← Общие книги

Общие книги · id 1412

عقوبة الارتداد عن الدين بين الأدلة الشرعية وشبهات المنكرين

عبد العظيم المطعني

Полный текст (97 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الكتاب: عقوبة الارتداد عن الدين بين الأدلة الشرعية وشبهات المنكرين المؤلف: د. عبد العظيم إبراهيم محمد المطعني الناشر: مكتبة وهبة الطبعة الأولى ١٤١٤ هـ - ١٩٩٣ م عدد الأجزاء: ١ تنبيه: [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] جَزَى اللَّهُ كَاتِبَهُ وَمَنْ تَحَمَّلَ نَفَقَةَ الْكِتَابَةِ خَيرَ الجَزَاءِ وَأَوفَاهُ.

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تقديم في إطار الحملة المسعورة التي يشنها بعض الكتاب والإعلاميين ضد الإسلام، تثار الأن زوبعة هوجاء حول الردة في الإسلام، فما كاد فضيلة الشيخ / محمد الغزالي، والدكتور / محمد مزروعة يفرغان من تأدية شهادتيهما أمام المحكمة التي تنظر قضية اغتيال فرج فودة، وتنشر الصحف ما قالاه، حتى انبرى فريق من الكتاب والإعلاميين، ونظموا حملة صاخبة ضد الشيخ الغزالي والدكتور مزروعة، ثم سرعان ما حولوا هجومهم ضد الشيخين إلى هجوم على الإسلام نفسه، منكرين ان تكون عقوبة المرتد هي القتل. ثم فتح الباب على مصراعيه لكل من شاء، حتى الذين ينتمون إلى عقائد أهرى غير عقيدة الإسلام، منحوا أنفسهم حق الإفتاء في أمور إسلامية خالصة، لا يحسن القول فيها إلا من درس الإسلام أصولاً وفروعاً منذ نعومة أظفاره. وهذا شيء قد تعودنا في هذا العصر الذي تحترم فيه كل التخصصات، إلا إذا تعلق الأمر بالإسلام فإنك تجد كل الكاتبين ائمة مجتهدين، ينصون أنفسهم قضاة يحاكمون الإسلام نفسه، ويحاكمون فقهاء الإسلام وأصولييه ومفسريه ومحدثيه، ويرمونهم بالقصور والغفلة وعظائم الأمور؟

стр. 3

وقد تابعت طرفاً من هذه الحملة حين وجودي بالخارج، ولكن لم تتح لي فرصة المتابعة لكل ما قالوه في انكارهم لحد الردة في الإسلام، لأن الصحف والمجلات المصرية لا تصل إلينا بانتظام. وبعد عودتي إلى القاهرة تمكنت - والحمد لله - من الحصول على ما يصور وجهة نظرهم تصويراً تاماً. وعرفت أساليبهم في الكر والفر، ومنهجهم في الاستدلال، وتعاملهم مع النصوص وأدلة الأحكام الشرعية، وتمنيت لو تصدى الأزهر الشريف لدعاواهم وأصدر بياناً شافياً حول موضوع النزاع، لإن الأزهر هو الجهة الوحيدة التي تملك - شرعاً وقانوناً - حسم الخلاف في مثل هذه الأمور، ولكن الأزهر لم يفعل شيئاً، وترك المجال يقف فيه الشيخ الغزالي وحده يرد على بعض ما يثار في الموضوع، رداً يخضع إعلامياً للحذف والتبديل، لإن المزاج العام للإعلام الصحفي هو الميل إلى وجهة نظر المعارضين لأسباب لا تخفى على أحد ثم سعدت يوماً حين وقعت عيني على عنوان مقال لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد السيد طنطاوي مفتي الجمهورية، وتوقعت أن دار الإفتاء نهضت بما لم ينهض به الأزهر لحسم الخلاف بين طرفى النزاع بكلمة خالصة لوجه الله تعالى، ودار الإفتاء هي "أزهر مصغر" لحمة وسدى. ولكن بعد الفراغ من قراءة مقال فضيلة المفتي "كلمة عن الردة والمرتدين" ذهبت سعادتي ادراج الرياح، لإن المقال لم يتصد لجوهر الخلاف، ولم يضع حداً للتطاول على الإسلام نفسه، ثم على الرعيل

стр. 4

الأول من فقهاء الأمة وعلمائهم الأعلام، ثم تساءلت: إلى متى نؤثر السكوت على الكلام وسهام السوء تنثر صوب الإسلام صباح مساء، وحماه ينتهك، ومحاسنه توأد، وقيمه تنتقص؟! وإلى متى نؤثر الصمت أمام الهجمات الشرسة على الفقه الإسلامي المنبثق من الكتاب والسنة ومقاصد الإسلام وكلياته التشريعية؟ وإلى متى نؤثر الصمت أمام الحملات التي تشن على أئمة المذاهب الفقهية والأصوليين والمفسرين ورجال الحديث، وترميهم بالجمود وأنهم لم يفهموا الإسلام كما يفهمه الكارهون لما أنزل الله من الشيوعيين والعلمانيين ومن جرى مجراهم؟ إن الإسلام في نظر هؤلاء كلأ مباح لكل سائمة وصيد مستهدف لكل ذي سهم؟ إنهم يريدون إسلاماً مصنوعاً على هواهم، وليس إسلاماً كما أنزله الله وبينه رسوله الكريم ﷺ ؟ يريدون إسلاماً مرقعاً لا إسلاماً خالصاً. ومما دفعنا إلى كتابة هذه المواجهة السريعة لما يقوله منكرو حد الردة أنهم اعتسفوا القول اعتسافاً في إنكارهم لهذا الحد. * اعتدوا على حرمة النصوص الشرعية ... ؟ * وأساءوا فهم بعض الوقائع التاريخية ... ؟ * وزوروا على الفقهاء أقوالاهم منها برآ ... ؟

стр. 5

* ونسبوا إليهم مواقف لم ولن تصح عنهم ... ؟ * وأهدروا صلة السنة النبوية بالكتاب العزيز؟! * وأفتوا - زوراً وبهتاناً - بما ليس في كتاب الله ولا في سنة رسوله الأمين ﷺ . * وضربوا باتفاق مليون فقيه وعالم عرض الحائط من غير مبالاة ولا خجل. لهذا استخرنا الله - بعد تردد لم يطل - في أن نحرر هذه السطور. احقاقاً للحق خالصاً لوجه الله الكريم. ليس دفاعاً عن أحد ولا تحاملاً على آخر: والذي نسطره - هنا - ليس دفاعاً عن الشيخ الغزالي أو الدكتور مزروعة، وليس دفاعاً عن قتلة فرج فوده ولا إدانة أو تحاملاً عليه، فهذه أمور هاشمية عابرة وإنما هدفنا الأول والآخير هو الدفاع عن حدٍ من حدود الله، اجتمعت عليه المدارس الفقهية ولم يعرف عنهم فيه خلاف. وقامت على وجوده عشرات الأدلة قولاً وعملاً وتقريراً لإنه - أي حد الردة - يتعلق بحماية ضرورة من الضرورات الخمس، التي رعاها التشريع الإسلامي حق الرعاية، وهي: * الحفاظ على المال، وحده قطع يد السارق. * والحفاظ على النسل، وحده رجم الزاني أو جلده.

