Полный текст (171 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
عليهم أن يطيعوه، وأنت ممن أدركه هذا النبي، ولسنا ننهاك عن دين المسيح ولكنا نأمرك به".
فقال المقوقس: إني نظرتُ في أمر هذا النبي.... ولم أجده بالساحر الضال. ولا بالكاهن الكاذب.... وسأنظر، ثم وضع الكتاب في إناء من عاج وختم عليه وأمر بحفظه. ثم دعا كاتباً له يحذق اللغة العربية نطقاً وقراءة وكتابة. وأمره أن يكتب للنبي الكتاب الآتي:
"بسم الله الرحمن الرحيم.... لمحمد بن عبد الله من المقوقس عظيم القبط، سلام عليك، أما بعد: فقد قرأتُ كتابك، وفهمتُ ما ذكرت فيه، وما تدعو إليه، وقد علمتٌ أن نبياً بقى، وكنت أظن أنه يخرج بالشام، وقد أكرمن رسولك، وبعثتُ إليك بجاريتين لهما مكان في القبط عظيم، وبكسوة، وأهديت إليك بغلة لتركبها، والسلام عليك".
* * *
* تعقيب:
خلا كتاب النبي ﷺ من أي تهديد بالقوة إذا لم يسلم المقوقس وقومه، كما خلا من ذلك كتابه إلى ملك الحبشة من قبل. وأقتصر الكتابان على مجرد الدعوة السلمية إلى الإسلام.
كما خلا الحوار الحكيم الذي دار بين مبعوث رسول الله ﷺ حاطب بن أبي بلتعة، وبين المقوقس من تهديد بفرض الإسلام على القبط بقوة السلاح، بل لم يشر إلى ذلك ولو إشارة خفية، وإنما أعتمد حاطب على الإقناع بالوسائل السلمية كما ترى، ولم يكن المقوقس أكثر ذكاء ودبلوماسية في حواره وفي كتابه الذي بعث به إلى النبي من حاطب بن أب بلتعة، فقد كان ذكياً ماهراً في حواره مع المقوقس.
وكما ترى فإن صاحب الدعوة أكتفى برد المقوقس عليه ولم يتخذ تدابير أخرى حتى لقي الرفيق الأعلى. وربما كان رد عظيم القبط يحمل في بعض فقراته وعداً بالنظر والتثبت من الدعوة التي وجهها صاحب الدعوة إليه.
стр. 107
وكانت مارية القبطية - إحدى الجاريتين - أماً لولده إبراهيم، وكما كان المقوقس كريماً في إهدائه كان ﵇ كريماً في قبول ما أُهدى إليه، وقد انعقدت المصاهرة بين المسلمين وبين أهل مصر في ذلك الحين بسبب مارية القبطية، وكانت لهذه المصاهرة منزلة عند النبي ﷺ ، فقد أوصى المسلمين إذا فتحوا مصر من بعده أن يستوصوا بأهلها خيراً، لأن لهم نسباً وصهراً، وهذا ما حدث بالفعل عند فتح مصر في خلافة عمر بن الخطاب ﵁.
* * *
* كتابه إلى كسرى ملك فارس:
أما كتابه ﷺ إلى ملك الفرس فقد حمله إليه عبد الله بن حذافة السهمي وكان نصه: "بسم الله الرحمن الرحيم ... من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس. سلام على من أتبع الهدى. وآمن بالله ورسوله، وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأدعوك بدعاية الله؛ فإني أنا رسول الله إلى الناس كافة لينذر من كان حياً ويحق القول على الكافرين، فاسلم تسلم فإن أبيتَ، فإن إثم المجوس عليك".
* * *
* موقف ملك الفرس:
كان موقف ملك الفُرس من كتاب صاحب الدعوة ﷺ موقفاً غير كريم، وهو أول موقف يقفه رئيس جولة من رسائل النبي فيه خشونة وغلظة. فقد غضب كسرى من أن محمداً ﷺ كتب اسمه قبل اسم كسرى. فمزّّق الكتاب وقال: عبد حقير من رعيتي يكتب اسمه قبل أسمي؟ ولما بلغ أمره رسول الله قال: "مزَّق الله مُلكه". فلم يمض طويل وقت حتى انقض شيرويه بن كسرى عليه فقتله وتولى الأمر على فارس بعده. وعلم رسول الله ﷺ عن ظريق الوحي بمقتل كسرى على يد ابنه شيرويه وذاع الخبر عنه في شبة الجزيرة الهربية حتى وصل اليمن، وكان اليمن خاضعاً سياسياً للملكة فارس. ولما جاءت الأنباء من فارس نفسها تؤكد الخبر، أسلم باذان ملك اليمن من قبل فارس وأسلم كل
стр. 108
الفرس الذين كانوا في اليمن، بسبب صدق الخبر عن صاحب الدعوة الذي أذاعه ليلة وقوع الحادث.
* * *
* مغزى هذا الموقف:
إذا كان النجاشي والمقوقس من رسالتى رسول الله إليهما يخلوان مما يدعو إلى أي رد فعل عنيف، فإن موقف ملك الفُرس كان يقتضي إعلان الحرب عليه وعلى مملكته، للإهانة البالغة التي صدرت منه للرسالة والرسول. ومع هذا فإن شيئاً من هذا لم يكن. ومؤدى هذا كله أن حمل الناس على الإسلام بقوة السلاح لم يكن ولن يكون أبداً في الإسلام.
* * *
* كتابه إلى ملك الروم:
"بسم الله الرحمن الرحيم.... من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم. سلام على من اتبع الهدى، أسم تسلم. أسلم يؤتك الله أجرك مرتين. فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ .
وحمل الكتاب إلى هرقل الصحابي الجليل دحية بن خليفة الكلبي، ولم يتسرع هرقل في الرد، بل دعا إليه رجالاً من قريش كانوا بالشام للتجارة، وفيهم أبو سفيان بن حرب، فأخذ يسأل أبا سفيان - وكان ذلك قبل إسلامه - أشئلة دقيقة عن حياة صاحب الدعوى ﷺ قبل اليعثة وبعدها. ودار بينهما حوار طويل قال هرقل عقبة لأبي سفيان: "إن كان ما تقول - أي عن النبي - حقاً، فسيملك موضع قَدمىّ هاتين، وقد كنتُ أعلمُ أنه
стр. 109
خارج - أي مبعوث من عن الله - ولم أكن أظنه أنه منكم، فلو أني أعلم أني أخلص إليه - أي أصل إليه - لتجشمتُ لقاءه - أي لتحملتُ المشاق في سبيله - ولو كنتُ عنده لغسلتُ عن قدميه".
ثم أكرم مبعوث رسول الله ﷺ دحية الكلبي - وحَمَّله عن عودته من عندخ إلى المدينة هدايا نفيسة.
وموقف هرقل - كما ترى - موقف كريم شبيه بموقف المقوقس عظيم القبط بمصر. صحيح أن هرقل لم يعلن إسلامه ولا إسلام قومه، بَيْدَ أن بعض الروايات تذهب بأن همَّ بإعلان إسلامه، ولكن الروم، أو أهل الحماقة منهم، ثاروا عليه ثورة عظيمة، فجبن أمامهم وقال: إني أردت أن أختبركم، ولم أكن أقصد ما أقول؟!
وهذه الرواية لها ما يقويها من لاكم هرقل الذي ذكرناه آنفاً من تعقيبه على الحوار لذي دار بينه وبين أبي سفيان بن حرب. وأياً كان الأمر فإن كتاب صاحب الدعوة ﷺ إلى هرقل كان فتحاً عظيماً للدعوة بالطرق السلمية. فيه بلاغ وافِ بالإسلام.
* * *
* كتابه إلى المنذر بن ساوى:
كما كتب ﷺ كتاباً إلى المنذر بن ساوى أمير البحرين، وحمله إليه مبعوث رسول الله ﷺ العلاء بن الحضرمى - يدعوه فيه إلى الإسلام، فكتب المنذر كتاباً إلى صاحب الدعوة رداً على كتابه قال فيه:
"أما بعد: يا رسول الله، فإني قرأتُ كتابك على أهل البحرين فمنهم من أحب الإسلام وأعجبه، ودخل فيه. ومنهم من كرهه. وبأرضى مجوس (فُرس) ويهود، فأحدث إلىَّ في ذلك أمرك".
فكتب إليه ﷺ كتاباً آخر قال فيه:
"بسم الله الرحمن الرحيم.... من محمد رسول الله إلى المنذر بن ساوى سلام عليك. فإني أحمد إليك الله، الذي لا إلهَ إلا هو، وأشهد أنّ محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فإني
стр. 110
أذكرك الله ، فإنه من ينصح لنفسه، وإنه من يطع رسلي ويتبع أمرهم فقد أطاعني، ومن نصح لهم فقد نصح لي، وإن رسلي قد أثنوا عليك خيراً، وإني قد شفعتك في قومك. فاترك للمسلمين ما أسلموا عليه وعفوت عن أهل الذُّنُوب، فاقبل منهم، وإنك مهما تصلح فلم نعزلك عن عملك ... ومن أقام على يهودية، أو مجوسيةفعليه الجزية".
