاطبهم علانية بأنه سيكيد آلهتهم، ثم ينفذ عزمه في قوة وإصرار: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ . لقد حَطَّم أصنامهم وأحالها إلى أنقاض دارسة إلا صنماً واحداً علَّق الفأس الذي حطَّم به بقية الأصنام في عنقه نكاية فيهم وسخرية بهم.

стр. 27

وحين قدموا عليها في صبيحة عيد وجدوا المفاجأة المذهلة في انتظارهم؟ لقد وجدوا الآلهة التي جاءوا ليعبدوها ويتقربوا إليها أكواماً من الطوب والتراب. * * * * المحاكمة: ﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٥٩) قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ (٦٠) قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ﴾ . قرورا أن يعقدوا له محاكمة سريعة في مسرح الحدث الضخم الذي وقع ليلاً وهم وآلهتهم غافلون، محاكمة علنية أمام الجمهور ثم جئ بالمتهم البرئ. وسرعان ما جرى استجوابه: ﴿قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ﴾ . فكان جوابه الساخر: ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾ لقد وقع هذا القول من أنفسهم موقع الصدق فلاحت لهم بسببه أشعة الهدى. ويسجل القرآن هذه الومضة فيقول: ﴿فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ﴾ . ولكن ما كان الشيطان ليخلى سبيلهم فيمضوا في طريق التوحيد إلى نهايته بعد أن لاحت لهم أضواؤه فسرعان ما اراتدوا: ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ....﴾ وقالوا لإبراهيم: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ﴾ .

стр. 28

وهنا يثب إبراهيم ﵇ وثبته الخالدة على الباطل الذي انخدع به أبوه وقومه، وهم يرون أصنامهم تلالاً من الأنقاض: ﴿قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (٦٦) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ . هزئ منهم ومن آلهتهم، وحقرّهم وحقَّر آلهتهم: ﴿أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ، وقد في سلامة عقولهم: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ ؟ لقد ساقهم إبراهيم سوقاً إلى هذا المشهد التربوي الحكيم وأراهم أن ما يدعون من دون الله لا يدفع عن نفسه شراً، ولا يجلب لها خيراً، فكيف يرجون - هم - منها نفعاً أو ضراً؟! إنَّ فاقد الشيء لا يعطيه أبداً. فما بالهم بمن فقد نفسه؟ * * * * الحكم: لم يذعن قوم إبراهيم للحق الذي أبصروه، ولم يكفروا بأصنامهم التي صارت ﴿مَثَلُهُ﴾ أمام أعينهم، فحكموا على إبراهيم بالإعدام حرقاً، انتقاماً منه، وثأراً لأنفسهم: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ فجمعوا الوقود وأضرموا النار، وألقوا فيها إبراهيم رسول التوحيد وهي مستعرة. * * * * ولكن هيهات: وأردكت عناية الله إبراهيم أسرع إليه من مس النار ظواهر جلده، لأن رب التوحيد ناداها فأمرها: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ فكانت كما أمرها من بيده مقاليد كل شيء. وهيهات هيهات لما أرادوا.... ثم كانت النهاية: ﴿وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾ .

стр. 29

ساق القرآن هذه القصة الزاجرة لمشركي العرب. فقد كان من قبل يحاورهم في شأن الأصنام وهي شخوص ماثلة للعيان، أما في هذه القصة فقد آراهم الأصنام هشيماً تذروه الرياح، وأصنام قوم إبراهيم هي أصنام المشركين في كل زمان ومكان، وما وقع لها على يد إبراهيم جائز الوقوع في كل لحظة، وقد حدث هذا فعلاً عام فتح مكة حيث طهَّر الفاتحون بيت الله الحرام منها، ولم يبق صنم في مكة بعد الفتح إلا وصار كتلاً من الصخور المفتتة، ثم ذهب كل شيء وارتفعت أعلام التوحيد في ربوع البلد الحرام و ﴿.... جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ . * * *

стр. 30

صورٌ من دلائل التوحيد النموذج السابع - من سورة النمل: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (٥٩) أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (٦٠) أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٦١) أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٦٢) أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٣) أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ . في هذا المقطع من الآيات يضع القرآن الحكيم الكون كله - خَلْقاً وتدبيراً - مادة حية للنظر والتأمل والاستدلال: آيات في الخلق والتكوين، وأخرى في التصرف والتدبر، وثالثة، ورابعة، وخامسة، وهكذا رسمت هذه الآيات من الكون والخلق لوحة استدلالية دقيقة الإحكام تهدف إلى أمرين عظيمى الشأن: الأول: وحدانية الله في الوجود: الثاني: إبطال عقيدة الشرك في كل مظهر فليس مع الله خالق، وليس مع الله متصرف، وليس مع الله مدبر، وليس مع الله مبدئ، وليس مع الله معيج، وليس مع الله مالك، وليس مع الله رازق، بيده هو - وحده - ملكوت السموات والأرض وما بينهما، لا إله إلا هو العزيز الوهّاب. ولما كانت هذه الآيات تواجه أباطيل المشركين، فقد بدأت بهذا البيان: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى ... ﴾ .

