Полный текст (171 стр.). Показаны 141–171 · переход к 146.
стр. 141
فقد أنصف المظلوم دون أن يتقم إليه المظلوم بطلب الإنصاف، وصحح الأخطاء التي وقع فيها جنوده من تلقاء نفسه.
فأي سماحة هذه؟ وأي إنصاف هذا الإنصاف؟ وليس هذا بغريب على من أرسله الله رحمة للعالمين.
* * *
* مرحلة الأمر الوجوبي:
في مرحلة الإذن بالقتال لم يكن القتال واجباً على المسلمين، لأن الإذن معناه رفعُ الحظر، ورفع الحظر يترتب عليه الإباحة لا الوجوب، وهكذا استمر الحال قرابة عامين بعد الهجرة.
وفي شهر شعبان سنة ٢ هـ نزل الأمر بالوجوب أي قبيل غزوة بدر الكبرى أولى الغزوات العظيمة في الإسلام. وذلك في قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ ... وبهذا مرَّ شأن القتال في الإسلام بثلاث مراحل:
الأولى: مرحلة الحظر.
الثانية: مرحلة الإباحة.
الثالثة: مرحلة الوجوب.
ومجئ مرحلة الوجوب عقب مرحلة الإذن، وقبيل غزوة بدر الكبرى تشريع بالغ الحكمة.
ففي مرحلة الإذن انتقال بالنفوس من مرحلة الحظر إلى مرحلة الإباحة، وهذا الانتقال فيه ترويض للنفوس على الاستعداد للقتال، وتدرج حكيم تأنس به النفوس، وتطمئن القلوب، وتقوى العزائم، لأن الانتقال الطفري أو المفاجئ ربما أصاب الناس بالقلق والانتكاس، وإنما تكون حكمة السياسة، أو السياسة الحكيمة في الترفق والتدرج، وهكذا
стр. 142
كان هذا التشريع، وهي سمة نهجها القرآن في الكثير من الأحكام التشريعية، كما في تحريم الخمور، فقد تدرج القرآن في تحريمها على أربع مراحل، لما كان لها من رواج في حياة الناس، ودور ملحوظ في وسائل الكسب المعيشي - أو الاقتصاد القومي بلغة العصر.
لذلك لم يحس المسلمون بأي ضيق لَّما فُرض عليهم القتال، ولا فوجئوا بأمر لم يتوقعوه، مع أن طبائع البشر تكره القتال، وتميل إلى الراحة والدعة، ومنذ ذلك الوقت صار القتال واجباً على المسلمين إذا دعت إليه ضرورة.
* * *
* لماذا شُرع القتال ؟
لم تكن شريعة الإسلام أوحدية في مشروعية القتال، فالقرآن الكريم يقص علينا أنَّ كثيراً من الأنبياء مارسوا هذا الفن بإذن الله فقال: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ .
والتاريخ النبوي لبني إسرائيل حافل بالمعارك بين الأنبياء ومعارضيهم، فليس القتال إذاً مسبة ولا نقضيه لا في الإسلام، ولا في غير الإسلام من الرسالات السابقة.
ومشروعية القتال في الإسلام من الضرورات التشريعية التي يلجأ إليها المسلمون حين لا يكون من حيلة إلا القتال، وهو لم يُشْرَع في الإسلام ليكون وسيلة للبطش والتجبر والقهر، وحباً في سفك الدماء ونهب الأموال والتشفي الأهوج، بل شرع لردع الظلم، وحماية الحق، ورعاية الفضيلة ولرد العدوان، شرع لإقرار التوازن في الأرض، وإشاعة السلام والأمن، والقضاء على الطغيان، وفي هذا الإطار كانت معارك المسلمين في عصر النبوة، وعصر الخلافة الراشدة، ومن سار سيرتهم من ولاة الأمور.
ومن الأهداف العليا في مشروعية القتال في الإسلام حماية الدين والعقيدة، ودحر الفتنة، وحماية المستضعفين من الرجال والنساء والولدان، وكل أولئك مقاصد نبيلة، وقيم إنسانية مقدسة يجب أن تحمى وتصان.
стр. 143
﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾
﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾
فالقتال في الإسلام ضرورة وإجراء استثنائي له موجباته ودواعيه، هو كما قال أمير الشعراء شوقي مخاطباً رسول الله ﷺ :
والحرب في حقِ لديك شريعة ومن السموم الناقعات دواء
* * *
* ليس للإجبار على اعتناق الإسلام:
ومهما اتفقنا أو اختلفنا حول الأسباب التي أدت إلى مشروعية القتال في الإسلام: إباحة ووجوباً، فليس من بين الأسباب أن القتال شرع لإجبار الناس على الدخول في الإسلام، ونتحدى بأعلى صوت من يدعى ذلك من أعداء الإسلام وعملائهم ونقوله لهم:
أمامكم الإسلام قرآناً وسنة وإجماعاً وتاريخاً وسيرة، فهيا فأتونا بنص من كتاب الله، أو من أحاديث رسوله، أو من إجماع علمائه، أو واقعة من تاريخه وسيرته تدل على أن من أهداف القتال في الإسلام جبر الناس على الدخول فيه كراهية وقسراً.
والإسلام كله معروف كالشمس، فليس فيه جوانب علنية وأخرى سرية فما الذي يعجزهم أن يقوموا بهذه التجربة؟
стр. 144
وصدق الشاعر الذي قال في أمثالهم:
يقولون أقوالاً ولا يعلمونها وإن قيل هاتوا حققوا لم يحققوا
* * *
* وليس عقاباً على الكفر:
وكذلك ليس في مشروعية القتال في الإسلام أن يكون عقاباً على كفر من كفر، وإلحاد من ألحد باستثناء حد الردة - ولتوضيح هذا نقول: إنَّ الكفر في تقدير الإسلام نوعان:
الأول: الكفر الذي عليه صاحبه ونشأ عليه، أو الكفر الأصلي إذا صحَّ هذا التعبير، وصاحبه لم يسبق له الدخول في الإسلام.
الثاني: الكفر الطارئ على صاحبه بعد الدخول في الإسلام.
فالنوع الأول لا يقاتل عليه صاحبه ولا يُقتل، بل يُكتفي بدعوته إلى الإسلام فإن أسلم فحسن، وإن امتنع ترك وشأنه والله هو يتولى حسابه، فالكافر الأصلي دمه مصون والإعتداء عليه حرام كالاعتداء على ماله وعرضه.
أما النوع الثاني ففيه حد الرِدَّة الوارد في السنة وعمل الخلفاء الراشدين مع إجماعهم عليه.