فهذه وثيقة اخرى من وثائق سماحة الإسلام، إذ تضمن هذا الكتاب صدور العفو عمن أبى أن يعتنق الإسلام من غير اليهود والفرس الذين كانوا في البحرين في ذلك العهد، كما أقرّ صاحب الدعوة إبقاء اليهود زالمجوس فيها على يهوديتهم ومجوسيتهم، ولو كان من مبادئ الإسلام أن يفرض نفسه على الناس، وهم له كارهون، ولو كان بقوة السلاح، لما توانى صاحب الدعوة لحظة في إعلان هذا الإجراء، لكن الإسلام - دين الفظرة - أقدر على سياسة النفوس من أن يضيق بها ذرعاً إذا أُعرضت عن هداه.
إن في هذه الوثيقة - وغيرها كثير - دحضاً قوياً لأولئك الذين يهرفون بما لا يعرفون عن الإسلام، أو يعرفون ولكن الحقد أعمى أبصارهم، وأًم آذانهم، وأوغر صدورهم. وحسابهم عند الله عسير.
* * *
* كتابه إلى أمير اليمامة:
وفي إطار التبليغ بما أنزل الله، كتب رسول الله ﷺ إلى أمير اليمامة هوذة بن عليّ كتاباً قصيراً جاء فيه:
"بسم الله الرحمن الرحيم ... من محمد رسول الله إلى هوذة بن علي، سلام على من أتيع الهدى، وأعلم أن ديني سيظهر إلى منتهى الخف والحافر، فأسلم تسلم، وأجعل لك ما تحت يدك".
وحمل الكتاب إليه سليط بن عمرو العامري، فكتب هوذة رداً قال فيه:
стр. 111
"ما أحسن ما تدعو إليه وأجمله، والعرب تهاب مكاني، فاجعل لي بعض الأمر أتبعك".
ولكن رسول الله ﷺ قال: "لو سألني قطعة من الأرض ما فعلت. باد، وباد ما في يديه".
ومات هوذة عقيب فتح مكة، ونعاه جبريل إلى رسول الله ﷺ . ولم يتخذ ﷺ أي إجراء حريب ضد هوذة في حياته حتى مات.
* * *
* كتابه إلى صاحب دمشق:
صاحب دمشق هو الحارث بن أبي شمَّر الغسانى، وإليه كتب رسول الله ﷺ الكتاب الآتي:
"بسم الله الرحمن الرحيم.... من محمد رسول الله إلى الحارث بن أبي شمر: سلام على من أتبع الهدى، وآمن به وصدَّق، وإني أدعوك إلى أن تؤمن بالله وحده لا شريك له، يبقى لك مُلْكك".
وحمل إليه الكتاب شجاع بن وهب الأسدى. فلما علم الحارث بما في الكتاب قال: من ينزع ملكي مني؟ أنا سائر إليه.... ولم يُسلم.
ووقف منه ومن رده صاحب الدعوة موقفه السلمي من الذين كاتبهم ولم يستجيبوا لدعوة الحق. ولو كان هدفه ﷺ فرض الإسلام بالقوة لجهز جيشاً وسار إليه. إنما هدفه البلاغ والله - وحده - يوم لا ينفع مال ور بنون. إلا من أتى الله بقلب سليم.
هذه سبع رسائل بعث بها صاحب الدعوة إلى الأمراء والملوك يبلغهم فيها ما أنزل الله.
أكتفينا بذكرها لنستخلص منها الحقائق الآتية:
стр. 112
* خلاصات موجزة:
* هذه الرسائل السبع من المحاولات الأولى لتبليغ الدعوة إلى العالم الخارجي، سواء أكان إلى أطراف شبة الجزيرة، أو ما بَعُد عنها، وهي تعبر تعبيراً صادقاً عن روح الإسلام السمحة قولاً وعملاً.
* إن صاحب الرسالة الخاتمة وقف موقفاً سلمياً أمام جميع الردود التي كانت صدى لرسائله، حتى مع الذين أساءوا التصرف في ردودهم، وصدرت عنهم حماقات يضيق بها صدر الحليم.
* وهذه الرسائل فيها تكذيب ودحض للدعاوي الجوفاء التي يروّجها الآن - وقبل الآن - خصوم الإسلام من الغرب، وعملاؤهم من لاشرق. حيث لم ترد عبارة: أسلم أو تمت، أو ما في معناها في أية رسالة بعث بها صاحب الدعوة ﷺ إلى رؤوساء الشعوب وملوكهم ولكن: أسلم تسلم، أي من عقاب الله وعذابه. وفي هذا نصح وتوجيه، لا يعادلهما أي نصح وتوجيه في الوجود كله. وحسبنا هذا القدر من الدلالة على سماحة الدعوة إلى الإسلام في السُنًّة القولية.
* * *
стр. 113
المبحث الثاني سماحة الدعوة إلى الإسلام في السُّنَّةِ العملية
سماحة الدعوة في السنُّة العملية بدأت مبكراً بمكة المكرمة قبل الهجرة، فمنذ بدأ صاحب الرسالة ﷺ الجهر بالدعوة بعد ثلاث سنين كانت فيها سرية، ومما نزل في هذا الشأن من القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤) إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ .
منذ هذا الوقت بالتحديد، قامت قريش فيوجه الدعوة، وشمرت عن سواعد هزلها وجدها لمناوأتها ودحرها، والقعود لها بكل مرصد:
* تصد عن سبيل الله وتبغيها عوجاً.
* تؤذي صاحب الرسالة بالقول والفعل.
* تضطهد من آمن به وتعذبه بكل ألوان التعذيب.
فقد روى البخاري ومسلم موقف صاحب الدعوة لما نزل عليه قول الحق: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ يقول البخاري: "صعد النبي ﷺ على الصفا، فجعل ينادي: "يا بني فهر، يا بني عدى".... حتى اجتمعوا، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولاً لينظر ما هة (أي ما الخبر) فجاء أبو لهب وقريش، فقال: "أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلاً بالوادي تريد أن تغير عليكم، أكنتم مُصَدّقي"؟ قالوا: نعم، ما جربنا عليك إلا
стр. 114
صدقاً. قال: "فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد". فقال أبو لهب: تَباً لك سائر الوم - اي هلاكاً - ألهذا جمعتنا؟ فنزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ "
ويوقل مسلم: "لما نزلت هذه الآية: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ دعا رسول الله ﷺ فعمَّ وخص، فقال: يا معشر قريش، انقذوا أنفسكم من النار. يا فاطمة بنت محمد، انقذي نفسك من النار. فإني - والله - لا أملك لكم من الله شيئاً. إلا أن لكم رحماً وسأبلها ببلالها".
* * *
* موقف قريش:
رأت قريش في الدعوة الجديدة - الإسلام - عدواً لدوداً لها. فقد كانت وثنية تعبد اللاَّت والُعَّزى ومناة وهُبَل، وأصناماً أخرى كثيرة دنسوا بها البيت الحرام، ونصبوها في بيوتهم. فلما جاء الإسلام بالتوحيد الخالص. علمت قريش أن في ذلك قضاء على آلهتها ودينها ودين آبائها. بل وعلى سيادتها وعزتها التي كانت تتدثر بالكفر والوثنية.
لذلك آلت على نفسها بأن تقف لهذا الدين بالمرصاد، وتكيد له ما في وسعها الكيد. ونفذت رغباتها من خلال محورين كان الثاني منها بديلاً عن الأول لما رأوا فشله وقلة جدواه.
أما الأول فكان - كما يسمى الآن -: الحرب الباردة.
وأما الثاني فكان: الاضطهاد والتعذيب والتنكيل، وتضييق الخناق على من أسلم مهما كان قوياً - كأبي بكر - أم ضعيفاً مثل خباب بن الأرت. وفيما يأتي حديث موجز عن المحورين على الترتيب لمذكور.
* * *
стр. 115
* الحرب الباردة:
جرَّبت قريش في التصدي للإسلام حرب الفكر أو الدعاية المضادة، ونشطت في هذا المجال نشاطاً واسع النطاق. سواء في مكة أو خارجها. ووزعت جهدها في ذلك على عدة جهات:
فمنها ما يختص بصاحب الدعوة ﷺ ومنها ما يختص بالقرآن الكربم، ومنها ما يختص بأتباع الدعوة الأوَّلين.
فصاحب الدعوة اتهموه بأنه ساحر، أو كاهن، أو مجنون، أو شاعر. وهذه التهم الأربع ورد ذكرها في القرآن مع تفنيدها والرد عليها. من ذلك قوله تعالى: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿.... أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ﴾ .
وهذه الأقاويل كلها من وحي الشيطان. والشيطان له وحي يوحيه إلى أولياءه، وليس هذا بخيال أو انتحال. وإنما هو حقيقة. فإذا تخاصم مؤمن وملحد. أو مُحق ومُبطل. وأورد المؤمن أو المحق براهينه في حلبة الجدال، سارع الشيطان يمد الملحد أو المبطل بأقاويل يزينها له، ثم يخدعه ليظل على ضلاله من الإلحاد أو الباطل، حتى لا تغلبه قوة الحق فينقاد له، ويخسر الشيطان جندياً من جنوده.
стр. 116
هذه الظاهرة صاحبت الرسالات السماوية كلها، فما من نبي أو رسول إلا وله وعدو من الإنس والجن، وقد حكى القرآن ذلك عن أعداء الرسالات قبل الإسلام، وما ردده أعداء الرسالة الخاتمة ما هو إلا صورة لما قاله أسلافهم من قبل.
يقول القرآن الأمين: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ... ﴾
ويقول: ﴿.... وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ .
ويقول ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾ .
* * *
* ردود القرآن:
وقد رد القرآن ردوداً خاطفة على بعض هذه الإفتراءات، لأنها أقل من أن يقام لها وزن. فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ ... ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ .
وهو مع كمال عقله يمتاز عن العقلاء جميعاً، بأنه ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ .
وفي القرآن مواضع أخر لذكر بعض هذه الأباطيل والرد عليها، وهي أباطيل كانوا - هم - لا يصدقونها، بل يرددونها بأفواهم عناداً وتكبراً.
* * *
* موقفهم من القرآن:
ومن حربهم الباردة التي شنوها ضد القرآن أن قالوا: إنه سحر، وشعر، وخرافات
стр. 117
الأوُّلين تلقاها محمد ﷺ عن مُعَلّم من البشر، وليس وحياً من عند الله، ولو كان القرآن خيراً لكانوا هم أولى باتباعه والإيمان به من أتباع محمد الذين أكثرهم فقراء وضعفاء، واستبعدوا أن يكون صاحب الرسالة مختصاً بالوحي من دونهم.
﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ ... ﴾
﴿.... هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾
﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ .
وقد تضمنت آية النحل أبلغ رد وأفحمه على دعوى المشركين أن محمداً يعلمه بشر، وكان الذي ينسبون إليه تعليم صاحب الرسالة ﷺ رجلاً أعجمياً لا يعرف العربية، ولا النبي يعرف اللغة الأعجمية التي يعرفها ذلك الرجل. وهو دليل عقلي قاطع مانع؛ إذ لا يصح في العقل أن رجلين لا يعلم كل منهما لغة الأخر أن يكون أحدهما أستاذاً ومعلماً للآخر، وهذا الدليل قائم في العقل إلى الآن، وحتى قيام الساعة.
ومن مواقفهم ضد القرآن الإعراض عن استماعه واللغو فيه وإثارة الضوضاء حوله حتى لا يسمعه أحد، مثل ما تصنع الدول الآن من "شوشرة" ضد إعلام دول أخرى إذا كان بينها عداء، وبخاصة الإعرم المسموع كالراديو.
وفي ذلك يقول الحق: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (٢٦) فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ .
* * *
стр. 118
* نصيب الأتباع من الحرب الباردة:
أما التابعون الأولون للدعوة، فقد أزدرتهم قريش، واحتقرتهم، واتخذت منهم مادة للسخربة والإضحاك والتضحيك، ورموهم بالسفه والضعف.
يقول القرآن الأمين حاكياً استهزاءهم بالمؤمنين: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (٣٠) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١) وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ﴾ .
وما يحكيه القرآن هنا صورة صادقة لما يسلكه الأشرار من الأبرار في كل عصر وأمة: أعمال ساقطة، وأقوال بذيئة، وحركات شيطانية وتعليقات مسفة، لذلك عقّب عليها القرآن فقال: ﴿وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ﴾ .
وحين كان يستميل صاحب الرسالة فريقاً منهم ليسمعوا كلام الله كانوا يشترطون طرد من حوله من الضعفاء والفقراء المؤمنين، ولكن الله كان يثبت رسوله الكريم في كل مرة حتى لا يستجيب لمطالبهم: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾
ثم ينذر هؤلاء المتطاولين على المؤمنين بسوء المصير يوم القيامة لعلهم يتذكرون، فيحكى لهم طرفاً مما سيكون يوم القيامة: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٣٥) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾
﴿وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ (٦٢) أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ (٦٣) إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ .
﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨) إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا
стр. 119
فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١٠٩) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (١١٠) إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾
إن الدعوة من سماحتها كان القرآن يعقب على كل صور الإنحراف التي يحكيها عن المشركين بما هو كفيل أن يهديهم سواء الصراط. ولكنهم آثروا الضلال على الهدى.
* * *
* الصدّ عن سبيل الله:
ومن أساليب الحرب الباردة أن المشركين كانوا يوظفون كل تلك المطاعن التي أثاروها حول صاحب الرسالة، وحول القرآن العظيم، وحول أتباع الدعوة الأولين. كانوا يوظفونها في الصدّعن سبيل الله، ومنع الناس من الدخول في الإسلام، فكانوا يتلقون الحجاج في مواسم الحج إلى بيت الله، ويثيرون الريب في قلوبهم ويحذرونهم من الاستماع إلى صاحب الرسالة، لأنه: ساحر، أو شاعر، أوكاهن، أو مجنون؟
ويحذرونهم من التصديق بالقرآن؛ لأنه: سحر، أو شعر، أو أساطير الأولين، أو إفك (كذب) افتراه محمد ﷺ .
ولما لم تُجد كل هذه الوسائل حاولوا استمالة صاحب الرسالة إلى مهادنتهم وعدم التعرض لدينهم ودين آبائهم، وطلبوا ذلك مرات، إما عن طريق العرض المباشر على صاحب الدعوة، أو عن طريق عمه أبي طالب الذي كان يكفل النبي ويحميه من كيدهم. ولكن جهودهم كانت تفشل في كل مؤة، وكان الإسلام يزداد قوة وإنتشاراً وعزاً. فقد أسلم عمر بن الخطاب، وهو من هو قوة وشكيمة، كما أسلم حمزة بن عبد المطلب، وهو من عظماء الرجال. عندئذ تبيَّنت قريش أن وسائلها السابقة لم تعد تفيدهم شيئاً في دحر الإسلام، وفكرت أن تقتل رسول الله ﷺ ، ولكنها خشيت عاقبة هذا الأمر، خاصة أن بني هاشم وبني المطلب تعاهدوا على حماية محمد ﷺ في نفس
стр. 120
المدة التي أسلم فيها حمزة وعمر ﵄ فازدادت الدعوة بهما قوة وحصانة. لذلك صممت قريش على تعديل في خطة المواجهة بإدخال وسائل أخرى أشد وقعاً، وأكثر عنفاً فاتخذت في سبيل ذلك ما يأتي:
* التعذيب البدني والاضطهاد:
اتخذت قريش قرارها الإنتقامي بتعذيب صاحب الرسالة ﷺ وأصحابه الأولين، وكان هذا القرار صادراً عن تشاور بينهم من خلال مجلس كُوَن من خمسة وعشرين عضواً من سادات قريش يرأسه أبو لهب عم رسول الله، فقرروا أن لا تألوا قريش جهداً في محاربة رسول الله وإيذاء أتباعه وتعذيب الداخلين في الإسلام والتعرض لهم بألوان من النكال والإيلام.
ثم مضوا في تنفيذ ذلك القرار. فأما صاحب الرسالة فلم يجرأول أن ينالوا منه شراً لمهابته وقوة شخصيته، ولأن الله كان يؤيده بالخوارق كلما هم أحد منهم لينال منه، وكان من أشد الناس إيذاء له جيرانه من المشركين، منهم أبو لهب، وامرأته، وعقبة بن أبي معيط، وعدى بن حمراء الثقفى، وابن الأصداء الهذيل، والَحَكم بن العاص وماتوا كلهم على الكفر إلا الحَكَم فقد أسلم، وكل ما ناله منه هؤلاء أمور خفيفة ليس لها وزن.
أما الداخلون في الإسلام من الرعيل الأول فقد أوقعوا بهم أذى فظيعاً، وعذَّبوهم - بدنياً - تعذيباً شنيعاً، وآلموهم إيلاماً موجعاً، وفي كتب السيرة وقائع من هذا القبيل. كما حدث لبلال ﵁ وكان مولى لأمية بن خلف الجمحي، فكان أمية يضع في عنقه حبلاً. ثم يأمر الغلمان بتعذيبه وجره على الأرض. ثم يضربه بالعصا أو يلقيه في الرمضاء عاري البطن والظهر ويضع على ظهره صخرة لئلا يتحرك، أو يضع الصخرة على صدره ثم يقول: لا تزال على هذا حتى تموت أو تكفر بمحمد، وتعبد اللات والعزى؟ فيقول بلال في عزم وقوة: أُحُد. أُحُد. لاهجاً بكلمة التوحيد.
стр. 121
وما حدث لعمار بن ياسر وأبيه وأمه، إذ كان المشركون يوقعون بهم أشد ألوان التعذيب، ويطرحونهم في العراء تحت حر الشمس ورمضاء الرمال الحارقة ولا يرحمهم أحد، وكان صاحب الدعوة إذا مر بهم وهم يُعذَّبون لا يفعل شيئاً سوى أن يقول: "صبراً آل ياسر، فإن موعدكم الجنة"، ومات ياسر أبو عمار تحت وطأة العذاب. أما سُمَّية - أم عمار- فقد طعنها أبو جهل بحربة في "قُبُلها" فكانت أول شهيدة في الإسلام ثم تفرغوا لعمار فضاعفوا تعذيبه بكل قسوة وغلظة وهم يقولون له: لن تترك حتى تسب محمداً، أو تمدح آلهتنا، فتظاهر بالقول ليفدى نفسه، ثم قدم على صاحب الرسالة ﷺ باكياً معتذراً فأنزل الله فيه قوله تعالى: ﴿ ... إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ ... ﴾ .
وما فعلوه مع بلال ومع آل ياسر فعلوهمع خباب بن الأرت فكانوا يضعون على ظهره الفحم الملتهب، أو يرصون فوقه الصخور حتى لا يستطيع حراكاً؟!