стр. 31

فالحمد لله لأنه هو المنعم بالنعم التي ذكرت في الايات بعد هذا البيان ثم: ﴿وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى....﴾ وهم الموحّدون من ألأنبياء والرسل ومن اتبعهم بإحسان. ثم بدأت الآيات لمواجهة المشركين في إجمال، ثم تفصيل ... أما الإجمال فهو قوله تعالى: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ؟ والاستفهلم - هنا - يحمل شحنة من الإنكاء الموجه لعقيدة الشرك وما يُعْبَدُ من دون الله. فليس في أصنامهم خير قط. فضلاً أن تكون أكثراً خيراً من بارئ الكائنات. وتكرر هذا الإنكار، ولكن بنفي أن يكون مع الله إله عقب كل مجموعة من الآيات والعظات التي ذُكرت ... ففي الآية (٦٠) لفت نظرهم إلى: خَلْق السموات والأرض، وإنزال المكاء من السماء وإنبات الحدائق النضرة التي ليس في مكنة إنبات شجرها، ثم يسأل منكراً: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ ؟ ولم يُذكر جواب هذا التساؤل لحكمتين: إحداهما: بيانية يُنبئ عنها سياق الكلام، وهي الإنكار في صدر الجملة: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ ؟ وهذا الإنكار جعل الجواب كأنه مذكور. والأخرى: تربوية. لأن في ترك النص على الجواب تهيئة لأذهان المخاطبين ليتفكروا ويصلوا إلى تصور الجواب بأنفسهم، وهذا أدخل في الإقناع والتسليم؟ وقد تكرر هذا الموقف الحكيم في كل صور الاستفهام في الآيات إلتي تلت. ثم تأتي فاصلة الآية: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ والمعنى - والله أعلم - أن الحق لائح أمامه يدركونه يقيناً، ولكنهم لم يصيرزا إليه، لأنهم مشركون بربهم عناداً ومكابرة. وفي الآية (٦١) ينتقل البيان المعجز إلى لفت الأذهان إلى الآيات التي أودعها الله في الأرض بعد أن خلقها: فهي قرار مكين. قرار حسي لأنها ثابتة لا تضطرب. وقرار نفسي بما أودع فيها من نِعَم وخيرات. فقد أجرى فيها الأنهار. وأرساها بالمثقلات من الجبال لئلا تميل وتنكفئ فيهلك من وما عليها جميعاً. وجَعْله بين البحرين: الحلووالمر حاجزاً حصيناً فيه للعقلاء عظة. الماءان متجاوران دون أن يحدث بينهما امتزاج: حاجز مائي