ولو كان القتال والقتل عقاباً على الكفر في النوع الأول لما تهاون فيه صاحب الرسالة، ولا الخلافة الراشدة من بعده، غفكم من الاتفاقات ومعاهدات الصلح التي عقدوها مع الناس مع تركهم على عقائدهم دون أن يكرهوهم أو يقاتلوهم على كفرهم، ومن أوضح الأمثلة تصالح عمر بن الخطاب مع نصارى فلسطين، وامتناعه أن يصلى في الكنيسة حين أذن للصلاة مع دعوة قسيسها أن يصلي فيها، ولكن عمر ﵁ امتنع عن الصلاة فيها قائلاً: لو صليت لجاء المسلمون وقالوا عمر صلى هنا فأخذوا الكنيسة؟
ثم تصالح عمرو بن العاص مع قبط وتركهم على عقيدتهم دون أي إكراه على تركها والدخول في الإسلام، بل إنه ساعد القبط على استقرار شئونهم الدينية باستدعاء
стр. 145
البطريرك بنيامين الذي كان مختفياً هرباً من بطش الرومان، وأعطاه الأمان ليرعى شئون الأقباط دينياً في مصر.
بل إن صاحب الدعوة نفسه كان يعقد معاهدات صلح ويترك أهل البلاد على عقائدهم مهما كانت مخالفة للإسلام أصولاً وفروعاً، ولا ننس المعاهدة التي عقدها مع اليهود في المدينة عقب الهجرة مع تركهم على يهوديتهم، أحراراً في تأدية طقوسهم الدينية على مرأى ومسمع من المسلمين.
* * *
* خلاصات موجزة:
مما تقدن تتبين لما جوانب أخرى من سماحة الإسلام أبرزها جانبان:
الأول: أن مع مشروعية القتال في الإسلام لم يكن من أهدافه حمل الناس بالقوة المسلحة على اعتناق الإسلام؛ لأنه في القرآن العظيم نصاً واضحاً وصريحاً ومحكماً يمنع من هذا الهدف، وهو قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ....﴾ .
الثاني: ومع مشروعية القتال في الإسلام فإنه يخلو - منهجاً وسيرة - من أن يكون عقاباً على الكفر الأصلي الذي ولد عليه صاحبه ونشأ فالكفر أعظم الذنوب، ومع ذلك فالأمر فيه موكول إلى الله سبحانه سعاقب عليه في الآخرة بالخلود في النار، أما في الدنيا فليس لأحد أن يعاقب صاحب الكفر الأصلي بالقتال عليه أو القتل ودم الكافر كفراً أصلياً مصون كماله وعرضه، إلا إذا حارب المسلمين أو انصم لمن يحاربهم، فيكون هو الذي أهدر دم نفسه ذلكم هو الإسلام، وتلك هي سماحته الرحيمة.
* * *
стр. 146
﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا﴾
(البقرة: ١٩٠)
* * *
стр. 147
الفصل الثاني ضوابط القتال في الإسلام
القتال مشروع في الإسلام ... نعم. ما في ذلك من ريب. ولكنه قتال محفوف بقيم وضوابط حتى لا يساء استعماله كما يساء استعمال كثير من الواجبات والحقوق.
هذه الضوابط والقيم التي خُفَّ بها القتال، منها ما تولى الله - نفسه - النص عليها في كتابه العزيز، ومنها ما وضعه صاحب الرسالة ﷺ وانتهج الخلفاء الراشدون من بعده ما أمر الله به ورسوله.
والآية التي تقدم ذكرها في الأمر الوجوبي بالقتال وهي قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ .
هذه الآية اشتملت على أربعة ضوابط للقتال المأمور به:
الأول: أن يكون القتال في سبيل الله أي لنصرة الحق لا في نزوات شخصية أو عنصرية.
الثاني: أن يكون مقصوراً على مَن من قاتلنا فعلاً أو عزم على قتالنا يقيناً أو ظناً قوياً تؤيده قرائن الأحوال الواردة عن العدو.
الثالث: أن لا يكون اعتداءً وتجاوزاً من جانبنا كقتلى الشيوخ والنساء والذُرَّية والضعفاء والرهبان المعتزلين في خلواتهم أو بيوتهم.
الرابع: الترهيب من الاعتداءً بعد النهي عنه، بأن الله لا يحب المعتدين.
وقوله: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي في نصرة الحق، سواء أكان هذا الحق لإعلاء كلمة الله بحماية الدين، أو كان للدفاع عن الضعفاء أو لردع الظلم في أية صورة من صوره، أو لحماية ديار الإسلام أو مقدساته، وقد أفتى الإمام مالك ﵁ بأن من يقاتل دون ماله إذا اعتدى عليه فهو قتال في سبيل الله.
стр. 148
كل هذه الظروف - وأمثالها - تجعل القتال مشروعاً على سبيل الوجوب: فاحتلال الأقطار الإسلامية، والاعتداء على حرمات المسلمين كما يقع الآن في كثير من البلاد الإسلامية، مثل مأساة الشعب المسلم في البلقان بإخراجه من أرضه، والعبث بحرمات نسائه وفتياته، وهدم دور العبادة واعتداء الهنادك على مقدسات المسلمين في الهند، كل هذه الظواهر تجعل القتال واجباً على كل قادر من المسلمين، لتُصان الدماء وتحفظ الديار، وتحمي الأعراض. والتقاعس عن القتال في هذه الأحوال نكسة وقصور من العالم الإسلامي عربيه وغير عربيه.
أما الضوابط في السُّنَة وفي سيرة الخلفاء فقد أشرنا إلى بعضها عند تفسير معنى الاعتداء المنهي عنه في الآية السابقة ويمكن التعبير عنها بكلمة جامعة وهي: حظر ضرب الأهداف المدنية - كما هو معروف في الفقه الدولي الحديث - أي أن الجيش حين يخوض حرباً واجبة شرعاً، فعليه أن يقتصر في حربه على قتال من حمل السلاح من العدو وجابهنا به، أو شارك فيه بأي لون من ألوان المشاركة، كالتخطيط، ونقل المؤن والعتاد والجنود إلى ميدان القتال، أو المؤسسات الحربية ومركز القيادات وإصدار الأوامر وتدبير شئون القتال.
أما النساء والأطفال وكبار السن ورجال الدين والرهبان الذين حبسوا أنفسهم في أديرتهم ومعابدهم ولم تكن لهم صلة بأمور الحرب الدائرة، وكذلك الزروع والماشية والمؤسسات المدنية كمخازن المياه والتموين الغذائي للمدنيين، والطرق غير الحربية، ومراكز الطاقة الحيوية المتصلة بحياة العامة اليومية، والمدارس والمعاهد والجامعات والمستشفيات المدنية، فهذه كلها لا يتعرض لها بسوء أخذاً بسنة صاحب الرسالة ﷺ وخلفائه الراشدين، والاعتداء عليها داخل في الاعتداء المنهي عنه في الآية الحكيمة التي تقدم نصها.
