← Общие книги

Общие книги · id 1412

عقوبة الارتداد عن الدين بين الأدلة الشرعية وشبهات المنكرين

عبد العظيم المطعني

Полный текст (97 стр.). Показаны 71–97 · переход к 76.

стр. 71

أبى أمرتُ أن يقاتله على ذلك، ثم لا يبقى على أحد منهم قدر عليه ... ويقتلهم كل قتله، وأن يسبى النساء والذراري، ولا يقبل من أحد إلا الإسلام. "وقد أمرت رسولي أن يقرأ كتابي في كل مجمع لكم، والداعية الأذان، فإذا أذَّن المسلمون فأذَّنوا كَفَّوا عنهم، وإن لم يؤذنوا عاجِلُوهم. وإن أذَّنوا سألهم ما عليهم، فإن أبوا عاجلوهم وإن أقروا قيل منهم، وحملهم على ما ينبغي لهم". تعقيب: هذه هي رسالة أبي بكر إلى المرتدين لم نحذف منها إلا بضع جُمل حذفاً لا يغير من المعنى شيئاً. وهي وثيقة تاريخية بالغة الأهمية أخلص فيها ابو بكر التنصح والتوجيه للقبائل المرتدة وهو يستتيبها من ردتها ويدعوها إلى العود في الإسلام. ومن أهمية هذه الوثيقة إنها تعبر عن إجماع رجال خير القرون وهم صحابة رسول الله ﷺ ، وفيهم خلفاؤه الراشدون - أجل إنها تعبر بكل جلاء على مشروعية استتابة المرتد، فرداً كان أو جماعة أو جماعات. وهذه الوثيقة نموذج رائع للاستتابة الجماعية، التي تحدث لأول مرة في الإسلام في عهد أول الخلفاء الراشدين. ونستخلص منها الحقائق الآتية:

стр. 72

أولاً: أن المرتد لا يقاتل ولا يقتل حتى يُعْرض عليه الإسلام ثم يأبى الرجوع إليه. ثانياً: إن المرتد بالخروج عن الإسلام كلية إذا دَعِى إلى الإسلام فأجاب كُفَّ عنه الأذى ثم يُدْعَى مرة اخرى للعمل بأركان الإسلام فيقيم الصلاة، ويؤتى الزكاة ويصوم ويحج حجة الفريضة، فإن امتنع قوتل حتى يستجيب. ثالثاًُ: إن ابا بكر أمر أن تذاع رسالته على أسماع المرتدين ليحيا من حَىَّ عن بينة، ويهلك من هلك عن بينة. رابعاً: أن المرتد سواؤ أكان من العرب او من غير العرب لا يقبل منه إلا ألإسلام. أما الدعوة إلى الإسلام ابتداء قبل حدوث إيمان فإن الإسلام يفرق فيها بين العرب وغير العرب، فالعرب لا يقبل منهم إلا الإسلام، وهم المقصودين بقوله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فإن قالوها عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحقها...." وإن كانوا غير العرب فالحكم مختلف، فيقبل منهم الصلح بشروطه المعروفة إذا امتنعوا عن قبول الإسلام. فأنت ترى من ذها كله أن الفقهاء حين ذهبوا إلى استتابة المرتد لم يكن لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله كما يدعي

стр. 73

منكرو حد الردة. بل هم أدرى الناس بما شرع الله ورسوله وبما أجمع عليه صحبه وخلفاؤه الراشدون. وثيقة أخرى لأبي بكر: كانت الوثيقة الأولى رسالة موجهة إلى المرتدين، هي الاستتابة الدجماعية لهم. ولأبي بكر وثيقة أخرى سناها أبو بكر بـ "العهد" وهي أشبه ما تكون بقرار التكليف من القائد الأعلى لأمراء الجند من جهة، وخطة عملية ينفذها "الأمير" في معاملة المرتدين بعد رجوعهم إلى الإسلام. وفي كل منهما يؤكد الخليفة مبدأ الاستتابة. أما نص الوثيقة الثانية فهو: "بسم الله الرحمن الرحيم. هذا عهد من أبي بكر خليفة رسول الله ﷺ ، لفلان حين بعثه فيمن بعثه لقتال من رجع عن الإسلام وعَهِد غليه أن يتقي الله ما استطاع في أمره كله: سره وعلانيته، وأمره بالجد في أمر الله، ومجاهدة من تولى عنه، ورجع عن الإسلام إلى أماني الشيطان بعد أن يُعْذر فيدعوهم بداعية الإسلام، فإن أجابوا أمسك عنهم، وإن لم يجيبوه شن غارته عليهم، حتى يقروا له. ثم ينبئهم بالذي عليهم والذي لهم، فيأخذ ما عليهم ويعطيهم الذي لهم، لا يُنْظرهم ولا يرد المسلمين عن قتال عدوهم، فمن أجاب إلى أمر الله وأقر له قَبِل ذلك منه. وأعانه عليه بالمعروف، وإنما يقاتل من كفر بالله على

