Полный текст (171 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
أو من لعنة مثل لعنة أصحاب السبت من اليهود الذين حرَّم الله عليهم العمل فيه وأمرهم بأن يخصوه بالعبادة وحدها. فخالفوا فلعنهم الله.
ثم يبين لهم أن الشرك الذي هم فيه أعظم الذنوب، وأن الله لا يغفره لأحد، ويغفر ما دون الشرك لمن يشاء.
إن الدعوة إلى الإسلام كانت تقابل بذاءات أهل الكتاب بالحسنى ولا تجاريهم في حماقاتهم وبذاءاتهم بل تقتصر على بيان الحق الذي يجب الإيمان به، وتفنيد الباطل الذي يشغبون به فذ وجه الحق، ولم يحدث أن دعا القرآن المسلمين لقتالهم لمجرد أنهم رافضون للإذعان للحق، وما شهر في وجوهم سلاحاً، ولا استباح أموالهم إلا حين تآمروا على الإسلام وبدأوا العدوان على المسلمين. فأين الإرهاب والعنف وسفك الدماء ومصادرة الحريات التي يتهمون بها الإسلام في الغرب - ومعهم عملاؤهم من الشرق - أليست هذه فريات ليس لها في منهج الإسلام ولا في سيرته سند، ولا دليل؟
ومن شواهد سماحة الإسلام مع أهل الكتاب - يهوداً ونصارى - لفت أنظارهم في لين ورفق في كثير من الآيات. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ (٩٨) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ .
إن الشعار الذي يردده المبشرون والمستشرقون كثيراً، وهو: "أسلموا أو تقتلوا" شعار
стр. 72
كاذب، والذين يرددونه يعلمون أنه شعار كاذب، ولكن كراهية ما أنزل الله على خاتم رسله هي التي تملي على هؤلاء وأعوانهم هذه الأحقاد والسموم. إن شعار الإسلام الحق في هذا المجال هو قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ....﴾ .
* * *
стр. 73
* الصبر والعفو:
ومن أكرم مظاهر السماحة في الإسلام مع أهل الكتاب أن كتاب الله العزيز يأمر المسلمين بالصبر على أذاهم، والعفو عن بذاءاتهم، بل إن العفو يتجاوز حدود المعاملة مع أهل الكتاب إلى غيرهم من المشركين وجميع الطوائف المخالفة الإسلام. ومن توجيهات القرآن الكريم في هذه المجالات قوله تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُور﴾ .
وقوله تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ .
ومما يُعَد مضرب الأمثال في السماحة ورحابة الصدر، ما أمر الله به رسوله ﷺ ليواجه به أهل الكتاب، وهو قوله تعالى: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ .
إن كل كلمة في هذا البيان تنم عن خُلُقِ الإسلام الأصيل وموافقة النبيلة من مخالفيه، مهما كان الخلاف. ومهما كان الأذى القولي الموجه للإسلام والمسلمين معاً، لا يقيم وزناً لسفههم وحماقاتهم، يقابل ذلك بصدر رحب، مع سوق الموعظة الحسنة وإيراد الدليل المقنع حول كل مسألة يثيرون الخلاف فيها، إن ديناً هذا منهجه ليلقن الإنسانية جمعاء درساً في الصفح والتسامح الكريم ولن يضيره بعد هذا حقد حاقد، ولا عداء موتور.
* * *
стр. 74
جسور متينة من التواد
لم يكن ما تقدم في شأن أهل الكتاب هو كل مواقف الإسلام السمحة معهم، بل إن للإسلام مواقف أخرى تفيض وُدَّاً وألفة. فقد مدّ الإسلام بينهم وبين المسلمين جسوراً متينة من التواد والتسامح لم يحظ المسلمون بنظير لها منهم، فكان الإحسان من طرف واحد - هو الإسلام، مع إصرار القوم في كل زمان ومكان على إضمار أبشع صور العداء له، وهو هو ماضٍ في طريقه غير نادم على ما فعل معهم منهجاً وسيرة.
فمن مظاهر التكريم لهم أن القرآن إذا تحدث عنهم سماهم: "أهل الكتاب" في أكثر المواضع التي تحدّث فيها عنهم، دون أن يدعوهم بأنهم كافرون أو مشركون، ومن يرجع إلى آيات الذكر الحكيم يهوله كثرة ما ورد في شأنهم من الصوف بـ "أهل الكتاب".
وأحياناً يتحدث عن اليهود باسمهم: "اليهود"، أو "الذين هادوا" وعن النصارى - كذلك - باسمهم: "النصارى" أو "الذين قالوا: إناَّ نصارى"، وفي الحديث عنهم بهذه الطريقة تكريم لهم وأي تكريم، واستمالة لأنفسهم وأي استمالة، لأن فيها إطراح الأوصاف الأخرى كالكفر والشرك ومن شأنها أن توغر الصدور، وتثير الأحقاد، اللهم إلا في المواضع التي يتحتم فيها النص على الحكم الشرعي إذا أسند إليهم قول أو فعل ينافي عقيدة التوحيد، وحتى في هذه الحالة قد يقترن الخطاب بما يخفف عنهم من وطأة الحكم، كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ ... ﴾ فقد عبَّر عنهم هنا - وهم النصارى - بالموصول والصلة: ﴿الَّذِينَ قَالُوا ... ﴾ ولم يذكر اسمهم الصريح.
ومن سماحة الإسلام مع أهل الكتاب - جميعاً -أن أحلَّ لهم طعام المسلمين وأحلّ طعامهم للمسلمين، وفي ذلك فتح لأبواب التواد والتعاطف والتراحم وبتبادل صنائع الود والمعروف: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ ... ﴾ .
стр. 75
وكما أحلّ طعامهم للمسلمين، وأحل طعام المسلمين لهم أحلّ نساء أهل الكتاب للمسلمين استثناءً من الأصل التشريعي العام: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ ... ﴾ .
فقال في نفس الآية التي أحل فيها الأطعمة بين المسلمين وأهل الكتاب: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ .
فقد وضع القرآن النساء العفيفات من أهل الكتاب على قدم المساواة مع المسلمات العفيفات، وأحلَّهن جميعاً للمسلمين إذا خلون من الموانع وبُذلت لهن أجورهن - مهورهن - فلا حَرَج إذا من قيام مصاهرات شرعية نظيفة بين المسلمين واليهود والنصار. أما الزنا والسفاح واتخاذ العشيقات فهذا مقت وفاحشة حرَّم الله على عباده - مسلمين وغير مسلمين - اقتراف شيء منه مع مسلمة أو يهودية أو نصرانية أو مجوسية أو أي امرآة كانت.
لقد هيأ الإسلام لأهل الكتاب فرص الاندماج في المجتمع الإسلامي ...
زيارات يتبادلون فيها تناول الأطعمة. وزيجات ومصاهرات تقوى بها الروابط بين الأسر من المسليمن واليهود والنصارى. ومودات وصور من التعاون والعلاقات الإنسانية والإجتماعية تجمع ولا تفرق. تؤلف ولا تنفر. فما الذي يطلبه الحاقدون على الإسلام بعد هذا التودد والتأليف؟! عجب - والله - عجب.
* * *
* النداء الخالد:
قبل أن نودع حديث القرآن عن أهل الكتاب، نود أن نضع بين أيدي القراء ما عنَّونا له بـ "النداء الخالد" وهي آية آثرنا أن نختم بها هذا الحديث؛ لأنها مسك الختام - أو ختام المسك إن صحَّ هذا القول - وهي قوله تعالى الذي أمر المسلمون أن يقولوه لأهل الكتاب
стр. 76
كلما طرأت فكرة التقارب أو التعايش السلمي بين الشعوب والأمم: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ .
ذلك هو الإسلام: يفتح صدره للجميع، ويمد يده للجميع، ويدعو للسلام للجميع فهل كم سميع أو مجيب؟
* * *
стр. 77
الظاهرة الثانية مواقف الدعوة السلمية من النفاق والمنافقين
النفاق مرض اجتماعي خطير، وسرطان يمزق العلاقات بين الشعوب والأفراد، ونتيجته في الحياة فقدان الثقة، وإحلال سوء الظن مكان حسن الظن بين الناس، وهو أخس وسائل التعامل في المجتمعات.
