← Тафсир

Тафсир · id 14114

البرهان في علوم القرآن للإمام الحوفي - سورة يوسف

الحوفي

Полный текст (397 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الواو في آخرها فاء، هذه النسبة إلى حوف. قال ابن خلكان: والحوفى نسبة لناحية بِمِصْرَ يقال لها الشرقية، وَقَصَبَتُهَا مَدِينَةُ بُلْبَيْسَ، فجميع ريفها يُسمُّون "حوف"، واحدهم حوفي-وهو- ﵀-من قرية يقال لها: "شبرا النخلة" من أعمال الشرقية المذكورة. يستبنط من هذا كله، أن شبرا النخلة قرية من قرى مركز بلبيس، وهي موجودة إلى الآن، وهي القرية التي أجمعت المصادر أن الحوفي ولد بها، فلا عبرة لمن التبس عليه اسم القرية فقد حدث تصحيف، وتحريف عند من ترجم له، وذُكر أن اسم القرية التي ولد بها الحوفي "شبرا النخلة" من أعمال بلبيس. وكانت بلبيس قاعدة الحوف الشرقي أيام العرب، ثم قاعدة الأعمال الشرقية، من أيام الدولة الفاطمية إلى آخر عهد الحكم الجركسي، ثم قاعدةَ ولاية الشرقية، إلى سنة ١٨٣٢ م، وفي تلك السنة أصدر محمد علي باشا-والي مصر أمرا بنقل ديوان المديرية والمصالح الأميرية الأخرى إلى مدينة الزقازيق، لتوسطها بين بلاد المديرية، وبذلك أصبحت بلبيس قاعدة لقسم بلبيس، الذي أنشئ فيها بدلا من ديوان المديرية من تلك السنة سنة: ١٨٧١ م- مسمى مركز بلبيس (١) ثالثا: لقبه: بعض المراجع ذكرت لنا لقبا مقرونا باسمه وهو "الإمام" ومنهم من قال: المقرئ ومنهم من لقبه بالإمام المقرئ، ومنهم من قال: الإمام المقرئ النحوي إذ أن القارئ لكتابه [البرهان في علوم القرآن]. يجد فيه كثرة اهتمامه بالقراءات، والنحو فلا يشك أنه إمام في العلم، ومشارك في القراءات، نحوي حاذق، فحق له أن يلقب بالإمام".

стр. 37

رابعا: كنيته: ذكر كثير من المؤرخين أن الإمام الحَوفي يكنى بأبي الحسن، وهذه الكنية إما لكون أكبر أولاده اسمه الحسن، ولكني لم أجد دليلا على هذا، ولم أجد أحدا يحدث عن زواجه، وأولاده، وأسرته، ولم أعثر على هذا كله، وإما لكون اسمه عليا، وهذا هو ما أرجحه، لأن مناداة من اسمه- علي- بأبي الحسن عادةٌ إسلامية تيمنا بالخليفة الرابع علي بن أبي طالب، أبي الحسن، ﵁ (١). خامسا: مولده: لم أعرف عن ميلاد الإمام الحَوفي تحديدا دقيقا، إلا أنه ولد بقرية من قرى حوف يقال لها "شُبْرَا النخلة" قرب بلبيس ولم يذكر أحد من المؤرخين سنة ميلاده، كما لم يذكر عمره، حين وفاته، ولكن بمقارنة بسيطة أستطيع أن أحدد زمنا تقريبيا لميلاد شيخنا-الإمام الحَوفي-حيث إن المراجع اتفقت على أنه تتلمذ على يد ابن رشيق (٢)، وقد أجمعت المصادر على أن ابن رشيق توفي سنة سبعين وثلاثمائة، وكذلك أجمعت المصادر على أن الحوفي هو تلميذ الأدفوي، الذي توفي سنة ٣٨٨ هـ، ورحيل الحوفي إلى القاهرة لتلقي العلم لا يكون إلا بعد إكمال نضجه، وهذه كعادة أهل الريف في مصر. وعلى هذا فيكون الأرجح أن تاريخ مولده في بداية النصف الثاني من القرن الرابع الهجري، وعلى الرغم مما حققته شخصية الحوفي من مجد علمي، ومن عطاء أدبي وافر، شهدت به المصادر فإن التاريخ لم يحفظ لنا من حياته الشخصية شيئا يذكر، ولم نعثر في تراجمه العديدة إلا على النذر اليسير

стр. 38

من الكلمات تناقلتها المصادر دون أن تضيف إليها جديدا، ولعل السبب يرجع إلى العصر الفاطمي، الذي وقف عائقا أمام علماء السنة- فالله المستعان، وحسبنا الله، ونعم الوكيل.

стр. 39

المطلب الثاني موطنه، ونشأته، وطلبه للعلم تقدم الكلام في نسبته، إلى أن شيخنا، من منطقة بلبيس، وأن الحوف هو ريف المنطقة، وأنه من قرية يقال: "شُبْرَا النخلة"، ومن هنا أستطيع أن أقول: أنه نشأ في طفولته في منطقة ريفية. ولقد تعلم القرآن في قريته ومبادئ العلوم على أيدي مشايخ بلبيس، ثم رحل إلى القاهرة واستوطن بها وطلب العلم على أيدي علمائها الأجلاء. ثم رحل إلى المغرب، وأخذ العلم عن شيوخ المغرب ثم عاد إلى مصر مسقط رأسه مرة أخرى، وظل يطلب العلم على أيدي مشايخها، حتى صار عالما، حيث كتب وصنف مصنفات عديدة (١). وهذا كله دليل واضح أن طلاب العلم في تلك الأزمنة السيئة من الناحية السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، لم يمنعهم ذلك من طلب العلم والرحلة في سبيل تحصيله، وكانوا لا يَرْضَوْنَ بالمقام بين علماء بلد واحد، بل لا بد أن يعددوا مشاربهم دون الاقتصار على عالم معين، لأنهم لا يريدون إلا علما واسعا حرا غير محتكر حتى لا يتأثروا برأي دون رأي إلا إذا كان أرجح عن دليل، وهم غير ملزمين بكتاب دون آخر، وهذا في نظري هو السر في تفوق علمائنا القدامى-والله تعالى أعلى وأعلم.

стр. 40

المطلب الثالث: شيوخه . شيوخه كثيرون، أذكر أشهرهم على النحو التالي: أولا: ابن رشيق: وهو الحسن بن رشيق، الإمام المحدث، مسند بلده، أبو محمد العسكري المصري المعدل (١)، ولد سنة ثلاث وثمانين ومائتين، حدث عن أبي عبد الرحمن النسائي، وأحمد بن زغبة، ومحمد بن عثمان بن سعيد السراج، وخلق كثير. روى عنه الدارقطني، وابن الطحان، ومحمد بن الحسين الطفال، وكان إلى جانب علمه بالحديث عالما بالعربية والقراءات، توفي سنة سبعين وثلاثمائة من الهجرة (٢). ثانيا: الأدفوي: هو محمد بن علي بن أحمد الإمام أبو بكر الأُدْفُوي المصري-المقرئ النحوي المفسر، ولد سنة أربع وثلاثمائة، "بأُدْفُو"، اسم قرية بصعيد مصر الأعلى، بين أسوان وقوص مما يلي "أسوان"، قرأ القرآن على أبي غانم-المظفر بن أحمد بن حمدان (٣)، ولزم أبا جعفر النحاس، وروى عنه كتبه، وتتلمذ عليه الإمام الحَوفي، وعبد الجبار بن أحمد الطرسوسي، وعتبة بن عبد الملك، وأبو الفضل الخزاعي.

