Полный текст (458 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
بعد أركان الصلاة والحج والصوم بل وحتى الشهادتين، وإمّا مقاتلة أولئك المرتدين، أما العامل الاقتصادي فلم يكن أبدًا في الحسبان، بل لقد مات أغلب الصحابة وهم فقراء، وإنما ركز المستشرقون على السبب الاقتصادي بالتحديد لكي يشوِّهوا صورة الإسلام ويصورونه على أنه دينٌ مادي بحت!
وإذا جاء ذكر المرتدين جاء ذكر عدو اللَّه (مسيلمة الكذاب)، فلقد ظهر جنون هذا الرجل مبكرًا حتى قبل وفاة الرسول محمد ﷺ ، فقد بعث هذا الأبله الكذاب رسالة إلى رسول اللَّه يقول فيها: "من مسيلمة رسول اللَّه إلى محمد رسول اللَّه، إني قد أُشركت في الأمر معك، فلنا نصف الأرض، ولكم نصف الأرض، أو تجعل لي الأمر من بعدك، ولكني أعلم أن قريشًا قوم لا يعدلون". فرد عليه أفصح إنسانٍ عرفته البشرية برسالةٍ قصيرةٍ يقول فيها:
"مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ، السَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى، إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ"
فادعى مسيلمة الكذاب النبوة وتبعه نفر من قومه، ولكن الغالبية من أهل اليمامة لم تصدقه، حتى حدث أمر خطير غيَّر من موازين القوى، فلقد ظهرت شخصية خطيرة، هي شخصية المجرم (الرجَّال بن عنفوة)! والحكاية تبدأ عندما ذهب الرجَّال ذات يوم الى الرسول ﷺ مبايعًا ومسلمًا، فلما تلقّى منه الاسلام عاد الى قومه، ولم يرجع الى المدينة الا إثر وفاة الرسول ﷺ واختيار الصدّيق خليفة على المسملين، فنقل إلى أبي بكر أخبار أهل اليمامة والتفافهم حول مسيلمة، واقترح على الصديق أن يكون مبعوثه اليهم ليثبّتهم على الإسلام، فأذن له الخليفة، فتوجّه الرّجّال الى أهل اليمامة بتفويضٍ شخصي من الخليفة الإسلامي، فحدّثته نفسه الغادرة أن يحتجز له مكانا في دولة الكذّاب التي ظنّها مقبلة، وانتظر أهل اليمامة ما ستسفر عنه المفاوضات بين الرجّال رسول أبي بكر من جهة ومسيلمة الكذاب من جهة أخرى، فخرج الرجّال على أهل اليمامة وجمع الناس له ثم سار بين الناس يقول لهم إنه سمع رسول اللَّه ﷺ يقول: أنه أشرك مسيلمة بن حبيب في الأمر! وما دام الرسول ﷺ قد مات، فأحق الناس بحمل راية النبوّة والوحي بعده، هو مسيلمة! فارتد جُل أهل اليمامة بسبب هذا المجرم، وتم قتل من بقي من المسلمين على
стр. 142
دينه، فكان خطر الرّجّال على الاسلام أشدّ من خطر مسيلمة ذاته، ذلك لأنه استغلّ إسلامه السابق، والفترة التي عاشها بالمدينة أيام الرسول ﷺ ، وحفظه لآيات من القرآن، وسفارته لأبي بكر خليفة المسلمين، فزادت بذلك أعين الملتفين حول مسيلمة زيادة طافحة بسبب أكاذيب الرّجّال هذا. وكانت أنباء هذا الأفّاق المجرم تبلغ المدينة، فيتحرّق المسلمون غيظا من هذا المرتدّ الذي أضلَّ الناس ضلالًا بعيدًا، وكان أكثر المسلمين تغيّظا وتحرّقا للقاء الرّجّال بطل قصتنا الصحابي الجليل زيد بن الخطّاب ﵁ وأرضاه، فكلفه أبو بكر الصديق إمارة الجيش المتوجه إلى اليمامة، فاعتذر زيد ﵁ وأرضاه عن قبول الإمارة، وقال لأبي بكر أن الأمير لا ينبغي له أن يُقتل، وهذا شيءٌ لا يريده، فهو يريد الشهادة! وفعلًا توجه البطل زيد بن الخطاب ﵁ وأرضاه نحو اليمامة، وصورة ذلك المجرم الرجَّال لا تفارقه، حتى وصلت كتائب النور المحمدية إلى أعتاب اليمامة، فاتحد جيش (عكرمة بن أبي جهل) وجيش (شرحبيل بن حسنة) مع الجيش الإسلامي الموحد تحت إمرة القائد العام للقوات الإسلامية المجاهدة (خالد بن الوليد)،، فاختار المسلمون المارد الإسلامي العظيم زيد ابن الخطاب لتكون له مهمة حمل راية المسلمين.
وبدأت معركة اليمامة الأسطورية. . . . . .
وتجمع ١٠٠ ألفٍ من المرتدين أمام ٢١ ألف من المسلمين، واشتبك الطرفان، وقاتل المرتدون بشراسة، فكان أول من أصيب في المعركة الصحابي الجليل (أبو عقيلٍ الأنصاري) ﵁ بسهمٍ في كتفه شلَّ حركته، فوقف هذا الأنصاري البطل على قدميه ليسحب السهم من كتفه، فسالت دماؤه كشلال متفجر، فحمله (عبد اللَّه بن عمر) ﵄ إلى خيمة العلاج مغشيًا عليه، وفي هذه الأثناء دارت رحى المعركة لصالح المرتدين، فارتفع نداءٌ من بين قعقعة السيوف: يا أنصار رسول اللَّه. . . . يا معاشر الأنصار. . . . اللَّه اللَّه. . . . والكرة على عدوكم. عندها فتح أبو عقيل عينيه وكأن زلزالًا أصابه، فتحامل على ساقيه يريد الوقوف والوصول إلى سيفه، فقال له الصحابي الجليل عبد اللَّه بن عمر: ماذا تريد يا أبا عقيل؟! فقال له أبو عقيل: ألم تسمع المنادي ينادي باسمي؟!! فقال عبد اللَّه: إنما يقول يا أهل الانصار ولا يعني الجرحى، فقال أبو عقيل: أنا من الانصار وأنا أجيبه
стр. 143
واللَّه ولو حبْوًا! فتحزم أبو عقيل وأخذ السيف بيده اليمنى وخرج وهو ينادي بصوت كالرعد: يا أهل الانصار كرة كيوم حُنين وجعل يصيح بهم ويضرب من رأي من الكفار بسيفه، فقطعت يده المجروحة واستشهد ﵀. وأصبح المسلمون قاب قوسين أو أدنى من الهزيمة، عندها صاح حامل راية الإسلام زيد بن الخطاب ﵁ وأرضاه بالمسلمين بأعلى صوته: "أيها الناس. . . . عضوا على أضراسكم، واضربوا في عدوّكم، وامضوا قدما. . وواللَّه لا أتكلم حتى يهزمهم اللَّه، أو ألقاه سبحانه فأكلمه بحجتي" وفعلًا لم يفتح زيد فمه طيلة المعركة، بل أخذ يتلفت كالصقر يمينًا وشمالًا، باحثا عن الخائن الأعظم الرجّال بن عنفوة حتى أبصره، وهناك راح يأتيه من يمين، ومن شمال، وكلما ابتلع طوفان المعركة غريمه وأخفاه، غاص زيد وراءه حتى يدفعه الموج الى السطح من جديد، فأقدم زيدٌ عليه يسرع الخطى، فتقدم حُراسه المرتدون يحاولون صدَّ هجومه، ولم يعلم أولئك المساكين أنهم أمام ابن من أبناء الخطاب، فقام هذا المارد الخطابي بدك جماجمهم دكًا، حتى وصل إلى المطلوب الأول لدولة الخلافة الإسلامية الخائن القذر الرجّال بن عنفوة، ليضربه ضربةً بحسامه شقت رأسه إلى نصفين، فأراد زيد أن يكبر، إلا أنه عاهد اللَّه على ألّا يتكلم حتى ينتصر أو يستشهد، فكبر في قلبه، وكبر المسلمون في عنان السماء بعد رؤيتهم لعدو اللَّه وقد انفلق رأسه بضربة هذا المارد الإسلامي العظيم، ثم أخذ زيد يقاتل أعداء اللَّه، وقد دارت رحى المعركة بفضله لصالح المسلمين، هنالك وقد رأي زيد رياح النصر مقبلة، تمنّى لو يرزقه اللَّه الشهادة في يومه هذا، فهبّت رياح الجنة، فملأت نفسه شوقا، ومآقيه دموعا، فراح يضرب ضرب الباحث عن الشهادة، حتى انقضت عليه كتيبة كاملة من المرتدين بسيوفها ورماحها تمزق جسده تمزيقًا وهو لا يتأوه أو يفتح فمه بارًا بقسمه، ليسقط هذا البطل شهيدًا، فنادي خالدُ بن الوليد في الموحدين بأعلى صوته:
وامُحَمدّاه. . . وامُحَمدّاه. . . وامُحَمدّاه. . . وامُحَمدّاه
عندها ألقى اللَّه الرعب في قلب مسيلمة الكذاب، فهرب إلى حصن له سمي فيما بعد بـ "حديقة الموت"، فتبعته فلول المرتدين القهقرة، وأغلقوا على أنفسهم ذلك الحصن، فقام الصحابي الفدائي (البراء بن مالك) ﵁ وأرضاه، فقال للمسلمين
стр. 144
المتحصنين خارج الحديقة: "يا معشر المسلمين، احملوني وألقوني عليهم في الحديقة"، وفعلًا تسلق هذا الفدائي السور وألقى بنفسه في الحديقة، فانقض عليه عشرات المرتدين يطعنونه بسيوفهم وهو يزحف والدماء تسيل منه نحو البوابة حتى فتحها، فاندفع المسلمون في حديقة الموت كالسيل الجارف يقتلون أعداء اللَّه قتلًا، ومن على بعد مسافة كبيرة، لاحظ الصحابي الجليل (وحشي بن حرب) ﵁ وأرضاه مسيلمة الكذاب يختبئ بين جنوده، فأراد وحشي أن يكفر عن ذنبه أيام جاهليته حينما قتل سيد الشهداء (حمزة بن عبد المطلب)، فقرر قتل أكذب كذابي الأرض مسيلمة الكذاب، فعالجه بضربة رمح ثاقبة، فثقب بها صدر مسيلمة، ليذهب ذلك الكذاب إلى مزبلة التاريخ على يد وحشي جزاه اللَّه خيرًا، لينتصر فدائيو الإسلام في هذه المعركة المجيدة.
وفي المدينة استقبلت كتائب النصر بالتكبير والتهليل، إلا أن عمر بن الخطاب كان يترقب الجنود العائدين يحاول أن يلمح ماردًا طويل القامة بين صفوفهم، ولكن دون جدوى، عندها اغرورقت عينا الفاروق بالدموع وهو يقول: "رحم اللَّه زيدًا، سبقني إلى الحسنيين، أسلم قبلي، واستشهد قبلي! ليظل زيد حيًا في قلب أخيه الصغير، وحتى بعد أن انتصر على الفرس في القادسية وعلى الروم في اليرموك فإن خيال حبيبه زيد لم يفارق فؤاده أبدًا فكان يقول دائمًا: "ما هبّت الصبا. . . . إلا وجدت منها ريح زيد! ".
الغريب في الأمر أن الناس في منطقة في "نجد" انبهروا جدًا ببطولة زيد بن الخطاب، فصاروا يأتون إلى قبره طلبًا لزيارته والترحم عليه في أول الأمر، ثم تطور الأمر بعد ذلك إلى التبرك بالقبر، وسنة بعد سنة أصبح الوضع خطيرًا للغاية، لدرجةٍ أن الناسَ باتوا يطوفون حول القبر ويذبحون عنده النذور ويطلبون من صاحب القبر أمور دنياهم وآخرتهم! واستمر الوضع كذلك حتى خرج من بين كثبان صحراء نجد عظيمٌ جديدٌ من عظماء هذه الأمة، ليجدد لها دينها بدعوته إلى التوحيد، ليصبح اسمه اسمًا مرعبًا لكل صاحب بدعةٍ إلى يوم الناس هذا!
يتبع. . . . . .
стр. 145
" آريوس أمة محمد" (محمد بن عبد الوهّاب)
" إن الذي أدعو إليه هو دين اللَّه، فلا يُدعى إلا اللَّه، ولا يُنذر إلا للَّه، ولا يُذبح القربان إلا للَّه"
(محمد بن عبد الوهّاب)
"ولم تذهب صيحة ابن عبد الوهاب عبثا في الجزيرة العربية ولا في أرجاء العالم الإسلامي من مشرقة إلى مغربه، وسرت تعاليمه إلى الهند والعراق والسودان وغيرها من الأقطار النائية، وأدرك المسلمين أن علة الهزائم التى تعاقبت عليهم إنما هي في ترك الدين لا في الدين نفسه. وأنهم خلفاء أن يستردوا ما فاتهم من القوة والمنعة باجتناب الباع، والعودة إلى دين السلف الصالح في جوهره ولبابه"
(العقاد)
الوهّابية! الوهّابي!! الوهّابيون!!! مصطلحاتٌ باتت تتكرر كثيرًا في السنوات الأخيرة، ما بين مهاجم ومدافع، ما بين محلل ومحذر، فأفردت الصحف الكبرى صفحاتها لمناقشة هذه الظاهرة، ظاهرة "المد الوهّابي"! وحفز الكتّاب أقلامهم يحللون هذه الظاهرة التي باتت تنتشر انتشارًا واسعًا بين الشباب، والغريب في الأمر أن بعض المحسوبين على علماء الدين أصبح لا هم لهم في الدنيا إلا المشاركة في البرامج الحوارية، لا لتفسير آيات اللَّه، بل لتحذير الناس من خطر هذا (الفكر المستورد) والذي يمثل (خطرًا) على الإسلام يفوق خطر جحافل التتار التي دمرت الأخضر واليابس! ولكن الشيء الذي يدعو للسخرية أن أَيًّا من هؤلاء لم يشرح لنا ما هي الوهابية، بل إن الأمر الهزلي الأكثر مدعاة للسخرية هو أن الوهابية التي تشغل عليهم حياتهم ما هي إلّا شيءٌ وهمي لا وجود له على الإطلاق!!!
