← Общие книги

Общие книги · id 1412

عقوبة الارتداد عن الدين بين الأدلة الشرعية وشبهات المنكرين

عبد العظيم المطعني

Полный текст (97 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

عن أن صلاحيته لإثبات الحدود لا ينازع فيها منصف قط ومما تقدم يرى القارئ الكريم إلى أي مدىً هوى منكرو حد الردة في طعونهم السخيفة في هذا الحديث الذي رواه عن صاحب الدعوة إمام مشهود له بالأمانة والصدق وهو الصحابي الجليل عبد الله بن عباس ﵄ الذي دعا له الرسول فقال: "اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل" ثم أخرجه عند الإمام المحدث الجليل صاحب الصحيح المعروف الإمام البخاري ﵁، إمام المحدثين الورعين الثقات وكان الإمام البخاري لا يثبت حديثاً في صحيحه إلا بعد أن يصلي ركعتين ثم يدعو بدعاء الإستخارة، وقد تلقت الأمة صحيحة وصحيح الإمام مسلم بالرضا والقبول. ولم ينتقص أحد من علماء السلف وفقهاء الأمة الأعلام من شأن هذا الحديث. وترى الفقهاء الأقدمين - جميعاً - يذكرون هذا الحديث وهو يتحدثون عن حد الردة ولم يقولوا إنه حديث آحاد فلا ينبغي العمل به، بل هو أقوى أدلتهم - سنداً ومتناً - على مشروعية القتل حداَ لكل مسلم ارتد عن دينه وأبى أن يتوب. ومن المبالغات الممقوتة أن منكري حد الردة في هذا الأيام يدعون أن كثيراً من الفقهاء شكك في هذا الحديث. وهذه فرية بلغاء لاستدلها. إن فقهاء الأمة جميعاً سلموا به واعتمدوه ولم يشغب حوله إلا نفر من المعاصرين: اثنان أو ثلاثة وهذا لا يقدح في صحة الحديث أو صلاحيته

стр. 37

دليلاً على عقوبة المرتد؛ لإن إجماع السلف حجة، والأمة لا تجتمع على ضلالة كما جاء في الحديث الشريف من عدة طرق. وكفى بإجماع اصحاب رسول الله على قبوله والعمل به حجة ودليلاً لا يرتاب فيه من أدلة الأحكام. الثيب الزاني هذا هو مطلع الحديث الثاني الذي استشهد به الفقهاء على أن عقوبة المرتد هي القتل، ونص الحديث كما تقدم: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدي ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة". وقد طعن منكرو حد الردة في هذا الحديث ليبعدوه عن الدلالة على ورود حد الردة في السنة النبوية الطاهرة؛ لإن هذا الحديث يساند حديث: "من بدَّل دينه فاقتلوه" ويقوى دلالته على حد الردة. لذلك التمسوا له وجهاً من الطعن ليتحقق لهم ما أرادوا؟ ماذا قالوا ... ؟ لم يجد منكرو حد الردة مطعناً في الحديث إلا رأياً للإمام ابن تيمية يذهب فيه إلى أن قوله ﷺ : "والتارك لدينه المفارق للجماعة" المراد من

стр. 38

التارك للدين فيه المفارق للجماعة هو المرتد الذي يجمع بين الارتداد وبين مقاتلة المسلمين "تمسك منكرو حد الردة بهذا الرأي فقالوا: إن الردة وحدها لا تبيح قتل المرتد، وإنما الذي يبيح قتله هو الارتداد مع محاربة الله ورسوله ومحاربة المسلمين وشهر السلاح في وجوههم؟ وابن تيمية مع تفسيره هذا للحديث لا ينكر حد الردة، بل هو من المتشددين فيه، كل ما في الأمر أن لثبوت حد الردة عنده أدلة أخرى لا ينازع فيها. وقد فات هذا الملحظ الدقيق منكري حد الردة فحسبوا أنهم على شيء وما هم على شيء قط. رأى فردى لم يتبايعه عليه أحد: والذي ينبغي ذكره أن ما ذهب إليه ابن تيمية في المراد من هذا الحديث، وحمله على المرتد المحارب، أن هذا رأي انفرد به ابن تيمية، ولم يقل به أحد من قبله ولا من بعده فيما نعلم ومنكرو حد الردة حين تمسكوا بهذا الرأي وبنوا عليه أن الردة المجردة، التي لم يصاحبها محاربة للمسلمين لا تبيح قتل المرتد، إنهم حين تمسكوا بهاذ وقعوا في خطأ شنيع وتنكبوا سواء الصراط. ونقول لهم: إن الإمام ابن تيمية اجتهد في تأويل الحديث فجانبه الصواب من جهتين: أحداهما: أن صياغة الحديث نفسه واضحة لا تحتاج إلى تأويل، لإن مثل هذا النص غنى عن التأويل، وعلماء الأمة متفقون على أن النص

стр. 39

الواضح الذي لا يمنع من العمل بظاهره مانع شرعي أو عقلي يجب بقاؤه على ظاهره ولا يجوز صرفه عن ظاهره أبداً. ولا يقدح في هذا الحديث الذي روته أم المؤمنين عائشة ﵂، فقد جاء في إحدى صياغتيه: "لا يحل قتل مسلم إلا في إحدى ثلاث خثال: زان محصن فَيُرْجم. ورجل قتل مسلماً متعمداً. ورجل يخرج من الإسلام فيحارب الله ورسوله: فيُقْتَل أو يُصْلَب أو ينفى من الأرض". حيث ذكر فيه حد المحاربين. لإن الجمع بين الحديثين ممكن، وقد أشار إلى هذا الإمام الشوكاني بما يفيد أن المرتدين نوعان: الأول مرتد غير محاب فَيُقَتل. والثاني مرتد محارب فيطبق عليه حد المحاربين من القتل والتصليب. وبقى وجه آخر لم يشر إليه صاحب نيل الوطار، وهو أن يحمل حديث السيدة عائشة ﵂ على المحاربين المسلمين غير المرتدين، لإن المحاربة لا تستلزم الردة عن الإسلام، ويكون معنى الخروج عن الإسلام حينئذ بالمعاصي لا بالردة والكفر. وعلى هذا يكون حديث ابن مسعود: "والتارك لدينه المفارق للجماعة" خاصاً بالمرتد ردة

стр. 40

مجردة فيجب قتله إن لم يتب. ويكون حديث السيدة عائشة محتملاً لأمرين: الأول: المرتدون المحاربون. الثاني: المحاربون غير المرتدون. وصياغة الحديث نص في المرتد غي المحارب - أعني حديث ابن مسعود: "التارك لدينه المفارق للجماعة" ول كان الرسول يقصد به المحاربين لنص على ذلك بكل وضوح، وهو البليغ الفطن؟ وبهذا يتضح أن تفسير ابن تيمية لحديث ابن مسعود وحمله على المحاربين بعيد كل البعد عن المعنى المراد. ثانياً: أما الجهة الثانية التي جانب ابن تيمية فيها الصواب، فإن علماء الأمة من قبله ومن بعده، يوردون حديث ابن مسعود: "والتارك لدينه المفارق للجماعة" دليلاً ثانياً بعد حديث: "من بدَّل دينه فاقتلوه" على وجوب قتل المرتد عن الإسلام إذا لم يتب. وحاش لله أن يكون الفقهاء قد اجتمعوا على ضلالة أو باطل. والعبرة - دائماً - بما عليه الجمهور لا بما يخالفهم فيه فرد أو فردان. والمجتهم مأجور إن خلصت النية أصاب أم أخطأ. إن أصاب فله أجر الاجتهاد والإصابة. وإن أخطأ فله أجر اجتهاده. ولا يؤاخذ على خطئه.