وصنعوا مثل هذا مع الإماء اللاتي أسلمن. كل ذلك والمسلمون - سواء منهم من عُذّب ومن كانت له عشيرة تحميه - لا يملكون إلا الصبر الجميل وقوة الإحتمال، وكان صاحب الدَّعُوة يُرغَّبهم في الصبر، ويذكر لهم قصص المؤمنين في التاريخ النبوي القديم، وكيف كانوا يتدثرون بالصبر على ما أصابهم، فما ضعفوا وما استكانوا حتى لقوا الله صابرين محتسبين.
* * *
* الهجرة إلى الحبشة:
وخاف فريق نت المرمنين من أن يُفتنوا في دينهم تحت وطأة التعذيب، التي اشتدت في السنة الخامسة من البعثة الشريفة، وكان الذي أوعز إليهم بالهجرة نزول سورة الكهف التي وردت فيها قصة الفتية الذين آمنوا بربهم وزادهم هدى، وهجروا قومهم إلى الكهف فراراً بدينهم. فلاحت فكرة الهجرة من مكة التي ضاق بهم فيها المقام.
стр. 122
﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا﴾
ففي رجب سنة خمس من البعثة هاجر أول فوج من مكة إلى الحبشة مكوناً من اثنى عشر رجلاً وأربع نسوة، كان يرأسهم عثمان بن عفان، ومعه زوجه الطاهرة رقية بنت صاحب الرسالة. وفي هذه الهجرة يقول ﷺ : "إنها أول بيت هاجر في سبيل الله بعد إبراهيم ولوط ﵉". وخرج الفوج من مكة ليلاً حتى لا تشعر بهم قريش فتحول بينهم وبين الخروج.
ثم هاجر المسلمون مرة ثانية إلى الحبشة لما أشتد عليهم العذاب من قريش، وكان عددهم نحواً من ثلاثة وثمانين رجلاً، وتسع عشرة امرأة، وقد أكرم النجاشي ملك الحبشة وفادتهم، وقد حاولت قريش أن يتخلى النجاشي عنهم، ولكن الله أحبط محاولاتهم ومكَّن لمهاجري المسلمين المقام الكريم في الحبشة.
* * *
* تهديد أبي طالب:
مشى سادات قريش إلى أبي طالب عم النبي يهددونه بالحرب إذا لم يكف صاحب الرسالة عنهم، وقالوا له: "يا أبا طالب، إن لك سناً وشرفاً ومنزلة فينا، وإنا قد استنهيناك ابن أخيك فلم تنه، وإنَّا - والله - لا نصبر على هذا من شتم آبائنا، وتسفيه أحلامنا، وعيب آلهتنا، حتى تكفه عنا، أو ننازله وإياك حتى يهلك أحد الفريقين".
ولما قص أبو طالب القصة على صاحب الرالسة وقال له: "هوّن علىَّ وعلى نفسك، ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق، وثب ﵇ وثبته الخالدة وقال لعمه: "والله - يا عماه - لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري وخزائن الأرض طوع يدىّ، على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى أهلك فيه، أو يظهره الله".
стр. 123
وإزاء هذا الإصرار رقّ قلب أبي طالب وقال: أذهب يا بن أخي وقل ما أحببت، فوالله لا أسلمك لشيء أبداً.
وحاولت قريش مرة أخرى التفاوض مع أبي طالب على أن بعطزه فتى وسيماً حكيماً من فتيانهم ليتخذه ولداً، ويعطيهم محمداً ليقتلوه؟ فثار أبو طالب في وجوهم وسفَّه رأيهم رفض ما أرادوا، وقال لهم: افعلوا ما بدا لكم.
* * *
* مؤامرة لقتل صاحب الدعوة:
فكرت قريش في قتل صاحب الدعوة، وحاولواذلك مرات ولكن الله أبى، لأنه حافظ رسوله من كيد الكائدين.
* * *
* مقاطعة بني هاشم وبني المطلب:
وفي العام الثامن من البعثة الشريفة عزمت قريش - إلا قليلاً منهم - على مقاطعة بني المطلب وبني هاشم عشائر النبي. وقرروا: أن لا يناكحوهم، ولا يبايعوهم، ولا يجاسوهم، ولا يخالطوهم، ولا يدخلوا بيوتهم، ولا يكلموهم حتى يسلموا لهم رسول الله ﷺ ليقتلوه. وكتبوا بذلك صحيفة، وعلقوها في جوف الكعبة. فدعا رسول الله على كاتبها فشُلَّت يده.
إنه - بلغة العصر - حصار اقتصادي واجتماعي عنيف ضد النبي ومناصرية، وانحاز بنو المطلب وبنو هاشم إلى شِعْب أبي طالب، وقضوا فيه ثلاثة أعوام لقوا فيها عنتاً وفسوة وحُرِمُوا أسباب الحياة من الطعام والشراب، فأكلوا أوراق الشجر والجلود، وهزلت أجسامهم وأصفرت وجوهم من الجهد والحرمان.
وفي المحرّ من السنة العاشرة قام خمسة من شباب قريش أمهاتهم من بني المطلب فنقضوا الصحيفة ومزَّقوها وفكوا الحصار الذي كان مضروباً على النبي ومناصرية. ووجد هؤلاء الشباب الخمسة معارضة شديدة من سادات قريش، ولكن الله كان بالمؤمنين رحيماً.
стр. 124
والشباب الخمسة هم: هشام بن عمرو، وزهير بن أمية، والمطعم بن عدى، وأبو البحتري ابن هشام، وزمعة بن الأسود.
وبهذا العمل الجليل أزال الله عن النبي ومناصريه الغمة، وأحل اليُسر مكان العسر، والفرج مكان الضيق. وأنتصر الحق على الباطل وظهرت للأعداء قزة الإسلام. والعاقبة للتقوى.
* * *
* خلاصات موجزة:
سردنا في إيجاز سريع موقف قريش من الدعوة قبل الهجرة، وركزنا على ما بذلته من جهود في حربها الباردة وحربها الساخنة ضد الإسلام: رسولاً وقرآناً وأتباعاً. وكيف أنزلت صنوف التعذيب بالضعفاء من السابقين الأولين إلى الإسلام، وتفننت في وسائل التعذيب بالقدر المتاح لها كما تتفنن زبانية النظم الحديثة ضد خصومها السياسيين الآن في دول العالم: أساليب إجرامية وحشية تعصف بكل قيم الإنسانية الرحيمة. ومع ذلك فإن المسلمين في مكة في ذلك الوقت لم يشهروا في وجوه جلاديهم رمحاً ولا سيفاً، ولم ينثروا عليهم نبالاً، ولم يرشقوا سهماً، بل تحلوا بالصبر، واحتسبوا ما نالهم عند الله واضطر فريق منهم إلى ترك البلاد فراراً بدينهم.
والقرآن العظيم الذي كان جبريل رواًحاً به غدَّاء - كما قال أمير الشعراء شوقي - لم يأمرهم بقتال عدوهم، ولو كان أمرهم لفعلوا. وقد استأذن بعضهم صاحب الرسالة في التصدي للعدو مرات، فكان يقول: "لم أوذن بقتالهم"، حتى كانت الهجرة الكبرى إلى يثرب بعد عشر سنين من الجهر بالدعوة، فأين الإرهاب والعنف وسفك الدماء ومصادرة الحريات التي يتهمون بها الإسلام إذن؟ هذا فيما يتصل بالعهد المكي قبل الهجرة.
* * *
* سماحة الإسلام في العهد المدني بعد الهجرة:
بقى جانب مهم من سماحة الدعوة إلى الإسلام في العهد المدني بعد الهجرة. وقد بدأ
стр. 125
عقب الهجرة مباشرة. وترجع أهمية هذا الجانب إلى أن أعداء الإسلام المعاصرين قد يقولون - وقد قال بعضهم بالفعل - إن المسلمين في مكة، قبل الهجرة تحمّلوا ما تحمَّلوا، لأنهم كانوا ضعفاء ولا قُدرة لهم على جحافل قريش وهم ذوو قوة وبطش.
أما في العهد المدني بعد الهجرة فمثل هذا القول غير متاح لأعداء الإسلام فالله قد أعز فيه الإسلام بعوامل قوة لم تُتَح لهم قبل الهجرة.
* فمن ذلك إعزاز الله الإسلام بالأنصار من أوس وخزرج وهم أهل يثرب. بما لهم من قوة عددية، وخبرة قتالية، وتمرس على فنون القتال.
* ومنها جمع شمل المهاجرين من أهل مكة، وحصولهم على الأمن والاستقرار.
* ومنها تنظيم مجتمع المدينة الجديد، والمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار.
* ومنها قيام الدولة الإسلامية الحديثة متمتعة بكل ما تتمتع به الدول قديماً وحديثاً من أركان قيام الدول واستقلالها. ومع هذا توشحت الدعوة إلى الإسلام في ظل هذه القوة بالسماحة وسعة الصدر كما كانت قبل الهجرة، وإذا أمكن لأعداء الإسلام أن يُفسّروا سماحة الدعوة قبل الهجرة بالضعف وقَلَّة الحيلة، فلن يمكن لهم أن يُفسّروا سماحة الدعوة بعد الهجرة ذلك التفسير، ولو فعلوا ما صدَّقهم أُحد. هذا هو معنى الأهمية الذي أشرنا إليه من قبل، ولنأخذ - الآن - في سوق الأدلة من السيرة العطرة المنقولة إلينا عبر الأجيال والعصور نقلاً متواتراً.