стр. 41

قال عنه الذهبي: وسمع الحروف من أحمد بن إبراهيم بن جامع، ومن سعيد بن السكن. ولزم أبا جعفر النحاس، وحمل عنه كتبه، وبرع في علوم القرآن، وكان سيد أهل عصره بمصر. قال أبو عمرو الداني: انفرد أبو بكر بالإمامة في وقته، في قراءة نافع مع سعة علمه، وبراعة فهمه، وصدق لهجته، وتمكنه من علم العربية، وبصره بالمعاني. روى عنه القراءة جماعة من الأكابر، منهم محمد بن الحسين بن النعمان، وشيخنا الحسن بن سليمان، وعاش ثلاثا وثمانين سنة- قلت: أي "الذهبي": له كتاب التفسير، واسمه: الاستغناء في علوم القرآن في مائة وعشرين مجلدا، موجود بالقاهرة. توفي سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة (١). قال الرشيد العطار في نزهة الناظر (ص: ٣٩) ... أخبرنا أبو الحسن علي بن إبراهيم بن سعيد الحوفي النحوي، أخبرنا أبو بكر محمد بن علي بن أحمد الأدفوي قال: قال أبو جعفر أحمد بن محمد بن إسماعيل الصفار: قرئ على أبي القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز عن أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل، حدثنا يونس بن محمد، حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : ((كُلُّ مسكرٍ خمرٌ وَكُلُّ مسكرٍ حرامٌ)). ثالثا: ابن حيوية النيسابوري: هو محمد بن عبد الله بن زكريا بن يحيى ويلقب يحيى حيوية أبو الحسن النيسابوري، قال ابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٣/ ٣٤٥): قال ابن ماكولا: كان ثقة نبيلًا، وذكر أبو نصر الوائلي أنه ثقة ثبت شافعي المذهب. وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء ط الرسالة (١٦/ ١٦٠): الشيخ، الإمام، المعمر، الفقيه، الفرضي، القاضي.

стр. 42

ومن حديثه ما رواه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد، ت، بشار (٣/ ٤٠٥) قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن إبراهيم بن سعيد الحوفي في كتابه إلينا من مصر، قال: أخبرنا محمد بن عبد الله بن زكريا النيسابوري، قال: أخبرنا أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي، قال: أخبرنا حميد بن مسعدة، عن سفيان، عن حبيب بن الشهيد، عن ميمون بن مهران، عن يزيد بن الأصم، أن رسول الله، ﷺ : " تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ ". وقال القفطي في إنباه الرواة (٢/ ٢٢٠): أنبأنا أبو طاهر السّلفىّ الأصبهانىّ نزيل الإسكندرية، أخبرنا الشيخ أبو بكر عتيق بن على بن مكى السّمسطاوىّ النيدىّ «٣» بالإسكندرية، أخبرنا أبو العباس أحمد بن إبراهيم الرازىّ، أخبرنا على بن إبراهيم بن سعيد النحوىّ حدّثنا محمد بن عبد الله النيسابورىّ، حدّثنا أحمد بن شعيب الشيبانى، أخبرنا إسحاق بن منصور، أخبرنا عبد الرحمن عن مالك عن ابن شهاب عن أبى إدريس الخولانى عن أبى هريرة أن النبى ﷺ قال:"مَنْ تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْثِرْ وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوْتِرْ". وقال القضاعي في مسند الشهاب (٢/ ١٤٣) أنا أبو الحسن علي بن إبراهيم بن سعيد الحوفي، نا أبو الحسن، محمد بن عبد الله بن زكريا النيسابوري، نا أحمد بن شعيب النسائي، نا سعيد بن عبد الرحمن، نا سفيان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، أن رهطا، من اليهود دخلوا على رسول الله ﷺ ، وساقت الحديث، وقالت: قال النبي ﷺ : «يَا عَائِشَةُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ».

стр. 43

المطلب الرابع: تلاميذه تتلمذ على الإمام الحَوفي-﵀-كثير من أهل العلم في عصره، وأخذوا عنه النحو، والقراءات، واللغة، وغير ذلك من العلوم، ولكن لم يذكر أحد من الذين ترجموا له، أحدا من هؤلاء، ولم يزيدوا على أن قالوا: انتفع به أهل مصر وتخرجوا به في النحو (١) أو اشتغل خلق كثير وانتفعوا به (٢) أو: تصدر لإفادة الناس منه أو أن المصريين يشتغلون بمصنفاته (٣)، ومن تلاميذه: ١ - حسين بن عيسى بن حسين الكلبي: قاضي مالقة، يكنى: أبا علي، ويعرف: بحسون. روى بالمشرق عن أبي الحسن علي بن إبراهيم النحوي الحوفي، وأبي ذر الهروي وغيرهما. وكان فقيه مالقة وكبيرها، وأصله من جراوة. وكان أبو ذر إذا سئل بحضرته أحال عليه في الجواب حدث عنه أبو المطرف الشعبي، وأبو عبد الله بن خليفة وغيرهما. وتوفي في صدر سنة ثلاثٍ وخمسين وأربع مائة. قال الشعبي: وكان فقيها في المسائل حافظا لها، عالما بأصولها ونظائرها ما رأيت مثله في علمه بها (٤). ٢ - عبد الرحمن بن محمد بن عيسى بن عبد الرحمن: يعرف: بابن الحشا، قاضي طليطلة، وأصله من قرطبة: يكنى: أبا زيد. روى بالمشرق عن أبي ذر الهروي بمكة، وأبي الحسن محمد بن علي بن صخر، وأحمد بن علي الكسائي، وعبد الحق بن هارون الصقلي، وعبد الله بن يونس التونسي. وروى

стр. 44

بمصر، عن أبي القاسم عبد الملك بن الحسن القمي، وأبي الحسن علي بن إبراهيم الحوفي، وأبي الفضل مسلم بن علي، وبالقيروان عن أبي عمران الفاسيّ الفقيه، ومحمد بن عباس الخواص، ومحمد بن منصور جيكان، وغيرهم. توفي بها سنة ثلاثٍ وسبعين وأربع مئة، ذكر تاريخ وفاته ابن مدير (١). ٣ - عبد الوهاب بن محمد بن عبد الوهاب بن عبد القدوس الأنصاري، كذا قرأت نسبه بخط الخطيب بالمسجد الجامع بقرطبة، يكنى: أبا القاسم. وأصله من أشونة، ورحل إلى المشرق فحج وسمع بمكة: من أبي بكر محمد بن علي المطوعي وغيره. وسمع بدمشق: من أبي الحسن السمسار، وقرأ بها القراءات على أبي علي الحسن بن إبراهيم الأهوازي، وسمع بحران: من أبي القاسم الزيدي الشريف. وبمصر: من أبي الحسن الحوفي، ومن أبي العباس بن نفيس، وبمَيَّافَارقِين: من أبي عبد الله محمد بن أحمد الفاسي وغير هؤلاء. وكان: من جلة المقرئين، ومن الخطباء الحفاظ المجودين، عارفا بالقراءات وطرقها، حسن الضبط لها، وكانت الرحلة في وقته إليه، وتوفي- ﵀ في ذي القعدة لليلتين خلتا من الشهر، سنة اثنتين وستين وأربع مئة. ودفن بمقبرة ابن عباس، ومولده سنة ثلاث وأربع مئة (٢). ٤ - أبو عبد الله الإلبيري الكاتب بمصر في جامع عمرو بن العاص، لقيه أبو علي الصدفي هنالك وسمع منه بعض معاني القرآن لابن النحاس، حدثنا بها عن أبي الحسن الحوفي عن أبي بكر الأدفوي عنه (٣).