стр. 41

تعقيب ومن هذا العرض ندرك أن منكري حد الردة لم يكن لهم دليل ولا شبه دليل في تفسير ابن تيمية لحديث ابن مسعود: "والتارك لدينه المفارق للجماعة" وكان منكرو حد الردة قد زعموا أن المرتد ردة مجردة لا يجوز قتله، وأن قتله مشروط بأن يقع منه حرب لله ورسوله والمسلمين. يقول الإمام الشوكاني في رد هذا الزعم: "ولا يخفى أن هذا غير مراد من حديث [ابن مسعود] بل المراد من الترك للدين، والمفارقة للجماعة الكفر فقط - أي الردة المجردة - كما يدل على ذلك قوله في الحديث الآخر: "أو كفر بعد ما أسلم". * * *

стр. 42

الشبهة الثالثة وقائع من عصر النبوة أساءوا فهمها عمد منكرو حد الردة إلى واقعتين حدثتا في عصر النبوة، ثم أساءوا فهمها وطوعاهما لتصلحا دليلين على أن الرسول ﷺ كان الناس يرتدون في حياته ولم يقم على أحد منهم حد الردة فيقتله وتلكما الواقعتان هما: الأعرابي الذي طلب الإقالة من البيعة جاء في صحيحى البخاري ومسلم أن إعرابياً بايع رسول الله ﷺ . ثم جاءه بعد البيعة وطلب أن يقيله الرسول من بيعته فقال: يا رسول الله أقلني من بيعتي" فأبى رسول الله ﷺ . وكرر الأعرابي طلب الإقالة ثلاث مرات والرسول يأبى ثم خرج الأعرابي من المدينة". استدل منكرو حد الردة بهذه الواقعة وقالوا إنها حالة ردة ظاهرة لم يعاقب الرسول صاحبها بالقتل، وتوهموا - بناء على ذلك - أن المرتد لا يجوز قتله، وأن قتل المرتد حد مزعوم - يعني كذباً - لا أصل له في الإسلام. ولست أدري إن كان هؤلاء المنكرون لحد الردة جاهلين أم متجاهلين والمتبادر إلى الذهن أنهم معاندون يعرفون الحق ثم ينكرونه. وهم

стр. 43

يخضعون النصوص والوقائع طوعاً لهواهم على طريق من يستدل على أن الصلاة حرام بقوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ....﴾ ولا يذكر ﴿وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ ؟! فقد جاء في فتح الباري لابن حجر، وكذلك شرح النووى لصحيح مسلم أن الرجل طلب أن يقيله الرسول من البقاء معه في المدينة لا من الإسلام حتى يكون مرتداً وذلك لإن البيعة تقتضي أن يمكث المبايع بالمدنية ولا يخرج منها. وهذا الأعرابي كما جاء في الحديث المذكور لما جاء إلى المدينة من البادية وأسلم وأقام بالمدينة أصابه وَعْك أي حُمى بسبب تغيير الجو على حد تعبيرنا الآن، فذهب إلى الرسول ليأذن له في الخروج من المدينة والعودة إلى البادية التي اعتاد الإقامة فيها ولكن الرسول لم يأذن له في أي مرة من المرات الثلاث. فالأعرابي لم يرتد قط كما ترى، ولكن ظل مسلماً حتى بعد خروجه من المدينة بلا إذن. ولم ينكر أحد هذا التوجيه سوى القاضي هياض، وقد استبعد النووى في شرح مسلم أن يكون الأعرابي طلب الردة عن الإسلام ويؤكد هذا أن الأهرابي كان يقول في كل مرة: "يا رسول الله. اقلني من بيعتي" فلو كان مرتداً ما كان يقول يا رسول الله. هذه واحدة والثانية: إنه لو كان مرتداً لما حرص على الحصول على الإذن من

стр. 44

رسول الله، ولخرج غير عابئٍ بشيء مهما لغط اللاغطون، هذا هو الحق الذي لا محيص عنه. الاختلاق والافتراء: ومرة أخرى يعود منكرو حد الردة للاختلاف والافتراء في محاولة منهم لإثبات مدعاهم. ففي قصة الأعرابي يقولون: إنه جاء ليعلن ردته أمام رسول وهذا كذب محض لم يرد في أي مصدر إسلامي لا كتب الحديث ولا غيرها. ثم يحذفون من الحديث قول الأعرابي "يا رسول" ويذكرون مكانه أن الأعرابي قال: "يا محمد" وهذا تدليس قبيح له دلالات شنيعة نعوذ بالله منها. تزوير على الإمام النووى ومن أقبح وأشنع صور الاختلاق والتزوير ما نسبه منكرو حد الردة إلى الإمام النووى شارح صحيح مسلم، حيث زعموا أن الإمام النووى علق على قصى الأعرابي في الجزء التاسع من شرحه ص ١٥٥ فقال: "إنه رغم كونها حالة ردة ظاهرة ومع ذلك لم يعاقبه الرسول ولا أمر بعقابه، بل تركه يخرج من المدينة دون أن يعرض له أحد"؟!

стр. 45

ويعلم الله، وتشهد ملائكته وصالحو المؤمنين أن الإمام النووى لم يقل هذا الكلام قط، ولا ذكر منه حرفاً واحداً، وليرجع القارئ إلى الجزء التاسع من شرح النووى لصحيح مسلم، الصفحة (١٥٥) وما بعدها، ليتأكد بنفسه خلو شرح النووى تماماً من هذا القول الذي نسبوه إليه زوراً وبهتاناً؟! والعجيب حقاً أن منكري حد الردة قد ارتكبوا شططاً في كل ما استدلوا به، ولم يدروا أنهم يتحمسون لنصرة الباطل على الحق، ويدافعون عن المجرمين بل عن أجرم المجرمين على وجه الأرض، وهم الخارجون من النور إلى الظلمات، ومن الإيمان إلى الكفر، والكفر أقبح الجرائم وأعظم الذنوب. النصراني الذي أسلم ثم ارتد الواقعة الثانية التي طوعها منكرو حد الردة لتأييد زعمهم بأن الردة لا تبيح القتل، واقعة النصراني الذي أسلم ثم ارتد في حياة النبي ﷺ . هذه الواقعة صحيحة لورودها في أصح كتب الحديث. ولكن منكري حد الردة حرفوها وصاغوها في عبارات مدلسة غاية التدليس ليطوعوها لأهوائهم زوراً وبهتاتاً. ونضع أمام القارئ الكريم الصورة التي عرضوها فيها. فقد قالوا بالحرف الواحد:

