والبشير: يهوذا بن يعقوب (١)، أخا يوسف لأبيه, قال ابن عباس (٢): البشير البريد, وهو قول الضحاك (٣) ومجاهد (٤)،
قال السدي (٥): قال يهوذا: أنا ذهبتُ بالقميص، ملطّخًا بالدم إلى يعقوب, فأخبرته أن يوسف أكله الذئب، وأنا أذهب اليوم بالقميص فأخبره أنه حيٌّ, فأفرحه كما أحزنته (٦). وقولُهُ: ﴿أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ﴾ يقول: البشير ألقى القميص على وجه يعقوب. وقولُهُ: ﴿فَارْتَدَّ بَصِيرًا﴾ أي: فرجع وعادَ مبصرًا بعينيه، بعد ما كان قد عمي, قَالَ ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي: قال يعقوب لمن كان بحضرته حينئذ من ولده: ألم أقل لكم أنه سيردّ عليّ يوسف، ويجمع بيني وبينه، وكنتم أنتم لا تعلمون من ذلك ما كنت أعلمه، لأن رؤيا يوسف كانت صادقة، وكان الله قد قضى أن أخِرَّ أنا وأنتم له سجودًا، فكنت مُوقنًا بقضائه (٧).
وقوله تعالى: ﴿يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ﴾ أي: قال ولد يعقوبَ الذين كانوا فرَّقوا بينه وبين يوسف: يا أبانا سل لنا ربك يعفُ عنَّا، ويستر علينا ذنوبنا التي أذنبناها فيك وفي يوسف، ولا يعاقبنا بها في القيامة، ﴿إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ﴾ فيما فعلنا به وبك, فقد اعترفنا بذنوبنا، قال يعقوب: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ أي: سوف أسأل ربي أن يعفو عنكم ذنوبكم التي أذنبتموها
стр. 317
فيّ وفي يوسف (١)، واختُلف في الوقت الذي أخَّر الدعاء إليه يعقوبُ لولده بالاستغفار لهم من ذنبهم, فقال ابن مسعود وإبراهيم التيمي (٢)
وابن جريج: إلى السَّحر (٣) , وقال آخرون: أخر ذلك إلى ليلة الجمعة, روى عكرمة عن ابن عباس عن رسول الله ﷺ : ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ يقول: حتى تأتي ليلة الجمعة (٤).
стр. 318
وقولُهُ: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ يقول: إن ربي هو الستير على ذنوب التائبين إليه من ذنوبهم, الرحيم بهم أن يعذبهم بها بعد توبتهم منها (١).
وقد تضمنت الآيات البيان عما توجبه المحبة من تنسم الرائحة طلبا للفرج من جهتها ورد الصارف عنها, والبيان عما يوجبه استبعاد الشيء من نسبه لصاحبه إلى الطمع فيه مع طول مدته التي توجب اليأس, والبيان عما يوجبه تمام النعمة في البشارة بتبليغ المحبة في الولد من رد البصر بعد ذهابه تفضلاً من الله به ومعجزة تدل على نبوة صاحبه وجلالته عند ربه, والبيان عما يوجبه قبح الخطيئة في الفعل من طلب الاستغفار بما يزيل معرتها عن النفس ويسقط التَّبِعة بالضر إلى الفوز بالنفع الذي يكون من قبل الله , والبيان عما توجبه حاجة السائل بما يجوز في الحكمة من العِدَة به لما في ذلك من الإحسان إلى صاحبه والأخذ بالفضل عليه.
القولُ في الوقفِ والتمامِ
﴿لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾ كاف (٢)، وكذا ﴿ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾ (٣)، ﴿فَارْتَدَّ بَصِيرًا﴾ كاف (٤)، وكذا ﴿مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٥)، ﴿خَاطِئِينَ﴾
стр. 319
حسن (١)، وكذا ﴿الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (٢).
وقولُهُ :
﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (٩٩) وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (١٠٠) رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١) ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (١٠٢) وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣)﴾
﴿إِلَيْهِ﴾ متعلق بـ ﴿آَوَى﴾ , ﴿أَبَوَيْهِ﴾ نصب بـ ﴿آَوَى﴾ , و ﴿مِصْرَ﴾ نصب بـ ﴿ادْخُلُوا﴾ وهي لا تنصرف فلم ينون (٣)، ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ شرط يجوز أن يكون ماتقدم جوابه (٤)، ويجوز أن يكون محذوفا, و ﴿آَمِنِينَ﴾ نصب على الحال من الضمير في ﴿ادْخُلُوا﴾ , و ﴿أَبَوَيْهِ﴾ نصب بـ"رفع", و ﴿عَلَى﴾ متعلق بـ"رفع", ﴿وَخَرُّوا﴾ معطوف على "رفع", و ﴿لَهُ﴾ متعلق بـ "خروا", ﴿سُجَّدًا﴾ نصب على الحال من الضمير في خروا (٥) , و ﴿لَهُ﴾ متعلقة بـ "خروا", والهاء تعود
стр. 320
على يوسف (١)، يقال: خرّ الرجل خروراً إذا سقط, وخرّ الماء خريراً إذا جاء صوت جريه (٢)، ﴿هَذَا تَاوِيلُ رُؤْيَايَ﴾ ابتداء وخبر, ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ غاية و ﴿مِنْ﴾ متعلقة بـ ﴿تَاوِيلُ رُؤْيَايَ﴾ والهاء والألف مفعول ﴿جَعَلَهَا﴾ وهما عائدتان على الرؤيا, و ﴿حَقًّا﴾ مفعول ثاني, و ﴿إِذْ أَخْرَجَنِي﴾ ظرف العامل فيه ﴿أحسن﴾ , ﴿مِنَ السِّجْنِ﴾ , ﴿مِنَ﴾ متعلقة بـ ﴿أَخْرَجَنِي﴾ , ﴿وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ﴾ حرفا الجر متعلقان بـ جاء, و ﴿مِنْ بعد﴾ (٣)
معطوف على الأولى, ﴿أَنْ نَزَغَ﴾ , ﴿أَنْ﴾ في موضع جر بإضافة ﴿بعد﴾ إليها, ﴿بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾ ظرفان معطوف أحدهما على الآخر, العامل فيهما ﴿نَزَغَ﴾ , ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ﴾ اللام في ﴿لِمَا﴾ متعلقة بـ ﴿لَطِيفٌ﴾ وما بمعنى الذي, ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ نظير ما تقدم, ﴿مِنَ الْمُلْكِ﴾ متعلق بـ ﴿آَتَيْتَنِي﴾ , ﴿وَعَلَّمْتَنِي﴾ معطوف على ﴿آَتَيْتَنِي﴾ , ﴿فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ﴾ نداء مضاف (٤) , ﴿أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ﴾ ابتداء وخبر, و ﴿فِي﴾ متعلقة بـ ﴿وَلِيِّي﴾ , ﴿تَوَفَّنِي﴾ سؤال وطلب (٥)
стр. 321
فلهذا جزم حتى حذفت منه الألف المنقلبة من الياء (١) , و ﴿مُسْلِمًا﴾ نصب على الحال (٢) من الياء في ﴿تَوَفَّنِي﴾ , و ﴿تَوَفَّنِي﴾ العامل, ﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ الباء متعلقة بـ ألحقني, وألفه ألف قطع, ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ﴾ ابتداء وخبر, والإشارة بذلك إلى ما أنبأ به من قصة يوسف يخاطب به محمدا صلى الله عليه (٣)، و ﴿مِنْ﴾ متعلقة بمعنى الاستقرار, ﴿نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ فعل مستقبل في موضع الحال, وإن شئت خبرا بعد خبر, وإن شئت جعلت نوحيه الخبر (٤) , ويكون من الغيب متعلقا بـ ﴿نُوحِيهِ﴾ , والهاء نصب بـ ﴿نُوحِيهِ﴾ وهي راجعة إلى ذلك, و ﴿إِلَيْكَ﴾ متعلق بـ ﴿نُوحِيهِ﴾ , ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ ما حرف نفي, ﴿لَدَيْهِمْ﴾ ظرف لما قرب في موضع خبر ﴿كُنْتَ﴾ والعامل فيه للاستقرار, ﴿إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ﴾ , ﴿إِذْ﴾ ظرف أيضا, العامل فيه ما عمل في لديهم, ﴿أَمْرَهُمْ﴾ نصب بـ ﴿أَجْمَعُوا﴾ , ﴿وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾ ابتداء وخبر, ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ﴾
стр. 322
اسم ما, ﴿بِمُؤْمِنِينَ﴾ خبر ما (١) متعلق بالاستقرار, ﴿وَلَوْ حَرَصْتَ﴾ (٢) على أن يؤمنوا وتهديهم ﴿وَلَوْ﴾ فيها معنى الشرط يمتنع بها الشيء لامتناع غيره.
