← Тараджим

Тараджим · id 14132

مائة من عظماء أمة الإسلام غيروا مجرى التاريخ

جهاد الترباني

Полный текст (458 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

التاريخ في حربهم الشعواء التي خاضوها ضد رموز هذه الأمة، فأصبحت ثوابت هذه الأمة في مهب الريح لسنواتٍ عدة، تملّكت فيها روح اليأس والهزيمة قلوبَنا، فأصبحنا أجسادًا بالية تسكنها أرواحٌ مهزومة في داخلها، فهُنّا على الناس، بعد أن هُنّا على أنفسنا! ولكن كدَيْدَن هذه الأمة العجيبة، وعندما ظن الجميع أنها على وشك النهاية المحققة، وبعد أن سمع الجميع حشرجات الموت تخرج من جسدها المهترئ، حدث شيء عجيب! فقد خرج من بين تلك الضلوع المشلولة مولودٌ جديدٌ تبدو عليه قسمات العظمة، يشبه في ملامحه ملامحَ عظماء الأمة السابقين، إلا أنه لم يجد من يستعين به لقيامه، فأخذ يترنح ويتخبط في كل الاتجاهات لا يعرف إلى أين يتجه، فتارةً يتجه إلى الشرق، وتارةً يتجه إلى الغرب، وتارة يأخذه اليأس والغضب، فيدمر ما حوله نتيجة لذلك، ليظل على ذلك الأمر من التخبط حتى سخر اللَّه له في السنوات الأخيرة رجالًا هبّوا وقاموا قومة رجلٍ واحد ليرشدوا ذلك المولود الجديد، فقاموا بإزاحة التراب عن كتب التاريخ، ليحدِّدوا البَوْصلة التي تُرشد ذلك الطفل الوليد إلى الاتجاه الصحيح، فقاموا بحمل راية الجرح والتعديل، ولكن هذه المرة لروايات التاريخ المطوية منذ مئات السنين، عندها بدأت ملامح شخصية ذلك الطفل تنمو شيئًا فشيئًا، كل ذلك بفضل اللَّه، ثم بفضل من أحب أن أطلق عليهم اسم "المؤرخين الجدد"، فهؤلاء كانوا أصحاب السبق في إعادة إحياء هذه الأمة الميتة، وهؤلاء هم من استعنت بأعمالهم في إيجاد مادة هذا الكتاب، وهؤلاء هم الذين استعنت بهم لمعرفة حقيقة هذا الرجل المظلوم تاريخيًا. . . . . . وعثمان بن عفان تعرض تاريخه لأقذر عملية تشويه وتزييف في تاريخ البشر، حتى بات عثمان في أعين المسلمين أنفسهم ذلك الرجل الانتهازي الفاحش الثراء الذي بنى القصور له ولأهله، وانتشرت في عهده المحسوبية، فجعل أبناء عمومته أمراءً على الولايات الإسلامية على حساب بقية المسلمين من العامة، وشحَّ في عهده العدل، وانتشر الظلم، وتعطل شرع اللَّه، فعمّت الفوضى أرجاء الخلافة الإسلامية في عهده، مما أدّى في نهاية الأمر إلى مقتله على أيدي من سمّاهم المستشرقون باسم "الثوار"! فكان ذلك -على حد زعمهم- نتيجةً لظلمه وطغيانه، وحبّه للمال، بينما رأى كثيرٌ من

стр. 177

المحبين لعثمان ابن عفان أنه وإن كان رجلًا صالحًا فإنه ذو شخصية ضعيفة لا تصلح للسياسة، فهو بضعف شخصيته تلك أد إلى نشوب أول فتنة في تاريخ المسلمين، لا تزال تداعياتها مستمرةً حتى يوم الناس هذا، فأصبح عثمان بن عفان هو السبب الرئيسي لدمار الحلم الإسلامي الكبير الذي بدأه رسول اللَّه ﷺ ، وثبت أركانه أبو بكر الصديق، ليجعله عمر بن الخطاب حقيقة علمية يراها الناس بأعينهم، قبل أن يأتي ابن عفان ليدمر ذلك البناء الجميل بظلمه وضعف شخصيته. . . . على حد زعمهم أيضًا! [آية من القرآن بخط الصحابي الجليل عثمان بن عفان ﵁] لذلك. . . . لن أتبع في هذه الصفحات الطريقة الاعتيادية التي يستخدمها أساتذتنا في معرض ترجمتهم لعثمان بن عفان ﵁ وأرضاه، فلقد أصبح معلومًا للجميع سخاء عثمان وكرمه وتجهيزه لجيش العسرة وكيف اشترى بئر رومة وكيف تصدق به للمسلمين، وبات معلومًا أيضًا سر تسميته بذي النورين وكيف أن الرسول ﷺ تمنى أن لو كان له بنتًا ثالثة ليزوجها لعثمان بعد أن ماتت ابنته، ولن أتطرق إلى تلك الأزمات الإقتصادية التي لم تجد إلّا عثمانها المعطاء لحلها! بل سيكون المنهاج الذي سأسير عليه خلال الصفحات القادمة هو عرض جميع التهم والشبه التي ألقيت جزافًا على عثمان، وأنا حينما أقول (جميع التهم) فأنا أقصد ما أقوله بالحرف الواحد، فلا يوجد في تاريخ هذه الأمة منذ نشأتها ما يدعونا للخزي منه، وما كان صمت علمائنا جزاهم اللَّه كل خير عن التطرق إلى موضوع الفتنة التي عصفت بالمسلمين إلّا محاولة التركيز على جوهر الإسلام بدلًا من إثارة روح الثأر! فقد حان الوقت لعلماء هذه الأمة أن يتخلو عن صمتهم، فالخطر كبيرٌ كبيرٌ، والإسلام مهددٌ الآن أكثر من أي يومٍ مضى، وأحاديث محمد ﷺ باتت عرضةً للتشكيك، وصحيح البخاري أصبح محلًا للنقاش على شاشات الفضائيات وأعمدة الصحف، كل ذلك لأننا أهملنا الجانب التاريخي في حياة هذه الأمة،