стр. 46

"روي عن البخاري: جـ ٤ ص ٢٤٦ كتاب الشعب: أن رجلاً نصرانياً أسلم، ثم ارتد نصرانياً مرة أخرى، فأماته الله، فدفنوه ولم يعاقبه الرسول على ردته". هذه الصياغة تنطوي على تدليس خطير. حيث يُفْهم منها أن هذا المرتد مات بالمدينة، وأن المسلمين هم الذين دفنوه وأن هذه الردة والدفن حدث أمام سمع وبصر الرسول ﷺ ، وأن الرسول مع علمه بردة هذا الرجل لم يعاقبه على ردته. القصة كما وردت في صحيح البخاري: ونضع بين يدى القراء القصة كاملة كما وردت في صحيح الإمام البخاري: "حدثنا أبو معمر، حدثنا عبد الوارث، حدثنا عبد العزيز عن أنس ﵁ قال: "كان رجل نصرانياً فاسلم، وقرأ البقرة وآل عمران، فكان يكتب للنبي ﷺ ، فعاد نصرانياً، فكان يقول: ما يدري محمد إلا ما كتبت له، فأماته الله فدفنوه، فأصبح وقد لفظته الأرض. فقالوا: هذا فعل محمد وأصحابه نبشوا عن صاحبنا لما هرب منهم فألقوه خارج القبر. فحفروا

стр. 47

له فأعمقوا فأصبح وقد لفظته الأرض، فقالوا: هذا فعل محمد وأصحابه نبشوا عن صاحبنا لما هرب منهم فألقوه خارج القبر. فحفروا له وأعمقوا في الأرض ما استطاعوا، فأصبح قد لفظته الأرض. فعلموا أنه ليس من الناس فألقوه". تلك هي القصة في مصادرها الصحيحة، ومنها نقف على الحقائق الآتية: أولاً: إن هذا المرتد هرب فور ردته إلى المشركين من أهل الكتاب. ثانياً: إن الذين دفنوه هم المشركون لا المسلمون. ثالثاً: إن النبي لم يعلم بردة هذا الرجل إلا بعد هروبه إلى معسكرات المشركين. رابعاً: إن هذا المرتد لما دفنه المشركون أخرجته الأرض فألقته فوق ظهرها ثلاث مرات. وكان المشركون يتعهمون النبي واصحابه في كل مرة بأنهم هم الذين نبشوا قبره وأخرجوه لما هرب منهم. وفي المرة الثالثة أيقنوا أن اخرجه من الأرض ليس من فعل الناس؛ لإنهم كانوا قد عمقوا له الحفر فلم يغن عنه شيئاً. وحينئذ تركوه.

стр. 48

تعقيب مما تقدم ندرك في وضوح أن منكري حد الردة، لم يكونوا أمناء في النقل، وهذه سقطة تهوى بهم إلى الحضيض. ويضاف إلى هذا ما أشرنا إليه من قبل عند الحديث عن هاتين الواقعتين من أن منكرس حد الردة تعمدوا الاختلاق والتزوير والتحريف إما بالزيادة، وإما بالنقص. وهذا هو شأن كل من يخاصم الحق ويناصر الباطل. ومعلوم علم اليقين أن مناصرة الباطل لا تكون إلا بباطل مثله، أنظر مثلاً كيف أخفوا مسألة هروب المرتد وفراره إلى شيعته المشلاكين ليوهموا القراء أن الرجل أعلن ردته على مرأى ومسمع من الرسول وأصحابه ليرتبوا على ذلك زعمهم أن الرسول لم يقتله؟ ثم أنظر كيف أخفوا مسألة لفظ الرض لجثة هذا المرتد ثلاث مرات، وكأنهم بذلك يريدون أن يخففوا من قبح الردة حتى في الجزاء الأخروي؟ ألم يعلموت أن هذا يدخل في باب الكذب على رسول الله، الذي ورد فيه هذا الوعيد الشديد: "من كذَّب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار". * * *

стр. 49

الشبهة الرابعة تحريف أسباب حروب الردة حروب الردة أضخم حدث تاريخي وقع عقب وفاة النبي ﷺ . وكانت بوادر الردة قد بدت في أخريات حياة الرسول وقد تقدمت الإشارة إلى ردة طوائف من اهل اليمن اتباع الأسود العنسى الذي أمر الرسول مسلمى اليمن بقتاله وقتله وقتال اتباعه من المرتدين، ثم انتهى الأمر بقتله كما تقدم. ثم ردة مسيلمة الكذاب صاحب اليمامة الذي ادعى النبوة وارتد معه بنو حنيفة، ولم يعجل النبي بقتاله وقتال قومه لإنه كان يوجه كل اهتمامه لمحاربة الروم الذين كانوا ينوون مداهمة المدينة، وجهز من أجل ذلك جيش أسامة بن زيد بن حارثة، ولكن النبي فارق الحياة وجيش اسامة ما يزال داخل حدود المدينة لم يغادرها بعد. ثم أمضى ابو بكر ما كان قد عزم عليه الرسول قبل وفاته. وفي هذه الأثناء تزايد عدد القبائل المرتدة ممن لم يتمكن الإسلام في قلوبهم من جفاة الأعراب، الذين وصفهم القرآن الكريم من قبل فقال: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ... ﴾ (التوبة: ٩٧) .

стр. 50

وكان المرتدون نوعين: الأول: مرتدون خرجوا عن الإسلام كلية. الثاني: مرتدون منعوا إخراج الزكاة وهو ركن من أركان الإسلام. وقد أعلم أبا بكر أمراء النبي الذين كانوا منتشرين في أنحاء الجزيرة حيث أرسلوا إليه تقارير وافيه بما وقع في القبائل بعد وفاة الرسول، فجمع ابو بكر أصحاب رسول الله ﷺ وشاورهم فيما يجب اتخاذه نحو هذه النكسة الشيطانية، فلم يخالفه أحد في قتال المرتدين ردة كاملة وإنما خالفوه في الذين منعوا الزكاة وبقوا على إسلامهم حسب ما كانوا يقدرون. قال له عمر بن الخطاب ﵁: كيف تقاتل قوماً يؤمنون بالله ورسوله، وقد قال رسول الله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله فإن قالوها عصموا مني أموالهم ودماءهم إلا بحقها، وحسابهم على الله" فقال أبو بكر: "والله لأقاتلن من فرَّق بين الصلاة والزكاة؛ فإن الزكاة حق المال، وقد قال - يعني الرسول - إلا بحقها". وسواء طال الاختلاف أو فصر فإن الصحابة جميعاً أجمعوا - بعد التشاور - على قتال النوعين معاً: المرتدون ردة كاملة بالخروج عن الإسلام كلية.