стр. 6

* والحفاظ على العرض والشرف، وحده جلد الرامي للناس في أعراضهم وشرفهم. * والحفاظ على العقل، وحده جلد الشارب. * ثم الحافظ على الدين، وحده قتل المرتد. فهذه خمسة حدود متفق عليها، يضاف إليهما حدان متفق عليهما كذلك وهما: * حد الحرابة لمن يحارب الله ورسوله ﷺ ويسعى في الأرض فساداً فيعتدي على الأنفس والأموال والأعراض. * ثم حد البغي إذا اعتدت طائفة على أخرى ظلماً وعدواناً. هذه الحدود السبعة شرعها الله ورسوله ﷺ لجرائم من شأنها إذا لم تردع أن تبدل سعادة الحياة بؤساً. وتحول أمنها قلقاً واضطراباً. ولعظم الحدود في الإسلام فإن العفو لا يجوز فيها إذا رفعت لولي الأمر، إنها حقوق لله ولا يملك أحد حق العفو في حق هو خالص لله. ومن العجيب - حقاً - أن منكري جد الدرة لم يقفوا عند إنكاره هو وحده، بل أنكروا معه ثلاثة حدود أخرى، وهي: * حد الحرابة، وقد ورد في القرآن الكريم. * وحد البغي، وقد ورد كذلك في القرآن الكريم.

стр. 7

* وحد شرب الخمر، وقد ورد في السنة الطاهرة قولاً وعملاً، وفي السنة العملية للخلفاء الراشدين ولك أن تضحك - أو تبكي إن شئت - حين تقف على طريقة استدلال منكري هذه الحدود، إن مستندهم الوحيد أن هذه الحدود الأربعة التي أنكروها خلا منها كتاب الفقه على المذاهب الأربعة....؟ أما الحدود التي أقروا بها فهي: * حد الزنى. * حد القذف. * حد السرقة. قل لهؤلاء المنكرين ماذا تفعلون بقوله تعالى الذي يقرر حد الحرابة: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (المائدة ٣٣) . وماذا يصنعون بقوله تعالى الذي يقرر حد البغي: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ ... ﴾ (الحجرات ٩) .

стр. 8

ثم ماذا يصنعون بالأحاديث النبوية الواردة في عقوبة شارب الخمر، والقاضية بقتله إذا شرب مرة رابعة بعد تأديبه في المرات الثلاث السابقة إذا لم يتب ويقلع؟ عجيب - والله - أن يتخذوا من خلُو كتاب المذاهب الأربعة من ذكر هذه الحدود - وهو مؤلف حديث - دليلاً على إنكار الحدود التي لن تذكر فيه. وقاضياً على نصوص الشريعة المقدسة من الكتاب والسنة؟ وأيا كان الأمر فإننا في مواجهتنا لهذه الدعاوي ذكرنا شبهات منكري حد الردة شبهة تلو أخرى وتناولنا كل شبهة بنقد ونقض موذوعيين - كما سيرى القارئ - دفاعاً عن الحق، وإحقاقاً له؛ لإن الشبهات التي استند إليها منكرو حد الردة قد يكون لها تأثير قوي عند أهل العلم. فالتصدي لهل واجب على كل قادر، وكشف ما في شبهانهم من زيف وتضليل وإغراء على الفساد والإفساد جهاد في سبيل الله لابد من القيام به، تبصيراة وتبصيرة. والذكرى تنفع المؤمنين وهذه المواجهة شطرناها شطرين. * في الشطر الأول منها واجهنا شبهات منكري حد الردة كلها وبينا أنهم ليس لهم أي مستند فيها يؤيد ما ذهبوا إليه. وفي الشطر الثاني ذكرنا "توضيحات لابد منها" وضحنا فيها جوانب مهمة، منها:

стр. 9

لماذا شرع الإسلام قتل المسلم إن ارتد؟ وهل هذا التشريع ينافي حرية الاعتقاد في الإسلام. والله نسأل أن يجعل عملنا خالصاً لوجهه الكريم وأن ينفع به طلاب الحق وصالحي المؤمنين. عبد العظيم إبراهيم المطعنى القاهرة - الظاهر الخميس غرة ربيع الأول ١٤١٤ هـ الموافق ١٨ / أغسطس ١٩٩٣ م عفا الله عنه

стр. 10

الشبهة الأولى خطأ الاستدلال بالنصوص القرآنية وقع منكرو حد الردة في أخطاء عديدة وهم يستدلون على إنكاره بأيات من القرآن الكريم، ويمكن تصنيف أخطائهم في هذا المجال فيما يأتي: الأول: خطأ عام شمل استدلالهم بكل ما ذكروه من آيات حكيمة. الثاني: خطأ يتعلق باستدلالهم ببعض الآيات دون بعضها الأخر. الخطأ العام: من الحقائق المسلمة أن حد الردة، وهو القتل، لم يرد صراحة في الآيات التي تحدثت عن الردة، حيث قصرت تلك الآيات عقوبة المرتد على العذاب الأخروي، ومنكرو حد الردة اتخذوا من خلو القرآن من عقوبة دنيوية محددة دليلاً على إنكار حد الردة الذي ورد في السنة الصحيحة قولاً وعملاً، وفي سنة الراشدين، ووقع الإتفاق عليه بين الفقهاء، وهذا انزلاق خطر، وقصور شنيع في الفهم والاستدلال؛ لإنه يقوم على إهدار دور السنة في التشريع، وهي بإجماع الأصوليين والفقهاء وجميع فرق الأمة، المصدر الثاني في