стр. 178

وركزنا على الجوانب العقائدية، ونسينا أن العقيدة نفسها قد نقلت إلينا من خلال صحابة محمد! فإذا استمر سكوتنا عن الطعن في أولئك الرجال وتاريخهم، أصبحت تلك الأحاديث النبوية التي نقلوها هم إلينا عرضة للشك، بل أصبح كتاب اللَّه نفسه كتابًا باطلًا، فعثمان هو الرجل الذي جمع القرآن لنا، فإذا قبلنا الشك في ذمته. . . . بات لزامًا علينا أن نقبل الشك في القرآن! والسائل يسأله هنا: لماذا عثمان بالذات؟ لماذا ليس الصدّيق أو عمر؟ بل لماذا ليس محمد ﷺ هو من تناله سهام المشككين ورماح غزاة التاريخ؟ والواقع أن جميع هؤلاء قد نالوا نصيبهم من جراح الحرب التاريخية، إلّا أن الهدف من تلك الحرب الشعواء أخطر من الطعن في الشخصيات نفسها بكثير، وأكبر من شخص أبي بكر وعمر وباقي الصحابة، بل إن الهدف أكبر من شخص رسول اللَّه ﷺ نفسه! إن الهدف الرئيسي لغزاة التاريخ هو دين اللَّه، الهدف هو الإسلام نفسه! هذا الدين الذي لا نعرف نحن قيمته تقام له المؤتمرات السرية لدراسة سُبل إنهائه من على وجه الأرض، ولا شكّ أن الخبراء الإستراتيجيين من غزاة التاريخ قد أدركوا أن سر قيام المسلمين بعد كل سقوطٍ لهم يكمن في الدرجة الأولى في ذلك الكتاب العجيب الذي يسميه المسلمون "القرآن الكريم"، ولا شك أنهم عرفوا أيضًا أن رجلًا من بني أمية يقال له (عثمان بن عفان) هو الذي جمع هذا الكتاب، لذلك أصبح هذا الرجل هو العدو الأول لغزاة التاريخ، بل أصبح (بنو أمية) أنفسهم هدفًا لسهامهم المسمومة، لذلك فإن الحرب على عثمان بن عفان ﵁ وأرضاه إنما هي حربٌ على كتاب اللَّه! والآن لنستعرض تلك الشبهات التي ذكرها غزاة التاريخ من المستشرقين وعملائهم من الشيعة الروافض والمنافقين من المثقفين، لنجيب نحن عليها بشكلٍ علمي وهادئ، بعيدًا عن التعصب الأعمى: أولًا: الشبهة المالية: لو اختار هؤلاء الطاعنون الأغبياء أي تهمةٍ أخرى غير هذه التهمة في حق عثمان لكان خيرًا لهم، فعثمان بن عفان ﵁ وأرضاه (وبشهادة هؤلاء الطاعنين أنفسهم) كان أغنى العرب على الإطلاق حتى قبل توليه منصب الخلافة، وعثمان هو الرجل الذي كان يعالج الأزمات الإقتصادية التي مر بها المسلمون

стр. 179

في حضرة رسول اللَّه ﷺ ، وأنا هنا أرد بما ردّ به هو نفسه على المنافقين عندما اتهموه بذمته المالية بقوله: "إن العرب جميعًا تعلم أني اكثر العرب بعيرًا وشاةً وقد أنفقت ذلك كله في سبيل اللَّه ولا أملك الآن إلّا بعيرين اثنين للحج! ". ثانيًا: محاباة عثمان لأقاربه! دعوني أعترف أنني أستغرب فعلًا في عدد الولاة من بني أمية الذين عينهم ابن عمهم عثمان بن عفان، ولكن لا لكثرتهم، بل لقلتهم!! فلقد كان عدد الولاة من بني أمية في زمن عثمان بن عفان الأموي اثنين فقط، هما الصحابيين الجليلين (معاوية بن أبي سفيان) و (عبد اللَّه ابن السائب بن قريظ) ﵄، ونحن نتحدث عن واليين فقط في دولة ممتدة من "أذربيجان" إلى "تونس"، بل إن معاوية بن أبي سفيان ﵁ وعن أبيه- كان واليًا على الشام منذ عهد الفاروق عمر بن الخطاب ﵁، وعمر هو من هو في اختيار ولاته! والحقيقة أنني أستغرب في عدم تولية عثمان لأقاربه من بني أمية والذين يعتبرون أفضل العرب في شئون الحكم والسياسة على الإطلاق، بل إن عجبي ذلك قد زاد عندما أحصيت الولاة من بني أمية الذين استأمنهم أعظم مخلوق في تاريخ الأرض رسول اللَّه ﷺ بنفسه على الولايات الإسلامية لأجد هذه النتيجة العجيبة: • أبو سفيان بن حرب بن أمية: أسلم قبل فتح مكة، ولاه النبي ﷺ على "نجران". • معاوية بن أبي سفيان بن حرب بن أمية: أمَّنه الرسول صلى اللَّه على كتابة الوحي المنزل من السماء، وجعله أميرًا على لواءٍ من ألوية الجيوش النبوية. • عبد اللَّه بن سعيد بن العاص بن أمية: من أوائل من أسلموا، وأحد شهداء بدر الثلاثة عشر، أمره النبي ﷺ بتعليم القرآن بالمدينة ثم ولاه بعض قرى العرب. • عمرو بن سعيد بن العاص بن أمية: قديم الإسلام شهد بدرًا وهاجر الهجرتين، ولاه النبي ﷺ على "وادي القرى". • خالد بن سعيد بن العاص بن أمية: قديم الإسلام جدًا، أسلم في أيام الإسلام الأولى، من مهاجرة الحبشة، ولاه النبي ﷺ على "صنعاء". • أبان بن سعيد بن العاص بن أمية: أسلم أثناء غزوة خيبر عام ٧ هـ، ولاه النبي ﷺ على "الخطّ" (حاليًا القطيف).

