← Общие книги

Общие книги · id 1411

سماحة الإسلام في الدعوة إلى الله

عبد العظيم المطعني

Полный текст (171 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

تكافُر وتلاعُن النموذج التاسع - من سور يونس، والعنكبوت، وفاطر: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ (٢٨) فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ﴾ . ﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ . ﴿.... وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ . هذه الآيات جميعاً تتفق في الإخبار بما سيكون عليه الحال بين المشركين وبين ما كانوا يرون أنها آلهة من دون الله فعبدوها ضالين مفتونين. والخبر الذي تكرر فيها جميعاً هو براءة من دون الله ممن عبدوهم. ففي يونس يقول المعبودون لعابديهم: ﴿مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ﴾ ويُشْهِدون الله على ذلك. وفي العنكبوت ... تتجاوز المفاجأة مجرد الكفر بعبادة المشركين إلى خصام عنيد يتبادلون فيه اللعنات ...

стр. 37

المشركون يلعنون آلهتهم، وآلهتهم تعلنهم، ثو يصيرون جميعاً إلى النار، ولا يجدون لهم ولياً ولا نصيراً. وفي فاطر ... يتكرر الخبر بكفر الآلهة المدعاة بشرك المشركين، وهكذا تنفصم عُرى المشركين التي كانت بينهم وبين آلهتهم المدعاة. ويتبين المشركون أنهم كانوا كاذبين، ويندمون يوم لا ينفع الندم. ثم يُقضَى وعلى أصنامهم ومن رضى بعبادتهم من الناس كفرعون فيساقون إلى جهنم وبئس لبمصير، ثم يقال لهم: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ (٩٩) لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ﴾ . * * *

стр. 38

قطب الدائرة هكذا تتجلى سماحة الإسلام في الدعوة إلى الإيمان بالله الواحد الأحد، ونبذ عقيدة الشرك والضلال، والنماذج التي قدَّمناها - وغيرها كثير - استخمت في هذه الدعوة - بشقيها الإيجابي والسلبي - وسائل إقناع سلينة لم يصاحبها قهر ولا بطض، والقطب الذي دارت حوله هو تجليه الجقائق، ودفع الشبهات، ثم تركت الناس أحراراً فيمت يختارون لأنفسهم: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ....﴾ هذه الحرية في الاعتقاد ثمثل قمة العدالة والتسامح في هذه الحياة الدنيا أما في الآخرة: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ ... ﴾ ولا يقال إن الدعوة هنا استخدمت العنف والإرهاب بل هي راحة أبلغ ما تكون الرحمة؛ لأن هذا الوعيد ورد والناس في سعة من أمرهم. فمن اختار الكفر فقد أراد الشقاء لنفسه. وما ربك بظلام للعبيد. * * *

стр. 39

القضية الثانية: قضية البعث كانت قضية البعث من أبرز القضايا بعد قضية التوحيد التي أحدثت شقاقاً خطيراً بين الرسل وأقوامهم، ومشركو العرب ورثوا هذ الشقاق عن أسلافهم من الأمم الغابرة، فاستبعدوا واستحالوا أن يُبعث الأموات، ورددوا ما كان يقوله الكافرون من قبل من شبهات واهية استندوا إليها في إنكار البعث كما حكى عنهم القرآن الأمين. وكان موقف الوحي من هذا الإنكار واحداً في جميع الرسالات السماوية بلا خلاف بينها. وقد نهج القرآن الحكيم فر دره على مشركي العرب المنكرين للبعث ما نهجه فر الرد عليهم في إنكار قضية التوحيد. فهو في كل موضع يتصدى فيه لهذه القضية يُصّور شبهات الخصوم تصويراً أميناً كما وردت على ألسنة مدعيها. ثم يكر عليهت مفنداً لها، وكاشفاً عما فيها من زيف وجهل، ونقدم فيما يأتي بعض النماذج القرآنية التي تصدت لدفع تلك الشبهات. * * *

стр. 40

الذي فطركم أول مرة النموذج الأول - من سورة الإسراء: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (٤٩) قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ . هذا القول صادر عن مشركي العرب كما يفهم من سياق الحديث الوارد فيه هذا القول في سورة الإسراء. وإنكارهم للبعث مرتكز - هما - على شبهة واحدة، هي: ذهاب أرواحهم وصيرورة أبدانهم عظاماً نخرة، ورفاتاً متفتتة متهرئة، وقد ضمنوا قولهم هذا استفهامين أولهما تقريرى لا ينازعون في حصوله، وهو: تحول أجسادهم بعد الموت إلى عظام وفُتات. أما الثني؛ فإنكتري يستبعدون حصوله، وهو إعادة خلقهم مرة ثانية كما كانوا قبل الموت، والمعنى قصدوه هو: أوَقْتَ صيرورتنا عظاماً متفتتة أنحن مخلوقون خلقاً ثانياً بعد الذي كان لنا قبل هذه الحالة المغايرة لما كنا عليه؟ * * * * الرد المفحم: أما رد القرآن الحكيم على ما أثاروه في هذه الشبهة فقد كان رداً مفحماً للخصم، لا يسع العقل إلا الإذعان له لإزالته الشبهة من جذورها. فالمشركون استبعدوا البعث بناء على أن إعادة الحياة إلى الموتى بعد أن صاروا عظاماً بالية مستحيلة، لهذا التطور الذي طرأ على الهياكل البشرية.

стр. 41

فخطا القرآن - أولاً - هذه الخطوة، فأمرهم - إن كان في مقدورهم - أن يكونوا حجارة أو حديداً، لا عظاماً فحسب لأن العظام كانت ذات حياة يوماً ما فإعادة الحياة إليها أمر يسير، أما الحديد والحجارة فهي جماد ما عرفت الحياة قط، أو كونوا خلقاً آخر غير الحجارة والحديد، أي خلق تختارونه وترون فيه أن الخالق لا يقدر على بث الحياة فيه ... هذا ما أمر الله به رسوله ليقوله لمنكري البعث. ورتب على هذا سؤال سيوجهه منكرو البعث للرسول إذ سيقولون له: منْ الذي يعيدنا للحياة سواء أكنا كما نحن أو حَللْنَا في أي خلق آخر؟ وكان الجواب المحكم المفحم: ﴿الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ . إن حجم الإفحام والإلزام في هذا الجواب يهد الجبال.. فهم ينكرون عودة الحياةللعظام التي كانت من قبل ذات حياة ظاهرة، وملامح محفوظة، وآثار باقية، فكيف يعجز الله - وكان قد خلقها من قبل من العدم - عن إلأعدة الحياة إليها؟! فهل لمنكري اتلبعث من سبيل إلى إنكار الخلق الأول؟ كلا ثم كلا. إذا فإن الذي فطرهم لأول مرة - وهذا ما لا نزاع فيه - قادر على إعادة الحياة متى وكيف شاء. قياس: لو أن مهندساً صنع جهازاً عجيباً أدهش من رآه، ثم جاء رجل آخر فحطمه فقال المخترع للناس: سوف أعيد تكوينه مرة أخرى. لو حدث هذا هل كان يقع في خاطر أحد أن يستبعد على المخترع صدقه في إعادة التكوين؟ هذا مثل توضيحي - ولله المثل الأعلى - لذلك فإن منكري البعث لم يجادلوا في صحة هذا القول، ولكنهم انتقلوا إلى السؤال عن موعد البعث مع هزات برءوسهم تعجباً واستهزاء حيث لم يملكوا شيئاً يقولونه أما هذا الإفحام المذهل: ﴿مَتَى هُوَ﴾ ؟ والمسئول ليس بأعلم من السائل عن موع وقوع البعص. فما كان الجواب إلا كما أوحى إليه ربه: ﴿عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ ؛ لأن علم الساعو عند الله وحده، لا يجليها لوقتها إلا هو: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي

стр. 42

لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ . إن مخاطبة العقل بما يحقق له الإقناع والتسليم هي الوسيلة أو الأداة السلمية اليت يدير القرآن جدله وحواره مع الخصوم عليها، دون أن يفرض عليهم الحق بقوة السلاح وفي أنفسهم ريب منه، وهكذا صنع معهم القرآن في هذا المقام. * * *

стр. 43

الذي أنشأها أول مرة النموذج الثاني - من سورة يس: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١) إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ . صاحب هذه الواقعة هو أي بن خلف، انصرف من مجلس كان يضم بعضاً من منكري البعث، وقال: لأذهبن إلى محمد ﷺ ولأخاصمنه - يعني يغلبه ويُعجزه عن إقامة الدليل على صحة عقيدة البعث - وحمل معه قطعة من عظام ميت قد بليت. ثم وقف بين يدي النبي وأذخ يسحق العظام بيديه ويذريها في الهواء ويقول: من يحيى هذه بعد موتها يا محمد؟ فقال ﷺ : "الله يبعثها ويبعثك ويدخلك النار". ثم نزل الوحي بالآيات المذكور قبلاً يرد جهل أبى وكفره، وقد ذكر القرآن مقولة منكر البعث فقال: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ . لكننا نلحظ أن القرآن الحكيم ذكر جملة: ﴿وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ بين: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا﴾ ، بين: ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ . ولهذه الجملة دور عظيم في الإفحام لنكري البعث، لأن ضارب المثل استبعد إحياء العظام بعد أن رمَّتْ وتهرأت. ناسياً أن الله خلقه وخلق جميع الخلق من العدم. فإعادة الحياة إلى أي مخلوق بعد الموت أيسر في ميزان العقل من خلقه ابتداء على غير مثال سابق، ومعنى هذا أن منكري البعث لو كانوا استحضروا هذه الحقيقة في أذهانهم لما وجدوا مساغاً لاستبعاد إعادة الحياة إلى أي ميت كان، لكنَّ نسيانهم هذه الحقيقة حملهم على هذا التطاول

стр. 44

والجهل. فأنت ترى - عزيزي القارئ - أن ذكر هذه الجملة وحدها ﴿وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ - رد كاف ومقنع في آنٍ واحد، ومع هذا البيان الواضح ساق القرآن أدلة أخرى في الرد على هذه المقولة منها: أن منكري البعث سألوا سؤال إنكار وتعجيز عن فاعل إعادة الحياة إلى العظام الدارسة فكان الجواب: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ عبارة محكمة وبرهان قاطع قُرنَتْ فيه الدعوى الذي لا يجد العقل حيلة ارده، الدعوى: هي إحياء العظام, والدليل: هو الذي أنشأها أول مرة. ومنها أم الذي أنشأها أول مرة: ﴿بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ . أيّ خلق كان: معهوداً للبشر أو غير معهود. ومنها: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا....﴾ ومنها: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ . أي: أيعجز من خلق السموات والأرض عن إعادة الحياة إلى الأموات؟ فأيهما أكبر وأعظم؟ السموات والأرض أم الإنسان؟ ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ ... ﴾ وهو مع هذا كله خلاق: كثير المخلوقات. وعليم: كثير المعلومات. ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ . أي كخلق وبعث نفس واحدة. ومنها: أنه إذا أراد إيجاد شيء لم يزد على قوله له: ﴿كُنْ﴾ فلا يلبث حتى

стр. 45

﴿يَكُونُ﴾ . ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ . و ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ ... ﴾ وإذا قارنا بين التفصيل في الرد على الخصوم في سورة يس، وبين الأجيال الذي رأيناه في سورة الإسراء نجد أن ما ورد في كل من الموضعين مناسب للمقام. ففي سورة الإسراء كان المقام الأول على حكاية منكري البعث في إطارها النظري البحت: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ . لذلك وقف القرآن في الرد عليهم عند الدليل العقلي: ﴿فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ....﴾ أما في سور "يس" فقد قرن منكرو البعث القول بالفعل من حمل العظام وتفتيتها في مجلس صاحب الدعوة ﷺ ، وبلغ التحدي منهم مداه. فناسب ذلك أن يُسهب القرآن معهم في وجود الرد: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ ... ﴾ . ثم أردف عليه الأدلة الأخرى التي أشرنا إليها من قبل. * * *

стр. 46

دلائل كونية ناطقة النموذج الثالث - من سورة "ق": ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ (٢) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (٣) قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ (٤) بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (٥) أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨) وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ (١١) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ (١٢) وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ (١٣) وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ (١٤) أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ . * فروق واضحة: بين هذا النموذج واللَّذَين سبقاهة واضحة، ذلك أن القرآن الحكيم في النموذجين السابقين دحض شبهات منكري البعث بالدليل العقلي المباشر، وفي إيجاز كما تقدم، أما في هذا النموذج فقد ذكر شبهتهم في استبعاد البعث ولم يتصد لها مباشرة، بل عمد إلى ذكر حقائق أخرى يلزم منها عند من تأملها دحض تلك الشبهة. وهذا النموذج ينتظم في خمس عشرة آية كما ترى. الآية الأولى: قَسَمٌ من الله بـ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ ، وجوابه كما أجمع المفسرون محذوف لدلالة سياق الكلام - بعده - عليه، وتقديره: لتبعثُنَّ.

стр. 47

أما الآية الثانية: ففيها التصريح بتعجبهم من إرسال صاحب الدعوة إليهم: ﴿فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ . والآية الثالثة: تضمنت استبعادهم للبعث مع ذكر الشبهة الوحيدة التي تواطأ عليها منكرو البعث على مدى التاريخ النبوي كله. ثم تبدأ لامواجهة من الآية الرابعة على النسق الآتي: أولاً: في الآية الرابعة بيان بأن علم الله محيط بخلقه جميعاً ومنهم منكرو البعث، ومن مظاهر علمه أنه يعلم على إحاطة بما يحدث لهم تحت الأرض بعد موتهم من تآكل أبدانهم وتهرؤ عظامهم، وأن الله عنده كتاب ضابط لكل شيء. ومن كان هذا شأنه فلا يعجزه شيء في ملكوته: إحياء إفناء، بعث من جديد، إنه على كل شيء قدير. ثم تبين الآية الخامسة أن داءهم الحقيقي هو التكذيب الذي جاءهم به صاحب الدعوة ﷺ ، وتكذيبهم بالبعث صورة من صور التكذيب بالحق كله، وبسبب هذا التكذيب بالرسالة - جملة وتفصيلاً - انتابهم اضطراب وتخبط شأن منْ يرفض النور ويعيش في الظلام: ﴿فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ . ومن الاية السادسة حتى الحادية عشرة شروع في لفت الأنظار والعقول إلى بعض آيات الله الكونية من إحكام الخلق، والتدابير السنية، والِنَعم التي هيأها الله لعباده، والتصرفات المباركة في شئون الحياة. بادئاً بدلائل عظمة الله في خلق السماء في بنائها المحكم وتزيينها للناظرين، وفيها من العظات والعبر ما يعمقحصول الإيمان في القلوب بكل ما جاءت به الرسل. ثم كيف مدَّ الله الأرض وبسطها وثبَّتها بالرواسي الشامخات وأنبت فيها أصنافاً ذات بهجة من الزروع والأشجار، لا لتمد الناس بما يحتاجونه في حياتهم من صنوف النعم فحسب، ولكنها مع ذلك فيها دلائل مبصرة تغذي القلوب بالإيمان كما تغذي الأجسام