القولُ في المعنى والتفسيرِ:
المعنى -والله أعلم-: فلما دخل يعقوب وولده وأهله على يوسف ﴿آَوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ﴾ أي: ضمهما إليه ﴿وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ﴾ ويقال: كيف قال لهم ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ بعد ما قد دخلوها لأنه قيل لما ضم إليه أبويه قال لهم هذا القول إذ الخبر به؟ قيل في ذلك خلاف، وقال بعضهم: إن يعقوب إنما دخل على يوسف هو وولده، وآوى يوسف أبويه إليه قبل دخول مصر. قالوا: وذلك أن يوسف تلقَّى أباه تكرمةً له قبل أن يدخل مصر، فآواه إليه، ثم قال: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ﴾ قبل الدخول, هذا معنى قول السدي (٣)،
وروى فرقد السَّبَخِي (٤) قال: لما ألقي القميص على وجهه ارتد بصيرًا، وقال: ﴿وَاتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ , فحُمل يعقوب وإخوة يوسف، فلما دنا يعقوبُ أُخبر يوسفُ أنه قد دنا منه, فخرج يتلقاه, وركب معه أهلُ مصر, وكانوا يعظمونه, فلما دنا أحدهما من صاحبه, وكان يعقوب يمشي وهو يتوكأ على رجلٍ من ولده يقال له يهوذا قال: فنظر يعقوب إلى الخيل والناس فقال: يا يهوذا, هذا فرعون مصر؟ قال: لا، هذا ابنك! قال: فلما دنا كل واحد منهما من صاحبه, فذهب يوسف يبدؤه
стр. 323
بالسلام, فمُنع من ذلك, وكان يعقوب أحقّ به منه وأفضل, فقال: السلام "عليه" (١) يا ذاهب، يا ذاهب الأحزان عني، هكذا قال: "يا ذاهب يريد يا مذهب الأحزان عني" (٢) وقال آخرون: بل قوله: ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ استثناءٌ من قول يعقوب لبنيه ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ قالوا: وهو من المؤخر الذي معناه التقدم. قالوا: وإنما معنى الكلام: قال: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ (٣)
إن شاء الله ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾، ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آَوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ﴾، ورفع أبويه, وهو معنى قول ابن جريج (٤) , والوجه قول السدي: إذ لا تقديم فيه ولا تأخير, وإذا صحت المعاني على الترتيب فليس يجب حملها على خلافه, وقيل في أبويه أبوه وخالته لأنّ أم يوسف كانت ماتت قاله السدي (٥)، وقال ابن إسحاق (٦): أبوه وأمه.
وقولُهُ: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾ قيل: على السرير (٧) , قاله السدي (٨)، ومجاهد (٩)
стр. 324
وقتادة (١) وابن عباس (٢) , وقولُهُ: ﴿آَمِنِينَ﴾ أي: مما كنتم فيه في باديتكم من الجدب والقحط وقولُهُ: ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ يقول: خرّ يعقوب وولده وأمّه ليوسف سجّدًا (٣)، وقالوا: كان ذلك تحيتهم, وقال ابن زيد (٤): السجود ليس قوله (٥) كما سجدت الملائكة لآدم, فبشرفه، لا سجود عبادة، وقال أعشى بني ثعلبة (٦):
فَلَمَّا أَتَانَا بُعَيْدَ الكَرَى ... سَجَدْنَا لَهُ وَرَفَعْنَا عمَارَا (٧)
﴿وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَاوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: قال يوسف لأبيه: هذا السجود الذي سجدتَ أنت وأمّي وإخوتي ما آلت إليه رؤياي التي كنت رأيتها, وهي قبل صنيع إخوته به ما صنعوا, ﴿قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ أي: قد حقّقها ربي، بمجيء تأويلها على الصحَّة, واختلف في المدّة التي كانت بين
стр. 325
رؤيا يوسف وبين تأويلها, فقال بعضهم: مدّةُ ذلك أربعون سنة, قاله سلمان الفارسي (١)، وهو قول عبد الله بن شداد (٢)، وقال آخرون: مدة ذلك ثمانون سنة, وهو قول الحسن (٣) وحسن بن فرقد (٤)
وفضيل بن عياض (٥)، وقال الحسن (٦): ألقي يوسف في الجب وهو ابن سبع عشرة سنة، فغاب عن أبيه ثمانين سنة, وعاش بعد أن جمع الله شمله ثلاثًا وعشرين سنة، ومات وهو ابن عشرين ومائة سنة وقال ابن إسحاق (٧):مدة ذلك ثماني عشرة سنة وقولُهُ: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ﴾ يقول تعالى مخبرًا عن قيلِ يوسف: وقد أحسن الله في إخراجه إياي من السجن الذي كنت فيه محبوسًا, وفي مجيئه بكم من البدو. وذكر أن مسكن يعقوب وولده كان ببادية فلسطين
стр. 326
قال ذلك ابن إسحاق (١) وقيل: بأرض كنعان أهل مواشٍ وبرّية قاله مجاهد وقتادة (٢)، وقيل إن يعقوب دخل مصر هو ومن معه من أولاده وأهاليهم وأبنائهم يوم دخلوها، وهم أقلّ من مائة, وخرجوا يوم خرجوا وهم زيادة على ستمائة ألف, كما روي عن محمد بن كعب القرظي (٣) وعبد الله بن مسعود, وقولُهُ: ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾ أي: أفسد ما بيني وبينهم، وحمل بعضنا على بعض (٤) , ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ﴾ من الأشياء, ومن لطفه وصنعه أن أخرجني من السجن, وجاء بأهلي من البدو ومن بُعدِ الدار، وبعد ما كنت فيه من العُبُودية والرِّق والإسار (٥)