ولأن الحديث ذو شجون، أتذكر زميلًا لي من أرض العراق اسمه عمر (عرفت فيما
стр. 146
بعد أن اسمه الحقيقي هو حيّاوي!)، هذا الزميل الشيعي لم يكن له همٌ في الحياة إلا تحذيري من خطر الوهابية، بل إنه تطوع لكي يحذر بعض الرفاق الأوروبيين بلغته الإنجليزية الركيكة من خطر (الوهّابزم) (Wahhabism) حتى صار يكرر ذلك التحذير عليهم لدرجةٍ جعلتني أناديه باسم (عمر وهّابزم)!
وصدق الشاعر إذ قال:
وإذا أراد اللَّه نشر فضيلة ... طُويت أتاح لها لسان حسود
لولا اشتعال النار فيما جاورت ... ما كان يُعرف طيبُ عَرف العود
فلقد دفعني عمر وهّابزم أو حيّاوي وهّابزم أيًا كان اسمه إلى أن أفتش في صفحات خلت من التاريخ، علّي أجد شرحًا وافيًا لهذه الظاهرة التي شغلت بال الناس في السنوات الأخيرة، ولأن الحكم على الشيء فرعٌ عن تصوره، فإننا لا نستطيع أن نحكم على إنسانٍ إلّا من خلال أعماله أو أقواله، لا من خلال ما يقال عنه من أعدائه أو حتى من أصدقائه، فالوهابية تنسب أساسًا إلى رجلٍ من صحراء نجد السمه الشيخ محمد ابن عبد الوهاب التميمي، والذي وُلد سنة ١٧٠٣ م وتوفي سنة ١٧٩٢ م، هذا الرجل حفظ كتاب اللَّه صغيرًا وتعلم على أيدي علماء مكة والمدينة، قبل أن يرحل إلى البصرة لينهل من علمائها أحاديث رسول اللَّه ﷺ ، وبعد تنقلاته العديدة بين صحاري نجد والحجاز والعراق، وفي سن التاسعة عشرة قرر هذا الشاب أن يجهر بدعوةٍ عجيبة، لقد قرر محمد ابن عبد الوهاب أن يجهر بدعوة التوحيد!
وقد يعجب المرء من أمر هذا الشاب الصغير الذي يدعو إلى توحيد اللَّه تعالى بعد أكثر من اثني أحد عشر قرنًا من وفاة رسول اللَّه ﷺ ، وأين؟! في مهبط الوحي في الجزيرة العربية نفسها!!! فإذا كنت تعتقد أن التوحيد هو مجرد نطقك لشهادة أن لا إله إلا اللَّه فأنت واهمٌ! ولكي نفهم ذلك أكثر فإنه يجب علينا أن نبحر بها من جديد عبر بوّابة الزمن لكي نرى حال الأمة الإسلامية في أواخر القرن الثاني عشر الهجري، الموافق الثامن عشر الميلادي:
الخلافة العثمانية والتي كانت تحكم أغلب ديار الإسلام كانت قد دخلت في طورٍ من
стр. 147
الضعف بعد سليمان القانوني ﵀، فانشغل العثمانيون في الدفاع عن أراضي المسلمين في أوروبا في ظل هجمات متكررة من روسيا القيصرية في الشرق وفرنسا من الغرب.
في نجد مسقط رأس محمد بن عبد الوهاب كان الناس يحجّون إلى قبر زيد ابن الخطاب ﵁ وأرضاه ويدعونه لتفريج الكرب، وكشف النوب، وقضاء الحاجات، وكانت هناك شجرةً اسمها "شجرة الذئب" يتبرك بها الناس، فيطوفون حولها، ويأمها النساء ليعلقن عليها الخرق البالية لكي يسلم أولادهن من الموت والحسد، والرجل الفقير يذهب إلى تلك الشجرة لكي ينال الرزق، والمريض يذهب إليها لتشفيه!
في الحجاز كان المسلمون يصلون في مسجد رسول اللَّه ﷺ أربع مراتٍ عند وقت كل صلاة، فأتباع المذهب الحنبلي لا يصلون خلف إمامٍ شافعي، وأتباع المالكية لا يصلون خلف إمامٍ يتبع مذهب أبي حنيفة وهكذا، أما في مكة مسقط الوحي فقد كان الناس يطوفون حول قبور الصحابة!
في مصر انتشرت الطرق الصوفية المختلفة، وتدافعت القوافل من مختلف أصقاع أرض الكنانة إلى مدينة "طنطا" لتحج إلى قبر السيد البدوي كل عام، داعين البدوي لتفريج الهم، وزيادة الرزق! وأصبحت القبور مكانًا يتكسب منه الدجالون، فانهالت عليهم أموال النذر، وأصبحت الموالد مكانًا خصبًا لطالبي الزنى ومتعاطي المخدرات، وشاع السحر والشعوذة أرجاء مصر!
في العراق عُبد الحسين من دون اللَّه! وأصبحت النجف مكانًا لعبّاد القبور والأضرحة، وأصبحت المناسبات الدينية موسمًا لطالبي المتعة الجنسية، فاندفع شباب الشيعة في طرقات الأضرحة الضيقة كل منهم يريد نصيبه من الرذيلة والفاحشة، أما أهل السنة فصاروا يتبركون بقبر أبي حنيفة النعمان في بغداد!
في المغرب لم يكن الوضع في المغرب أفضل بكثيرٍ من المشرق، فقد كان الناس يدعون السيد عبد القادر الجيلاني من دون اللَّه، وانتشرت الموالد والبدع، وقدم الناس النذور لشيوخ الطرق الصوفية!
الخلاصة أن العالم الإسلامي كان في صورة لا يحسد عليها، صورها المؤرخ الأمريكي (لوتروب ستودارد) بقوله: "في القرن الثامن عشر كان العالم الإسلامي قد بلغ
стр. 148
من الانحطاط أعظم مبلغ، فقد ألبست الوحدانية التي علمها صاحب الرسالة الناس ثوبًا من الخرافات وقشور الصوفية، وخرج الناس من مكان إلى مكان يحملون في أعناقهم التمائم والتعاويذ والسبحات، وانتشر الحج إلى قبور الأولياء، فلو عاد صاحب الرسالة إلى الأرض في ذلك العصر ورأى ما كان يُدعى الإسلام لغضب! "
وفي ظل هذا الجو القاتم ظهر من صحراء نجد الشيخ محمد بن عبد الوهاب، فدعا الناس إلى ترك هذه الخزعبلات والرجوع إلى الإسلام الصحيح -إلى التوحيد- وأوضح لهم أنه لا يكفي المسلم أن يقول عن نفسه موحدًا للَّه من دون أن يُعكس ذلك على أفعاله وأقواله!
وقد علم الشيخ ابن عبد الوهاب أن أغلب زوّار القبور والأضرحة وحتى الذين يدعون الأموات يدركون أن اللَّه واحدٌ، وهم إنما يذهبون إلى قبور الأولياء الصالحين طلبًا للبركة التي تقربهم إلى اللَّه! فقام الشيخ محمد بن عبد الوهاب بتوضيح معنى التوحيد لهؤلاء المساكين بأن اللَّه لا يحتاج إلى واسطة في دعائه! فلقد طلب اللَّه من رسوله الكريم أن يبين للناس ما قد سألوه من أمور مختلفة بقوله (قل) أي قل يا محمد، فقال اللَّه في كتابه الكريم: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ [البقرة: ٢٢٢]. ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ [البقرة: ٢٢٠]. ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩]. ولم يستثنِ اللَّه من ذلك إلا حالة واحدة، هي حالة الدعاء! فقد قال اللَّه في الآية السادسة والثمانين بعد المائة من سورة البقرة: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾.
وأوضح الشيخ لهم أن اللَّه لم يقل "فقل إني قريب"! فليس هناك واسطةٍ بين دعاء العبد وربه حتى ولو كان صاحب هذه الواسطة هو رسول اللَّه ﷺ ثم بين لهم الشيخ ابن عبدالوهاب أنه لا يجوز أبدًا دعاء الأموات، وذكر لهم ما قاله اللَّه في سورة فاطر من أمر دعاء الأموات والأولياء الصالحين:
﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)﴾.
وبين الشيخ محمد بن عبدالوهاب أن اللَّه قد قال أولًا (دعاءكم) ثم قال (شرككم) أي أن دعاء غير اللَّه يُدخل الإنسان في حالة الشرك الأكبر!
стр. 149
عند ذلك حورب الشيخ محمد بن عبد الوهاب ممن كانوا يتكسبون من القبور والأضرحة وأموال النذور، فسافر الشيخ من مكانٍ إلى مكان يدعو الناس إلى التوحيد، ودعوته تلقى الصد من أمراء نجد وشيوخها، فقد تعود الناس هناك على البدع والطواف حول القبور، إلى أن وصل الشيخ إلى بلدة في نجد يقال لها "الدرعية" فعرض دعوته في التوحيد على أميرها الشيخ (محمد بن سعود)، فاقتنع الأمير بها، وبايعه على النصرة والمنعة مقابل أن يقيم الشيخ ابن عبد الوهاب دائمًا معهم في الدرعية ليعلم شباب القبيلة الدين الصحيح، فوافق الشيخ ابن عبد الوهاب على ذلك.
فأقام الشيخ بالدرعية مُؤيدًا من حاكمها ابن سعود، فكان أول شيء قام به هناك هو تعليم الناس أهم شيء في دينهم -التوحيد- فرتب الدروس في العقائد، وفي القرآن الكريم، وفي التفسير، وفي الفقه، والحديث، والعلوم العربية، والتاريخ، وغير ذلك من العلوم النافعة، فأقبل الناس على العلم، وذاع صيت ذلك الشيخ الذي يعلم الناس أمور التوحيد، فتوافد شباب القبائل المجاورة على الدرعية من كل مكان، وأصبحت الدرعية بؤرة للنور في بحرٍ من الظلمات، وازداد عدد أتباع الشيخ ابن عبد الوهاب، وأصبحت الدرعية قوة ضاربة في صحراء نجد، وبعد سنين قليلة من دعوة ابن عبد الوهاب للتوحيد، وبعد أن تعلم الشباب أصول دينهم الصحيح على يديه، أعطى الشيخ ابن عبد الوهاب إشارة الإذن بالجهاد لنشر أصول التوحيد بين عُبّاد القبور، فذهب الشيخ محمد ابن عبد الوهاب إلى القبة التي بنيت على قبر الصحابي البطل زيد بن الخطاب رضي اللَّه وأرضاه والتي كان الناس يتعبدون بها ويطوفون حولها، فهدمها بنفسه، ثم نشر الشباب الموحد بين القبائل العربية لكي يعيدوا إحياء مفهوم التوحيد المنسي، وأرسل المرشدين والدعاة في الصحراء والبوادي ليبينوا للناس مفهوم التوحيد الصحيح، كما أرسل المعلمين والقضاة إلى القرى النائية، فبدأت الناس تعمر المساجد الخاوية من جديد، وعاد الناس لصيام رمضان، فترك الناس العادات البدعية التي ورثوها من آبائهم.
وبعد وفاة الشيخ ابن عبد الوهاب ﵀، استطاع أتباعه نشر دعوته في مكة والمدينة، فقام هؤلاء بنشر مفهوم التوحيد بين الحجاج من مختلف البلدان الإسلامية، فانتشرت دعوة الشيخ ابن عبد الوهاب من البنغال شرقًا إلى المغرب غربًا، فاستغل
стр. 150
الشباب المسلم من أتباع الشيخ البطل محمد بن عبد الوهاب توافد الحجيج على مكة والمدينة من مختلف أرجاء العالم الإسلامي، فأخذ أولئك الشباب يعلمون الحجيج مبادئ التوحيد والإسلام الصحيح، فتعلم كثيرٌ من حجاج بيت اللَّه الحرام من مختلف أرجاء العالم من أولئك الموحدين، ثم قام أولئك الحجاج بنشر هذه المبادئ التوحيدية في بلدانهم، وهكذا جدد الإمام محمد بن عبد الوهاب دين الأمة الإسلامية بأسرها، وما زال يجددها بعد مماته بفضل كتابه العظيم، كتاب "التوحيد"!
بقي أن أنوه إلى أمرٍ أخير، فلقد اجتهدت في إطلاق لقبٍ على الشيخ محمد بن عبد الوهاب في هذا الكتاب ألا وهو "آريوس أمة محمد"! وذلك بعد أن رأيت تطابقًا عجيبًا بين قصة هذا الإمام وقصة آريوس التي سبق أن ذكرناها سابقًا في هذا الكتاب، فكلاهما رفض تغيير مبدأ التوحيد، وكلاهما لم يكن له مذهب أصلًا لكي يتبعه الناس، وكلاهما حورب في حياته وبعد مماته، وكلاهما دعا إلى الرجوع إلى فهم سلف الأمة للإسلام وترك التقليد الأعمى للمذاهب، هذا إلى رجال القرون الثلاثة الأولى من أمة محمد، وهذا إلى رجال القرون الأولى من أمة عيسى! والشيء اللافت للنظر أن النصارى الموحدين من أتباع أريوس والذين رفضوا البدع سُمّوا من دون أن يعلموا بـ "الآريسيين"، بينما سُمّي المسلمون الموحدون الذين رفضوا البدع وأنكروا على الناس دعاءهم لغير اللَّه أيضًا بدون علمهم أيضًا باسم "الوهابيين". . . . أو "الوهابزم" كما يحب أن يسميهم حيّاوي الكذاب!