стр. 48

بالطعام، وفيها ذكرى وهداية لكل عبد أراد الخير لنفسه يوم لا ينفع مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم. ثم ساس القلوب سياسة حكيمة ووضع أمامها صور الماء المبارك النازل - بقدرة المنعم - من السكما، فسرعان ما تتلقاه الأرض فتنمو الحدائق والكروم بما لذَّ وطاب للعين والفم، وكذلك حب الحصيد الذي هو مصدر قوتهم، وترى النخل باسقاً، أصله ثابت وفرعه في السماء، تجود بأينع الرطب والثمار المختلف لوناً وطعماً وحجماً، أرزاق طيبة من الله بها على العباد يروحون ويغذون فيها، وإذا نزل الماء على الأرض الموات أحياها فصارت كالعروس ترفل في ألوان الزينات. وهنا يعمد القرآن، وقد انجلى صدأ النفوس، وتفتحت القلوب، ورقت المشاعر، يعمد القرآن إلى توظيف هذا المشهد الذي يتكرر كثيراً، وهو إحياء الأرض الموات، وجعله دليلاً على إمكانية البعث عقلاً فيقول: ﴿كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ اي كما نحيي الأرض الموات بإنزال الماء فتصبح الأرض مخضرة، نخرج الموتى من قبورهم أحياء كما كانوا قبل أن يموتوا فإذا كان منكرو البعث لا ينكرون هذه المشاهد المتكررة فكيف ساغ لهم أن ينكروا البعث، والإحياءان سواء في قدرة الله؟ ثم ... أكُلُّ هذه الدلائل والعبر غابت عنهم وهم يشاهدونها في كل لحظة تمر بهم؟ إن إنكار البعث لم يكن سببه قصوراً من الدعوة في إثبات وقوعه عقلاً، فقد هيهأت الدعوة - بالوسائل السلمية - الطريق واضحة إلى كل ما طُلب منهم الإيمان به، وليس البعث وحده، فضلال منكري البعث ضلال عن علم وهُدىّ بعد أن بين الله لهم الحق من الباطل. استحوذ عليهم الشيطان وزيَّن لهم سوء اعتقادهم وعملهم، فصدُّوا عن السبيل وهم مستبصرون. * * *

стр. 49

* مُثُلٌ من الأمم الغابرة: وإخلاصاً في النصح لهم، وقطعاً لأعذارهم ساق لهم إشارات من تاريخ الأمم الغابرة، الذين كذبوا الرسل فحق عليهم العقاب، أشار لهم إلى قصة قوم نوح وأصحاب الرس، وثمود، وعاد، وفرعون، وقوم لوط، وأصحاب الأيكة، وقوم تبع، هؤلاء الأقوام جيمعاً تواطأوا على تكذيب الرسل توحيداً وبعثاً، فأهلكهم الله في الدنيا قبل الآخرة: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ . كان هذا مضمون ما عرضته الآيات: (١٢ - ١٤) ، والتخويف من سوء المصير وسيلة سلمية ذات شأن عظيم في مجالات التربية والتوجيه؛ لأن طبائع النفوس مختلفة فمنها ما ينقاد عن طريق الإقناع، ومنها ما ينقاد عن طريق الترغيب، ومنها ما ينقاد عن طريق التخويف. ومنها ما ينقاد عن طريق هذه الوسائل كلها مع التساوي حيناً، ومع التفاوت حيناً آخر. والدعوة إلى الإيمان بالوسائل السلمية في القرآن وظَّفَتْ كل هذه الوسائل في سياسة النفوس، واستمالتها إلى الحق، والقرآن حافل بالنماذج الدالة على هذا المنهج الكامل المتكامل، ولكن كثيراً من خصوم الدعوة غلبت عليهم شقوتهم فتنكبوا سوآء الصراط. ثم تأتي الآية (١٥) خاتمة المطاف في هذا النموذج الإستدلالي الحكيم، مستثمرة كل ما تقدم من وسائل الإقناع السليمة، في صياغة حكيمة للاستدلال بها: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ ... ﴾ ؟ تساؤل إنكاري ينتهي إلى نفي ما وقع عليه التساؤل: كلا لم يصبنا إعياء ولا كلل من خلقنا كل ما خلقناه مما هو منظرو مشاهد، ومما هو غيب لم يطلع عليه أحد من دقائق صنع الله وآثاره، إذا فكيف نعجز عن بعث من مات ممن خلقنا؟

стр. 50

أهذا يقع في عقل عاقل؟ بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون. إن دلائل الحق جلية، وأماراته واضحة، ولكن منكري البعث اختلط عليهم الأمر بسبب جهلهم وإعراضهم عن تأمل الأدلة، لا لعيب في مناهج الكشف والاستدلال بل لأنهم: ﴿فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ . ومع اكتفائنا بهذه النماذج الثلاثة، في إبطال شبهات منكري البعث، وغيرها كثير في الذكر الحكيم، نسجل هذا البيان قبل أن ننتقل إلى المبحث الثاني من سماحة الدعوة إلى الإسلام في القرآن الكريم في العهد المكي. وخلاصة هذا البيان في إيجاز شديد: أن استعراض مواقف القرآن في هذه القضية يُسفر عن حقيقتين عظيمتى الشأن: الأولى: أن البعث أمر يمكن عقلاً وليس مستحيلاً عقلاً كما زعم منكروه؛ لأن الإعادة أيسر في حكم العقل من الابتداء، والله الذي خلق الخلق ابتداءً، ومن العدم قادر بلا أدنى نزاع عقلي على إعادته حين يشاء. الثانية: أن البعث من حيث تواتر الخبر الديني به واجب شرعاً لن يتخلف حسب ما هو مقدرٌ في علم الله. ويترتب على هذا أن منكري البعث اقترفوا إثمين عظيمين: الأول: رفضهم لدليل العقل الواضح الجلي، وبذلك حرموا أنفسهم من الاستفادة بأجل نعمة زوًّد الله بها الإنسان في تكوينه الخِلْقى. الثاني: تكذيبهم ربهم في ما أوحى إلى رسله الأمناء في التبليغ. وبذلك كله: ﴿ ... أَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ . * * *

стр. 51

المبحث الثاني سماحة الدعوة في القرآن الكريم في العهد المدني واجهت الدعوة الإسلامية بعد الهجرة إلى المدينة ظاهرتين شديدتي الخطورة والتعقيد: أولاهما: مزاعم أهل الكتاب من اليهود والنصارى وما أثاروه من لغط وأباطيل. والأخرى: ظاهرة النفاق والمنافقين. وقد تصدى القرآن الحكيم لكل ظاهرة منهما بما يناسبها من الوسائل السلمية، محاوراً ومجادلاً بالتي هي أحسن، وها نحن أولاء نرتشف رشفات خفيفة من مواقف القرآن أزاء هاتين الظاهرتين، لنؤكد بأقطع الأدلة، وأسطع البراهين أن القرآن نهج في كل مواقفه مع الفريقين منهجاً سلمياً مع خطورة الشقاق الذي كان يبثه الفريقان معاً، وأنه رغم العداء الشديد الذي كان يضره أهل الكتاب والمنافقون، لم تُعْمل الدعوة فيهم رمحاً ولا سيفاً لمجرد أنهم أهل كتاب أو منافقون اللهم إلا المعاملة بالمثل إذا اعتدى منهم أحد على المسلمين ... ولنبدأ بالظاهرة الأولى منهما. * * *