стр. 74

الإقرار بما جاء من عند الله، فإذا أجاب الدعوة لم يكن عليه سبيل، وكان الله حسيبه فيما استسر به، ومن لم يجب داعية الله قَتِل وقوتل حيث كان، وحيث بلغ مراغمه، لا يقبل من أحد شيئاً أعطاه إلا الإسلام فمن أجابه وأقر قبل منه وعلَّمه، ومن أبى قاتله.... ثم قسم ما أفاء الله عليه. إلا الخمس فإنه يُبلَّغاه - اي يرله للخليفة - وأن يمنع أصحابه العجلة والفساد، وأن لا يدخل فيهم حشوا حتى يعرفهم لئلا يكونوا عيوناً ولئلا يؤتى المسلمون من قبلهم. وأن يقتصد بالمسلمين ويرفق بهم في السير والمنزل ... ويستوصى بالمسلمين في حسن الصحبة ولين القول". تعقيب: رغم التشابة الكبير بين هاتين الوثيقتين فإن التباين بينهما قائم شكلاً وموضوعاً. ونتستخلص من مجموعهما المبادئ الآتية: أولاً: أن حد المرتد عن الإسلام إذا دعى إلى العود فيه فلم يستجب هو المقاتلة والقتل. ثانياً: إن الاستتابة فردية كانت أو جماعية هي شرع الله ورسوله وليس ابتداعاً في الدين. ثالثاً: إن أموال المرتدين الذين يصرون على كفرهم إذا غنمها

стр. 75

المسلمون توزع على المقاتلين إلا الخمس فيوضع في بيت مال المسلمين (الخزانة العامة) ينفق منها عليهم. رابعاً: إن دعوى منكري حد الردة وما ترتب عليه من أحكام فرعية بأنه حد مزعوم، وأن القائلين به كذبة ومضللون. هذه الدعوى ما هي إلا افتراء على الله ورسولع وعلى علماء الأمة سلفاً وخلفاً. على القائلين بها أن يثوبوا إلى رشدهم ويبتغوا لأنفسهم خيرى الدنيا والآخرة. وليحذروا الوعيد الذي توعد الله به المفترين عليه في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (٦٩) مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ ... ﴾ (يونس ٦٩ - ٧٠) . * * *

стр. 76

توضيحات لا بد منها * بين الردة والزندقة * ضوابط تنفيذ حد الردة * قتل المرتد لا يصادر حرية الاعتقاد * حكمة التشريع في قتل المرتد * عمن يدفعون