والمنافقون شياطين الإنس بلا نزاع، وقدوة سيئة لغيرهم من الناس، والنفاق مأخوذ من نافقاء اليربوع، وهي دويبة ماكرة لئيمةٌ: تجعل لبيتها، وهو حفرة في الأرض - بابين: أمامياً وخلفياً. فإذا طلبها الصياد هرولت فدخلت بيتها من أحد بابيه، فيقف الصياد قريباً من الباب الذي دخلت منه مترقباً خروجها، بينهما تكون قد خرجت من الباب الآخر دون أن يبصرها أحد، خداعاً ودهاءً ومكراً.
وهكذا المنافقون يتلاعبون في تعاملهم من الناس، ويتخذون عدة مداخل ومخارج للوثوب والهروب، يلاقون هذا بوجه، وذاك بوجه يحلفون وهم كاذبون، يضحكون وهم يمكرون. كلامهم حلو، وفعلهم علقم وصاب، يعرفون من أين تؤكل الكتف، وكيف تؤكل، ولا وزن عندهم للشرف ومكارم الأخلاق ... وبواعث النفاق هي: الطمع والخوف، وسمته هي الخسة والدناءة.
* * *
قسما النفاق:
والنفاق قسمان: نفاق عقيدة، وصاحبهُ يبطن الكفر ويُظهر الإيمان، ونفاق سلوك، ويكون بين المسلمين دون غيرهم. كأن يعمل المسلم الأعمال الصالحة ولا يريد بها وجه الله، ولكن ليقول الناس إن فلاناً رجل صالح، وقد يتخذ نفاق السلوك مطية لتحقيق مطالب دنيوية عاجلة، وهذا النوع من النفاق منتشر الآن في المجتمعات الإسلامية، ومنه التظاهر بحب إنسان: رئيس أو ذي جاه أو ذي مال أو ذي منصب.
* * *
стр. 78
* النفاق الذي واجهته الدعوة:
لم يظهر النفاق في العقيدة والسلوك، إلا في المجتمع المدني بعد الهجرة فقد ظهرت قوة المسلمين في المدينة، والنفاق ينمو كثيراً في ظل القوة، فلجأ فريق من الكفار والمشركين لإخفاء كفرهم وشركهم، وتظاهروا بأنهم مسلمون رهبة ورغبة: رهبة من قوة المسلمين، ورغبة في دفع الشر عن أنفسهم، وجلب النفع لها، وبذلك استطاع المنافقون أن يندسوا في تجمعات المسلمين، ويغشوا مجالسهم ويؤدون معهم شعائر الدين من صلاة وحج، ويحضرون مجالس مشورتهم ويطلعون على أسرارهم ولا يتراخون لحظة في تدبير المؤامرات ضد الإسلام والكيد له بما استطاعوا من الحيل بعد أن اتخذوا من النفاق غطاء لكفرهم وسء مقاصدهم، ولا ريب أن نفاق العقيدة كفر بل هو أشنع من الكفر الظاهر، لأنه جمع الكذب والخداع إلى أصل الكفر.
ونفاق العقيدة الذي واجهته الدعوة لم ينسلخ عن نفاق السلوك، فالمنافقون كانوا يحرصون على أن يبدوا أمام الناس في سمت الصالحين من عباد الله؛ يذكرون الله بألسنتهم وقلوبهم أحلك من سواد الليل. وهم - في الواقع - أشد خطراً على الإسلام وعلى المسلمين من الذين أعلنوا كفرهم أمام الله والناس واعتزلوا المسلمين.
* * *
* كيف واجه الإسلام ظاهرة النفاق والمنافقين ؟
لم يُصِدر حكماً بإعمال السلاح في رقاب المنافقين، للقضاء على دابرهم، ولم يحل بينهم وبين حقوقهم في الحياة، ولم يصادر حرياتهم لا في قول ولا في فعل، ولكنه وقف منهم موقفاً سلمياً فاقتصر دوره عالى فضح مؤامراتهم، وكشف أسرارهم، وتحذير المسلمين من الإنخداع بهم، وتهديدهم بسوء المصير، ونهى الله صاحب الدعوة عن الركون إليهم والصلاة عليهم إذا ماتوا، ثم الاستغفار لهم أحياءً وأمواتاً.
كما أمره بجهادهم والإغلاط عليهم في الجهاد، والجهاد - هنا - لا يعني القتل والقتال وإسالة الدماء في كل حال. وإنما هو جهاد بالكلمة والدليل والبرهان، وهذا هو منهج
стр. 79
الإسلام مع خصومه، ما لم يبدأوا هم بالعدوان ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ .
وفي سورتي الأحزاب والتوبة تصدى القرآن - سلمياً - لكثير من ألاعيب المنافقين في حدود الإطار العام لموقف الدعوة منهم.
فقد أرجف المنافقون إرجافاً شنيعاً وقت غزوة الخندق التي تحالفت قريش مع من استطاعت من قبائل العرب على غزو المدينة مقر الدولة الإسلامية الناشئة، وهي المعروفة بغزوة الأحزاب. وكان هدف المنافقين صد الناس عن الخروج مع صاحب الجعوة، لإضعاف قوته، وتمهيداً لانتصار قريش وحلفائها عليه.
فكانوا يشيعون روح التخاذل ويكذّبون وعد الله ورسوله ويقولون: ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ .
ثم يُحرّضون الناس على الإنسلاخ من قوات الجعوة وينصحونهم بالعودة إلى المدينة ويقولون: ﴿يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا﴾ .
ويبدأون بتنفيذ مؤامرتهم الدنيئة فيستأذنون النبي في الرجوع إلى المدينة من ميدان القتال بدعوى حمايوة أموالهم واسرهم من اللصوص: ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾ .
فماذا صنع القرآن إزاء هذا كله؟ لم يخط نحوهم خطوة واحدة فيها أمر بقتالهم والإطاحة بأعناقهم، وسبى نسائهم وذراريهم ومصادرة أموالهم ودورهم، أو حتى حرمانهم من حقوقهم المدنية، بل أقتصر دوره على تكذيبهم وكشف الأسباب الحقيقة لهروبهم ولتثبيط همم الناس ...
ادعوا أن بيوتهم عورة فقال القرآن: ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ﴾ ، ثم أفصح عن السبب الحقيقي الذي حملهم على ما صنعوا: ﴿إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾ ، وأنهم بسبب نفاقهم
стр. 80
لو اقتحم عليهم العدو دورهم ثم طلب منهم الانقضاض على النبي وصحبه، والإعلان عن كفرهم صراحة لما تلكأ والحظة في إجابة ما طلبه العدو منهم: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا﴾ .
ثم يأمر الله رسوله ﷺ أن يقول لهم: ﴿.... لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ .
ثم تابعت السورة كشف خباياهم حتى الآية رقم (٢٠) ، ومع هذا ظل المنافقون في المدينة بعد هذه الجرائم يتمتعون بكل حقوقهم في الحياة ويتنقلون بين أرجائها في حريات كاملة.
ترى: لو حدث مثل ما فعلوه ضد أي نظام حكم معاصر، ماذا يحدث من النظم الحاكمة؟
المصير معروف: عمالة -تعاون مع العدو - هروب من الميدان - خيانة كبرى للوطن - التحريض ضد النظام. ثم اعتقالات وتوجيه التهم المذكورة ثم تحقيقات، ثم محاكمات, وسعيد الحظ من يُحكم عليه بالمؤبد. والشقي ليس له مصير إلا الإعدام شنقاً أو رمياً بالرصاس. ولا تنفعهم شفاعة الشافعين إن جرؤ أحد على الشفاعة لم، ولو باسم القانون!!
