الآخر ذهب غضبه, فمرّ الغلام إلى جنبه فمسَّه, فذهب غضبه, فقال روبيل: مَنْ هذا؟ إن في هذا البلد لبَزْرًا من بَزْر يعقوب! فقال يوسف: من يعقوب؟ فغضب روبيل فقال: يا أيها الملك لا تذكر يعقوب, فإنه سَرِيُّ الله ابن ذبيح الله, ابن خليل الرحمن, قال يوسف: أنت إذًا إن كنت صادقًا (١).
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ﴾ أي: قال إخوة يوسف ليوسف: ﴿يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ﴾ ياأيها الملك ﴿إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا﴾ كلنا نحبه, فخذ واحدًا منّا بدلا منه, وخلِّ عنه ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ يقولون: في أفعالك قال ابن إسحاق: أي نرى ذلك منك إحسانا إن فعلت (٢). وقوله تعالى: ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَاخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ﴾ أي: قال يوسف لإخوته أعوذ بالله أن نأخذ بريئًا بسقيم أي: أستجير بالله أن أفعل ذلك. وقولُهُ: ﴿إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ﴾ يقول: إن أخذنا غير الذي وجدنا متاعنا عنده ﴿إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ﴾ أي: لنفعل ما ليس لنا فعله ونجور على الناس (٣)، وروي عن أسباط قَالُوا: ﴿يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا﴾ الآية قال يوسف: إذا أتيتم أباكم فأقرئوه مني السلام، وقولوا له: إن ملك مصر يدعوا (٤) لك أن لا تموت حتى ترى ابنك يوسف، حتى تعلمَ أنّ في أرض مصر صدِّيقين مثلَه (٥). وقد تضمنت الآيات البيان عما يوجبه التدبير لأخذ الشيء بظاهر جميل مع باطن حق يخفى السبب فيه فلا يظهر لمتأمليه من بلوغ المراد على طريق العدل والإنصاف بما وقع من الإقرار بما هو حق الجزاء, والبيان عما توجبه السرقة من العار بها وتمثيل صاحبها بمن هو من أهلها عيب لربها, والبيان عما يوجبه الدعاء إلى الخطأ المطلوب من التذكير بالإحسان الذي يدعوا إلى المظاهرة فيه على من أنعم
لما ظرف مضاف إلى ﴿اسْتَيْئَسُوا﴾ , ﴿مِنْهُ﴾ متعلق بـ ﴿اسْتَيْئَسُوا﴾ , ﴿خَلَصُوا﴾ جواب لمّا وهو العامل في لمّا (١) , ﴿نَجِيًّا﴾ نصب على الحال, وهو واحد يؤدي عن جميع (٢) , وجمعه أنجية
وينشد (٣):
إِني إِذا مَا القَوْمُ كَانُوا أَنْجِيَهْ ... واخْتلف القولُ (٤) اختلاف الأَرْشِيَهْ (٥)
هناك أوصيني ولا توصي بيه (٦). يقال: نجوت الرجل أنجوه نجيا, جعل صفة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ (٧) ويقال للجماعة نجوى وهم يتناجون تناجياً (٨) , وقال تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ
стр. 284
نَجْوَى ثَلَاثَةٍ﴾ (١) ويقال نجوت أنجو نجوى وأصل النجو الارتفاع من الأرض (٢) , فالمناجاة مثل المسارة, ويقال يئس يأساً واستيئس استئاساً وهو يائس ومستيئس وأيس يائس (٣)، و ﴿أَلَمْ تَعْلَمُوا﴾ ألف الاستفهام ودخلت على "لم" للتوبيخ والتقرير (٤) , ﴿أَنَّ أَبَاكُمْ﴾ , ﴿أَنَّ﴾ في موضع نصب بـ ﴿تَعْلَمُوا﴾ , ﴿عليكمْ﴾ متعلق بـ ﴿أَخَذَ﴾ , ﴿مَوْثِقًا﴾ نصب (٥) بـ ﴿أَخَذَ﴾، ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ متعلق بـ ﴿مَوْثِقًا﴾ , ﴿وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ﴾ , ﴿مَا﴾ في موضع رفع بالابتداء, ﴿وَمِنْ قَبْلُ﴾ الخبر (٦)
, ويكون ﴿مَا فَرَّطْتُمْ﴾ بمنزلة التفريط أي: ﴿وَمِنْ قَبْلُ﴾ تفريطكم في يوسف, ويكون "من" متعلقة بالاستقرار, و ﴿قَبْلُ﴾ مبني لأنه غاية والتقدير: ﴿وَمِنْ قَبْلُ﴾ هذا تفريطكم, ويجوز أن تكون ﴿مَا﴾ زائدة, ويكون التقدير: ﴿وَمِنْ قَبْلُ﴾ فرطتم, ويجوز أن تكون ﴿مَا﴾ في موضع نصب عطف على ﴿أَنَّ﴾ والتقدير: أولم تعلموا من قبل تفريطكم (٧) , ﴿وفِي يُوسُفَ﴾ متعلق بـ ﴿فَرَّطْتُمْ﴾ , ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ﴾ الفاء جواب موافقة أباهم, و ﴿أَبْرَحَ﴾ نصب بـ لن (٨) , ﴿الْأَرْضَ﴾ نصب بـ ﴿أَبْرَحَ﴾ يقال: برح يبرح بروحا وبراحا (٩) ,
стр. 285
و ﴿حَتَّى﴾ غاية, ﴿يَاذَنَ لِي أَبِي﴾ , ﴿يَاذَنَ﴾ نصب بـ ﴿حَتَّى﴾ (١) و ﴿لِي﴾ متعلق بـ ﴿يَاذَنَ﴾ و ﴿يَحْكُمَ﴾ معطوف على ﴿يَاذَنَ﴾ , و ﴿لِي﴾ متعلق بـ ﴿يَحْكُمَ﴾ , ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِين﴾ ابتداء وخبر (٢)، ﴿ارْجِعُوا﴾ أمر, ﴿إِلَى أَبِيكُمْ﴾ , ﴿إِلَى﴾ متعلقة بـ ﴿ارْجِعُوا﴾ , ﴿فَقُولُوا﴾ الفاء جواب الأمر (٣)، ﴿إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا﴾ الباء متعلقة بـ ﴿شَهِدْنَا﴾ , ﴿وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾ , ﴿لِلْغَيْبِ﴾ متعلق ﴿حَافِظِينَ﴾ , ﴿الْقَرْيَةَ﴾ منصوبة بـ اسأل والتقدير: أهل القرية (٤)،
﴿الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ نعت لـ ﴿الْقَرْيَةَ﴾، (٥) و ﴿فِيهَا﴾ متعلق بمعنى الاستقرار, ﴿وَالْعِيرَ﴾ عطف على ﴿الْقَرْيَةَ﴾ والتقدير: أصحاب العير (٦)، و ﴿فِيهَا﴾ متعلق بـ ﴿أَقْبَلْنَا﴾ , ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ اسم إنّ وخبرها، بل إضراب عن الأول, وإيجاب للثاني, "لكن" (٧) متعلق بـ ﴿سَوَّلَتْ﴾ , ﴿أَمْرًا﴾ نصب بـ ﴿سَوَّلَتْ﴾ , ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ ابتداء وخبر (٨)، ويجوز أن يكون "صبر" رفعاً بالابتداء و ﴿جمِيلٌ﴾ نعتاً له, والخبر محذوف وتقديره: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ أولى بي
стр. 286
من جزع (١)، والصبر الجميل: الذي لا جزع فيه ولا استكانة (٢)، ويجوز أن يكون على حذف المبتدأ والتقدير: أمري صبر جميل, ولو أمرهم بالصبر لنصب (٣) كما قال (٤):
تشكو إِلَىَّ جَمَلِي طُولَ السُّرَى ... صَبْرٌ جَمِيلٌ وكِلاَنا مُبْتَلَى
عسى: طمع واشفاق من المخلوقين, ومن الله واجبة, وهي مشبهة بكان (٥) , ﴿أَنْ يَاتِيَنِي بِهِمْ﴾ ﴿أَنْ﴾ في موضع نصب بـ ﴿عَسَى﴾ ودخول ﴿أَنْ﴾ مع ﴿عَسَى﴾ ليحقق معنى الاستقبال فيها, و ﴿بِهِمْ﴾ متعلق بـ ﴿يَاتِيَنِي﴾ , ﴿جَمِيعًا﴾ نصب على الحال, أي: ﴿يَاتِيَنِي﴾ بهم مجتمعين وفيه معنى التوكيد, ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ يجوز أن يكون ﴿هُوَ﴾ توكيدا للمضمر (٦) , ويجوز أن يكون فاصلة, ويجوز أن يكون مبتدأ, و ﴿الْعَلِيمُ﴾ الخبر والجملة خبر إنّ.