стр. 77

التوضيح الأول بين الردة والزندقة تعرضت جميع المذاهب الفقهية لذكر حد الردة وبيان أحكامه وفصلت القول في ذلك تقصيلاً دقيقاً، لم يخلُ منه مصدر فقهي من مصادرهم التي وضعوها شاملة لكل أبواب الفقه. ويلحق بالردة جريمة أخرى هي: الزندقة، والنسة إليها زنديق وهي كلمة غير عربية ولكنها عُرَّبت. وهي تطوير لمعنى كلمة منافق فالزنديق هو المنافق مع فارق لحظه الفقهاء جعلهم يؤثرون كلمة زنديق على بعض الأشخاص وكان يُطْلَق عليه قبل ظهور المذاهب الفقهية - كما جاء في الكتاب والسنة مصطلح "منافق" وقد عرفنا أن المنافق في العقيدة هو الذي يبطن الكفر ويظهر الإيمان. وتجرى عليه أحكام الإسلام من حيث الظاهر وامره مفوض إلى الله، وكان النبي ﷺ ينهي عن قتلهم لنطقهم بالشهادتين وأدائهم شعائر الإسلام من صلاة وصيام وحج. أما الزنديق فالمراد به مَنْ يبطن الكفر ويظهر الإيمان تقية وتستراً ثم يكون حرباً على الله ورسوله، فيروج الأفكار السيئة عن الإسلام ويسخر من قيمه وأحكامه، يكون هذا دأبة في كل وادٍ ونادٍ وشغله الشاغل في كل وقت. ويسخر من صحابة رسول الله ورجالات الإسلام من متكلمين ومفسرين وأصوليين وفقهاء.

стр. 78

وهو - بهذا - أشد خطراً من المرتد صراحة وإن تظاهر بأنه مؤمن وصلى وصام وزعم أنه مسلم. وهذا الصنف من الناس كثيرون الآن، منهم من وصف كتاب الله بأنه كتاب متخلف؟! ومنهم من وصفه بأنه كتاب جبان؟! ومنهم من قدح في عدالة الصحابة، ومنهم من وصف أحكام الشريعة بالجمود وعدم صلاحيتها للتطبيق بعد عصرها الأول؟! ومنهم من يشكك في قيمة السنة النبوية ويطعن في روايتها ولا يعتمد منها إلا بضعة أحاديث؟ هؤلاء كلهم زنادقة مرجفون، وخطرهم - كما تقدم - اشد وأنكى من خطر المرتدين الصرحاء. ولا خلاف بين الفقهاء في تطبيق حد الردة عليهم، إنما الخلاف هل تقبل منهم توبة ورجوع إلى الإسلام أم لا تقبل. فإمام دار الهجرة مالك بن أنس ذهب إلى أن الزنديق لا تقبل منه توبة، بل يقتل بمجرد ثبوت زندقته بعد رفع الأمر إلى ولي الأمر الذي يحكم بما أنزل الله، أما إذا جاء هو تائباً من تلقاء نفسه قبل أن يُقّدر عليه فتقبل توبته، فإن ظل على ذندقته وجاهر بكيده للإسلام قتل بلا استتابة. وغير مالك من الأئمة يقولون باستتابته ونصحه وإرشاده. وهذا مذهب معتدل حرى بالقبول؛ لإن في غرض التوبة عليه إبراء لذمة الجماعة المسلمة، وإعذاراً له قبل إقامة الحد عليه.

стр. 79

وفي نظرنا إن مواجهة ولي الأمر لظاهرة الزندقة والزناديق ألزم وأولى من ظاهرة الردة والمرتدين التي لا تكاد توجد الآن أما الزندقة فلها أبواب واسعة، وحيل كثيرة من أخطرها ممارسة التزندق تحت غطاء حرية الرأي والفكر، وتحرير الفنون الأدبية من كل القيود. وهذا ما يدعو إليه الآن في الوطن العربي الماركسيون والعلمانيون، والحداثيون. وكثير من الإعلاميين وعملاء أعداء الأمة. وهم بهذا يقتدون باليهود الذين كانوا يتظاهرون بالإسلام ثم يكيدون له ما استطاعوا، ويتخذون من التظاهر بالإسلام غطاء لهم، وبهذه الوسيلة كثرت الإسرائيليات في كتب التفسير والوضع في الحديث النبوي، والأخبار الكاذبة في بعض كتب السيرة، لإن الكيد للإسلام من الداخل اسوع حرية من الكيد له لو ظلوا على يهوديتهم قاتلهم الله. فلتكن الأمة على حذر من زنادقة هذا العصر، الذين لا يخفون على أهل الفطنة. * * *