стр. 11

التشريع الإسلامي وسنبين هذا في إيجاز ووضوح بعد قليل. الخطأ الخاص باستدلالهم ببعض الايات أما الخطأ الخاص باستدلالهم بآيات دون أخرى فكان سببه الوقوف عند ظاهر تلك الآيات، دون البحث عن المراد منها. وها نحن نذكر الايات التي استدلوا بها، ونكشف وجوه الخطأ في ذلك الاستدلال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ....﴾ المائدة (٥٤٩ ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ البقرة (٢١٧) . هاتان الآيتان عن جريمة الردة وتوعد الله في أولاهما المرتدين بقطع دابرهم والآيتان يقوم آخرين يحبهم ويحبونه وفي الثانية توعدهم بحبوط أعمالهم العاجلة والآجلة، وتخليدهم في النار يوم يقوم الحساب. وفد خلت الآيتان من النص على عقوبة دنيوية محددة وهذا أغرى منكري حد الردة وزعموا أنه حد مزعوم ورموا جميع فقهاء الأمة القائلين بأن عقوبة المرتد هي القتل رموهم بالادعاء الكاذب؟! وورطوا أنفسهم في منكر من القول وزوّر جارين وراء أهواء رخيصة

стр. 12

وعواطف هوجاء، وقصور في النظر والاستدلال. ثم استدلوا - كذلك - بالآيات الأتية: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ....﴾ . آل عمران: (٨٦) . ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾ النساء (١٣٧) . ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ﴾ آل عمران: (٩٠) . ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ آل عمران: (٧٢) . وجه استدلالهم: استدل منكرو حد الردة بالآيات الثلاث الأولى مما ذكرناه آنفاً على أن هذه الآيات تتحدث عن ردة ظاهرة، وفي بعضها ورد الحديث عن الردة مرتين لقوم مخصوصين ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ... ﴾ وفهموا من هذا أن المرتد لو كانت عقوبته القتل لما بقى حياً حتى يرتد مرة أخرى؟ وأنه لم يرد أن النبي ﷺ عاقب هؤلاء المرتدين بالقتل فكيف يقال أن عقوبة المرتد هي القتل؟

стр. 13

خطأ هذا الاستدلال: إن منكري حد الردة جانبهم الصواب في استدلالهم بهذه الآيات وإليك البيان: فقوله تعالى ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ....﴾ يذهب المفسرون فيه مذهبين ليس في أحدهما ولا فيهما أي دليل لمنكري حد الردة. المذهب الأول: أن الآية تتحدث عن جماعة كانوا مسلمين حقاً ثم ارتدوا ولحقوا بالمشركين، وقد راجعوا أنفسهم فأرسلوا بعضاً من الناس يسألون رسول الله ﷺ هل لهم من توبه فرجعوا إلى الإسلام بعد نزول هذه الاية وحسن إسلامهم. المذهب الثاني: أن الآية تتحدث عن اليهود، لإنهم كانوا قبل الإسلام مؤمنين برسالة النبي الخاتم، وكانوا يطعمون أن يكون منهم فلما بعث من العرب كفروا به. ويرجع هذا المذهب سياق الكلام قبل هذه الآية وبعدها، حيث جاءت هذه الآية في نظم آيات تتحدث عن أهل الكتاب. وعلى كلا المذهبين لا دليل في الآية لمنكري حد الردة - القتل - فعلى

стр. 14

المذهب الأول لم يعاقب النبي ﷺ هؤلاء المرتدين، لأنهم فروا هاربين إلى أهل الشرك ساعة ارتدوا. ثم عادوا تائبين. وعلى المذهب الثاني يكون من تحدثت عنهم الآية غير مسلمين أصلاً فهم باقون على أصل كفرهم بالإسلام وليسوا مرتدين، لإن الردة لا تتحقق إلا ممن كان مسلماً حقيقة ثم ارتد. أما قوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾ . فقد بين المفسرون المراد من هذه الآية الكريمة، وجلهم يقول إن المراد من الذين آمنوا ثم كفروا "هم المنافقون" والمنافقون قوم كانوا يتظاهرون بالإيمان قولاً وعملاً ويبطنون الكفر، وكثيراً ما تعتريهم ومضات من الإيمان ثم يسيطر عيهم الكفر، وأحكام الإسلام إنما يجرى على الظاهر لا على الباطن، فلم يكن لفتلهم على ردتهم سبيل للأمور الآتية: ١- نطقهم بالشهادتين وحضورهم الصلوات في المساجد ... إلخ. ٢- إن الردة التي تحدث عنها القرآن - هنا - ليست ردة ظاهرة وإنما هي أحوال نفسية كانت تعتريهم، واعتقادات قلبية لم يجر بها إنسان. ٣- إن المنافقين كانوا شديدى الحرص على إخفاء كفرهم والتظاهر

стр. 15

بأنهم مسلمون، فحكمهم لله وحده. وقد حكى القرآن عنهم قلقهم وتقلبهم من حال إلى حال فقال تعالى ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ....﴾ النساء: (١٤٣) . وقد أساء منكرو الردة فهم هذه الآية فحسبوها تتحدث عن قوم آمنوا ثم أعلنوا الكفر ثم آمنوا ثم أعلنوا الكفر مرة اخرى ثم ازدادوا كفراً عياناً جهاراً ولم يعاقبهم صاحب الدعوة على ردتهم، وهذا ما أوقعهم في الجرأة والتطاول على فقهاء الأمة سلفاً وخلفاً، ثم ملأوا الدنيا ضجيجاً قائلين: أن الردة لا تبيح القتل وأن حدَّ الردة لا وجود له بل هو حدَّ مزعوم، ورموا من يقول به بأهم مضللون. هكذا والله.؟! وأما قوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ﴾ آل عمران: (٩٠) . فهي كما قال المفسرون تتحدث عمن ارتد وأوغل في كفره ومات وهو كافر سواء مات حتف أنفه أو قتل كفراً. والذي حمل المفسرين على تخصيص هذه الآية بمن ارتد ومات كافراً أن المرتد مهما عظمت ردته أو تكررت إذا تاب قبل موته توبة نصوحاً ومات على الإيمان قبلت توبته إذن فنفى قبول التوبة - هنا - خاذ بتالمرتد الذي يموت كافراً مصراً على كفره. وهذه الآية لا تعني قوماً منخصوصين بل كل من تحقق فيه هذا الوصف فتوبته لا تقبل.