هذا هو ما يرجحه كثير من الفقهاء ولكنه مشروط بشرط عادل ومهم وهو: أن لا يعتدي علينا العدو بضرب هذه الأهداف لدينا، فإذا اعتدى العدو علينا بضرب الأهداف المدنية جاز لنا ضرب ما تصل إليه أيدينا من منشآته المدنية، معاملة بالمثل، لقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ .
* * *
стр. 149
* أنواع الضوابط:
وضوابط القتال التي أوجزنا الحديث عنها تتنوع ثلاثة أنواع:
الأول - ضوابط قبل بدء القتال:
ومنها: أن لا نقاتل العدو إلا إذا سُدَّت كل الطرق أمام التوصل إلى عقد اتفاق سلمي حول النزاع الناشب بيننا وبينه.
ومنها ألاَّ نبدأهم بالقتال حتى يبدأونا هم به مع أخذ الحذر الدقيق منهم، وترقب حركاتهم حتى لا نؤخذ على غِرَّة. ويجوز مبادأتهم بالقتال في حالات الضرورة.
ومنها أنه إذا كان بيننا وبين العدو عهد بعدم الاعتداء، وبدرت منه بوادر قوية على خيانة العهد وجب علينا أن نعلمه بنقض العهد من جانبنا قبل أن نقاتله، عملاً بقوله تعالى:
﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ .
* * *
الثاني - ضوابط في أثناء القتال:
وهي كل ما تقدم في تفسيره الاعتداء المنهي عنه، ونضيف إليها هنا أمرين:
الأول: عدم المُثْلة بقتلى الأعداء كتقطيع أطرافهم وتعليقهم على حوامل أو أعمدة، أو بقر بطونهم أو تلطيخ وجوهم بمواد مشوهة، فقد ثبت النهي عن المثلة؛ لأنها عمل حقير ولا تليق بكرامة الإنسان مسلماً كان أو غير مسلم.
الثاني: الاستجابة إلى كف القتال إذا طلب العدو ذلك شريطة ألا يكون مخادعاً لنا في التقدم بهذا الطلب، وذلك عملاً بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ .
* * *
стр. 150
الثالث - ضوابط ما بعد القتال:
وضوابط ما بعد القتال ضربان:
الأول: سلوكيات تتعلق بآثار القتال وما نتج عنه، وأبرز هذا الضرب التصرف في الأسرى إن وجدوا، وكان المصير فيهم في أول الأمر أن يقتلوا، كما جاء التوجيه في غزوة بدر الكبرى بعد أن تصرف النبي في أسرى قريش نازلاً على رأي أبي بكر، فأطلق سراحهم بعد أخذ الفدية منهم، فنزل الوحي معاتباً: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ .
ثم عافياً: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨) فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .
ثم جاء التخيير بين الَمنَّ على الأسرى - إطلاق سراحهم مجاناً - وبين أخذ الفدية منهم، والأمر يرجع إلى تقدير إمام المسلمين أين يرى المصلحة فب الَمنَّ أم في أخذ الفدية كما جاء في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً....﴾ .
وقد توسع الفقهاء في وجوه التصرف في الأسرى، فزاد بعضهم على ماورد في الآية وجهين أو ثلاثة، منها جواز القتل والاسترقاق، والمعول عليه ما ورد في القرآن نفسه، لأنه قطعى الثبوت والدلالة معاً. وعلى كل فإن معاملة الأسرى - وهو في الأسر - يجب أن تكون بالحسنى.
الضرب الثاني: سلوكيات تختص بواقع المسلمين بعد القتال مع إحراز النصر: وهي الالتزام الكامل بمنهج الله من التواضع وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونصر الله وإتباع هديه في كل شئون الحياة الخاصة والعامة: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ .
стр. 151
إن النصر والتمكين في الأرض من أجل النعم على المسلمين بعد الإيمان بالله. وشكر هذه النعم يكون بطاعة الله ورسوله لا بالسعي في الأرض فساداً، والطغيان على عباد الله، هكذا وجه القرآن المسلمين.
وفي هذا الإطار المحكم من التوجيه الإسلامي الخُلُقي جرت معارك المسلمين مع أعدائهم في صدر الإسلام، ويمكن تقسيم تلك المعارك والغزوات قسمين:
* غزوات كان سببها الدفاع عن حرمات الله وحقوق المسلمين كغزوتى أحدُ والأحزاب، ومن قبلهما غزوة بدر الكبرى، إذ كلن الهدف لقريش وحلفائها من هذه الغزوات هو مداهمة المسلمين في مقرهم الجديد (المدينة) والقضاء عليهم وعلى الإسلام معاً.
* وغزوات كان سببها تبليغ الدعوة كغزوات الفرس والروم والمناطق الخاضعة لهما.
وفي هذه الغزوات كان القتال هو اختيار العدو لا المسلمين، كما هو معروف من منهج الدعوة:
* عرض الإسلام أولاً .
* فإن أبَوْا خُيَّرا بين دفع الجزية وبمقتضاها يُعقَد معهم عهد أمان يصبحون في ظله لهم ما للمسلمين مع حماية المسلمين لهم والدفاع عنهم ضد أي خطر، فإن أبَوْا أعلمهم المسلمون أنه لم يبق إلا القتال، ولم يحدث في الصدر الأول للإسلام أن فرض المسلمون القتال على قوم اختاروا الصلح مع المسلمين، مع بقائهم على عقائدهم الدينية، فالقتال الذي وقع بين الفرس والروم وبين المسلمين كان اختيار الفرس والروم وليس اختيار المسلمين.
ولما وقع اختلاف في منج الدعوة في فتح سمرقند، حيث لم يخير القائد المسلم أهل سمرقند بين الصلح - يشرطه - وبين القتال، ودهم ديارهم تقدم أهل سمرقند إلى عمر بن عبد العزيز بشكوى مما حدث لهم من الفاتحين المسلمين. فأمر عمر بن عبد العزيز بتنصيب قاضي "طوارئ" من المسلمين لينظر في شكوى القوم، فقضى بما يأتي:
أولاً: خروج المسلمين من سمرقند.
стр. 152
ثانياً: دفع تعويضات من خزانة الدولة الإسلامية لأهل سمرقند مقابل ما نزل بهم من أضرار من جراء دخول المسلمين بلادهم دخولاً مخالفاً لمنهج الدعوة.