الغريب في الأمر أن دعوة التوحيد هذه لم تكن مسألة مسلمّا بها في كل حِقب تاريخ أمة محمد ﷺ ، بل إن التوحيد لطالما كان في مهب الريح بين الحين والآخر في تاريخ هذه الأمة!
فما هي قصة التوحيد في بلاد المغرب الإسلامي؟ وما هي الأوضاع المزرية التي وصل لها المسلمون في المغرب الإسلامي في القرن الخامس الهجري؟ وكيف كان المسلمون هناك يحرمون أكل لحم الخنزير ويحللون أكل لحم الخنزيرة؟! وما هي قصة المرابطين؟ ولماذا سُمّوا بهذا الاسم؟ ومن يكون ذلك البطل الإسلامي العملاق الذي ظهر على ضفة نهر السنغال في أقصى الغرب الأفريقي ليسجل اسمه بحروفٍ من نورٍ في قائمة العظماء المائة في أمة التوحيد؟
يتبع. . . . . .
стр. 151
" مؤسس جماعة المرابطين" (عبد اللَّه بن ياسين)
" إن اللَّه يبعث على رأس كل مائة عام من يصلح لهذه الأمة أمر دينها"
(رسول اللَّه ﷺ )
كلما غوَّرت أكثر في هذا الكتاب اكتشفت العجب!
كنت أعلم منذ البداية أن عظماء هذه الأمة لديهم من الخصائص ما يجمعهم ويوحدهم تحت سقف واحد، ولكن ما كنت أجهله فعلًا هو ذلك الشبه العجيب الذي يتكرر تباعًا بين عظماء أمة الإسلام المائة، وكأنهم وُلدوا إخوانًا! أو كأنهم خُلقوا جميعًا من نفس الجينات البشرية! فالقصص تتكرر بشكلٍ عجيب أذهلني شخصيًا، فعندما بدأت كتابة هذا الكتاب وقررت أن أصل بين كل عظيم والعظيم الذي يليه، ساورني بعض الشك في إمكانية ربط أناسٍ من بلدان مختلفة وأعراق مختلفة وأزمانٍ مختلفة، ولكنني أعترف أنه إلى حد الآن -وبعد أن أنجزت ما يقرب من ثلث هذا الكتاب- لم أجد صعوبة تذكر في ربطٍ أي منهم بالآخر! بل إن الشيء الأعجب في الأمر، والذي لا يعرفه القارئ الكريم، أنني لا أمتلك أي خطة عمل في ترتيب العظماء المائة! فكاتب هذا الكتاب مثل قارئه لا يعرف من سيأتي بعد ذلك! فعلى سبيل المثال لا الحصر لم يكن ضمن حساباتي مثلًا أن أكتب عن هذا العظيم الإسلامي في هذا الموضع، وإنما جاءت فكرة الكتابة عنه قبل عدة ساعات وفي نفس هذا اليوم الذي انتهيت فيه من الكتابة عن الإمام محمد بن عبد الوهاب! فالقصة بينهما ليست متشابهة فحسب، بل إنها تكاد تكون متطابقة تمامًا، ولكن مع تغييرٍ في مسرح الأحداث من صحراء نجدٍ في جزيرة العرب إلى صحراء موريتانيا في الغرب الأفريقي، وتغييرٍ في الزمان من القرن الثاني عشر الهجري إلى الخامس الهجري.
هناك في أقصى الجنوب الموريتاني كانت أحوال المسلمين مزريةً للغاية، فبالرغم
стр. 152
من دخول قبائل "صنهاجة" البربرية في الإسلام منذ فجر الفتوحات على يد الفاتح الإسلامي الأموي (عقبة بن نافع)، إلا أن الإسلام الصحيح ضاع بين البربر هناك مع مرور الزمن وبُعد المكان عن مهبط الوحي وانعزاله خلف كثبان الصحراء الكبرى، فتبرك المسلمون هناك بالقبور، ودعا الناس الأولياء الصالحين من دون اللَّه، وأدمنوا شرب الخمور، وانتشر الزنى بينهم بشكلٍ رهيب، حتى أن الرجل كان يجامع خليلة جاره من دون أن يعترض زوجها على ذلك! وامتنع الناس عن أكل لحم الخنزير، ولكنهم أكلوا لحم الخنزيرة!!! وكان لقبيلة "جُدالة" وهي فرعٌ من فروع "صِنهاجة" شيخ بفطرةٍ طيبة اسمه الشيخ (يحيى بن إبراهيم الجدالي)، فأراد هذا الشيخ أن يصلح من حال قبيلته، ولكنه لم يكن يعلم من أمور الدين الكثير، فذهب إلى الحج، وفي طريق عودته مرَّ على "القيروان" في تونس، وقصَّ على علمائها أمر قومه وما هم عليه من الضلال والبعد عن شرع اللَّه، فبعثوا معه رجلًا من البربر اسمه الشيخ (عبد اللَّه بن ياسين) لكي يُرجع أهل جدالة إلى التوحيد الذي جاء به محمد ﷺ ، فأخذ الشيخ عبد اللَّه ابن ياسين يدعوهم إلى عبادة اللَّه وحده وترك الدعاء عند القبور، فطلب الناس منه أن يتركهم وشأنهم وأن يعود من حيث أتى، لكن الشيخ رفض ترك الدعوة، فحرق الناس بيته، وطردوه خارج القبيلة وهددوا الشيخ يحيى بن إبراهيم بنفس المصير إن هو ساعده، فأصبح الشيخ عبد اللَّه بن ياسين طريدًا في صحراء موريتنيا، وأصبح بين خيارين، إما العودة أو الاستمرار، فاختار الشيخ ابن ياسين خيار الأنبياء، وهو الطريق الأصعب بطبيعة الحال، ولو أنه اختار الطريق السهل، لمات مجهولًا في حدائق القيروان، ولما كُتبت هذه الحروف عنه بعد ما يقارب الألف عام من وفاته، فبدلًا من أن يتجه الشيخ عبد اللَّه ابن ياسين إلى الشمال حيث تلال تونس الخضراء، غوَّر جنوبًا في أدغال أفريقيا ليعبر نهر السنغال، وهناك في غابة من غاباتها، أقام خيمةً ورابط فيها، فكانت خيمة الرباط الأولى، ثم بعث رسالة إلى أهل جدالة يخبرهم فيها أنه من أراد تعلم دين اللَّه فليأته في رباطه في أرض السنغال، فخرج خمسة شباب من جدالة خفية واتجهوا نحو السنغال، ورابطوا مع الشيخ ابن ياسين في خيمته، فأخذ الشيخ يعلمهم معنى التوحيد، فاقتنع الشباب الخمسة بدعوة الشيخ، فذهبوا إلى جدالة وأحضروا عائلاتهم، وبنى كل منهم خيمة يرابط بها بعد
стр. 153
أن روى لهم الشيخ حديث رسول اللَّه ﷺ "رباط يومٍ وليلةٍ خير من صيام شهرٍ وقيامه"، ثم جاء خمسة شباب آخرين؛ فصار المرابطون عشرة، ثم صاروا عشرين، فمائة، فوضع الشيخ لجماعة المرابطين برنامجًا قاسيًا في التربية، فكان عليهم قيام الليل، وصيام النهار، وحفظ القرآن، وصيد طعامهم من غابات السنغال بأيديهم، فصار الشيخ يعلمهم فنون القتال بنفسه، وما هي إلا أربعة أعوامٍ حتى صار بين يدي الشيخ عبد اللَّه بن ياسين ألف رجل من المرابطين الأشداء السليمي العقيدة، وفي هدية من هدايا اللَّه ، يؤمن زعيم قبيلة "لنتونة" وهي فرعٌ آخر من فروع "صنهاجة"، كان هذا الرجل اسمه (يحيى بن عمر اللنتوني)، ليدخل هذا الشيخ جزاه اللَّه كل خير بين يومٍ وليلة جميع رجال قبيلته المقدر عددهم بسبعة آلاف رجل في جماعة المرابطين، في الوقت الذي احتاج فيه الشيخ المجاهد عبد اللَّه بن ياسين إلى أربع سنواتٍ ليجمع فيها ألف مرابط فقط! وبعدها بأيام يموت الشيخ يحيى بن عمر اللنتوني ﵀ بعد أن أدخل قبيلةً كاملة إلى دين التوحيد، ويالها من خواتيم! وبعد ذلك دخلت "جدالة" كلها مع المرابطين، ليصبح عدد المرابطين اثني عشر ألفا، لينشر ابن ياسين المرابطين بين القبائل البربرية يدعوهم إلى دين اللَّه الصحيح من جديد، وفي إحدى طلعاته، أغارت قبيلة من القبائل المبتدعة على الشيخ ومن معه من المرابطين، فطلب المرابطون منه أن يبقى في خيمته ليقوموا هم بحمايته، إلّا أن الشيخ المجاهد عبد اللَّه بن ياسين تناول سيفه ولبس عدة القتال وقال للمرابطين من حوله: "إني لأرجوا أن يرزقني اللَّه الشهادة، فإذا قتلت فادفنوني في نفس المكان الذي أسقط فيه" وفعلًا استشهد الشيخ البطل عبد اللَّه بن ياسين في ميدان الجهاد، ودُفن ﵀ في مكان استشهاده كما أوصى.
فما الذي حصل لجماعة المرابطين بعد مقتل زعيمها؟ وكيف تطورت جماعة المرابطين التي بدأت بخيمة على نهر السنغال لكي تصبح أكبر إمبراطورية عرفتها أفريقيا وأوروبا؟ ومن يكون ذلك الرجل العظيم الذي أدخل بمفرده خمسة عشر دولة أفريقية في دين اللَّه؟
يتبع. . . . . . .
стр. 154
" فاتح قارة أفريقيا" (أبو بكر بن عمر اللّنتوني)
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾
(اللَّه)
البداية كانت من قبيلة "لنتونة" البربرية التي انضمت إلى جماعة الشيخ (عبد اللَّه ابن ياسين) بفضل (يحيى بن عمر اللنتوني) والذي أدخل قبيلته إلى مجموعة المرابطين قبل أن يتوفى بأيام قليلة، عندها تولى أخوه (أبو بكر بن عمر اللنتوني) زعامة القبيلة، قبل أن يتولى زعامة جماعة "المرابطين" بعد موت الشيخ عبد اللَّه بن ياسين ﵀، فأصبح أبو بكر اللنتوني زعيمًا لجماعة المرابطين في أقصى جنوب موريتانيا وأقصى شمال السنغال، فأخذ اللَّنتوني يجاهد في سبيل اللَّه في جميع أرجاء موريتانيا والسنغال، ليعيد القبائل البربرية إلى جادة الإسلام الصحيح، فدخل الناس هناك في جماعة المرابطين، وازداد عددهم بشكلٍ كبير، وأصبحت جماعة المرابطين المجاهدة رقمًا صعبًا في معادلة الغرب الأفريقي بأسره!
وبعد سنتين فقط من حكم الشيخ أبي بكر بن عمر اللنتوني وبالتحديد في سنة ٤٥٣ هـ، سمع الشيخ بأن طائفتين من المسلمين على وشك الاقتتال في جنوب السنغال، فأخذ نصف فرسان المرابطين البالغ عددهم ١٤ ألف مرابط ليصلح بين المسلمين هناك، وأوكل قيادة دويلة المرابطين الناشئة إلى ابن عمٍ له، فأدرك الشيخ المسلمين في السنغال قبل أن يقتتلوا، ولكنه تفاجأ هناك أن في جنوب السنغال من لا يزال على عبادة الأشجار والأوثان، فقام الشيخ بدعوتهم للإسلام، وشرح لهم ما يدعو إليه الإسلام من عدلٍ ومساواةٍ بين البشر، فأعجب الأفارقة بهذا الدين العجيب الذي يغزو العقول والقلوب معًا، وبعد ذلك أراد الشيخ أن يرجع إلى دولته الناشئة، ولكن حبه للدعوة كان يفوق حبه للكرسي، فاستمر الشيخ أبو بكر بن عمر اللنتوني في التوغل في أدغال أفريقيا،
стр. 155
يحارب بـ ٧ آلاف جندي من المرابطين الحكام الوثنيين الذين يمنعون دعاة المسلمين من دعوة الشعوب المستضعفة، فدخل الأفارقة في دين أفواجًا، فاستمر الشيخ المجاهد يدعو الأفارقة إلى الإسلام بشكلٍ أنساه كرسي الحكم الذي تركه لابن عمه، وظل الشيخ ينشر دين اللَّه هنا وهناك في أدغال أفريقيا وغاباتها ليدخل في الإسلام دولًا بأسرها! فقد أدخل الشيخ اللنتوني في الإسلام كل من:
السنغال، الكاميرون، نيجيريا، غانا، بنين، سيراليون، ليبيريا، الجابون، غامبيا، النيجر، تشاد، مالي، غينيا، غينيا بينساو، غينيا الاستوائية، بوركينا فاسو، أفريقيا الوسطى، توجو، ساحل العاج، الكونغو. وبعد خمسة عشر عامًا قضاها الشيخ أبو بكر بن عمر اللنتوني في الدعوة إلى اللَّه رجع الشيخ عام ٤٦٨ هـ بنصف مليون من الجنود الأفارقة الأشداء الذين أدخلهم في الإسلام، فلمّا وصل الشيخ أبو بكر إلى "مراكش" التي بناها ابن عمه واتخذها عاصمة له، تفاجأ أن ابن عمه الذي تركه مع ٧ آلاف جندي في صحراء موريتانيا قد أدخل القبائل البربرية بأسرها إلى دولة المرابطين، ولم يكتفِ بذلك فحسب، بل انتهز فرصة غياب ابن عمه ليقوم بدوره بدعوة الناس في الشمال الأفريقي إلى دين اللَّه الصحيح، فضم إلى دولة المرابطين كلًا من: موريتانيا، والمغرب، والجزائر، وتونس! فأصبحت دولة المرابطين التي أسسها الشيخ المجاهد عبد اللَّه بن ياسين من خيمة مرابطة واحدة في غابة نائية من غابات السنغال الشمالية تمتد الآن من تونس شرقًا إلى غينيا بيساو غربًا، ومن الجزائر شمالًا إلى الجابون جنوبًا. وهناك في مراكش، تقابل ابنا العم المجاهدان، وتعانقا بعد طول فراق، وتذكرا كيف كان حالهم قبل مجيئ الشيخ عبد اللَّه ابن ياسين إليهم بدعوة التوحيد، وكيف كان شيخهم يعلم الناس التوحيد في رباطه من خيمته البالية، وكيف تحمل أذى الناس في دعوته حتى بعد أن أحرقوا له بيته، وكيف ضربوه وطردوه في الصحراء، وكيف لم ييأس في دعوته، تذكرا ذلك كله، ونظرا إلى ما هما عليه الآن من ملك لأكبر إمبراطورية عرفتها أفريقيا، عندها أجهش الرجلان في البكاء، قبل أن يعيد ابن عم الشيخ أبي بكر بن عمر اللنتوني زعامة الإمبراطورية له، عندها حدث أمرٌ عجيب!