* * *
* معاهدة اليهود وإقرارهم على عقائدهم:
عادى اليهود الدعوة إلى الإسلام من أول يوم سمعوا بها فيه، لأن التوراة التي كانت بين أيديهم بشَّرت - مرات - برسول جديد يختم به الله الرسالات السماوية، وكانوا يعتقدون أنهم سيكونون مصدر ذلك الرسول، وكانوا يهددون أهل يثرب بظهوره منهم فتكون لهم الغلبة عليهم في يثرب. فلما بعثه الله من العرب حقدوا وحسدوا وأضكروا العداء، ثم توَّرط في محاربة الدعوة قبل الهجرة، إذ كانوا بمثابة المستشار لمشركي مكة، الذين كانوا يلجأون إلى اليهود، لأنهم أهل كتاب، ولهم خبرة بالتاريخ النبوي
стр. 126
فكان اليهود يمدونهم بالأسئلة التي يجادلون بها صاحب الرسالة ﷺ . ومع هذا فماذا صنع معهم بعد أن استقر به المقام بالمدينة؟
عرض عليهم الإسلام فأبوا. فلم يجبرهم عليه بقوة السلاح، ولم يستعمل ضدهم أية وسيلة من وسائل الضغط والإكراه، بل عقد لهم معاهدة أمان سلمية، أقرّهم فيها على عقائدهم وتأدية شعائرهم وطقوسهم الدينية حسب ما يعتقدون، وجعلهم مواطنين لهم من الحقوق، وعليهم من الواجبات ما على المسلمين سواء بسوء، لا محاباة ولا ظلم فيها، وفيما يلي نصوص وبنود المعاهدة:
* نصوص المعاهدة بين المسلمين واليهود:
"إن يهود بني عوف أُمة مع المؤمنين، لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم، مواليهم وأنفسهم. كذلك لغير بني عوف من اليهود.
وإن على اليهود نفقتهم، وعلى المسلمين نفقتهم.
وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة.
وإن بينهم النصح والنصحية، والبر دون الإثم.
وإنه لا يأثم امرؤ بحليفه.
وإن النصر للمظلوم.
وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين.
وإن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة.
وإنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده، فإن مرده إلى الله ، وإلى محمد رسول الله ﷺ .
وإنه لا تُجار قريش، ولا مَن نصرها.
وإن بينهم النصر على مَن دهم يثرب، على كل أناس حصتهم من جانبهم الذي قبلهم.
стр. 127
وإنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم أو آثم".
هكذا بكل وضوح وصراحة وعدل ومساواة أبرمت المعاهدة بين اليهود، وبين المسلمين، والنظر في بنود المعاهدة يرينا حقيقة رائعة، وصورة ناصعة لسماحة الإسلام دين الفطرة، تلك الصورة الرائعة هي:
المساواة التامة بين اليهود والمسلمين في كل الحقوق والواجبات العامة والخاصة. ليس فيها محاباة ولا مضارة لأحد. اللهم إلا في الدين. فلليهود دينهم. وللمسلمين دينهم، وما عدا ذلك فهم سواء فيه.
ومن سماحة الإسلام أن بنداً من بنود المعاهدة مج دمجاً تاماً بين اليهود والمسلمين فجعلهم أمة واحدة، وهو البند الأول، كذلك فإن البند الرابع نص على التعامل بين الفريقين بالنصح الخالص دون الخدلع والغش. وبالبر والإحسان دون الظلم والإثم.
وأن البند الثامن جعل يثرب - المدينة - وطناً للجميع لا فرق بين يهودي ومسلم. كلهم في ذلك سواء.
* * *
* ملحظ ذو خطر:
في البند التاسع نص دستوري ذو خطر عظيم، وهو الذي اختص بالحكم في المنازعات التي قد تحدث في المستقبل بين أهل يثرب - المدينة - بكل طوائفهم يهوداً ومسلمين. فقد جعل هذا النص الدستوري أن أساس الحكم في ذلك مرده الله ورسوله: أي أصول الشريعة الإسلامية قرآناً وسُنَّة. وقد وافق اليهود - ضمناً - على هذا النص الذي معناه:
أولاً: أن الفصل في المنازعات والخضومات أياَ كان نوعها يخضع لشريعة الإسلام، سواء أكان أطراف الخصومة يهوداً أو مسلمين أو مختلفين: طرف يهودي، وطرف مسلم. فعلى القاضي المسلم أن يُحكّم شريعة الله بين المتنازعين غاضاً الطرف غن الانتماء الديني لأطراف الخصومة.
стр. 128
ثانياً: أن ما يتصل بشئون العقيدة والعبادة لا قيد فيه على أحد، يمارس اليهود عبادتهم على وفق عقيدتهم في حرية تامة لا سلطان لأحد عليهم. وكذلك المسلمون يتمتعون بحرية تامة في شئون العقيدة الإسلامية، والعبادات المتفقة معها.
هذا النص الدستوري العام فيه دحض واضح لما يردده من لا فقه لهم بالإسلام وأصوله، الذين يقفون في وجه تطبيق الشريعة في مصر بحُجًّة أن مصر بها غير مسلمين من مواطنيها القبط، فكيف تُطَّبق الشريعة عليهم وهم بها غير مؤمنين؟
هذه الشبهة مدفوعة بكل قوة وحسم، لأن الشريعة لن تطبق عليهم إلا في الحكم في المنازعات التي طرفاها غير مسلمين إذا رفع أحدهم الدعوى أما القضاء.
أو كانت الخصومة ناشئة عن جريمة ارتكبها أحدهم ضد الآخر من الجرائم التي تتولى النيابة العامة رفع الدعوى فيها كالاعتداء على المال أو العرض أو النفس أو ما دون النفس من الأطراف وأعضاء الجسم.
أو كانت الخصومة بين طرفين مسلم وغير مسلم، في جميع هذه الحالات تطبق شريعة الله.
أما ما يتصل بالأمور الدينية البحتة من مراسم التزويج أو العبادات فهذا لهم فيه مطلق الحرية، ولا سلطان لأحد عليهم، حتى الخمور إذا شربوها معتقدين حليتها عندهم فلهم ذلك ما لم يخل شربها بالنظام العام كظهور شاربها في الطريق العام وهو يترنح ويهذى ويقذف غيره ويسبه.
هذه هي سُنَّة رسول الله في الحكم عمل بها مع نشأة الدولة الإسلامية عقب الهجرة مباشرة. وإذا قضى الله ورسوله أمراً فلا مناص من امتثاله والعمل به مهما لغط الكارهون لما أنزل الله. وقد جرَّب قبط مصر سماحة الإسلام منذ فجر التاريخ الإسلامي في مصر، وسماحة الإسلام هي ظله الذي لا ينفك عنه في كل عصر وبيئة، شريطة أن يتولى الحكم بالإسلام رجال فاقهون له، عالمون بأصوله ومقاصده، لا رجال ليس لهم من الإسلام نصيب سوى الأسماء والوراثة الفارغة كم كل محتوى.
* * *
стр. 129
* سماحة.... لا إرهاب:
معاهدة النبي ﷺ لليهود وثيقة من أعظم وثائق التاريخ على سماحة الإسلام، وسعة صدره. فقد أقر اليهود على عقائدهم وشعائرهم الدينية. ولم يُكْرههم على قبول الإسلام وهم له رافضون. ولو كان من مبادئ الإسلام حمل الناس على اعتناقه بالقوة لما وضع صاحب الرسالة ﷺ تلك المعاهدة العادلة بينه وبينهم، ولناصبهم العداء منذ قيام دولة الإسلام في المدينة، أو لأهملهم دون أن يعقد معهم أي اتفاق ريثما يستعد لمصاولتهم، ولكن شيئاً من ذلك لم يحدث.
وظل اليهود يتمتعون بالمزايا الدينية والاجتماعية، ويرفلون في حلل الحرية والأمن دون أن يتعرض لهم أحدٌ بسوء، عملاً بما جاء في تلك المعاهدة المبرمة بين الطرفين. وفيَّ لهم المسلمون بكل حرف فيها، ولكن لما نقض اليهود أنفسهم بنود المعاهدة، وتآمروا على الإسلام وعلى المسلمين، وناصروا عدو المسلمين عليهم وجب أن يعاملوا بالمثل كما سيأتي في الفصل الخامس من هذه الدراسة.
* * *
* صلح الحديبية:
بعد هجرة المسلمين إلى المدينة ظلوا محرومين من دخول مكة، والبيت الحرام للصلاة فيه والطواف حول الكعبة، والسعي بين الصفا والمروة ست سنين، وقد طال شوقهم إلى مكة والبيت الحرام. ورحمة من الله بعباده أرى رسوله رؤيا منامية - ورؤيا الأنبياء وحي - أنه هو وصحُبه يدخلون المسجد الحرام للعمرة آمنين، محلَّقين رءوسهم ومقصَّرين. فقص النبي أمر هذه الرؤيا على أصحابه ففرحوا. وخرج ﵇ إلى مكة للاعتمار في ألف وخمسمائة من أصحابة وساقوا معهم الهعدى وقلَّدوه ولم يحملوا معهم سلاح قتال، وبث النبي العيون ليأتوه بخبر قريش ماذا تفعل إذا علمت بمقدم المسلمين بقيادة صاحب الدعوة ﷺ .