стр. 45

٥ - عبد العزيز بن أحمد بن السيد بن مُغَلِّسٍ - أبو محمد الأندلسي اللغوي النحوي، نزيل مصر. قرأ على: صاعد بن الحسن الرَّبعِيّ، ودخل بغداد، وكان بينه وبين إسماعيل بن خَلَف، مصنَّف «العُنْوان» معارضات في قصائد موجودة في ديوانيهما. تُوُفّي في جُمَادَى الأولى، وصلّى عليه ابن إبراهيم الحوفيّ، صاحب «التّفسير» (١). ٦ - أسد بن أبي الطاهر أبو الوحش الدمياطي، اللَّخميّ. توفي في ربيع الآخر، وله بضع وسبعون سنة. روى عن: جَلْدَك التَّقَويّ (٢). سمع منه: الدمياطي، والشريف عز الدين، وغيرهما. أخبرني محمود العقيلي، عن الدمياطي، عن أسد اللَّخميّ، عن نعمة بن سالم، عن قاسم بن إبراهيم، عن عبد الكريم بن الحسن التّكَكيِّ، عن علي بن الحسن، عن علي بن إبراهيم الحوفي، عن محمد بن علي الأُدْفُوي، عن أبي جعفر بن النحاس، عن النسائي، عن قتيبة، عن مالك، عن ابن شهاب، عن أنس:" أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ وَعَلَيْهِ الْمِغْفَرُ" (٣) رواه مسلم، عن قتيبة.

стр. 46

المطلب الخامس: بعض معاصريه، وأقرانه سأذكر إن شاء الله تعالى بعض معاصريه، وأقرانه على النحو التالي: أولا: إسماعيل بن خلف بن سعيد بن عمران، أبو طاهر الصقلي الأندلسي، النحوي المقرئ، قال ابن خلكان: كان إماما في علوم الآداب، متقنا لفن القراءات، صنف العنوان في القراءات، واختصر الحجة للفارسي، وانتفع به الناس، ومات يوم الأحد مستهل المحرم سنة خمس وخمسين وأربعمائة- وقال ياقوت: هو صاحب علي بن إبراهيم الحوفي. صنف إعراب القرآن، تسع مجلدات (١). ثانيا: أبو محمد مكي بن أبي طالب بن حَمّوش بن محمد بن مختار, القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي, إمام علامة محقق، عارف أستاذ القرّاء والمجودين، من تصانيفه: الهداية إلى بلوغ النهاية، والكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها وحججها، وإعراب القرآن، والموجز في القراءات السبع، والإيضاح بناسخ القرآن ومنسوخه، ومن شيوخه في مصر: محمد بن علي أبوبكر الأُدْفُوي. ولد بمدينة القيروان لسبع بقين من شعبان سنة خمس وخمسين وثلاثمائة وتوفي سنة سبع وثلاثين وأربعمائة (٢). ثالثا: ابن بَابْشَاذَ أبو الحسن طاهر بن أحمد الْمِصْرِيُّ، الْجَوْهَرِيُّ ومن تصانيفه: شرح الجمل، وتعليقه في النحو نحو خمسة عشر مجلدا، والمقدمة في النحو وشرحها. توفي سنة تسع وستين وأربعمائة (٣).

стр. 47

رابعا: عبد الواحد بن علي بن برهان، أبو القاسم العُكبَرِي النحوي كان من العلماء القائمين بعلوم كثيرة، منها النحو، واللغة، ومعرفة النسب، وأخبار المتقدمين. توفي سنة ست وخمسين وأربعمائة (١). خامسا: الذاكر النحوي المصري، هو نحوي مشهور كثير التفنن فيه، أخذ عن ابن جني، واستوطن مصر، وأفاد بها، وتصدر لإقراء هذا الشأن: عاش الذاكر إلى سنة أربعين وأربعمائة، ومات بمصر زمن المستنصر (٢). سادسا: محمد بن الحسن بن علي الطوسي، هو مفسر، نعته السبكي بفقيه الشيعة ومصنفهم. انتقل من خراسان إلى بغداد سنة ثمان وأربعمائة وأقام أربعين سنة ورحل إلى الغري بالنجف فاستقر إلى أن توفي. ومن تصانيفه: الإيجاز في الفرائض، والجمل والعقود في العبادات، والتبيان الجامع لعلوم القرآن، والاقتصاد في العقائد والعبادات، ولد سنة خمس وثمانين وثلاثمائة، وتوفي بالكوفة سنة ستين وأربعمائة (٣).

стр. 48

المطلب السادس: عقيدته، ومذهبه الفقهي صرح من سبقني في تحقيق أجزاء من تفسير الإمام الحَوفي، بأن الإمام الحَوفي من أهل السنة والجماعة، إلا أنهم لم يتوصلوا إلى معرفة مذهب فقهي له، قال الأندونيسي: ولكني بعون الله توصلت إلى أنه مالكي المذهب بل إنه متعصب (١) لمذهب مالك-﵀ فقد أكثر النقل من المدونة الكبرى، والدليل على ذلك أنه يقول: قال الإمام مالك في المسافر يؤم: أرى أن يعيدوا جميعا وحكى ابن القاسم عنه أنه قال: يعيد ما كان في الوقت فإذا زال الوقت فلا إعادة عليه (٢) إلى غير ذلك من المسائل الموجودة في التحقيق (٣) قلت: ومما دفعني لمعرفة مذهبه الفقهي من مصادر أخرى، لأن سورة يوسف-عليه السالام- لم يتناول المصنف-رحمه الله تعالى- فيها بحثاً واحداً في المسائل الفقهية من عبادات، ومعاملات، ليُعرف من خلالها مذهبه الفقهي.

стр. 49

المطلب السابع: مذهبه النحوي من خلال دراستي لآراء الإمام الحَوفي النحوية وجدته حر التفكير، وحر الاختيار، يأخذ من المذهب، ولا يلتزم به، ويقول برأيه دون تعصب، فقد كان يأخذ من مذهب البصريين كثيرا، ولكنه لم يكن متعصبا، ويأخذ من مذهب الكوفيين أحيانا، ولم يتبعهم، ولم يسر في ركابهم، وهذه في الحقيقة سمات المذهب البغدادي (١)، أي أن مذهب شيخنا الإمام الحَوفي، بغدادي بمفهوم عام، وإن كان ميله مع البصريين. ومن الأمثلة التي تدل على أنه أيد البصريين كثيرا، ورد على الكوفيين، قوله عند تفسير قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا﴾:" ﴿ذَلِكَ﴾ رفع بالابتداء, ﴿مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ الخبر متعلق بمعنى الاستقرار, و ﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى ما تقدم مما أخبر به , ﴿عَلَيْنَا﴾ متعلق بـ ﴿فَضْلِ اللَّهِ﴾ , ﴿وَعَلَى النَّاسِ﴾ , ﴿النَّاسِ﴾ عطف على النون والألف بإعادة الخافض, لأن المضمر لا يعطف عليه إلا بإعادة العامل (وهذا على مذهب سيبويه والجمهور وأمَّا الكوفيون فاحتجوا بجواز العطف على الضمير المجرور دون إعادة العامل لوروده في القرآن ومنه قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذي تَسَاءَلُونَ به وَالْأَرْحَامِ﴾ (٢) بالخفض، وهي قراءة أحد القراء السبعة، وهو حمزة الزَّيَّات".