стр. 51

والمرتدون ردة غير كاملة الذين طلبوا من أبي بكر أن يقيموا الصلاة ويعفيهم من إخراج الزكاة. هذا القرار الذي أجمع عليه الصحابة كلهم كان سببه الردة التي لم يصاحبها قتال من المرتدين للمسلمين. صحيح أن مانعي الزكاة بادروا بالزحف على المدينة، ولكن كان زحفهم بعد تشاور اصحاب رسول الله ﷺ وإجماعهم على قتال المرتدين جميعاً لا فرق بين ارتد وخرج عن الإسلام ومن اقتصرت ردته على منع الزكاة فحسب. هذه هي حقيقة حروب الردة، ولكن منكري حد الردة مضوا في تفسير أسبابها على المنهج المعوج الذي سلكوه. من تطويع النصوص والوقائع لأهوائهم ومزاعمهم الفارغة. زعموا - زوراً وبهتاناً - أن حروب الردة التي استمرت قرابة سنتين في خلافة أبي بكر ﵁، لم يكن سببها مجرد الردة، لإن الردة عند منكري حدها - لا تبيح قتالاً ولا قتلا، بل سببها عندهم - أعني سبب حروب الردة - هو مقاتلة المرتدين للمسلمين فهي - أي حروب الردة - قتال في مواجهة قتال. وليس قتالاً في مواجهة كفر بعد إسلام؟! ولعل منكري حد الردة كانوا قد أدركوا أهمية حروب الردة في تقرير وشرعية قتل المرتد لإنها تطبيق عملي واسع النطاق ودليل

стр. 52

راسخ على هذا الحديث، وهو قوله ﷺ : "من بدَّل دينه فاقتلوه" وبهذه الحروب خرج الحديث المذكور عن كونه حديث آحاد إلى حدث متواتر أعظم ما يكون التواتر. فهو حديث مع إجماع مع عمل ضخم بكل مقياس لهذه الإعتبارات كلها أجهد منكرو حد الردة أنفسهم لتجريدها من دلالتها الراسخة، ونضع بين أيدى القراء ما قاله منكرو حد الردة في هذا الشأن: : فحروب الردة إذن لم تكن أبداً - كما يصورها المضللون (هكذا؟) قتالا للمرتدين جزاء ردتهم، وإنما كانت دفاعاً عن الإسلام، وتصدياً لمن بدأوا بالعدوان على المدينة، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا﴾ . هكذا بجرة قلم حاولوا أن يطمسوا حدثاً ضخماً قام به صحابة رسول الله الأطهار، وهم أفقه رجال الإسلام وأقربهم عهداً برسوله وأدراهم بسنته القولية والعملية، وهم خير أجيال الأمة منذ مجئ الإسلام إلى قيام الساعة. وللقارئ الكريم أن يرجع إلى أمهات كتب السيرة والتاريخ الإسلامي كتاريخ الطبري، والبداية والنهاية وغيرهما، وسيرى أن أجماع الصحابة على قتال المرتدين كان قبل أي تحرك من المرتدين ضد

стр. 53

المسلمين. إنه قتال من أجل الردة المجردة، وليس قتالاً في مواجهة قتال كما يدعي هؤلاء المدافعون عن الإجرام والمجرمين؟! قصة ثعلبة: قلنا من قبل إن منكري حد الردة كحاطب ليل يجمع إلى حوزته كل ما تلمسه يداه، ولا يفرق بين الحطب والثعابين. ومن ذلك عند منكري حد الردة أنهم يعملون إلى كل ما يبدو لهم أن فيه دليلاً على زعمهم الذي شذوا به عن جماعة المسلمين كلهم. فقد حشدوا بين ما توهموا أن فيه دليلاً لهم على حرمة دم المرتد قصة بدأت أوائلها في عهد رسول الله ﷺ ، وهي قصة ثعلبة بن حاطب، الذي بخل بإخراج الزكاة، ولما عاد جباة الزكاة، وأخبروا رسول الله ﷺ بما حدث من ثعلبة نزل فيه قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ (التوبة: ٧٥ - ٧٧) . يقول منكرد حد الردة في توظيف هذه القصة لمدعياتهم: : ولنا في قصة ثعلبة الدليل على ذلك - أي أن المرتد لا يقتل - حيث رفض ثعلبة دفع الزكاة في وقت سيدنا رسول الله، فأمر الرسول بعدم

стр. 54

أخذها منه، ولما عرض ثعلبة دفعها في زمن سيدنا أبي بكر رفض أخذها منه، كما رفض ذلك أيضاً سيدنا عمر من بعده، وقد مات ثعلبة أيام خلافة سيدنا عمر، دون أن ينادى أحد بوجوب قتله باعتباره مرتداً لرفضه دفع الزكاة". هذا الذي استنتجه منكرو حد الردة من قصة ثعلبة وَهْمٌ من الأوهام فثعلبة منع دفع الزكاة بخلاً لا ارتداداً ولما أنزل الله فيه تلك الآيات جاء تائباً إلى رسول الله ﷺ وأخذ يضع التراب على رأسه لما لم يقبل الرسول توبته. ومما يؤكد عدم ارتداده تردده على الخلفاء بعد وفاة النبي ﷺ ليأخذوا منه الزكاة، والمرتد لا يفعل ذلك أبداً. وحتى لو قلنا أن ثعلبة منع الزكاة ارتداداً فإنه أسرع إلى التوبة ومثل بين يدى رسول الله ﷺ معتذراً ونادماً وأصدق ما يقال فيه إنه منافق، بدليل أن القرآن قال فيه: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ . ومن قبل قال عاطفاً لقصته على قصص المنافقين: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ ... ﴾ أي: ومن المنافقين. وحتى لو قلنا أن ثعلبة كان كافراً في الباطن مظهراً للإيمان فإن أحكام الإسلام في الدنيا تجري على الظاهر دون الباطن. وهذا هو الموقف الذي وقفه النبي ﷺ من المنافقين جميعاً، وكان ينهي عن قتلهم إذا

стр. 55

بدت منهم بذاءات؛ لأنهم ينطقون بكلمة التوحيد، ويشهدون بصدق الرسول ويصلون ويصومون ويحجون ويشهدون المعارك والجمع والجماعات. تعقيب: وبهذا يتبين أن منكري حد الردة ليس لهم دليل على ما يقولون سواء في ذلك حروب الردة التي حرَّفوا أسبابها، أو قصة ثعلبة التي لوَّنُوها بغير لونها، وصوروها في غير صورتها، هادفين من ذلك كله أن يُخضعوا هذه الواقع لإثبات زعم باطل من كل الوجوه وهو أن الردة لا تبيح القتل؟! وبهذا يمهجون الطريق لتعطيل حدٍ من حدود الله، ويفتحون باباً واسعاً للعبث بالعقيدة. ويحسبون هذا هينا، وهو عند الله عظيم. إنه دفاع عن أجرم المجرمين لا يزينه إلا الشيطان العدو الألد لآدم وبنيه. * * *

стр. 56

الشبهة الخامسة الادعاء بأن النبي ﷺ لم يقتل مرتداً ادعى منكرو حد الردة أن النبي لم يقتل أي مرتد في حياته ولا مرة واحدة. وإلى القراء ما قالوه بالحرف الواحد: "وعندما نتدبر سنة سيدنا رسول الله ﷺ نجد أن حد الردة المزعوم (هكذا) لم يطبق ايام سيدنا رسول الله، ولا مرة واحدة" المرحظ أن منكري حد الدرة كثيراً ما يرسلون القول على عواهنه، ولا يكلفون أنفسهم بالرجوع إلى المصادر الوثيقة الت يتحيم على الباخث الموضوعي الرجوع إليها وهم - دائماً - يجزمون بالأحكام التي تناسب مدعياتهم ثم يصورونها في صورة أحكام عامة، ولم يلتزموا كذلك بأدنى ضوابط أو أحتياطات يمكن أن تكون بمثابة أعذار لهم إذا ووجهوا بما غاب عنهم أو غابوا هم عنه من حقائق لا سبيل لإنكارها. تأمل وصفهم لحد الردة بنه "مزعوم" أي مكذوب مفترىً ثم تأمل الحكم الجازم في قولهم: "ولا مرة واحدة"؟!