وجاءته العيون تؤكد إصرار قريش على قتاله ومنعه من دخول مكة، وحين عسكر النبي وأصحابه قريباً من مكة عندى الحديبية، جهزت قريش جيشاً بقيادة خالد بن الوليد قبل أن
стр. 130
يسلم، وعسكر خالد بجيشه قريباً من معسكر المسلمين ورآهم خالد يصلون الظهر جميعاً خلف رسول الله فحدَّثته نفسه أن لو عادوا إلى الصلاة هكذا مرة أخرى أن يباغتهم وهو غافلون في الصلاة فيحصدهم حصدة واحدة، أي في صلاة العصر، فأنزل الله تشريع صلاة الخوف الذي يقضي بتقسيم الجيش قسمين، قسم يبدأ الصلاة جماعة خلف رسول الله، وقسم يقف خلفهم بالسلاح يحمونهم من إغارة العدو عليهم. ثم يسرع القسم الذي صلَّى خلف النبي أولاً فيكملون صلاتهم قبل فراغ النبي من إتمام كل الصلاة، ثم يأتون فيأخذون مكان القسم الأول من المراقبة والحراسة، ويلحق القسم الثاني فيُصلَى خلف النبي جماعة ما بقى من الصلاة، ثم يكملون صلاتهم بعد سلامه منها. وبهذا فوَّت القرآن على خالد بن الوليد فرصة الإنقضاض على المسلمين وهب في الصلاة.
﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً ... ﴾ .
هذا، وقد أوفد النبي إلى قريش من يخبرها أنه جاء معتمراً ولم يجيء محارباً، فأوفدت قريش أربع وفادات الواحد تلو الآخر ليتأكد من صدق الخبر، وفي كل مرة كان يرى الوافد أن المسلمين ساقوا معهم الهَدْى وأن قصدهم العُمرة وليس القتال. ثم أوفد إليهم صاحب الرسالة ﷺ عثمان بن عفان متحدثاً رسمياً عن المسلمين بأنهم جاءوا معتمرين لا مقاتلين. وبعد جهد جهيد وافق سادات قريش دون شبابهم على عقد الصلح، فأوفدوا سهيل بن عمرو لينوب عنهم في إبرام الصلح مع المسلمين، فتكلم سهيل طويلاً مع صاحب الرسالة ﷺ ، ثم اتفقا على بنود الصلح وهي:
* بنود صلح الحديبية:
١- الرسول ﷺ يرجع من عامه (هذا) فلا يدخل مكة. وإذا كان العام القابل دخلها المسلمون فأقاموا بها ثلاثاً - أي ثلاث ليال - معهم سلاح الراكب - أي السلاح الذي اعتاد
стр. 131
العرب حملة في أسفارهم: السيوف في القرب - أي مغمودة في كساويها - ولا يتعرض لهم بأي نوع من أنواع التعرض.
٢- وضع الحرب بين الفريقين عشر سنين: يأمن فيها الناس، ويكف بعضهم عن بعض.
٣- من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدها دخل فيه. ويُعتبر القبيلة التي تنضم إلى أي الفريقين جزءاً من ذلك الفريق. وأي عدوان تتعرض له أي من هذه القبائل يعتبر عدواناً على ذلك الفريق.
٤- من أتى محمداً من قريش من غير إذن وليه ردّه عليهم، ومن جاء قريشاً ممن مع محمد لم يُرَد عليه؟!
خذخ هي بنود الصلح، وهي غير متكافئة، إذ اشترطت قريش على النبي أن يرد عليها كل من جاء إليه هارباً من قريش، وأن لا ترد هي عليه من جاءها هارباً من الذين اتبعوه ﷺ ، وقد أثار هذا البند سخطاً عظيماً بين أصحاب رسول الله ﷺ ، وأبدوا معارضة شديدة حوله ولكنه ﵇ بثاقب نظره، وسعة أفقه أقره، وهذه بلا نزاع سمة من سمات سماحة الإسلام.
وقد اكتف عقد الصلح وقائع أخرى ذات دلالة واضحة على سماحة الإسلام.
* ومن ذلك أن سهيل بن عمرو - وكيل قريش والمفاوض باسمها - عند أملى رسول الله ﷺ علياً ﵁ كاتب عقد الصلح أن يكتب: "بسم الله الرحمن الرحيم". رفض سهيل كتابتها وقال: ما ندري ما الرحمن؟ أكتب: "باسمك اللَّهم" فأمر النبي علياً بكتابه ما أشار به سهيل.
"ومنها أن النبي لما أملى علياً قوله: هذا ما صالح محمد رسول الله أعترض سهيل قائلاً: لو نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن أكتب: "محمد بن عبد الله" فقال ﵇: "إني لرسول الله وإن كذّبتمونيِ" ثم أمر علياً أن يكتب: "محمد بن عبد الله" ويمحو "رسول الله" فامتنع علي ﵁ فمحاها ﷺ بيده، وأكمل على كتابة العقد.
стр. 132
* ومنها: أن سبعين شاباً من قريش لما رأوا كبار القوم يميلون إلى التصالح مع صاحب الرسالة، وكانوا هم يريدون القتال، تسللوا خفية إلى معسكر المسلمين ليبدأوا معهم القتال ويُفوّتون على قومهم فرصة التصالح، إذا سيجبرونهم على قبول الأمر الواقع. فتنبه إليهم محمد بن مسلمة قائد الحرس الإسلامي فاعتقلهم جميعاً دون قتال، ولكن رسول الله ﷺ أفرج عنهم جميعاً دون أن يمسسهم أحد بسوء، وأدّا للفتنة، وحقنّا للدماء.
* ومنها أنه ﷺ قال قبل وقوع هذه الأحداث جميعاً: "والذي نفسي بيده، لا يسألوني (اليوم) خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها" ومن حرمات الله حفظ الدماء. هذه وقائع ناصعة البيان تنطق بلسان فصيح عن سماحة الإسلام ورحابة صدره، وأنه دين يتحمل سقطات الأعداء وحماقاتهم ويعفو أجمل ما يكون العفو، ويصفح أروع ما يكون الصفح، يرعى حرمات الله والناس، ويكره الفتن، ويبذل ما يستطيع البذل لإقرار السلام والأمان بين الناس، وإن كانوا قد ناصبوه هم العداء وضاقوا هم به ذرعاً.
فأين الإرهاب وسفم الدماء ومصادرة الحريات في الإسلام؟ وهذا تاريخه، وتلك سيرة رسوله ورجاله الأوَّلين.
أفما كان من حق المسلمين أن يخرجوا من المدينة مدججين بالسلاح لتنفذي رؤيا رسول الله وهي وحي صادق من الله.
ثم أفما كان من حقهم أن يأبوا على سهيل كتابة: "باسمك اللهم" ويصروا على كتابة: "بسم الله الرحمن الرحيم"؟.
وكذلك أما كان من حقهم أن يصروا على كتابة: "محمد رسول الله" بدل "محمد بن عبد الله" كما أراد سهيل بن عمرو مندوب قريش في إجراء عقد الصلح وإمضائه؟
ثم أما كان من حقهم أن يُعملوا السلاح في الشباب السبعين الذين اعتقلهم محمد بن مسلمة حين أرادوا مهاجمة معسكر المسلمين وهم آمنون؟
стр. 133
بل أما كان من حقهم أن يحتفظوا بهم أسرى حرب ويتخذوا منهم وسيلة ضغط على قريش في أثناء التفاوض على الصلح؟
أجل ... كل ذلك كان من حقهم ولو كانوا قد فعلوا لما وجد نقاد السيرة والتاريخ الإسلامي أية ذَرَّة من الاتهام يدينون بها المسلمين الأولين على ما فعلوا.
ولكن شيئاً من ذلك لم يحدث، لأن الإجرام والعدوان ليسا من أخلاق الإسلام، بل ما جاء الإسلام إلا ليمحو الباطل في أي صورة من صوره، ومنها الإجرام والغدر والعدوان والظلم.
ونكتفي بهذا القدر من النماذج الحية على سماحة الدعوة إلى الإسلام في النشاط النبوي من السُنَّة العملية، لأن قصدنا الإيجاز لا الإطالة، وفي ما سقناه من نماذج وثيقة الصلة بالإسلام تكذيب - وأي تكذيب - للدعاوى الجوفاء التي يثيرها خصوم الإسلام - الآن - من الغرب، ومن عملائهم من الشرق حُمْراً كانوا أو سوداً.
* * *
стр. 134
المرحلة الثانية للدعوة الإسلامية مشروعية القتال، وضوابطه
* متى ولماذا شرع القتال في الإسلام؟
* ضوابط ممارسة القتال وأخلاقياته.
* حقيقة العلاقة بين المسلمين وغيرهم.
* * *
стр. 135
﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾
(البقرة: ١٩٤)
* * *
стр. 136
الفصل الأول متى.... ولماذا شُرِع القتال في الإسلام
أما متى شُرع القتال في الإسلام، فالمحقق الذي لا خلاف فيه أنه شُرع عقب الهجرة إلى المدينة، ولكن تحديد الزمن بالضبط غير معروف. والمحقق كذلك أنه شُرع بعد الهجرة مبكراً قبل إرسال السرايا والبعوث العسكرية إلى المناطق المتاخمة للمدينة، لأن هذه السرايا والبعوث العسكرية ما كانت ستكون إلا بعد مشروعية القتال.