لقد قام الشيخ المجاهد أبو بكر بن عمر اللَّنتوني بعملٍ لا يتكرر في التاريخ الإنساني
стр. 156
إلا في حالة أمة الإسلام فقط، فلقد رفض الشيخ أبو بكر تسلم مقاليد الإمبراطورية! وفضَّل على ذلك أن يترك الحكم لابن عمه، ليستمرَّ هو في الدعوة إلى اللَّه، ليس ذلك فحسب. . . . بل ذهب الشيخ أبو بكر إلى زوجته وأخبرها أنه وهب نفسه للَّه ، وأنه عازمٌ على الشهادة في سبيل اللَّه، وأخبرها بأنه قد نوى على تطليقها لكي لا يظلمها معه في رحلته الدعوية الطويلة، بعد ذلك ودع الشيخ أبو بكر ابن عمه الذي أجهش بالبكاء في وداعه، وتعانق البطلان عناقًا أخيرًا، لينتقل بطلنا مرة أخرى إلى عمق القارة السمراء، يدعو الناس إلى عبادة اللَّه الواحد، ويجاهد في سبيله ملوك الكفر والظلم، حتى جاء ذلك اليوم الذي كان فيه الشيخ أبو بكر بن عمر اللنتوني في رحلةٍ دعوية جديدة في إحدى غابات أفريقيا الاستوائية، هناك انطلق سهم غادرٌ من قوس أحد الملوك الوثنيين، ليستقر في قلب هذا البطل الإنساني العظيم، ليسقط فاتح أفريقيا شهيدًا بإذن اللَّه، وليسجل التاريخ الإسلامي اسم القائد الشيخ المجاهد البطل أبو بكر بن عمر اللنتوني بحروف من نور في قائمة العظماء، فلا يصلي شيخ في "أبيدجان"، ولا يُرفع الأذان في "دكار"، ولا يسجد طفل في "وجادوجو"، ولا يزكي مسلم في "أكرا"، إلا وكان للشيخ المجاهد البطل أبو بكر بن العمر اللنتوني مثل أجرهم. . . . لا ينقص من أجرهم شيء.
وقبل أن نعرف بقية قصة المرابطين، ونعرف اسم ابن عم الشيخ أبي بكر اللنتوني، وما الذي فعله في الأندلس بعد ذلك، ينبغي علينا أولًا أن نسافر بجملٍ من جمال المرابطين الأبطال، لينقلنا من عاصمتهم "مراكش" إلى ميناء "طنجة" المغربي، لنستقل سفينة من هناك نعبر بها مضيق "جبل طارق"، لتنقلنا إلى الأندلس من جديد، لنرى معًا ما الذي كان يدور على أرضها في نفس ذلك الوقت الذي تأسست فيه دولة المرابطين في الغرب الأفريقي!
فما هي قصة ملوك الطوائف؟ ولماذا ركّز المستشرقون على تلك الفترة بالذات من تاريخ الأندلس؟ ومن هو ذلك الرجل العظيم الذي استحق أن يضاف اسمه لقائمة المائة على الرغم من كونه ملكًا من ملوك الطوائف؟!
يتبع. . . . . . .
стр. 157
" العزيز في زمن الذلة" (المتوكل بن الأفطس)
" ليس بيننا وبينك يا ألفونسو إلا السيوف، تشهد بحدها رقاب قومك"
(المتوكل بن الأفطس)
لو لم أكن أعرف نسبي جيدًا حتى أصل به إلى (سبأ بن يشجب بن يعرب ابن قحطان)، لشككت حينها أنني امرءٌ من البربر! فلقد ذكرت أبطال البربر كثيرًا لدرجة بتّ أخشى فيها أن يتَّهمني البعض بمحاباتي للبربر على حساب غيرهم في هذا الكتاب! والحقيقة أنني نفسي متفاجئ من تاريخ قبائل الأمازيغ الذي لا نعرف عنه شيئًا، فلقد قدّم أولئك القوم الكثير لأمة محمد ﷺ ، ولو لم يكن فيهم إلّا رجلًا واحدًا هو الشيخ (عبد اللَّه بن ياسين) أو الشيخ (أبو بكر بن عمر اللنتوني) لكفاهم، إلا أنني لا أستطيع أن اغفل ذكر بطلٍ إسلامي عظيم ظهر في زمن ضعف وهوان، فأن تكون عظيمًا في زمن العظماء فهذا شيءٌ عادي، أما أن تكون عظيمًا في زمن ندرت فيه العظمة، فأنت وقتها عظيم بالفعل!
وعظيمنا هو البطل الإسلامي البربري (المتوكل بن الأفطس)، وهو ملك ظهر في زمن ملوك الطوائف، وهي فترة من فترات الضعف والتفرق في الأندلس استمرت من سنة ٤٢٢ هـ إلى سنة ٤٧٩ هـ، أي أنها فترة استمرت ٥٧ سنة من حكم المسلمين الذي امتد لأكثر من ٨٠٠ سنة في الأندلس! ومع ذلك لا يذكر إعلامنا الأندلس إلا وسلط الأضواء على عهد ملوك الطوائف، وكأن تاريخ الأندلس كان كله تاريخ ملوك الطوائف! وليس عندي أدنى شك أن ذلك تطبيق عملي لـ "نظرية الغزو التاريخي" التي سبق وأن تطرقنا إليها مرارًا في هذا الكتاب، فمن أهم بنود هذه النظرية بندٌ يقوم فيه الغزاة بتسليط الضوء على مراحل الضعف التي مرت بها الأمة، وذلك لكي يشعر شباب الإسلام بأن تاريخهم أسود بالمجمل، فينغرس في عقلهم الباطن بأن أمتنا ما هي إلى نبتة برية سُقيت بأوساخ التاريخ، فينعدم كيان شبابنا، وتسود فيهم روح الانكسار، ولا يبقى لهم في النهاية
стр. 158
إلّا أن يكونوا أتباعًا لأولئك الغزاة!
فكلما بحثتُ اكثر عن تاريخنا، اقتنعت أكثر بحقيقة كانت قد تجسدت لدي، ألا وهي أن معركتنا القادمة إنما هي معركة إعادة كتابة تاريخ هذه الأمة، ورفع الغبار عن صفحات كتابها المجيد، لا لكي نشعر بالفخر والاعتزاز بتاريخ أبطالنا فقط (وهذا شيءٌ مطلوبٌ أيضًا!)، بل من أجل أخذ العبر واستلهام الدروس من تجاربهم التي خاضوها، فحال قبائل البربر قبل بدء دعوة ابن ياسين لا يختلف كثيرًا عن حال الأمة الآن، فدراسة قصة الأندلس منذ بدايتها وحتى نهايتها تبين لشباب هذه الأمة كيفية الصعود الحضاري، وهذه هي فائدة دراسة التاريخ، وهذا ما نرمي إليه من خلال هذا الكتاب إن شاء اللَّه.
وقبل أن نتحدث عن بطلنا العظيم ينبغي علينا أن نعرف حال الأندلس في زمانه، ومن خلال ذلك يمكن لنا أن نقيس مدى عظمة المتوكل بن الأفطس، فلقد انقسمت دولة الأندلس الإسلامية إلى ٢٢ دولة، يحكمها ملوك من العرب والبربر والمولدين (الإسبان المسلمين)، فساد التضعضع أرجاء الممالك، وأغار كل واحد منهم على أخيه، فكانت المملكة الواحدة تتفكك إلى مملكتين أو أكثر بعد موت ملكها، وهكذا ظلت الأندلس تتشظى حتى أصبحت لقمة سائغة لمملكة قشتالة الصليبية في الشمال، والتي كانت إلى وقت قريب تدفع الجزية إلى الخلفاء الأمويين، ولكن الوقت قد تغير بالكلية في عهد ملوك الطوائف، فلقد أصبح ملوك تلك الممالك المتشرذمة هم من يدفعون الجزية لملك قشتالة (ألفونسو السادس)، فكان هذا الملك الصليبي يجهز جيشه بأموال الجزية التي يأخذها من المسلمين ليقوم بعد ذلك باحتلال مدنهم الواحدة تلو الأخرى! فسقطت بذلك "طليطلة" أعظم مدن الأندلس والتي فتحها الفاتح الإسلامي (طارق ابن زياد) منذ فجر الفتوح الأندلسية، المضحك المبكي في قصة سقوط تلك المدينة العظيمة يكمن في أنها سقطت بعد أن استضاف ملكها (ابن ذي النون) الملك (ألفونسو السادس) في قصورها وذلك بعد أن طرده إخوته الإسبان، فقام ذلك الملك الصليبي الخائن باستكشاف منافذ المدينة من كل جانب ليسهل عليه فتحها بعد ذلك بجيشه. أما ملك "سرقسطة"، وهو أحد ملوك الطوائف، فقد قام بالاستعانة بالصليبيين في مملكة "أراجون" ضد أخيه، فدفع الأموال لملك "برشلونة" الصليبي لكي يعيد له مدينة
стр. 159
"بربشتة" التي أخذها أخوه منه، فقام الصليبيون بقتل ١٠٠ ألف من المسلمين في يوم واحد في بربشتة، ثم قام الصليبيون باغتصاب الفتيات المسلمات في طرقات تلك المدينة، قبل أن يرسلوا ٧ ألاف فتاة بكر من أجمل بنات المسلمين كهدية إلى ملك "القسطنطينية" الصليبي في المشرق. أمّا ملوك الطوائف، فقد زاد عددهم يومًا بعد يوم، وتلقبوا بألقابٍ كبيرة، فكان منهم المعتصم والمعتضد والمعتمد والناصر، وكان كل منهم أميرًا للمؤمنين، فكان المرء يمشي مسيرة يوم واحد ليقابل ثلاثة من أمراء المؤمنين في دويلات الأندلس المتشظية، مما دفع شاعر الأندلس في ذلك الوقت (أبا بكر بن عمار) لكي يصف ذلك الوضع المزري في الأندلس بقوله:
مما يُزهِّدُني في أرْضِ أندلسٍ ... ألقابُ مُعتمدٍ فيها وَمُعْتَضِدِ
ألقْابُ ممَلكَة في غَيْرِ مَوْضِعِها ... كَالهِرِ يَحْكي انْتِفاخًا صَوْلة الأسَدِ
وفي الوقت الذي دفع فيه جميع ملوك الطوائف الجزية للصليبيين مقابل البقاء على كراسيهم، أبى منهم ملكٌ واحدٌ فقط أن يعطي الدنية في دينه، وهو ملك مملكة "بطليوس" في "البرتغال"، ألا وهو الملك البربري (المتوكل باللَّه بن الأفطس)، والحقيقة أن هذا الموقف يكفيه لكي ينضم إلى قافلة المائة العظماء في هذه الأمة، فأن يحاول المرء مجرد الوقوف في وجه التيار في مثل هذه الظروف، يجعل منه بطلًا بالضرورة، فلم يكتفِ ابن الأفطس بعدم دفع الجزية فحسب، بل بعث برسالة قوية يرد فيها على (ألفونسو) الذي توعده بالحرب إن لم يقتدِ بإخوانه من ملوك الطوائف ويدفع الجزية، فكان رد المتوكل عليه:
"وصل إلينا من عظيم الروم كتاب مدعٍ في المقادير وأحكام العزيز القدير، يرعد ويبرق، ويجمع تارة ثم يفرق، ويهدد بجنوده المتوافرة وأحواله المتظاهرة، ولو علم أن للَّه جنودا أعز بهم الإسلام وأظهر بهم دين نبيه محمد ﵊ أعزّة على الكافرين، يجاهدون في سبيل اللَّه لا يخافون، بالتقوى يُعرفون وبالتوبة يتضرعون، ولإن لمعت من خلف الروم بارقة فبإذن اللَّه وليعلم المؤمنين، وليميز اللَّه الخبيث من الطيب ويعلم المنافقين. أما تعييرك للمسلمين فيما وهى من أحوالهم فبالذنوب المركومة، ولو
стр. 160
اتفقت كلمتنا مع سائرنا من الأملاك لعلمت أي مصاب أذقناك كما كانت آباؤك تتجرعه، وبالأمس كانت قطيعة المنصور على سلفك لما أجبر أجدادك على دفع الجزية حتى أهدى بناته إليه. أما نحن فإن قلّت أعدادنا وعُدم من المخلوقين استمدادنا، فما بيننا وبينك بحر نخوضه ولا صعب نروضه، ليس بيننا وبينك إلا السيوف، تشهد بحدها رقاب قومك، وجلاد تبصره في نهارك وليلك، وباللَّه تعالى وملائكته المسوّمين نتقوى عليك ونستعين، ليس لنا سوى اللَّه مطلب، ولا لنا إلى غيره مهرب، وما تتربصون بنا إلا إحدى الحسنيين، نصر عليكم فيا لها من نعمة ومنة، أو شهادة في سبيل اللَّه فيا لها من جنة، وفي اللَّه العوض مما به هددت، وفرج يفرج بما نددت ويقطع بما أعددت".