стр. 52

﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (العنكبوت: ٤٦) * * *

стр. 53

الظاهرة الأولى مواقف الدعوة السلمية من أهل الكتاب لغط أهل الكتاب لغطاً كثيراً حين جاورا المسلمين في المدينة بعد الهجرة، وأثاروا قضايا دينية مختلفة، وكان لغطهم في تلك القضايا التي أثاروها قائماً على الإدعاء والخطأ. لهذا تصدى القرآن الأمين لكل ما أثاروه ولغطوا حوله، وفيما يأتي نبين مواقف القرآن الكريم من بعض أخطائهم وانحرافاتهم، لأن الحديث عن كل ما أثاروه يضيق به المقام - هنا - وهدفنا من هذه الدراسة بيان سماحة الإسلام مع مخالفيه، وهذا يكفي فيه التمثيل ما دام الاستقصاء غير ميسور، ونبدأ بهذه المسألة: * إدعاء أهل الكتاب أن إبراهيم كان يهودياً أو نصرانيا؟ إبراهيم ﵇ أبو الأنبياء، فمن ذُرَّيته إسماعيل ﵇ جد العرب، وإسحاق أبو يعقوب، ومن يعقوب تفرعت أنبياء بني إسرائيل وأسباطهم، وقد سجل القرآن الأمين هذه المناقب لأبي الأنبياء إبراهيم ﵇ فقال: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ . وكان وجود إبراهيم قبل أن يُتزل الله التوارة على موسى ﵇ بزمن طويل، وقبل أن ينزل الإنجيل على عيسى ﵇ بزمن أطول، ومكانته في تاريخ أنبياء العهد القديم لم يرق إليها أحد منهم، لهذا حرص كل من اليهود والنصارى أن يكون منهم. فاليهود ادَّعَوْا أنه كان يهودياً، والنصارى زعموا أنه كان نصرانياً. وفي سورة آل عمران - المدنية - تصدى القرآن لهذه الدعوى فنفى ما ادعاه اليهود، ونفى ما زعمه النصارى وإليك البيان: جادل اليهود والنصارى صاحب الدعوة ﷺ ، وجادلوا المسلمين في أمر إبراهيم عليه

стр. 54

السلام، كل منهم يزعم أنه من مِلَّته، فنزل الوحي حاسماً هذا الخلاف ومبطلاً دعاواهم: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ . وهكذا قطع القرآن عليهم الحُجَّة من أقصر طريق، إذ كيف يكون إبراهيم يهودياً أو نصرانياً ولم تكن اليهودية ولا النصرانية معروفة في عصره، ومع هذا الاستدلال المفحم فقد عرَّض بهم القرآن ونسبهم إلى الحمق والسفه في قوله: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ ؛ لأن هذه الدعوى لا يدعيها إلا من ذهب عقله. ثم يخطو القرآن خطوة أخرى في إبطال دعاواهم، لأن أهل الكتاب قد يتمسكون بنسبهم ونسب أنبيائهم إلى إبراهيم، وهذا حق، ولكن القرآن يستبعد أن يكون للنسب السلالى وزن في هذا المجال. فالاعتبار للاقتداء والتأسَّي في الإيمان والعمل الصالح: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ . واليهود والنصارى لم يتبعوا إبراهيم، لأن إبراهيم موحَّد وهم أشركوا بالله عزيراً وعيسى، وحرَّفوا الكتب المنزَّلة على أنبيائهم، وادّعوا لأنفسهم ما لم يدعه نبي مقرب ولا رسول مرسل. أما الذين اتبعوا إبراهيم في حياته، وبع وفاته، ومنهم خاتم الرسل ﷺ ، والمؤمنون بما جاء به، فهم أوْلى النًّاس بإبراهيم ﵇. فانظر كيف ردّ القرآن مزاعمهم بأدلة عقلية وسنن إلهية، وكلها وسائل إقناع سلمية، لم تسل فيها دماء، ولم تحتدم حولها معارك، ولكنها حُجَج بّينات وكلمات حاسمات, * * *

стр. 55

* تعميم الدعوى: لم يكتف اليهود والنصارى بادعاء أن إبراهيم وحده كان يهودياً أو نصرانياً، بل عمَّموا الدعوى حتى شملت إسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط، وهم ذُرّية إبراهيم الأدنون، وقد حكمى القرآن الأمين دعواهم هذه فقال: ﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ . هذه دعواهم ... لكن القرآن ذكرها موصولة بالرد عليها إذ قال الله لرسوله ﷺ : ﴿قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٠) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ . وحاصل الرد أن الله شهد لهؤلاء الأنبياء بالتوحيد والإسلام في قوله تعالى حكاية عن إبراهيم وإسماعيل: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ . وشهادة الله حق، فهل أهل الكتاب أعلم من الله بأحوال أنبيائه ورسله، هو يقول: مسلمون، وهم يقولون: يهوداً أو نصارى؟. وأهل الكتاب يعلمون بشهادة الله لهم بالتوحيد والإسلام ومع هذا فهم يكتمون شهادة الله فلا أحد أظلم منهم. وتاريخ اليهودية ونشأتها تبدأ بإنزال التوارة على موسى ﵇. ونشأة النصرانية تبدأ بإنزال الإنجيل على عيسى ﵇. والأنبياء السابقون على موصى وعيسى أمة منفصلة لها كسبها عند الله، واليهود والنصارى غير مسئولين عمن سبقهم من الأمم. فكيف يكون هؤلاء الأنبياء يهوداً أو نصارى؟ وما كان لليهودية والنصرانية وجود في أعصارهم؟!

стр. 56

هكذا بالدليل والبرهان أبطل القرآن مزاعمهم موكلاً حسابهم إلى الله يوم يقوم الناس لرب العالمين. * * * إدعاؤهم أنهم أبناء الله وأحباؤه: من الدعاوى الجوفاء التي ادعاها اليهود والنصارى لأنفسهم أنهم أبناء الله وأحباؤه. قال هذا اليهود وقاله النصارى. إذ يحكي القرآن الأمين عنهم قولهم: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ . فكيف واجه القرآن هذه الدعوى المفتراة؟ في الآية نفسها التي حكى فيها القرآن هذا الإفك عن اليهود والنصارى، أمر الله رسوله أن يرد عليهم بما يكشف زيفهم، ويزيل باطلهم: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ . أي: إن كنتم أبناء الله وأحباؤه فلم يؤاخذكم بما تقترفون من المعاصي والآثام؟ ما أنتم إلا خلق كسائر البشر تجري عليكم سنن الله في خلقه: يغفر لمن يشاء منهم، ويعذب من يشاء، ولو كنتم كما تدعون لكانت لكم قداسة ترفعكم فوق البشر؟ * * * ادعاؤهم قصر الهدى على اليهودية والنصرانية: من مزاهم أهل الكتاب التي أثاروها في المجتمع المدني بعد الهجرة: إدعاء اليهود أن الهدى - كل الهدى - مقصور على اليهودية التي هم عليها وحدها. وادعى النصارى مثل هذه الدعوى، وقالوا: إن الهدى وقف على النصرانية التي هم عليها وحدها. وقد صور القرآن الحكيم هاتين الدعويين فقال حاكياً عنهم: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾ .

стр. 57

أي قالت اليهود: كونوا هودا تهتدوا؟! وقال النصارى: كونوا نصارى تهتدوا؟! كل منهم يدعي الهدى ويرمي من عداه بالضلال؟! وهاتان الدعويان تتضمنان فرية أخرى: هي التفرقة بين رسل الله. فاليهود يؤمنون بأنبيائهم ويكفرون بعيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم والنصارى يؤمنون بعيسى "إله" ويكفرون بخاتم الرسل ﷺ . * * * مواجهة القرآن: وقد واجه القرآن الحكيم هذه المزاعم معرضاً باليهود والنصارى بأنهم ليسوا موحدين، فكيف يكونون على هدى، والتوحيد الذي كفروا به هو أساس الهدى؟ فقال في الرد عليهم: ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ . أي أن الهدى الخالص هو ملة إبراهيم الذي رعى عقيدة التوحيد، ولم يكن مشركاً بربه شيئاً كما أشركتم أنتم فجعلتم عزيزاً (اليهود) وعيسى (النصارى) ولدين لله سبحانه وتعالى عما تقولون علواً كبيراً، واليهود والنصارى حين سمعوا هذا البيان يعلمون علم اليقين أنهم مشركون بالله، فيتبين لهم في خاصة أنفسهم أنهم كاذبون في إدعاء الهدى. * * * التفرقة بين الرسل: أما تفرقتهم بين الرسل على الوجه الذي تقدم فقد لقنهم فيها القرآن درسا شديد الوقع عليهم. جاء هذا الدرس ضمن خطاب الله للمسلمين: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦) فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ .

стр. 58

لقد ارتكب أهل الكتاب خطأين لا يكون من ارتكب واحداً منهما على هدى، فكيف بمن ارتكبهما معاً؟! والخطآن هما: الإشراك بالله سبحانه، ثم التفرقة بين رسله: يؤمنون ببعض، ويكفرون ببعض. والإيمان الأمثل هو ما عليه المسلمون حيث لم يشركوا بالله أحداً ولم يفرقوا بين رسله، فهم يؤمنون بكل من صحت رسالته. فإن آمن أهل الكتاب إيمان المسلمين فقد حققوا لأنفسهم الهدى فعلاً، وإن أعرضوا فهم في شقاق لا يجامعه إيمان منج، ومهما لغطوا فإن الله حافظ رسوله ومن اتبعوه من مكايدهم، وهو السميع لكل ما يقال العليم بكل ما خفى أو ظهر. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ . هكذا حسم القرآن هذا الجدل الفارغ، وأعطى المتلاعبين بحقائق الإيمان درساً قاسياً. * * * إدعاؤهم أن الجنة لن يدخلها إلا اليهود أو النصارى: ومن الدعوى الفارغة التي ادعاها اليهود والنصارى - كل على حدة - أن اليهود زعموا أن الجنة لن يدخلها إلا اليهود، وحذا حذوهم الانصارى فادعوا أن الجنة لن يدخلها إلا من كان نصرانياً، وقبح هذه الدعاوى أن أهل الكتاب زعموا أن من سلطتهم التدخل في شئون الله - سبحانه - وتوزيع رحمته على من يشاءون. وهذا ما لا يدعيه عاقل أو مؤمن صحيح الإيمان لنفسه، فالله لم ولن يشرك في حكمه أحداً. وليس غريباً على قوم حرَّفوا رسالات ربهم وعصوا رسله أن يأتي عنهم هذا الهذيان الساقط، واللغو المرذول.

стр. 59

وقد ذكر القرآن الكريم هذه المقولة الصادرة عن الفريقين قارناً بها الرد المفحم لهم جميعاً عليها فقال: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١١١) بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ . فقد طالبهم القرآن أن يأتوا ببرهانهم على ما يقولون إن كانوا صادقين. والأمر في ﴿هَاتُوا﴾ للإفحام والتعجيز، لأنهم ليس لهم برهان قط على مدعياتهم. وبعد تكذيب مزاعمهم عمد القرآن إلى بيان سُنَّة الله الخالدة في خلقه، وأساس العدل الإلهي الذي يعامل به العباد، فليس الأمر كما قالوا: عنصرية دينية وراثية لاحظ لها من الفقه والإذعان، وإنما أساس العدل عند الله هو الإيمان والطاعة وإخلاص الوجه لله: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ . فليقل اليهود ما شاءوا، وليقل النصارى ما شاءوا. فأمر الله ليس بأماَّني أحد من خلقه: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (١٢٤) وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ . * * * * أشنع جرائم أهل الكتاب، وكيف ووجهت؟ ذلك طرف يسير من مزاعم أهل الكتاب التي واجهتها الدعوة بالوسائل السلمية، بَيْدَ أن أشنع جرائم أهل الكتاب ادعاؤهم الولد والشريك لله - سبحانه - ومع فظاعة هذه الجريمة فإن منهج الدعوة الإسلامية في مواجهتها لم يخرج عن سمته الوقور، وما عُرِف به من التصدي لهم بالحُجَّة الهادئة، والبرهان الرزين، والإخلاص في النصح والإرشاد

стр. 60

والتوجية، دون أن يدعو إلى سفك دماء، أو سوء معاملة، وإنما بصرَّهم بالحق وزّينه لهم، وأغراهم على قبوله. وقبَّح لهم الباطل وحذّرهم من سوء المصير فيه، وفتح لهم أبواب التوبة، والإنابة إلى الله على مصاريعها لعلهم يؤمنون. ففي مواجهة النصارى المدَّعين بنوة عيسى لله - سبحانه - حذرهم القرآن من مغبة هذا الإفتراء، لكن دون أن ينسبه إلى النصارى صراحة، بل أخرج الحديث مُخْرج العموم، وفي ذلك تلَطُّف معهم في الخطاب وتأليف لقلوبهم. ومسلك حكيم للدعوة في ملاينة الخصوم، ورسم خطة سديدة للخروج من مضايق الشرك والضلال. وهذا ما نراه في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾ . تأمل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالُوا ... ﴾ حيث لم يقل: لفد كفر النصارى - مع أنهم هم القائلون - أليس في ذلك ملاطفة معهم في الخطاب على فظاعة قولهم وشناعة كفرهم؟ ثم تمضي الآية في تكذيبهم ويأمر الله رسوله أن يقول على الملأ: إن الله ليس له ولد ولا شريك، وعيسى الذي دعوه "الله" - سبحانه - إن أراد الله الحق أن يهلكه ويهلك معه أمه، ومن في الأرض جميعاً فلن يملك أحد دفع ما أراده الله. فالله هو المالك المتفرد في مُلْكِه له ما في المُلْك كله. وإن كان قد خلق عيسى من غير أب فليس معنى ذلك أن عيسى إله. فالهه يخلق ما يشاء كيف يشاء، لأنه على كل شيء قدير. ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ . ومعنى هذا: أن خلق إنسان من غير أب لو كان سبباً في جعله إلهَّ لكان آدم أولى من

стр. 61

عيسى بهذا الوصف؛ لأنه مخلوق من غير أب ولا أم؟! وفي هذا إشارة ذكية لنسف مدعيات النصارى، وتوجيه حكيم لإراءتهم الحق في أجلى مجاليه. * * * * تحذير وأمل: وفي الآيات الآتية تحذير لهم بعد تحذير، وأمل باسم يدعوهم القرآن للإقبال عليه، مع إشارات وضيئة تبين لهم سوء معتقدتهم، ترى ذلك كله في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٧٢) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣) أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤) مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٧٥) قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ . فهذا هو المسيح ﵇ يدعو بني إسرائيل إلى عبادة الله وحده ويقرر بأن الله ربه وربهم، فكيف يدَّعى النصارى لعيسى ما لم يدعه لنفسه؟! ومع التسجيل عليهم بهذه الشناعات، وتهديدهم المرة تلة المرة من الاستمرار على هذه العقائد الموغلة في البطلان والفساد، يفسح أمامهم الأمل ليتوبوا قبل فوات الأوان، وأنهم إن تابوا قبل الله توبتهم بمنه وكرمه، لأنه غفور رحيم. ثم يضع بين أيديهم الإشارات المضيئة التي تمهد لهم الطريق للإقلاع عما هم فيه، والإذعان للحق قبل فوات الأوان:

стр. 62

١- فالمسيح يقر بعبوديته لله، وأن الله ربه ورب العالمين. ٢- ثم يحذر المشركين من الخلود في النار وفقد النصير. ٣- يؤكد لهم القرآن أن المسيح رسول قد خلت من قبله الرسل، وأمه بارة تقية، وهما كانا من البشر يأكلان ويشربان كما يأكل البشر ويشربون وليسا بإلهين، لأن الكون كله ليس فيه إلا إلهٌ واحد. ٤- ثم يلفت أنظارهم إلى ضلال مسعاهم، وكيف يعبدون من دون الله من هو عاجز مثلهم لا يملك لنفسه ولا لهم مثقال ذَرَّة من الضر أو النفع؟ ﴿يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (١٧٢) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ . ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣٤) مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٣٥) وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ . بهذا البيان، وبهذا الوضوح واجه القرآن العظيم مزاعم أهل الكتاب بالحكمة والموعظة الحسنة، ولو كان الإسلام دين إرهاب وعنف لعجل القضاء عليهم، ولأغرى المؤمنين بهم، ولكنه أخلص لهم في النصح ووضع في أيديهم براهين ودلائل سلمية لو فحصوها وتأملوها وعملوا بمقتضاها لكانوا من السعداء في الدنبا والآخرى ... ولكن ... ؟ * * * * عَدُلٌ وإنصاف: في القرآن الكريم مبدأ عظيم من مبادئ العدل والإنصاف، أمر الله به جماعة المسلمين

стр. 63

وفيه يقول رب العزة: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ . أي: لا يحملكم بعض قوم على ظلمهم، بل اعدلوا في كل الأحوال لا فرق بين عدو وصديق، لأن العدل من ثمار التقوى، والتزموا بتقوى الله في السر والعلن، لأن الله لا يخفي عليه من عملكم شيء. هذا المبدأ العظيم سمة بارزة من سمات سماحة الإسلام، والقرآن قد التزم به مع أبغض الطوائف إلى الله، قبل أن يجعله أصلاً من أصول الحكم للجماعة المسلمة. لذلك فإنك تراه مع الإنحراف الخطير الذي وقع فيه اليهود والنصارى - عقيدة وسلوكاً - يستثنى جماعات منهم، ويُثنى عليهم بكل خير، ويذكر لهم مناقبهم الفاضلة، ومحاسنهم عقيدة وسلوكاً؛ لأن الأساس في الإسلام هو الكسب الشخصي، وليس التعصب الديني أو الجنس أو اللون: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ . وفي السطور الآتية نماذج ناظقة من سماحة الإسلام من حديث القرآن عن مؤمني اليهود والنصارى، وسيرتهم النبيلة العطرة: ﴿.... وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ . فهم لم يكونوا كلهم فاسقين مشركين، بل منهم المؤمنون الحسنو الإيمان: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٤) وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ .

стр. 64

فليس أهل الكتاب كلهم سواء في فساد العقيدة وسوء السلوك، بل منهم - كما قال الكتاب الأمين - أمة لا يفرق بينها وبين صالحي المؤمنين فارق بل هم مع صدق إيمانهم يعملون أُمهات الفضائل من أمر ونهي ومسارعة في الخيرات. هكذا يسجل لهم القرآن فضائلهم، ولم يظلمهم شيئاً. ويؤكد القرآن هذا المعنى مرة أخرى فيقول: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ . وفي شأن اليهود خاصة يقول: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ . إن تاريخ اليهود لم يكن كله مظلماً، بل مرَّت بهم حقب عروا فيها التوحيد الخالص فتلك تحسب لهم، أما فترات النكسة، والارتداد عن الحق فتخيم على أكثر تاريخهم النبوي، وقد حدث هذا مبكراً في عهد موسى ﵇. إذ اتخذوا من العجل إله لهم من دون الله وموسى بين أظهرهم؟ ولم يكونوا كلهم مجرمين، فمنهم جماعة - أمة - كما يقول القرآن كانوا صحيحى الإيمان وصادقيه، وهذا ما تسجله لهم هذه الآية الكريمة: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ هكذا ينطق القرآن بكل أمانة وصدق؛ لأنه كتاب هداية وتسامح. وفي النصارى خاصة يقول وهو يتحدث عن أهل الكتاب عموماً وعن المشركين: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (٨٤) فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ .

стр. 65

تأمل سماحة الإسلام كيف بدت في هذا البيان المنصف الأمين ... إن بعض النصارى - هنا - يثني عليهم القرآن هذا الثناء العطر الجميل، فيكشف عن صدق إيمانهم ويصوّر خشوعهم في خلواتهم والدمع يفيض من أعينهم فيضان الأنهار، رغبة فيما عند الله ورهبة من مكره، ولا يترك الحديث عنهم حتى يدخلهم جنات النعيم مخلدين فيها؛ لأنهم محسنون، وذلك جزاء المحسنين. * * * * سماحة نادرة: وقد سجل القرآن الكريم سماحة نادرة حول إتهام رجل من اليهود بالسرقة ظلماً، وكان المتهم له بها بعض المسلمين دفاعاً عن السارق الحقيقي، وهو رجل مسلم منهم، ورُفع الأمر إلى صاحب الدعوة ﷺ وهَّم بقطع يد اليهودي - زيد بن السمين - وتبرئة السارق الحقيقي المسلم - طعمة بن أبيرق - من بني ظفر. ولكن قبل أن يقيم صاحب الدعوة الحد على المتهم اليهودي لابرئ نزل الوحي الأمين يجلجل بهذه الآيات المباركات: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٦) وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (١٠٧) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (١٠٨) هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (١٠٩) وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠) وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١١) وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينً﴾ .

стр. 66

لقد نصَّب القرآن نفسه محامياً ومدافعاً بالحق والصدق عن رجل يهودي، يؤمن إيمان اليهود، ويلغط لغطهم، ويفترى على الله ورسله كما تفتري الطائفة التي ينتمي هو إليها، ينسب لله - سبحانه - الصاحبة والولد، ويؤمن بالتاريخ الدموي لليهود حتى على أنبيائهم ورسلهم ويقول كما يقولون: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ . ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ ومع هذا يأبى الإسلام أن يقع عليه ظلم وهو برئ. فأي سماحة هذه؟ وفي أي دين أو نظام نجد لها مثيلاً. أما الذين ترافع ضدهم القرآن - إن جاز هذا التعبير - فهم مسلمون مؤمنون موحّدون؟ يصلَّون ويصومون ويحجون. ومع هذا ترافع القرآن ضدهم، ولامهم أقسى ما يكون اللوم، ومن يراجع القصة مفصّلة في كتب التفسير يتبين له عدل وإنصاف وسماحة هذا الدين العظيم، كأخلص ما يكون العدل، وأروع ما يكون الإنصاف، وأسمح ما تكون السماحة. فليرنا الذين يصفون الإسلام أنه دين الإرهاب والعنف وسفك الدماء، ومصادرة الحريات ليرنا هؤلاء سماحة تدنو من سماحة الإسلام، وعدلاً يقارب عدل الإسلام، وإنصافاً يضارع إنصاف الإسلام؟ هذا هو ديننا المنزَّل بعلم الله، المحفوظ بقدرة الله. فهل عند الخصوم بضاعة كبضاعتنا؟ ألا فلينثروا ما في كنانتهم إن كان لهم كنانة، وفيها نبال وسهام. ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُور﴾ . ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ . * * *

стр. 67

* التي هي أحسن: ومن سمات سماحة الإسلام مع مخالفيه من أهل الكتاب أن الله تعالى نهى المسلمين أن يبدأوهم بالجدل في أمور العقيدة والدين، وأداً للفتنة في مهدها. فإن اضطررنا لمجادلتهم، كأن يبدأونا هم فجدالنا لهم مقيد بضابط حكيم لا يقل أثراً عن ترك الجدل معهم في وأد الفتنة وإيغار الصدور، وهو أن نلتزم في الجدل معهم - إذا اضطررنا إليه - بأحسن مناهج الجدل وأبعدها عن الإثارة والتهييج، مع طرح مبادئ من شأنها أن تؤلف بيننا وبينهم، مع الحذر - كل الحذر - أن يفتنونا عما أنزل الله إلينا. والنصوص القرآنية في هذا المعنى متعددة نكتفي منها بما يأتي: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ . أنظر إلى أي مدىَّ يترفق القرآن مع أهل الكتاب وهم يناصبونه العداء ... فصجر الآية: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ يفيد أن الأصل تركجدالهم والإعراض عنهم. ثم يستثنى من هذا الأصل - ترك الجدال معهم - حالة واحدة، هي الجدال بالتي هي أحسن, أي لا يثير فتنة ولا يوغر صدوراً، ولا يورث أحقاداً ... ثم يستثنى من هذه الحالة المستشناة - الجدال بالتي هي أحسن - حالة واحدة كذلك، هي معاملة الذين ظلموا منهم بمثل ما يعاملوننا به. ثم أنظر - مرة أخرى - إلى ما تشير إليه الآية من طرح مبادئ وأصول من شأنها أن تؤلف بينا وبينهم: فأولاً: قولوا لهم: آمنا بما أنزله الله علينا: القرآن، وبما أنزله عليكم: التوارة والإنجيل - كما تلقاهما موسى وعيسى ﵉ من ربهما. وثانياً: قولوا لهم: إن إلهنا وإلهكم واحد، هو الله.

стр. 68

وثالثاً: قولوا لهم: نحن لهذا الإله الواحد - الله - مسلمون. ثم انظر - مرة ثالثة - كيف قال: ﴿بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ ولم يقل: بالحسنى. وهذا معناه: أن نتوخى معهم أحسن مناهج الجدل وأحبها إلى النفوس، فكون المنهج حَسَناً في نفسه لا يكفي. بل المطلوب هو المنهج الأحسن، وهذا معناه مرة أخرى أن الذي يمارس مهمة الجدل معهم لابد أن يكون عالماً متمكناً فاقها لأساليب الدعوة، مدركاً للتفاوت بينها، فلا يجهل عليهم ولا يبذؤ في القول معهم، وإنما يكون جداله في الإطار العام الموضوع للدعوة: بالحكمة والموعظة الحسنة. وذلك لأن المفصود من الدعوة في الإسلام واحدمن أمرين: إما الإقناع والإستمالة إلى الحق المدعُو إليه ... وإما إقامة الحُجّة لله على المدعو برفق وهدوء. وتلك هي اللغة الوحيدة التي تعزو القلوب وتهزها من أعماقها وتجذب النفوس وتنتشلها من أوهامها، تقنع العقول وتطهرها من عنادها ومكابراتها. وفي هذا الشأن يقول الله تعالى لرسوله الكريم: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ..﴾ ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ . جاءت هاتان الآيتان عقب حديث للقرآن عن جرائم اليهود القدامى التي توارثها عنهم يهود عصر النزول. وفيهما يُثّبت الله رسوله على الحق الذي أنزله إليه، ويأمره أن يحذر اليهود إذا أرادوا

стр. 69

أن يفتنوه عن بعض ما أنزل إليه، ومع ذكر الجرائم التي ارتكبها أجدادهم وتابعوهم هم عليها فإن القرآن لم يأمر بشن الحرب عليهم، وإنما تساءل في إنكار عنيف عن الحكم الذي يريدونه وهو حكم الجاهلية: أفحكم الجاهلية يبغون؟ إن هذا السفه ما وراءه سفه، لأن حكم الله المنزل أحسن حكم للناس: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ ؟ وهذا توجيه من الله لرسوله، لئلا يضيق ذرعاً بمكايد اليهود، فما عليه إلا أن يقابل أباطليهم بذكر الحق دون أن يُعْمل فيهم سلاحاً، أو لا يرى لهم وجوداً معه في المدينة ما داموا لم يؤمنوا، وفي موضع آخر يذكرهم القرآن بأشنع جرائمهم الموروثة والحاضرة - أي التي ارتكبها اليهود في عصر الرسالة الخاتمة - ثم يفتح أمامهم أبواب التوبة، ويحذرهم - في هدوء - من سوء المصير إذا لم يلعنوا للحق المنزل على خاتم الرسل ﷺ . ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (٤٤) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا (٤٥) مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (٤٦) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٤٧) إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ . ولكي نتبين عظم سماحة الإسلام مع اليهود نسجل هذه الجررائم التي نسبها إليهم القرآن في هذا البيان الأمين.

стр. 70

فأولاً: اختيارهم الضلالة على الهدى ومحاولاتهم توريط المسلمين في مثل هذا الضلال الذي هم فيه. وهذه الجريمة ارتكبها اليهود المعاصرون لنزول القرآن. ثانياً: تمردهم القبيح السافر على الحق المنزل على خاتم الرسل، وجهرهم بالعناد في قولهم: ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ . ثالثاً: ذعاؤهم على صاحب الدعوة ﷺ بالطرش في قولهم: ﴿وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ أي مدعُوَّا عليك بـ "لا سمعت". رابعاً: شتمهم له ﷺ في قولهم: ﴿رَاعِنَا﴾ وهي في اللغة العبرية بمعنى: يا أحمقنا. وخامساً: طعنهم في الدين الذي أرسل به خاتم الرسل. مع هذه الجرائم الفظيعة لم يسلك معهم الإسلام إلا الإرشاد القولي بالوسائل السلمية. ترى ذلك في رد القرآن عليهم وفي تعقيبه على قولهم بقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ أي مكان: ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ ، وقالوا: ﴿وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا﴾ أي بدل: ﴿وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا﴾ . لو قالوا هذا بدل قولهم القبيح لكان فيه خير لأنفسهم، وإصلاح لفسادهم عقيجة وسلوكاً. ثم سطوي القرآن هذه القبائح ويتوجه إليهم بالنصح والإرشاد ويحذرهم من مغبة ما هم فيه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ ... ﴾ فهم لم يأمرهم بإيمان غريب ليس معهوداً ولا معروفاً لهم. فالتوراة التي أنزلها الله على موسى معهم وبين أيديهم، وفيها دعا موسى إلى عقيدة التوحيد وبشَّرَ بالرسالة الخاتمة - الإسلام - وصاحبها - محمد ﷺ فِلمَ لا يؤمنون بالحق الذي يعرفونه من الكتب التي بين أيديهم؟.