, إن ربي هو ﴿الْعَلِيمُ﴾ بمصالح خلقه وغير ذلك لا يخفى عليه مبادئ الأمور وعواقبها, الحكيم في تدبيره. ﴿رَبِّ قَدْ آَتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَاوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ قال يوسف بعد أن جمع الله إليه أبويه وبسط له من الدنيا ما بسط ومكنه في الأرض, متشوِّقًا إلى لقاء آبائه الصالحين: رب قد آتيتني من ملك مصر, ﴿وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَاوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ , يعني من عبارة الرؤيا يعد به نعم الله عليه وشكراً له عليها، يا ﴿فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ يا خالقها وبارئها, أَنْتَ تليني فِي دنياي على من عاداني وأرادني بسوء بنصرك, وتغذوني فيها بنعمتك, وتليني في الآخرة بفضلك ورحمتك, ﴿توفني مسلمًا وألحقني﴾ (٦)
بصالح آبائي إبراهيم وإسحاق, ومن قبلهم من أنبيائك ورسلك, وقيل: إنه لم
стр. 327
يتمنّ أحدٌ من الأنبياء الموتَ قبل يوسف, وهو قول ابن عباس (١)، وقتادة (٢)، وابن جريج, وقال مجاهد: من تأويل الأحاديث: العبارة (٣) , وقاله الضحاك (٤)، وابن إسحاق (٥)، وذكر أن بني يعقوب الذين فعلوا بيوسف ما فعلوه, استغفر لهم أبوهم فتاب الله عليهم وعفا عنهم وغفر لهم ذنبهم, وروي عن أنس بن مالك أنه قال: إن الله لما جمع ليعقوب شمله, وأقر بعينه, خَلا ولده نَجِيًّا, بعضهم لبعض: ألستم قد علمتم ما صنعتم، وما لقي منكم الشيخ، وما لقي منكم يوسف؟ قالوا: بلى! فيغرُّكم كفهما (٦)
عنكم، فكيف لكم بربكم؟ فاستتام أمرهم على أن أتوا الشيخ فجلسوا بين يديه، ويوسف إلى جنب أبيه قاعد, قالوا: يا أبانا، أتيناك في أمر لم نأتك في مثله قط، ونزل بنا أمر لم ينزل بنا مثله! حتى حرّكوه، والأنبياء أرحم البرية, فقال: مالكم يا بَني؟ قالوا: ألستَ قد علمت ما كان منا إليك، وما كان منا إلى أخينا يوسف؟ قالا: بلى! فقالوا: ألستما قد عفوتُما؟ قالا بلى! قال: فإن عفوكما لا يغني عنّا شيئًا إن كان الله لم يعف عنا! قال: فما تريدون يا بني؟ قالوا:
стр. 328
نريد أن تدعوا الله لنا, فإذا جاءك الوحي من عند الله بأنه قد عفا عنا صنيعنا، قرّت أعيننا، واطمأنت قلوبنا, وإلا فلا قُرّةَ عَين في الدنيا لنا أبدًا. قال: فقام الشيخ فاستقبل القبلة, وقام يوسف خلف أبيه, وقاموا خلفهما أذلةً خاشعين. قال: فدعا وأمَّن يوسف, فلم يُجَبْ فيهم عشرين سنة حتى إذا كان رأس العشرين، نزل جبريل- ﷺ على يعقوب- ﵇, فقال: إن الله بعثني إليك أبشرك بأنه قد أجاب دعوتك في ولدك, وأنه قد عفا عما صنعوا, وأنه قد أعقبك مواثيقهم (١) من بعدك على النبوّة (٢) وذكر أن يعقوب توفي قبل يوسف, وأوصى إلى يوسف وأمره أن يدفنه عند قبر أبيه إسحاق (٣).
وقولُهُ: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ يقول تعالى: هذا الخبر الذي أخبرتك به من خبر يوسف ووالده يعقوب وإخوته من أخبار الغيب الذي لم تشاهده ولم تعاينه، ولكنا ﴿نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ ونعرّفكه, ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ (٤)، ونشجع به قلبك, فتصبر على ما نالك من الأمر من قومك في ذات الله, وتعلم أن من قبلك من رسل الله، إذ صبروا على ما نالهم فيه, وأخذوا بالعفو, وأمروا بالمعروف, وأعرضوا عن الجاهلين، فازوا بالظفر, وأُيِّدوا بالنصر, ومُكِّنوا في البلاد, يقول الله لنبيه محمد ﷺ : فبهم يا محمد، فتأسَّ, وآثارهم فقُصَّ ما كنت عند إخوة
стр. 329
يوسف, ﴿إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ﴾ , واتفقت آراؤهم (١) على أن يلقوا يوسف في غيابة الجب. وذلك كان مكرهم الذي قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾ نحو ما روي عن قتادة وابن إسحاق (٢).
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ أي: وما أكثر مشركي قومك يا محمد، ولو حرصت على أن يؤمنوا بك فيصدّقوك, ويتبعوا ما جئتهم به من عند ربك, ﴿بِمُؤْمِنِينَ﴾ أي: بمصدِّقيك ولا مُتَّبِعيك (٣) , وقد تضمنت الآيات البيان عما يوجبه الاجتماع مع المحبوب من إيواء السرور والتبشير بالأمن من الخوف, والبيان عما يوجبه الأعظم لمن له حق الأبوة برفع مجلسه لإكرامه بما يجب له من تجديد النعمة لمن هو أهل لها بتأويل الرؤيا التي بشر بها, والبيان عما يوجبه حال الشاكر من الاعتراف بالنعمة والاعتداد بها على تفضيلها وجلالة موقعها, والبيان عما يوجبه الإعلام بما يحتاج إليه في الدين من التذكير به وموقع النعمة فيه وجلالة صاحبه بما ألقي إليه وخص به, والبيان عما يوجبه حال أكثر الناس من العدول عن الحق إلى الباطل جهلا منهم بمنزلة ما صنعوا وسوء عاقبة ما أخذوا بما فيه تسلية الداعي إلى الحق وتخفيف المحنة عليه.