وقد مرَّت مشروعية القتال في الإسلام بمرحلتين مختافتين:
إحداهما - وهي الأولى - كانت مقصورة على مجرد الإذن. أي رفع الحظر فيه، فأصبح أمراً مباحاً لا حظر فيه ولا وجوب.
والأخرى -وهي الثانية - في الترتيب التشريعي والزمني انتقت من مجرد الجواز فيه إلى الأمر الوجوبي، ونوجز الحديث أولاً عن المرحلة الأولى.
* مشروعية الإذن في القتال:
جاء التشريع في الإذن بالقتال في قول الحقَ :
﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ .
هذا أول نص قرآني تشريعي يأذن الله فيه بالقتال، بعد أربع عشرة سنة - تقريباً - من
стр. 137
بدء نزول الوحي على خاتم المرسلين، ومع أن هذه الآية وقفت عند حد الإذن، ولم تتجاوزه إلى الوجوب، فقد بيَّنت وجه حكمة التشريع فيه:
﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا....﴾ أي أن القتال المأذون فيه سببه الظلم الواقع من الذين قاتلوا على الذين قوتلوا، أي قتال لردع الظلم ودفع العدوان، ثم بيَّنت الايتان التاليتان وجوهاً أخرى من وجوه حكمة التشريع في الإذن بالقتال:
فبالقتال يدفع الله به ظلم الظالمين، وتُصان الحرمات، وتحمى القيم الدينية، ولولا إذن الله فيه لكثر الفساد في الأرض، ولهدَّمت دور العبادة على مدى التاريخ النبوي كله، ولامتُهِنت الحقوق لدى من لا دين لهم ولا خُلُق. ثم بين أن القتال المأذون فيه مقصور على أنصار الحق وحماة الفضيلة، الذين إن مُكِنَّ لهم في الأرض أقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وأمروا بالمعروف، ونهوا عن النكر، أى لا يتخذون من تمكين الله لهم في الأرض وسيلة للظلم والفساد، وإنما هم يصرفون قدراتهم التي مَنَّ الله عليهم بها في نصرة الحق، وامتثال أوامر الله واجتناب نواهيه ويسيرون سيرة حسنة، لا كمن إذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحَرْث والنَسْل.
* * *
* أثر الإذن بالقتال بعد الهجرة:
وقائع السيرة الطاهرة بعد الهجرة فيها آثار حميدة ترتبي على مشروعية الإذن بالقتال، وهذا ظاهر في حركة النشاط العسكري المبكر الذي يتمثل في البعوث والسرايا التي أمرها صاحب الدعوة بأن تجوب المناطق الواقعة حول المدينة، ومعرفة مداخلها ومخارجها تأميناً لمجتمع المدينة.
* * *
* البعوث والسرايا:
هذان مصطلحان السيرة، والمراد منهما واحد: هو إرسال رسول الله ﷺ مجموعات صغيرة من أصحابه، يكلفهم بمهام عسكرية خفيفة هي استطلاع شبكة الطرق
стр. 138
حول المدينة، والوقوف على خطوط سيرها من وإلى المدينة ثم الطُرق المؤدية إلى مكة، والتي تصل بينها وبين المدن التجارية كاشام، ثم التعرف على القبائل الرابضة على مقربة من هذه الطرق وعقد معاهدات سلام بينها وبين مجتمع المدينة.
ومن أهداف هذه الطلائع الإعلان عن قوة المسلمين، واستقلال دولتهم الناشئة، وأنهم - بعد الهجرة - أصبح لهم كيان ورابطة. ومنها تحصين حدود المدينة، وهذه البعوث والسرايا كانت تخرج من المدينة مسلحة ومنظمة تنظيماً عسكرياً جيداً، ومن تلك الطلائع:
١- سرية سيف البحر:
خرجت في شهر رمضان سنة ١ من الهجرة، وكان أميرها حمزة بن عبد المطلب، عقد له لواء الإمارة صاحب الدعوة ﷺ ، وهو أول لواء عُقِدَ في الإسلام، وكان عدد فرسانها ثلاثين رجل كلهم من المهاجرين. فاعترضت عيراً لقريش قادمة من الشام (قافلة تجارية) قوامها ثلاثمائة رجل منهم أبو جهل. ثم تراصوا للقتال، ولكن مجدي بن عمرو الجهني، وكان حليفاً للفريقين، سعى بينهما وحال دون وقوع القتال.
٢- سرية رابغ:
وقعت في شوال سنة ١ هـ بعث صاحب الرسالة بعثة من ستين رجلاً، جعل عبيدة بن الحارث أميراً عليهم، فلقى أبا سفيان في مائتى رجل ببطن الوادي المسمى "رابغ" وحدث بين الفريقين تراشق بالنبال ولم يقع قتال يذكر.
٣- سراية الحزار:
حدثت في ذي القعدة سنة ١ هـ وكان عدد فرسانها عشرين رجلاً كان أميرهم سعد ابن أبي وقاص، فتوجهوا إلى "الحزار" اسم موضع - يعترضون عيراً لقريش فوجودها قد مرَّت قبل وصولهم إلى الحزار بيوم واحد.
* * *
стр. 139
* الغزوات:
٤- غزوة الأبواء:
وتسمى غزوة: "ودان" كذلك، وسميت غزوة لخروج رسول الله فيها. وهذا مصطلح آخر فالغزوة ما خرج فيها رسول الله بنفسه، والسرية أو البعث ما كان أميره صحابياً، ولم يخرج معهم صاحب الرسالة ﵇. خرجت في صفر سنة ٢ هـ وعدد رجالها سبعون، واستخلف النبي على المدينة سعد بن عبادة، وفي هذه الغزوة عقد معاهدة سلام مع عمرة الضمرى سيد بن ضمرة. جاء فيها:
"هذا كتاب محمد رسول الله لبني ضمرة، فإنهم آمنون على أموالهم وأنفسهم، وإن لهم النصر على من رامهم إلا أن يحاربوا دين الله ... وأن النبي إذا دعاهم لنصره أجابوا".
وهي ألو غزوة خرج فيها النبي ﷺ بنفسه، وتغيب فيها عن المدينة خمس عشرة ليلة.
٥- غزوة بواط:
خرجت وفيها صاحب الرسالة في شهر ربيع الأول سنة ٢ـ، واستخلف على المدينة سعد بن معاذ، وخرج معه مائتان من أصحابه لاعتراض قافلة تجارية لقريش فيها مائة رجل من قريش منهم أمية بن خلف الجمحى وألفان وخمسمائة بعير، ولكن لم يقع قتال.
٦- غزوة سفوان:
كانت في شهر ربيع الأول سنة ٢ هـ وسببها أن كرز بن جابر الفهري أغار على مراعي المدينة بقوة من المشركين، ونهب بعضاً من مواشيها فخرج ﵇ في سبعين فارساً من أصحابه يطارد كرزاً، وسار خلفه في طلبه حتى بلغ وادياً يقال له: سفوان، قريباً من بدر، وهذه الغزوة بدر الأولى، ولم يقع فيها قتال لانفلات كرز ومن معه قبل الوصول إليهم.
واستخلف النبي في هذه الغزوة زيد بن حارثة على المدينة.
стр. 140
٧- غزوة ذي العشيرة:
وصلت الأنباء إلى رسول الله ﷺ بأن عيراً لقريش خرجت إلى الشام فخرج في الجمادين سنة ٢ هـ ومعه مائة وخمسون رجلاً من المهاجرين كلهم خرج طواعية لاعتراض تلك العير، ولكنها كانت قد سبقت إلى الشام قبل التعرض لها، وقد عقد فيها معاهدات عدم اعتداء مع بني مدلج وحلفائهم وكان قد استخلف على المدينة أبا سلمى بن عبد الأسد المخزومي. واستغرق غيابه عن المدينة بعضاً من أواخر جمادى الأولى وبعضاً من أوائل جمادى الثانية.
هذه السرايا والغزوات الصغرى وقعت كلها قبل غزوة بدر الكبرى وبعد الإذن بمشروعية القتال. ولم يقع فيها قتال كما تقدم، ولكنها أدت المهام المقصودة منها بإعلان قوة المسلمين واختلاف الوضع عما كان عليه قبل الهجرة.
ومما يؤكد سماحة الإسلامأن بعض السرايا كانت إذا ارتكبت مخالفات كان ﵇ ينصف من وقع عليه ظلم من جنوده.
ففي سرية نخلة في رجب سنة ٢ هـ التي كان أميرها عبد الله بن جحش الأسدى وقعت مخالفات لم يأذن بها رسول الله ﷺ إذ كانت المهمة التي كلف الرسول بها هذه السرية مقصورة على تقصي أخبار قريش ولم يأمرهم بقتال، وبخاصة أن السرية كانت في رجب، وهو من الأشهر الحرم التي حرَّم الله فيها القتال إلا إذا قوتل المسلمون، لكن السرية رأت عيراً لقريش تحمل مواد غذائية فهجموا عليهم وقتلوا منهم واحداً وأسروا اثنين وفرَّ رابع كان في العير، ولما قدموا المدينة بالغنائم أنكر عليهم ﷺ ما فعلوا وقال: "ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام" ووقف التصرف في الغنائم.
ثم عاد ﵇ فأطلق الأسيرين إلى حال سبيلهما، ثم أعطى دية المقتول إلى أولياء دمه.