стр. 180

• عتاب بن أسيد بن أبي العيص بن أمية: أسلم يوم فتح مكة، ولاه النبي ﷺ على "مكة"، ليكون هذا الأمير الأموي أول حاكم إسلامي لمكة! ومن ذلك نرى أن الطعن في ذمة بني أمية هو طعن في ذمة رسول اللَّه ﷺ الذي كان هو أول من ولاهم، ومن ثم الطعن في اللَّه نفسه الذي لم يحذر رسوله من خطر بني أمية المزعوم!!! ثالثًا: حرق عثمان للمصاحف: وهذا حقٌ أراد به الشيعة باطلًا، فلقد جمع عثمان بن عفان القرآن كله في مصحفٍ واحدٍ، ثم حرق بقية المصاحف الأخرى ليبقى القرآن محفوظًا بالمصحف العثماني الذي لا نزال نتعبد به اللَّه، وأرفق هنا صورة للمصحف العثماني الأصلي الموجود إلى يوم الناس هذا في "متحف إسطانبول" بتركيا بخط يد الصحابي الجليل (زيد بن ثابت) ﵁ وأرضاه. رابعًا: أحقية عثمان بالخلافة: عثمان بن عفان هو ثالث أعظم رجلٍ في هذه الأمة بشهادة رسول اللَّه ﷺ ، بعد أبي بكرٍ وعمر ﵁، وعثمان هو الذي استأمنه رسول اللَّه ﷺ على ابنته رقية بنت محمد ﵍، ثم بعد موتها على أختها أم كلثوم بنت محمد عليها وعلى أبيها السلام، ثم إن عثمان انتخِب انتخابًا من الناس بعد أن قام الصحابي الجليل (عبد الرحمن ابن عوف) باستفتاء أهل المدينة الذين كانوا يحبونه ويوقرونه، ثم إن الصحابة جميعهم بلا استثناء بايعوا عثمان وكان أولهم الصحابي البطل علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه. خامسًا: تغييره لسنة الرسول: وذلك أنه وسّع المسجد النبوي وزاد من درجات منبره، المضحك أن أغلب أولئك الطاعنين هم من الشيعة الذين لا يؤمنون بسنة رسول اللَّه أصلًا! وتناسى الشيعة وغيرهم أن عدد المسلمين قد زاد في عهد عثمان لدرجة أن المسجد لم يعد يستوعب أعداد المصلين، وأن كثرة عدد المصلين أوجبت على عثمان أن يزيد من ارتفاع المنبر لكي يسمعه المصلون ويروه من على بعد! سادسًا: انتشار الفقر والظلم في عهده: لو كنت من أولئك المنافقين -والعياذ باللَّه-

стр. 181

لبحثت عن كذبة أخرى يمكن للمرء أن يصدقها، فعهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان ﵁ وأرضاه كان أكثر زمن انتشر فيه الرخاء الاقتصادي في تاريخ أمة الإسلام على الإطلاق، أما في مسألة العدل فنحن أمام ثلاث احتمالات، فإمّا أن نؤمن بأن عثمان كان عادلًا بين الناس فنصدق بذلك رسول اللَّه ﷺ الذي بشره بالجنة، وإما أن رسول اللَّه ﷺ كان يكذب علينا عندما أخبرنا بعدل صحابته الكرام، وإما أن يكون اللَّه مقصرًا في بين رسوله الكريم باختياره لأولئك الرجال ليكونوا أصحابًا لرسوله الذي اصطفاه من بين العالمين. وحاشى اللَّه ورسوله وصحابته! سابعًا: نفيه لأبي ذر الغفاري: وهذه الشبهة منتشرة للأسف بين صفوف إخواننا من المتصوفة الطرقيين، والحقيقة أن عثمان لم ينفِ أبا ذرٍ البتة، بل إن أبا ذرٍ الغفاري ﵁ وأرضاه قد اختار لنفسه العيش في الصحراء بعد أن انتشر التمدن والغنى -كما أسلفنا- في عهد عثمان بن عفان، وذلك لأن طبيعة أبي ذر هي طبيعة زاهدة في الحياة ولا يمكن لها أن تتقبل هذا الثراء الذي انتشر في أرجاء الخلافة الإسلامية بعد أن امتلك المسلمون كنوز كسرى وقيصر، وهذا شيءٌ لا يضير أبا ذر، كما أنه لا يضير أخاه عثمان بن عفان. ثامنًا: ضعف شخصية عثمان: يا لحماقة أولئك القوم! فكيف يكون الرجل ظالمًا متجبرًا ويكون ضعيف الشخصية في آنٍ واحد؟!! ولكن هذا هو ديدن المنافقين. . . . الغباء! فكيف لرجلٍ يُتهم بضعف الشخصية أن يبيد الإمبراطورية الفارسية ويمسحها من خارطة التاريخ؟ وكيف له أن يقضي على الفتن والقلاقل في أرمينية وأذربيجان؟ وكيف له أن يفتح إفريقية؟ وكيف له أن يفتح جمهوريات الاتحاد السوفييتي المسلمة؟ وكيف له أن يرسل رسالة مكتوب عليها "من عثمان بن عفان خليفة رسول اللَّه إلى إمبراطور الصين. . . أسلم تسلم! "؟ بل كيف يرضى الصحابة وعلى رأسهم الصحابي البطل علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه بأن يكون الرجل الذي يحكمهم ضعيف الشخصية؟!!! أمّا إذا كان غزاة التاريخ يقصدون حِلم الخليفة عثمان بن عفان وعفوه على المنافقين وعدم قتاله لأولئك المجرمين الذين جاءوا ليقتلوه، فهذا حقٌ آخر يُراد به باطل، فعثمان بن عفّان كان حليمًا بالفعل معهم، ليس لأنه ضعيف، بل لأنه رجلٌ حليمٌ إلى درجةٍ جعلت الملائكة تستحي منه، ولمعرفة مقدار الحلم الذي كان يتمتع به هذا