стр. 80

التوضيح الثاني ضوابط تنفيذ حد الردة حد الردة في الإسلام لا ينفذ اعتباطاً ولا تعسفاً، بل هو محاط بكثير من الضمانات، ومنها: أن تكون الردة ظاهرة، كأن يجاهر المرتد بالنطق بكلمة الكفر أو بقول يتضمن الكفر، كأن يقول إن القرآن غير متواتر أو معناه من عند الله ولفظه من النبي، أو يقول شرب الخمر حلال ونكاح المحارم حلال وكذلك إذا حرَّم حلالاً على تحليله أو تكون الردة بقفعل كأن يلقي المصحف في القاذروات أو كتب الحديث أو الفقه عامداً متعمداً. * أن يشهد على ردته شهود عدول ويذكرون أمام القاضي الأمر أو الأمور التي صار بها مرتداً، ولا يكفي أن يقول الشهود أنه كفر، بل لابد من ذكر أقواله وأفعاله التي كانت علامة على ردته. * أن يكون ممن اتضحت لهم معالم الهدى في الإسلام وأقام على الإسلام مدة ملحوظة. * إن كان الشهود من غير اهل العلم عُرِضَ أمره على العلماء أهل الاختصاص لإنهم أدرى بما يُخْرج من الدين وما لا يخرج منه. ولا تكون الردة بمجرد الاتهام، فلابد من تحقيق الدعوى بما يُجَلَّى حقيقة الأمر.

стр. 81

* أن يمهمل المرتد مدة لا تقل عن ثلاثة أيام ويعرض عليه الرجوع إلى الإسلام وتزال الشبهات التي أدت إلى الردة ويوعظ ويرشد بلا تخويف ولا تهديد ويطعم ما يكيفيه - هكذا قال الفقهاء - ولا بأس من إطالة مدة الإمهال إن طلب المرتد ذلك أو رجا الناصحون فيه خيراً. * فإن أبى الرجوع بعد النصح والتوجيه يحكم القاضي بردته ويقام عليه الحد بالسيف دفعاً بالسيف دفعاً للتعذيب. وليس في هذا إكراه له على الرجوع إلى الإسلام؛ لإن الحد لا يقام عليه إلا في حالة اليأس من عودته وسنبين في التوضيح الآتي حكمة هذا التشريع. * الذي يقيم الحد على المرتد، وهكذا كل الحدود، هو ولي الأمر أو نوابه ومعاونوه؛ لإن الحدود كلها لا ينفذها إلا ولاة الأمر. ومع هذا فقد أجمع الفقهاء أن من وجب عليه حد أصبح دمه مهدراً لإن الحدود لا عفو فيها من ورة الأمر أو من غيرهم؛ لإنها حقوق لله. فإذا نفذ الحد فرد من الأفراد غير الولاة فقتل المرتد، أو رجم الزاني، أو قطع يد السارق فهو مصيب ولكنه افتات أو تطاول على حق ولي الأمر فيعاقب عقوبة تعزيزية مثل لأن يحبس أو يسجن أما أن يقتص منه فيقتل أو يرجم أو تقطع يده فلا، لإن دم المرتد بعد الحكم عليه بالردة هدر، وكذلك الزاني إذا كان محصناً، ويد السارق مهدرة كذلك، وهذا كله مشروط بثبوت الجريمة ثبوتاً يقينياً، لإن الجنايات لا تثبت بالظن بل باليقين.

стр. 82

ويرى الشافعية ان المرتد ردة ظاهرة "إذا قُتِلَ قَبْل العرض على ولاة الأمر وقبل الاستتابة فلا يقتص من قاتله". تجاوزات بعض الأفراد: أما الشكوى من ظاهرة تجاوزات بعض الأفراد من الشباب في القيام بتنفيذ مل يرونه حداً واجباً فليست هذه مسئوليتهم وحدهم، لإن ولاة الأمر لا يقومون بواجبهم في إقامة أي حد من الحدود، وهذا يحمل بعض الأفراد من عامة الناس على الإقدام بتنفيذ ما يدخل في تنفيذ دائرة الحدود. ولو أن دستور البلاد وقانون العقوبات احترما هذا الواجب، وقام ورة الأمر بتحقيق الدعاوي وتقديمها للقضاء وتفذوا أحكام القضاء النهائية لما جرؤ فرد عادي على أن يتدخل بنفسه في هذه الشئون "السلطانية" فقصور الدساتير وقوانين التجريم والعقاب هو السبب الأول في هذه التجاوزات. وعسى أن يكون لنا فيما حدث واعظ فنطبق الحدود الشرعية في كل المجرمين والمفسدين، سواء أكانوا محجرمي أموال أو عرض أو دين أو بغاة. وقد دلت التجارب محلياً وعالمياً أن التراخي في ردع الإجرام والمجرمين هو المسئول عن كثرة الفساد في الأرض، وفشوا الجريمة فيها جيلاً بعد جيل.