فما أن قرأ ألفونسو السادس رده حتى عرف أن هذا الرجل ليس من نفس معدن ملوك الطوائف، فرجع بجيوشه إلى "قشتالة"، ليظل المتوكل بن الأفطس الوحيد بين ملوك الطوائف الذي لم يدفع الجزية البتة!
وظلت الأندلس على هذه الحالة القاتمة حتى حدث شيء عجيب غير من مسار التاريخ هناك، فلقد بعث ألفونسو السادس بوزيره اليهودي (ابن شاليب) إلى (المعتمد بن عبّاد) ملك "إشبيلية" و"قرطبة" يطلب منه أمرًا عجيبًا يوضح مدى الذلة التي وصل إليها ملوك الطوائف، فلقد طلب ألفونسو السادس من المعتمد ابن عباد أن يفتح له أبواب جامع قرطبة (أكبر جامع على وجه الأرض في وقتها!)، وذلك لكي تقوم زوجته ملكة إسبانيا بالولادة عند منبر المسجد!! فتعجب ابن عباد من هذا الطلب المقزز، وعرض أن يضاعف أموال الجزية بدلًا من ذلك، لكن الوزير اليهودي ابن شاليب رفض ذلك وأساء أدبه مع الملك في حضرة الوزراء والشيوخ، عند ذلك بلغ السيل الزبى لدى ابن عباد، فقد وصل الأمر إلى حد الاستخفاف ببيت اللَّه، عندها استل المعتمد بن عباد سيفه وقطع به رأس ذلك الوزير، وأرسل به إلى ألفونسو مرفقًا برسالة أن لا جزية لك بعد اليوم، فاقض ما أنت قاض! فاستشاط ألفونسو السادس غضبًا، وتقدم بجنوده لأشبيلية، فحاصرها، فطال أمد الحصار هناك، عند ذلك بعث ألفونسو السادس برسالة يستخف بها من ابن عباد، فكتب له يقول: "إن الذباب قد آذاني حول مدينتك، فإن أردت أن ترسل لي مروحة أروح بها عن نفسي فافعل" فتناول المعتمد بن عباد تلك الرسالة
стр. 161
وكتب على ظهرها ردًا من جملة واحدة، ثم لف الرسالة وبعثها مرة أخرى إلى ألفونسو السادس، فما إن قرأ ألفونسو السادس ذلك الرد القصير، حتى ارتعدت مفاصله، وارتجفت شفتاه، وأعطى الإشارة لجنوده بالانسحاب الفوري من أسوار اشبيلية، والعودة السريعة إلى حصون قشتالة!
فما هي تلك الجملة القصيرة التي أدخلت الرعب في قلب ألفونسو السادس؟ ولماذا رجع ألفونسو القهقرة بمجرد قراءتها؟ وماذا حصل بعد ذلك؟ وما هي حكاية معركة "الزلاقة" الخالدة والتي تقاس بمعركة "اليرموك" في عظمتها؟ ولماذا سميت بهذا الاسم؟ وكيف كانت نهاية المجرم الصليبي ألفونسو السادس؟
يتبع. . . . .
стр. 162
" زعيم إمبراطورية المرابطين" (يوسف بن تاشفين)
" واللَّه لئن لم ترجع لأروحنّ لك بمروحة من المرابطين"
(المعتمد بن عبّاد)
كنت أتمشى في شوارع مدينة "إشبيلية" الساحرة في ليلةٍ من ليالي صيف عام ٢٠٠٩ م، وقتها كنت أستحضر في مخيلتي حصار (ألفونسو السادس) لهذه المدينة الحصينة، والحقيقة أنني كنت فيما سبق أتساءل كيف وصل المسلمون في عهد ملوك الطوائف إلى تلك الحالة المزرية التي وصلوا إليها، وأستهجن ما كان يفعله أمراء الطوائف، ولكنني حينما رأيت أشجار البرتقال الممتدة على شوارع إشبيلية، ورأيت بعدها حدائق قرطبة الغّناء، ومشيت في طرقات غرناطة الموصلة لقصر الحمراء، طرحت علي نفسي سؤالًا صريحًا: ماذا لو كنت أنا أميرًا على مدينة من مدن الأندلس في عهد ملوك الطوائف، هل كنت سأقبل التنازل عن كرسي الحكم؟ ولو كنت مكان (المعتمد بن عبّاد) هل كنت سأجازف بقتال (ألفونسو السادس)؟ أم كنت سأدفع له الجزية مقابل أن أبقى بجانب (اعتماد الرميكية) وهي تنشد لي الألحان الشجية تحت أشجار البرتقال تلك؟!
الحقيقة أنني وإن كنت لا أجد عذرًا لتلك الحالة المهينة التي وصل إليها ملوك الطوائف، إلّا أنني أدركت بالفعل عظم تلك الفتنة التي تعرضوا لها في تلك البلاد الساحرة، ومما زاد من إدراكي هذا هو ملاحظة مهمة لاحظتها خلال زيارتي لإسبانيا. . . فلقد رأيت هناك أن لكل مدينة حدودًا طبيعية تحيط بها من جميع الاتجاهات ما بين جبالٍ وأنهارٍ وبحار، مما يدفع كل مدينة أندلسية لتشكل دويلة مستقلة في حد ذاتها، ولا شك أن هذا يزيد من رغبة الفرد بالاستقلال، ولعل ما تشهده إسبانيا الآن من تفرق بين مدنها ما بين حكم ذاتي في "كاتالونيا" ومطالبةٍ بالاستقلال من إقليم "الباسك" لهو خير
стр. 163
دليل على حال تلك البلاد!
بعد هذه المقدمة التي أحسب أنها من الأهمية بمكان، نعود إلى إشبيلة مرةً أخرى، فبعد أن بعث ألفونسو السادس تلك الرسالة التي يهزأ بها من ابن عباد ويطلب منه أن يبعث له بمروحة يروح بها عن نفسه لكي يطيل أمد الحصار، قلب ابن عباد الرسالة وكتب على ظهرها: "واللَّه لئن لم ترجع لأروحنّ لك بمروحة من المرابطين! "، فما إن قرأها ألفونسو حتى ولى الأدبار ورجع إلى دياره مخافة أن يستنجد المسلمون بالمرابطين الذين ذاع صيتهم في مختلف أرجاء العالم في ذلك الوقت، وبعد أن رأى ابن عباد ردة فعل ألفونسو السادس لمجرد سماعه باسم المرابطين، أرسل إلى ملوك الطوائف لكي يتم اجتماع القمة الأول لـ ٢٢ دويلة من دويلات الطوائف، وفعلًا تم عقد اجتماع القمة الطارئ لملوك الطوائف! فروى ابن عباد حكايته مع ألفونسو، وما فعله عند سماعه باسم المرابطين، ثم أخبرهم أن ألفونسو لن يستسلم بهذه البساطة، وأنه حتمًا سيكرر فعلته مع جميع الدويلات حتى ينهي الوجود الإسلامي كما وعد أباه وهو على فراش الموت، فاقترح ابن عباد أن يبعث برسالة إلى المرابطين يطلب منهم أن يأتوا لإنقاذ المسلمين في الأندلس! عند ذلك عمَّ الهرج قاعة الاجتماع رفضًا لهذا الاقتراح من ابن عباد، فصاح أحدهم بابن عباد: "هل تريد أن تجلب لنا هؤلاء البدو من رعاة الإبل لكي يحاربوا ألفونسو، ثم إذا ما انتصروا عليه مكثوا في ديارنا الخضراء وسلبونا الحكم وجعلونا رعاةً لإبلهم؟! عند ذلك وقف المعتمد ابن عباد ملك إشبيلية بين الحضور وقال قولة حفظتها كتب التاريخ لنا:
واللَّه لأن أرعى الإبل في صحراء المغرب ... خيرٌ لي من أن أرعى الخنازير في أوروبا!
عندها وقف عظيمنا السابق ملك "بطليوس" (المتوكل بن الأفطس) وأعلن تأييده لذلك الاقتراح، ثم قام (عبد اللَّه بن بلقين) ملك "غرناطة" ووافق أيضًا، فبعث ابن عباد برسالة الاستغاثة العاجلة إلى المغرب!
فما أن وصلت رسالة الاستغاثة من المسلمين في الأندلس، حتى قرأها زعيم المرابطين القائد المجاهد (يوسف بن تاشفين اللنتوني) ابن عم الشيخ المجاهد (أبي بكر ابن عمر اللنتوني)، فركب سفينةً هو وبعض جنده متجهًا إلى ضفة المتوسط الشمالية في
стр. 164
الأندلس، وعندما بلغ ابن تاشفين منتصف مضيق جبل طارق، هبت عاصفة قوية كادت أن تغرق المركب، لولا أن القائد الرباني يوسف بن تاشفين والذي تربّى على يدي الشيخ (عبد اللَّه بن ياسين) رفع يديه إلى السماء في منتصف البحر وقال: "اللهم إن كنت تعلم في عبورنا هذا البحر خيرًا لنا وللمسلمين فسهّل علينا عبوره، وإن كنت تعلم غير ذلك فصعبه علينا حتى لا نعبره" وما إن فرغ من دعائه حتى سكنت الريح، فما إن وصل الشيخ ابن تاشفين إلى سواحل الأندلس حتى قامت شعوب الأندلس تستقبله فرحة بقدوم هذا البطل الأسطورة والذي لطالما سمعوا عن قصص بطولاته مع بقية جموع المرابطين المجاهدين، واستقبله ابن عباد بالترحاب، فتقدم جيش المسلمين المتكون من ٣٠ ألف مقاتل إلى الشمال لمكان يقال له "الزلاقة"، فسمع (ألفونسو السادس) بالخبر، فأعلن "الفاتيكان" حالة الطوارئ القصوى في أوروبا بأسرها، فأرسل بابا الفاتيكان رسالة إلى الكاثوليك في مختلف أرجاء أوروبا يضمن فيها الغفران لكل من يشارك في هذه المعركة، ووعد كل من يحارب بمفتاحٍ يحصل على من البابا شخصيًا، هذا المفتاح هو مفتاح قصره في الجنة! عند ذلك تجمع الفرسان من فرنسا وإيطاليا وألمانيا وإنجلترا (وقد كانت كاثوليكية آنذاك)، فتجمع لألفونسو السادس ضعف عدد المسلمين، مدججين بآخر ما توصلت إليه مصانع أوروبا الحربية، هدفهم جميعًا تدمير الوجود الإسلامي في الأندلس إلى الأبد في تلك الموقعة الفاصلة، موقعة "الزلاقة"، فوقف ألفونسو السادس متبجحًا بهذا الجيش الجرار وقال: "بهذا الجيش أقاتل الجن والأنس، وأقاتل ملائكة السماء، وأقاتل محمدًا وصحبه". فعسكر الفريقان قبالة الزلاقة في يوم الخميس، وفي ذلك الوقت صنع الأمير البطل يوسف بن تاشفين شيئًا عجيبًا كان ملوك الطوائف قد نسوه منذ زمن بعيد، فلقد أرسل ابن تاشفين رسالةً إلى ألفونسو يدعوه فيها للإسلام أو دفع الجزية! ويقول فيها: "من أمير المسلمين يوسف ابن تاشفين إلى ملك الروم ألفونسو السادس، سلام على اتبع الهدى وبعد، بلغنا أنك دعوت أن يكون لك سفنًا تعبر بها إلينا، فقد عبرنا إليك، وستعلم عاقبة دعائك، وما دعاء الكافرين إلا في ضلال، وإني أعرض عليك الإسلام، أو الجزية عن يد وأنت صاغر، أو الحرب، ولا أؤجلك إلا لثلاث". عند ذلك استشاط ألفونسو السادس غضبًا من هذا القائد
стр. 165
المسلم الذي يمتلئ عزة وكرامة، بعد أن كان هو من يأمر ملوك الطوائف بدفع الجزية، عندها أراد ألفونسو أن يخدع المسلمين فكتب ليوسف بن تاشفين: "غدًا هو الجمعة، وهو عيد للمسلمين ونحن لا نقاتل في أعياد المسلمين، وأن السبت عيد اليهود، وفي جيشنا كثير منهم، وأما الأحد فهو عيدنا، فلنؤجل القتال حتى يوم الإثنين" ولكن يوسف ابن تاشفين كان يعلم أن الصليبيين قومٌ لا يوفون بعهودهم أبدًا، فطلب من جنوده أن يظلوا على استعداد ويقظة. أما ألفونسو السادس فقد رأى في نومه حلمًا غريبًا، فقد رأى وكأنه راكب على فيل يضرب نقيرة طبلٍ، فهالته رؤياه وسأل عنها القساوسة فلم يجبه أحد، فدس يهوديًا عن من يعلم تأويلها من المسلمين، فذهب ذلك اليهودي إلى شيخ من شيوخ المسلمين على دراية بتأويل الأحلام، فقصها عليه ونسبها إلى نفسه، فقال له الشيخ المسلم: كذبت أيها اليهودي! ما هذه الرؤيا لك، ولا بد أن تخبرني عن صاحبها وإلا فاغرب عن وجهي، فقال له اليهودي: اكتم ذلك، هذه الرؤيا للملك ألفونسو السادس، فقال الشيخ المسلم: قد علمت أنها رؤياه، ولا ينبغي أن تكون لغيره وهي تدل على بلاء عظيم ومصيبة فادحة تؤذن بصلبه عما قريب، أما الفيل فقد قال اللَّه تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ وأما ضرب النقيرة فقد قال اللَّه تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾، فانصرف اليهودي إلى ألفونسو السادس ولم يفسرها له طلبًا في الحرب! وفي منتصف تلك الليلة، استيقظ عالمٌ جليلٌ من المسلمين اسمه الشيخ (ابن رميلة)، فنهض راكضًا إلى خيمة الأمير يوسف بن تاشفين يوقظه ليقول له فرحًا: "أيها الأمير لقد رأيت رسول اللَّه ﷺ في ليلتي هذه، وقد قال لي: يا ابن رمُيْلَة، إنكم منصورون، وإنك ملاقينا"، فكبر ابن تاشفين تكبيرة أيقظت الجند، وأمر الجند أن يقرءوا سورة الأنفال، وأن يصلي الجند قيام الليل، فتعانق الجند فرحًا من تلك الرؤيا، وأجهش الجنود بالبكاء شوقًا للشهادة، وبعد صلاة الفجر من يوم الجمعة، غدر الصليبي القذر ألفونسو كما توقع ابن تاشفين، وزحف بجنده على جيش المسلمين ليباغتهم فجرًا، ولكنه وجد المسلمين في انتظاره بعد رؤية رسول اللَّه ﷺ تلك، فدارت معركة "الزّلاقة" الباسلة، وانتصر المسلمون لأول مرة منذ عشرات السنوات تحت قيادة الأمير يوسف بن تاشفين، ولم يبقَ من بين ٦٠٠٠٠ صليبي إلا ١٠٠ مقاتل فقط من بينهم أنفونسو السادس بساقٍ
стр. 166
واحدة، هرب بها إلى قشتالة ليموت بعدها بسنة كمدًا وغمًّا، وغنم المسلمون غنائم هائلة، لم يأخذ ابن تاشفين والمرابطون شيئًا منها، فعاد إلى المغرب بعد أن أنقذ المسلمين، وعاد أيضًا ملوك الطوائف للصراع من جديد، فبعث أهل الأندلس إلى الأمير يوسف بن تاشفين في مراكش يرجونه أن يأتي ليحررهم من ملوك الطوائف، فلم يرضَ ابن تاشفين أن يحاربهم خوفًا من معصية اللَّه في قتاله للمسلمين، فانهالت الفتاوى عليه من بلاد المسلمين تحثه على إنقاذ الأندلس، وكانت من بينها رسالة بعث بها (أبو حامد الغزالي) من بغداد يجيز له ضم الأندلس، فقام ابن تاشفين بضمِّ الأندلس للمرابطين، فأنهى بذلك مهزلة ملوك الطوائف إلى الأبد!