و ﴿ما﴾ حرف نفي, ﴿تَسْأَلُهُمْ عليه﴾ , ﴿عليه﴾ متعلق بـ ﴿تَسْأَلُهُمْ﴾ , ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ , ﴿إِنْ﴾ بمعنى ما, و ﴿هُوَ﴾ ابتداء, و ﴿ذِكْرٌ﴾ خبره, و ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾ متعلق بـ ﴿ذِكْرٌ﴾ , ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ هي "أي" دخلت عليها كاف التشبيه (١)، وقد تقدم القول فيها, وخلاف القراء ﴿مِنْ آَيَةٍ﴾ (٢) متعلقة بمعنى التشبيه و ﴿يَمُرُّونَ عليها﴾ متعلق بـ ﴿يَمُرُّونَ﴾ ... ﴿وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ ابتداء وخبر و ﴿عَنْهَا﴾ متعلق بـ ﴿مُعْرِضُونَ﴾ , ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ﴾ , ﴿بِاللَّهِ﴾ متعلق بـ ﴿يُؤْمِنُ﴾ , ﴿إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ ابتداء وخبر, ﴿أَفَأَمِنُوا أَنْ تَاتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ﴾ ألف الاستفهام دخلت للتقرير (٣) , والفاء جواب ما أخبر به عنهم, ﴿أَنْ تَاتِيَهُمْ﴾ , ﴿أَنْ﴾ في موضع نصب بـ أمنوا، و ﴿تَاتِيَهُمْ﴾ نصب بـ ﴿أَنْ﴾ , ﴿غَاشِيَةٌ﴾ رفع بـ ﴿تَاتِيَهُمْ﴾ , ﴿مِنْ عَذَابِ اللَّهِ﴾ , ﴿مِنْ﴾ متعلقة بـ ﴿تَاتِيَهُمْ﴾ , ﴿أَوْ تَاتِيَهُمُ﴾ عطف على ﴿تَاتِيَهُمْ﴾ , ﴿بَغْتَةً﴾ نصب على الحال (٤)
من ﴿السَّاعَةُ﴾ , ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ ابتداء وخبر, وكذا ﴿هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ حرفا الجر يتعلقان بـ ﴿أَدْعُو﴾ , ﴿أَنَا﴾ توكيد للضمير في ﴿أَدْعُو﴾ , ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾، "مَنْ" عطف على الضمير المؤكد (٥)،
﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾ مصدر, ﴿وَمَا أَنَا مِنَ
стр. 332
الْمُشْرِكِينَ﴾ , ﴿أَنَا﴾ اسم ما, والخبر محذوف دل عليه من المشركين والتقدير: ما ﴿أَنَا﴾ مشركاً من المشركين, و ﴿مِنَ﴾ متعلقة بالمحذوف, ﴿مِنْ قَبْلِكَ﴾ متعلق بـ ﴿أَرْسَلْنَا﴾ , ﴿إِلَّا رِجَالًا﴾ نصب بـ ﴿أَرْسَلْنَا﴾ , ﴿نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ في موضع النعت لـ "رجال"، ومن قرأ بالنون الشديدة (١): أسند الفعل إلى الله , ومن قرأ ﴿يُوحَى﴾: جعله لما لم يسم فاعله, وأقام إليهم مقام الفاعل (٢)، ﴿مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ , ﴿مِنْ﴾ متعلقة بـ ﴿نُوحِي﴾ , ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا﴾ الفاء فيها معنى الجواب, وهي فصل الثاني بالأول, والألف للتقرير, و ﴿يَسِيرُوا﴾ جزم بـ لم, ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ ﴿فِي﴾ متعلقة بـ ﴿يَسِيرُوا﴾ , ﴿فَيَنْظُرُوا﴾ عطف على ﴿يَسِيرُوا﴾ وفي الفاء معنى الجواب, ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ , ﴿عَاقِبَةُ﴾ اسم ﴿كَانَ﴾ , و ﴿الَّذِينَ﴾ خفض بإضافة ﴿عَاقِبَةُ﴾ إليهم, ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ , ﴿مِنْ﴾ متعلقة بمعنى الاستقرار, و ﴿كَيْفَ﴾ خبر ﴿كَانَ﴾ متعلقة بمعنى الاستقرار, ﴿فَيَنْظُرُوا﴾ لا تعمل في كيف, والجملة في موضع نصب بـ ينظروا, ﴿وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ ابتداء وخبر, واللام لام توكيد, وفيها معنى القسم, واللام متعلقة بخبر (٣) ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ الألف للتقرير والتوبيخ, والفاء جواب الإخبار عنهم مما مضى.
стр. 333
القولُ في القراءةِ:
قرأ حفص ﴿نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ , وفي النحل ﴿نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ (١) , وفي الأنبياء ﴿رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ (٢) , ﴿مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ﴾ (٣) بالنون, والباقون بالياء (٤)، إلا حمزة والكسائي: فإنهما وافقا حفصاً في الثاني من سورة الأنبياء, ووافقا الجماعة فيما عدا ذلك, فالنون: إخبار الله عن نفسه, والياء: ترك تسمية الفاعل, والخلاف للجمع بين لغتين, ومن قرأ بالنون شاهده: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ﴾ (٥) وشا (٦) الياء: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ (٧).
القولُ في المعنى والتفسيرِ:
المعنى -والله أعلم-: وما تسأل يا محمد هؤلاء الذين ينكرون نبوتك، ويمتنعون من تصديقك والإقرار بما جئتهم به من أجر، من ثواب، وجزاء أي: ما تسألهم على ذلك ثوابًا, فيقولوا لك: إنما تريد بدعائك إيّانا إلى إتباعك لننزلَ لك عن أموالنا إذا سألتنا ذلك. وإن كنت لا تسألهم ذلك، فقد كان حقًّا عليهم أن يعلموا أنك أنما تدعوهم إليه إتباعا منك لأمر ربك، ونصيحةً منك لهم, وأن لا
стр. 334
يستغشُّوك, ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ﴾ أي: ما هذا الذي أرسلك به ربك يا محمد من النبوة والرسالة إلا عظة, وتذكير للعالمين, ليتعظوا ويتذكَّروا به (١).
وقوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آَيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: وكم من آية في السموات والأرض لله وعبرةٍ وحجةٍ, كالشمس والقمر والنجوم ونحو ذلك كالجبال والبحار والنبات والشجر, ﴿يَمُرُّونَ عليها﴾ أي: يعاينونها فيمرُّون بها معرضين عنها، لا يعتبرون بها، ولا يفكرون فيها وفيما دلت عليه من توحيد ربِّها, وإن كانت السماء والأرض آيتين عظيمتين (٢) وقوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ أي: وما يُقِرُّ أكثر هؤلاء -الذين وصَفَ صفتهم- بالله أنه خالقه ورازقه وخالق كل شيء، ﴿إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ في عبادته الأوثان والأصنام, واتخاذهم من دونه أربابًا, وزعمهم أنَّ له ولدًا (٣)، تعالى عن ذلك علوا كبيرا, قال ابن عباس: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ يعني: النصارى يقول: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ (٤) , ولئن سألتهم من يرزقكم من السماء والأرض ليقولن: الله, وهم مع ذلك مشركون به ويعبدون غيره، ويسجدون للأنداد من دونه (٥).
стр. 335
وقولُهُ: ﴿أَفَأَمِنُوا أَنْ تَاتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ﴾ أي: أفأمن هؤلاء الذين لا يقرُّون بأن الله ربَّهم إلا وهم مشركون في عبادتهم إياه غير أن تأتيهم غاشية تغشاهم من عقوبة الله وعذابه (١)، على شركهم بالله، أو تأتيهم القيامة فجأةً وهم مقيمون على شركهم وكفرهم بربِّهم, فيخلدهم الله في ناره، وهم لا يدرون بمجيئها وقيامتها, بنحو ذلك قال مجاهد (٢)
وقتادة (٣). يقال غَشِيَه الشيء يَغْشَاهُ غِشْياناً وهو غاشٍ, وهو ما غطى الشيء وجلله (٤).
وقوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ أي: قل يا محمد: هذه الدعوة التي أدعو إليها, والطريقة التي أنا عليها من الدعاء إلى توحيد الله وإخلاص العبادة له دون الآلهة والأوثان، والانتهاء إلى طاعته، وترك معصيته سبيلي, وطريقي ودعوتي أدعو إلى الله وحده على بصيرة, بذلك ويقين علم مني (٥)، أنا ومن يدعو إليه على بصيرة أيضًا من اتبعني وصدقني, ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾ أي: تنزيهًا وتعظيمًا له من أن يكون له شريك في ملكه أو معبود سواه في سلطانه, وأنا بريءٌ من أهل الشرك به, ولست منهم ولا هم منّي (٦).