القولُ في المعنى والتفسيرِ:
المعنى والله أعلم فلما يئسوا من أن يخلي يوسف عن ابن يامين، ويأخذ منهم واحدًا مكانه قال ابن إسحاق: ﴿فَلَمَّا اسْتَيْئَسُوا مِنْهُ﴾ يئسوا منه، ورأوا شدّته في أمره (٧)، ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ أي خلا بعضهم ببعض يتناجون ولا يختلط بهم غيرهم, والنجي يكون واحدا وجماعة لأنه مصدر وكونه
стр. 287
للجماعة (١) قوله تعالى: ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾ (٢) ﴿مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ﴾ (٣) والواحد ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ﴾ (٤) فهي في هذه المناجاة نفسها ومنه قول الشاعر (٥):
وأحب (٦) نجوى الرجال فَـ ... كُنْ عِنْدَ سرّكَ حبَّ النَّجِيّ
والنجوى و" النجى" في هذا بمعنى واحد، وهي المناجاة. وقولُهُ: ﴿قَالَ كَبِيرُهُمْ﴾ قال بعضهم, عنى به كبيرهم في العقل والعلم، لا في السن، وهو شمعون, قالوا: وكان روبيل أكبر منه قال ذلك مجاهد (٧). وقال قتادة (٨) والسدي (٩) وابن إسحاق (١٠): عنى بذلك كبيرهم في السن، وهو روبيل (١١)
стр. 288
وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عليكمْ مَوْثِقًا﴾ يقول: أخذ عليكم عهودَ الله ومواثيقه, لتأتنه به إلا أن يحاط بكم, ومن قبل فعلتكم هذه، تفريطكم في يوسف. يقول: أو لم تعلموا من قبل هذا تفريطكم في يوسف؟ وقولُهُ: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ﴾ يقول: فلن أبرح الأرض التي أنا بها: وهي مصر, فأفارقها ﴿حَتَّى يَاذَنَ لِي أَبِي﴾ بالخروج منها (١)، أو يقضي لي ربي بالخروج منها, وترك أخي ابن يامين، وإلا فإني غير خارج ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ والله خير من حكم، وأعدل من فصل بين الناس, وكان أبو صالح يقول: أو يحكم الله لي بالسيف (٢)، فكأنَّ أبا صالح وجّه ﴿أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾: أو يقضي الله لي بحرب من مَنَعَني من الانصراف بأخي ابن يامين إلى أبيه يعقوب، فأحاربه.
وقوله تعالى: ﴿ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ﴾ يقول تعالى مخبرا عن قيل روبيل لإخوته، حين أخذ يوسف أخاه بالصواع الذي استُخرج من وعائه: ﴿ارْجِعُوا﴾، إخوتي، ﴿إِلَى أَبِيكُمْ﴾ يعقوب فقولوا له ﴿يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ﴾ (٣)، وقولُهُ: ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا﴾ واختلف في ذلك فقال بعضهم معناها: وما قلنا إنه سرق إلا بظاهر علمنا فإن ذلك كذلك، لأن صواع الملك أصيب في وعائه دون أوعية غيره وهو قول ابن إسحاق (٤) , وقال ابن زيد: وما شهدنا عند يوسف بأن السارق
стр. 289
يؤخذ بسرقته إلا بما علمنا (١)، ﴿وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾ أي: وما كنا نرى أن ابنك يسرق ويصير أمرنا إلى هذا (٢)، وإنما قلنا لك ﴿وَنَحْفَظُ أَخَانَا﴾ مما لنا إلى حفظه منه السبيل (٣).
وقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ يقولون: وإن كنتَ مُتَّهمًا لنا، لا تصدقنا على ما نقول من أن ﴿ابْنَكَ سَرَقَ﴾ فاسأل ﴿الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾، وهي مصر، أي: سل من فيها من أهلها, ﴿وَالْعِيرَ﴾: وهي القافلة التي أقبلت منها معنا عن خبر ابنك وحقيقة ما أخبرناك فإنك تُخْبُر بمصداق ذلك ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ فيما أخبرناك به من خبره قال ذلك قتادة (٤) وابن عباس (٥) وابن إسحاق (٦). وقوله تعالى: ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ في الكلام حذف (٧)، وهو: فرجع إخوة ابن يامين إلى أبيهم، وتخلف روبيل، فأخبروه خبره، فلما أخبروه أنه سرق ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ﴾ أي: بل زينت لكم أنفسكم أمرًا هممتم به وأردتموه فصبر على ما نالني من فقد ولدي، صبرٌ جميل لا جزع فيه ولا استكانة، ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَاتِيَنِي﴾ بأولادي جميعًا فيردّهم علي ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ﴾ بوجدي، لفقدهم وحزني عليهم، وصِدْقِ ما يقولون من
стр. 290
كذبه ﴿الْحَكِيمُ﴾ في تدبيره خلقه (١) قال ذلك قتادة (٢) وابن إسحاق, وقال يأتيني بهم جميعا يعني يوسف وأخاه ابن يامين (٣)، لأنه كان عنده أن يوسف لم يمت, وإنما غاب عنه خبره لأنه حمل وهو عبد لا يملك لنفسه شيء, ثم اشتراه الملك فكان في داره فلا يظهر للناس, ثم حبس فخفي خبره, فلما تمكن احتال في أن يعلم أبوه خبره ولم يوجه برسوله لأنه كره من إخوته أن يعرفوا ذلك فلا يدعوا الرسول يصل إلى أبيه (٤). وقد تضمنت الآيات البيان عما توجبه شدة المحبة في سبب نقض المعاهدة من إظهار البدر (٥) لئلا يتوهم اختيار النقض على ركوب القبيح من الأمر, والبيان عما يوجبه نقض العهد من الاعتداء بما وقع لأجله مما لا يملكه المعهود به مما لم يحتسبه ولا قدر أن يكون مثله, والبيان عما يوجبه طلب التصديق من الاستشهاد بأهل الخبرة حتى يتواتر من الخبر ما يزول معه الشك ويرفع الريب, والبيان عما يوجبه التعهد في شدة المحن من الصبر الجميل والطمع فيما يأتي من قبل الله من تجديد النعمة وكشف البلية على ما وعد الصابرين من الخير في العاقبة.
القولُ في الوقفِ والتمامِ:
﴿قدْ أَخَذَ عليكمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾ كاف (٦) إذا جعلت ما زائدة أو مصدرا وإن جعلتها منصوبة معطوفة كان الكافي ﴿خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ (٧)، وكذا ﴿حَافِظِينَ﴾ (٨)،
الياء (١)، ومن فتح: فعلى الأصل (٢). ﴿عَلَى يُوسُفَ﴾ على متعلقة بـ ﴿أَسَفَى﴾ , ﴿مِنَ الْحُزْنِ﴾ متعلق بـ ابيضت، ويقال حُزْنٍ وحَزَنٍ, وأصله الغِلَظِ مأخوذ من الحزن, وهي الأرض الغليظة (٣)، ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ ابتداء وخبر, والفاء جواب ما أخبر به وجميع ما يذكره من الفاء, وهي عاطفة أنها جواب فلما فيها من ذلك المعنى لشدة اتصال المعطوف بالمعطوف به بلا فصل (٤)، وليضمن الكلام معنى الفعل, فأشبهت بذلك جواب الشرط, فلذلك يقول جوابا, ﴿تَاللَّهِ﴾ قسم (٥) والتاء بدل من الواو, لقربها منها, كما أبدلت في تجاه, والأصل وجاه, ﴿تَفْتَأُ﴾ مستقبل بمعنى تزال والمعنى لا تزال, وحذفت لا وهي مراد للعلم بذلك, إذ الإيجاب لا يكون إلا بالنون الشديدة أو الخفيفة (٦)، يقال: فتى يفتأ فتأً وفتؤاً قال أوس بن حجر (٧):
فَمَا فَتِئَتْ خَيْلٌ تَثُوبَ وَتَدَّعِي ... وَيَلْحَقُ مِنْهَا لاحِقٌ وتَقَطَّعُ (٨)
стр. 293
أي: فما زالت ﴿حَتَّى تَكُونَ﴾ , ﴿حَتَّى﴾ غاية متعلقة بـ ﴿تَذْكُرُ﴾ ناصبة لـ ﴿تَكُونَ﴾ بإضمار إن, ولا يظهر أن معها حرضاً خبر ﴿تَكُونَ﴾ , وأصل الحرض فساد الجسم والعقل للحزن والحب (١). قال العرجي (٢):
إنِّي امْرُؤٌ لَجّ بي حُبٌّ فأَحْرَضَني ... حَتَّى بَلِيتُ وحَتّى شَفَّني السَّقَمُ (٣)
أي: أذابني فتركني محرضا, يقال رجل حرض وامرأة حرضت وقوم حرض لا يثنى ولا يجمع على طريقة واحدة للمذكر والمؤنث (٤)، لأنه مصدر ﴿أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ﴾ معطوف على ﴿تَكُونَ﴾ الأولى, و ﴿مِنَ﴾ متعلقة بمعنى الاستقرار, ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ كسرت إنّ لأنها بعد القول, ودخلت ما على "إن" ليليها الفعل فهي مهيئة لدخول الفعل, ﴿بَثِّي﴾ في موضع نصب بـ ﴿أَشْكُو﴾ , ﴿وَحُزْنِي﴾ معطوف عليه, و ﴿إِلَى﴾ متعلقة بـ ﴿أَشْكُو﴾ وألف أشكوا ألف المخبر عن نفسه, ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ﴾ , ﴿مِنَ﴾ متعلقة بـ ﴿وَأَعْلَمُ﴾، ﴿مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ ,
стр. 294
﴿مَا﴾ بمعنى الذي في موضع نصب بـ ﴿وَأَعْلَمُ﴾ , ويقال بثثت مابي أبثه بثاً إذا ذكرته, وابثثتك مابي إذا أطلعتك عليه (١).
قال ذو الرمة (٢):
وَقَفتُ عَلى رَبع لِمَيَّةَ يا فتى (٣) ... فَما زِلتُ أَبكي عِنَدهُ وَأُخاطِبُه
وَأَسقيهِ حَتّى كادَ مِمّا (٤) أَبُثُّهُ ... تُكَلِّمُني أَحجارُهُ وَمَلاعِبُه (٥)
وأصل البث: البسط والنشر (٦) قال الله جل وعز ﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ (٧) أي: منشورة مبسوطة, ﴿يَا بَنِيَّ﴾ نداء مضاف, ﴿اذْهَبُوا﴾ أمر, ﴿فَتَحَسَّسُوا﴾ معطوف على ﴿اذْهَبُوا﴾ وهو جواب
стр. 295
الذهاب, ﴿مِنْ يُوسُفَ﴾ متعلق بـ تحسسوا, وأصله طلب الشيء بالحس (١)، يقال: تحسس وتجسس بمعنى (٢) ﴿وَلَا تَيْئَسُوا﴾ نهي وهو ضد الرجاء (٣)، ﴿مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾ , ... ﴿مِنْ﴾ , ... متعلقة بـ ﴿تَيْئَسُوا,﴾ ﴿إِلَّا الْقَوْمُ﴾ رفع بـ ﴿يَيْئَسُ﴾ , ﴿الْكَافِرُونَ﴾ نعت لـ ﴿الْقَوْمُ﴾ , ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عليه﴾ لمّا ظرف, ﴿عليه﴾ متعلق بـ ﴿دَخَلُوا﴾ , ﴿قَالُوا﴾ جواب لمّا وهو العامل في لمّا, ﴿وَأَهْلَنَا﴾ عطف على النون والألف في ﴿مَسَّنَا﴾ , ﴿الضُّرُّ﴾ رفع بـ ﴿مَسَّنَا﴾ , بـ ﴿بِبِضَاعَةٍ﴾ متعلق بـ ﴿وَجِئْنَا﴾ , ﴿مُزْجَاةٍ﴾ نعت لـ بضاعة, ﴿الْكَيْلَ﴾ نصب بـ ﴿أَوفِ﴾ , ﴿وَتَصَدَّقْ﴾ معطوف على ﴿فَأَوْفِ﴾ علينا متعلق بـ "تصدق"، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ , ﴿إِنَّ﴾ المستأنفة.