стр. 182

الرجل الاستثنائي يجب علينا أن نستمع إلى حديث أم المؤمنين الطاهرة المطهرة عائشة ﵂ وهي تقص علينا هذه القصة العجيبة التي أوردها الإمام مسلم في صحيحه: "كان رسول اللَّه ﷺ مضطجعا في بيتي، كاشفا عن فخذيه أو ساقيه فاستأذن أبو بكر فأذن له، وهو على تلك الحال، فتحدث، ثم استأذن عمر فأذن له، وهو كذلك، فتحدث، ثم استاذن عثمان، فجلس رسول اللَّه ﷺ . وسوى ثيابه -قال محمد: ولا أقول ذلك في يوم واحد- فدخل فتحدث، فلمّا خرج قالت عائشة: دخل أبو بكر فلم تهتش له، ولم تباله، ثم دخل عمر فلم تهتش له ولم تباله. ثم دخل عثمان فجلست وسويت ثيابك؟! فقال: "ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة". إذا فالرجل كان يتمتع بدرجة عجيبة من الحياء ميزته عن بقية البشر، لدرجة أن الملائكة كانت تستحي منه، وواللَّه إن المرء ليقف متعجبًا من أمر هذا الرجل الحيي، فعثمان لم يسكت عن أولئك المجرمين نتيجةً لضعفه، بل سكت لأنه كان قد سمع شيئًا خطيرًا من رسول اللَّه ﷺ ، ولنستمع هذه المرة للصحابي الجليل أبي موسى الأشعري ليروي لنا هذه القصة الخطيرة التي عاش أحداثها بنفسه: "توضأت في بيتي ثم خرجت فقلت لألزمن رسول اللَّه ﷺ ولأكونن معه يومي هذا فجئت المسجد فسألت عن النبي ﷺ فقالوا خرج ووجه هاهنا فخرجت على إثره أسأل عنه حتى دخل بئر أريس فجلست عند الباب وبابها من جريد حتى قضى رسول اللَّه ﷺ حاجته فتوضأ فقمت إليه فإذا هو جالس على بئر أريس وتوسط قفها وكشف عن ساقيه ودلاهما في البئر فسلمت عليه ثم انصرفت فجلست عند الباب فقلت لأكونن بواب رسول اللَّه ﷺ اليوم فجاء أبو بكر فدفع الباب فقلت من هذا فقال أبو بكر فقلت على رسلك ثم ذهبت فقلت يا رسول اللَّه هذا أبو بكر يستأذن فقال ائذن له وبشره بالجنة فأقبلت حتى قلت لأبي بكر ادخل ورسول اللَّه ﷺ يبشرك بالجنة فدخل أبو بكر فجلس عن يمين رسول اللَّه ﷺ معه في القف ودلى رجليه في البئر كما صنع النبي ﷺ وكشف عن ساقيه ثم رجعت فجلست وقد تركت أخي يتوضأ ويلحقني فقلت إن يرد اللَّه بفلان خيرا (يريد أخاه) يأت به (لكي يبشره الرسول بالجنة أيضًا!) فإذا إنسان يحرك الباب فقلت من هذا فقال عمر بن الخطاب فقلت على رسلك ثم جئت إلى رسول اللَّه ﷺ -