وبعد. . . . كانت هذه صفحةً مجيدةً في تاريخ هذه الأمة، صفحة المرابطين الأبطال، صفحة البطل عبد اللَّه بن ياسين والبطل يحيى بن إبراهيم الجدالي والبطل يحيى بن عمر اللنتوني والبطل أبي بكر اللنتوني، والبطل يوسف بن تاشفين، أولئك النفر لم يكونوا سوى رعاة إبل في جنوب موريتانيا، فتمسكوا بدين اللَّه، فأعزهم اللَّه نتيجة تمسكهم بدينه، ليغدوا أصحاب أعظم إمبراطورية عرفتها أفريقيا!
ولكن كيف كان وضع الأندلس قبل عهد ملوك الطوائف؟ ومن هو ذلك الملك الإسلامي الذي اعتبره مؤرخو الغرب أعظم ملوك أوروبا في القرون الوسطى؟ ولماذا كان (جورج الثاني) ملك إنجلترا يعتبر نفسه خادمًا له؟ وكيف كان وضع الأندلس قبله؟ وكيف أصبح وضع الأندلس بعده؟ وكيف كان عصره هو العصر الذهبي للأندلس عبر جميع عصورها الممتدة لأكثر من ثمانية قرون مستمرة؟
يتبع. . . . . .
стр. 167
"يَا زَمَانَ الوَصْلِ بِالأَنْدَلْسِ"
عبد الرحمن الناصر
من جورج الثانى. . . إلى الخليفة المسلم
ملك إنجلترا وفرنسا. . . ملك المسلمين فى مملكة الأندلس
والسويد والنرويج. . . صاحب العظمة والمقام الجليل
وبعد التعظيم والتوقير فقد سمعنا عن الرقى العظيم الذى تتمتع بفيضه الصافي معاهد العلم والصناعات فى بلادكم العامرة فأردنا لأبنائنا اقتباس نماذج هذه الفضائل لتكون بداية حسنة فى اقتفاء أثركم لنشر أنوار العلم فى بلادنا التى يسودها الجهل من أربعة أركان. . ولقد وضعنا ابنة شقيقنا الأميرة (دوبانت) على رأس بعثة من بنات أشراف الإنجليز تتشرف بلثم أهداب العرش والتماس العطف لتكون مع زميلاتها موضع عناية عظمتكم. . وحماية الحاشية الكريمة ولقد أرفقت مع الأميرة الصغيرة هدية متواضعة لمقامكم الجليل أرجو التكرم بقبولها مع التعظيم والحب
من خادمكم المطيع
جورج ملك إنجلترا
بطلنا الآن هو عبد الرحمن الناصر باللَّه، أعظم ملك عرفته أوروبا في القرون الوسطى، وهو أقوى من حكم الأندلس في تاريخها منذ بداية الفتح الإسلامي وحتى سقوطها، وفترة حكمه التي سبقت فترة حكم ملوك الطوائف بسنوات كانت أزهى فترة للمسلمين في الأندلس، فلقد اهتم هذا العظيم الإسلامي بنشر العلم في الأندلس، لتصبح نسبة الأمية بين صفوف المسلمين في الأندلس تساوي صفرًا في المائة! هذا الملك قام بتوسعة جامع قرطبة ليصبح أكبر جامعٍ في العالم في وقتها، جاعلًا من قرطبة قبلة لطلاب العلم والعدل في العالم بأسره، فقد نشر الناصر باللَّه العدل في أرجاء الخلافة الأموية في
стр. 168
الأندلس، فتوافد اليهود والنصارى المضطهدون للعيش عند المسلمين في قرطبة بكل أمان وحرية، وتقاطر العلماء المسلمون من أرجاء البلدان الإسلامية إليها، فأصبحت قرطبة ثاني أكبر مدينة في العالم من حيث عدد السكان (بعد بغداد حاضرة العباسيين)، وبُني في قرطبة ثلاثة آلاف مسجد، وازدهر العلم، وتطورت فنون البناء، وصُممت الحدائق بأشكال هندسية عجيبة، ولأول مرةً في تاريخ الإنسانية أصبحت قرطبة حاضرة المنصور أول مدينة في العالم تنار كل شوارعها ليلًا، فكانت قرطبة الإسلامية كالجوهرة المضيئة في ظلمات أوروبا الغارقة في الجهل والظلام، فأرسل الأوروبيون البعثات العلمية لبلاد المسلمين، ولأول مرة في أوروبا ظهرت المستشفيات والمكتبات العامة في أرجاء الدولة الإسلامية، وبنى الخليفة عبد الرحمن مدينة "الزهراء"، والتي اعتُبرت أجمل مدينة في العالم، فلقد بناها علماء المسلمون بطريقة عجيبة، وهي مدينة فوق مدينة، سطح الثلث الأعلى على الحد الأوسط، وسطح الثلث الأوسط على الثلث الأسفل، وكل ثلث منها له سور، فكان الحد الأعلى منها قصورًا يعجز الواصفون عن وصفها، والحد الأوسط بساتين وروضات، والحد الأسفل فيه الديار والجامع، وبنيت بمدينة قرطبة القنطرة العجيبة التي فاقت قناطر الدنيا حسنًا وإتقانًا، فكثرت الأموال واتسع نطاق الخدمات، والعلاج المجاني، وانتشر التعليم المجاني، بل إن طالبي العلم كان يُخصص لهم راتب شهري، ولأول مرة في تاريخ الانسانية أدخل المسلمون نظام الرعاية للمسنين، فبنيت دورٌ للعجزة، ووُظّف فيها من يقوم بخدمتهم، وبنيت دورٌ لرعاية الحيوانات، وأقيمت المصانع العسكرية، والموانئ البحرية، وازدهرت الصناعات الحديثة في أرجاء الخلافة في عهد الناصر، وامتلك المسلمون أقوى جيشٍ عرفته أوروبا في القرون الوسطى، فجاءت وفود ملوك أوروبا من كل حدب وصوب بالهدايا الثمينة وبأموال الجزية إلى الخليفة الناصر في قرطبة.
العجيب أن هذا كان وضع الأندلس قبل عهد ملوك الطوائف بسنوات قليلة، وإذا كنت تتساءل كيف تحول حال المسلمين في الأندلس إلى تلك الحالة المزرية بعد ذلك حتى صاروا يدفعون الجزية لألفونسو، فاعلم أن العجب كل العجب يكمن في حال المسلمين قبل ظهور هذا البطل الإسلامي على الساحة الأندلسية، فلقد وصلت
стр. 169
الأندلس إلى حالة من التمزق والتشرذم الرهيب في تلك الفترة التي سبقت تولي عبد الرحمن الناصر مقاليد الحكم في الأندلس، ويكفي لكي نبيِّن مدى الضعف الذي وصلت إليه الأندلس أن نذكر أن عبدالرحمن الناصر لم يكن مرشحًا للإمارة أصلًا، وإنما تقلَّد ذلك المنصب بعد أن رفضه جميع أعمامه وأبناء أعمامه، لا زهدًا في الحكم، بل هربًا من الوضع المزري الذي وصلت إليه الأندلس في تلك الفترة، فلم يرد أي منهم أن يكون ذلك الملك الذي سيكون في عهده سقوط الأندلس المتوقع، فلقد بلغت الأندلس من الضعف والتفكك مبلغًا جعل من سقوطها أمرًا حتميًا، بل جعل منه مسألة وقتٍ لا أكثر، فتولى عبد الرحمن الناصر باللَّه الإمارة وهو شابٌ صغير لم يتجاوز الواحدة والعشرين من عمره، ليقوم هذا الشاب الصغير بتغيير مجرى التاريخ الإنساني ليس في الأندلس فحسب، بل في كل أرجاء القارة الأوروبية! ولكن كيف لهذا الشاب أن يحوِّل حال بلادٍ كاملةٍ مثل الأندلس تحويلًا كاملًا لتصبح أعظم مملكةٍ عرفتها القرون الوسطى على الإطلاق؟
الحقيقة أن الإجابة على هذا السؤال تكمن في سر اختيارنا لهذه الشخصية الإسلامية بالذات لكي تكون ضمن قائمة المائة، فسر عظمة عبد الرحمن الناصر لا يكمن في القوة التي سادت عصره، بل يكمن في الضعف الذي كان سائدًا في بلاده قبل مجيئه! فلو أن الناصر نشأ في بيئة كلها انتصارات، لما اخترناه من ضمن عظماء هذه الأمة، فالعظماء في كل الأمم -وليس فقط في أمة الإسلام- هم الذين يغيرون من وضع شعوبهم من حالة الضعف والهوان إلى حالة القوة والتمكين، فالمعادن الصلبة لا تخرج إلّا من بوتقة اللهب المستعر! ولكي نتعلم نحن كيفية صناعة العظماء في فترات الضعف التي نعيش بها حاليًا والتي لا تختلف كثيرًا عن الفترة التي نشأ بها بطلنا، يجب علينا دراسة حياة هذا القائد الإسلامي جيدًا كي يتسنى لنا استنباط الدروس التي من خلالها فقط يمكن لنا أن نصنع عبدًا للرحمن ينصر اللَّه به حال عباد الرحمن في هذا الزمان! فمن خلال دراستي لحياة هدا الرجل وجدت أن هناك ثلاثة عوامل جعلت منه قائدًا عظيمًا، أعترها شخصيًا العوامل الأساسية التي يمكن لنا من خلالها صناعة أي بطلٍ قادم للأمة:
стр. 170
(أولًا) غرس روح البطولة في الإنسان:
وذلك من خلال استحضار بطولات العظماء في تاريخ هذه الأمة، فلقد كان (عبد اللَّه بن محمد) وهو جد الناصر باللَّه يقصّ على حفيده منذ نعومة أظافره قصص بطولات جده الأكبر (عبد الرحمن الداخل) "صقر قريش"، فصنع بذلك بيئةً مليئةً بالبطولة في مخيلة حفيده عبد الرحمن تختلف عن تلك بيئة الهزيمة القاتمة المحيطة به في الخارج!