القولُ في المعنى والتفسيرِ:
المعنى والله أعلم وأعرض عنهم يعقوب وقال: ﴿يَا أَسَفَى﴾ أي: يا حُزْناً على يوسف (٤) يقال: إن " الأسف " هو أشدُّ الحزن يقال منه: "أسِفْتُ على كذا آسَفُ عليه أسَفًا", يقول الله تعالى: ﴿وابيضَّت﴾ عينا يعقوب من الحزن ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾: أي فهو مكظوم على الحزن (٥)، أي هو مملوء منه، مُمْسِك عليه, صُرِف " المفعول " منه إلى " فعيل " قال الله تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ
стр. 296
الْغَيْظَ﴾ (١)، ويسمى الحرض (٢) ونحوه كِظامة, لأنه يمسك الماء ويحبسه, وقيل: كان حزن يعقوب على يوسف لأنه علم أنه حي فخاف على دينه, وقيل: كان حزنه لأنه سلّمه إليهم وهو صبي فندم على ذلك.
وقوله تعالى: ﴿تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ أي: قال ولد يعقوب الذين انصرفوا إليه من مصر له حين قال: ﴿يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾: تالله لا تزال تذكر يوسف (٣)، ﴿تَفْتَأُ﴾ بمعنى تزال يقال فتئ يفتأ فَتأً وفُتوُءًا (٤).
كما قال (٥):
فَمَا فَتِئَتْ حَتَّى كأَنَّ غُبَارَهَا ... سُرَادِقُ يَوْمٍ ذِي رِيَاحٍ تَرَفَّعُ (٦)
أي: فما زالت, والمعنى لا يزال (٧)، ولا يحذف مع النفي لدلالة ثبات قول الايجاب, لأنك تقول في الإيجاب والله لآتينك ومن حذف لا في النفي في القسم
стр. 297
قول امرئ القيس (١):
فَقُلْتُ يَمِينَ اللهِ (٢) أَبْرَحُ قَاعِدًا ... وَلَوْ قَطَّعُوا رَاسِي لَدَيكَ وَأَوْصَالِي
أي: لا أبرح وقولُهُ: ﴿حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا﴾ أي: حتى تكون دَنِفَ الجسم مخبولَ العقل, وأصل الحرض: الفساد في الجسم والعقل, من الحزن أو من العشق (٣) ﴿أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ﴾ (٤) أي: ممن هلك بالموت (٥) يذهب.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ أي: قال يعقوب للقائلين له من ولده (٦): ﴿تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ الآية، لست إليكم أشكو بثي وحزني، وإنما أشكو ذلك إلى الله (٧) , والبث همه وحزنه وقيل: البثّ أشد الحزن, إنما أشكوا حزني (٨) الذي أنا فيه, وأبث حديثي وحزني إلى الله, وقولُهُ:
стр. 298
﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ قال ابن عباس: أعلم أن رؤيا يوسف صادقة وإني سأسجد له (١) , وقال السدي: لَمَّا أَخْبَرُوهُ بِدُعَاءِ الْمَلِكِ، أَحَسَّتْ نَفْسُ يَعْقُوبَ، وَقَالَ: مَا يَكُونُ فِي الأَرْضِ صِدِّيقٌ إِلا نَبِيُّ. فَطَمِعَ، قَالَ: لَعَلَّهُ يُوسُفُ (٢). وروي عن الحسن يرفعه إلى النبي صلى الله عليه قال، قيل: ما بلغ من وجدُ يعقوب على ابنه؟ قال: وجد سبعين ثكلى!. قال: فما كان له من الأجر؟ قال: أجر مئة شهيدٍ (٣).
قال: وما ساء ظنه قط من ليل ولا نهارٍ, ومما أخبر به وهب بن منبه (٤) قال: أتى جبريل يوسف بالبشرى وهو في السجن, فقال: هل تعرفني أيها الصِّدِّيق؟ قال: أرى صورة طاهرة ورُوحًا طيبة لا تشبه أرواح الخاطئين. قال: فإني رسول رب العالمين، وأنا الروح الأمين, قال: فما الذي أدخلك مُدْخَل المذنبين، وأنت أطيب الطيبين، ورأس المقربين، وأمين رب العالمين؟ قال: ألم تعلم يا يوسف أن الله يطّهر البيوت بطُهْر النبيين، وأن الأرض التي يدخلونها هي أطهر الأرَضِين، وأن الله قد طهَّر بك السجن وما حوله يا طهر الطاهرين وابن المتطهَّرين؟ إنما يتطهر بفضل طهرك وطهر آبائك الصالحين المخلَصِين! قال: كيف لي باسم الصالحين الصّدِّيقين، وتعدُّني من المخلصين، فقد أدخلت مُدْخَل المذنبين، وسميت بالضالين المفسدين (٥) قال: لم يُفْتَتَنْ قلبُك، ولم تطع سيدتك في معصية ربك، فلذلك سمَّاك الله في الصديقين، وعدّك من المخلَصين، وألحقك بآبائك الصالحين. قال: هل لك علم بيعقوب أيها الروح الأمين؟ قال: نعم، وهب الله له الصبر الجميل، وابتلاه بالحزن عليك، فهو كظيم. قال: فما قَدْرُ حزنه؟ قال: حزن سبعين ثكلى, قال: فماذا له من الأجر
стр. 299
يا جبريل؟ قال: قدر مئة شهيدٍ (١).
وقال يوسف: فإلى من أدي (٢) قال: إلى أخيك ابن يامين. قال: فتري ألقاه أبدًا؟ قال: نعم. فبكى يوسف لِما لقي أبوه بعده، ثم قال: ما أبالي ما لقيت إن أرانيه (٣) , وروي عن الحسن قال: كان منذ خرج يوسف من عند يعقوب إلى يوم رجع ثمانون سنة، لم يفارق الحزن قلبه, ولم يزل يبكي حتى ذهبَ بصره، قال الحسن: والله ما على الأرض يومئذ خليقةٌ أكرم على الله من يعقوب (٤).