стр. 57

دحض هذه الدعوى والحق الذي لا مراء فيه أن هذه الدعوى التي جزموا بصدقها دعوى كاذبة، ليس لها أدنى نصيب من الصحة فقد تقدم لنا أن الأسود العنسى كاهن اليمن كان قد أدعى أنه نبي ودعا الناس إلى إتباعه فارتد بعض أهل اليمن عن الإسلام فلما علم النبي بهذا الحدث الخطير بعث إلى المسلمين من أهل اليمن رسولاًَ، ودعاهم إلى القضاء على هذه الفتنة، وأن يقاتلوا الأسود ومن ارتد معه. فأدى المسلمون الواجب، وتمكنوا من قتل الأسود فخمدت الفتنة، وعلم النبي بقتب الأسود في إحدى روايتين، وبشر المسلمين بقتله. وفي عام الفتح أمر ﷺ بقتل ابن خَطَل وكان مسلماً ثم ارتد ورجع إلى مكة. ولما علم بقدوم موكب الفتح بقيادة صاحب الدعوة هُرِع إلى المسجد الحرام وتعلق بأستار الكعبة، ورغم هذه الحيلة أمر النبي بقتله حداً للارتداد عن الدين. وهذه الواقعة صحيحة السند والمتن، وقد اعتمدها ائمة المذاهب الفقهية، واستنبطوا منها أحكاماً في الفقه الجنائي: فالإمامان الشافعي ومالك بنيا عليها حكماً فقهياً خلاصته أنه يجوز إقامة الحدود واستيفاؤها في الحرم. والإمام أبو حنيفة مع تسليمه بصحة الواقعة يخالف الشافعي ومالكاً بأن استيفاء الحدود لا يجوز في الحرم.

стр. 58

ويؤول قتل النبي لابن خَطَل في الحرم عام الفتح بأنه قتله في الساعة التي أحلَّ الله فيها مكة، ثم عادت حرمتها إلى يوم القيامة كما جاء في الحديث الشريف تعظيماً للبلد الأمين فقتل ابن خطل لم يكن له سبب سوى الردة المجردة عن أي عدوان منه على المسلمين، ووقوعها في حياة النبي وبأمر منه دليل ناصع على كذب منكري حد الدرة، فإن لم يكونوا كاذبين، فهم بلا ريب جاهلون بفقه الموضوع الذي زجوا بأنفسهم فيه، ولم يكونوا مؤهلين له. لذلك لازمهم الفشل في كل ما حسبوه دليلاً مؤيداً لمدعياتهم. على أن هناك حالتين أخريين من الردة أمر النبي بقتل صاحبيهما يوم فتح مكة، ولكنا لم نذكرهما لإن صاحبيهما جمعا مع الردة جريمة القتل والعدوان. والسبب في قلة تطبيق عقوبة الردة في حياة النبي ﷺ ليس لإن الردة لا تبيح القتل كما يقولون، بل لإن حدوث ردة ظاهرة من مسلمين لم يقع كثيراً. وحسبنا ما أوردناه آنفاً عن صحيح مسلم من قتل ابن خَطَل، أقول حسبنا هذا الرد على منكري حد الردة الذين زعموا أن حد الردة (المزعوم) لم يطبق في حياة النبي ولا مرة واحدة؟! يقولون افوالاً ولا يعلمونها وإن قيل: هاتوا حققوا لم يحققوا ورحم الله امراً عرف قدر نفسه

стр. 59

الشبهة السادسة اختلاف الفقهاء مما يدل على تهافت منكري حد الردة، وأنهم - حقاً - حاطبو ليل، أنهم اتخذوا من اختلاف الفقهاء حول بعض ما يتعلق بحد الدرة، اتخذوا من هذا الخلاف دليلاً على إنكار حد الدرة في الإسلام. وأنه حد مزعوم لا وجود له، لا في القرآن ولا في السنة، ولا في إجماع علماء الأمة؟ ولو كانوا ممن لهم دراية بالفقه لما أنساقوا وراء هذه الأوهام التي تشبثوا بها، ولتواروا منها استحياء وخجلاً. ولكن عدم درايتهم بالفقه حميلتهم على هذه الطنطة الجوفاء وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً. فاختلاف الفقهاء هو السمة التي تميز بها الفقها الإسلامي وبسببه تعددت فيه المذاهب الفقهية، وتعددت الآراء داخل المذهب الفقهي الواحد، إما بين إمام المذهب وتلاميذه، وإما بين التلاميذ انفسهم. إن اختلاف الفقهاء شمل جميع أدلة الأحكام إلا ما كان منها قطعي الدلالة والثبوت معاً. أو قام عليه إجماع بين أهل العلم الذين يعتد بقولهم. فليس كل خرف يترتب عليه إنكار الحكم الذي نشأ حوله خلاف في بعض فروعه. فما أكثر الفقهى حول أركان الإسلام العملية

стр. 60

من صلاة وزكاة وحج وصيام، ومع هذا لم يقل أحد - ولن يقول - أن هذه الأمور ليست أركاناً للإسلام أو ليست واجبة على المسلم. الخلاف حول أدلة الأحكام نوعان: درسنا الفقه في معاهد الأزهر على مدى تسع سنين على مذهب إمام دار الهجرة مالك بن أنس ﵁، ثم ردسناه في الرمحلة الجامعية سنتين على المذاهب الأربعة، وبعد التخرج وعلى مدى ثلاثين عاماً زادت صلتنا به أصوالاً وفقهاً، وقرأنا من أمهات المصادر في جميع المذاهب - وما نزال - قدراً صالحاً. فوقفنا على الكثير من أسراره وطرائقه وروائعه. ومما تعلمناه دراسة وإطلاعاً ضوابط الخلاف الذي دار بينهم فوجدناه نوعين: الأول: خلاف ينشأ حول صحة الدليل أو بطلانه من حيث الثبوت أو الدلالة، وهذا الخلاف يكثر بينهم في الأدلة الظنية الثبوت والدلالة أو أحدهما. الثاني: خلاف ينشأ بينهم في بعض ما يتعلق ببعض فروع الدليل بعد التسليم بصحته. وهذا الخلاف كان سبباً في تضخم الفقه الإجتهادي. أي النوعين نشأ حول دليل حد الردة؟ والخلاف الذي نشأ حول دليل حد الردة هو النوع الثاني. أي أن الفقهاء جميعاً مسلمون بصحة الدليل هو "من بدَّل دينه فاقتلوه"