فليسأل خصوم الإسلام في الخارج والداخل، ليسألوا أنفسهم هل فعل الإسلام شيئاً من ذلك مع ألدّ خصومه؟ وأخطر أعدائه؟ حين كان الإسلام يطبق على أيدى قادة يعرفون حقيقة الإسلام، ويحرصون كل الحرص على الإلتزام بأوامره ونواهيه؟ نازلين على حكم الله ورسوله ﷺ ، تاركين هوى أنفسهم، ماضين على أمر الله فكان واقعهم هو الإسلام في أجلى معانيه.
* * *
стр. 81
* سورة التوبة تتصدى وتواجه:
أطالت سورة التوبة الوقوف أمام مخادعات المنافقين وتلوُّن مواقفهم، وقد عرفنا من قبل سلوكيات المنافقين في غزوة الأحزاب، وفيما سجلته عليهم سورة التوبة ما ينبئ عن أن مسلكهم في غزوة تبوك كان شبيهاً بمسلكهم في غزوة الأحزاب، فقد نكصوا على أعقابهم وكرهوا الخروج في سبيل الله في الواقعتين معاً، وَسبُّوا رسول الله وأظهروا الشماتة به وبالمسلمين، وانتحلوا الأعذار في التخلف عن الجهاد، وبثوا روح التفرق بين الناس، وحاولوا جاهدين أن يثيروا الفتنة، ولغطوا لغطاً كثيراً فاحشاً، وقد سجلت عليهم سورة التوبة هذه الجرائم من الآية (٤٢) إلى الآية (٧٠) ، ثم من الآية (٧٤) إلى الآية (٧٨) ... ومع إطالة القرآن الحديث عنهم وعن جرائمهم فقد وقف في مواجهتهم مواقف الكشف عن خباياهم والرد السلمي الهادئ على مفترياتهم دون أن يتجاوز ذلك إلى تأليب المسلمين عليهم، وإعمال السلاح فيهم.
ففي إظهار الشماتة بصاحب الدعوة والذين معه واجه القرآن هذه الجريمة مواجهة الناصح الأمين: ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ﴾ .
كانت ماجهة القرآن لهم: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ .
وفي طعنهم على تصرف صاحب الدعوة في تفريق الصدقات كان رد القرآن عليهم: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ (٥٨) وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ . أي لكان ذلك خيراً لهم.
وحين آذوا رسول الله ﷺ بقولهم: ﴿هُوَ أُذُنٌ﴾ أي يُصدَّق كل ما يسمع لغفلته وعدم فطنته كان الرد عليهم: ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾ راداً عليهم دعواهم أبلغ رد.
стр. 82
أي مصدر خير لكم لو أطعتموه. ولا تشتبه عليه الأمور كما تقولون، بل هو بالغ الذكاء والفطنة يميز بين الخير والشر، والحق والباطل.
وحين فرحوا بتخلفهم عن الجهاد في تبوك مع رسول الله ﷺ وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله وقالوا: ﴿لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ﴾ . جاء الرد عليهم: ﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ (٨١) فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ .
وهكذا في هدوء تصدى القرآن لافتراءات المنافقين، وهتك أستار نفوسهم وعرَّاهم أمام الرأي العام، ولكن لم يصادر حرياتهم ولم يسلب أمنهم، ولم يضيق عليهم في حل ولا ترحال.
بل إن القرآن ليذهب في السماحة إلى أبعد من ذلك، فتراه في موضع آخر يفتح أمامهم باب التوبة، ويُرغّبهم فيها لينسوا ماضيهم ويقبلوا على عهد جديد، يبدل الله فيه سيئاتهم حسنات. ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ .
وقد يقول قائل: كيف ذهبت هذا المذهب من عدم قتال المنافقين والله يقول فيهم: ﴿فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ .
والجواب: إن هذه الآية ليست حكماً عاماً في جميع المنافقين، بل هي خاصة في طائفة منهم كانوا قد ارتدوا ولحقوا بالمشركين بعد إظهارهم الإيمان فهذا حكم خاص بهم.
أما كلامنا ففي المنافقين الذين لم يُحدثوا رِدُّة ظاهرية، فلا وجه لقول القائل الذي أشرنا إليه.
стр. 83
وسيأتي من وقائع السُنَّة ما يؤيد ما قلناه، ونقول مرة أخرى إن الإسلام دين السماحة والعفو في الحياة الدنيا، أما الآخرة فيواخذ كل امرئ بما كسب. وما ربك بظلام للعبيد.
* * *
* مبدأ إسلامي عام في التسامح:
الفتن الدينية من أعقد المشكلات حلاً، وأسوئها آثاراً، وأسرعها اشتعالاً، وأبطئها خموداً، وتقديراً من الإسلام لهذه الاعتبارات، فإن القرآن العظيم نهى عن التجادل في شئون الغقيدة الدينية، ولم يرخص لأحد، كائناً من كان. أن ينصب من نفسه قاضياً للفصل بين الطوائف الدينية، لأن أحداً من الخلق لا يصلح للقيام بهذه المهمة. لذلك خطا القرآن خطوات واسعة في هذا المجال، وأرجاً الفصل في شئون العقيدة لله الواحد الدَّيان يوم يقوم الناس لرب العالمين.
ترى ذلك واضحاً جلياً في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ .
وأنظر كيف أدرج القرآن مع المؤمنين واليهود والنصارى - وهم جميعاً أهل كتاب - الصابئين والمجوس والمشركين عموماً. وهم جميعاً ينتمون إلى أديان ليست كتابية.
يريد القرآن من هذا أن ينصرف كل أهل دين إلى حال سبيله ويعمل على شاكلته، ويُعْرض عن الاحتكاك بالآخرين فلا يثير معهم أموراً دينية تكون سبباً في اشعال الفتنة والاضطراب فيختل نظام الحياة، وتكون فتنة في الأرض وفساد كبير. إن الذي نقوله - هنا - ليس تخميناً ولا اجتهاداً يحتمل الصواب والخطأ. بل هو حكم قطعي الثبوت والدلالة، تواترت النصوصو المحمكة على تقريره وتوكيده. فخذ إليك مثلاً آخر قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي
стр. 84
مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ .
إن لهذا المبدأ العام في التسامح الديني في الإسلام آثاراً عميقة الجذور في إقرار السلام العالمي، فهو يكره الفتن أيّاً كان سببها دينياً كان أو غير ديني، لأن نشوب الفتن لا يحل المشكلات، بل يزيدها استعاراً، ويفتح الباب واسعاً لمكايد الشيطان، وهو يعتبر قتل نفس واحدة - عدوناً وظلماً - بمثابة قتل الناس جميعاً، والفتن مجازر لقتل الألوف من الناس لذلك قرر الإسلام هذا المبدأ العلم العظيم، فأوصد باب الجدل الديني حتى تقوم الساعة، والله وحده يتولى الفصل بين عباده؛ لأنه حَكَمٌ عدل، وهو على كل شيء شهيد.
أهذا الدين - الإسلام - بما فيه من هذه المبادئ يكون موضعاً للإتهام بالإرهاب والعنف وسفك الدماء ومصادرة الحريات والقهر على فرض العقيدة؟
﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ .
* * *
стр. 85
﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾
(البقرة: ٢٥٦)
* * *
стр. 86
الفصل الثاني سماحة الدعوة في القرآن الكريم
في حرية الاعتقاد
المباحث الأربعة إلتي تقدمت في مواجهة القرآن لقضيتى التوحيد والبعث، وموقف القرآن الكريم من ظاهرتى مزاعم أهل الكتاب، ومخادعات النفاق والمنافقين، هذه المباحث الأربعة كانت بمثابة مقدمات تترتب عليها نتيجة بالغة الخطورة والصدق.