стр. 16

والآية التي بعدها تؤكد هذا المعنى وفيها يقول الحق تبارك اسمه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ . والآية الأخيرة التي استشهدوا بها هي قوله تعالى حكاية عن طائفة من اليهود ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ هذه الآية نزلت في فضح طائفة من اليهود تشاورا فيما بينهم واتفقوا على أن يحدثوا بلبلة في من يستطيعون من المسلمين: فصلوا معهم صلاة الصبح متظاهرين بالإسلام ثم كفروا وعادوا للكفر آخر النهار ليظن المسلمون أنهم اكتشفوا عيباً في الإسلام بعد دخولهم فيه فرجعوا عنه. هذه خلاصة امينة لما ذكره المفسرون في سبب نزول هذه الآية وقد تقدم لنا القول بأن علماء الأمة مجمعون على أن الردة لا تتحقق إلا ممن كان مسلماً حقاً. وهذه الطائفة من اليهود تظاهرت بالإسلام مؤامرة وكيداً فلا ينطبق عليهم وصف الردة لأنهم كانوا تظاهروا بأنهم اسلموا كانوا باقين على كفرهم لذلك لم توقع عليهم عقوبة الردة، وهي القتل. وعلى هذا فلا دليل ابداً لمنكري حد الردة في هذه الآية. وهذا ظاهر. اختلاف الأقوال: ومن الؤسف حقاً أن أحد منكري حد الردة نقل هذه الآية وقال إن ابن كثير - صاحب التفسير المعروف - علق على هذه الآية فقال:

стр. 17

" إنها ردة جماعية ظاهرة عن اليهود في المدينة، ومع هذا لم يعاقب النبي ﷺ هؤلاء المرتدين الذين يرمون إلى فتنة المؤمنين في دينهم وصدهم عنه". ويعلم الله أننا حين قرأنا هذا الكلام منسوباً إلى الإمام ابن كثير صاحب تفسير القرآن العظيم "ملكتنا الدهشة من نسبة هذا الكلام إليه وهو الإمام السلفى الثقةى فهرعنا إلى تفسيره ووجدناه يخلة تماماً من هذا الكلام الذي نُسب إليه"؟! وأدعو القارئ إلى أن يطمئن بنفسه إلى صدق ما نقول فليقرأ ما قاله الإمام ابن كثير في الجزء الأول من تفسيره صفحة ٣٧٤ طبعة مكتبة زهران بالأزهر. فهذا القول المنسوب إلى الإمام ابن كثير قول مختلق مكذوب عليه، وهو منه براء ... براء. تعقيب: ذكرنا الايات التي استدل بها منكرو حد الردة، وبينا المراج من كل آية منها حسبما أجمع عليه المفسرون وعلماء الأمة الأعلام. وبان لنا خطأ الاستدلال بها على إنكار حد الردة ولو كانت هذه الآيات تفيد إنكار حد الردة من قريب أو من بعيد لكان علماء السلف وفقهاؤه ومفسروه

стр. 18

أسرع الناس إلى القول به وإعلانه وهم يستنبطون الأحكام من مصدرها الأول، وهو القرآن العظيم، لكن أولئك العلماء ﵃ كانوا على بصيرة من آيات الكتاب العزيز، يعرفون عامها وخاصها، مطلقلها ومقيدها، وناسخها ومنسوخها وكانوا على دراية منقطعة النظير بدلالات المفردات ودلالات التراكيب، وقد خدموا كتال الله وسنة رسوله ﷺ خدمة تقصر عنها الهمم وتكل الأبصار فكيف تسول لقول أنفسهم أن يرموا سلفنا العظيم بالغفلة، وأن يستدركوا عليهم هذا الاستدراك الغريب.؟! إنكار مصدرية السنة: من البدية أن مستند منكري حد الردة في استدلالهم بالأيات القرآنية التي استدلوا بها - وقد تقدمت - أن مستندهم الوحيد هو خلو القرآن من النص على عقوبة محددة توقع في الدنيا على المرتدين. وهم بذلك ينزلون أنفسهم منزلة من ينكر مصدرية السنة التي ورد فيها تحديد عقوبة المرتد في الدنيا وهي القتل. ففي الحديث الصحيح قال ﷺ : "مَنْ بدًل دينه فاقتلوه" وقد جرى العمل بهذا التوجيه النبوي في حياة صاحب الدعوة، وفي حياة خلفائه الراشدين، فتقررت هذه العقوبة - القتل - حداً للمرتد في السنة القولية، وفي السنة العملية، ثم اتفق الفقهاء فيما بعد على شرعية هذه العقوبة، ولم يعرف بينهم مخالف قط.

стр. 19

مصدرية السنة وصلتها بالكتاب العزيز: أمر الله المسلمين أن يطيعوا رسوله كما يطيعون الله فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي ... ﴾ النساء: (٥٩) . وقال: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ الأحزاب: (٣٦) . وقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا....﴾ الحشر: (٧) فالسنة كالكتاب مصدر من مصادر التشريع، وإنكار مصدرية السنة كفر بواح، فينبغي للمؤمن الحريص على صدق إيمانه وصحته أن ينأى عن التقليل من شأن السنة والانتقاص من قدرها أو الجدال حول شيء منها مما اعتمده الرعيل الأول من العلماء؛ لإن ذلك ذريعة للخوض فيما لا تحمد عقباه. وقد نهى النبي - نفسه - ﷺ عن هذا السلوك فقال: "لا ألفين أحدكم - أي لا أجدن أحدكم - متكئاً على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما نهيت عنه أو أمرت به، فيقول: لا أدري؟ ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه".

стр. 20

وروى الحاكم بسنده أن النبي ﷺ قال: "يوشك أن يقعد الرجل منكم على أريكته يُحَدَّثُ بحديثي، فيقول بيني وبينكم كتاب الله. فما وجدنا فيه حلالاً استحللناه، وما وجدنا فيه حراماً حرمناه، وإنما حرَّم رسول الله كما حرَّم الله". فالرسول - هنا - يسوَّى بين الأمرين معاً: ما شرعه الله للناس وما شرعه هو بإذن الله؛ لأنه لا ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحي يوحى، وقد جاء في بعض الروايات: "ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه" وبعد هذه التوجيهات - ومثلها كثير - ينبغي على المسلم أن يُسلم بكل ما صحت روايته وسلم معناه واعتمده رجال الحديث والفقه في أدلة الأحكام. ووما تنبغي الإشارة إليه هنا أن إنكار مصدرية السنة في التشريع هدف أصيل من أهداف المبشرين ضد الإسلام وتلاميذهم المستشرقين وعملائهم الجهلة. صلة السنة بالكتاب الإسلامُ ليس هو القرآن وحده، ولكنه القرآن والسنة معاً. ولولا السنة لاستغلق القرآن ولما استطاعت الأمة أن تعرف طريقها إلى الله في كثير من الأمور، ومنها العبادات والمعاملات. والله يقول لرسوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ... ﴾ النحل (٤٤) .