وقوله تعالى: ﴿يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ أي: حين طمع يعقوب في يوسف، يقول لبنيه ﴿اذْهَبُوا﴾ إلى الموضع الذي جئتم منه وخلفتم أخويكم به, ﴿فتحسَّسوا﴾ يقول: التمسوا يوسف وتعرَّفوا من خبره وأصل التحسُّس "التفعل "من " الحِسِّ"، ﴿وَأَخِيهِ﴾ ابن يامين, ﴿وَلَا تَيْئَسُوا﴾ أي: لا تقنطوا من روح الله, يعني فرجه ورحمته إنه لا يقنط من فرجه ورحمته وينقطع رجاءه منه, ﴿إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ يعني: القوم الذين يجحدون قُدرته (٥) على كل ما شاءَ, قال السدي: من فرج الله. وهو معنى قول ابن إسحاق والضحاك وابن زيد (٦).
стр. 300
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عليه قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾ في الكلام متروك (١) وذلك: فخرجوا راجعين إلى مصر حتى صاروا إليها، فدَخلوا على يوسف, ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عليه قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾ (٢) أي: الشدة من الجدب والقحط ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾ أي: قليلة (٣). قال ابن إسحاق: بدراهم قليلة, أو ثمن لا يجوز في ثمن الطعام ألا يتجوز من البائع فيها (٤)، وأصل الإزجاء السوق بالدفع (٥) قال (٦):
لِبَيْكِ عَلَى مِلْحَانَ ضَيْفٌ مُدَفَّعٌ ... وَأَرْمَلَةٌ (٧) تُزْجِى مَعَ اللَّيلِ أزجَلا
يعني: أنها تسوقه بين يديها على ضعف منه عن المشي وعجزاً, قال ابن عباس: مزجاة رثة المتاع خلق الحبل والغرارة (٨). وقال سعيد بن جبير: ناقصة (٩).
стр. 301
وقال عكرمة: دراهم فسول رديئة (١). وقال عبد الله بن الحارث (٢): متاعُ الأعراب: الصوفُ والسَّمن (٣)، وقيل الصوف والحبة الخضراء (٤)، وقوله تعالى: ﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ﴾ أي: جئنا ببضاعة فيها تجاوز لردائتها فأوف لنا الكيل وأعطنا ما كنت تعطينا بالثمن الجيد والدراهم الجياد (٥)، وقوله تعالى: ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾ أي تفضل علينا بما بَيْنَ سعر الجياد والرديّة (٦)، ولا تنقصنا إن الله يثيب المتفضلين على أهل الحاجة بأموالهم. واختلف في الصدقة هل كانت حلالا للأنبياء قبل نبيِّنا محمد صلى الله عليه؟ أو كانت حرامًا؟ فقال بعضهم: لم تكن حلالا لأحدٍ من الأنبياء (٧) , وهو معنى قول سعيد بن جبير. وروي عن ابن عيينة (٨):
هل حرمت الصدقة على أحدٍ من الأنبياء قبل النبيّ ﷺ ؟ فقال: ألم تسمع قوله: ﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾ ويذهب ابن عيينة (٩) إلى أنهم
стр. 302
لم يقولوا ذلك وإلا فالصدقة لهم حلال (١) , وهم أنبياء وأن الصدقة إنما حرمت على محمد ﷺ (٢). قال ابن جريج: ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾: براد (٣) أخينا إلينا. وقد تضمنت الآيات البيان عما يوجبه شدة المحبة لشيء من الحزن على فقده والتأسف لقومه مع جلالة قدر الحزين وعظم منزلته في الدين, والبيان عما يوجبه كثرة الذكر للمحب من الصرف عنه واليأس منه فلا معنى لاختلاف الحزن عليه والتأسف لفقده, والبيان عما يوجبه شدة الاغتمام من الشكوى إلى من يملك الفرج من البلوى ويتفضل بالإحسان الذي هو أعلى وأولى, والبيان عما يوجبه حسن الرجاء لفضل الله من الطلب للأمور التي يكون بها والتعرض للأسباب التي يقع عندها, والبيان عما يوجبه التلطف في المسألة من ذكر ما يدعوا إلى الإجابة من الضر والحاجة وحال من يجوز له الصدقة بتذكير ما فيها من حسن المجازاة.
القولُ في الوقفِ والتمامِ:
﴿هَلْ﴾ استفهام فيه معنى توبيخ وتقرير, ﴿مَا﴾ بمعنى الذي في موضع نصب, ﴿فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ﴾ متعلق بـ ﴿فَعَلْتُمْ﴾ , ﴿إِذْ﴾ ظرف العامل فيه ﴿فَعَلْتُمْ﴾ , ﴿أَنْتُمْ جَاهِلُونَ﴾ ابتداء وخبر, ﴿قَالُوا أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾ دخلت ألف الاستفهام على إنك، يقرأ بالاستفهام وعلى الخبر (١)، ﴿أَنَا يُوسُفُ﴾ ابتداء وخبر, ﴿وَهَذَا أَخِي﴾ جملة معطوفة على جملة, ﴿قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ متعلق بـ ﴿مَنَّ﴾ ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾ , ﴿مَنْ﴾ شرطـ ﴿يَتَّقِ﴾ جزم بـ ﴿مَنْ﴾ ... ﴿وَيَصْبِرْ﴾ عطف على ﴿يَتَّقِ﴾ , ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ الفاء جواب ﴿مَنْ﴾ وعلامة الجزم في ﴿يَتَّقِ﴾ حذف الياء, ومن أثبتها قدر الحركة جارية على الياء فحذف الحركة وبقي الياء (٢)، ومثله قول قيس بن زهير (٣):
أَلَمْ يَاتِيكَ وَالأَنْبَاءُ تَنْمِي ... بِمَا لاَقَتْ لَبُونُ (٤) بَنِي زِيادِ
يريد يأتيُك فحذف الضمة الجزم, وبقي الياء, وحذف الياء أجود (٥)، ﴿قَالُوا تَاللَّهِ﴾ قسم ﴿لَقَدْ آَثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ جواب القسم, و ﴿عَلَيْنَا﴾ متعلق بـ ﴿آَثَرَكَ﴾ ,
стр. 305