تلك النتيجة هي: أن الإسلام من كل ما تقدم يقرر في وضوح مبدأ حرية الاعتقاد، وأنه بعيد بُعْد السماء عن الأرض من فرض عقيدته على الناس بقوة السلاح، وسفك الدماء، وأنه لا يصادر حرية أحد، ولا يحجر عليه في قول أو فعل. كل ما هنالك أنه يتصدى للباطل في أي لون كان، ويكشف عوره، ويبين زيفه ويدعو إلى الق في أي مجال كان، فيذيل ما حوله من شبهات ويجليه للرأي العام أبلق ناصعاً، ثم يترك للناس حرية الإقبال عليه أو الإعراض عنه مع تبشير المؤمنين بحسن البمصير، وإنذار الرافضين بسوء المصير. هذا هو ما نتج عن المباحث الأربعة وكل نماذجها كانت آيات قرآنية من كتاب الله العزيز، والقرآن هو المصدر الأول للتشريع الإسلامي بلا نزاع.
أما في الفصل فنريد أن نورد شواهد وبراهين أخرى من آيات الكتاب العزيز على تقرير مبدأ حرية الإعتقاد في القرآن الكريم مع ضوابط لابد منها تتعلق بهذا المبدأ الحيوي العظيم حتى لا يلتبس الحق بالباطل، ويصير من كفر كمن آمن مبداءاً ومصيراً.
ذلك أننا حين نقول إن كتاب الإسلام الأول (القرآن) أقر مبدأ حرية الإعتقاد، فإن هذا القول صحيح ... صحيح. ولكن هذه الحرية مقصورة على الحياة الدنيا، أما في الآخرة فإن الحال مختلفة فلن يجعل الله من كفر كمن آمن، فلكل منهما عند الله جزاء وفاق، ومصير عادل.
ولك أن تقول -وانت مصيب - إن تقرير مبدأ الاعتقاد في الدنيا. إنما هو بالنظر إلى سلطة الناس بعضهم على بعض فليس من حق أحد حاكماً كان أو محكوماً أن يجبر
стр. 87
أحداً على اعتناق أية عقيدة. فلكل إنسان أن يعتقد ما يحلو له. وليس لأحد عليه سلطة الإجبار، لا بسلاح ولا بغير سلاح من وسائل القهر والاضطهاد.
اعتقال - حبس - فصل من عمل - تضييق في الحريات - حرمان من حقوق ترتبت له باعتبار إنسانيته وحياته، وحرمة مناله وعرضه. كل هذه الوسائل لا يقر الإسلام استعمالها ضد أحد كائناً من كان لتفرض عليه عقيدة وإن كانت عقيدة الإسلام، لأن ذلك ينافي مبدأ التكليف الحر النابع من حسن الإقناع بعد سوق البراهين عليه.
ولأن العقيدة مخلها القلوب، ووسيلتها الإقناع، والقلوب لا سلطان لأحد عليها إلا لله علام الغيوب، هذه الاعتبارات يقدرها الإسلام حق قدرها، ولذلك كان من أصوله الخالدة عدم الإكراه في الدين.
ومن الضوابط المتعلقة بحرية الاعتقاد في الإسلام بعد التفرقة التي اشرنا إليها من قبل بين ذوي الاعتقاد الصحيح وذوي الاعتقاد الفاسد في الآخرة، بأن لكل منهم جزاءً ومصيراً عند الله فإن الله تعالى يُفّرق بينهما في الحياة الدنيا، فيخص ذوي الاعتقاد الصحيح بلطائفة واحساناته وتوفيقه، ويحييهم حياة طيبة إذا قرنوا صحة اعتقادهم بالعمل الصالح، ثم يدخلهم روضات الجنات هم فيها يحبرون ويذر ذوي الاعتقاد الفاسد في طغيانهم يعمهون، تقتلهم الأوهام، ويستحوذ عليهم الشيطان، ثم يكونوا حصب جهنم هم فيها خالدون. ومعلوم أن هذه التفرقة ليست لأحد إلا لله.
على هذه الأسس ينبغي أن يُفْهَمَ مبدأ حرية الاعتقاد في الإسلام وعليها ندير الحديث في السطور الآتية:
* من شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر .
إن من أوضح النصوص القرآنية دلالة على حرية الاعتقاد في الإسلام - في إطار الضوابط التي ذكرناها - قول الحق ﵎: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ .
стр. 88
من إخلاص النصح والتوجيه القرآني أن في هذه الآية الناطقة بكل وضوح بتقرير مبدأ حرية الاعتقاد بين الإيمان والكفر لوَّحت مرة وصرّحت أخرى أن الإيمان والكفر ليسا سواء.
أما التلويح فحيث قَّدمت مشيئة الإيمان لضرفه على مشيئة الكفر لخسته.
وأما التصريح فقد عقبت الحديث عن اختيار الكفر بالتنفير منه، حيث ذكرت مصير الكافرين في الحياة الآخرة.
حيث اعدَّ الله لهم ناراً. أحاط بهم سورها إحاطة الظرف بالمظروف فلا مخرج منها ولا مفر: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ .
وإن طلبوا الإغاثة من حَرَّها بما يبرد أكبادهم، ويُذهب لظى أحشائهم جاءهم الغوث ولكن بغير ما أرادوا: ماء حار قبيح اللَّون إذا وضعوه على أفواهم ليشربوه شوى وجوهم وجلودهم. فإذا وصل إلى أجوافهم قطع أمعاءهم. وضاعف شقاءهم. فبئس هو شراباً، وساء هو رفيقاً: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ .
أما الماء العذب الزلال فهم محرمون منه، وهو محرَّم عليهم: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ .
ظاهر من سياق آية الكهف أن القرآن حريص كل الحرص - وهو يقرر مبدأ حرية الاعتقاد - أن يؤكد أن هذه الحرية ليست مستوية الطرفين. وفي هذا إخلاص في النصح والتوجيه وأمانة في البلاغ والإبلاغ، لئلا تكون هذه الحرية المقصورة على الحياة الدنيا سبباً في هلاك فريق من العباد يرون أن الإيمان والكفر سيان في ميزان العدل الإلهي محياً ومماتاً. ولكن مع بيان هذه التفرقة بينهما يتحمل كل إنسان نتائج اختياره في الدنيا والآخرة
стр. 89
فمن سعيد بما كسب، وشقي بما اكتسب، وما الله بظلاٌم للعبيد.
﴿فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا﴾ .
وهذا هو منتهى العدل والإنصاف.
* * *
стр. 90
فإنما عليك البلاغ
﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩) فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (٢٠) إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢١) أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ .
هذه لقطة من مسرح الدعوة إلى الإسلام، تجد في صدرها القرار الحاسم الذي لا رجوع فيه: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ ... هكذا يجب أن يفهم جميع الناس في كل عصر ومصر، ثم تشرح الآية سبب رفض أهل الكتاب - وفي مقدمتهم اليهود - للإسلام، وهو بغيهم بعد مجئ العلم إليهم، وتنتهي الآية ببيان مصير هؤلاء الرافضين للإسلام، وتأتي الآية الثانية فتحدد للرسول الخاتم ﷺ كيفية الرد على أهل الكتاب إن جاءوه مجادلين في شئون الدين وهي إسلام الوجه لله: أي الانقياد إليه وحده لا شريك له. وأن يقول لأهل الكتاب ولمشركي العرب الأميين. أقبلتم الإسلام ديناً كما أمر ربكم؟ وأن بعد هذا القول احتمالين: إما أن يقولوا: أسلمنا، وفي هذا يكونون قد اهتدوا.
وإما أن يتوَّولوا ويرفضوا الإسلام. وفي هذه الحالة تكون مهمة الداعي قد انتهت، وهي: البلاغ. ولا سلطة للداعي عليهم بعد البلاغ: أي ما عليك إلا البلاغ. وهذه مهمة كل الدعاة: رسلاً، وأتباع رسل.
ثم تأتي الايتان (٢١ - ٢٢) زيادة تنفير وتحذير من الكفر والمعاصي الناشئة عنه: قتل الأنبياء، وقتل الذين يأمرون بالعدل من الناس، بأن لهم بشرى عند الله هي العذاب الأليم.
ثم بيان حبوط أعمالهم في الدنيا والآخرة. ولن يجدوا لهم نصراء يدفعون عنهم العذاب.