стр. 336
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ أي: وما أرسلنا يا محمد من قبلك إلا رجالاً, لا نساءً ولا ملائكة, ﴿نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ آياتنا بالدعاء إلى طاعتنا, وإفراد العبادة لنا ﴿مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ يعني: من أهل الأمصار, دون أهل البوادي (١) , ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا﴾ يقول تعالى ذكره: أفلم يسِر هؤلاء المشركون-الذين يكذبونك يا محمد ويجحدون نبوَّتك, وينكرون ما جئتهم به من توحيد الله وإخلاص العبادة والطاعة له في الأرض، فينظروا كيف كان عاقبة الأمم الذين كانوا من قبلهم إذ كذبوا رسُلنا ألم تحِلّ بهم عقوبتنا, فنهلكهم بها, وننج رسلنا وأتباعهم, فيتفكروا في ذلك ويعتبروا (٢) نحو ما روي عن ابن جريج, وقوله: ﴿وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ﴾ يقول تعالى ذكره: هذا فِعْلُنا في الدنيا بأهل ولايتنا وطاعتنا (٣)، وما في الدار الآخرة لهم خير، وترك ذكر ما ذكرنا اكتفاءً بدلالة قوله: ﴿وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ , وأضيفت "الدار" إلى ﴿الْآَخِرَةِ﴾ والمعنى لدار الكرة الآخرة, كما قيل: صلاة الأولى أي: صلاة الفريضة الأولى, فالمعنى: ﴿وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ الله بأداء فرائضه واجتناب معاصيه, وقيل: أضيفت الدار إلى الآخرة وهي الآخرة لاختلاف لفظيهما, كما قال: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾ (٤) وكما تقول: أتيتك عام الأوَّل (٥)
وينشد (٦):
стр. 337
أَتَمْدَحُ فَقْعَسًا وَتَذُمُّ عَبْسًا ... أَلا للهِ أُمُّكَ مِنْ هَجِينِ
وَلَوْ أَقْوَتْ (١) عليك دِيَارُ عَبْسٍ ... عَرَفْتَ الذُّلَّ (٢) عِرْفَانَ اليَقِينِ
يعني: عرفانًا له (٣) يقينًا (٤)، وقيل الإضافة على حذف المضاف, وإقامة المضاف إليه مقامه, والتقدير: ولدار الكرة الآخرة, وحذفت الكرة وأقيمت الآخرة مقامها. وقد تضمنت الآيات البيان عما يوجبه حال الداعي إلى الحق من إسقاط الأجر على دُعائه ليخلص جزاؤه على ربه ولا يمتنع من الإجابة للعزم الذي يلزم به, والبيان عما يوجبه الإعراض عن الاعتبار بالآيات من بخس (٥) صاحبه وذمه بتفريطه فيما عليه مما يلزمه النظر فيه, والبيان عما يوجبه الجهل من الإشراك في عبادة الله على ما فيه من تضييع حق نعمة الله بإهضامها في جعل موضعها من العبادة لغير الله , والبيان عما يوجبه حال المتهالك في الكفر: من الوعيد بعذاب يغشى لا يمكن دفعه, ولا يتوجه لصاحبه الخلاص منه, والبيان عما يوجبه حال الداعي إلى الله من البصيرة في الدين مع دعائه إلى الطريق المستقيم الذي يؤدي إلى الخلود في النعيم, والبيان عما يوجبه الاعتبار بالأمم الماضية فيما أبقوا من الآثار مما يقتضي الانزجار عن مخالفة الرسل-﵈ فيما دعوا إليه من اعتقاد الحق والعمل به.
القولُ في الوقفِ والتمامِ:
стр. 338
﴿إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ حسن (١)، و ﴿مُعْرِضُونَ﴾ كاف (٢)، ﴿وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾
стр. 339
حسن (١)، وكذا ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ (٢)، ﴿سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾ تمام (٣) عند الأخفش وأبي حاتم, وقال غيرهما: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ تمام (٤)، ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ كاف (٥).
وقولُهُ :
﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١١٠) لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١١١)﴾
﴿حَتَّى﴾ غاية, و ﴿إِذَا﴾ ظرف فيه بمعنى الشرط, و ﴿جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ جواب ﴿إِذَا﴾ وهو العامل في ﴿إِذَا﴾ , وفتحت ﴿أَنَّهُمْ﴾ بوقوع الظن عليها, ويقرأ ﴿كُذِبوا﴾
стр. 340
بالتخفيف (١)، وكُذّبوا بالتشديد (٢)، فمن قرأ بالتشديد: أراد كذبهم قومهم, ومن قرأ بالتخفيف: أرادوا أنهم أخلفوا ما وعدوا به, ﴿فَنُجِّيَ﴾ الفاء جواب النصر بعذاب المكذبين, ويقرأ فننجي بنونين (٣): على أنه فعل مستقبل, ويقرأ ﴿فَنُجِّيَ﴾ بنون واحدة: على أنه فعل ماضٍ ما لم يسم فاعله, ومن جعله فعلا مستقبلا نصب ﴿مَنْ﴾ به, و ﴿مَنْ﴾ بمعنى الذي, ومن جعله ماضيا رفع ﴿مَنْ﴾ به, ﴿وَلَا يُرَدُّ بَاسُنَا﴾ معطوف ﴿عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ , ﴿عَنِ﴾ متعلقة بـ ﴿يُرَدُّ﴾ , ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ﴾ اللام لام توكيد, و ﴿عِبْرَةٌ﴾ اسم ﴿كَانَ﴾ , ﴿فِي قَصَصِهِمْ﴾ الخبر متعلق بمعنى الاستقرار, والهاء والميم يرجعان (٤) إلى يوسف وإخوته، وذكر و ﴿كَانَ﴾ لأن ﴿عِبْرَةٌ﴾ بمعنى الاعتبار, ﴿لِأُولِي﴾ متعلق بـ ﴿عِبْرَةٌ﴾ ﴿الْأَلْبَابِ﴾ خفض بإضافة أُولي إليهم, ﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى﴾ ﴿مَا﴾ نفي, و ﴿حَدِيثًا﴾ خبر ﴿كَانَ﴾ , واسمها مضمر فيها, والضمير كناية عن القرآن, أي: ما كان هذا القرآن حديثا يفترى, ﴿وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ ﴿لَكِنْ﴾ حرف توكيد, وكان مضمر (٥)
بعد ﴿لَكِنْ﴾ لدلالة الكلام عليها فالتقدير: ولكن كان القرآن ﴿تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ والهاء في يديه عائدة على القرآن أي كان ﴿تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ
стр. 341
يَدَيْهِ﴾ من الكتب: التوراة والإنجيل والزبور يصدق ذلك كله ويشهد أن جميعه حق من عند الله (١) , ﴿وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ عطف على ﴿تَصْدِيقَ﴾ , ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً﴾ عطف على ﴿وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ , ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ اللام متعلقة برحمة.
القولُ في القراءةِ:
قرأ أهل الكوفة ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ بالتخفيف, الباقون بالتشديد (٢)، والتشديد: على أن الظن للرسل-صلوات الله عليهم-معطوف على ﴿اسْتَيْئَسَ﴾ والضمير في ﴿أَنَّهُمْ﴾ , و ﴿جَاءَهُمْ﴾ راجع إليهم, والظن يحتمل اليقين أي: لما استيئسوا من إيمان قومهم أيقنوا أن قومهم قد كذبوهم جاءهم نصرنا, ويجوز أن يكون الظن على جاءنا به (٣) أي: ظنوا أن من آمن من قومهم قد كذبوهم (٤)، لما لحقهم من البلاء والامتحان. والتخفيف فيه وجهان أيضا: أحدهما: أن الضمير في ظنوا للقوم, والتقدير: حتى إذا استيئس الرسل من إيمان قومهم وظن قومهم أن الرسل قد كذبوا فيما وعدوا, والثاني: أن يكون الضمير في ﴿ظَنُّوا﴾ , و ﴿أَنَّهُمْ﴾ , و ﴿كُذِبُوا﴾ , للقوم، والتقدير: حتى إذا استيئس الرسل من إيمان قومهم, وظن قومهم أنهم قد كذبوا أي: كذبتهم الرسل. قرأ عاصم (٥) وابن عامر: ﴿فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ﴾ بنون واحدة وتشديد الجيم وفتح الياء الباقون: بنونين,
стр. 342
والياء ساكنة (١)،
فالتشديد: على أنه فعل ماض من نجى ينجي لم يسم فاعله و ﴿مَنْ﴾ اسم ما لم يسم فاعله, والتخفيف: على أنه فعل مستقبل من نجا ينجوا (٢) أخبر الله تعالى عن نفسه, و ﴿مَنْ﴾ في موضع نصب, وكتبت بنون واحدة لخفائها في اللفظ.