ثالثاً: ثم تعاد دعوتهم إلى الإسلام فإن أبَوْا خُيَّروا بين الصلح وبين القتال.
ولكن أهل سمرقند تنازلوا عن شكواهم بعد ما لمسوا من الروح الطيبة والخُلُق الطريم، والسلوك الجميل من المسلمين الفاتحين.
أما إجلاء اليهود عن المدين فكان رداً على مؤامراتهم ودسائسهم ضد الإسلام والمسلمين، وضد صاحب الرسالة ﷺ بعد أن عاشوا فترة في ظل المعاهدات التي عقدها معهم النبي يتمعون بكل حقوهم وحرياتهم الدينية والاقتصادية والاجتماعية. فلما نقضوا تلك المعاهدات وظاهروا أعداء الإسلام، وتآمروا على قتل صاحب الدعوة كان لا مناص من مطاردتهم وإخراجهم من المدينة تأميناً لسلامة الجبهة الداخلية، واستبعاداً لخطرهم الذي بات ظاهراً لا خفاء فيه. وحين أجلاهم المسلمون عن المدينة كانوا ينقذون حكماً لله فيهم أفصح عنه قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ (٣) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ .
ومن روائع الوقائع التي تعزى إلى الإسلام أن أبا عبيدة بن الجراح أمين هذه الأمة صالح قوماً على دفع الجزية، وتعهد بحمايتهم من أي خطر خارجي ولما أحس أنه غير قادر على حمايتهم رد إليهم ما أخذ منهم وفاءّ بالعهد، واعداً لهم أن يعود لما تعهد به إذا أحس من نفسه القدرة على حمايتهم.
* * *
* خلاصات موجزة:
عرضنا فيما تقدم لضوابط القتال في الإسلام، وبدا لنا أن في كل ضابط منها - قولاً وعملاً - دليلاً ناصعاً على سماحة ورحمته بالناس وإن كانوا كفاراً.
стр. 153
فهو -من جهة - أول من سن حماية الأهداف المدنية في أثناء القتال الواجب. ثم اهتدت به النظم الدولية الحديثة، وجعلته هيئة الأمم مبدءاً من أبرز مبادئها القانونية. مع فارق كبير بين سماحة الإسلام وبين الواقع الدولي المعاصر.
فالإسلام قرره مبدأ، وطبقة عملاً، وأما الواقع الدولي المعاصر فقد أقربه به مبدأ قانونياً، وخالفه في الممارسات العملية، وخذ إليك أحدث واقعتين حديثتين: إحداهما ما قامت به أمريكا في حرب الخليج الأخيرة ضد الشعب العراقي المسلم، حيث ضربت الفنادق والمستشفيات المدنية، ودمرت الطرق المدنية ومستودعات الغذاء الشعبي، ودمرت محطات الوقود المدني والمولدات الكهربائية وخزانات المياة.... إلخ.
أما الواقعة الثانية فاعتداءات الصرب على المساجد وانتهاك حرمات الفتيات والسيدات ومنع وصول المواد الغذائية إلى معسكرات اللاجئين وفيهم كبار السن الفانون من الرجال والنساء، وصغار السن من الأطفال الرُّضَّع وغير الرضع، ولك أن تقارن بين النماذج التي تفيض سماحة ورأفة التي مصدرها الإسلام وبين هذه النهاذج الوحشية الت يمارسها الغرب الصليبي، وتساندهم فيها بقايا الشيوعية الحاقدة. ومع هذا يحلو للغرب - ساسة ومفكرين - أن يصفوا الإسلام بالإرهاب وسفك الدماء وقتل الحريات. ولن نملك إلا أن نقول لهم كما قال الصادق المصدوق ﷺ : "إذا لم تستح فاصنع ما شئت"؟
ثم هل يملك نظام من النظم القديمة أو الحديثة، أو تاريخ من التواريخ واقعة كلها عدل وسماحة كالتي أشرنا إليها من قبل من إنصاف الخليفة عمر بن عبد العزيز وقاضية المسلم لأهل سمرقند؟
أم يملك نظام ما من النظم مثل سماحة الإسلام التي عبَّر عنها أبو عبيدة حين رد لأهل الصلح كل ما أخذه منهم مقابل حمايتهم من الأخطار حين أحس بعجزه عن حمايتهم؟!
وما أصدق قول الشاعر:
حَسَدَاً بَلَّغْنَهُ في حقها وقديماً كان في الناس حسد
* * *
стр. 154
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾
(البقرة: ٢٠٨)
* * *
стр. 155
الفصل الثالث علاقة المسلمين بغيرهم..... سلام أو حرب
هذا التساؤل قديم، وليس حديثاً، فقد تطرق الفقه الإسلامي الإجتهادي إلى هذه المسألة البالغة الحيوية. سألوا هذا السؤال، ثم اجتهدوا في الإجابة عليه، وكان لهم منه موقفان مختلفان، وقصدنا - هنا - إيجاز ما قيل؛ لأن المسألة لها صلة وثيقة بسماحة الإسلام في أحد شقيها كما سنرى قريباً بإذن الله.
* مذهبان مشهوران:
أسفر اختلاف الفقهاء حول الإجابة على هذا السؤال الحيوي عن مذهبين لهم في هذا المجال:
* حربٌ لا سلام:
هذا أحد المذهبين في المسألة، خلاصته أن علاقة المسلمين بغيرهم - يعني الدولة أو الدول الإسلامية - علاقة حرب لا علاقة سلام، علاقة خصام لا علاقة وئام، والقائلون بهذا القول تلمسوا له أدلة من القرآن والسنة معاً، فما هي أدلتهم يا ترى؟
* * *
* أدلة القائلين بالعلاقة الحربية:
للقائلين بالعلاقة الحربية:
للقائلين بأن علاقة المسلمين بغيرهم من أهل الملل الأخرى هي الحرب لا السلام، أدلة متعددة، نكتفي بذكر بعضها توخياً للإيجاز مع الإشارة إلى أن ما لم نذكره ليس فيه جديد يضاف إلى ما سنذكره، فكل أدلتهم مع الاختلاف اليسير فيما بينها تدور حول معنى واحد، وكلها يجزئ بعضها عن بعض. وهذه الأدلة نوعان:
الأول: آيات أو بعض أيات من القرآن الكريم.
стр. 156
الثاني: بعض أقوال من السنة النبوية، ونعرض لهذه الأدلة على الترتيب المذكور.
* الأدلة القرآنية:
منها قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾
ومنها: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ .
ومنها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ .
ومنها: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ .
وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾
* * *
* الأدلة النبوية:
إن أقوى ما يستدل به أصحاب هذا المذهب القاضي بالعلاقة الحربية بين المسلمين وغيرهم، إنّ أقوى ما يستدلون به من السُنَّة النبوية هو قوله ﷺ : "أُمِرْتُ أن أُقاتِلَ النَّاس حتى يقولوا لا إله إلا الله ... ".
ونكتفي الآن بذكر هذه الأدلة. ثم يعود لمناقشتها واحداً واحداً بعد ذكر أدلة
стр. 157
القائلين بأن العلاقة بين المسلمين وغيرهم سلام في الأصل، لا علاقة حرب.
* * *
* أدلة القائلين بالعلاقة السلمية:
للقائلين بالعلاقة السلمية بين المسلمين وغيرهم أدلة كثيرة من القرآن الكريم والسنة العملية، والأدلة القرآنية بعضها يدعو إلى العفو والصفح العام عن المخالفين للإسلام، أيًاً كانت عقائدهم التي يؤمنون بها. وبعضها ذو دلالة واضحة وقوية على أن المخالفين للإسلام لا يجب قتالهم إلا في حالات استثنائية من أبرزها إذا قاتلوا هم المسلمين، أوظاهروا من يقاتل المسلمين، أو كانت بينهم وبين المسلمين عقود سلام وأمان فنقضوها ونكثوها، أو طعنوا في الدين وأظهروا ذلك الطعن، أو أرادوا المسلمين من ديارهم.
وبعضها يوصي المسلمين بحسن الجوار والإحسان إلى المخافين الذين لا يؤذون المسلمين بقول - طعن ظاهر في الدين - أو عمل يُلْحِق بالمسلمين أذىّ غير معهود.
فهذه ثلاثة أنواع من الأدلة القرآنية على علاقة السلام بين المسلمين وغيرهم.
ونمثل لها فيما يأتي حسب الترتيب المذكور.
* * *
* أدلة العفو والصفح العام:
* ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ .
стр. 158
* ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ .
* ﴿وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ (٨٨) فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾
* ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ .
* ﴿ ... وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ .
جميع هذه الآيات تدعونا إلى الصفح والعفو، أو الصبر على أذى أعداء الإسلام، أو الإعراض عنهم على ما هم عليه من إشراك وصدود.
* * *
* الأدلة المؤذنة بالقتال في الظروف الاستثنائية:
إذا قلنا إن الأصل عدم قتال المشركين إلا لموجب يقتضي ذلك فإن في مقدمة الأدلة على الأمر بوجوب قتالهم قوله تعالى:
* ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ .
* ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ .
стр. 159
* ﴿ ... فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ ... ﴾
* ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾ .
* ﴿اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ .
وفي هذه الآية حث على احترام مواثيق السلام بين المسلمين وغيرهم.
* ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (١٢) أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ .
* ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ .
* * *
* الأدلة الداعية إلى الإحسان:
أما ما ورد في القرآن الكريم من آيات تدعو المسلمين إلى الإحسان إلى غير المسلمين، فمنها قوله تعالى مخاطباً خاتم المرسلين ﷺ : ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ....﴾ .
أي إذا رفض الإسلام بعد سماعه كلام الله يُخَلَّى سبيله حتى يبلغ مكاناً يأمن فيه على نفسه دون أن يتعرض له أحد من المسلمين بأذى؟
* ومنها قوله تعالى: ﴿يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ
стр. 160
يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ .
* * *
* الأدلة من السُنَّة:
في السُنَّة العملية أدلة قاطعة على صلمية العلاقة بين المسلمين وغيرهم. وقد تقدم شأن المعاهدات التي عقدها النبي ﷺ مع اليهود وكل طوائفهم عقب الهجرة مباشرة، وفي أواخر حياته ﷺ في غزوة تبوك عقد معاهدات صلح مع كل من صاحب أيلة يحنة بن روبة، وأهل جرباء وأهل أذرح، وأكيدر دومة الجندل مع أنه كان وثنياً يعبد البقر، ومع نصارى نجران، كل هؤلاء وغيرهم عقد معهم معاهدات صلح مع إقرارهم على عقائدهم، وكان المسلمون أوفى الأطراف بالعهود والعقود، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ....﴾ .
ومعنى كل ما تقدم أن الكفر ليس سبباً في قتال المسلمين لأعدائهم بل لابد من انضمام سبب آخر يوجبه غير الكفر، فقتال المسلمين لليهود لم يكن سببه البقاء على اليهودية، بل لأن اليهود نقضوا عهودهم مع المسلمين وتآمروا على الإسلام، وحاولوا قتل صاحب الرسالة عن طريق السم مرة، وطريق الغدر الآثم مرة أخرى، وظاهروا أعداء الإسلام من المشركين والمنافقين على الاعتداء على المسلمين.
وحروب المسلمين مع نصارى العرب والروم لم يكن سببه هو النصرانية ولكن الروم عزموا عزماً قوياً على مداهمة المدينة عاصمة الإسلام في ذلك الوقت، وتأكد المسلمون بقيادة صاحب الدعوة من هذه المؤامرة فخرج إليهم ﷺ في جيش العُسْرة في غزوة تبوك قبل أن ينفذوا مخططهم الذي أبرموه في الخفاء.
стр. 161
وهكذا كان لكل قتال وقع بين المسلمين وغيرهم في عصر النبوة الذي قصرنا هذه الدراسة عليه، سبب غير الكفر أياً كان نوعه. وفي هذا كله أقطع الأدلة على أن الأصل في علاقة المسلمين بغيرهم هي السلام لا الحرب. وأن قتال المسلمين لغيرهم كان سببه "المحاربة" من غير المسلمين للمسلمين، وليس سببه الكفر المجرد كما يذهب من قال إن العلاقة بين المسلمين وغيرهم هي علاقة الحرب لا علاقة السلام.
* * *
* موازنة بين أدلة القريقين:
ذكرنا فيما تقدم أقوى أدلة الفريقين: القائلين بأن علاقة المسلمين بغيرهم علاقة حرب دائماً وفي كل حال: قاتلونا أو لم يقاتلونا، وفَواْ بعهودنا أو لم يفوا؛ لأن سبب قتال المسلمين لغير المسلمين هو الكفر فكيفما وجد الكفر وجب القتال. سواء أنضم إليه سبب آخر كنقض عهد أو اعتداء أو لم ينضم، فعلة الحكم عندهم هي الكفر؟!