стр. 183

فسلمت عليه فقلت هذا عمر بن الخطاب يستأذن فقال ائذن له وبشره بالجنة فجئت فقلت ادخل وبشرك رسول اللَّه ﷺ بالجنة فدخل فجلس مع رسول اللَّه ﷺ في القف عن يساره ودلى رجليه في البئر ثم رجعت فجلست فقلت إن يرد اللَّه بفلان (أخيه) خيرًا يأت به فجاء إنسان يحرك الباب فقلت من هذا فقال عثمان بن عفان فقلت على رسلك فجئت إلى رسول اللَّه ﷺ فأخبرته فقال ائذن له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه فجئته فقلت له ادخل وبشرك رسول اللَّه ﷺ بالجنة على بلوى تصيبك، عندها نظر عثمان في عيني أبي موسى وهو يتأمل هذه الكلمات فقال له: نصبر إن شاء اللَّه! ". إذًا فقد كان عثمان يعلم علم اليقين أنه سيتعرض لبلوى عظيمة، بل إن الرسول ﷺ أخبره صراحة بأنه سيستشهد حين قال له: "يا عثمان! إذا ألبسك اللَّه قميصًا (يقصد الخلافة) وأرادك المنافقون على خلعه فلا تخلعه"! بل إن رسول اللَّه ﷺ قال في موضعٍ آخرٍ شيئًا عجيبًا! فبينما رسول اللَّه ﷺ يمشي مع الثلاثي الأعظم -أبي بكر وعمر وعثمان- اهتز جبل أحد بهم، فقال رسول اللَّه ﷺ : "اثبت أحد، فإنما عليك نبي وصديق، وشهيدان" إذًا فقد كانت المسألة مجرد مسألة وقت ينتظر فيها عثمان وعد اللَّه ورسوله بالشهادة! والحقيقة أن عملية اغتيال عثمان كان مخططًا لها حتى قبل توليه الخلافة، وبالتحديد من أول عملية إرهابية تتعرض لها أمة الإسلام، ولنبقى هذه المرة مع الصحابي الجليل (عبد الرحمن بن أبي بكر) ﵄ ليروي لنا هذه القصة الخطيرة عن ذلك المؤتمر الخطير الذي اجتمعت فيه لأول مرة "القوى الفارسية المجوسية" و"القوى الصليبية الحاقدة" متمثلة في شخص (أبي لؤلؤة المجوسي) وشخص الملك الفارسي (الهرمزان) من الناحية الفارسية، وشخص (جفينة النصراني) من الناحية الصليبية. . . . . فقد كان عبد الرحمن يتمشى في ليلة من ليالي المدينة الهادئة، ليتفاجأ عن طريق الصدفة باجتماع كل من أبي لؤلوة المجوسي وجفينة النصراني والهرمزان في إحدى طرق المدينة الخفية، فلما اقترب ابن الصِّديق منهم ارتبكوا ارتباكًا شديدًا، فسقط منهم خنجر ذو حرفين، وبعدها بقليل قتل ذلك الإرهابي الفارسي أبو لؤلؤة الفاروقَ عمرَ بن الخطاب ﵁، فوجد المسلمون ذلك الخنجر المسموم الذي كان يستعمله ذلك المجرم، لقد كان هو هو ذلك الخنجر ذا الحرفين الذي رآه عبد الرحمن بن أبي بكر!

стр. 184

إذا فقد كان هناك تحالفٌ فارسي صليبي ضد الفاروق!! أما في حالة ذي النورين عثمان ابن عفان، فقد انضم طرف آخر لذلك التحال! لتكتمل خيوط مثلث العداء الإسلامي الذي سيستمر إلى يومنا هذا (الفرس المجوس - الصليبيون - اليهود)، فقد برزت شخصية خطيرة سيكون لها الدور الكبير في تغيير حركة الإرهاب العالمية عبر التاريخ، لقد ظهر رجلٌ في اليمن اسمه (عبد اللَّه بن سبأ)! عبد اللَّه بن سبأ: هو يهودي من يهود اليمن، وُلد في صنعاء لأبٍ يهودي وأم حبشية، ادعى اعتناقه للإسلام (تقية) في زمن الخليفة عثمان بن عفان ﵁ وأرضاه، وانتظر الفرصة السانحة لتدمير الإسلام من الداخل، وفعلًا قام بوضع نظرية اقتبسها من اليهودية وهي نظرية "الوصية والرجعة"! وملخص هذه النظرية أن رسول اللَّه ﷺ سيرجع كما رجع موسى ﵇ بعد غيابه أربعين يومًا عن بني إسرائيل، وأن (علي بن أبي طالب) هو وصي رسول اللَّه كما كان (يوشع بن نون) هو وصي موسى! (وربما يفسر هذا مدى الترابط الكبير بين العقيدة الشيعية والعقيدة اليهودية!) المهم أن ابن سبأ قام بنشر دعوته في الشام، فطرده أهل الشام الأبطال، ثم حاول أن ينشر دعوته في مصر ففشل، فذهب إلى العراق، فوجد هناك البيئة المناسبة لأفكاره الانحرافية من قبل بقايا المجوس الذين دمر الإسلام إمبراطوريتهم وأطفأ نارهم، فقام ابن سبأ بوضع خطةٍ محكمة لتدمير الدولة الإسلامية من الداخل، فقام بإرسال خطابات وهمية موقعة باسم أم المؤمنين عائشة وأسماء كبار الصحابة يدَّعي فيها أنهم يطلبون النجدة من المسلمين في الولايات المختلفة ليخلصونهم من ظلم عثمان الذي يعذبهم في المدينة المنورة، وفعلاّ انتشرت هذه الإشاعات انتشار النار في الهشيم، وبدأ المنافقون يتجهون نحو المدينة لقتل خليفة رسول اللَّه ﷺ ، وقاموا بمحاصرة بيت عثمان بن عفان ﵁ وأرضاه، فتوجه كبار الصحابة وشباب الإسلام يحملون سيوفهم للدفاع عن صهر رسول اللَّه ﷺ ، فتوجه عثمان بن عفان للمدافعين عنده في الدار من المهاجرين والأنصار وكانوا قريبا من سبعمائة: فتعمم البطل الإسلامي الكبير (علي بن أبي طالب) بعِمامة رسول اللَّه ﷺ ، وامتشق سيفه متجهًا إلى دار عثمان يقود جمعًا كبيرًا من أسود الصحابة للدفاع عن خليفتهم، فكان من بين من حملوا سيوفهم مع القائد علي البطل بن البطل (عبد اللَّه بن