стр. 61

ثم: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث....". فالدليل صحيح، ودلالته قطعية مسلمة وعلى هذا اتفق جميع الفقهاء ولم يعرف لهم مخالف منذ بدأ النشاط الفقهي على يد الإمام الشافعي وإلى الآن. إذن فهذا الزعم الذي زعمه منكرو حد الردة لا وزن له، لإن خلاف الفقهاء لم يمس صحة الدليل، بل كان في أمور فرعية مستندة إلى وجود الدليل مع التسليم بصحته، وزيادة في الإيضاح نذكر في إيجاز نماذج من الخلافات الفرعية التي نشأت حول حد الدرة واتخذ منها منكروه دليلاً على إنكاره وما هي بدليل: نماذج من الخلاف حول فرعيات الردة: الأول: الاستتابة: كثر عند الفقهاء القول بأن المرتد يستتاب قبل إيقاع الحد عليه. وذهبوا في هذه الاستتابة عدة مذاهب: فالأكثرون يقولون بأنها واجبة على ولاة الأمر، وحق للمرتد نفسه. وقليل منهم قال إن الاستتابة مستحبة وليست بواجبة. فإذا قتل المرتد فور العلم بردته فلا خرج في ذلك ولا تقصير، كل ما في الأمر أننا تركنا أمراً مستحباً ومنهم من قال: إنه يُقتل فوراً فلا تجب استتابته

стр. 62

ولا تستحب. والراجح هو الرأي الأول. وكما اختلفوا في حكم الاستتابة اختلفوا في مدتها فالأكثرون على أنها ثلاثة أيام، وقلة ذهبت إلى أنها أكثر من ثلاثة، والنخعي يرى أن الزمن غير معتبر بل المعتبر هو حدوث الإقناع عند المرتد طال الزمن أو قصر. والذين قالوا إنها ثلاثة أيام استدلوا بقوله تعالى في شأن ثمود قوم صالح ﵇: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ (هود: ٦٥) . وهذا استدلال وجيه، لإن صالحاً ﵇ لم ييأس من إيمان قومه إلا حين عصوا الله وعقروا الناقة، فأمهلهم الله ثلاثة ايام ثم أهلكهم. الثاني: المرتد الذي يقتل: إذا تحققت الردة من مسلم فجمهور الفقهاء يقول إنه يقتل إن لم يتب، سواء أكان رجلاً أو امرأة. وخالف الحنفية فقالوا إن المرأة إذا ارتدت ولم تتب لا تقتل، بل تحبس مدى الحياة ويعرض عليها الإسلام كل يوم. أخذ الجمهور بدلالة العموم في قوله ﷺ : "من بدَّل دينه فاقتلوه" لإن "مَنْ بدَّل دينه" لم يفرق بين الرجل والمرأة. وأخذ الحنفية بقياس المسلمة إذا ارتدت على المرأة الكافرة كفراً

стр. 63

أصلياً، لإن النبي نهى المسلمين عن قتل النساء الحربيات إذا نشب بين قومهن وبين المسلمين حرب، فجعلوا النهي عن قتل الحربيات مخصصاً للعموم الوارد في "من بدَّل دينه فاقتلوه" ثم قاسوا المرتدة على الحربية. الثالث: مصير مال المرتد: إذا ارتد المسلم ولم يتب ثم قتل فما هو مصير ماله الذي تركه؟ للفقهاء مذاهب في هذا الفرع أقواها وأولاها بالقبول أن ماله الذي أكتسبه حال إسلامه قبل ارتداده هو لورثته الشرعيين. أما ما اكتسبه حال ردته قبل قتله فلا يرثه ورثته لاختلاف الدين حال كسب المال. هذه نماذج ثلاثة من اختلاف الفقهاء في بعض شئون المرتد. وهي خلافات لم تمس من قريب أو بعيد وجوب الذي هو قتل المرتد. وكل ما نشأ من خلاف في هذا الموضوع هو من هذا القبيل. أما أن يكون قدر دار بينهم خلاف في هل يقتل المرتد أم لا يقتل فهذا لا وجود له عندهم أبداً، فجميع المذاهب الفقهية متفقة على وجود الحد شرعاً وأنه يكون بقتل المرتد. إن إنكار حد الردة أو حتى مجرد التشكيك فيه لم يعرف في أي عصر إلا في هذا القرن العشرين، وعلى أيدي بعض الحقوقيين، وهم قلة

стр. 64

نادرة، ثم بعض الإعلاميين والصحفيين، والغالب عليهم أنهم يدينون بالولاء لبعض الأيديولوجيات المعاصرة، وهؤلاء - جميعاً - لا وزن لما يقولون، ولا يجةز أن يجاريهم أحد فبما يقولون؛ لإنهم ليسوا من اهل الذكر الذين يفزع إليهم ثار خلاف ولإنهم محجوجون باتفاق الفقهاء جيمعاً في كل العصور ولإن طريقتهم في الاستدلال طريقة فجة من جهة، ومن جهة أخرى تخضع النصوص والوقائع لهواهم، سواء أكانوا حسنى النية أو سيئيها. والأمة ليست على استعداد لإن تلغي - بجرة قلم أو أقلام - جهود مليون عالم وفقيه مسلم، تركوا لنا ثروة فقهية رائعة نعتز بها لا تملك أمة من الأمم ما يماثلها أو يضارعها. إنها ثروة فقهية مؤسسة على هدى من كتب الله، وسنة رسوله وحسبنا أن يكون هادينا كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . * * *

стр. 65

الشبهة السابعة التدخل في اختصاص الله ؟! وعلى الطريقة الفجة في الاستدلال اتخذ منكرو حد الردة من مبدأ استتابة المرتد دليلاً آخر من أدلتهم الوهمية على إنكار حد الردة. وخلاصة ما قالوه في هذا الشأن أن قبول التوبة من العباد من اختصاص الله وحده، لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ ... ﴾ الشورى: (٢٥) . ثم يتساءلون فيقولون: هل يضمن الذين يزعموا لأنفسهم حق استتابة المرتد هل يضمنون له قبول توبته. ودخوله الجنة في الآخرة؟. هذه خلاصة أمينة لما قالوه صغناها في إيجاز وافٍ. تعقيب: اختلط الأمر على منكري حد الردة هنا كما اختلط عليهم في كل كلمة قالوها، وقد وضحنا هذا فيما تقدم أما هنا فقد اختلط عليهم الأمر فلم يفرقوا بين التوبة والاستتابة. فالتوبة هي الإقلاع عن الذنوب، مهما كانت، والندم على فعلها، وعدم العود إليها، وهي عقد وعزم قلبي لا يطلع عليه إلا الله، فإذا كانت