стр. 21

وقد وضح الإمام الشافعي في كتابه: "جماع العلم" صلة السنة بالكتاب وجعلها أقساماً ثلاثة, ثم تابعه علماء الأصول من بعده، وتلك الأقسام في إيجاز: ١- السنة المقررة لما في الكتاب كتحريم الظلم وعقوق الوالدين، وأكل أموال الناس بالباطل وشناعة الزنى، والمعاملات الربوية. ٢- السنة الشارحة لبعض ما ورد في الكتاب، مثل بيان كيفية الصلوات، وعدد ركعات كل فريضة. وبيان نصاب الزكاة والأنواع التي تجب فيها.... إلخ. ٣- السنة المشرعة، مثل فرض زكاة الفطر، وتحريم الحمر الأهلية، ونكاح المتعة، ونكاح البنت وعمتها أو خالتها في عصمة واحدة، وتحريم القرابة الرضاعية كتحريم قرابة النسب، وتحريم أن يهجر المسلم أخاه فوق ثلاثة ايام هذا كله موضع اتفاق بين علماء الأمة الذين يعتبر بقولهم ومن السنة المشرعة تحديد عقوبة المرتد، وهي القتا بلا خلاف بين الفقهاء. فالسنة بمنزلة المذكرات التفسيرية لنصوص القوانين الكلية مثلما هو معروف بين رجال القانون الآن مع فارق كبير بين السنة وما تفسره، وبين القوانين ومايوضع لها من شروح وتفسيرات. وإنما قلنا إن السنة بمنزلة المذكرات الشارحة للقوانين قصداً للتوضيح لا المماثلة من كل وجه.

стр. 22

ولسنا ندري ايجهل منكرو حد الردة الوارد في السنة الصحيحة هذه الصلة بين الكتاب العزيز وبين السنة الطاهرة أم هم يتجاهلونها عمداً؟ هل خلا القرآن تماماً من الإشارة إلى عقوبة المرتد؟ جارينا فيما تقدم منكري حد الردة في أن القرآن يخلو تماماً من الإشارة إلى عقوبة المرتد الدنيوية، والتي اتفق الفقهاء على أنها القتل. ونقول هنا إن في القرآن الكريم آية حملها بعض المفسرين على مقاتلة المرتدين ما لم يتوبوا ويسلموا وهذه الآية هي قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُون ... ﴾ الفتح: (١٦) . في المراد من "قوم أولى بأس شديد أكثر من أربعة وجوه، منا أنهم بنو حنيفة الذين ارتدوا في أخريات حياة الرسول ﷺ ، وهم أهل اليمامة قوم مسيلمة الكذاب. إذن فالقرآن لم يخل تماماً من النص على أن عقوبة المرتد هي المقاتلة والقتل. وبهذا يندفع ما تمسك به منكرو السنة حد الردة من أن القرآن لم يحدد عقوبة دنيوية عاجلة للمرتدين سوى حبوط أعمالهم في الدنيا، مع توعدهم بالمصير الأليم يوم القيامة. نقول هذا لا لنرتب عليه تأسيس

стр. 23

حد الردة، إذ يكيفينا تحديدها في السنة القولية والعملية، وإنما نقوله في مواجهة منكري هذا الحد استناداً إلى أن القرآن لم يشر إليه لا من قريب ولا من بعيد. * * *

стр. 24

الشبهة الثانية دعوى التناقض بين الكتاب والسنة ادعى منكرو حد الردة أن التسليم بأن عقوبة المرتد هي القتل يؤدي إلى وقوع تناقض تناقض شديد بين الكتاب والسنة وأنهم - أي منكري حد الردة - لا يعتمدون إلا ما كان موافقاً للقرآن من سنة رسول الله ﷺ . وبنوا على ذلك أن الحديث: "من بدَّل دينه فاقتلوه" يتناقض مع قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ البقرة: (٢٥٦) ولذلك فإنهم يردون هذا الحديث ولا يقبلونه دفعاً لما توهموه من تناقض بينه وبين القرآن الحكيم. ولو أن منكري حد الردة تريثوا قليلاً وفحصوا الموضوع فحصاً دقيقاً لما جرأوا على القول بالتناقض، ولما ورطوا أنفسهم في هذه المزالق الحرجة، ولكنهم القوا القول على عواهنه فكانوا كحابط ليل لا يميز بين الحطب والثعابين. كان عليهم أن يرجعوا إلى كتب أصول الفقه، ويقفوا على ما أضنى فيه الأصوليون أنفسهم من درس أدلة الأحكام من الكتاب والسنة معاً، وتحديدهم - بكل وعي ودقة - لمعاني المفردات والتراكيب، ودور السنة في تبيين المراد من آيات الأحكام.

стр. 25

فالسنة الشارحة لها وجوه كثيرة في صلتها بآيات الأحكام ومن تلك الوجوه أن يكون النص القرآني مطلقاً فتأتي السنة بتقييده. ومن أمثلة تقييد السنة لمطلق القرآن قوله تعالى في تنفيد وصية الميت: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا﴾ (النساء: ١٢) فقيدت السنة عموم الوصية هنا تقييدين: أولهما: كونها لا تتعدى ثلث التركة. والثاني: أن لا تكون لوارث. كما قيدت قطع اليد في السرقة بأن يكون من الرسغ، وكان القطع قد جاء عاماً في قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (المائدة: ٣٨) . ولولا تحديد السنة للقطع هنا من الرسغ لجاز أن يكون القطع من الذراع أو الكتف. الوجه الثاني: أن يكون النص القرآني مجملاً فتأتي السنة بتفصيله، وهذا كثير، ومنه تفصيل كيفيات الصلاة والزكاة ومناسك الحج. ففي الصلاة قال ﷺ : "صلوا كما رأيتموني أصلي". وفي الحج قال: "خذوا عني مناسككم".