стр. 185

عمر بن الخطاب)، والبطل ابن البطل (عبد اللَّه بن الزبير)، والبطلان ابنا البطل (الحسن والحسين)، و (مروان)، و (أبو هريرة)، و (أبو سعيد الخدري) وخلق من مواليه، فخرج لهم عثمان قبل أن يقاتلوا المنافقين وقال لكتيبة المدافعين التي يقودها البطل علي بن أبي طالب: "أقسم على من لي عليه حق أن يكف يده وأن ينطلق إلى منزله! " فاستجاب الصحابة مكرهين لأمر خليفتهم ودموعهم تملؤ أعينهم، ثم توجه ذو النورين نحو رقيقه الذين حملوا السلاح ليذوذوا عن سيدهم وقال لهم: "من أغمد سيفه فهو حر"! ليصرف عثمان جميع المدافعين عنه، وليبقى بذلك وحده محاصرًا من قبل أولئك المنافقين، فقام أولئك الإرهابيون من شذّاذ الأرض بمنع الماء عن خليفة المسلمين عثمان بن عفان لكي يموت عطشًا، وهو الذي سقى رسول اللَّه من بئر رومة! وبينما عثمان نائم والمجرمون محيطون ببيته، استيقظ البطل عثمان بن عفان وهو يضحك، فلما سُئل عن سر سعادته قال: "رأيت في منامى رسول اللَّه ﷺ وأبا بكر وعمر يقولون لى: "اصبر، فستفطر عندنا غدًا يا عثمان! " فأصبح عثمان بن عفان ﵁ وأرضاه صائمًا، وفتح الباب منتظرًا الشهادة، وتناول القرآن الذي كان هو من جمعه للمسلمين، وأخذ يقرأ القرآن بصوته العذب، فانقض عليه الإرهابي المجرم (الغافقي)، فطعنه بحديدة في رأسه، فسالت الدماء شلالًا من صهر رسول اللَّه ﷺ ، ثم ضرب هذا المجرم المصحف بقدمه، فدار المصحف دورةً كاملةً ليستقر مرةً أخرى في حضن عثمان، وكأن كتاب اللَّه يأبى إلا أن تخالط حروفه دماء عثمان، فاستقرت نقطةٍ من دماء عثمان فوق موضعٍ في كتاب اللَّه مكتوب فيه (فسيكفيكهم اللَّه)، ثم أقبل المجرمون بخناجرهم يطعنون هذا الرجل الذي تستحي منه الملائكة، فتقدمت امرأته المخلصة الصحابية الجليلة (نائلة بنت الفرافصة) ﵂ وأرضاها تدافع عن زوجها بكل بسالة وهم يطعنون به من كل جنب، فهجم عليه أحدهم وهوى عليه بسيفه، فتلقت الزوجة الوفية نائلة السيف بيدها لتحمي زوجها، فقطعت أناملها، وبينما كانت تهرع لإمساك سيف رجل ثانٍ قطع ذلك المجرم أصابع يدها الأخرى وهو يدخل السيف فى بطن عثمان ليقتله، وحين هموا بقطع رأسه عثمان ألقت عليه بنفسها إلا أنهم لم يرحموا ضعفها، ولم يعرفوا لعثمان قدره، فحزوا رأسه، ومثَّلوا به، فصاحت تلك المرأة المجاهدة والدم يسيل من

стр. 186

أطرافها: "إن أمير المؤمنين قد قُتل! إن أمير المؤمنين قد قُتِل! " فدخل أحد الإرهابيين إلى الدار عقب مقتل خليفة رسول اللَّه عثمان بن عفان، فإذا به يرى رأسه فى حجر زوجته الوفية وهي تبكي عليه غير آبهة بالدماء التي تسيل من أطرافها المقطوعة، فهجم عليها ذلك المجرم السافل ولطم وجه عثمان، فدعت عليه قائلة: "يبَّس اللَّه يدك، وأعمى بصرك". فلم يخرج ذلك المجرم من باب الدار إلا وقد يبست يداه، وعمى بصره ليهجم أولئك السفلة المنحطين من أهل العراق وغيرهم نحو السيدة الطاهرة نائلة بنت الفرافصة، ليجرِّدوها من مِلائة كانت على جسدها الطاهر وهم يضحكون، ويركلون كتاب اللَّه بأرجلهم، بعدها قام أولئك المنافقون اللصوص بسرقة كل محتويات البيت وهم يركضون حاملين كل شيء على أكتافهم (في منظرٍ مخزٍ تكرر عام ٢٠٠٣ م بنفس الصورة!) لتخرج روح أعظم ثالث رجلٍ في تاريخ الإنسانية بعد الأنبياء، وتستقر عند بارئها، وليستشهد الصحابي الجليل عثمان بن عفان الأموي القرشي صائمًا وهو يقرأ كتاب اللَّه، ولتنتهي بذلك حياة إنسان ما عرفت الأرض مثله في التاريخ، إنسانٌ تستحي منه الملائكة! فرحمك اللَّه يا عثمان. . . . رحمك اللَّه يا صهر رسول اللَّه. . . . وعذرًا ذا النورين إن كنت قد أسأت الظن بك في يومٍ من الأيام، أو قصّرت في إنصافك في هذا الصفحات القليلة من هذا الكتاب! وسلامًا أيها الإنسان النقي، أيها الكريم الحيي، أيها السهل السخي، أيها السمح السري، أيها الجواد الكريم، يا صاحب السخاء العظيم، يا رجل البر والجود والإحسان، يا جامع القرآن، يا عثمان بن عفان! ولكن. . . . كيف جاءت ساعة الانتقام من تلك الوحوش البشرية؟ ومن هو الصقر الأموي الذي حمل على عاتقه الثأر لذي النورين؟ وما الشيء الذي فعلته الزوجة المخلصة نائلة بنت الفرافصة بعد ذلك؟ وما الذي كان يحتويه ذلك الصندوق السري الذي بعثت به إلى الشام؟ ومن هو ذلك الصحابي الجليل الذي تسلم رسالتها؟ ولماذا كان رسول اللَّه يستأمنه على الوحي المنزل؟ وما الشيء الذي قاله جبريل ﵇ في حق ذلك العظيم الإسلامي؟ وكيف أصبح بعدها أعظم إنسان حكم المسلمين عبر تاريخ الإسلام بعد رسول اللَّه مباشرة؟ ولماذا يعتبره أتباع ابن سبأ عدوَّهم الرئيسيَّ الأول؟ يتبع. . . .