وأدلة القائلين بأن علاقة المسلمين بغيرهم الأصل فيها: أنها علاقة سلام إلا إذا دعا داع لقتالهم، كأن يقاتلونا مثلاً. وعِلَّة الحكم عند هذا الفريق من العلماء هي: المحاربة. فمن حاربنا حاربناه، ومن لم يحاربنا فما جعل الله لنا عليهم سلطاناً.
ذكرنا أدلة هؤلاء وهؤلاء، أو ذكرنا أقواها، ونريد الآن أن نقوم بموازنة بين أدلة الفريقين، موازنة نصل منها إلى حقيقة العلاقة بين المسلمين وغيرهم:
أهي علاقة حرب وخصام دائماً؟ أم هي في الأصل علاقة سلام؟ ولنبدأ بالنظر في أدلة الفريق الأول ...
* مناقشة أدلة الفريق الأول:
كان أول دليل من القرآن ذكرناه للفريق الأول هو قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ
стр. 162
الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ....﴾
هذه الآية كانت ضمن توجيهات من الله لرسوله وللمسلمين تجاه حالات خاصة بين المسلمين والمشركين، فقد عاهد النبي وأصحابه مشركي العرب بإذن الله، فنكث المشركون ما عاهدوا عليه صاحب الرسالة وأصحابه إلا بني ضمرة، فقد حافظوا على العهد، فأمر الله رسوله أن يمهل من نكث عهده من المشركين أربعة أشهر، هي الأشهر الحرم، فلا يقاتلهم خلالها. ثم إذا انقضت الأشهر الأربعة قاتلهم إلا بني ضمرة، ثم عاد فاستثنى بني ضمرة من نقض العهود مرة أخرى حيث قال: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ أي لا تقاتلوهم - يعني بني ضمرة - ما داموا موفين بعههم لكم، فالاستثناء كما ترى متصل: أي استثنى مشركين من مشركين أعم منهم فدل ذلك على أمرين:
الأول: أن قتال رسول الله والمسلمين للمشركين كان سببه نقض العهود وليس الشرك.
الثاني: أن الإعراض عن بني ضمرة وترك قتالهم كان سببه وفاءهم بعهدهم للمسلمين على رغم أنهم مشركون.
والدليل على أن الأمر بالقتال كان خاصاً بمشركي العرب في قوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ قوله تعالى بعد ذلك بآيات: ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ....﴾ فْالَهمّ بإخراج الرسول ليس عاماً من كل المشركين في كل زمان ومكان، بل خاص بمشركي العرب في مكة قبل الفتح.
стр. 163
ويضاف إلى هذا أن صاحب الرسالة عام فتح مكة عفا عن هؤلاء المشركين جميعاً بعد كل الذي فعلوه معه ومع أصحابه وقال لهم في عفوه العام عنهم: "أذهبوا فأنتم الطلقاء" فكانت هذه السماحة الإسلامية سبباً في إسلام المشركين العرب جميعاً إلا من مات منهم على الكفر قبل هذا العفو الكريم.
* الخلاصة: ويعلم مما تقدم أن هذه الآية ليس فيها دليل للقائلين بأن علاقة المسلمين بغيرهم علاقة حرب لا علاقة سلام: لا جزماً ولا احتمالاً.
* * *
* الدليل الثاني:
وكان مما استدل به الفريق الأول من القرآن هو قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ .
هذه الآية الكريمة وما بعدها نزلت في شأن أهل الكتاب من اليهود والنصارى، وفيها أمر بقتالهم بعد أن فرغت الآيات التي قبلها من تفصيل بعض الأحكام في شأن مشركي العرب. وجاء الأمر بقتال أهل الكتاب لأن اليهود ارتكبوا جرائم فظيعة، في حق الإسلام والمسلمين، ولأن الروم - وهم نصارى - بيتَّوا النَّية على غزو ومحاربة الدعوة لا لأنهم يهود ونصارى وكفى. والصفات المذكورة من عدم الإيمان بالله واليوم الآخر، وعدم تحريم ما حرَّم الله ورسوله، وعدم العمل بالدين الحق صفات كاشفة عن حقيقة العدو وليست منشئة للحكم بقتالهم. وقد فصَّل القول في هذه المرحوم محمود شلتوت شيخ الأزهر الأسبق في رسالته القيمة: "القتال في القرآن". والواقع العملي لسنة رسول الله يؤيد ذلك، فقد سبق أنه ﷺ عاهد اليهود من قبل وأقرهم على عقائدهم، وعاهد نصارى نجران، بل وعاهد أهل دومة الجندل وهو وثنيون
стр. 164
يعبدون البقر. إذا فليس الكفر الذي ذكرت الآية بعض صوره هو السبب في الأمر بالقتال، وإلا لما عقد النبي صلحاً من قبل مع يهود أو نصارى أو وثنيين، ولما وقف منهم إلا موقف القتال؛ لأن ظاهر الآية تقضى به.
بل إن في هذه الآية نفسها دليلاً أقوى ما يكون الدليل على ذلك. إذ جعلت الآية قبول دفع الجزية منهياً للقتال المأمور به في صدرها. والجزية - هنا - ليس معناها بذل مقدار من المال، بل معناها مع هذا حصول اتفاق بينهم وبين المقاتلين يلتزمون فيه بالكف عن جرائهم ضد الإسلام والمسلمين. ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ ولو كان القتال قد وجب بسبب كفرهم لوجب استمراره حتى يسلموا أو يبيدوا عن آخرهم. ولم يقل بذلك أحد، ولا هو معنى من معاني الآية الكريمة؛ لاشتمالها على القيد المنهي للقتال.
* الخلاصة: ليس في هذه الآية دليل قط على وجوب قتال غير المسلمين بسبب الكفر المجرد، كما ذهب الفريق القائل بأن العلاقة بين المسلمين وغيرهم: علاقة حرب لا علاقة سلام.
* * *
* الدليل الثالث: أما الدليل الثالث فكان: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ....﴾
هذه الآية من العام الذي أريد به الخاص، لأن ظاهر معناها أن يقاتل المسلمون في كل زمان ومكان من يجاورهم من الكافرين في كل زمان ومكان. وليس هذا هو المراد كما ذهب عامة المفسرين. والصواب أن في تلآية توجيهاً للمسلمين في عصر النزول بعد أن تقرر قتال أعداء الإسلام من الفرس والروم وغيرهم. والفرس كانوا بالعراق، والروم كانوا بالشام في ذلك الوقت. فأمر الله المسلمين أن يبدأوا بقتال الروم لأنهم أكثر دنّواً للمدينة من الفُرس. ويرى بعض
стр. 165
المفسرين أن اليهود كانوا أقرب من الرون والفُرس لدنوهم من المدينة. فمعنى الآية إذا هو توجيه للمسلمين إلى الأصوب في خطة حرب متوقعة. فالبدء بالأقرب أحوط لما فيه من حماية ظهور المقاتلين وتأمين استراتيجيتهم الحربية، إذ لو بدأوا بالفُرس لانتهز الروم إما غزو المدينة، وإما الالتفاف على الجيش المسلم من الخلف، وقد جاء العمل العسكري الإسلامي تطبيقاً لهذا التوجيه الحكيم، حيث بدأ بنصارى العرب الخاضعين للروم قبل الروم أنفسهم وقبل الفُرس.