يقال: آثره يؤثره إيثارا فهو مؤثر (١) , ويقال: أثرت التراب إثارة فأنا مثير, والأصل في أثرْتُ: أَثْيَرْتُ, نقلت حركة الياء إلى الثاء ثم قلبت الياء ألفا ثم حذفتها لسكونها وسكون الراء, ويقال أثرت الحديث على فعلت فأنا آثُره (٢) على أفعل وأنا آثر على فاعل, ﴿وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾ , ﴿إنْ﴾ بمعنى: مالي (٣) ما كنا إلا خاطئين, ﴿لَا تَثْرِيبَ عليكمُ الْيَوْمَ﴾ , ﴿تَثْرِيبَ﴾ مبني مع ﴿لَا﴾ في موضع رفع بالابتداء, ومعناه التوبيخ والتعنيف وإلزام الملامة (٤)، ﴿عليكمُ الْيَوْمَ﴾ في موضع خبر، ﴿لَا تَثْرِيبَ﴾ و ﴿عليكمُ﴾ و ﴿الْيَوْمَ﴾ متعلقان بمعنى الاستقرار (٥)،
﴿عليكمُ﴾ الخبر متعلق بمعنى الاستقرار, و ﴿الْيَوْمَ﴾ ظرف له متعلق بما تعلق به ﴿عليكمُ﴾ ويجوز أن يجعل عليكم صفة لـ ﴿تَثْرِيبَ﴾ ويكون ﴿الْيَوْمَ﴾ الخبر, ويجوز أن يكون الخبر عليكم, و ﴿الْيَوْمَ﴾ منقطع مما تقدم على طريق الاستئناف فيكون متعلقا بـ ﴿يَغْفِرُ﴾ والتقدير: يغفر الله لكم اليوم لأنه الوقت (٦) الذي يسمح بما عاملوه به, و ﴿لَكُمْ﴾ متعلق بـ ﴿يَغْفِرُ﴾ , ﴿وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ ابتداء وخبر ﴿اذْهَبُوا﴾ أمر ﴿بِقَمِيصِي﴾ هذا الباء متعلقة بـ ﴿اذْهَبُوا﴾ , و ﴿هَذَا﴾ نعت للقميص (٧) لإضافته إلى مضمر الذي هو أعرف من المبهم, ﴿فَأَلْقُوهُ﴾ عطف على فـ ﴿اذْهَبُوا﴾ , ﴿عَلَى وَجْهِ
стр. 306
أَبِي﴾ متعلق بـ ﴿فَأَلْقُوهُ﴾ , ﴿يَأْتِ﴾ جواب الأمر (١) , ﴿بَصِيرًا﴾ نصب على الحال، العامل فيها ﴿يَاتِ﴾ وهي حال من المضمر في ﴿يَاتِ﴾ , ﴿وَاتُونِي بِأَهْلِكُمْ﴾ الباء متعلقة بـ أتوني، ﴿أَجْمَعِينَ﴾ توكيد لأهلكم, القميص مذكر, فأما قوله: " تَدْعُو هَوَازِنَ وَالْقَمِيصُ مُفَاضَةٌ " (٢)، فإنما أراد في هذا بالقميص الدرع.
القولُ في القراءةِ:
قرأ ابن كثير ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾ على الخبر, والباقون على الاستفهام, لأنه لما قال لهم ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ﴾ الآية. استثبتوه فقالوا: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾ فأجابهم بأن قال: أنا يوسف. والمعنى في الخبر: لما قال لهم ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ﴾ الآية, تنبهوا فقالوا: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾ , قرأ ابن كثير في
стр. 307
رواية قنبل (١) ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ﴾ بإثبات الياء, والباقون بحذفها (٢) , فمن حذفها فللشرط, ومن أثبتها قدّر الحركة في الياء, ثم حذف الحركة, وأقر الياء كقوله (٣):
أَلَمْ يَأتِيكَ وَالأَنْبَاءُ تَنْمِي (٤)
القولُ في المعنى والتفسيرِ:
المعنى والله أعلم أن يوسف لما قال له إخوته: ﴿يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾ إلى قوله ﴿إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ أدركته الرقّة, وباح لهم بما كان يكتمهم من شأنه, هذا نحو ما روي عن ابن إسحاق (٥) والسدي (٦)، فتأويل الكلام: هل تذكرون ما فعلتم بيوسف وأخيه، إذ فرقتم بينهما وصنعتم ما صنعتم في حال جهلكم بعاقبة ما تفعلون بيوسف، وما إليه صائر أمره وأمركم؟ , وهذا يدل على أنهم كانوا صغارا في وقت أخذهم ليوسف, حتى تركوا أخاه منفردا منه.
стр. 308
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾ قال إخوة يوسف حين قال لهم ذلك يوسف: ﴿أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾ فقال: نعم ﴿أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ علينا﴾ بأن جمع بيننا بعد ما فرقتم بيننا, يقول إنه من يتق فيراقبه بأداء فرائضه واجتناب معاصيه ويصبر ويكفّ نفسه، فيحبسها عما حرَّم الله عليه من قول أو عمل عند مصيبةٍ نزلتْ به من الله, فإن الله لا يضيع ثواب إحسانه وجزاء طاعته إيَّاه فيما أمره ونهاه (١) لا يبطل ذلك. وذكر ابن إسحاق أنه لما قال لهم ذلك: ﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ﴾ الآية، كشف عنهم الغطاء فعرفوه (٢) فقالوا: ﴿أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾ , وقال مجاهد: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾ , بترك (٣) من يتقي معصية الله ويصبر على السجن (٤).
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آَثَرَكَ اللَّهُ علينا﴾ أي: قال إخوة يوسف لقد فضلك الله علينا، وآثرك بالحلم والعلم والفضل ﴿وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾ أي: وما كنا في فعلنا الذي فعلناه بك (٥)، من تفرقتنا بينك وبين أبيك وأخيك وغير ذلك من صنيعنا الذي صنعنا بك، إلا خاطئين، بمعنى:
стр. 309
مخطئين يقال: خَطِئَ فلان يَخْطَأ خَطَأ وخِطْأً وهو خاطئ وأخطأ يخطيء (١) مثل: أثم يأثم. وقال أمية بن الأسكر:
وَإنَّ مُهَاجِرَيْنِ تَكَنَّفَاهُ ... غَدَاتَئِذٍ لقَدْ خَطِئا وحَابَا (٢)
وقوله تعالى: ﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عليكمُ الْيَوْمَ﴾ أي: قال يوسف لإخوته: لا تعيير (٣) عليكم ولا إفساد لما بيني وبينكم من الحرمة وحقّ الأخوة، ولكن لكم عندي الصفح والعفو (٤).وفي الحديث" إِذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيَجْلِدْهَا، وَلا يُثَرِّبْ "أي ولا يُعَيِّرها بالزِّنا " (٥) قال سفيان (٦) وقتادة وابن إسحاق
стр. 310
قال السدي (١): قال لا أذكر لكم ذنبكم يغفر الله لكم وهذا دعاء من يوسف لإخوته بأن يغفر الله لهم ذنبهم يقول: عفا الله لكم عن ذنبكم وظلمكم لي، فستره عليكم والله أرحم الراحمين لمن تاب من ذنبه وأناب (٢).