стр. 187

﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾ " خال المؤمنين" (معاوية بن أبي سفيان) " يا محمد! إن اللَّه يأمرك أن تستأجر معاوية، إن خير من استكتبت القوي الأمين" (جبريل ﵇) "اللهم علمه الكتاب والحساب وقه العذاب" "اللهم اجعلهُ هادِيًا مَهديًّا واهده واهدِ به" (محمد ﷺ ) "معاوية سترٌ لأصحاب محمد، فإذا كشف الرجلُ الستر اجترأ على ما وراءه" (البداية والنهاية) "ما رأيت أحدا قط بعد رسول اللَّه كان أسود (أكثر سيادة) من معاوية" (عبد اللَّه بن عمر) "ما رأيت رجلا كان أخلق للملك من معاوية" (عبد اللَّه بن عباس) "ما رأيت أشبه صلاة برسول اللَّه من معاوية" (أبو الدرداء) "ما رأيت أحدًا بعد عثمان أقضى بحق من معاوية" (سعد بن أبي وقاص) "رأيت معاوية مردفًا عبده على بغلة في سوق دمشق عليه قميصٌ مرقَّع الجيب! " (يونس بن حلبس) "ما رأيت أحدًا أعظم حلمًا ولا أكثر سؤددًا ولا أشبه سريرة بعلانية مثل معاوية" (قبيصة بن جابر) "معاوية عندنا مِحْنة، فمن رأيناه ينظر إليه شزَرًا اتهمناه على الصحابة! " (عبد اللَّه بن المبارك)

стр. 188

لو جاءني أحدٌ وسألني عن معاوية بن أبي سفيان قبل سنيّات معدودة لسمع مني مختلف ألوان السَّب والطعن في هذا الرجل! بل لسمع مني تشكيكًا في إسلامه وإسلام أبيه من قبله!!! هذه حقيقة أشهد اللَّه عليها، فلقد كنت للتشيع يومئذٍ أقرب مني لمذهب أهل السنة والجماعة، وربما يعجب البعض من ذلك بعد أن لاحظ تركيزي على خيانات الشيعة عبر التاريخ في هذا الكتاب، والحقيقة أني لم أذكر شيئًا بعد عن خيانات أولئك القوم بعد، فالقادم في صفحات هذا الكتاب أكثر بكثير! ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا: من الذي كان سيتحمل المسؤولية أمام اللَّه لو أنني ارتددت إلى دين الشيعة؟ ومن الذي كان سيشفع لي أمام رسول اللَّه ﷺ عندما ألاقيه يوم القيامة وقد سببت أصحابه واتهمت زوجاته بالزنى وآمنت بتحريف القرآن كما يفعل الشيعة اليوم؟ لا شك وقتها أنني سأكون المسؤول الأول عن ارتدادي أمام اللَّه، ولكن هناك نفر مسؤولون أيضًا سيقفون بلا شك بين يدي اللَّه ليتحملوا جزءً كبيرًا عن كل شابٍ تشيع من أهل السنة والجماعة ليسبّ عرض النبي وأصحابه الكرام، هؤلاء النفر هم علماء أهل السنة والجماعة الذين لم يبينّوا للناس الحقيقة الكاملة لقصة الفتنة الكبرى، فلقد حاولت جهدي أن أجد أجوبةً لأسئلتي الكثيرة المتعلقة بموضوع الفتنة التي حدثت بين علي ومعاوية ﵄ وأرضاهما، فذهبت إلى العلماء أستفسر منهم حقيقة ما جرى بعد أن عجزت عن إيجاد الأجوبة المقنعة من خلال مناهج التاريخ المدرسية البالية، فكنت أجد جوابًا يتكرر كثيرًا على مسامعي، ذلك الجواب هو مقولة الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز ﵀ عندما سُئل عن الفتنة حيث قال: "تلك فتنة عصم اللَّه منها سيوفنا فلنعصم منها ألسنتنا! "، لذلك لم أجد جوابًا يذكر للسؤال الذي كان يحيرني دومًا: من الذي كان ظالمًا. . . . ومن الذي كان مظلومًا؟؟؟ حتى جاء ذلك اليوم الذي استمعت فيه عن طريق الصدفة في إحدى الإذاعات الشيعية إلى عالمٍ شيعي كان يروي قصة الفتنة، أذكر حينها جيدًا أن دموعي سألت بغزارة وأنا أستمع إليه وهو يقص باكيًا كيف تعرض أمير المؤمنين علي بن أبي طالب إلى الغدر والخيانة من قبل عائشة وأصحاب رسول اللَّه، ولكن الشيء الذي لم أكن أعلمه وقتها أن