стр. 91
الدعوة إلى الإسلام - هنا - تواجه طائفتين من البَشر: أهل الكتاب ومشركي العرب. وكل العقوبات التي رصدتها للمعرضين عن الإسلام عقوبات أخروية. ولم يأت ضمن هذه العقوبات أمر بقتال المعرضين أو أي عقوبة دنيوية لهم يقوم بايقاعها أحد من الناس.
وهذا معناه:
* إطلاق حرية الاعتقاد. وأن العقائد لا تفرض على الناس بقوة السلاح أو وسائل ضغط أخرى.
* إن هذه الحرية لها ضابطان:
الأول: اختصاصها بأوضاع الناس في الحياة الدنيا.
الثاني: اختصاصها بعلاقات الناس بعضهم ببعض.
أما الله - سبحانه - فله من التدابير والتصرفات في شئون خلقه ما يقع في الدنيا، وما يقع في الأخرة: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ .
* * *
* مهمة الدعاة:
أما مهمة الدعاة جميعاً - رسلاً وغير رسل - فهي البلاغ وحده وليس لهم سلطة الجبر والقهر على قبول الإسلام. وغذا كان الله قد قصر مهمة الرسل على البلاغ المبين. فغيرهم من الجعاة أولى بهذا القصر. وحين يخرج الدعاة عن هذا، ويرون أن من سلطتهم استعمال القوة لفرض الإسلام، يكونون في حاجة إلى دعاة آخرين أكثر منهم بصراً وبصيرة ليعلموهم آداب الدعوة إلى الحق كيف تكون.
* * *
* نصوص أخرى تؤكد هذا المبدأ:
نعني بالمبدأ - هنا -: الاعتقاد، وقصر مهمة الدعاة على التبليغ والإبلاغ، وأنَّ ليس
стр. 92
لهم سلطة الإجبار. ومن النصوص القرآنية التي تؤكد هذا المبدأ قوله تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ .
فهذا بيان صريح بأن في حالة التولي والإعراض فإن المتولين المعرضين يتحملون وزر توليهم أمام الله. والطاعة خير لهم. أما الرسول فليس عليه إحدا الهداية في قلوبهم، ولا فرض أصول الإيمان عليهم فرضاً. بل عليه - فحسب - البلاغ المبين. تبرأ ذمته منهم أمام الله.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ .
من المعلوم الذي لايكاد ينازع فيه عند علماء المعاني أن: "إنما" من الأساليب البلاغية يكون ما يقع بعدها مباشرة مقصوراَ على ما بعده، لا يتعداه إلى غيره من الصفات أو من الموصوفين. وتطبيق هذه القاعدة على الآية - هنا - جلى واضح. فالذي وقع بعد "إنما" مباشرة هو الجار والمجرور "عليك" والذي وقع بعده هو "البلاغ" والصمير، وهو "الكاف" في "عليك" مراد به الرسول ﷺ . أي أن الواجب عليه في مجال الدعوة هو البلاغ وحده، ولا شيء غير البلاغ. وهذا يؤكد ما قدَّمناه مرات من أن الإجبار ليس من حق الدعاة، لأن الدعاة تابعون للرسول ﷺ في هذا المبدأ. أي أن حرية الاعتقاد في الحياة الدنيا مكفولة شرعاً ووحياً. أما حساب الرافضين للحق فلله وحده لا يشركه في ذلك أحد. والالتزام بهذا المنهج واجب النفاذ.
* * *
стр. 93
إنما أمن مذكر.... لستَ عليهم بمصيطر
ومن قواطع الأدلة قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (٢٠) فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢) إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ (٢٤) إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ .
بدأ هذا التوجيه الإلهي بلفت أنظار المدعويين إلى بعض دلائل القدرة الإلهية. وكيف أحكم الله خلق الإبل، ورفع السماء بلا عُمد، ونصب الجبال فأمكن نصبها، ومَهَّد سطح الأرض لتيسير الحياة عليه. وبعد هذه النماذج من الدعوة بالوسائل السلمية التي تستقطب العقول، وتأسر القلوب توجه إلى رسوله فأمره بالتذكير، بل حصر مهمته فيه: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ وعلى غرار ما تقدم في: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾ فإن مهمة الرسول هنا - كما هي هناك - محصورة في التذكير لا تتعداها إلى أي أمر آخر. ومع أن هذا المعنى مفهوم من دلالة التركيب، فإن القرآن أكَّده مرة أخرى: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ أي لا سلطة لك عليهم بعد التذكير والإنذار والتبشير. وهذا المعنى جاء بطريق الإثبات في: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ وبطريق النفي في: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ وتأدية هذا المعني بطريق الإثبات مرة، والنفي أخرى أقوى وأبلغ من تأديته عن طريق الإثبات وحده، أو النفي وحده.
وهذا المنهج البياني - الجمع بين الإثبات والنفي في تأدية المعنى الواحد - يستعمله القرآن في المعاني ذات الشأن العظيم، ومنها المعنى الذي نتحدث عنه الآن.
أما الاستثناء في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ﴾ فليس معناه أن من تولى وكفر يكون للرسول عليه سيطرة، كلا. لأن هذا الاستثناء منقطع عما قبله وليس متصلاً به. وتمام معناه في قوله تعالى: ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ﴾ .
ثم تأتي الآيتان (٢٥ - ٢٦) فتقطعان كل احتمال، حيث قرر الله في الأولى منهما أن
стр. 94
رجوع الناس إليه وحده لا إلى أحد سواه. وقرر في الثانية منهما أن حساب الناس عليه هو، وليس على أحدٍ سواه.
ولما كان هذا المبدأ من آصل الأصول في الإسلام عبر عنه القرآن في أساليب فخمة قوية الإحكام:
ففيها من أدولت توكيد المعنى: حرف التوكيد "إن" ثم ما يعرف عند علماء المعاني بـ "اسمية الجملة" لأن الجملة الإسمية التي ركناها: المبتدأ والخبر. أثبت دلالة من الجملة الفعلية التي ركناها: الفعل والفاعل. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن جميع التراكيب التي تحدثت عن هذا المعنى، وهو حصر مهمة الدعاة في التبليغ جاءت في القرآن الحكيم جملاً قَصْرية، ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾ ، ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ ﴿فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ . ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ . ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ﴾ وغير ذلك مستفيض في آيات الذكر الحكيم.
* * *
* حرص صاحب الدعوة، وتعقيب الوحي عليه:
من المعلوم أن صاحب الدعوة ﷺ كان حريصاً على إسلام قومه. وقد بذل من الجهد رغبة في ألأن يقبلوا الإسلام ما تجاوز حدود الرسالة المنوطة به ﷺ ، مُحَمّلاً نفسه من الكد والعناء ما لا طاقة لأحد به غيره، بَيْدَ أن الوحي الأمين كان يتعقب مواقف حرصه المرة تلو المرة ويدعوه أن يترفق بنفسه ولا يُحّلها من المشاق ما لم يأمره الله به.
ومن تعقيبات الوحي الرحيم على حرصه ﷺ على إمانهم وتحمله المشاق الزائدة عن المطلوب في هدايتهم، وحزنه الشديد على إعراضهم، من تلك التعقيبات قوله تعالى: ﴿طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (٢) إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ .
стр. 95
قال صاحب الكشاف في معناه: "أي ما عليك إلا أن تبلّغ وتُذكّر، ولم يُكتب عليك أن يؤمنوا لا محالة، بعد أن لم تُفرّط في أداء الرسالة والموعظة الحسنة".