стр. 32

لا سدود ولا قناطر. ثم يتكرر التساؤل الإنكاري: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ ؟ كلا. وإنما دعاهم إلى الشرك جهلهم وغباؤهم. وفي الآية (٦٢) يثير القرآن مشاهد من تصرفات الله الحكيم في المجتمع البشري كله: من إجابة دعوة المضظر حين تنقطع به كل السُبُل ويلجأ إلى الله. فيكشف السوء، ويزيل الضرر، ومن تصرفه في أحوال العباد وتمكينهم في الأرض جيلاً بعد جيل: نزع وإيتاء. إماتة وإحياء نظام حكيم لا يتخلف ثم يأتي التساؤل: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ ؟ كلا ولكنهم غافلون ساهون عن هذه الآيات. وفي الآية (٦٣) ينتقل إلى التذكير بآيات برية وبحرية وأفقية فهو يهديكم في ظلمات البر والبحر، ويرسل السماء عليكم مدْراراً بعد أن يبشركم بإرسال الرياح بين يدي رحمته، ثم يأتي التساؤل: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ ؟ بعد كل هذه العظات البيات، والدلائل اللائحات أمامكم. سبحان الله وتعالى عن الأنداد والشركاء. أما ألاية (٦٤) فقد لوَّحت في مجال هذا الاستدلال المفحم بآية بدء الخلق ثم إعادته، وبآية الرَّزْق من السماء بإنزال الماء بما يكفي حاجة العباد والزروع الأنعام، ثم تُقَفَِّى بالتساؤل المنكر لوجود إلهَّ مع الله: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ ؟ ولما كانت هذه الآية (٦٤) مسك الختام لهذا القطع الاستدلالي كانت خاتمتها: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي إن كنتم بعد هذه الدلائل كلها التي تعاينونها بأبصاركم، وتدركونها بعقولكم، وتحسونها بمشاعركم، وتعيشونها بكل جوارحكم، إن كنتم مع هذا كله تؤمنون بأن مع الله آلهة فهاتوا برهانكم إن كنتم صادقين في زعمكم وكان لكم برهان تستندون إليه. والأمر في قوله تعالى: ﴿هَاتُوا﴾ للتعجيز، وعجزهم عن الإيتاء ببرهان كفيل - لو أطرحوا العناد - أن يبصرهم بما هم فيه من ضلال، وأن يهيئ لهمو سبل الهداية إلى الحق إن كانوا يريدون الحق. وإلا فقد قامت عليهم الحُجَّة، وباعوا أنفسهم للشيطان وليهم في الدنيا والآخرة. وخسروا أنفسهم، وما ظلموت الله، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون.

стр. 33

أرأيت كيف أخلص لهم الناصح في النصح؟ وكيف هيأ لهم سبل الإيمان الحق، وكشف عن مساوئ الضلال الذي آثروه على الهدى. وكيف استثمرت الدعوة وسائل الإقناع السلمية، لعلهم بربهم يؤمنون. * * *

стр. 34

دليل عقلي قاطع على الوحدانية * النموذج الثامن - من سورة الأنبياء: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٢٢) لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ . يمثل هذا النموذج خطوة أخرى حاسمة في الإقناع بقضية التوحيد، ويرتكز على الاستدلال العقلي المستندإلى النظام الكوني المحكم. فهذا الكون - منذ وُجِد وإلى الآن - يسير على نظام دقيق من سنن الله الكونية، والقوانين المطردة في شئون الحياة فالسماء فوقنا، والأرض تحتنا، والأفلاك تسير حسب النظم الإلهية، والنجوم تلمع في السماء، والشمس تشرق وتغرب وتنتقل في أبراجها طوال العام لا يختلف عام عن عام، والقمر يبدأ هلالاً صغيراً ثم ينمو وينمو حتى يصبح قرصاً كاملاً في منتصف الشهر، ثم يتناقص ليلة فليلة حتى ينعدم تماماً في آخره ثم يعاود ظهوره مرة أخرى على النسق المعلوم، والرياح تهب، والسحب تمر، والغيث ينزل، والأرض تنبت، والناس والأنعام والطيور تمرح وتمرع، وأجيال تقدم وأخرى تحجم، والمواهب والأرزاق تتفاوت. هذا النظام الحكيم من أقطع البراهين العقلية على أن مالك هذا الكون واحد متفرد ذو كمال مطلق، لا يحول ولا يزول، ولا تأخذه سنة ولا نوم؛ لأنه قيوم السموات والأرض لا يسأله أح عما يفعل؛ لأن الأمر له وحده، أما عن عداه فكلهم راجعون إليه، فَيُسأل كلاً منهم عما كانوا يعملون. أما لو كان معه آلهة -كما يقولون - لفسد هذا النظام في السموات والأرض، نتيجة للصراع واختلاف الإرادات، وهذا شأن كل القوى والسلطات المتساوية في القدوة أو المتقاربة.

стр. 35

وإلي هذا يشير قوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ . * * *

стр. 36

تكافُر وتلاعُن النموذج التاسع - من سور يونس، والعنكبوت، وفاطر: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ (٢٨) فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ﴾ . ﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ . ﴿.... وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ . هذه الآيات جميعاً تتفق في الإخبار بما سيكون عليه الحال بين المشركين وبين ما كانوا يرون أنها آلهة من دون الله فعبدوها ضالين مفتونين. والخبر الذي تكرر فيها جميعاً هو براءة من دون الله ممن عبدوهم. ففي يونس يقول المعبودون لعابديهم: ﴿مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ﴾ ويُشْهِدون الله على ذلك. وفي العنكبوت ... تتجاوز المفاجأة مجرد الكفر بعبادة المشركين إلى خصام عنيد يتبادلون فيه اللعنات ...