стр. 50

والأدلة على هذا من كلامه أنه أعرب الآية وفق قول البصريين، وصدر كلامه بالنقل عن سيبويه وعنهم، وجعله مذهب الجمهور ضمناً. ثم أورد رأي الكوفيين بعد ذلك. (١). وكذلك قوله عند تفسير قوله تعالى: ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾: " ﴿فَيَكِيدُوا﴾ , الفاء جواب النهي فلذا نصب بها ﴿فَيَكِيدُوا﴾ وحذفت النون علامة النصب, ﴿لَكَ﴾ متعلق بـ "يكيدوا"، (والنصب بأن مضمرة بعد فاء السببية المعتمدة على النهي والنفي وما في معناهما هو مذهب البصريين (٢)). والأمثلة على ذلك من كتابه كثيرة جدا فلا داعي لذكرها. ومن الأمثلة التي تدل على أنه كان يذهب مذهب الكوفيين أحيانا قوله عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِين﴾ " ﴿إِنْ﴾ بمعنى ما, على تقدير: وإن كنت من قبله إلا غافلا, ويجوز أن تكون إن شرطا أي: إن كنت من الغافلين عن قصة يوسف وإخوته, حتى أتيناك بها ودللناك عليها, ولم تكن تهتدي لها". وهذا الذي رجحه هو مذهب الكوفيين (٣).

стр. 51

وكذلك قوله عند تفسير قوله تعالى: ﴿حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾ " ﴿حَتَّى﴾ غاية ناصبة لـ ﴿تُؤْتُونِ﴾ , وعلامة النصب: حذف النون, والنون الموجودة مزيدة مع ياء النفس (١) , قلتُ: والمشهور عند النحاة أن البصريين يقولون: إنَّ "حتى" لا تنصب بنفسها بل تنصب بـ"أن" مضمرة بعدها" (٢). وكذلك قوله في تفسير قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾: " ﴿ذَلِكَ﴾ رفع بالابتداء, ﴿لِيَعْلَمَ﴾ نصب بلام كي, وهي متعلقة بفعل محذوف تقديره ردي الرسول ليعلم، واللام وما عمل فيها خبر ﴿ذَلِكَ﴾ " (٣). وقوله أيضا عند تفسير قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾: " ﴿أَفْتُونِي﴾ وألفه ألف قطع, ﴿إِنْ كُنْتُمْ﴾ , ﴿إِنْ﴾ حرف شرط, ﴿لِلرُّؤْيَا

стр. 52

تَعْبُرُونَ﴾ اللام متعلقة بـ ﴿تَعْبُرُونَ﴾ وجاز دخول اللام مع تعدي الفعل لتقدمها، وجواب الشرط ما تقدم (١).

стр. 53

المطلب الثامن: أخلاقه، ومكانته العلمية، وأقوال العلماء فيه . أخلاقه: قبل أن يقرأ أي إنسان عن أخلاق هذا العالم الجليل، أو يسمع الثناء عليه يجب أن يفكر في حال عالم معتز بعلمه، لا يتكفف أبواب الحكام، وهذا الموقف وحده كاف للشهادة بأن الرجل ملتزم بدينه، ومبادئه، لم يغيرها ولم تستهوه الأهواء والبدع في عصره, وقد وصفه المترجمون أنه أوحد زمانه، أو النحوي الأوحد، ثم إننا نجد بعد ذلك من خلال مؤلفه الذي بين أيدينا أنه يلتزم حسن الأدب مع العلماء الكبار، وتظهر أخلاقه العالية حينما يتكلم عنهم. قال الإندونيسي: إلا أنه في بعض الأحيان تأخذه العصبية المذهبية (١) فيهاجم الحنفية ويصفهم بأهل الرأي، وهذا في رأيي لا يؤثر كثيرا على شخصيته لأن هذا من طبائع البشر. مكانته العلمية: وصل إلى رتبة الإمامة في النحو، وتصدر لتدريس العربية وأصبح أهل مصر يأخذون عنه في اللغة العربية، والتفسير، حتى صارت مؤلفاته الشغل الشاغل للعلماء في عصره. وقال صاحب إنباه الرواة (٢): تصدر لإفادة هذا الشأن-أي النحو-وصنف في النحو مصنفاً كبيراً عني به النحويون، استوفى فيه العلل، والأصول، وصنف فيه، مصنفات رأيت المصريين يشتغلون بها، وصنف تصنيفا كبيرا في إعراب القرآن، أبدع فيه، يتنافس العلماء هناك في تحصيله، وسمعت أن أحد المشتهرين بهذا النوع، ابتاع منه نسخة بمصر، في عشر مجلدات، وأحضرها إلى مدينته بالشام، وهو غير عالم بقدرها، ولا عارف بمصنفها، ولما تنبه إلى جلالتها اشتد حفظه لها، وضَنَّه بها، وادخرها لولده.

стр. 54

وقال ابن العماد (١): وتلميذ الأدفوي، انتفع به أهل مصر وتخرجوا به في النحو وهذا ما قاله أيضا الذهبي (٢). ويؤكد هذا الكلام ابن خلكان (٣) حيث يقول: اشتغل عليه خلق كثير وانتفعوا به، ورأيت خطه على كثير من كتب الأدب قد قرئت عليه، وكتب لأربابها بالقراءة كما جرت عادة المشايخ. أقوال العلماء عليه: ولقد أثنى عليه الذين ترجموا له (٤) فقد قال الداودي في طبقات المفسرين: إنه النحوي الأوحد (٥) ثم أثنى على مصنفاته، وبخاصة تفسير الإمام الحَوفي في تفسير القرآن. وهذا ما قاله أيضا السيوطي: في طبقات المفسرين (٦)، كما أثنى عليه في بغية الوعاة: ووصفه بالنحوي القارئ المفسر (٧) وقال عنه صاحب إنباه الرواة (٨): هو عالم فاضل عالم بالنحو، والتفسير قيم بعلل العربية أتم قيام. وهكذا أثنى عليه جميع الذين ترجموا له كما رأينا.

стр. 55

المطلب التاسع: ثقافته ومصنفاته ثقافته: والناظر في هذا الكتاب، يتأكد تماما أن ثقافة شيخنا الإمام الحَوفي تحمل عبئا بالغا وجهدا كبيرا في تأليفها. ولديه كتب من سبقه وكأنها مفتوحة أمامه ينقل منها ما شاء، كلها من أعظم التصانيف المعتمدة حتى يومنا هذا، كتفسير الطبري، وكتاب سيبويه، ومعاني القرآن للفراء، والمدونة الكبرى، وإعراب القرآن للنحاس، كما له اطلاع واسع في الحديث النبوي الشريف، والأدب، والشعر، وغير ذلك. مصنفاته: ذكر أصحاب التراجم أن مصنفاته كثيرة، منها الصغير، والكبير، وأن علماء مصر انتفعوا بتلك المصنفات. والمصنفات التي أكثر المترجمون له من ذكرها والتي استطعت الحصول على أسمائها هي أربعة فقط: أولا: إعراب القرآن قالوا: إنه في عشر مجلدات. ثانيا: تفسير الإمام الحَوفي في تفسير القرآن قالوا: إنه في ثلاثين مجلدا. ثالثا: علوم القرآن قالوا: إنه كبير جدا. رابعا: الموضح في النحو. ولكن لم تحفظ لنا المخطوطات سوى "تفسير الإمام الحَوفي" الذي بين أيدينا (١).

стр. 56

المطلب العاشر: وفاته أجمع المترجمون له على أن الإمام الحَوفي-﵀-توفي في مستهل ذي الحجة في سنة ثلاثين وأربعمائة، ودفن في مصر بعد أن تخرج على يده أجيال من العلماء في النحو، والتفسير، والقراءات، ولم يضع القلم من يده حتى آخر لحظة في حياته، شأنه شأن علماء هذه الأمة، التي جعلها الله خير أمة أخرجت للناس (١).

стр. 57

الفصل الثاني التعريف بمخطوط الإمام الحوفي [البرهان في علوم القرآن] . وفيه ستة مباحث: المبحث الأول: اسم الكتاب وتوثيق نسبته للمؤلف. المبحث الثاني: موضوع الكتاب. المبحث الثالث: مصادر المؤلف في الكتاب. المبحث الرابع: منهج الحوفي في كتابه البرهان. المبحث الخامس: قيمة الكتاب العلمية وثناء العلماء عليه. المبحث السادس: وصف النسخ الخطية المعتمدة لتحقيق الكتاب، مع نماذج من صور المخطوط.