стр. 83

وإقامة حدود الله على المفسدين والمجرمين سبب من أسباب رضا الله علينا في الدنيا والآخرة. وبهذا نرى أن الإسلام حريص على الحرص على حقن الدماء، والتثبت في الجرائم التي تهدرها أو تهدر عضواً من أعضاء الجسم. ومن عرف الإسلام حق معرفته لا يسعه إلا الانقياد والتسليم، ومن تعمق في دراسة أحكامه التشريعية، وتوجيهاته للحكام والمحكومين وولاة الأمور وعامة الناس يسيطر عليه الإعجاب بهذا النظام الرشيد الحكيم، ولكن من جهل شيئاً عاداه، أو الأمر كله كما قال البوصيري ﵀: قد تنكر العين ضوء الشمس من رمدٍ وينكر الفم طعم الماء من سقمٍ * * *

стр. 84

التوضيح الثالث قتل المرتد لا يصادر حرية الاعتقاد في الإسلام حرية الاعتقاد في الإسلام مكفولة، ولن تجد في الإسلام نصاً احداً أو واقعة عملية يكره الإسلام الناس فيها على قبوله، سوى قوله تعالى: ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ وقوله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله...." وهذه الآية وهذا الحديث ليسا على عمومهما اللفظي، لإن المقصود من الناس في الحديث، ومن الضمير في ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ هم مشركو العرب خاصة، والمرتدون. وفيما عدا هذا فإن حرية الاعتقاد في الإسلام مكفولة، والنهي عن الإكراه على الدخول في الإسلام وارد في اصل أصوله وهو القرآن الكريم. ومن النصوص القرآنية الدالة على حرية الاعتقاد قوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا﴾ (الكهف: ٢٩) . وقوله تعالى لرسوله الكريم: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ (الرعد: ٤٠) . وجين أجهد النبي نفسه واشتد حرصه على أن يدخل الناس في الدين نزل عليه قوله تعالى:

стр. 85

﴿طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (٢) إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ وقوله: ﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ الأنعام: (٣٥) . وقوله: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ فاطر: (٨) . وقوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ البقرة: (٢٥٦) . وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ يونس: (٩٩) . وفي عهد رسول الله ﷺ أسلم رجل كان نصرانياً، وكان له ابنان ظلاً على نصرانيتهما. فأراد الرجل أن يجبرهما على الدخول معه في الإسلام لما له عليهما من ولاية الأبوة، ولما استشار في ذلك رسول الله ﷺ نهاه عنه وأمره لا يجبرهما.

стр. 86

أما الحروب والغزوات فلم تكن للإجبار على الدين، وإنما كانت مرحلة متأخرة عن الدعوة إليه. فالمسلمون كانوا يدعون إلى الدين أولاً، فإن أبى المدعوون الدخول فيه فاوضوهم على عقد صلح بين الفاتحين وبينهم، وهو عقد أمن يكون لغير المسلمين فيه ما للمسلمين، فإن ابوا آذنوهم بالحرب، فيكون الحرب حينئذ من اختيار الشعوب المدعوة لا من فرض المسلمين عليهم ليدخلوا في الدين. وبعض غزواته وغزوات الخلفاء كانت حروباً دفاعية لا هجومية كما في غزوة بدر وأحد والأحزاب، وغزو الروم حين تآمروا على الإغارة على المدينة عاصمة الدولة الإسلامية الناشئة في لذك الوقت. ومن رحابة صدر الإسلام، وإقراره لحرية الاعتقاد قوله تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (العنكبوت: ٤٦) إن من سمات عالمية الإسلامة كفالة حرية الاعتقاد بين الناس، وأنه لا يضيق بمخالفيه في العقيدة، ولو عاش العالم كله في شبر واحد من الأرض تحت ولاية الإسلام، ولو كان المخالف له في العقيدة ملحداً أو مجوسياً.