هكذا تجلت سماحة الإسلام في التصرف النبيل الذي صدر عن صاحب الرسالة ﷺ .
стр. 141
فقد أنصف المظلوم دون أن يتقم إليه المظلوم بطلب الإنصاف، وصحح الأخطاء التي وقع فيها جنوده من تلقاء نفسه.
فأي سماحة هذه؟ وأي إنصاف هذا الإنصاف؟ وليس هذا بغريب على من أرسله الله رحمة للعالمين.
* * *
* مرحلة الأمر الوجوبي:
في مرحلة الإذن بالقتال لم يكن القتال واجباً على المسلمين، لأن الإذن معناه رفعُ الحظر، ورفع الحظر يترتب عليه الإباحة لا الوجوب، وهكذا استمر الحال قرابة عامين بعد الهجرة.
وفي شهر شعبان سنة ٢ هـ نزل الأمر بالوجوب أي قبيل غزوة بدر الكبرى أولى الغزوات العظيمة في الإسلام. وذلك في قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ ... وبهذا مرَّ شأن القتال في الإسلام بثلاث مراحل:
الأولى: مرحلة الحظر.
الثانية: مرحلة الإباحة.
الثالثة: مرحلة الوجوب.
ومجئ مرحلة الوجوب عقب مرحلة الإذن، وقبيل غزوة بدر الكبرى تشريع بالغ الحكمة.
ففي مرحلة الإذن انتقال بالنفوس من مرحلة الحظر إلى مرحلة الإباحة، وهذا الانتقال فيه ترويض للنفوس على الاستعداد للقتال، وتدرج حكيم تأنس به النفوس، وتطمئن القلوب، وتقوى العزائم، لأن الانتقال الطفري أو المفاجئ ربما أصاب الناس بالقلق والانتكاس، وإنما تكون حكمة السياسة، أو السياسة الحكيمة في الترفق والتدرج، وهكذا
стр. 142
كان هذا التشريع، وهي سمة نهجها القرآن في الكثير من الأحكام التشريعية، كما في تحريم الخمور، فقد تدرج القرآن في تحريمها على أربع مراحل، لما كان لها من رواج في حياة الناس، ودور ملحوظ في وسائل الكسب المعيشي - أو الاقتصاد القومي بلغة العصر.
لذلك لم يحس المسلمون بأي ضيق لَّما فُرض عليهم القتال، ولا فوجئوا بأمر لم يتوقعوه، مع أن طبائع البشر تكره القتال، وتميل إلى الراحة والدعة، ومنذ ذلك الوقت صار القتال واجباً على المسلمين إذا دعت إليه ضرورة.
* * *
* لماذا شُرع القتال ؟
لم تكن شريعة الإسلام أوحدية في مشروعية القتال، فالقرآن الكريم يقص علينا أنَّ كثيراً من الأنبياء مارسوا هذا الفن بإذن الله فقال: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ .
والتاريخ النبوي لبني إسرائيل حافل بالمعارك بين الأنبياء ومعارضيهم، فليس القتال إذاً مسبة ولا نقضيه لا في الإسلام، ولا في غير الإسلام من الرسالات السابقة.
ومشروعية القتال في الإسلام من الضرورات التشريعية التي يلجأ إليها المسلمون حين لا يكون من حيلة إلا القتال، وهو لم يُشْرَع في الإسلام ليكون وسيلة للبطش والتجبر والقهر، وحباً في سفك الدماء ونهب الأموال والتشفي الأهوج، بل شرع لردع الظلم، وحماية الحق، ورعاية الفضيلة ولرد العدوان، شرع لإقرار التوازن في الأرض، وإشاعة السلام والأمن، والقضاء على الطغيان، وفي هذا الإطار كانت معارك المسلمين في عصر النبوة، وعصر الخلافة الراشدة، ومن سار سيرتهم من ولاة الأمور.
ومن الأهداف العليا في مشروعية القتال في الإسلام حماية الدين والعقيدة، ودحر الفتنة، وحماية المستضعفين من الرجال والنساء والولدان، وكل أولئك مقاصد نبيلة، وقيم إنسانية مقدسة يجب أن تحمى وتصان.
стр. 143
﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾
﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾
فالقتال في الإسلام ضرورة وإجراء استثنائي له موجباته ودواعيه، هو كما قال أمير الشعراء شوقي مخاطباً رسول الله ﷺ :
والحرب في حقِ لديك شريعة ومن السموم الناقعات دواء
* * *
* ليس للإجبار على اعتناق الإسلام:
ومهما اتفقنا أو اختلفنا حول الأسباب التي أدت إلى مشروعية القتال في الإسلام: إباحة ووجوباً، فليس من بين الأسباب أن القتال شرع لإجبار الناس على الدخول في الإسلام، ونتحدى بأعلى صوت من يدعى ذلك من أعداء الإسلام وعملائهم ونقوله لهم:
أمامكم الإسلام قرآناً وسنة وإجماعاً وتاريخاً وسيرة، فهيا فأتونا بنص من كتاب الله، أو من أحاديث رسوله، أو من إجماع علمائه، أو واقعة من تاريخه وسيرته تدل على أن من أهداف القتال في الإسلام جبر الناس على الدخول فيه كراهية وقسراً.
والإسلام كله معروف كالشمس، فليس فيه جوانب علنية وأخرى سرية فما الذي يعجزهم أن يقوموا بهذه التجربة؟
стр. 144
وصدق الشاعر الذي قال في أمثالهم:
يقولون أقوالاً ولا يعلمونها وإن قيل هاتوا حققوا لم يحققوا
* * *
* وليس عقاباً على الكفر:
وكذلك ليس في مشروعية القتال في الإسلام أن يكون عقاباً على كفر من كفر، وإلحاد من ألحد باستثناء حد الردة - ولتوضيح هذا نقول: إنَّ الكفر في تقدير الإسلام نوعان:
الأول: الكفر الذي عليه صاحبه ونشأ عليه، أو الكفر الأصلي إذا صحَّ هذا التعبير، وصاحبه لم يسبق له الدخول في الإسلام.
الثاني: الكفر الطارئ على صاحبه بعد الدخول في الإسلام.
فالنوع الأول لا يقاتل عليه صاحبه ولا يُقتل، بل يُكتفي بدعوته إلى الإسلام فإن أسلم فحسن، وإن امتنع ترك وشأنه والله هو يتولى حسابه، فالكافر الأصلي دمه مصون والإعتداء عليه حرام كالاعتداء على ماله وعرضه.
أما النوع الثاني ففيه حد الرِدَّة الوارد في السنة وعمل الخلفاء الراشدين مع إجماعهم عليه.
ولو كان القتال والقتل عقاباً على الكفر في النوع الأول لما تهاون فيه صاحب الرسالة، ولا الخلافة الراشدة من بعده، غفكم من الاتفاقات ومعاهدات الصلح التي عقدوها مع الناس مع تركهم على عقائدهم دون أن يكرهوهم أو يقاتلوهم على كفرهم، ومن أوضح الأمثلة تصالح عمر بن الخطاب مع نصارى فلسطين، وامتناعه أن يصلى في الكنيسة حين أذن للصلاة مع دعوة قسيسها أن يصلي فيها، ولكن عمر ﵁ امتنع عن الصلاة فيها قائلاً: لو صليت لجاء المسلمون وقالوا عمر صلى هنا فأخذوا الكنيسة؟
ثم تصالح عمرو بن العاص مع قبط وتركهم على عقيدتهم دون أي إكراه على تركها والدخول في الإسلام، بل إنه ساعد القبط على استقرار شئونهم الدينية باستدعاء
стр. 145
البطريرك بنيامين الذي كان مختفياً هرباً من بطش الرومان، وأعطاه الأمان ليرعى شئون الأقباط دينياً في مصر.
بل إن صاحب الدعوة نفسه كان يعقد معاهدات صلح ويترك أهل البلاد على عقائدهم مهما كانت مخالفة للإسلام أصولاً وفروعاً، ولا ننس المعاهدة التي عقدها مع اليهود في المدينة عقب الهجرة مع تركهم على يهوديتهم، أحراراً في تأدية طقوسهم الدينية على مرأى ومسمع من المسلمين.
* * *
* خلاصات موجزة:
مما تقدن تتبين لما جوانب أخرى من سماحة الإسلام أبرزها جانبان:
الأول: أن مع مشروعية القتال في الإسلام لم يكن من أهدافه حمل الناس بالقوة المسلحة على اعتناق الإسلام؛ لأنه في القرآن العظيم نصاً واضحاً وصريحاً ومحكماً يمنع من هذا الهدف، وهو قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ....﴾ .
الثاني: ومع مشروعية القتال في الإسلام فإنه يخلو - منهجاً وسيرة - من أن يكون عقاباً على الكفر الأصلي الذي ولد عليه صاحبه ونشأ فالكفر أعظم الذنوب، ومع ذلك فالأمر فيه موكول إلى الله سبحانه سعاقب عليه في الآخرة بالخلود في النار، أما في الدنيا فليس لأحد أن يعاقب صاحب الكفر الأصلي بالقتال عليه أو القتل ودم الكافر كفراً أصلياً مصون كماله وعرضه، إلا إذا حارب المسلمين أو انصم لمن يحاربهم، فيكون هو الذي أهدر دم نفسه ذلكم هو الإسلام، وتلك هي سماحته الرحيمة.
* * *
следующие страницы →