стр. 71

أو من لعنة مثل لعنة أصحاب السبت من اليهود الذين حرَّم الله عليهم العمل فيه وأمرهم بأن يخصوه بالعبادة وحدها. فخالفوا فلعنهم الله. ثم يبين لهم أن الشرك الذي هم فيه أعظم الذنوب، وأن الله لا يغفره لأحد، ويغفر ما دون الشرك لمن يشاء. إن الدعوة إلى الإسلام كانت تقابل بذاءات أهل الكتاب بالحسنى ولا تجاريهم في حماقاتهم وبذاءاتهم بل تقتصر على بيان الحق الذي يجب الإيمان به، وتفنيد الباطل الذي يشغبون به فذ وجه الحق، ولم يحدث أن دعا القرآن المسلمين لقتالهم لمجرد أنهم رافضون للإذعان للحق، وما شهر في وجوهم سلاحاً، ولا استباح أموالهم إلا حين تآمروا على الإسلام وبدأوا العدوان على المسلمين. فأين الإرهاب والعنف وسفك الدماء ومصادرة الحريات التي يتهمون بها الإسلام في الغرب - ومعهم عملاؤهم من الشرق - أليست هذه فريات ليس لها في منهج الإسلام ولا في سيرته سند، ولا دليل؟ ومن شواهد سماحة الإسلام مع أهل الكتاب - يهوداً ونصارى - لفت أنظارهم في لين ورفق في كثير من الآيات. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ (٩٨) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ . وقوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ . إن الشعار الذي يردده المبشرون والمستشرقون كثيراً، وهو: "أسلموا أو تقتلوا" شعار

стр. 72

كاذب، والذين يرددونه يعلمون أنه شعار كاذب، ولكن كراهية ما أنزل الله على خاتم رسله هي التي تملي على هؤلاء وأعوانهم هذه الأحقاد والسموم. إن شعار الإسلام الحق في هذا المجال هو قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ....﴾ . * * *

стр. 73

* الصبر والعفو: ومن أكرم مظاهر السماحة في الإسلام مع أهل الكتاب أن كتاب الله العزيز يأمر المسلمين بالصبر على أذاهم، والعفو عن بذاءاتهم، بل إن العفو يتجاوز حدود المعاملة مع أهل الكتاب إلى غيرهم من المشركين وجميع الطوائف المخالفة الإسلام. ومن توجيهات القرآن الكريم في هذه المجالات قوله تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُور﴾ . وقوله تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ . ومما يُعَد مضرب الأمثال في السماحة ورحابة الصدر، ما أمر الله به رسوله ﷺ ليواجه به أهل الكتاب، وهو قوله تعالى: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ . إن كل كلمة في هذا البيان تنم عن خُلُقِ الإسلام الأصيل وموافقة النبيلة من مخالفيه، مهما كان الخلاف. ومهما كان الأذى القولي الموجه للإسلام والمسلمين معاً، لا يقيم وزناً لسفههم وحماقاتهم، يقابل ذلك بصدر رحب، مع سوق الموعظة الحسنة وإيراد الدليل المقنع حول كل مسألة يثيرون الخلاف فيها، إن ديناً هذا منهجه ليلقن الإنسانية جمعاء درساً في الصفح والتسامح الكريم ولن يضيره بعد هذا حقد حاقد، ولا عداء موتور. * * *

стр. 74

جسور متينة من التواد لم يكن ما تقدم في شأن أهل الكتاب هو كل مواقف الإسلام السمحة معهم، بل إن للإسلام مواقف أخرى تفيض وُدَّاً وألفة. فقد مدّ الإسلام بينهم وبين المسلمين جسوراً متينة من التواد والتسامح لم يحظ المسلمون بنظير لها منهم، فكان الإحسان من طرف واحد - هو الإسلام، مع إصرار القوم في كل زمان ومكان على إضمار أبشع صور العداء له، وهو هو ماضٍ في طريقه غير نادم على ما فعل معهم منهجاً وسيرة. فمن مظاهر التكريم لهم أن القرآن إذا تحدث عنهم سماهم: "أهل الكتاب" في أكثر المواضع التي تحدّث فيها عنهم، دون أن يدعوهم بأنهم كافرون أو مشركون، ومن يرجع إلى آيات الذكر الحكيم يهوله كثرة ما ورد في شأنهم من الصوف بـ "أهل الكتاب". وأحياناً يتحدث عن اليهود باسمهم: "اليهود"، أو "الذين هادوا" وعن النصارى - كذلك - باسمهم: "النصارى" أو "الذين قالوا: إناَّ نصارى"، وفي الحديث عنهم بهذه الطريقة تكريم لهم وأي تكريم، واستمالة لأنفسهم وأي استمالة، لأن فيها إطراح الأوصاف الأخرى كالكفر والشرك ومن شأنها أن توغر الصدور، وتثير الأحقاد، اللهم إلا في المواضع التي يتحتم فيها النص على الحكم الشرعي إذا أسند إليهم قول أو فعل ينافي عقيدة التوحيد، وحتى في هذه الحالة قد يقترن الخطاب بما يخفف عنهم من وطأة الحكم، كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ ... ﴾ فقد عبَّر عنهم هنا - وهم النصارى - بالموصول والصلة: ﴿الَّذِينَ قَالُوا ... ﴾ ولم يذكر اسمهم الصريح. ومن سماحة الإسلام مع أهل الكتاب - جميعاً -أن أحلَّ لهم طعام المسلمين وأحلّ طعامهم للمسلمين، وفي ذلك فتح لأبواب التواد والتعاطف والتراحم وبتبادل صنائع الود والمعروف: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ ... ﴾ .

стр. 75

وكما أحلّ طعامهم للمسلمين، وأحل طعام المسلمين لهم أحلّ نساء أهل الكتاب للمسلمين استثناءً من الأصل التشريعي العام: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ ... ﴾ . فقال في نفس الآية التي أحل فيها الأطعمة بين المسلمين وأهل الكتاب: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ . فقد وضع القرآن النساء العفيفات من أهل الكتاب على قدم المساواة مع المسلمات العفيفات، وأحلَّهن جميعاً للمسلمين إذا خلون من الموانع وبُذلت لهن أجورهن - مهورهن - فلا حَرَج إذا من قيام مصاهرات شرعية نظيفة بين المسلمين واليهود والنصار. أما الزنا والسفاح واتخاذ العشيقات فهذا مقت وفاحشة حرَّم الله على عباده - مسلمين وغير مسلمين - اقتراف شيء منه مع مسلمة أو يهودية أو نصرانية أو مجوسية أو أي امرآة كانت. لقد هيأ الإسلام لأهل الكتاب فرص الاندماج في المجتمع الإسلامي ... زيارات يتبادلون فيها تناول الأطعمة. وزيجات ومصاهرات تقوى بها الروابط بين الأسر من المسليمن واليهود والنصارى. ومودات وصور من التعاون والعلاقات الإنسانية والإجتماعية تجمع ولا تفرق. تؤلف ولا تنفر. فما الذي يطلبه الحاقدون على الإسلام بعد هذا التودد والتأليف؟! عجب - والله - عجب. * * * * النداء الخالد: قبل أن نودع حديث القرآن عن أهل الكتاب، نود أن نضع بين أيدي القراء ما عنَّونا له بـ "النداء الخالد" وهي آية آثرنا أن نختم بها هذا الحديث؛ لأنها مسك الختام - أو ختام المسك إن صحَّ هذا القول - وهي قوله تعالى الذي أمر المسلمون أن يقولوه لأهل الكتاب
следующие страницы →