القولُ في المعنى والتفسيرِ:
المعنى والله أعلم: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ لا ملائكة ولا أغواناً ولا نساء, فدعوا من أرسلناهم إليه فكذبوهم, وردوا ما أتوهم به من عند الله, ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ (٣) الرُّسُلُ﴾ الذين أرسلناهم إليهم منهم أن يؤمنوا بالله، ويصدِّقوهم فيما أتوهم به من عند الله، وظن الذين أرسلناهم إليهم من الأمم المكذِّبة: أن الرسل الذين أرسلناهم قد كذبوهم فيما كانوا أخبروهم عن الله، من وَعده إياهم نصرَهم عليهم, ﴿جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ قال ذلك ابن عباس (٤)
стр. 343
وسعيد بن جبير ومجاهد وابن زيد (١) والضحاك (٢) وعبد الله بن مسعود (٣)، ومعنى الآية: حتى إذا استيئس الرسل من أن يصدقهم قومهم وظن الرسل أن قومهم قد كذبوهم, ﴿جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ , فالظن على بابه, ويجوز أن يكون الظن يراد به اليقين, لأن من آمن من قومهم لم يصْدُقوا في إيمانهم لما لحقهم منهم من البلاء والامتحان, ومن خفف كذبوا قال هذا المعنى مؤول أي: ظن قومهم أن الرسل قد كذبوا فيما وعدوا به أو تيقنوا حتى جاءهم النصر (٤).
وقوله تعالى: ﴿فَنُجِّيَ﴾ أي:
فننجي الرسل ومن نشاء من عبادنا المؤمنين إذا جاء نصرنا (١) , ﴿وَلَا يُرَدُّ بَاسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ وذلك أن الله بَعَث الرسل, فدعوا قومهم، وأخبروهم أنه من أطاع الله نجا، ومن عصاه عُذِّب وغَوَى (٢). وقولُهُ: ﴿وَلَا يُرَدُّ بَاسُنَا﴾ أي: عقوبتنا وبطشنا, ثم بطشنا به من أهل الكفر بنا وعن القوم الذين أجرموا, فكفروا بالله، وخالفوا رسله.
وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى﴾ أي: لقد كان في قصص يوسف وإخوته عبرة لأهل الحجى والعقل يعتبرون بها، وموعظة يتّعظون بها, وذلك أن الله جل ثناؤه بعد أن ألقي يوسف في الجبّ ثم بِيع بَيْع العبيد وبعد الإسار والحبس الطويل، ملّكه مصر، ومكّن له في الأرض، وأعلاه على من بغاه سوى إخوته, وجمع بينه وبين والديه وإخوته, وجاء بهم إليه من الشُّقّة البعيدة, يقال للمشركين من قريش: لقد كان لكم أيها القوم، في قصصهم عبرةٌ لو اعتبرتم به, أن الذي فعل ذلك بيوسف وإخوته، لا يتعذَّر عليه أن يفعل مثله بمحمد صلى الله عليه (٣)، فيخرجه من بين أظهُرِكم، ثم يظهره عليكم، ويمكن له في البلاد، ويؤيده بالأتباع والأصحاب، وإن مرَّت به شدائد، وكان مجاهد (٤) يقول: لقد كان في قصصهم عبرة ليوسف وإخوته, ورَدُّ العبرة إلى قريش أوْلى: لأنه عَقِيب الإخبار عن نبينا-صلى الله عليه (٥). وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى﴾ أي: ما كان هذا القرآن حديثًا يختلق ويُتَكذَّب ويُتَخَرَّص, ولكنه تصديق الذي بين يديه من
стр. 346
كتب الله التي أنزلها قبله على أنبيائه, كالتوراة والإنجيل والزبور, يصدِّق ذلك كله. ويشهد عليه أنّ جميعه من عند الله (١).
وقولُهُ: ﴿وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي: تفصيل كلما بالعباد إليه حاجة من بيان أمر الله ونهيه، وحلاله وحرامه، وطاعته ومعصيته ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أي: هو بيان أمره, ورشاد من جهل سبيل الحق فعمي عنه، إذا اتبعه اهتدى به من ضلالته ﴿وَرَحْمَةً﴾ لمن آمن به وعمل بما فيه, ينقذه من سخط الله وأليم عقابه, ويورِّثه في الآخرة جناته، والخلودَ في النعيم المقيم ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أي: يصدِّقون بالقرآن فيعملون بما فيه من أمره وينتهون عما فيه من نهي (٢) وقد تضمنت الآيتان: البيان عما يوجبه بلوغ الحد في الناس من فلاح أحد من القوم من أخذهم بعذاب الاستئصال في الدنيا مع نجاة من آمن بإيمانه وفوزه بطاعته, والبيان عما يوجبه الاعتبار بأخبار الماضين من الهداية إلى الحق, وسلوك طريق الرشد الذي يؤدي صاحبه إلى أجل حال في أخلص إنعام.
القولُ في الوقفِ والتمامِ:
﴿فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ﴾ صالح (٣)، ﴿عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ حسن (٤)، وآخر السورة تمام (٥).
стр. 347
وعدد السورة سبعة آلاف ومائة وستة وستون حرفا (١) وألف وسبع مائة وست وسبعون (٢)، ومائة وإحدى عشر (٣) آية لا خلاف في عددها (٤).
стр. 348
الخاتمة
نتائج، ومقترحات.
النتائج التي توصلت إليها
بعد دراستي لهذا الجزء الذي حققته بعون الله، وفضله، والذي استغرق أربعة وعشرين شهراً وشهرين، توصلت بحمد الله إلى النتائج التالية:
أولا: النتائج التي توصلت إليها عن عصر المؤلف وحياته:
١ - إن العصر الذي عاش فيه الإمام الحوفي من أزهى عصور الدولة الإسلامية علميا حيث اهتم الفاطميون بالحركة العلمية في المدارس والمساجد والأزهر الشريف والرصد الحاكمي، وإن كان الدافع إلى هذا عندهم هو نشر المذهب الشيعي.
٢ - لم يتأثر الإمام الحَوفي بالمذهب الشيعي بل كان من أهل السنة والجماعة.
٣ - إن تاريخ مولد الإمام الحوفي في بداية النصف الثاني من القرن الرابع الهجري.
٤ - إن الإمام الحَوفي أثر في المصريين فقها، ونحوا، وتفسيرا، وكان سدا منيعا طيلة حياته، وحائلا دون بث المذهب الشيعي بين المصريين.
٥ - إن الإمام الحَوفي وضع بكتابه هذا خلاصة ما ألفه السابقون لكي يكون مرجعا كبيرا، يرجع إليه طلاب العلم المبتدئون، والمجتهدون.
٦ - ولعدم وجود مسائل فقهية في سورة يوسف-﵇ ولا أحكام فقهية، حرصت على أن أعرف مذهب الإمام الحَوفي الفقهي من الذين حققوا له في كتابه "البرهان في علوم القرآن"، فإن
стр. 349
مذهبه مالكي، وهذا مما توصلت إليه من قبل أخي الدكتور/ أزمان الأندونيسي الذي لم يجزم أحدٌ قبله بمعرفة مذهبه.