стр. 37

المشركون يلعنون آلهتهم، وآلهتهم تعلنهم، ثو يصيرون جميعاً إلى النار، ولا يجدون لهم ولياً ولا نصيراً. وفي فاطر ... يتكرر الخبر بكفر الآلهة المدعاة بشرك المشركين، وهكذا تنفصم عُرى المشركين التي كانت بينهم وبين آلهتهم المدعاة. ويتبين المشركون أنهم كانوا كاذبين، ويندمون يوم لا ينفع الندم. ثم يُقضَى وعلى أصنامهم ومن رضى بعبادتهم من الناس كفرعون فيساقون إلى جهنم وبئس لبمصير، ثم يقال لهم: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ (٩٩) لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ﴾ . * * *

стр. 38

قطب الدائرة هكذا تتجلى سماحة الإسلام في الدعوة إلى الإيمان بالله الواحد الأحد، ونبذ عقيدة الشرك والضلال، والنماذج التي قدَّمناها - وغيرها كثير - استخمت في هذه الدعوة - بشقيها الإيجابي والسلبي - وسائل إقناع سلينة لم يصاحبها قهر ولا بطض، والقطب الذي دارت حوله هو تجليه الجقائق، ودفع الشبهات، ثم تركت الناس أحراراً فيمت يختارون لأنفسهم: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ....﴾ هذه الحرية في الاعتقاد ثمثل قمة العدالة والتسامح في هذه الحياة الدنيا أما في الآخرة: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ ... ﴾ ولا يقال إن الدعوة هنا استخدمت العنف والإرهاب بل هي راحة أبلغ ما تكون الرحمة؛ لأن هذا الوعيد ورد والناس في سعة من أمرهم. فمن اختار الكفر فقد أراد الشقاء لنفسه. وما ربك بظلام للعبيد. * * *

стр. 39

القضية الثانية: قضية البعث كانت قضية البعث من أبرز القضايا بعد قضية التوحيد التي أحدثت شقاقاً خطيراً بين الرسل وأقوامهم، ومشركو العرب ورثوا هذ الشقاق عن أسلافهم من الأمم الغابرة، فاستبعدوا واستحالوا أن يُبعث الأموات، ورددوا ما كان يقوله الكافرون من قبل من شبهات واهية استندوا إليها في إنكار البعث كما حكى عنهم القرآن الأمين. وكان موقف الوحي من هذا الإنكار واحداً في جميع الرسالات السماوية بلا خلاف بينها. وقد نهج القرآن الحكيم فر دره على مشركي العرب المنكرين للبعث ما نهجه فر الرد عليهم في إنكار قضية التوحيد. فهو في كل موضع يتصدى فيه لهذه القضية يُصّور شبهات الخصوم تصويراً أميناً كما وردت على ألسنة مدعيها. ثم يكر عليهت مفنداً لها، وكاشفاً عما فيها من زيف وجهل، ونقدم فيما يأتي بعض النماذج القرآنية التي تصدت لدفع تلك الشبهات. * * *

стр. 40

الذي فطركم أول مرة النموذج الأول - من سورة الإسراء: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (٤٩) قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ . هذا القول صادر عن مشركي العرب كما يفهم من سياق الحديث الوارد فيه هذا القول في سورة الإسراء. وإنكارهم للبعث مرتكز - هما - على شبهة واحدة، هي: ذهاب أرواحهم وصيرورة أبدانهم عظاماً نخرة، ورفاتاً متفتتة متهرئة، وقد ضمنوا قولهم هذا استفهامين أولهما تقريرى لا ينازعون في حصوله، وهو: تحول أجسادهم بعد الموت إلى عظام وفُتات. أما الثني؛ فإنكتري يستبعدون حصوله، وهو إعادة خلقهم مرة ثانية كما كانوا قبل الموت، والمعنى قصدوه هو: أوَقْتَ صيرورتنا عظاماً متفتتة أنحن مخلوقون خلقاً ثانياً بعد الذي كان لنا قبل هذه الحالة المغايرة لما كنا عليه؟ * * * * الرد المفحم: أما رد القرآن الحكيم على ما أثاروه في هذه الشبهة فقد كان رداً مفحماً للخصم، لا يسع العقل إلا الإذعان له لإزالته الشبهة من جذورها. فالمشركون استبعدوا البعث بناء على أن إعادة الحياة إلى الموتى بعد أن صاروا عظاماً بالية مستحيلة، لهذا التطور الذي طرأ على الهياكل البشرية.
следующие страницы →