وقولُهُ: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا﴾ ذكر أن يوسف لما عرّف نفسه إخوته، سألهم عن أبيه، فقالوا: ذهب بصره من الحزن! فعند ذلك أعطاهم قميصَه وقال لهم: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي﴾ يقول يَعُود بصيرًا, ﴿وَاتُونِي بِأَهْلِكُمْ﴾ أي: جيئوني بجميع أهلكم (٣)، وتوجيهه القميص علامة جعلها الله لشمه رائحة يوسف, وبشارة به قبل لقائه. قال الحسن والسدي في رد بصره عليه: معجزة جعلها الله, ويحكى أن يهوذا قال: أنا ذهبت بالقميص ملطخا بالدم, وأخبرته أن يوسف أكله الذئب, وأنا أذهب اليوم بالقميص فأخبره أنه حي فأفرحه كما أحزنته, فهو كان البشير (٤). وقد تضمنت الآيات البيان عما يوجبه الجهل من سلوك طريق الغي وحمل النفس على الظلم الذي يؤدي إلى الذل بعد العز, والفقر بعد الغنى, والبيان عما يوجبه صبر التقوى من إسباغ النعمة على صاحبه بما لا يهتدي لطلبه من جود الله وكرمه, والبيان عما توجبه الفضيلة من الإيثار لصاحبها ببسط يده وتمكينه وعلوه على غيره ممن لا يستحق مثل منزله, والبيان عما يوجبه الصفح عن الذنب من تطييب نفس صاحبه بأنه لا تبعة عليه فيه ولا ضرر يلحقه لأخيه, والبيان عما يوجبه منتهى الأمد في محبة الصابر من تبليغه المحنة على نهاية الأمنية.
стр. 311
القولُ في الوقفِ والتمامِ:
﴿إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ﴾ كاف (١) , ﴿قَدْ مَنَّ اللَّهُ علينا﴾ تمام (٢) عند نافع, ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾ كاف (٣)، وكذا ﴿لَخَاطِئِينَ﴾ (٤)، وقال الأخفش: ﴿لَا تَثْرِيبَ عليكمُ﴾ تمام (٥)، وقال نافع: ﴿عليكمُ الْيَوْمَ﴾ تمام (٦)، ﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ مستأنف (٧)،
стр. 312
و ﴿أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ كاف (١)، وكذا ﴿أَجْمَعِينَ﴾ (٢).
وقولُهُ :
﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ (٩٤) قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ (٩٥) فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٩٦) قَالُوا يَاأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ (٩٧) قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٩٨)﴾
﴿لما﴾ ظرف (٣) نظير ما تقدم, جوابها: ﴿قَالَ﴾ وهو العامل فيها, ﴿لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾ , ﴿لَوْلَا﴾ بمعنى هلا (٤)، ﴿أَنْ﴾ في موضع رفع بالابتداء, والخبر محذوف, تقديره: هلا تفنيدكم, بمعنى من أن أُخبركم, ما أجد مؤكدة، وأن تزاد مع لما وقد لا تزاد (٥)، وكذلك حتى، تقول: حتى كان كذا وكذا, وحتى أن كان كذا, و ﴿الْبَشِيرُ﴾ رفع بـ ﴿جَاءَ﴾ , ﴿أَلْقَاهُ﴾ جواب "لَمَّا" ﴿عَلَى وَجْهِهِ﴾ متعلق بـ ﴿أَلْقَاهُ﴾ , ﴿فَارْتَدَّ﴾ الفاء جواب ما أخبر به من إلقاء القميص, ﴿بَصِيرًا﴾ نصب على الحال من الضمير في "ارتدّ" وهو العامل في الحال, ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ﴾ الألف
стр. 313
للتقرير, ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ متعلق بـ ﴿أَعْلَمُ﴾ , ﴿مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ , ﴿مَا﴾ بمعنى الذي في موضع نصب بـ ﴿أَعْلَمُ﴾ , ﴿لَنَا﴾ متعلق بـ ﴿اسْتَغْفِرْ﴾ , ﴿ذُنُوبَنَا﴾ نصب بـ ﴿اسْتَغْفِرْ﴾ , ﴿خَاطِئِينَ﴾ خبر ﴿كُنَّا﴾ , ﴿لَكُمْ﴾ متعلق بـ ﴿اسْتَغْفِرْ﴾ , ﴿رَبِّي﴾ نصب بـ ﴿أَسْتَغْفِرُ﴾ , ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ يجوز أن يكون ﴿هُوَ﴾ فاصلة (١)، ويجوز أن يكون مبتدأه, وأن يكون توكيداً للفاء (٢)، وقد تقدم مثله.
القولُ في المعنى والتفسيرِ:
المعنى والله أعلم: ولما فصلت عير بني يعقوب من عند يوسف متوجهة إلى يعقوب، قال أبوهم يعقوب: ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾. ذُكر أن الريح استأذنت ربها في أن تأتي يعقوب بريح يوسف, قبل أن يأتيه البشير (٣)، فأذن لها، فأتته بها. قال ابن عباس (٤): هاجت بريح يوسف من مسيرة ثمان ليالٍ, وقال الحسن (٥): بلغنا أنه كان بينهم يومئذ ثمانون فرسخًا، وقال إني لأجد ريح يوسف, وكان قد فارقه قبل ذلك سبعًا وسبعين سنة, وهو معنى قول ابن إسحاق (٦). وقولُهُ: ﴿لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾ بمعنى: لولا أن تضعفوني،
стр. 314
وتعجزوني، وتلوموني، وتكذبوني (١)، ومنه قول الشاعر (٢):
يا صَاحِبَيَّ دَعَا لَوْمِي وَتَفْنِيدِي ... (٣) فَلَيْسَ مَا فَاتَ مِنْ أَمْرِي (٤) بمَرْدُودِ
ويقال: أفنده الدهر أي: أفسده وقال ابن مقبل:
دَعِ الدَّهْرَ يَفْعَلُ مَا أَرَادَ فإنّه (٥) ... إِذا كُلِّفَ الإنسان بالدهر أَفْنَدا (٦)
والمعنى: لولا أن تسفهوني: عن ابن عباس (٧). وقال الحسن (٨)، ومجاهد (٩): تهرمون. وقيل: تكذبون عن الضحاك (١٠) ,
стр. 315
وقال جرير بن عطية (١):
يا عَاذِليَّ دَعَا المَلامَ وأَقْصِرَا ... طَالَ الهَوَى وأَطَلْتُما التَّفْنيدا (٢)
أي: إفساد الرأي, والفساد في الجسم: الهرم وذهاب الفعل والضعف, وفي الفعل: الكذب واللوم بالباطل, كما قال جرير بن عطية. وقوله تعالى: ﴿تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾ أي: قال الذين قال لهم يعقوب من ولده ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾: تالله أيها الرجل، إنك من حبّ يوسف (٣) وذِكْره, لفي خطئك ذلك القديم (٤) لا تنساه، ولا تتسلى عنه (٥) وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا﴾ أي: فلما أن جاء يعقوبَ البشيرُ من عند ابنه يوسف، وهو المبشّر برسالة يوسف، وذلك بريدٌ فيما ذكر، كان يوسف أبردَهُ إليه (٦)، وكان البريد فيما ذكر
стр. 316
والبشير: يهوذا بن يعقوب (١)، أخا يوسف لأبيه, قال ابن عباس (٢): البشير البريد, وهو قول الضحاك (٣) ومجاهد (٤)،
قال السدي (٥): قال يهوذا: أنا ذهبتُ بالقميص، ملطّخًا بالدم إلى يعقوب, فأخبرته أن يوسف أكله الذئب، وأنا أذهب اليوم بالقميص فأخبره أنه حيٌّ, فأفرحه كما أحزنته (٦). وقولُهُ: ﴿أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ﴾ يقول: البشير ألقى القميص على وجه يعقوب. وقولُهُ: ﴿فَارْتَدَّ بَصِيرًا﴾ أي: فرجع وعادَ مبصرًا بعينيه، بعد ما كان قد عمي, قَالَ ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي: قال يعقوب لمن كان بحضرته حينئذ من ولده: ألم أقل لكم أنه سيردّ عليّ يوسف، ويجمع بيني وبينه، وكنتم أنتم لا تعلمون من ذلك ما كنت أعلمه، لأن رؤيا يوسف كانت صادقة، وكان الله قد قضى أن أخِرَّ أنا وأنتم له سجودًا، فكنت مُوقنًا بقضائه (٧).