стр. 26

والوجه الثالث: أن يكون النص القرآني عاماً فتأتي السنة بتخصيصه. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ....﴾ (النساء: ١١) . فالآية عامة في كل أب يموت، وفي كل ولد يكون حياً بعد موت أبيه، فجاءت السنة وخصصت الأب بأن يكون غير نبي في قوله ﷺ : "نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة". وخصصت الولد بأن يكون غير قاتل لمورثه في قوله ﷺ : "لا يرث القاتل". وكذلك خصصت السنة قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ ... ﴾ (النساء: ٢٤) بقوله ﷺ : "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب". فقد جاء قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ بعد ذكر المحرمات من النساء، ومنهن الأمهات والأخوات من الرضاعة. دون ابنة الأخ من الرضاعة مثلاً، وجاء قوله ﷺ : "يحرم من الرضاع ما يحرم النسب" مخصصاً للعموم في ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ وهو يقتضي حلية نكاح كل من لم تذكر في آية المحرمات. كما خصصت السنة هذا العموم مرة أخرى يتحريم الجمع في النكاح

стр. 27

بين البنت وعمتها، وبين البنت وخالتها. ومن تخصيص السنة لعام القرآن تخصيص المرتد بإيجاب قتله إذا لم يتب من العموم الوارد في قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ فدلالة الآية عامة، وقد خصصتها السنة بغير المرتد. هذا هو فقه هذه المسألة الذي غاب عن منكري جد الردة حيث توهموا أن بين الحديث وبين الآية تناقضاً، وليس بينهما أدنى تناقض كما رأيت. وكان دقة المسلك بين الآية والحديث عَمَّتْ فوقعوا فيما وقعوا فيه. الانسجام التام بين السنة والكتاب: وكل ما أضافته السنة إلى القرآن تفصيلاً وتقييداً، وتخصيصاً قائم على الإنسجام التام بين الكتاب والسنة خذ إليك مثلاً تحريم الجمع في النكاح بين البنت وعمتها أو خالتها. هذا التحريم مستند إلى القياس على ما ورد في القرآن نفسه، وهو قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ (النساء: ٢٣) . فقد حرَّم القرآن الجمع بين نكاح الأختين في وقت واحد وعلة هذا الحكم هو حدوث العداوة بين الأختين الضرتين كما ورد الحديث

стр. 28

الذي سنذكره. وهذه العلة موجودة بين البنت وعمتها أو خالتها لو جمع بينهما في الزواج رجل واحد، لذلك حرَّم النبي هذا النكاح فقال: "لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها ولا على أبنة أخيها، ولا على أبنة أختها؛ فإنكم إن فعلتم قطعتم أرحامكم". وهكذا كل ما اضافته السنة إلى الكتاب، فإن فقهاءنا الأجلاء التمسوا له أسباباً وأصولاً تربطه بكتاب الله العزيز برباط وثيق. والخلاصة فإن منكري حد الردة لا سند لهم في الآية الكريمة ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ لإن السنة حين حددت عقوبة المرتد قتلاً لم تخرج عن صلتها بالقرآن أبداً حتى لو لم يكن في القرآن قوله تعالى: ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ وقد مر المفسرين فيه. وأن المراد منهم المرتدون. * * *

стр. 29

الشبهة الثالثة دعوى عدم صلاحية الحديث النبوي حد الردة ثبت عند فقهاء الأمة بأدلة شرعية قولية وعملية بيد أن منكري حد الردة طعنوا في صلاحية تلك الأدلة على تحديد عقوبة المرتد الدنيوية، وهي القتل. ونورد - هنا - طعونهم في الأدلة القولية، وهما حديثان صحيحان أحدهما قوله ﷺ : "من بدَّل دينه فاقتلوه". والثاني: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة". طعونهم في الحديث الأول: وقد طعنوا في الحديث الأول فقالوا: ١- إنه حديث آحاد وأحاديث الآحاد لا تثبت بها الحدود. ٢- إنه يتناقض مع قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ . ٣- إن الحنفية قالوا لا يمكن قبول هذا الحديث على عمومه؛ لإن المرأة إذا ارتدت لا تقتل.

стр. 30

٤- ويرى آخرون أنه لا يقبل - كذلك - على عمومه، لإن النصراني إذا بدَّل دينه فصار يهودياً يدخل تحت حكم المرتد فيقتل وهذا لا يقبله منطق؟ رد هذه الطعون أما دعوى التناقض فقد رددناها آنفاً فليرجع إليها القارئ خشية الإطالة والتكرار. أما ما قاله الحنفية فلا يقدح في تقرير أصل العقوبة وهي قتل المرتد. فهم مُسَلَّمون بهذا، وإنما خصصوا هذا العموم باستثناء المرأة إذا ارتدت فإنها عندهم لا تقتل، وإنما يقتل الرجل فحسب وسبب هذا الاستثناء عندهم قياس المرأة المرتدة على المرأة الحربية، حيث نهى ﷺ عن قتل المرأة في الحروب. وقد خالف الحنفية فذ هذا فقهاء المذاهب الأخرى الذين سوَّوْا قي القتل بين المرأة والرجل إذا ارتدا ولم يتوبا. وأيا كان الأمر فليس في مذهب الحنفية دليل لمنكر حد الردة وهذا ظاهر ظهوراً بيَّناً؛ لإنهم لم ينازعوا في أصل العقوبة وإنما نازعوا في: هل تطبق على الرجال والنساء؟ أم أن للنساء حكماً آخر، وهو الحبس مدى الحياة مع عرض الإسلام عليها حتى آخر لحظة من حياتها. وليس لمنكري حد الردة - كذلك - اي دليل في قول من قال أن عموم الحديث يشمل اليهودي والنصراني إذا تنصر اليهودي أو تهود

стр. 31

النصراني، لإن هذا القول يمنع عموم الدلالة ولا ينازع في أصل العقوبة التي هي قتل المرتد. وهذا الحديث: "من بدَّل دينه فاقتلوه" تدل قرائن الأحوال على أنه خاص بالمسلم إذا ترك الإسلام واعتنق ديناً آخر أو لم يعتنق أي دين. فصاحب الدعوة يخاطب بهذا مسلمين، والدين الذي يعينه هو الإسلام لا محالة، وذلك لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (آل عمران: ١٩) . وقوله: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (آل عمران: ٨٥) فالحديث وإن كان في صياغته عاماً فهو خاص في معناه فلا دليل فيه لمنكري حد الردة مهما تحمسوا وتعسفوا. حديث آحاد أما طعنهم فيه بأنه حديث آحاد وأن بعض العلماء لا يرى ثبوت الحدود بأخبار الآحاد فهو طعن مردود للاعتبارات الآتية: أولاً: أن هذا الحديث: "من بدَّل دينه فاقتلوه" مروي عن صاحب الدعوة ﷺ من ثلاثة طرق: * فقد أخرجه الإمام البخاري في كتاب الجهاد في استتابة المرتدين من حديث ابن عباس: قال: رسول الله ﷺ : "من بدل دينه فاقتلوه".