(ثانيًا) معرفة الأعداء الحقيقيين:
حارب الناصر خونة الشيعة العبيديين، فكعادة الشيعة الروافض التي لا يمكن لهم تغييرها منذ فجر الإسلام وحتى سقوط بغداد عام ٢٠٠٣ م، قامت الدولة الشيعية العبيدية (الفاطمية) التي احتلت المغرب بإمداد الصليبيين في الأندلس بالسلاح عبر الصليبي (صامويل بن حفصون)، (وسنرى لاحقًا في طيّات هذا الكتاب مظاهرًا متنوعة للخيانات المتكررة لأولئك القوم الخونة عبر جميع مراحل تاريخ هذه الأمة وفي مختلف أرجاء ديار الإسلام!)
(ثالثًا) الالتزام الديني:
وهو الأهم. . . . فلقد كان الخليفة عبد الرحمن الناصر ﵀ ورعًا تقيًا زاهدًا في الحياة، فعلى الرغم من الغنى الفاحش الذي عم الأندلس في عهده، وجد الناس في خزانته ورقة كان قد كتبها بخط يده، عدّ فيها الأيام التي صفت له دون كدر فقال: في يوم كذا من شهر كذا في سنة كذا صفا لي ذلك اليوم. فعدّها الناس بعد موته، فوجدوها أربعة عشر يومًا فقط!
ولكن. . . . . إلى أي عائلةٍ ينتمي عبد الرحمن الناصر، ومن قبله عبد الرحمن الداخل؟ وماذا قدمت تلك العائلة العظيمة للإسلام؟ ولماذا شُوِّه تاريخُ هذه العائلة بالذات بشكلٍ رهيب؟ فمن تكون تلك العائلة التي كانت أعظم عائلةٍ على الإطلاق تحكم الإسلام في تاريخه الممتد لأكثر من أربعة عشر قرنًا؟
يتبع. . . . . .
стр. 171
" أصحاب الملابس البيضاء" (بنو أمية)
" كانت سوق الجهاد قائمة في بني أمية، ليس لهم شغل إلا ذلك، وقد أذلّوا الكفر وأهله، وامتلأت قلوب المشركين من المسلمين رعبًا. لا يتوجه المسلمون إلى قُطْرٍ من الأقطار إلا أخذوه"
(الحافظ ابن كثير)
[خريطة الدولة الأموية]
لا أعرف عائلة في تاريخ هذه الأمة كان لها فضلٌ على الإسلام والمسلمين أكثر من عائلة بني أمية البطلة، بل إنني لا أبالغ إذا قلت أنني لا أعرف عائلةً حاكمة كان لها فضلٌ على بني الإنسان مثل عائلة بني أمية! والدارس لتاريخ هذه العائلة القرشية بإنصاف يجد أن لبني أمية أيادٍ بيضاء على أمة الإسلام منذ فجر الدعوة وحتى يوم القيامة، فعثمان ابن عفان الأموي هو الذي جمع القرآن لنا، وأم المؤمنين الأموية أم حبيبية بنت أبي سفيان ﵍ ضحت بكل شيء في سبيل الإسلام، ومعاوية بن أبي سفيان الأموي هو الذي كتب الوحي من صدر رسول اللَّه، وعمرو بن العاص الأموي هو الذي فتح
стр. 172
فلسطين ومصر وليبيا وعُمان للمسلمين، وعبد اللَّه بن عمرو بن العاص الأموي كان أول إنسانٍ كتب حديث رسول اللَّه ﷺ ليحفظه لنا، وعبد اللَّه بن سعيد بن العاص بن أمية كان أحد شهداء بدر الثلاثة عشر، والصحابي الجليل أبو سفيان بن حرب الأموي ﵁ وأرضاه قدّم عينيه الاثنتين في سبيل اللَّه ورسوله، ويزيد بن أبي سفيان الأموي هو فاتح لبنان وقائد جيوش الشام، ويزيد بن معاوية الأموي هو الذي دأب على إكرام أبناء عمومته محمد بن علي بن أبي طالب، وعلي بن الحسين وعبد اللَّه ابن جعفر بعد أن غدر الشيعة الخونة بآبائهم، وبنو أمية فيهم خالد بن يزيد الأموي مكتشف علم الكيمياء، وبنو أمية فيهم فاتح الشمال الأفريقي عقبة بن نافع الأموي ﵀، وبنو أمية فيهم عمر بن عبد العزيز الأموي، وبنو أمية هم من أنهوا الإمبراطورية الفارسية إلى الأبد في معركة "نهاوند" فقضوا على كسرى بعد أن شرّده عمر بن الخطاب قبل ذلك في جبال آسيا، والقدس فتحت بعد حصار عمرو بن العاص الأموي لها، والوثيقة العمرية كتبت بخط يد معاوية الأموي، وقبة الصخرة بناها عبد الملك بن مروان الأموي، والأندلس فتحها الأمويون، وأرمينيا وأذربيجان وجورجيا فتحت على أيدٍ أموية، والقسطنطينية حاصرها لأول مرة يزيد بن معاوية الأموي، وتركيا فتحها الأمويون، وأفغانستان وباكستان والهند وأوزباكستان وتركمانستان وكازخستان كلها دخلت الإسلام من على ظهور خيولٍ أموية، وحمل بنو أمية الإسلام إلى أوروبا، فالأندلس فتحها الأمويون، وجنوب فرنسا أصبح أرضًا إسلامية فقط في زمن مجاهدي بني أمية، ووصلت الجيوش الأموية إلى القرب من باريس، وأنقذ عبد الرحمن الداخل الأموي الأندلس من الدمار، وكان عبد الرحمن الناصر الأموي أعظم ملوك الأرض، ونشر بنو أمية رسلهم في أصقاع الأرض يدعون الناس إلى دين اللَّه، فوصلت رسل الأمويين إلى الصينيين الذين أسموهم بـ "أصحاب الملابس البيضاء"، وفي عهد بني أمية انتشر العلم وساد العدل أرجاء الخلافة، ودخل الإسلام للسودان والحبشة على أيدٍ أموية، وقاد محمد بن أمية الأموي انتفاضة المورسكيين الأندلسيين بعد سقوط الأندلس، وبدأ جمع الحديث النبوي في حكم بني أمية، وبنو أمية هم الذين عرَّبوا الدواوين، وبنو أمية هم الذين صكوا العملة الإسلامية، وبنو أمية هم بناة أول أسطول إسلامي في التاريخ، ونقَّط عبد الملك بن
стр. 173
مروان الأموي القرآن، ووصلت الخلافة الإسلامية في عهد الوليد بن عبد الملك الأموي إلى أكبر اتساع لها في تاريخ الإسلام، فكان الأذان في عهد بني أمية يُرفع في جبال الهملايا في الصين، وفي أدغال أفريقيا السوداء، وفي أحراش الهند، وعند حصون القسطنطينية، وعند أبواب باريس، وفي مرتفعات البرتغال، وعلى شواطئ بحر الظلمات، وعند سهول جورجيا، وعند سواحل قبرص، ترفرف على قلاع تلك البلدان راياتٌ بيضاء مكتوب عليها لا إله إلّا اللَّه، محمدٌ رسول اللَّه، هي رايات بني أمية، فجزاكم اللَّه كل خير يا آل أمية بن حرب لما قدمتموه للإسلام.
ولا أحسب أنني الآن في حاجة لكي أوضح سبب التشويه الضخم الذي يتعرض له تاريخ هذه العائلة البطلة بعد كل ما قدموه للإسلام، فعهد بني أمية هو العهد الذي ظهرت به الدولة الإسلامية بكل ملامحها، وهو العهد الذي جمعت فيه أحاديث الرسول ﷺ ، فإذا شكك غزاة التاريخ في ذمة هذه العائلة المجاهدة، فعندها تكون أحاديث محمد ﷺ التي بين أيدينا كلها باطلة، ويكون هذا الإسلام الذي بين أيدينا إسلامًا مزيفًا، وعندها نكون أنا وأنت بلا قيمة، وعندها نكون أنا وأنت بلا كيان!
وإذا جاء ذكر بني أمية، دمعت العين لذكرى بطلٍ أموي ما عرفت الأرض مثله، دمعت العين لثالث أعظم مخلوقٍ بعد الأنبياء، دمعت العين لإنسان قدّم أعظم أسطورةً حيةً للتضحية والفداء.
يتبع. . . . . . .
стр. 174
﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾
" الهدف رقم واحد لغزاة التاريخ" (عثمان بن عفان)
" غفر اللَّه لك يا عثمان ما أسررت وما أعلنت، وما أخفيت وما هو كائن إلى أن تقوم الساعة"
"ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم. . ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم"
"لكل نبي رفيق ورفيقي (يعني في الجنة) عثمان"
"ألا أستحي من رجلٍ تستحي منه الملائكة؟ "
(رسول اللَّه ﷺ )
"هذا عثمان بن علي سميته بعثمان بن عفان"
(علي بن أبي طالب)
"قتلتموه وإنه ليحيي الليل كله بالقرآن؟!! "
(أم المؤمنين عائشة)
"رأيت رسول اللَّه ﷺ من أول الليل إلى أن طلع الفجر رافعا يديه يدعو لعثمان اللهم عثمان رضيت عنه فأرض عنه"
(أبو سعيد الخدري)
"رأيت عثمان نائما في المسجد ورداؤه تحت رأسه فيجيئ الرجل فيجلس إليه ثم يجيئ الرجل فيجلس إليه كأنه أحدهم"
(الحسن بن علي)
"كان عثمان يطعم الناس طعام الإمارة ويدخل بيته فيأكل الخل والزيت! "
(شرحبيل بن مسلم)
كنت قد ذكرت في بداية هذا الكتاب أن الصحابي الجليل (عمرو بن العاص) ﵁ وأرضاه هو ثاني أكثر شخصية إسلامية تعرضت للتشويه في تاريخ المسلمين، وأن هناك رجلًا آخر في تاريخ المسلمين تعرض تاريخه إلى أكبر عملية تشويه، وذكرت حينها
стр. 175
أنني سأفرد له أكثر عددٍ من الصفحات من بين كل عظماء أمة الإسلام المائة، ذلك لأن هذا الرجل إنما هو رجل استثنائي، فهو ثالث أعظم مخلوقٍ خلقه اللَّه بعد الأنبياء، وهو ثالث العشرة المبشرين بالجنة، وهو الإنسان الوحيد في تاريخ البشرية الذي تزوج من ابنتي نبيٍ مرسل، وهو ثالث الخلفاء الراشدين، وهو الرجل الذي تستحي منه الملائكة، وهو رفيق رسول اللَّه ﷺ في الجنة، وهو الإنسان الذي جمع القرآن الذي نقرأه إلى يومنا هذا، وهو مجهز جيش العسرة، وهو الذي اشترى بئر رومة وجعلها ملكًا للمسلمين، وهو الرجل الذي تمَّت بسببه بيعة الرضوان. . . أعظم بيعة في تاريخ الأرض، إننا في صدد الحديث عن رجلٍ من نوعية خاصة قلّما ظهرت في التاريخ، إننا في صدد الحديث عن صهر رسول اللَّه ﷺ ، ذي النورين، صاحب الهجرتين، المصلي إلى القبلتين، إنه التوّاب الأوّاب، العابد الخاشع، المحسن الخاضع، إنه المسلم التقي، المؤمن النقي، الكريم الحيي، السهل السخي، السمح السري، إنه الجواد الكريم، صاحب السخاء العظيم، رجل البر والجود والإحسان، جامع القرآن. . . . . عثمان بن عفان.
ولا أخفي القارئ الكريم سرًا أنني كنت قد عزمت في البداية أن يكون عثمان بن عفان هو أول شخصية افتتح بها هذا الكتاب، لا لأنه يفوق أبا بكر الصديق في الفضل، بل لإنه أكثر شخصية إسلامية تعرضت للتشويه في تاريخ الأمة، بل إنني لا أعتبر نفسي مبالغًا إذا ما زعمت أنّ عثمان بن عفّان هو أكثر شخصيةٍ تعرضت للتشويه والتزييف في تاريخ العنصر البشري على الإطلاق! لذلك رأيت أنّ من واجبي أن أدافع بقلمي عن هذا الرجل الذي لطالما دافع عن رسول اللَّه ﷺ ، في هذا الوقت الذي تتطاول فيه الأقزام على عمالقة الإنسانية، ويتدافع فيه المنافقون من كل حدبٍ وصوبٍ لتدمير تاريخ عظمائنا، لتدمير هذه الأمة من الداخل، بعدما أن علم الغزاة أن حروبهم التي شنّوها على هذه الأمة لم تستطع أن تنهيَ وجودها، بل بالعكس، فقد قامت هذه الأمة ونفضت عن غبارها بعد كل حرب لتعود من جديد أقوى بألف مرة من سابق عهدها، فاختار هؤلاء الأشرار في القرنين الأخيرين طريقة جديدة لتدمير الإسلام، لا من خلال الغزو العسكري، بل من خلال الغزو التاريخي، فعملوا على ضرب رموزنا، وتشويه صورتهم، والتشكيك في منجزاتهم الحضارية، وللأسف. . . . . . فقد نجحوا في مبتغاهم هذه المرة! فانتصر غزاة
стр. 176
التاريخ في حربهم الشعواء التي خاضوها ضد رموز هذه الأمة، فأصبحت ثوابت هذه الأمة في مهب الريح لسنواتٍ عدة، تملّكت فيها روح اليأس والهزيمة قلوبَنا، فأصبحنا أجسادًا بالية تسكنها أرواحٌ مهزومة في داخلها، فهُنّا على الناس، بعد أن هُنّا على أنفسنا!
ولكن كدَيْدَن هذه الأمة العجيبة، وعندما ظن الجميع أنها على وشك النهاية المحققة، وبعد أن سمع الجميع حشرجات الموت تخرج من جسدها المهترئ، حدث شيء عجيب!