стр. 66

التوبة نصوحاً وخالصة لوجه الله قبلت وكوفئ التائب عليها من ربه الغفور الرحيم. أما الاستتابة فالمراد بها عند الفقهاء هي نصح المرتد وإرشاده وإزالة الشبهات التي أدت به إلى الإرتداد فإذا أقتنع وزال ريبه وأعلن العودة إلى الإسلام قُبلت منه توبته وعُفى عنه فلا يقام عليه الحد، وهو في هذه الحالة أشبه ما يكون بمتهم في ارتكاب جريمة، فلما مثل بين يد القضاء اثبت للقضاة براءته من الجريمة التي نسبت إليه، فيحكم القاضي ببراءته وإخلاء سبيله، فليس في استتابة المرتد تدخل في اختصاص الله، ومن المعلوم أن الردة لها جزاء أخروى هو الخلود في العذاب، فإذا كانت توبة المرتد صادقة ولساناً نجا من العقوبتين معاً: الخلود في النار، والقتل في الدنيا، فالأولى من اختصاص الله وحده، والثانية إجراء يملكه ولاة الأمر المسلمون. أما إذا كانت توبته باللسان فقط فإن عقوبة الدنيا تسقط عنه، ولا تنفعه توبته اللسانية الظاهرة عند الله مثقال ذرة، بل يكون منافقاً في العقيدة، والمنافقون في الآخرة في الدرك الأسفل من النار: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ النساء: (١٤٥) . فأين التدخل في اختصاص الله يا ترى؟ ابلغ منكرو حد الردة هذا الحد من الغفلة؟ أم لحاجة في نفس يعقوب؟ عجيب - والله - أمر هؤلاء الناس.

стр. 67

الشبهة الثامنة الاستتابة لا أساس لها في الدين كانت آخر شبهة يتشبت بها منكرو حد الردة أن زعموا بأن الاستتابة لا أساس لها في الدين. وإليك قولهم بالحرف: "ذكر الشيخ الغزالي في شهادته أن المرتد يجب استتابته قبل معاقبته، وهو ادعاء ليس له أساس في الدين أو الشرع". ثم يصفون الاستتابة بأنها تشريع بما لم يأذن الله به؟ ويبنون على هذا الزعم كثيراً من الأوهام. تعقيب: القول باستتابة المرتد قبل معاقبته ليس من "عنديات" الشيخ الغزالي حفظه الله، ولكنه سنة صاحب الدعوة ﷺ ، وسنة الخلفاء الراشدين من بعده، وإجماع علماء الأمة سلفاً وخلفاً. إن التشريع بغير ما لم يأذن به الله هو إنكار حد الردة وما تعلق به من فروع فقهية. فمن هو الذي له شركاء شرعوا له من الدين ما لم يأذن به الله؟ أة الشيخ الغزالي الذي لم يقل إلا بسنة خاتم الرسل وخلفائه وعلماء الأمة؟ أم الذين أنكروا حد الردة جملة وتفصيلاً؟ ما أصدق المثل العربي الذي قال:

стр. 68

"رمتني بدائها وانسلت" ويقول الحق : ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ النساء: (١١٢) . أدلتها من الشريعة جاء الأمر بالاستتابة في أحاديث تقدم ذكرها، مثل حديث النبي ﷺ في أم مروان التي ارتدت في عهده. ومثل حديثه إلى معاذ بن جبل حين بعثه ﷺ إلى اليمن وأمره فيه أنه إذا ارتد رجل عن الإسلام أن يدعوه إلى الإسلام فإن تاب وإلا قتل، وإذا ارتدت امرأة عن الإسلام يدعوها إلى الإسلام فإن تابت وإلا قتلت. وحديث أبي موسى الأشعري حين قدم عليه معاذ بن جبل فوجد عنده رجلاً كان يهودياً فأسلم ثم ارتد فاستتابة أبو موسى قرابة عشرين يوماً فأصر معاذ على قتله قبل أن يجلس وقال: هذا قضاء رسول الله. والآثار والوقائع ذي ذلك كثيرة. ومن أبرز الوثائق التاريخية في شرعية الاستتابة الكتب التي حررها خليفة رسول الله الأول ابو بكر الصديق وحمَّلها لقادة اللواءات الأحد عشرة التي صيرها لردع القبائل المرتدة. وقد حررت الكتب الأحد عشرة في صيغة واحدة، وأمرهم الصديق

стр. 69

أبو بكر أن يتلوها على القبائل المرتدة قبل أن تبدأ الجيوش الإسلامية في قتالهم وكان ذلك على مرأى ومسمع من جميع أصحاب رسول الله ﷺ فلم يعارضه أحد منهم فصار إجماعاً من رجال خير القرون ﵃. نصوص الكتب التي بعث بها: "بسم الله الرحمن الرحيم" من أبي بكر خليفة رسول الله ﷺ ، إلى من بلغه كتابي هذا من خاصة وعامة، أقام على إسلامه أو رجع عنه، سلام على من أتبع الهدى، ولم يرجع بعد الهدى إلى الضلالة والعمى، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، وحده لا شريك له. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، نقر بما جاء به، ونكفَّر من أبى ونجاهده أما بعد: "فإن الله تعالى أرسل محمداً بالحق من عنده إلى خلقه بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، لينذر من كان حياً، ويحق القول على الكافرين. "فهدى الله بالحق من أجاب إليه. وضرب رسول الله ﷺ بإذنه من أدبر عنه، حتى صار إلى الإسلام طوعاً وكرهاً ثم توفى رسوله ﷺ ، وقد نفذ لأمر الله، ونصح لأمته، وقضى الذي عليه، وكان الله قد بيَّن له ذلك، ولأهل الإسلام في الكتاب الذي أنزله، فقال: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ وقال: ﴿وماجعلنا لاحد من قبلك وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ

стр. 70

الْخَالِدُونَ﴾ وقال للمؤمنين: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ فمن كان إنما يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان إنما يعبد الله وحده لا شريك فإن الله له بالمرصاد، حتى قيوم لا يموت، ولا تأخذه سنة ولا نوم، حافظ لأمره، منتقم من عدوه ... وإني أوصيكم بتقوى الله، وحظكم ونصيبكم من الله، وما جاء به نبيكم ﷺ . وإن تهتدوا بهداه، وأن تعتصموا بدين الله؛ فإن كل من لم يهده الله ضال، وكل من لم يعافه مبتلى، وكل من لم يُعنه مخذول، فمن هداه الله كان مهتدياً، ومن أضله كان ضالاً. قال الله تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ . ".... وقد بلغني رجوع من رجع منكم عن دينه، بعد أن أقر بالإسلام وعمل به، اعتراراً بالله، وجهالة بأمره، وإجابة للشيطان. قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ ... "وإني بعثت إليكم فلاتاً في جيش من المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان، وأمرته ألا يقاتل أحداً ولا يقتله حتى يدعوه إلى داعية الله. فمن استجاب له وأقر، وكف وعمل صالحاً قَبِلَ منه وأعانه عليه، ومن