ثانيا: النتائج التي توصلت إليها عن الكتاب:
١ - توصلت بعون الله تعالى لاسم كتاب الحوفي الذي اختلف في اسمه من قبل العلماء الأجلاء وهو "البرهان في علوم القرآن من الغريب والإعراب والقراءات والتفسير والناسخ والمنسوخ والأحكام وعدد الآي والتنزيل والوقف والتمام والاشتقاق والتصريف والمحكم والمتشابه" وهذا هو المكتوب على الأجزاء التي وقفت عليها فالذين حققوا أجزاءً من الكتاب لم يجزموا باسمه فأقول: إنه سار على منهج المفسرين في تفسير كل سورة تلو الأخرى، على ترتيب المصحف، وتميز الإمام الحوفي عن سابقيه بإضافة فن جديد من علوم القرآن، من الغريب، والإعراب، والناسخ والمنسوخ، وغيرهم، ولذا قال صاحب الكتاب: "في علوم القرآن" من .... ! وكأنه يعني بمن للتبعيض من علوم القرآن، ولم يطلق العنوان بقوله: في علوم القرآن واكتفى، ولكنه بيَّن بعضا من علوم القرآن، وهذه النتيجة -بظني- لم يثبتها أحد قبلي- والله تعالى أعلى وأعلم.
٢ - لم ينازع أحد أن كتاب [البرهان في علوم القرآن] من تأليف الإمام الحَوفي، بل أجمع المترجمون له على أن هذا الكتاب من تأليفه.
٣ - وقفت على تاريخ قراءة المصريين منذ بداية التاريخ الإسلامي حتى وقتنا المعاصر، ومن ثمَّ توصلت بأن الإمام الحوفي كان يقرأ برواية ورش عن نافع المدني، وكتابه يدل على ذلك، وهذا مما لم يقف عليه أحد من الباحثين الذين حققوا أجزاءً من الكتاب من قبلي- والله تعالى أعلم.
٤ - توصلت إلى أن الإمام الحوفي -بظني- لم يكن ملماً بعلم القراءات الشريف, ولكن له فيه مشاركة، وهذا مالم يتوصل به أحدٌ قبلي بهذه النتيجة-والله تعالى أعلم.
стр. 350
٥ - أن كتاب البرهان للحَوفي كتاب شامل، عالج موضوعات مختلفة في القراءات، والوقف والتمام، واللغة والإعراب، والتفسير، والمعنى.
٦ - أن كتاب البرهان للحَوفي تضمن قدرا كبيرا من علوم النحو واللغة، وأن الإمام الحَوفي أظهر حذقه، وبراعته النحوية، واللغوية في كتابه.
٧ - استشهد الإمام الحوفي بالقرآن الكريم في المسائل اللغوية، ولم يستشهد بالحديث النبوي في الجزء الذي حققته، وأما الشعر، وكلام العرب فكان مكثرا للاستشهاد بهما.
٨ - أن الإمام الحَوفي اعتمد على العلل النحوية اعتمادا كبيرا، وبينها بيانا شافيا.
٩ - أن الإمام الحَوفي فصل كثيرا في إعراب القرآن بحيث يستفيد منه المبتدئ والمجتهد.
١٠ - أن الإمام الحَوفي بغدادي المذهب، وميله إلى البصريين.
١١ - أن الإمام الحَوفي انفرد بين المفسرين بالترتيب الجيد، والتنسيق الواضح، مما جعل الاطلاع على كتابه سهلا، وأنه بالمقارنة بينه وبين كتب التفسير الأخرى، يعد من الكتب الأولى المعتمد عليها في هذا الفن.
١٢ - أن الإمام الحَوفي اعتمد على أهم المصادر في عصره، فاستقى منها مادته، كتفسير الطبري، وإعراب القرآن للنحاس، ومعاني القرآن للزجاج، وتفسير ابن أبي حاتم، والفراء، وابن قتيبة، وغيرهم.
١٣ - أن الإمام الحَوفي مثله مثل غيره من العلماء يخطئ، ويصيب لطبيعة البشر بهذه الصفة الجبلية، وأنه أخطأ في عدة مسائل نبهت عليها في محلها.
١٤ - لم أقف على كتاب للإمام الحوفي، سوى هذا الكتاب المبارك، [البرهان في علوم القرآن].
١٥ - جمعت فوائد بالهوامش، في العقيدة، والأخلاق، والمعاملات، والمسائل المختلف فيها، مثل مسألة مَن الذبيحُ؟ وقضية همِّ يوسفَ- ﵇ والبرهان الذي رآه-﵇، ونقد الروايات
стр. 351
الإسرائيلية، ومسألة هل في القرآن حرفٌ زائدٌ؟ وهل يجوز الصلاة والسلام على غير الأنبياء- ﵈؟ وهل يجوز الصدقة على الأنبياء ﵈؟ وغيرها من المسائل النحوية والفقهية.
ورجحتُ الراجحَ ما أمكني الدليلُ.
ومما سبق ألخص النتائج التي بظني أنه لم يقف عليها أحد قبلي-ولله الحمد والمنة وهي كالتالي:
• أن اسم الكتاب"البرهان في علوم القرآن" من الغريب والإعراب والقراءات والتفسير والناسخ والمنسوخ والأحكام وعدد الآي والتنزيل والوقف والتمام والاشتقاق والتصريف والمحكم والمتشابه.
• أن الإمام الحوفي ولد في بداية النصف الثاني من القرن الرابع الهجري تقريباً.
• معرفة تاريخ قراءة أهل مصر منذ التاريخ الإسلامي إلى وقتنا المعاصر، ومن ثمَّ قراءة شيخنا الإمام الحوفي-رحمه الله تعالى.
• أن الإمام الحوفي لم يكن ملما بعلم القراءات الشريف, ولكن له فيه مشاركة.
• جمعتُ وناقشت بعض الفوائد، والمسائل العلمية من خلال تحقيق المخطوط المبارك.
• أن الإمام الحَوفي انفرد بين المفسرين القدامى بالترتيب الجيد، والتنسيق الواضح عما قبله.
стр. 352
المقترحات
هذا المخطوط من الأهمية بمكان، وهو مفرق في الجامعات المختلفة التي تصدت لتحقيق أجزاء منه، ومع هذا لم ير مطبوعا منه في الأسواق المكتبية للإفادة منه، فلذا أقترح التالي:-
١ - أقترح على الجهات المعنية بجمع ما تفرق منه في الجامعات المختلفة، وإعادة إخراجه في عمل واحد، لينتفع الناس به.
٢ - أقترح على عامة طلبة العلم، والباحثين إلى العناية بالتفسير، دراسة واطلاعاً وتحقيقاً، ففيه عامة العلوم.
٣ - أقترح على عامة المهتمين في إحياء تراث أسلافنا المفسرين، وغيرهم بأن ينقبوا، ويبحثوا جادين عن مؤلفات الإمام الحوفي المندثرة بالبحث في المكتبات العالمية "الخاصة بالمخطوطات" وكما حدث معي، فلقد وُفقتُ في الحصول على هذا الجزء المبارك من جامعة ليدن بهولندا بعد جهد كبير، فلكل طارقٍ مجيبٌ.
٤ - أقترح أن يطبع كل جزء أجيز، وحقق، بأن ينشر في المكتبات العامة، حتى يستفيد عامة طلاب العلم من جهد كل مجتهد لينالوا الأجر، والثواب، وحتى لا يندثر عمل الباحث كما اندثرت كتب أسلافنا- فالله المستعان.