إنه لخطاب رقيق ودود لصاحب الدعوة ﷺ ونداء إلهي كله عطف وحنان. وكأن الله يقول له: لا تُحمّل نفيك في الحرص على إسلامهم مشاقاً لم نكتبها عليك، ولا هي من طبيعة الرسالة التي كلفناك بها. فدع الشقاء المضني لك، وقف عند حدود التذكير والموعظة الهادئة الواضحة. بلّغهم ما أوحينا به إليك، وأرحم نفسك من هذا العناء، فلا عليك أن يؤمنوا وإنما عليك كمال البلاغ وإقامة الحُجُّة لله على من لم يؤمن. وحرصه ﷺ كان نابعاً من فضيلة أصلية فيه، هي حبة الخير للناس، والإشفاق عليهم من الردى الأبدى والحرص الشديد الذي أبداه على إسلام قومه، وإن لم يكن من مراسم الرسالة، فهو مَحمده كريمة له ﵇ وقد سجّل الله له هذه الفضيلة في قوله الكريم:
﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ .
* * *
стр. 96
فلا تذهب نفسك عليهم حسرات
ومن تعقيبات الوحي الرحيم على حرص صاحب الدعوة ﷺ قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ .
أي أفمن زين له سوء عمله ذهبت نفسك عليهم حسرات. يُنكر عليه ذهاب نفسه حسرات عليهم ولكي يعينه على ترك الحسرة عليهم بيَّن له أن ضلال من ضلَّ، وهداية من اهتدى كل ذلك يجري وفق إرادة الله وحكمته وعلمه بحقائق عباده. فعلام التحسر والتأسف إذن؟
أي أن الناس مقهورون لله، وليس قاهرين له - سبحانه - وأن علم الله بما يصنعون يعقبه جزاء المحسن بالإحسان والمسئ بالإساءة. فلا تحزن عليهم فلن يفروا من عقاب الله العادل.
* * *
стр. 97
نفق في الأرض أو سُلَّم في السماء
وفي مواضع أخرى تعقيبات الوحي الكريم على حرص صاحب الدعوة ﷺ على إسلام قومه، تفيد صياغة الكلام على أته ﵇ قد بلغ مبلغاً بعيداً في ذلك الحرص، وسيطرت عليه رغبة عارمة في هداية القوم. لذلك فإن تعقيبات الوحي في هذه المرة جاءت تحمل كمنية هائلة من الشدة، وإنكاراً قوياً لما يصدر منه. ويصور ذلك كله قوله تعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣) وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (٣٤) وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ .
بدأ هذه الموقف من التعقيب بتسلية صاحب الدعوة ﷺ بما ياتي:
فأولاً: أن الله يعلم من عليه حال قومه من الإعراض والصدود عن الحق.
وثانياً: أن إعراضهم وصدودهم لم يكن سببه قصوراً منه ﷺ ، ولا تكذيباً منهم له لنقص يرجع إلى الدلائل والبراهين التي أتاهم بها، بل هم يصدقونه في كل ما يقول، فليس هو في حاجة إلى دلائل جديدة لم يعرضها من قبل، أو آيات معجزة تحملهم على الإذعان والطاعة.
وثالثاً: أن السبب الحقيقي في إعراضهم وصدودهم هو العناد والجحود فهو مرض في قلوبهم، وليس عيباً أو نقصاً في أساليب الدعوة.
وبعد هذا البيان الحكيم، والتحليل الصادق للموقف يتوجه الوحي العظيم لصاحب الدعوة بهذا العتاب الهادر: وإن كَبُرَ وعظم عليك إعراضهم عنك وعن الحق الذي بعثناك به إليهم فافعل ما تريد.
стр. 98
فأمامك وتحت قدميك الأرض فنقّب فيها، وغّصْ في أعماقها فاستخرج لهم منها معجزات إن استطعتّ؟! وإن ضاقت عليك الأرض أو لم تجد فيها معجزات فإن فوقك السماء. فهل تستطيع أن تجد لك سَلَّمّاً لتصعد فيها فُتنْزِل لهم منها معجزة أو معجزات كي يؤمنوا وتستريح من عناء الحرص عليهم والإشفاق بهم؟!
ولا ريب أن الرسول حينما ووجه من ربه بهذا الإعجاز القاهر أدرك أنه دون هذا بكثير.
ثم كان ختام هذا التعقيب: إن مقاليد الأمور - كلها - بيد الله، ولو شاء لجعلهم أمة واحدة على أهدى قلب رجل واحد. فوطّن نفسك يا محمد على هذه السُنَّة الإلهية الحكيمة، وإيَّاك أن تكون ممن يجهلون سنن الله في خلقه.
إنه لتوجيه كريم، وتربيه قويمة، وتبصير مبين، يعود بصاحب الدعوة إلى أصل الرسالة: إنه التبليغ وحده مع ذكر الدلائل والبراهين التي أرشده إليها ربه، ولا عليه بعد ذلك أن يؤمن الناس جميعاً أو يعرضوا جميعاً.
وقد تكرر هذه التوجيه في إيجاز في مواضع، وفي إسهاب في مواضع أخرى:
﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ .
﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ... ﴾
﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ... ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥) وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦) وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (١٢٧) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ .
стр. 99
وهكذا تتوالى التعقيبات الإلهية على الحرص المضني الذي كان ينوء بأثقاله صاحب الدعوة. وما من تعقيب إلا ويدعوه إلى التريث والتثبت والتأني، ويأمره بالوقوف عند حد الإبلاغ الهادئ المبين، ونهاه عن التسرع والحزن والإنفعال، لأن هذه الأمور وسيلة، للميل عن سنن الرسالة وآدابها. ولو كان الله مؤذناً لأحد باستعمال البطش والقوة المجبرة على قبول الحق، والانقياد له قسراً، لكان خاتم الرسل أولى الناس بهذا الإذن، لأنه معصوم من الخطأ في التبليغ.
* * *
стр. 100
رحمة عامة لكل الناس
الحرص الذي أبداه صاحب الدعوة لم يكن مقصوراً على عشيرته وقومه، بل كان رحمة عامة يشعر بها أمام جميع الناس، حتى اليهود والمنافقين. صحيح أن هذا الحرص قد بدأ مبكراً من قبل الهجرة حيث لم يكن بمكة يهود ولا منافقون. لكن القرآن دلَّنا على أن حرصه تجاوز قومه وعشيرته الأذنين إلى آفاق عامة شملت المنافقين واليهود معاً، فكان يحزن على إعراضهم كما حزن على إعراض قومه من قبل. وذلك في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ .
فالذين قالوا آمنا بأفواهم ولم يؤمن قلوبهم هم المنافقون، والذين هادوا هم اليهود، نهاه الله أن يحزن على كفرهم وكرر له القول بأن الأمور بيد الله، ولو كان الله قد علم فيهم خيراً لهَداهم، ومنَ يُرد الله فتنته - لأمر هو به عليم - فليس في مقدرة أحد أن يملك لهم منها مخرجاً. والذين حزن عليهم ﷺ قد سبق في علم الله أنهم لن يختاروا إلا الكفر والصلال، وأن الله كتب عليهم الخزى في الدنيا، والعذاب العظيم في الآخرة.
وفي هذا البيان تسرية عن نفس النبي، وتفريج لهمه، وتثبيت لفؤاده وقرة لعينه ﷺ .
* * *
* خلاصات موجزة:
نستخلص مما تقدم بكل وضوح وقوة ما يأتي:
أولاً: أن حرية الاعتقاد في الإسلام مكفولة وحياً وشريعة.
стр. 101
ثانياً: أن هذه الحرية مقصورة على الحياة الدنيا باعتبار علاقات الناس بعضهم ببعض، فليس لأحد أن يفرض أية عقيدة على الناس بأي وسيلة من وسائل القهر المادي. أو الحرمان من الحقوق التي اكتسبها الإنسان بموجب أنه حي يُرزق.
ثالثاً: أن هذه الحرية ليست مستوية الطرفين فيكون من كفر كمن آمن.
كلا. بل هم عند الله فريقان مختلفان. وأن لكل منهم عنده جزاءً ومصيراً.
رابعاً: أن مهمة الدعاة - ومنهم الرسل - لا تتجاوز بأية حال دائرة الإبلاغ بالحكمة والموعظة الحسنة.