стр. 87

ومن سمات عالمية الإسلام بعد كفالة حرية الاعتقاد أنه أرجأ الفصل بين الطوائف الدينية إلى يوم القيامة، ونهى الناس عن الجدل في العقيدة في هذه الحياة إلا بالتي هي أحسن، لإنه يؤدي إلى نشوب الفتن الدينية، وهي أخطر أنواع الفتن على الإطلاق وإذا أرخى لها العنان دمَّرت الحياة تدميراً. من أجل ذلك قل جل في علاه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (الحج: ١٧) . ومن حكمة الحكيم سبحانه، ومن عظمة التشريع الإسلامي أن الله تعالى لما نهى البشرية عن الجدل الديني، وأرجأ الفصل بين الطوائف الدينية إلى يوم القيامة، وجعل الحكم في الخلاف بينهم من اختصاصه هو وحده. وجه البشرية كلها بكل طوائفها إلى أن يتسابقوا في الخيرات، وأن يعمل كل على شاكلته ليملأ الفراغ الضخم في الحياة بالعمل النافع لا الضار، وفي ذلك جاء قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (البقرة: ١٤٨) .

стр. 88

﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ المائدة: (٤٨) . وبهذا حسم الإسلام أسباب الخلاف بين عباده بكل طوائفهم الدينية، سواء كانت كتابية أو غير كتابية، فعمل الخير هو الوجهة التي يوجه إليها الإسلام كل البشر على ما بينهم من اختلاف في العقائد والمذاهب. مهمة الدعاة في الإسلام وفي هذا الإطار تحددث مهمة الدعاة في الإسلام بدءاً من خاتم الرسل إلى أن تقوم الساعة. تلك المهمة هي البلاغ عن الله وبيان ما أنزل الله إلى الناس. وليس من سلطة أحد رسولاً كان أو صحابياً أو تابعياً أو حكماً أو عالماً، ليس من سلطة أحد أن يجبر أحداً على اعتناق الإسلام، لا بقوة السلاح، ولا بأي وسيلة من وسائل الضغط. فالله يقول لإمام الدعاة ﷺ . ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ....﴾ الغاشية (٢١- ٢٢) . ضابط حرية الاعتقاد لكن حرية الاعتقاد لها ضابط ينبغي أن نفهمه. فهي: أولاً: مقصورة على الناس بعضهم بعضاً. فليس لأحد كما قلنا سلطة

стр. 89

إجبار غيره على اعتناق عقيدة معينة، ولو كانت عقيدة الإسلام وإنما عليهم فيما بينهم النصح والإرشاد. وثانياً: يجب أن نستحضر دائماً أنها حرية ليست مستوية الطرفين أمام الله لا في الدنيا ولا في الآخرة. فليس من كفر كمن آمن، بل هم في الآخرة: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ الشورى: (٧) . وهم في الدنيا والآخرة كما جاء في قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ (الجاثية: ٢١) . على هذا الأساس يجب أن تُفهم كفالة حرية الاعتقاد في الإسلام، حتى لا يسئ الجاهلون استعمالها فيسووا بين أبي جهل وأبي بكر. الكفر الأصلي والكفر الطارئ: وعلى هذه الأسس فرَّق الفقهاء ﵃ بين الكفر الأصلي غير المسبوق بالإسلام، والكفر الطارئ المسبوق بالإسلام (الردة) فمع أن الكفرين سواء في المصير الآخروي، وهما ذنبان لا يغفران أبداً فإن الكفر الأصلي غير المسبقو بالإسلام لا يهدر دم صاحبه، بل دمه مصون شرعاً، ومجرد كفره لا يوجب عليه عقوبة عاجلة. بل يتمتع بكل حرياته الدينية والإجتماعية تماماً كما يتمتع بها المسلم. فدمه