وقوله تعالى: ﴿يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ﴾ أي: قال ولد يعقوبَ الذين كانوا فرَّقوا بينه وبين يوسف: يا أبانا سل لنا ربك يعفُ عنَّا، ويستر علينا ذنوبنا التي أذنبناها فيك وفي يوسف، ولا يعاقبنا بها في القيامة، ﴿إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ﴾ فيما فعلنا به وبك, فقد اعترفنا بذنوبنا، قال يعقوب: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ أي: سوف أسأل ربي أن يعفو عنكم ذنوبكم التي أذنبتموها
стр. 317
فيّ وفي يوسف (١)، واختُلف في الوقت الذي أخَّر الدعاء إليه يعقوبُ لولده بالاستغفار لهم من ذنبهم, فقال ابن مسعود وإبراهيم التيمي (٢)
وابن جريج: إلى السَّحر (٣) , وقال آخرون: أخر ذلك إلى ليلة الجمعة, روى عكرمة عن ابن عباس عن رسول الله ﷺ : ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ يقول: حتى تأتي ليلة الجمعة (٤).
стр. 318
وقولُهُ: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ يقول: إن ربي هو الستير على ذنوب التائبين إليه من ذنوبهم, الرحيم بهم أن يعذبهم بها بعد توبتهم منها (١).
وقد تضمنت الآيات البيان عما توجبه المحبة من تنسم الرائحة طلبا للفرج من جهتها ورد الصارف عنها, والبيان عما يوجبه استبعاد الشيء من نسبه لصاحبه إلى الطمع فيه مع طول مدته التي توجب اليأس, والبيان عما يوجبه تمام النعمة في البشارة بتبليغ المحبة في الولد من رد البصر بعد ذهابه تفضلاً من الله به ومعجزة تدل على نبوة صاحبه وجلالته عند ربه, والبيان عما يوجبه قبح الخطيئة في الفعل من طلب الاستغفار بما يزيل معرتها عن النفس ويسقط التَّبِعة بالضر إلى الفوز بالنفع الذي يكون من قبل الله , والبيان عما توجبه حاجة السائل بما يجوز في الحكمة من العِدَة به لما في ذلك من الإحسان إلى صاحبه والأخذ بالفضل عليه.
القولُ في الوقفِ والتمامِ
﴿لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾ كاف (٢)، وكذا ﴿ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾ (٣)، ﴿فَارْتَدَّ بَصِيرًا﴾ كاف (٤)، وكذا ﴿مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٥)، ﴿خَاطِئِينَ﴾
стр. 319
حسن (١)، وكذا ﴿الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (٢).
وقولُهُ :
﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (٩٩) وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (١٠٠) رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١) ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (١٠٢) وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣)﴾
﴿إِلَيْهِ﴾ متعلق بـ ﴿آَوَى﴾ , ﴿أَبَوَيْهِ﴾ نصب بـ ﴿آَوَى﴾ , و ﴿مِصْرَ﴾ نصب بـ ﴿ادْخُلُوا﴾ وهي لا تنصرف فلم ينون (٣)، ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ شرط يجوز أن يكون ماتقدم جوابه (٤)، ويجوز أن يكون محذوفا, و ﴿آَمِنِينَ﴾ نصب على الحال من الضمير في ﴿ادْخُلُوا﴾ , و ﴿أَبَوَيْهِ﴾ نصب بـ"رفع", و ﴿عَلَى﴾ متعلق بـ"رفع", ﴿وَخَرُّوا﴾ معطوف على "رفع", و ﴿لَهُ﴾ متعلق بـ "خروا", ﴿سُجَّدًا﴾ نصب على الحال من الضمير في خروا (٥) , و ﴿لَهُ﴾ متعلقة بـ "خروا", والهاء تعود
стр. 320
على يوسف (١)، يقال: خرّ الرجل خروراً إذا سقط, وخرّ الماء خريراً إذا جاء صوت جريه (٢)، ﴿هَذَا تَاوِيلُ رُؤْيَايَ﴾ ابتداء وخبر, ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ غاية و ﴿مِنْ﴾ متعلقة بـ ﴿تَاوِيلُ رُؤْيَايَ﴾ والهاء والألف مفعول ﴿جَعَلَهَا﴾ وهما عائدتان على الرؤيا, و ﴿حَقًّا﴾ مفعول ثاني, و ﴿إِذْ أَخْرَجَنِي﴾ ظرف العامل فيه ﴿أحسن﴾ , ﴿مِنَ السِّجْنِ﴾ , ﴿مِنَ﴾ متعلقة بـ ﴿أَخْرَجَنِي﴾ , ﴿وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ﴾ حرفا الجر متعلقان بـ جاء, و ﴿مِنْ بعد﴾ (٣)
معطوف على الأولى, ﴿أَنْ نَزَغَ﴾ , ﴿أَنْ﴾ في موضع جر بإضافة ﴿بعد﴾ إليها, ﴿بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾ ظرفان معطوف أحدهما على الآخر, العامل فيهما ﴿نَزَغَ﴾ , ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ﴾ اللام في ﴿لِمَا﴾ متعلقة بـ ﴿لَطِيفٌ﴾ وما بمعنى الذي, ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ نظير ما تقدم, ﴿مِنَ الْمُلْكِ﴾ متعلق بـ ﴿آَتَيْتَنِي﴾ , ﴿وَعَلَّمْتَنِي﴾ معطوف على ﴿آَتَيْتَنِي﴾ , ﴿فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ﴾ نداء مضاف (٤) , ﴿أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ﴾ ابتداء وخبر, و ﴿فِي﴾ متعلقة بـ ﴿وَلِيِّي﴾ , ﴿تَوَفَّنِي﴾ سؤال وطلب (٥)