стр. 71

أبى أمرتُ أن يقاتله على ذلك، ثم لا يبقى على أحد منهم قدر عليه ... ويقتلهم كل قتله، وأن يسبى النساء والذراري، ولا يقبل من أحد إلا الإسلام. "وقد أمرت رسولي أن يقرأ كتابي في كل مجمع لكم، والداعية الأذان، فإذا أذَّن المسلمون فأذَّنوا كَفَّوا عنهم، وإن لم يؤذنوا عاجِلُوهم. وإن أذَّنوا سألهم ما عليهم، فإن أبوا عاجلوهم وإن أقروا قيل منهم، وحملهم على ما ينبغي لهم". تعقيب: هذه هي رسالة أبي بكر إلى المرتدين لم نحذف منها إلا بضع جُمل حذفاً لا يغير من المعنى شيئاً. وهي وثيقة تاريخية بالغة الأهمية أخلص فيها ابو بكر التنصح والتوجيه للقبائل المرتدة وهو يستتيبها من ردتها ويدعوها إلى العود في الإسلام. ومن أهمية هذه الوثيقة إنها تعبر عن إجماع رجال خير القرون وهم صحابة رسول الله ﷺ ، وفيهم خلفاؤه الراشدون - أجل إنها تعبر بكل جلاء على مشروعية استتابة المرتد، فرداً كان أو جماعة أو جماعات. وهذه الوثيقة نموذج رائع للاستتابة الجماعية، التي تحدث لأول مرة في الإسلام في عهد أول الخلفاء الراشدين. ونستخلص منها الحقائق الآتية:

стр. 72

أولاً: أن المرتد لا يقاتل ولا يقتل حتى يُعْرض عليه الإسلام ثم يأبى الرجوع إليه. ثانياً: إن المرتد بالخروج عن الإسلام كلية إذا دَعِى إلى الإسلام فأجاب كُفَّ عنه الأذى ثم يُدْعَى مرة اخرى للعمل بأركان الإسلام فيقيم الصلاة، ويؤتى الزكاة ويصوم ويحج حجة الفريضة، فإن امتنع قوتل حتى يستجيب. ثالثاًُ: إن ابا بكر أمر أن تذاع رسالته على أسماع المرتدين ليحيا من حَىَّ عن بينة، ويهلك من هلك عن بينة. رابعاً: أن المرتد سواؤ أكان من العرب او من غير العرب لا يقبل منه إلا ألإسلام. أما الدعوة إلى الإسلام ابتداء قبل حدوث إيمان فإن الإسلام يفرق فيها بين العرب وغير العرب، فالعرب لا يقبل منهم إلا الإسلام، وهم المقصودين بقوله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فإن قالوها عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحقها...." وإن كانوا غير العرب فالحكم مختلف، فيقبل منهم الصلح بشروطه المعروفة إذا امتنعوا عن قبول الإسلام. فأنت ترى من ذها كله أن الفقهاء حين ذهبوا إلى استتابة المرتد لم يكن لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله كما يدعي

стр. 73

منكرو حد الردة. بل هم أدرى الناس بما شرع الله ورسوله وبما أجمع عليه صحبه وخلفاؤه الراشدون. وثيقة أخرى لأبي بكر: كانت الوثيقة الأولى رسالة موجهة إلى المرتدين، هي الاستتابة الدجماعية لهم. ولأبي بكر وثيقة أخرى سناها أبو بكر بـ "العهد" وهي أشبه ما تكون بقرار التكليف من القائد الأعلى لأمراء الجند من جهة، وخطة عملية ينفذها "الأمير" في معاملة المرتدين بعد رجوعهم إلى الإسلام. وفي كل منهما يؤكد الخليفة مبدأ الاستتابة. أما نص الوثيقة الثانية فهو: "بسم الله الرحمن الرحيم. هذا عهد من أبي بكر خليفة رسول الله ﷺ ، لفلان حين بعثه فيمن بعثه لقتال من رجع عن الإسلام وعَهِد غليه أن يتقي الله ما استطاع في أمره كله: سره وعلانيته، وأمره بالجد في أمر الله، ومجاهدة من تولى عنه، ورجع عن الإسلام إلى أماني الشيطان بعد أن يُعْذر فيدعوهم بداعية الإسلام، فإن أجابوا أمسك عنهم، وإن لم يجيبوه شن غارته عليهم، حتى يقروا له. ثم ينبئهم بالذي عليهم والذي لهم، فيأخذ ما عليهم ويعطيهم الذي لهم، لا يُنْظرهم ولا يرد المسلمين عن قتال عدوهم، فمن أجاب إلى أمر الله وأقر له قَبِل ذلك منه. وأعانه عليه بالمعروف، وإنما يقاتل من كفر بالله على

стр. 74

الإقرار بما جاء من عند الله، فإذا أجاب الدعوة لم يكن عليه سبيل، وكان الله حسيبه فيما استسر به، ومن لم يجب داعية الله قَتِل وقوتل حيث كان، وحيث بلغ مراغمه، لا يقبل من أحد شيئاً أعطاه إلا الإسلام فمن أجابه وأقر قبل منه وعلَّمه، ومن أبى قاتله.... ثم قسم ما أفاء الله عليه. إلا الخمس فإنه يُبلَّغاه - اي يرله للخليفة - وأن يمنع أصحابه العجلة والفساد، وأن لا يدخل فيهم حشوا حتى يعرفهم لئلا يكونوا عيوناً ولئلا يؤتى المسلمون من قبلهم. وأن يقتصد بالمسلمين ويرفق بهم في السير والمنزل ... ويستوصى بالمسلمين في حسن الصحبة ولين القول". تعقيب: رغم التشابة الكبير بين هاتين الوثيقتين فإن التباين بينهما قائم شكلاً وموضوعاً. ونتستخلص من مجموعهما المبادئ الآتية: أولاً: أن حد المرتد عن الإسلام إذا دعى إلى العود فيه فلم يستجب هو المقاتلة والقتل. ثانياً: إن الاستتابة فردية كانت أو جماعية هي شرع الله ورسوله وليس ابتداعاً في الدين. ثالثاً: إن أموال المرتدين الذين يصرون على كفرهم إذا غنمها

стр. 75

المسلمون توزع على المقاتلين إلا الخمس فيوضع في بيت مال المسلمين (الخزانة العامة) ينفق منها عليهم. رابعاً: إن دعوى منكري حد الردة وما ترتب عليه من أحكام فرعية بأنه حد مزعوم، وأن القائلين به كذبة ومضللون. هذه الدعوى ما هي إلا افتراء على الله ورسولع وعلى علماء الأمة سلفاً وخلفاً. على القائلين بها أن يثوبوا إلى رشدهم ويبتغوا لأنفسهم خيرى الدنيا والآخرة. وليحذروا الوعيد الذي توعد الله به المفترين عليه في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (٦٩) مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ ... ﴾ (يونس ٦٩ - ٧٠) . * * *
следующие страницы →