стр. 90

مصون وماله مصون، وعرضه مصون، لا يتعرض له أحد بأذى في أي مجتمع يسوده الإسلام، اللهم إلا إذا حارب المسلمين أو ظاهر على حربهم أو طعن في دينهم عياناً جهاراً بمثل معاملته. وأما الكفر الطارئ الذي سبقه الإسلام (الردة) فإن الإسلام قد وضع له حداً هو القتل بالضوابط التي أشرنا إليها من قبل، ولكن لا من أجل كفره، بل لإنه جمع إلى الكفر الإضرار بالإسرم وخرج على نظام الجماعة "المفارق لدينه التارك للجماعة" فيصبح عضواً فاسداً يجب بتره حماية للعقيدة، لئلا يكون قدوة سيئة في المحتمع الإسلامي، ولا يعاب الإسلام على هذا، فإن جميع النظم الموضعية المعاصرة - أعني النظم السياسية تحكم بالإعدام على أبنائها إذا ثبت عليهم الخروج عن نظام الدولة فيما يسمى بـ "الخيانة العظمى" ولو بالتخابر مع جهات خارجية أو إفشاء أسرار الدولة التي ينتمي إليها. فعجب لأناس يعيبون الإسلام على مبدأ قد اقتبسته منه كل النظم التي يُطلق عليها: النظم المتحضرة مع الفارق الكبير بين المبدأين. إن عضواً إذا فسد في جسم الإنسان، وخشى منه سراية الفاسد إلى بقية الأعضاء بادر الأطباء إلى بتره. والمسلم إذا ارتد وترك يروح ويجئ بين أفراد المجتمع الإسلامي كان مظنة أن يسرى الفساد منه إلى غيره، وضعاف الإيمان لا يخلو منهم مجتمع مسلم.

стр. 91

والمرتد هو الذي جنى على نفسه قبل الاستتابة والنصح بالردة، وبعد الاستتابة بالإصرار على الردة، لقد ظلم نفسه ولم يظلمه الإسلام. فعلام إذن هذه الضجة والصخب، والإفتراء على الله ورسوله وعلى صالحي المؤمنين؟ أفيقوا أيها المنكرون قبل فوات الأوان. وتذكروا قول الله في أمثالكم ممن دافع عن الباطل: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ (النساء: ١٠٩) . * * *

стр. 92

التوضيح الرابع حكمة التشريع في قتل المرتد أحكام الشريعة الإسلامية شرعت لمصالح الناس، وتحقيق السعادة في الدنيا والآخرة، ومن مباحث علماء أصول الفقه مبحث جليل يتعرفون من خلاله على علة كل حكم، والعلة هي الباعث على وجود الحكم والمفسرة لمنشئه، ثم التعرف على حكمة التشريع، وهي الأثر الناتج عن التطبيق العملي للحكم نفسه وقتل المرتد حكم شرعي، علته أو الباعث عليه هي الردة نفسها أما حكمة التشريع فيه فنرجئ الحديث عنها بعد الفراغ من التمهيد الآتي: هدف لأعداء الإسلام: لفت القرآن الحكيم أنظار المسلين في عدة آيات إلى أن ارتداد المسلمين عن دينهم هدف أصيل لأعداء الإسلام. وأمل يداعب أنفسهم في كل وقت، وكسب قد يخضون المعارك الضاربة ضد المسلمين طمعاً في الحصول عليه؟! قال سبحانه: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ....﴾ (البقرة: ١٠٩) .

стр. 93

وقال: ﴿.... وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (البقرة: ٢١٧) . وقال: ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ (آل عمران: ٦٩) . وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ (آل عمران: ١٠٠) . وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ (آل عمران: ١٤٩) . الردة - إذا - هدف ذو خطر لأعداء الإسلام. ومن يرتد من المسلمين يحقق لأعداء الإسلام هذا الهدف الذي يلوح لهم كل حين، فيكون المرتد جندي فرَّ من معسكر قومه إلى معسكر عدوهم، ويصبح عيناً للأعداء عليهم، فغذا وقع هذا الخائن في يد قومه فماذا يصنعون به؟! أيمنحنونه الأنواط والنياشين أم يضربون عنقه في الحال لدرأ الفساد الذي ينجم عنه؟ وهكذا شأن المرتد الذي لا يرجى اهتداؤه:

стр. 94

* إنه صار عضواً فاسداً أشنع ما يكون الفساد. * إنه صار قدوة سيئة أسوأ ما يكون السوء. * إنه صار محارباً لله ورسوله ولجماعة المسلمين اشد ما يكون الحرب. من أجل ذلك كله قضى الإسلام عليه بالقتل، اتقاءً لشره، وقطعاً لفساده وإفساده. وهذه هي حكمة التشريع الإسلامي في عقوبة المرتد بالقتل. وإن ورمت أنوف وانتفخت أوداج. والشر إن تلقه بالخير ضقت به ذرعاً، وإن تلقه بالشر ينحسمِ * * *

стр. 95

التوضيح الخامس عمن يدافعون ؟ المعركة المحتدمة الآن ركز فيها الكارهون لما أنزل الله جهودهم ضد عقوبة المرتد العاجلة. وفي الواقع أن هذه الفئة المضللة لا تنكر حد الردة وحده، بل تنكر كل الحدود الإسلامية مع التفاوت في درجات الإنكار. هم - مثلاً - يلغطون - الآن - حول حد الردة ويدعون أنه غير موجود، ولا أساس له من الدين أو الشريعة. اي ينكرون وجوده من الأساس. ويبنون هذا الإنكار على شبهات تافهة رأى القارئ - فيما تقدم - كيف تهاوت شبههم واحدة إثر أخرى، وكيف أن منكري حد الردة يهرفون بما لا يعرفون؟ وهذا الموقف الذي يقفونه من حد الردة، لإنه في زعمهم لا وجود له في الدين أو الشريعة، وهي حيلة زينها لهم الشيطان، يقفونه أمام كل الحدود الإسلامية حتى التي ورد ذكرها في القرآن الكريم، اللهم الاَّحد البغى فإنهم يتحمسون له لحاجة في نفس يعقوب وقد نادوا به من قبل لقمع الشغب الذي قام به جنود الأمن المركزي في أواخر الثمانينات أما ما عدا هذا فهو عندهم مرفوض. فالزاني لا يجلد ولا يرجم، والسارق لا يقطع، ومدمن الخمور لا يجلد

стр. 96

والوالغ في أعراض الناس لا يجلد. ولهم في ذلك حيل عجيبة قال ببعضها المستشرقون والمبشرون من قبل. فالحدود كلها عندهم "موديل قديم" انتهى عصره، أو عملة ترجع إلى عهد أهل الكهف علاها الصدأ وتآكلت ... ؟ وكراهية الحدود الإسلامية هي السبب في كراهية تطبيق الشريعة فكلما نودي بتطبيق الشريعة تصدوا للنداء وخوَّفوا من الرجوع إلى الوراء: إلى عصور الظلام والجهل والرجعية، والجمود والتخلف؛ لإن الإسلام عند هؤلاء، كما قال أحدهم عام ١٩٩١م كان يناسب عقلية القرن الأول من الهجرة، أما في القرن الخامس عشر فلم يعد الإسلام قادراً على قيادة العقل المعاصر في القرن العشرين؛ لإنه عقل زكي ومثقف ووليد حضارات إنسانية زاهرة. وهذا بالضبط قاله من قبل عام ١٩٨٥م أحد الكارهين لما أنزل الله حيث وصف القرآن الكريم بأنه "كتاب متخلف"؟! أي غير صالح للعمل به الآن. وكانت ثالثة الأثافى أن وصف كاره آخر لما أنزل الله في هذا العام: ١٩٩٣م كتاب الله العزيز بأنه "كتاب جبان" كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذباً.

стр. 97

فالمسألة إذن ليست مسألة حدود إسلامية، بل هي عداء سافر للإسلام كله جملة وتفصيلاً؟! ولنا أن نسأل في ختام هذه المواجهة: عمن يدافع هؤلاء الكارهون لما أنزل الله؟ والجواب: "إنهم يدافعون عن الفساد والمفسدين، وعن الإجرام والمجرمين وكفى بذلك فتنة في الأرض وفساداً كبيراً. والحمد لله في الأولى والآخرة. * * * القاهرة الظاهر: صبيحة الأربعاء ٧ - ربيع الأول ١٤١٤ هـ ٢٥ - أغسطس ١٩٩٣ م