стр. 58

المبحث الأول اسم الكتاب، وتوثيق نسبته إلى مؤلفه قبل أن يطلع أي قارئ متخصص على نسخ الكتاب "المخطوطة" يستطيع أن يعلم أن للإمام الحوفي كتابا اسمه [البرهان في علوم القرآن].من خلال قراءاته في كتب التراث المتعددة سواء عند المعربين للقرآن، أو النحويين. فمن الذين نقلوا عن الحوفي من النحاة الذين يهتمون بإعراب القرآن أبو حيان (١)، والسمين الحلبي (٢)، وابن عادل (٣)، وابن هشام (٤)، وأبو الحسن القيرواني (٥)، والألوسي (٦)، أما الكتب المتخصصة في معجم المؤلفات، وكتب العلماء، فإنهم ذكروا لنا أن كتاب الإمام الحَوفي في علوم القرآن أو تفسير القرآن هو من تأليف الإمام الحَوفي، وهم متفقون على أن الإمام الحَوفي صنف كتابا في تفسير القرآن لكنهم اختلفوا في اسمه فمنهم من قال: البرهان في تفسير القرآن، ومنهم من قال: البرهان في علوم القرآن (٧) ومنهم من قال:

стр. 59

تفسير الحَوفي مثل ياقوت الحموي (١)، والقفطي (٢)، والداودي (٣)، وطاشكبرى زاده (٤)، وحاجي خليفة (٥)، ومنهم من قال: إعراب القرآن للحوفي، ومنهم من لم يسم الكتاب بل نقل قول الحوفي ناسبا إياه له، مثل ابن كثير (٦)، ومنهم من قال: تفسير القرآن للحوفي مثل ابن خلكان: وسماه بعض الباحثين: "البرهان في علوم القرآن من الغريب والإعراب والأحكام والقراءات والتفسير والناسخ والمنسوخ وعدِّ الآي والتنزيل والوقف والتمام والاشتقاق (٧) ". وعلى كل حال فقد أجمع العلماء الأجلاء على أن البرهان للحوفي وللباحث في ذلك أدلة ثلاثة. أولا: نقل العلماء عنه وتسميتهم بالبرهان للحوفي. ثانيا: نسبة البرهان إلى الحوفي من قبلِ الذين ترجموه جميعا. ثالثا: نسبة البرهان للحوفي على غلاف النسخ المخطوطة التي استطعت الاطلاع عليها (٨).

стр. 60

المبحث الثاني موضوع الكتاب يظهر محتوى الكتاب، ومضمونه من خلال العنوان الذي وضعه مؤلفه له، والذي أُثبت على غلاف النسخ المخطوطة وهو: "البرهان في علوم القرآن من الغريب والإعراب والقراءات والتفسير والناسخ والمنسوخ والأحكام وعدد الآي والتنزيل والوقف والتمام والاشتقاق والتصريف" (١) وزيد في بعض النسخ "المحكم والمتشابه" (٢). وبهذا التصور العام لمحتوى الكتاب يتبين لنا أن الحوفي-﵀ أراد أن يؤلف تفسيرا، منظما، مرتبا، يضمنه جانبا تطبيقيا لعلوم القرآن المختلفة. ولعلنا نتساءل هل التزم الحوفي بما قرره في عنوان كتابه البرهان؟ الجواب أن المطلع على كتابه يراه قد التزم بهذا المنهج في كتابه، فهو ملتزم بتناول الآية القرآنية حسب ترتيب المصحف، بادئا بقوله في الإعراب مبينا الغريب والاشتقاق والتصريف ثم القول في القراءة ثم المعنى والتفسير، ثم ما تضمنته الآية من الأحكام الفقهية والمسائل الكلامية وأسباب النزول والناسخ والمنسوخ والوقف والتمام. هذا المنهج التزم به على مدى آيات القرآن حسب ترتيب المصحف وحسب ترتيب تلك الجوانب، وهو بهذا الصنيع المتميز هدف إلى إظهار ما أنطوى عليه النص القرآني من غرائب التركيب، وتباين الطرق التي تنتزع بواسطتها المعاني، ومعرفة ألفاظ القرآن وفهم معانيه، وإدراك أغراضه وأبعاده. ويؤيد كلامنا هذا قول ابن مجاهد: فمن حملة القرآن المُعرِب العالم بوجوه الإعراب والقراءات العارف باللغات ومعاني الكلام البصير بِعَيْب القراءات المنتقد للآثار فذلك الإمام الذي يفزع إليه حفاظ القرآن في كل مصر من أمصار المسلمين (٣).

стр. 61

وعلى ما قرره العلماء واتفقوا عليه من الشروط الواجب توافرها فيمن يتصدى لتفسير كلام الله وعلى ما سوف تكشفه لنا الدراسة بإذن الله تعالى أقول: بأن الإمام الحوفي التزم هذا المنهج في كتابه، فجاء كتابه متكاملا من تلك الجوانب، مستوفيا تلك الشروط، جامعا بين مناهج التفسير المتعددة، فلقد جمع بين منهج التفسير اللغوي، مقتفيا آثار أئمته ابن عباس، وأبي عبيد، والفراء، والزجاج، والنحاس. وبين منهج التفسير النقلي مقتفيا آثار أئمته- عبد الرحمن بن زيد، وابن جرير الطبري، وبين منهج المتكلمين، وبين منهج التفسير الفقهي، مقتفيا آثار أئمته-مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، وسفيان الثوري، والأوزاعي. وليس جمعه بين المناهج المتعددة تكرارا لعمل السلف، بل لم يسبقه أحد من السلف بهذا التأليف الجامع المستلْهمِ للتراث السابقِ عليه، المستوعبِ لدقائق ما جاء من مناهجهم، وهذا شأن العلماء أن يستلوا من التراث بعد أن يستوعبوه، ويتخيروا منه ما شاء الله، ثم يضيفوا إليه ما يوحي به إخلاصهم، وتأملهم، وإلهامهم. ولما كانت طبيعة البحث تقتضي بيان منهجه في كتابه، رأيت أن أعرض منهجه مجملا، لأنه قد سبقني عدد من الباحثين ففصلوا في منهجه تفصيلا.

стр. 62

المبحث الثالث: مصادر المؤلف في الكتاب يتبين للقارئ المتخصص الذي يتابع أقوال الحوفي، ونقوله، أن مصادر كتابه واضحة، جلية، وكأنه وضع هذه المصادر بين يديه لا يتعداها إلى غيرها. وأستطيع أن أقول: إن الحوفي قد اعتمد على كتب كثيرة، ومصادر متنوعة في فنون مختلفة، وبيان ذلك على النحو التالي: أولا: الكتب التي اعتمد عليها في المعاني والإعراب: ١ - معاني الإعراب للزجاج: ومن أمثلة ذلك قول الحوفي عند إعراب قوله تعالى: ﴿أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾: يقول أحسن منزلتي, وأكرمني وائتمنني فلا أخونه, قال: وقال الزجاج (١): يجوز أن تكون الهاء لله ، أي: أن الله ربي أحسن مثواي في طول مقامي. وكذا أيضا قال عند إعراب قوله تعالى: ﴿قُرْآَنًا﴾ نصب على الحال (٢) أي: مجموعا. ٢ - إعراب القرآن للنحاس: ومن أمثلة ذلك قول الحوفي عند إعراب قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾: دخلت ألف الاستفهام على "إنك" يقرأ بالاستفهام، وعلى الخبر (٣). ٣ - معاني القرآن للفراء: ومن أمثلة ذلك قول الحوفي عند إعراب قوله تعالى: ﴿وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ﴾ , ﴿مَا﴾ في موضع رفع بالابتداء, ﴿وَمِنْ قَبْلُ﴾ الخبر, ويكون ﴿مَا فَرَّطْتُمْ﴾ بمنزلة التفريط أي: ﴿وَمِنْ قَبْلُ﴾ تفريطكم في يوسف, ويكون ﴿وَمِنْ﴾ متعلقة بالاستقرار, و ﴿قَبْلُ﴾ مبني لأنه غاية والتقدير: ﴿وَمِنْ قَبْلُ﴾ هذا تفريطكم, ويجوز أن تكون ﴿مَا﴾ زائدة, ويكون التقدير:

стр. 63

﴿وَمِنْ قَبْلُ﴾ فرطتم, ويجوز أن تكون ﴿مَا﴾ في موضع نصب عطف على ﴿أَنَّ﴾ والتقدير: أولم تعلموا من قبل هذا تفريطكم في يوسف (١). ثانيا: كتب التفسير التي اعتمد عليها الحوفي: ١ - جامع البيان للطبري: إن كثيرا من كتاب الحوفي في باب المعنى والتفسير منقول من تفسير الطبري، لا سيما الأقوال المأثورة ومن ذلك كلام الحوفي عند قوله في تفسير الحروف المقطعة في أول سورة البقرة، إذ يقول نقلا عن ابن جرير: اختلف أهل التفسير وأهل اللغة فيها فروي عن عطاء عن أبي الضحى عن ابن عباس قال: ﴿الم﴾ أنا الله أعلم، و ﴿الر﴾ أنا الله أرى، و ﴿المص﴾ أنا الله أفصل، وروي عن سعيد بن جبير مثل ذلك وروي عن علي بن أبي طلحة عنه ﴿الم﴾ و ﴿المص﴾ و ﴿كهيعص﴾ وما أشبه ذلك أنه قسم، أقسم الله به، وهو من أسماء الله جل اسمه (٢). ٢ - تفسير ابن أبي حاتم، والطبري: فالحوفي-﵀ يقول نقلا عن ابن أبي حاتم والطبري: فى تفسير قوله تعالى: ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ , وَذُكِرَ أَنَّ سَبَبَ حَبْسِهِ فِي السِّجْنِ، كَانَ شَكْوَى امْرَأَةِ الْعَزِيزِ إِلَى زَوْجِهَا, أَمْرَهُ وَأَمْرَهَا قال السدي: قالت المرأة لزوجها: إِنَّ هَذَا الْعَبْدَ الْعِبْرَانِيَّ قَدْ فَضَحَنِي فِي النَّاسِ، يَعْتَذِرُ إِلَيْهِمْ، وَيُخْبِرُهُمْ أَنِّي رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ، وَلَسْتُ أُطِيقُ أَنْ أَعْتَذِرَ بِعُذْرِي، فَإِمَّا أَنْ تَاذَنَ لِي فَأَخْرُجَ

стр. 64

فَأَعْتَذِرَ، وَإِمَّا أَنْ تَحْبِسَهُ كَمَا حَبَسْتَنِي, فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾ الآية وقيل: الحين معني به: سبع سنين: قاله عكرمة" (١). ٣ - تفسير عبد الرزاق الصنعاني: فالحوفي مثلا ينقل عنه عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عليه فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ أي: دخلوا على يوسف فعرفهم، وهم لا يعرفونه (٢) عزو الحوفي إلى المصادر: وأستطيع أن أقول: إن الإمام الحَوفي ﵀ أمين في نقله، دقيق فيه، عالم بما ينقل لكنه-﵀ قلما يصرح بنقله من الكتب التي يعتمد عليها، جريا على المتعارف عليه عند أهل العلم آنذاك، إذ هم على علم بذلك، وفي القليل الذي يصرح الحوفي-﵀ بالمصدر الذي نقل عنه، يكون نقله حرفيا وقلما يتصرف في ذلك.

стр. 65

المبحث الرابع: منهج الحوفي في كتابه البرهان: أما عن منهج الإمام الحَوفي في كتابه، فيستطيع أن يعرفه أي قارئ ببساطة، لأنه قسم كتابه تقسيما جيدا بالنسبة إلى عصره، حيث إن التقسيمات، والترتيبات، لم تكن قد نضجت في عصر الإمام الحَوفي، وإنما كانت النهضة قائمة على ترتيب العلوم التي ورثوها عن العلماء الأجلاء، لأن العلوم من حيث هي لم تنضج إلا في القرون الأربعة الأولى، وجاء بعد ذلك علماء ليشرحوا، ويرتبوا ترتيبا علميا. أولا: منهجه في ترتيب كتابه إن منهج الإمام الحَوفي-﵀-كان واضحا في كتابه حيث وضع له خطوطا واضحة الملامح، سار عليها من أول الكتاب إلى آخره، كما هو واضح من العناوين التي ذكرها في كتابه وذلك على النحو التالي: ١ - يقدم الحوفي بين يدي تفسير السورة أمورا تتعلق بها هي كالمدخل لها كاسم السورة وما يتعلق بنزولها ونحو ذلك، فمثلا يقول: "سُورَةُ يُوسفَ ﵇" ثم يذكر التنزيل فيقول: "قال ابن عباس: نزلت بمكة فهي مكية". ثم يفسر آيات السورة، ويختم السورة بذكر عدد آياتها. ٢ - يرتب تفسير الآية، أو الآيات ترتيبا دقيقا، حسب علوم القرآن، فيبدأ بذكر الآية، أو الآيات التي يريد تفسيرها حسب ترتيب المصحف برواية ورش عن نافع (١). ثم يبدأ التفسير بالقول في الإعراب، وهو لا يقصد بالإعراب ضبط أواخر الكلم فقط، إنما قصد الإعراب بمعناه الواسع فهو يجمع بين البحث اللغوي، والنحوي، ونحو ذلك، ويبدو ذلك واضحا من جمعه بين المباحث اللغوية

стр. 66

كالمعاني، والاشتقاق، والتصريف، والظواهر الصوتية من جهة، والمباحث النحوية كالتركيب والإفراد ودور ذلك في الكشف عن المعنى من جهة أخرى. وبعد أن يستوفي القول في الإعراب ينتقل إلى القول في القراءات وصلتها بالمعنى. ثم ينتقل إلى القول في المعنى والتفسير، فيكشف اللفظة المفردة، ودلالتها اللغوية عن طريق كشف النظائر والنقيض، ثم يبين سبب نزول الآية، ويكشف عن الناسخ والمنسوخ، ويبين أن النسخ لا يكون إلا في آيات الأحكام وبعد أن ينتهي من ذلك يكشف المعنى من جوانب عدة، فإن كانت الآية مجملة فصلت في آيات أخرى وضحها وبينها، وإن كانت السنة قد بينتها نص على ذلك وهو في كل هذا يستشهد بالشعر، وغيره، فإن تعرض لقصة قرآنية بينها وذكر أن هذا القول أقرب ما قاله المفسرون، فإن تعرض لمسألة كلامية بينها ونبه عليها وناقشها، فإن كان في الآية حكم فقهي، نص عليه وجمع بين أقوال الأئمة وتخير أجود تلك الأقوال، ثم إذا انتهى من ذلك، ذكر ما تضمنته الآية بعبارة مجملة تلخص محتوى الآيات، ثم ينتقل للقول في الوقف والتمام لينهي تفسيره للآية، أو الآيات، وهو في كل هذا يغلب عليه الطابع اللغوي، والاهتمام بالجانب الأسلوبي، وصولا للمعنى. ثانيا: منهجه في الإحالة والتكرار ليس للحوفي- ﵀ منهج ثابت في الإحالة، أو التكرار، فهو يحيل على ماسبق أحيانا فيقول: كما تقدم أو قد تقدم أو سبق أو مثل ما تقدم أوتقدم القول فيها. فمثلا عند تفسيره للحروف المقطعة في أول سورة يوسف-﵇ فيقول عند قوله تعالى: ﴿الر﴾: قد تقدم القول فيه (١). وأحيانا يكرر المعلومة التي يذكرها متوسعا في ذلك أو مختصرا، وأحيانا يزيد عليها مع تكرارها كتكراره الاستشهاد بالأبيات الشعرية، والآيات القرآنية، ويقصد بذلك توضيح الغريب اللغوي. فعند