стр. 32

* وأخرجه الطبراني في معجمه الكبير من حديث معاوية بن حيدة قال قال رسول الله ﷺ : "من بدَّل دينه فاقتلوه....". * وأخرجه الطبراني كذلك في معجمه الوسط من حديث عائشة مرفوعاً: "من بدَّل دينه فاقتلوه....". فهذا التعدد في في طرق الرواية يقترب بالحديث من معنى الحديث المستفيض ويرفعه درجة خبر الآحاد المحض. وحتى إذا بقى موصوفاً بأنه خبر أحاد فإن جمهور الفقهاء يرون وجوب العمل بأخبار الآحاد إذا صح سندها لا فرق في ذلك بين الحدود وغيرها. يقول الإمام محمد أبو زهرة في هذا الشأن: "إن الأئمة الأربعة يأخذون بخبر الآحاد ولا يردونه. ومن يرده في بعض الأحوال فلسبب [آخر] رآه يضعف من نسبته إلى الرسول ﷺ ، أو لمعارضته لما هو أقوى منه سنداً في نظره". شروط العمل بخبر الآحاد وجملة ما ذكروه من شروط العمل بحديث الآحاديث ما يأتي: ١- أن لا يعمل به في العقائد؛ لإن العقائد لا تبنى إلا على اليقين وحديث الآحاد لا يفيد اليقين.

стр. 33

٢- إن تتحقق في حديث الآحاد شروط الرواية الصحيحة من العدالة والضبط والإتصال بين رواته وسلامته، من العلل القادحة والشذوذ. ٣- ويشترط الحنفية أن لا يخالف عمل راويه معنى الحديث الذي رواه. كحديث أبي هريرة: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعاً إحداهن بالتراب الطاهر" أبو حنيفة لم يؤخذ بهذا الحديث لإن روايه أبا هريرة كان لا يعمل به. ٤- ويشترط الإمام مالك في العمل بحديث الآحاد أن لا يخالف عمل أهل المدين حتى لو كان الحديث صحيحاً. وهذا الحديث: "من بدَّل دينه فاقتلوه" حديث صحيح متفق على صحته، وقد سلم من مأخذى الإمام مالك والإمام أبي حنيفة، فلا حجة لمن يرده أو يقلل من شأنه. ثانياً: أورد علماء الأصول وقائع كثيرة عُمِلَ فيها بخبر الواحد في عهد رسول الله ﷺ ، وفي عهد الخلفاء الراشدين بما لا يدع محالاً للريب في أن خبر الواحد إذا تحققت فيه شروط الصحة، وسلم من المعارض الأقوى منه سنداً إنما هو دليل من أدلة الأحكام المعتبرة شرعاً.

стр. 34

ثالثاً: إن هذا الحديث: "من بدَّل دينه فاقتلوه" له شواهد أخرى من السنة القولية والسنة العملية. أما السنة القولية فقوله ﷺ : "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة" وخو حديث صحيح ومنكرو حد الردة قد طعنوا في هذا الحديث كما أشرنا من قبل. وسنناقش طعونهم قريباً بإذن الله. ومن السنة القولية ما رواه الطبراني في الأوسط من حديث معاذ بن جبل حين بعثه ﷺ إلى اليمن، حيث قال فيه: "أيما رجل ارتد عن الإسلام فادعه فإن تاب فاقبل منه وإن لم يتب فاضرب عنقه وايما امرأة ارتدت فادعها فإن عادت وإلا ضرب عنقها". قال ابن حجر في فتح الباري معلقاً على هذا الحديث: "سنده حسن، وهو نص في موضوع النزاع فيجب المصير إليه". والمراد بالنزاع الذي أشار إليه ابن حجر هنا خلافهم حول هل تقتل المرتدة كما يقتل المرتد. وهذا الحديث حجة على الحنفية الذين لا يجيزون قتل المرأة إذا ارتدت. ومن السنة القولية كذلك أن رسول الله ﷺ قال في شأن امرأة ارتدت يقال لها: أم مروان: فأمر أن يعرض عليها الإسلام فإن تابت وإلا قتلت" وغير ذلك يضيق المقام عن ذكره.

стр. 35

شواهد من السنة العملية: أما السنة العملية فما لا ريب فيه أن رسول الله ﷺ أمر المسلمين باليمن بقتال قوم الأسود العنسى الذي ادعى النبوة في حياة صاحب الدعوة ودعا قومه فارتدوا واتبعوه، ومكن الله منه رجلين من المسلمين فقتلاه ليلاً في بيته وهو سكران. وذكر النووى في شرحه لصحيح مسلم أنه ﵇ أمر، بقتل عبد الله بن أبي سرح حين ارتد يوم فتح مكة، ولكن عثمان بن عفان ﵁، وكان عبد الله أخاه من الرضاعة دعاه إلى الإسلام فأعلن إسلامه مرة أخرى أمام النبي ﷺ . وستأتي وقائع أخرى قتل فيها مرتدون في حياة صاحب الدعوة. ومن السنة العملية قتال أبي بكر بإجماع صحابة رسول الله ﷺ للمرتدين من قبائل العرب، وللذين منعوا إعطاء الزكاة لخليفة رسول الله أبي بكر ﵁، ولنا عةد لحروب الردة سيأتي في موضعه من هذا الكتاب إن شاء الله. والخلاصة أن حديث: "من بدَّل دينه فاقتلوه" لم يعد مع كل هذه الشواهد القولية والعملية حديث آحاد. بل هو من التواتر المعنوي فضلاً

стр. 36

عن أن صلاحيته لإثبات الحدود لا ينازع فيها منصف قط ومما تقدم يرى القارئ الكريم إلى أي مدىً هوى منكرو حد الردة في طعونهم السخيفة في هذا الحديث الذي رواه عن صاحب الدعوة إمام مشهود له بالأمانة والصدق وهو الصحابي الجليل عبد الله بن عباس ﵄ الذي دعا له الرسول فقال: "اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل" ثم أخرجه عند الإمام المحدث الجليل صاحب الصحيح المعروف الإمام البخاري ﵁، إمام المحدثين الورعين الثقات وكان الإمام البخاري لا يثبت حديثاً في صحيحه إلا بعد أن يصلي ركعتين ثم يدعو بدعاء الإستخارة، وقد تلقت الأمة صحيحة وصحيح الإمام مسلم بالرضا والقبول. ولم ينتقص أحد من علماء السلف وفقهاء الأمة الأعلام من شأن هذا الحديث. وترى الفقهاء الأقدمين - جميعاً - يذكرون هذا الحديث وهو يتحدثون عن حد الردة ولم يقولوا إنه حديث آحاد فلا ينبغي العمل به، بل هو أقوى أدلتهم - سنداً ومتناً - على مشروعية القتل حداَ لكل مسلم ارتد عن دينه وأبى أن يتوب. ومن المبالغات الممقوتة أن منكري حد الردة في هذا الأيام يدعون أن كثيراً من الفقهاء شكك في هذا الحديث. وهذه فرية بلغاء لاستدلها. إن فقهاء الأمة جميعاً سلموا به واعتمدوه ولم يشغب حوله إلا نفر من المعاصرين: اثنان أو ثلاثة وهذا لا يقدح في صحة الحديث أو صلاحيته