خامساً: أن الإسلام بلغ نهاية السماحة والكرم ف كل فرع من فروع الدعوة. وأن الذين يتهمونه بالإرهاب والبطش يأتون منكراً من القول وزوراً. وهم إما جاهل غني، أو متجاهل عنيد.
* * *
стр. 102
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾
(الأنبياء: ١٠٧)
* * *
стр. 103
الفصل الثالث سماحة الدعوة إلى الإسلام في النشاط النبوي
المبحث الأول - سَمَاحَةُ الدَّعْوَةَ فِي السُّنَّةِ القَوْليَّة:
نقصد بهذا الجانب من النشاط النبوي في السنُة القولية، مكانتة صاحب الدعوة ﷺ إلى ملوك ورؤساء العاَلم الذي كان معاصراً لنشأة الدعوة إلى الإسلام، في " محمد ﷺ " كان مرسلاً للناس جميعاً بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإنه وسراجاً منيراً.
وبدؤه بالتوجيه بالدعوة إلى قومه أولاً لا ينافي عموم الرسالة قطعاً لأن الرسالة كانت ذت أولويات في بدء أمرها.
سرية أولاً، ثم جهرية ثانياً في حدود أم القُرَى، ثم توجهت إلى القبائل المجاورة لأم القُرَى، وهكذا حتى شملت كل الشعوب والأمم خارج نطاق شبة الجزيرة العربية:
﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ .
* * *
стр. 104
مكاتبات صاحب الدعوة
ونزولاً على أمر الله بدأ صاحب الدعوة ﷺ يُبلّغ رسالة ربه لمن حوله من الشعوب والبلدان، وكان هذا بعد صلح الحديبية عام ستة من الهجرة، حيت أتاح هذا الصلح للدعاة أن ينطلقوا حيث شاءوا وهم آمنون من بطش قريش وحلفائها. وفيما يأتي نصوص الكتب التي بعث بها ﷺ إلى ملوك ورؤساء الدول في ذل العهد.
* كتابه إلى النجاشي ملك الحبشة:
كان النجاشي هذا نصرانياً وملكاً على نصارى الحبشة. وقد أرسل إليه ﷺ كتاباً يدعوه فيه إلى الإسلام. وحمل الكتاب إليه عمرو بن أمية الضمري في آخر سنة ست - أو في المحرم سنة سبع على خلاف بين كتب السيرة - ونص الكتاب هو:
"هذا كتاب من محمد النبي إلى النجاشي الأصحم عظيم الحبشة: سلام على من اتَّبع الهدى، وآمن بالله ورسوله. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك، لم يتخذ صاحبة ولا ولداً، وأن محمداً عبده ورسوله، وأدعوك بدعاية الإسلام، فإني أنا رسوله، فاسلم تسلم ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ . فإن أبيتَ فإن عليك إثم النصارى من قومك".
هذا نص الكتاب، وهو يحمل دعوة سلمية إلى الإسلام، تخلو من التهديد بالقتل أو القتال، وإنما تنر من تحمل الإثم أمام الله إذا أعرض المدعو ولم يذعن للحق.
ولما بلغ الكتاب النجاشي أسلم في الحال. وكتب إلى النبي ﷺ يخبره بإسلامه. ومما يروى أن النجاشي وضع كتاب النبي على عينيه، ونزل على سرير مُلْكه، وجلس على الأرض.
وتأمل ما في الكتاب من لمحات طيبة، فالنجاشي نصراني من أهل الكتاب، لذلك آثر
стр. 105
- ﷺ أن يذكر له الآية التي أنزلها الله لمخاطبة أهل الكتاب: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ....﴾ وهو النداء الخالج الذي أشرنا إليه من قبل.
* * *
* كتابه إلى المقوقس عظيم القبط ... ملك مصر:
بعث صاحب الدعوة ﷺ بكتاب إلى جريج بن متى المعروف بـ "المقوقس" وكان عظيم القبط بمصر، وملَكِاً عليها، وقد حمل الكتاب إليه حاطب بن أبي بلتعة، وكان نص الكتاب كما رواه أصحاب السير:
"بسم الله الرحمن الرحيم ... من محمد بن عبد الله ورسوله، إلى المقوقس عظيم القبط، سلام على من أتبع الهدى، أما بعد ... فإني أدعوك بدعاية الإسلام: أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليتَ فإن عليك إثم أهل القبط: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ .
ولما دخل حاطب على المقوقس قال له: "إنه كان قبلك يزعم أنه الرب الأعلى، فأخذه الله نكال الآخرة والأولى، فانتقم به، ثم انتقم منه. فاعتبر بغيرك ولا يعتبر غيرك بك".
قال المقوقس: أنّ لنا ديناً لن ندعه إلا لما هو خير منه؟
فقال حاطب: "ندعوك إلى دين الإسلام الكافي به الله فَقْدَ ما سواه. إن هذا النبي دعا الناس، فكان أشدهم عليه قريش، وأعداهم له اليهود، وأقربهم منه النصارى، ولعمري ما بشارة موسى بعيسى إلا كبسارة عيسى بمحمد، وما دعاؤنا إياك إلى القرآن إلا كدعائك أهل التوارة إلى الإنجيل، فكل نبي أدرك قوماً فهم أمته، فالحق
стр. 106
عليهم أن يطيعوه، وأنت ممن أدركه هذا النبي، ولسنا ننهاك عن دين المسيح ولكنا نأمرك به".
فقال المقوقس: إني نظرتُ في أمر هذا النبي.... ولم أجده بالساحر الضال. ولا بالكاهن الكاذب.... وسأنظر، ثم وضع الكتاب في إناء من عاج وختم عليه وأمر بحفظه. ثم دعا كاتباً له يحذق اللغة العربية نطقاً وقراءة وكتابة. وأمره أن يكتب للنبي الكتاب الآتي:
"بسم الله الرحمن الرحيم.... لمحمد بن عبد الله من المقوقس عظيم القبط، سلام عليك، أما بعد: فقد قرأتُ كتابك، وفهمتُ ما ذكرت فيه، وما تدعو إليه، وقد علمتٌ أن نبياً بقى، وكنت أظن أنه يخرج بالشام، وقد أكرمن رسولك، وبعثتُ إليك بجاريتين لهما مكان في القبط عظيم، وبكسوة، وأهديت إليك بغلة لتركبها، والسلام عليك".
* * *
* تعقيب:
خلا كتاب النبي ﷺ من أي تهديد بالقوة إذا لم يسلم المقوقس وقومه، كما خلا من ذلك كتابه إلى ملك الحبشة من قبل. وأقتصر الكتابان على مجرد الدعوة السلمية إلى الإسلام.
كما خلا الحوار الحكيم الذي دار بين مبعوث رسول الله ﷺ حاطب بن أبي بلتعة، وبين المقوقس من تهديد بفرض الإسلام على القبط بقوة السلاح، بل لم يشر إلى ذلك ولو إشارة خفية، وإنما أعتمد حاطب على الإقناع بالوسائل السلمية كما ترى، ولم يكن المقوقس أكثر ذكاء ودبلوماسية في حواره وفي كتابه الذي بعث به إلى النبي من حاطب بن أب بلتعة، فقد كان ذكياً ماهراً في حواره مع المقوقس.
وكما ترى فإن صاحب الدعوة أكتفى برد المقوقس عليه ولم يتخذ تدابير أخرى حتى لقي الرفيق الأعلى. وربما كان رد عظيم القبط يحمل في بعض فقراته وعداً بالنظر والتثبت من الدعوة التي وجهها صاحب الدعوة إليه.
стр. 107
وكانت مارية القبطية - إحدى الجاريتين - أماً لولده إبراهيم، وكما كان المقوقس كريماً في إهدائه كان ﵇ كريماً في قبول ما أُهدى إليه، وقد انعقدت المصاهرة بين المسلمين وبين أهل مصر في ذلك الحين بسبب مارية القبطية، وكانت لهذه المصاهرة منزلة عند النبي ﷺ ، فقد أوصى المسلمين إذا فتحوا مصر من بعده أن يستوصوا بأهلها خيراً، لأن لهم نسباً وصهراً، وهذا ما حدث بالفعل عند فتح مصر في خلافة عمر بن الخطاب ﵁.