* الخلاصة: أن هذه الآية كسابقتيها ليس فيها دليل لمن قال إن علاقة المسلمين بغيرهم علاقة حرب لا علاقة سلام. وإلا لكان واجباً على مسلمي كل عصر وكل مكان أن يقاتلوا من يجاورهم من غير المسلمين. وهذا لم يقل به أحد سوى هذا الفريق الذين نناقش أدلتهم هنا. بل إن القرآن نفسه صريح في الدعوة إلى علاقة حسن الجوار لمن لا يتعرض لنا بأذى من غير المسلمين، وقد تقدم هذا في قوله في سورة الممتحنة: ﴿يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ... ﴾ .
* * *
* الدليل الرابع:
أما دليلهم الرابع فكان: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ .
وَرَدُّ الاستدلال بهذه الآية عليهم يسير؛ لأن القتال الذي أمر الله به المسلمين في هذه الآية قتال لرد العدوان القائم من المشركين على المسلمين. ومعن "كما" فيها هو "التعليل" باتفاق بين عامة أهل اللغة والبلاغة والمفسرين:
أي قاتلوهم جميعأً، لأنهم يقاتلونكم جميعأً. ولا خلاف بين العلماء سلفاً
стр. 166
وخاص أن قتال من يعتدي علينا واجب. فليس المراد من الأمر بالقتال فيها نطلقاً من لك قيد. بل هو نظير قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ أي: قتالاً لجفع قتال واقه علينا من العدو.
* الخلاصة: ليس في هذه الآية أي دليل للقائلين بالعلاقة الحربية الدائمة بين المسلمين وغيرهم من أهل العقائد الأخرى. فهي في وادٍ، وهم في واد آخر.
* * *
* الدليل القرآني الخامس:
وهو قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ... ﴾
هذه الاية الكريمة هي أقوى أدلتهم، فهي من سورة التوبة، التي نزلت في العهد المدني بعد البقرة وآل عمران والنساء، وقد تكرر نزول الآية مرة ثانية في سورة التحريم المدنية، آية رقم (٩) . ولهذا ذهب بعض العلماء إلى أن هذه الاية نسخت كل آيات العفو والصفح والصلح؟!.
والقول بالنسخ المذكور غير مُسلَّم؛ لأن نزول هذه الآية كان قبل غزوة تبوك، وقد تقدم أن النبي ﷺ عقد عدة معاهدات صلح في أثناء قيامه بغزوة تبوك، فلو كانت هذه الآية ناسخة لآيات العفو والصلح والصفح لما عقد النبي شيئاً من ذلك.
وخلفاؤه الراشدون عقدوا مصالحات كذلك من بعده، وما كانوا يفرضون الإسلام أو القتال إذا استجاب العدو للصلح وفهم صاحب الرسالة لمعاني النصوص القرآنية، وكذلك أصحابه رضوان الله عليهم أصوب وأدق من فهم من جاء بعدهم. فكيف يقال إن هذه الاية تسخت كل آيات الصفح والعفو والصح، ولو كان هذا النسخ مُسَلَّماً لورد الخبر به عن السلف، ولكنه اجتهاد
стр. 167
قد عورض بمثله - كما سيأتي - والأولى أن نحمل هذه الآية - وهي مطلقة - على النصوص القرآنية المتعددة التي شرعت القتال من أجل قتال غيرنا لنا، وحمل المطلق على المقيَّد أصل من أصول الفقه كما نعلم، وكثيراً ما عولجت به ظاهرة النصوص المتعارضة من حيث الظاهر، وكان مسلكاً محموداً للتوفيق بين النصوص الذي هو أولى من إعمال نص وتعطيل آخر.
* والخلاصة: أن هذه الآية ليس فيها دليل قطعي الدلالة على سلامة مذهب القائلين بأن العلاقة بين المسلمين وغيرهم، هي - دائماً - علاقة حرب لا سلام.
* * *
* الدليل النبوي:
أما الحديث الذي استدلوا به على لأن غير المسلمين لا يقبل منهم إلا الإسلام أو الحرب، وهو قوله ﷺ : "أُمِرْتُ أِن أٌقَاتِلَ النَّاسِ حتى يَقولوا: لا إلهَ إلاَّ الله ... "
وهو حديث متفق عليه كما تقدم. فهذا الحديث - مع صحته - ليس فيه دليل للقائلين بان علاقة المسلمين بغيرهم هي الحرب لا السلام. لأنه - كما نص كثير من العلماء - خاص بمشركي العرب دون غيرهم من الناس. وهذا مذهب جمهور العلماء، وحكى بعضهم عن الإمام مالك أنه عام في كل الكفار. وسبب الاختلاف نشأ حول الجزية هل تؤخذ من أهل الكتاب وحدهم؟ هذا هو صريح ما ورد في القرآن الكريم في آية التوبة: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ وألحقت السنة بهم المجوس حيث ورد في شأنهم: "سنوا فيهم سُنَّة أهل الكتاب" يعني: أن قتال أهل الكتاب والمجوس ينتهي إذا صالحوا على الجزية. أما غيرهم فلا يقبل منهم إلا الإسلام، فإن أبوا استمر
стр. 168
قتالهم حتي يسلموا أو ينفوا، وعبارة العموم المنسوبة إلى مالك حكاها الإمام الشوكانى في فتح القدير بقوله: "وقال الأوزاعي ومالك: إن الجزية تؤخذ من جميع أجناس الكفرة كائناً من كان".
بَيْدَ أن غيره ذكرها على غير هذه الوجه فقال: وعند مالك تؤخذ من نصارى العرب، وهذا القول هو الصواب والموافق للسنة العملية، لأن نصارى العرب أهل كتاب، والقرآن نص على أخذها من أهل الكتاب مع جواز إبقائهم على عقائدهم. وهذا ما حدث في السُنَّة العملية حيث صالح ﷺ نصارى نجران، وهم عرب على الجزية.