стр. 37

دليلاً على عقوبة المرتد؛ لإن إجماع السلف حجة، والأمة لا تجتمع على ضلالة كما جاء في الحديث الشريف من عدة طرق. وكفى بإجماع اصحاب رسول الله على قبوله والعمل به حجة ودليلاً لا يرتاب فيه من أدلة الأحكام. الثيب الزاني هذا هو مطلع الحديث الثاني الذي استشهد به الفقهاء على أن عقوبة المرتد هي القتل، ونص الحديث كما تقدم: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدي ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة". وقد طعن منكرو حد الردة في هذا الحديث ليبعدوه عن الدلالة على ورود حد الردة في السنة النبوية الطاهرة؛ لإن هذا الحديث يساند حديث: "من بدَّل دينه فاقتلوه" ويقوى دلالته على حد الردة. لذلك التمسوا له وجهاً من الطعن ليتحقق لهم ما أرادوا؟ ماذا قالوا ... ؟ لم يجد منكرو حد الردة مطعناً في الحديث إلا رأياً للإمام ابن تيمية يذهب فيه إلى أن قوله ﷺ : "والتارك لدينه المفارق للجماعة" المراد من

стр. 38

التارك للدين فيه المفارق للجماعة هو المرتد الذي يجمع بين الارتداد وبين مقاتلة المسلمين "تمسك منكرو حد الردة بهذا الرأي فقالوا: إن الردة وحدها لا تبيح قتل المرتد، وإنما الذي يبيح قتله هو الارتداد مع محاربة الله ورسوله ومحاربة المسلمين وشهر السلاح في وجوههم؟ وابن تيمية مع تفسيره هذا للحديث لا ينكر حد الردة، بل هو من المتشددين فيه، كل ما في الأمر أن لثبوت حد الردة عنده أدلة أخرى لا ينازع فيها. وقد فات هذا الملحظ الدقيق منكري حد الردة فحسبوا أنهم على شيء وما هم على شيء قط. رأى فردى لم يتبايعه عليه أحد: والذي ينبغي ذكره أن ما ذهب إليه ابن تيمية في المراد من هذا الحديث، وحمله على المرتد المحارب، أن هذا رأي انفرد به ابن تيمية، ولم يقل به أحد من قبله ولا من بعده فيما نعلم ومنكرو حد الردة حين تمسكوا بهذا الرأي وبنوا عليه أن الردة المجردة، التي لم يصاحبها محاربة للمسلمين لا تبيح قتل المرتد، إنهم حين تمسكوا بهاذ وقعوا في خطأ شنيع وتنكبوا سواء الصراط. ونقول لهم: إن الإمام ابن تيمية اجتهد في تأويل الحديث فجانبه الصواب من جهتين: أحداهما: أن صياغة الحديث نفسه واضحة لا تحتاج إلى تأويل، لإن مثل هذا النص غنى عن التأويل، وعلماء الأمة متفقون على أن النص

стр. 39

الواضح الذي لا يمنع من العمل بظاهره مانع شرعي أو عقلي يجب بقاؤه على ظاهره ولا يجوز صرفه عن ظاهره أبداً. ولا يقدح في هذا الحديث الذي روته أم المؤمنين عائشة ﵂، فقد جاء في إحدى صياغتيه: "لا يحل قتل مسلم إلا في إحدى ثلاث خثال: زان محصن فَيُرْجم. ورجل قتل مسلماً متعمداً. ورجل يخرج من الإسلام فيحارب الله ورسوله: فيُقْتَل أو يُصْلَب أو ينفى من الأرض". حيث ذكر فيه حد المحاربين. لإن الجمع بين الحديثين ممكن، وقد أشار إلى هذا الإمام الشوكاني بما يفيد أن المرتدين نوعان: الأول مرتد غير محاب فَيُقَتل. والثاني مرتد محارب فيطبق عليه حد المحاربين من القتل والتصليب. وبقى وجه آخر لم يشر إليه صاحب نيل الوطار، وهو أن يحمل حديث السيدة عائشة ﵂ على المحاربين المسلمين غير المرتدين، لإن المحاربة لا تستلزم الردة عن الإسلام، ويكون معنى الخروج عن الإسلام حينئذ بالمعاصي لا بالردة والكفر. وعلى هذا يكون حديث ابن مسعود: "والتارك لدينه المفارق للجماعة" خاصاً بالمرتد ردة

стр. 40

مجردة فيجب قتله إن لم يتب. ويكون حديث السيدة عائشة محتملاً لأمرين: الأول: المرتدون المحاربون. الثاني: المحاربون غير المرتدون. وصياغة الحديث نص في المرتد غي المحارب - أعني حديث ابن مسعود: "التارك لدينه المفارق للجماعة" ول كان الرسول يقصد به المحاربين لنص على ذلك بكل وضوح، وهو البليغ الفطن؟ وبهذا يتضح أن تفسير ابن تيمية لحديث ابن مسعود وحمله على المحاربين بعيد كل البعد عن المعنى المراد. ثانياً: أما الجهة الثانية التي جانب ابن تيمية فيها الصواب، فإن علماء الأمة من قبله ومن بعده، يوردون حديث ابن مسعود: "والتارك لدينه المفارق للجماعة" دليلاً ثانياً بعد حديث: "من بدَّل دينه فاقتلوه" على وجوب قتل المرتد عن الإسلام إذا لم يتب. وحاش لله أن يكون الفقهاء قد اجتمعوا على ضلالة أو باطل. والعبرة - دائماً - بما عليه الجمهور لا بما يخالفهم فيه فرد أو فردان. والمجتهم مأجور إن خلصت النية أصاب أم أخطأ. إن أصاب فله أجر الاجتهاد والإصابة. وإن أخطأ فله أجر اجتهاده. ولا يؤاخذ على خطئه.
следующие страницы →