* * *
* كتابه إلى كسرى ملك فارس:
أما كتابه ﷺ إلى ملك الفرس فقد حمله إليه عبد الله بن حذافة السهمي وكان نصه: "بسم الله الرحمن الرحيم ... من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس. سلام على من أتبع الهدى. وآمن بالله ورسوله، وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأدعوك بدعاية الله؛ فإني أنا رسول الله إلى الناس كافة لينذر من كان حياً ويحق القول على الكافرين، فاسلم تسلم فإن أبيتَ، فإن إثم المجوس عليك".
* * *
* موقف ملك الفرس:
كان موقف ملك الفُرس من كتاب صاحب الدعوة ﷺ موقفاً غير كريم، وهو أول موقف يقفه رئيس جولة من رسائل النبي فيه خشونة وغلظة. فقد غضب كسرى من أن محمداً ﷺ كتب اسمه قبل اسم كسرى. فمزّّق الكتاب وقال: عبد حقير من رعيتي يكتب اسمه قبل أسمي؟ ولما بلغ أمره رسول الله قال: "مزَّق الله مُلكه". فلم يمض طويل وقت حتى انقض شيرويه بن كسرى عليه فقتله وتولى الأمر على فارس بعده. وعلم رسول الله ﷺ عن ظريق الوحي بمقتل كسرى على يد ابنه شيرويه وذاع الخبر عنه في شبة الجزيرة الهربية حتى وصل اليمن، وكان اليمن خاضعاً سياسياً للملكة فارس. ولما جاءت الأنباء من فارس نفسها تؤكد الخبر، أسلم باذان ملك اليمن من قبل فارس وأسلم كل
стр. 108
الفرس الذين كانوا في اليمن، بسبب صدق الخبر عن صاحب الدعوة الذي أذاعه ليلة وقوع الحادث.
* * *
* مغزى هذا الموقف:
إذا كان النجاشي والمقوقس من رسالتى رسول الله إليهما يخلوان مما يدعو إلى أي رد فعل عنيف، فإن موقف ملك الفُرس كان يقتضي إعلان الحرب عليه وعلى مملكته، للإهانة البالغة التي صدرت منه للرسالة والرسول. ومع هذا فإن شيئاً من هذا لم يكن. ومؤدى هذا كله أن حمل الناس على الإسلام بقوة السلاح لم يكن ولن يكون أبداً في الإسلام.
* * *
* كتابه إلى ملك الروم:
"بسم الله الرحمن الرحيم.... من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم. سلام على من اتبع الهدى، أسم تسلم. أسلم يؤتك الله أجرك مرتين. فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ .
وحمل الكتاب إلى هرقل الصحابي الجليل دحية بن خليفة الكلبي، ولم يتسرع هرقل في الرد، بل دعا إليه رجالاً من قريش كانوا بالشام للتجارة، وفيهم أبو سفيان بن حرب، فأخذ يسأل أبا سفيان - وكان ذلك قبل إسلامه - أشئلة دقيقة عن حياة صاحب الدعوى ﷺ قبل اليعثة وبعدها. ودار بينهما حوار طويل قال هرقل عقبة لأبي سفيان: "إن كان ما تقول - أي عن النبي - حقاً، فسيملك موضع قَدمىّ هاتين، وقد كنتُ أعلمُ أنه
стр. 109
خارج - أي مبعوث من عن الله - ولم أكن أظنه أنه منكم، فلو أني أعلم أني أخلص إليه - أي أصل إليه - لتجشمتُ لقاءه - أي لتحملتُ المشاق في سبيله - ولو كنتُ عنده لغسلتُ عن قدميه".
ثم أكرم مبعوث رسول الله ﷺ دحية الكلبي - وحَمَّله عن عودته من عندخ إلى المدينة هدايا نفيسة.
وموقف هرقل - كما ترى - موقف كريم شبيه بموقف المقوقس عظيم القبط بمصر. صحيح أن هرقل لم يعلن إسلامه ولا إسلام قومه، بَيْدَ أن بعض الروايات تذهب بأن همَّ بإعلان إسلامه، ولكن الروم، أو أهل الحماقة منهم، ثاروا عليه ثورة عظيمة، فجبن أمامهم وقال: إني أردت أن أختبركم، ولم أكن أقصد ما أقول؟!
وهذه الرواية لها ما يقويها من لاكم هرقل الذي ذكرناه آنفاً من تعقيبه على الحوار لذي دار بينه وبين أبي سفيان بن حرب. وأياً كان الأمر فإن كتاب صاحب الدعوة ﷺ إلى هرقل كان فتحاً عظيماً للدعوة بالطرق السلمية. فيه بلاغ وافِ بالإسلام.
* * *
* كتابه إلى المنذر بن ساوى:
كما كتب ﷺ كتاباً إلى المنذر بن ساوى أمير البحرين، وحمله إليه مبعوث رسول الله ﷺ العلاء بن الحضرمى - يدعوه فيه إلى الإسلام، فكتب المنذر كتاباً إلى صاحب الدعوة رداً على كتابه قال فيه:
"أما بعد: يا رسول الله، فإني قرأتُ كتابك على أهل البحرين فمنهم من أحب الإسلام وأعجبه، ودخل فيه. ومنهم من كرهه. وبأرضى مجوس (فُرس) ويهود، فأحدث إلىَّ في ذلك أمرك".
فكتب إليه ﷺ كتاباً آخر قال فيه:
"بسم الله الرحمن الرحيم.... من محمد رسول الله إلى المنذر بن ساوى سلام عليك. فإني أحمد إليك الله، الذي لا إلهَ إلا هو، وأشهد أنّ محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فإني
стр. 110
أذكرك الله ، فإنه من ينصح لنفسه، وإنه من يطع رسلي ويتبع أمرهم فقد أطاعني، ومن نصح لهم فقد نصح لي، وإن رسلي قد أثنوا عليك خيراً، وإني قد شفعتك في قومك. فاترك للمسلمين ما أسلموا عليه وعفوت عن أهل الذُّنُوب، فاقبل منهم، وإنك مهما تصلح فلم نعزلك عن عملك ... ومن أقام على يهودية، أو مجوسيةفعليه الجزية".
فهذه وثيقة اخرى من وثائق سماحة الإسلام، إذ تضمن هذا الكتاب صدور العفو عمن أبى أن يعتنق الإسلام من غير اليهود والفرس الذين كانوا في البحرين في ذلك العهد، كما أقرّ صاحب الدعوة إبقاء اليهود زالمجوس فيها على يهوديتهم ومجوسيتهم، ولو كان من مبادئ الإسلام أن يفرض نفسه على الناس، وهم له كارهون، ولو كان بقوة السلاح، لما توانى صاحب الدعوة لحظة في إعلان هذا الإجراء، لكن الإسلام - دين الفظرة - أقدر على سياسة النفوس من أن يضيق بها ذرعاً إذا أُعرضت عن هداه.
إن في هذه الوثيقة - وغيرها كثير - دحضاً قوياً لأولئك الذين يهرفون بما لا يعرفون عن الإسلام، أو يعرفون ولكن الحقد أعمى أبصارهم، وأًم آذانهم، وأوغر صدورهم. وحسابهم عند الله عسير.
* * *
* كتابه إلى أمير اليمامة:
وفي إطار التبليغ بما أنزل الله، كتب رسول الله ﷺ إلى أمير اليمامة هوذة بن عليّ كتاباً قصيراً جاء فيه:
"بسم الله الرحمن الرحيم ... من محمد رسول الله إلى هوذة بن علي، سلام على من أتيع الهدى، وأعلم أن ديني سيظهر إلى منتهى الخف والحافر، فأسلم تسلم، وأجعل لك ما تحت يدك".
وحمل الكتاب إليه سليط بن عمرو العامري، فكتب هوذة رداً قال فيه:
следующие страницы →