وبهذا يكون حديث: "أُمِرْتُ أِن أٌقَاتِلَ النَّاسِ حتى يَقولوا: لا إلهَ إلاَّ الله" خاصاً بمشركي العرب. وليس عاماً في جميع الناس وإنما خُصَّ مشركو العرب بهذا التضييق؛ لأن القرآن بلغة العرب نزل، وعلى رجل منهم يعرفون فضله وشرفه منذ الطفوله، فلا عذر لهم في رفض الإسلام، ولا شبهة تحول بينهم وبينه. بدليل أن قريشاً سارعت إلى الإسلام عام الفتح عن بكرة أبيها، لما رأت دلائل الحق فيه أظهر من الشمس، إذن فمن منهم على شركه بعد هذا الوضوح فليس له إلا السيف لأنه معاند مكابر.
* الخلاصة: أن هذا الحديث - مع صحته والاتفاق عليه - ليس فيه متمسك للقائلين بأن علاقة المسلمين بغيرهم علاقة حرب لا علاقة سلام.
وما من دليل لهم ذكروه على صحة مذهبهم بمنأى عن المناقشة الكاشفة بتوهين الاستدلال به. فهذا المذهب إن لم يكن أم إن لم نقل إنه ليس صواباً فهو مرجوح مرجوح، وليس له دليل واحد يبلغ الاستدلال به درجة اليقين أو ما يقرب منه من ظنٍ قوي، وهذا ما نتهى إليه بعض الفقهاء المحدثين من أمثال الشيخ عبد الوهاب خلاف في كتابه المعروف بـ "السياسة الشرعية".
* * *
стр. 169
* وقفة مع أدلة الفريق الثاني:
الفريق الثاني هو القائل بأن علاقة المسلمين بغيرهم هي علاقة سلام في الأصل لا علاقة حرب، وقد ذكرنا بعضاص من أدلتهم في ما مضى.
وكل أدلتهم سلمت من اي قدح في الاستدلال بها، اللهم إلا قولاً بالنسخ غير مجمع عليه.
فمن قائل: إن آية: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾
نسخت كل آيات الموادعة والمهادنة.
ومن قائل: إن آية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ ... ﴾ هي التي نسخت.
وقائل إن: آية: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ....﴾ هي الناسخة لآيات الموادعة والمهادنة.
وخالف بعضهم فقال: إن هذه الآيات منسوخة ومما نسخها قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ وهذ كلها أقوال اجتهادية ليس فيها إجماع قط.
ثم في المسألة قول ثالث يذهب إلى عدم النسخ في أي من أدلة الفريقين. فلا آيات القتال منسوخة، ولا آيات العفو والصلح منسوخة، بل إن كل الآيات معمول بها (محكمة) ، كل فيما يختص به، وعلى هذا تكون آيات القتال معمولاً بها إذا حاربنا العدو أو ظاهر من يحاربنا أو طعن في ديننا طعناً ظاهراً، أو أخرجنا من ديارنا، وتكون آيات الصلح والعفو معمولاً بها إذا جنح العدو للسلام واعتزلنا فلم يقاتلنا.
وهذا هو الصواب الأحق من القول بالنسخ. وقد أشار ابن عطية إلى أن قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ عند من قال إنه نسخ كل آيات الموادعة والمهادنة في القرآن، فإنه يلزم من هذا القول نسخ مائة آية وأربع عشرة من القرآن.
стр. 170
وهذا - فيمل يبدو - معنى بعيد، إذ كيف تعزل آية واحدة هذا القدر من الآيات مع إمكان الجمع بين كل هذه الأدلة كما تقدم، ويحبط بالقول بالنسخ في هذا الموضوع غموض آخر يجعل الجزم بالنسخ في أي من النوعين مستحيلاً، وهو ما تراه من تقديم وتأخير بين الآيات التي في إن بعضها نسخ الآخر، تقديم وتأخير في ترتيب الآيات في السور، وتقديم وتأخير في النزول، وهذا ملحظ لو تتبعناه لطال بما الحديث. فنكتفي بمجرد الإشارة إليه، ونخلص من هذا كله إلى أن الأصل في علاقة المسلمين بغيرهم هي السلام لا الحرب، وقد تواترت الأدلة القولية والعملية على صدق هذا المذهب وصحته.
أما أدلة من قالوا: إنها علاقة حرب لا سلام فلم يُسلَّم لهم الاستدلال بالنصوص التي ساقوها. وقد ناقشناها في إيجاز وبيَّنا درجة الاستدلال بها من القبول والرد، وهذا المذهب -: مذهب القول بالعلاقة السلمية - هو اللائق بسماحة الإسلام التس سقنا عشرلت الأدلة عليها في كل فرع من فروع هذه الدراسة. فالإسلام هو دين السلام في هذه الحياة الدنيا، سلام لجميع البشر لا للمسلمين خاصة، فالدماء والحقوق فيه مصونة بصرف النظر عن أي اعتبارت أخرى ترجع إلى الدين أو الجنس أو اللون, لكت شريطة أن لا يعتدي علينا أحد بقول أو فعل، وأن لا تنتهك حرماتنا ومقدساتنا، فإن صنع أحد معنا شيئاً من هذا فالمعاملة بالمثل هي الواجبة.
فإذا وجب قتال العدو، فالإسلام السمح الرحيم يوجه الجنود المسلمين توجيهاً أخلاقياً ليس له في غير الإسلام مثيل: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ .
فلا نقاتل إلا من قاتلنا، ولا نعتدي على من لم يقاتلنا، وفي السُنّة الطاهرة، والفقه الإسلامي أن أصنافاً من قوم الذين يقاتلوننا لا نقتلهم - وإن ظفرنا بهم - ولا نتعرض لهم بسوء قط وهم: النساء - الصبيان - الأجير - الضعيف -
стр. 171
المجنون - الراهب - المريض. وكل من لم يشترك في قتالنا. وقد روى أن النبي ﷺ رأى في إحدى غزواته امرأة مقتولة فأنكر ذلك على مَن قتلها.
هذا بالنسبة للأشخاص، وقد تقدم أن وصايا الخلفاء بعدم التعرض لما يسمى الآن بـ "الأهداف المدنية - كالأشجار والماشية" كانت من أبرز ما يوصون به المقاتلين. ضاربين للناس أورع الأمثال في السماحة والرحمة، ومكارم الأخلاق، ومسك الختام لهذه الدراسة هو قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ .
والحمد لله في الأولى، والحمد لله في الآخرة.
البلد الطيب الأمين: مكة المكرمة:
صبيحة وقفة عرفات ١٤١٣ هـ (الموافق ٣٠ مايو ١٩٩٣م)
عبد العظيم إبراهيم المطعنى
عفا الله عنه
* * *