وفي الختام أقول: حللت بين فضيلتكم، وبين يدي حروف، وكلمات أبتغي بها وجه الله، ثم رجائي أن تنال رضاكم، وأود توجيهاتكم المباركة للإفادة، فما كان فيها من كمال فمن الله تعالى، وما كان فيها من نقص، فمن نفسي والشيطان، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
стр. 353
ثالثا: فهرس الغريب
م ... الآية ... رقم الآية ... المعنى ... الصفحة
١ ... يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ ... ٦ ... يصطفيك ... ١٢٤
٢ ... تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ ... ٦ ... عبارة الرؤيا ... ١٢٤،١٦٤، ... ٣٢٦
٣ ... وَنَحْنُ عُصْبَةٌ ... ٨ ... جماعة ... ١٢٧
٤ ... قَوْمًا صَالِحِينَ ... ٩ ... يعنون أنهم يتوبون من قتلهم يوسف, فيكونون بتوبتهم من قتله بعد هلاك يوسف قوما صالحين ... ١٣٣
٥ ... يَرْتَعْ ... ١٢ ... من الرعي أي يرعى الإبل, أي: أرسله معنا يلهو وينعم وينشط في الصحراء ... ١٣٥
٦ ... وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا ... ١٧ ... بِمُصَدِّقِنَا ... ١٤٨
٧ ... وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ ... ١٨ ... مكذوب ... ١٤٩
٨ ... قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ ... ١٨ ... بَلْ زَيَّنَت ... ٢٨٩
٩ ... وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ ... ١٩ ... مارّة الطريق من المسافرين ... ١٥١
١٠ ... فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ ... ١٩ ... وهو الذي يرد المنهل أو المنزل وَوُرُوده إِيَّاهُ: مَصِيره ... ١٥١
١١ ... فَأَدْلَى دَلْوَهُ ... ١٩ ... فأرسل دلوه في البئر ... ١٥١
١٢ ... وَأَسَرُّوهُ ... ١٩ ... أسره الوارد المستقي وأصحابه من التجار الذين كانوا معهم, وقالوا لهم: هو بضاعة استبضعناها بعض أهل المال إلى مصر ... ١٥١
١٣ ... وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ ... ٢٠ ... ناقص ... ١٦١
١٤ ... دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ ... ٢٠ ... باعوه بدراهم غير موزونة, ناقصة غير وافية لزهدهم كان فيه ... ١٦٢
١٥ ... أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا ... ٢١ ... نَتَبَنَّاه ... ١٦٣
стр. 354
١٦ ... بَلَغَ أَشُدَّهُ ... ٢٢ ... لما بلغ يوسف شدته، وقوته في شبابه ... ١٦٥
١٧ ... وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ... ٢٣ ... هلم، أو تعال إلى ما هو لك ... ١٥٨
١٨ ... وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا ... ٢٥ ... وصادف سيدها: وهو زوج المرأة ... ١٧٨
١٩ ... قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا ... ٣٠ ... قَدْ وَصَلَ حُبّ يُوسُف إِلَى شَغَاف قَلْبهَا , فَدَخَلَ تَحْته حَتَّى غَلَبَ عَلَى قَلْبهَا ... ١٨٨
٢٠ ... وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ ... ٣١ ... فعَلَتْ مِنَ الْعَتَاد, وَهُوَ الْعِدَّة: أي مَجْلِسًا لِلطَّعَامِ ... ١٩٠
٢١ ... مُتَّكَأً ... ٣١ ... مَجْلِسًا لِلطَّعَامِ ... ١٩٠
٢٢ ... أَكْبَرْنَهُ ... ٣١ ... أعظمْنَه وَأَجْلَلْنَهُ وَبُهِتْنَ ... ١٩١
٢٣ ... فَاسْتَعْصَمَ ... ٣٢ ... امتنع ... ١٩٣
٢٤ ... أَعْصِرُ خَمْرًا ... ٣٦ ... عنبا ... ٢٠٣
٢٥ ... اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ ... ٤٢ ... عند سيدك ... ٢١٧
٢٦ ... قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ ... ٤٤ ... أخلاط رؤيا كاذبة لا حقيقة لها ... ٢٢٤
٢٧ ... وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ ... ٤٥ ... بعد حين ... ٢٢٤
٢٨ ... تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا ... ٤٧ ... الدأب العادة ... ٢٢٥
٢٩ ... تُحْصِنُونَ ... ٤٨ ... تحرزون ... ٢٣٢
٣٠ ... يُغَاثُ النَّاسُ ... ٤٩ ... يغاث الناس بالمطر ... ٢٣٢
٣١ ... وَفِيهِ يَعْصِرُونَ ... ٤٩ ... العنب والسمسم وما أشبه ذلك ... ٢٣٢
٣٢ ... مَا خَطْبُكُنَّ ... ٥١ ... ما كان أمركن وما كان شأنكن ... ٢٣٤
٣٣ ... الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ ... ٥١ ... تبيّن الحق وانكشف وظهر ... ٢٣٤
٣٤ ... وَنَمِيرُ أَهْلَنَا ... ٦٥ ... نطلب لأهلنا طعاما فنشتريه لهم ... ٢٥٧
٣٥ ... إِلا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ ... ٦٦ ... يحيط بجميعكم ما لا تقدرون على أن تؤتوني به ... ٢٥٩
стр. 355
٣٦ ... وَقَالَ يَا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ ... ٦٧ ... خاف عليهم إذا دخلوا من طريق واحد وهم ولد رجل واحد العين, فأمرهم أن يفترقوا ... ٢٥٩
٣٧ ... آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ ... ٦٩ ... يقال: أوى فلانٌ فلاناً, إذا ضمه إليه ... ٢٦٢
٣٨ ... فَلا تَبْتَئِسْ ... ٦٩ ... تفتعل من البؤس يقال ابتأس يبتأس ابتأساً وهو الحزن والابتئاس والاكتئاب والاغتمام نظائر في اللغة ... ٢٦٢
٣٩ ... ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ ... ٧٠ ... نادى منادٍ ... ٢٦٧
٤٠ ... أَيَّتُهَا الْعِيرُ ... ٧٠ ... وهي: القافلة فيها الأجمال ... ٢٦٧
٤١ ... صُوَاعَ الْمَلِكِ ... ٧٢ ... مشربة الملك ... ٢٦٨
٤٢ ... وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ ... ٧٢ ... كفيل ... ٢٦٩
٤٣ ... قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ ... ٧٥ ... سنتهم في السارق: أن يستعبد ... ٢٧٠
٤٤ ... كِدْنَا لِيُوسُفَ ... ٧٦ ... هكذا صنعنا ليوسف ... ٢٧٥
٤٥ ... فِي دِينِ الْمَلِكِ ... ٧٦ ... حكم ملك مصر، وقضائه، وطاعته ... ٢٧٥
٤٦ ... قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ ... ٧٧ ... يعنون أخاه لأبيه وأمه، وهو يوسف ... ٢٧٨
٤٧ ... فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ ... ٨٠ ... يئسوا منه، ورأوا شدّته في أمره ... ٢٨٦
٤٨ ... خَلَصُوا نَجِيًّا ... ٨٠ ... خلا بعضهم لبعض يتناجون ولا يختلط بهم غيرهم, والنجي يكون واحدا وجماعة لأنه مصدر ... ٦٨ - ٢٨٦
٤٩ ... قَالَ كَبِيرُهُمْ ... ٨٠ ... قال بعضهم, عنى به كبيرهم في العقل والعلم، لا في السن، وهو شمعون, قالوا: وكان روبيل أكبر منه ... ٢٨٧