стр. 67

تفسير قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا﴾:قال: ﴿نَجِيًّا﴾: نصب على الحال, وهو واحد يؤدي عن جميع, وجمعه أنجية وينشد: إِني إِذا مَا القَوْمُ كَانُوا أَنْجِيَهْ ... واخْتلف القولُ اختلاف الأَرْشِيَهْ هُنَاكَ أَوْصِينِي وَلَا تُوصِي بِيَهْ يقال: نَجَوْتُ الرَّجُلَ أَنْجُوه نَجِيًّا, جعل صفة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ ويقال للجماعة نجوى، وهم يتناجون تناجياً, وقال تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ﴾ ويقال نجوت أنجو نجوى وأصل النجو الارتفاع من الأرض, فالمناجاة مثل المسارة (١). ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ أي خلا بعضهم لبعض يتناجون ولا يختلط بهم غيرهم, والنَّجِيُّ: يكون واحدا، وجماعة، لأنه مصدر وكونه للجماعة: قوله تعالى: ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾، ﴿مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ﴾ والواحد ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ﴾ فهي في هذه المناجاة نفسها ومنه قول الشاعر: وأحب نجوى الرجال فَـ ... كُنْ عِنْدَ سرّكَ حبَّ النَّجِيّ والنجوى و"النجي" في هذا بمعنى واحد، وهي المناجاة (٢). ثم يقول الحوفي في تفسير سورة المجادلة: "النجوى" ما ينفرد به الجماعة أو الاثنان سرا كان أو ظاهرا، وبمعنى نجوت الشيء في اللغة: خلصته وألقيته، يقال: نجوت الجلد إذا ألقيته عن البعير. قال الشاعر: فقلتُ انجوا عنها نجا الجلد إنه ... سيرضيكما منها سَنام وغاربُهْ (٣)

стр. 68

وأحيانا لا يكرر، مكتفيا بما ذكره في موضع آخر، كما في باب"التصريف والاشتقاق" فقد فصل في لفظة: ﴿اسْتَيْأَسَ﴾ عند قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ﴾، ولم يفصل في نفس اللفظة، عند قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾. ثالثا: منهجه في عرضه للمادة العلمية تقدم القول في ترتيب الحوفي لمحتويات كتابه. وأما عن معالجته لهذه المحتويات فهو يعرضها على النحو التالي: ١ - منهجه في إعراب الآيات: تناول الإمام الحَوفي إعراب الآيات بشئ من التفصيل لم يفعله من سبقه فهو يعرب مفردات الآيات حتى الواضح المعروف فإنه قد يعربه في كثير من الأحيان حتى ليخيل للقارئ أن هذا كتاب إعراب للقرآن، فمثلا يقول عند قوله تعالى: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ ﴿إِنِّي﴾ مستأنف، و ﴿أَحَدَ عَشَرَ﴾ في موضع نصب بـ ﴿رَأَيْتُ﴾ , إلا أنه مبني, و ﴿كَوْكَبًا﴾ نصب على التمييز, ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ نصب الشمس والقمر بإضمار فعل دل عليه, ﴿رَأَيْتُهُمْ﴾ ليعطف ما عمل فيه الفعل, والتقدير: ورأيت الشمس والقمر رأيتهم, وكنى عن الشمس والقمر بالهاء والميم وكذا بالياء والنون في ساجدين، فإنما ذلك للخبر عنهم بفعل من يعقل, إذ السجود لا يكون إلا ممن يعقل, والهاء والميم مفعول أول, و ﴿سَاجِدِينَ﴾ مفعول ثاني, ﴿لِي﴾ متعلق بـ ﴿رَأَيْتُهُمْ﴾ , وإن شئت جعلته متعلقا بـ ﴿سَاجِدِينَ﴾ وعليه المعنى.

стр. 69

وقد لا يكتفي الإمام الحَوفي بإعراب الآية بل إنه كثيرا ما يذكر الآراء في المسألة النحوية الواحدة ثم يرجح ما يراه راجحاً وهذا يؤكد حرية فكره، وإن كان يرجح رأي سيبويه في هذه المسألة فهو مع الحق أينما دار، ومن الأدلة على ذلك: قوله في فاعل "بدا" في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ﴾ فيقول: واختلف في فاعل ﴿بَدَا﴾ فذهب سيبويه إلى أن الفاعل: ما دل عليه ﴿ليَسجُننّه﴾ أي: ظهر لهم أن يسجنوه, وقال المبرد: "الفاعل مضمر دل عليه بدا بتقديره بدا لهم بداء (١) " وقيل: الفاعل رأي: أي بدا لهم رأيٌ لم يكونوا يعرفونه وحذف لدلالة الكلام عليه , والوجه ما قال سيبويه لأنا إذا وجدنا الظاهر لم يقدر محذوف, وكان هذا الظاهر الذي هو ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ لما قام مقام الفاعل ودلّ عليه كأنه هو الفاعل, وأما قول المبرد فإن الفعل لا يدل من لفظه على الفاعل إنما يطلبه (٢). ٢ - منهجه في شرح المفردات، وبيان معاني الكلمات الغريبة، ومسائل الإعلال والإبدال، واللهجات، والبلاغة: مثال شرح المفردات، وبيان معاني الكلمات الغريبة: إن الإمام الحَوفي يكثر من التفصيل في مفردات المادة وإرجاعها إلى أصلها ثم بيان أصل اشتقاقها ويذكر المناسبة بين المادة والكلمة التي يفسرها. فيقول في تفسير النجوىَ (٣) في قوله تعالى: ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾: أي خلا بعضهم لبعض يتناجون ولا يختلط بهم غيرهم, و"النجي" يكون واحدا وجماعة لأنه مصدر وكونه للجماعة قوله تعالى: ﴿وَإِذْ

стр. 70

هُمْ نَجْوَى﴾ و ﴿مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ﴾ والواحد ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ﴾ فهي في هذه المناجاة نفسها، ومنه قول الشاعر: وأحب نجوى الرجال فَـ ... كُنْ عِنْدَ سرّكَ حبَّ النَّجِيّ والنجوى و" النجي" في هذا بمعنى واحد، وهي المناجاة. وأما مثال الإعلال والإبدال فهو قوله: في كلمة ﴿دَلْوَهُ﴾ (١) يقول: وجمع دلو "أدل" في القليل والكثير دُلي، بضم الدال وكسرها, والأصل دلو, وعلى وزن فعول, قلبت لام الفعل ياء, وقلبت الياء الزائدة, ثم أدغمت الياء في الياء, وفعلت ذلك: لأن الجمع باب لاستثقال الجمع وحرف العلة, ولنفرق بين الواحد والجمع, فمن ضم: فعلى الأصل, ومن كسر: كرِه الكسر بعد الضم استثقالا له، ويقال في جمعه أيضا: دِلاء. ويقال: أدلى الرجل دلوه إذا أرسلها ليستقي بها يدلها إدلاً, ودلاها يدلوها دلوا، إذا مدّها ليخرجها. وأما مثال اللهجات: قوله عند قوله تعالى: ﴿هَيْتَ﴾ يقول: يعني: تعال واقرب (٢) , وقال ابن عباس: هلم لك, وقال السدي والحسن: هيت بالقبطية هلم, وقال الكسائي وأبو عبيدة: هي لغة حُورَان, معناها تعال, ومن ضم التاء فالمعنى: تَهَيَّات لك من قول القائل: هِئْت لِلْأَمْرِ أَهِيئُ هَيْئَة, وهئت للاثنين والجمع والذكر والأنثى فيه سواء. وأما مثال البلاغة:

стр. 71

قوله عند تعرضه لمعاني الاستفهام: إنها للتوبيخ أو النفي أو التقرير. فمثلا يقول عند قوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا﴾ (١) ألف الاستفهام دخلت للتقرير. ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ﴾ ألف الاستفهام للتقرير والتوبيخ. ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (٢) الألف للتقرير والتوبيخ. ﴿هَلْ﴾ (٣) حرف استفهام فيه معنى النفي بتقرير وتوبيخ. ٣ - نهجه في عرض القراءات: يلاحظ على منهج الإمام الحوفي في عرض القراءات في سورة يوسف-﵇ ما يلي: - أن الحوفي يقتصر على ذكر القراءات السبع التي اتفقت الأمة على تواترها وهي قراءة الأئمة: نافع، وابن كثير، وأبي عمرو, وابن عامر, وعاصم, وحمزة، والكسائي, ولا يتعرض للقراءات الثلاث المتممة للعشر، وهي قراءات الأئمة أبي جعفر، ويعقوب، وخلف العاشر، وهي قراءات اتفق غالب القراء على تواترها (٤)، فلعل الإمام الحوفي يعتبر ما دون السبع من الشواذ. فمثال الاقتصار على القراءات السبع، الذي هو غالب عليه قوله: قرأ حفص ﴿يَا بُنَيَّ﴾ بفتح الياء, وقرأ الباقون (٥): بكسرها, فمن فتح: جعلها ياء النفس, ومن كسر: حذفها, وجعل الكسر دالة

стр. 72

عليها, وقرأ ابن كثير (١): ﴿آيَةٌ لِلسَّائِلِينَ﴾ على الإفراد, والباقون على الجمع, فالجمع: لمعنى عبر, لأن أمر يوسف، وحديثه كان فيه عبر. - أن الحوفي ترك ذكر بعض القراءات الواردة في السبع أحياناً. فمن القراءات التي ترك ذكرها ما ورد في كلمة: ﴿غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ حيث لم يذكر أن الإمام نافعًا قرأها بالجمع ﴿غَيَابَاتِ﴾ (٢) وقرأها الباقون بالإفراد، كما لم يذكر المصنف رواية البزي، في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا﴾، حيث قرأها البزي ﴿اسْتَايسُوا﴾ (٣)، وكذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا﴾، قرأها ﴿وَلَا تَايسُوا﴾ (٤) , وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ﴾ قرأها ﴿لَا يَايسُ﴾ وكذلك في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ قرأها: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَايسَ﴾ وكذلك ترك المؤلف-﵀ ذكر وجه لقنبل، في قوله تعالى: ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا نَرْتَعْيِ وَنَلْعَبْ﴾ حيث قرأها بالياء بعد العين (٥). - أن الحوفي وقعت له أخطاء قليلة في نسبة هذه القراءات للقراء, فلم يضبط نسبة القراءات لمن قرأ بها ضبطاً تاماً، فمن ذلك عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿اقْتُلُوا﴾، حيث لم يذكر أن ابن عامر، قرأها بضم التنوين (٦) , وكذلك في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا

стр. 73

بِضَاعَتَهُمْ﴾، حيث لم يذكر أن حفصا، يقرأها كما يقرأها، حمزة والكسائي (١) , وكذلك في كلمة ﴿بِالسُّوءِ إِلَّا﴾ (٢) , لم يستوف ذكر الأوجه عن قالون والبزي حيث لهما تسهيل الهمزة الأولى (٣) بين بين كذلك, وكذلك ذكر في قوله تعالى: ﴿يَا أَبَتِ﴾ أن ابن عامر يقرأها وقفًا ﴿يَا أَبَه﴾ ونسبها إلى ابن كثير بلفظ (روي عن ابن كثير) (٤) مع أن ابن كثير يقرأها كابن عامر وجهًا واحدًا في الوقف (٥). - أن الحوفي إذا أورد قراءات ليست من القراءات السبع يسميها بالقراءات الشاذة وإن كانت قراءة أحد القراء الثلاثة المتممة للعشرة, فالظاهر من منهجه أنه يختار تواتر القراءات السبع فقط، وهذا ما يفهم بالاستقراء في مصنفه، ومثال ذلك ما ذكره في كلمة: ﴿مُتَّكًا﴾ حيث ذكر أنها من الشاذة، رغم أنها قراءة أبي جعفر المتواترة عند القراء (٦) , حيث يقول: قال مجاهد: من قرأ ﴿مُتَّكَأً﴾ فهو الطعام, ومن قرأ ﴿مُتَّكَاً﴾ وهي قراءة شاذة: فهو الأترج (٧). - أن الحوفي يورد بعض القراءات الشاذة أحياناً، ومن أمثلة ذلك في غير سورة يوسف-﵇ قوله عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾ (٨): وروي أنه كان في

стр. 74

مصحف عائشة ﵂: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا﴾ "أوثانا"، وكان ابن عباس يقرأها: ﴿إِلَّا﴾ " أُثُناً" جمع وثن، وكان غيره يقول: أنثا النون قبل الثاء جمع الإناث على أُنُثٌ، كما يجمع الثمار على ثمر، ولم يقرأ بشيء من هذا في المشهور، والإِناثُ جمع أنثى، وهي قراءة العامة التي لا ينبغي أن تتجاوز (١). ٤ - منهجه في الأحكام الفقهية: لم يتناول المصنف-﵀ في سورة يوسف ﵇ بحث شيئ من المسائل الفقهية من عبادات، ومعاملات، ليُعرف من خلالها مذهبه الفقهي، ولكن من خلال اطلاعي على من سبقني في تحقيق هذا الكتاب المبارك، تبين لي أن الإمام الحَوفي يسوق الأحكام المستنبطة من الآية أولا، ثم يفصل هذا الحكم أحيانا، ويسوق فيه أقوال العلماء وبخاصة الأئمة الأربعة، إلا أنه يذكر أبا حنيفة أحيانا-بالنعمان والكوفي (٢) كما يذكر أصحابه، بأصحاب الرأي.

стр. 75

وقلما يذكر المذهب الحنبلي (١). فمثلا يقول في حكم تارك الصلاة: واختلف في تارك الصلاة عامدا حتى يفوت وقتها بغير عذر، فقال إبراهيم النخعي، وأيوب السجستاني، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق: هو كافر. وقال مالك، وحماد بن زيد، ووكيع، والشافعي، ومكحول: يستتاب ثلاثا، فإن صلى في الثلاث، وإلا قتل، وقال الزهري، والنعمان: إن كان إنما تركها لأنه ابتدع دينا غير الإسلام، قتل وإن كان إنما هو فاسق، ضرب ضربا مبرحا، وسجن. وروى عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "لَيْسَ بَيْنَ الْعَبْدِ والْكُفْرِ أَوْ الشِّرْكِ إِلاَّ تَرْكُ الصَّلاَةِ" (٢)، وصلى عمر ﵁ وجرحه يثعب دما حين طعن، وقال: لاحظَّ في الإسلام لأحد ترك الصلاة (٣). وقال علي رضوان الله عليه، وابن عباس: مَنْ لَمْ يُصَلِّ فَهُوَ كَافِرٌ (٤)
следующие страницы →