فقد خرج من بين تلك الضلوع المشلولة مولودٌ جديدٌ تبدو عليه قسمات العظمة، يشبه في ملامحه ملامحَ عظماء الأمة السابقين، إلا أنه لم يجد من يستعين به لقيامه، فأخذ يترنح ويتخبط في كل الاتجاهات لا يعرف إلى أين يتجه، فتارةً يتجه إلى الشرق، وتارةً يتجه إلى الغرب، وتارة يأخذه اليأس والغضب، فيدمر ما حوله نتيجة لذلك، ليظل على ذلك الأمر من التخبط حتى سخر اللَّه له في السنوات الأخيرة رجالًا هبّوا وقاموا قومة رجلٍ واحد ليرشدوا ذلك المولود الجديد، فقاموا بإزاحة التراب عن كتب التاريخ، ليحدِّدوا البَوْصلة التي تُرشد ذلك الطفل الوليد إلى الاتجاه الصحيح، فقاموا بحمل راية الجرح والتعديل، ولكن هذه المرة لروايات التاريخ المطوية منذ مئات السنين، عندها بدأت ملامح شخصية ذلك الطفل تنمو شيئًا فشيئًا، كل ذلك بفضل اللَّه، ثم بفضل من أحب أن أطلق عليهم اسم "المؤرخين الجدد"، فهؤلاء كانوا أصحاب السبق في إعادة إحياء هذه الأمة الميتة، وهؤلاء هم من استعنت بأعمالهم في إيجاد مادة هذا الكتاب، وهؤلاء هم الذين استعنت بهم لمعرفة حقيقة هذا الرجل المظلوم تاريخيًا. . . . . .
وعثمان بن عفان تعرض تاريخه لأقذر عملية تشويه وتزييف في تاريخ البشر، حتى بات عثمان في أعين المسلمين أنفسهم ذلك الرجل الانتهازي الفاحش الثراء الذي بنى القصور له ولأهله، وانتشرت في عهده المحسوبية، فجعل أبناء عمومته أمراءً على الولايات الإسلامية على حساب بقية المسلمين من العامة، وشحَّ في عهده العدل، وانتشر الظلم، وتعطل شرع اللَّه، فعمّت الفوضى أرجاء الخلافة الإسلامية في عهده، مما أدّى في نهاية الأمر إلى مقتله على أيدي من سمّاهم المستشرقون باسم "الثوار"! فكان ذلك -على حد زعمهم- نتيجةً لظلمه وطغيانه، وحبّه للمال، بينما رأى كثيرٌ من
стр. 177
المحبين لعثمان ابن عفان أنه وإن كان رجلًا صالحًا فإنه ذو شخصية ضعيفة لا تصلح للسياسة، فهو بضعف شخصيته تلك أد إلى نشوب أول فتنة في تاريخ المسلمين، لا تزال تداعياتها مستمرةً حتى يوم الناس هذا، فأصبح عثمان بن عفان هو السبب الرئيسي لدمار الحلم الإسلامي الكبير الذي بدأه رسول اللَّه ﷺ ، وثبت أركانه أبو بكر الصديق، ليجعله عمر بن الخطاب حقيقة علمية يراها الناس بأعينهم، قبل أن يأتي ابن عفان ليدمر ذلك البناء الجميل بظلمه وضعف شخصيته. . . . على حد زعمهم أيضًا!
[آية من القرآن بخط الصحابي الجليل عثمان بن عفان ﵁]
لذلك. . . . لن أتبع في هذه الصفحات الطريقة الاعتيادية التي يستخدمها أساتذتنا في معرض ترجمتهم لعثمان بن عفان ﵁ وأرضاه، فلقد أصبح معلومًا للجميع سخاء عثمان وكرمه وتجهيزه لجيش العسرة وكيف اشترى بئر رومة وكيف تصدق به للمسلمين، وبات معلومًا أيضًا سر تسميته بذي النورين وكيف أن الرسول ﷺ تمنى أن لو كان له بنتًا ثالثة ليزوجها لعثمان بعد أن ماتت ابنته، ولن أتطرق إلى تلك الأزمات الإقتصادية التي لم تجد إلّا عثمانها المعطاء لحلها! بل سيكون المنهاج الذي سأسير عليه خلال الصفحات القادمة هو عرض جميع التهم والشبه التي ألقيت جزافًا على عثمان، وأنا حينما أقول (جميع التهم) فأنا أقصد ما أقوله بالحرف الواحد، فلا يوجد في تاريخ هذه الأمة منذ نشأتها ما يدعونا للخزي منه، وما كان صمت علمائنا جزاهم اللَّه كل خير عن التطرق إلى موضوع الفتنة التي عصفت بالمسلمين إلّا محاولة التركيز على جوهر الإسلام بدلًا من إثارة روح الثأر! فقد حان الوقت لعلماء هذه الأمة أن يتخلو عن صمتهم، فالخطر كبيرٌ كبيرٌ، والإسلام مهددٌ الآن أكثر من أي يومٍ مضى، وأحاديث محمد ﷺ باتت عرضةً للتشكيك، وصحيح البخاري أصبح محلًا للنقاش على شاشات الفضائيات وأعمدة الصحف، كل ذلك لأننا أهملنا الجانب التاريخي في حياة هذه الأمة،
стр. 178
وركزنا على الجوانب العقائدية، ونسينا أن العقيدة نفسها قد نقلت إلينا من خلال صحابة محمد! فإذا استمر سكوتنا عن الطعن في أولئك الرجال وتاريخهم، أصبحت تلك الأحاديث النبوية التي نقلوها هم إلينا عرضة للشك، بل أصبح كتاب اللَّه نفسه كتابًا باطلًا، فعثمان هو الرجل الذي جمع القرآن لنا، فإذا قبلنا الشك في ذمته. . . . بات لزامًا علينا أن نقبل الشك في القرآن!
والسائل يسأله هنا: لماذا عثمان بالذات؟ لماذا ليس الصدّيق أو عمر؟ بل لماذا ليس محمد ﷺ هو من تناله سهام المشككين ورماح غزاة التاريخ؟ والواقع أن جميع هؤلاء قد نالوا نصيبهم من جراح الحرب التاريخية، إلّا أن الهدف من تلك الحرب الشعواء أخطر من الطعن في الشخصيات نفسها بكثير، وأكبر من شخص أبي بكر وعمر وباقي الصحابة، بل إن الهدف أكبر من شخص رسول اللَّه ﷺ نفسه! إن الهدف الرئيسي لغزاة التاريخ هو دين اللَّه، الهدف هو الإسلام نفسه! هذا الدين الذي لا نعرف نحن قيمته تقام له المؤتمرات السرية لدراسة سُبل إنهائه من على وجه الأرض، ولا شكّ أن الخبراء الإستراتيجيين من غزاة التاريخ قد أدركوا أن سر قيام المسلمين بعد كل سقوطٍ لهم يكمن في الدرجة الأولى في ذلك الكتاب العجيب الذي يسميه المسلمون "القرآن الكريم"، ولا شك أنهم عرفوا أيضًا أن رجلًا من بني أمية يقال له (عثمان بن عفان) هو الذي جمع هذا الكتاب، لذلك أصبح هذا الرجل هو العدو الأول لغزاة التاريخ، بل أصبح (بنو أمية) أنفسهم هدفًا لسهامهم المسمومة، لذلك فإن الحرب على عثمان بن عفان ﵁ وأرضاه إنما هي حربٌ على كتاب اللَّه!
والآن لنستعرض تلك الشبهات التي ذكرها غزاة التاريخ من المستشرقين وعملائهم من الشيعة الروافض والمنافقين من المثقفين، لنجيب نحن عليها بشكلٍ علمي وهادئ، بعيدًا عن التعصب الأعمى:
أولًا: الشبهة المالية: لو اختار هؤلاء الطاعنون الأغبياء أي تهمةٍ أخرى غير هذه التهمة في حق عثمان لكان خيرًا لهم، فعثمان بن عفان ﵁ وأرضاه (وبشهادة هؤلاء الطاعنين أنفسهم) كان أغنى العرب على الإطلاق حتى قبل توليه منصب الخلافة، وعثمان هو الرجل الذي كان يعالج الأزمات الإقتصادية التي مر بها المسلمون
стр. 179
في حضرة رسول اللَّه ﷺ ، وأنا هنا أرد بما ردّ به هو نفسه على المنافقين عندما اتهموه بذمته المالية بقوله: "إن العرب جميعًا تعلم أني اكثر العرب بعيرًا وشاةً وقد أنفقت ذلك كله في سبيل اللَّه ولا أملك الآن إلّا بعيرين اثنين للحج! ".
ثانيًا: محاباة عثمان لأقاربه! دعوني أعترف أنني أستغرب فعلًا في عدد الولاة من بني أمية الذين عينهم ابن عمهم عثمان بن عفان، ولكن لا لكثرتهم، بل لقلتهم!! فلقد كان عدد الولاة من بني أمية في زمن عثمان بن عفان الأموي اثنين فقط، هما الصحابيين الجليلين (معاوية بن أبي سفيان) و (عبد اللَّه ابن السائب بن قريظ) ﵄، ونحن نتحدث عن واليين فقط في دولة ممتدة من "أذربيجان" إلى "تونس"، بل إن معاوية بن أبي سفيان ﵁ وعن أبيه- كان واليًا على الشام منذ عهد الفاروق عمر بن الخطاب ﵁، وعمر هو من هو في اختيار ولاته! والحقيقة أنني أستغرب في عدم تولية عثمان لأقاربه من بني أمية والذين يعتبرون أفضل العرب في شئون الحكم والسياسة على الإطلاق، بل إن عجبي ذلك قد زاد عندما أحصيت الولاة من بني أمية الذين استأمنهم أعظم مخلوق في تاريخ الأرض رسول اللَّه ﷺ بنفسه على الولايات الإسلامية لأجد هذه النتيجة العجيبة:
• أبو سفيان بن حرب بن أمية: أسلم قبل فتح مكة، ولاه النبي ﷺ على "نجران".
• معاوية بن أبي سفيان بن حرب بن أمية: أمَّنه الرسول صلى اللَّه على كتابة الوحي المنزل من السماء، وجعله أميرًا على لواءٍ من ألوية الجيوش النبوية.
• عبد اللَّه بن سعيد بن العاص بن أمية: من أوائل من أسلموا، وأحد شهداء بدر الثلاثة عشر، أمره النبي ﷺ بتعليم القرآن بالمدينة ثم ولاه بعض قرى العرب.
• عمرو بن سعيد بن العاص بن أمية: قديم الإسلام شهد بدرًا وهاجر الهجرتين، ولاه النبي ﷺ على "وادي القرى".
• خالد بن سعيد بن العاص بن أمية: قديم الإسلام جدًا، أسلم في أيام الإسلام الأولى، من مهاجرة الحبشة، ولاه النبي ﷺ على "صنعاء".
• أبان بن سعيد بن العاص بن أمية: أسلم أثناء غزوة خيبر عام ٧ هـ، ولاه النبي ﷺ على "الخطّ" (حاليًا القطيف).
стр. 180
• عتاب بن أسيد بن أبي العيص بن أمية: أسلم يوم فتح مكة، ولاه النبي ﷺ على "مكة"، ليكون هذا الأمير الأموي أول حاكم إسلامي لمكة!
ومن ذلك نرى أن الطعن في ذمة بني أمية هو طعن في ذمة رسول اللَّه ﷺ الذي كان هو أول من ولاهم، ومن ثم الطعن في اللَّه نفسه الذي لم يحذر رسوله من خطر بني أمية المزعوم!!!
ثالثًا: حرق عثمان للمصاحف: وهذا حقٌ أراد به الشيعة باطلًا، فلقد جمع عثمان بن عفان القرآن كله في مصحفٍ واحدٍ، ثم حرق بقية المصاحف الأخرى ليبقى القرآن محفوظًا بالمصحف العثماني الذي لا نزال نتعبد به اللَّه، وأرفق هنا صورة للمصحف العثماني الأصلي الموجود إلى يوم الناس هذا في "متحف إسطانبول" بتركيا بخط يد الصحابي الجليل (زيد بن ثابت) ﵁ وأرضاه.
رابعًا: أحقية عثمان بالخلافة: عثمان بن عفان هو ثالث أعظم رجلٍ في هذه الأمة بشهادة رسول اللَّه ﷺ ، بعد أبي بكرٍ وعمر ﵁، وعثمان هو الذي استأمنه رسول اللَّه ﷺ على ابنته رقية بنت محمد ﵍، ثم بعد موتها على أختها أم كلثوم بنت محمد عليها وعلى أبيها السلام، ثم إن عثمان انتخِب انتخابًا من الناس بعد أن قام الصحابي الجليل (عبد الرحمن ابن عوف) باستفتاء أهل المدينة الذين كانوا يحبونه ويوقرونه، ثم إن الصحابة جميعهم بلا استثناء بايعوا عثمان وكان أولهم الصحابي البطل علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه.
خامسًا: تغييره لسنة الرسول: وذلك أنه وسّع المسجد النبوي وزاد من درجات منبره، المضحك أن أغلب أولئك الطاعنين هم من الشيعة الذين لا يؤمنون بسنة رسول اللَّه أصلًا! وتناسى الشيعة وغيرهم أن عدد المسلمين قد زاد في عهد عثمان لدرجة أن المسجد لم يعد يستوعب أعداد المصلين، وأن كثرة عدد المصلين أوجبت على عثمان أن يزيد من ارتفاع المنبر لكي يسمعه المصلون ويروه من على بعد!
سادسًا: انتشار الفقر والظلم في عهده: لو كنت من أولئك المنافقين -والعياذ باللَّه-
следующие страницы →