стр. 189

كل ما كان يرويه ذلك الشيخ الباكي إنما هو مجرد أكاذيبٍ وخرافاتٍ! والحق أقول أنني تأثرت بهذه القصة الحزينة، وقلت وقتها لنفسي: لا بد أن الشيعة على حق! وربما يكون هذا هو السبب الذي يدفع علماء السنة إلى عدم الخوض في موضوع الفتنة! ثم مرت الأيام. . . . وازداد فيها يقيني بصدق الطرح الشيعي، وببطلان القصة التي يرويها أهل السنة والجماعة، وكم كنت أغضب حينما كنت أجد أحدًا من أصدقائي يتعرض للشيعة بكلمةٍ تمسّهم بسوء، وكنت أردد دائمًا: لماذا هذه النعرة الطائفية؟ ألا يتوجب علينا بدلًا من ذلك التركيز على العدو الخارجي؟ ثم جاء غزو العراق. . . ورأيت خيانة الشيعة هناك، ثم رأيت مذابحهم بأهل السنة والجماعة في شوارع بغداد، ثم رأيت ما فعله "حزب اللَّه" الشيعي في بيروت عام ٢٠٠٨ م، وكيف أنهم أغلقوا مساجد السنة ومنعوا المسلمين من الصلاة في مساجد بيروت، ثم أخذت أتابع الفضائيات الشيعية التي تدعو إلى تحريف القرآن، عند ذلك لجأت إلى كتب التاريخ الأصلية علّي أجد تفسيرًا لما يدور من حولي من ألغاز، فوجدت جميع الأجوبة التي أبحث عنها، والتي سأنقلها في الصفحات القليلة القادمة إن شاء اللَّه! أزعم أن لدي من الجرأة ما يدفعني لكي أقول أن زمن تلك المقولة لـ (عمر بن عبدالعزيز) ﵀ قد انتهى، فزمن الأمويين الذي كان يعيش فيه عمر بن عبد العزيز كان زمن سلامٍ وفتوحات إسلامية لا مجال فيه لنكء الجروح، أمّا الآن فنحن نواجه حربًا ضروسًا يجب أن نتسلح لها جيدًا بالعلم، فمقدساتنا تُنتهك، وأصحاب النبي يُسبّون ليل نهار، وزوجات محمد يُتّهمن بشرفهن، والمدّ الإيراني الصفوي يتمدد كالأخطبوط، وشبابنا يضيعون أمام أعيننا، وكتاب اللَّه أصبح عرضةً للتحريف، وإسلامنا أصبح في مهب الريح، دين اللَّه أصبح في خطر، دين محمد وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي ومعاوية أصبح في خطر!!! ولعل مقولة للإمام المجاهد الشيخ (عبد اللَّه بن المبارك) هي المقولة التي تناسب زماننا، حين سُئل الإمام أيهما أفضل: معاوية بن أبي سفيان، أم عمر بن عبد العزيز؟ قال: "واللَّه إن الغبار الذي دخل فى أنف معاوية مع رسول اللَّه ﷺ أفضل من عمر بألف مرة، صلى معاوية خلف رسول اللَّه ﷺ ، فقال: سمع اللَّه لمن حمده، فقال معاوية: ربنا ولك الحمد. فما بعد هذا؟! ".

стр. 190

وأعجبتني مقولة نقلها الحافظ (ابن كثير) في كتابه "البداية والنهاية" نقلًا عن إمامٍ من أئمة السلف قوله: "معاوية سترٌ لأصحاب محمد ﷺ ، فإذا كشف الرجلُ الستر اجترأ على ما وراءه! " ولكي نعرف مدى خطورة الطعن في ذمة هذا الصحابي الجليل الذي يطعن به أئمة الشيعة ليلا نهارًا، علينا أن نعلم جيدًا أن رسول اللَّه ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى قد أمَّنه على أخطر مهمةٍ على وجه الأرض، مهمة كتابة كلام اللَّه ! ولمن لم يدرك بعد معنى هذا الكلام الخطير أكرر له أن معاوية بن أبي سفيان ﵄ وأرضاهما هو الذي حول الكلمات التي قالها الرب الذي خلق السماوات والأرض إلى كلماتٍ مكتوبةٍ يقرؤها بنو الإنسان، ولمن لم يستوعب بعد، فعليه أن يعلم أن آية الكرسي التي نتعبد بها اللَّه نزلت على الشكل التالي: من اللَّه إلى جبريل ﵇ إلى محمد ﷺ إلى معاوية بن أبي سفيان ﵄ وأرضاهما إلى البشر أجمعين! فهل أدركت الآن مدى عظمة هذا الإنسان؟ هل تعلم الآن مدى خطورة الطعن في معاوية بالذات؟ إن الطعن في ذمة معاوية ليس طعنًا في رسول اللَّه فحسب بل هو طعن في اللَّه! فهو الذي اختار معاوية لكي يكتب لنا كلامه المنزّل على البشر، فإذا كان معاوية بن أبي سفيان رجلًا منحرفًا كما يروَج له علماء الشيعة، يصبح هذا القرآن الذي بين أيدينا قرآنًا محرفًا، ويصبح هذا الدين الذي ملأ الأرض شرقًا وغربًا دينًا باطلًا، ونصيح أنا وأنت في النهاية مجرد أشباحٍ بلا وجودٍ أو كيانٍ! ومعاوية بن أبي سفيان جمع صفات الجمال كلها، فكان أبيض الوجه ناصع البياض، طويل القامة، جميل الهيأة، ومع ذلك كان جميل الأخلاق والطباع بدرجة جعلته يمتلك قلوب الناس بسرعة البرق. ولقد توسَّم أعرابي ملامح العظمة في قسمات وجه معاوية منذ صغره فقال لأمه (هند بنت عتبة) إنه سيملك قومه يومًا ما، فابتسمت أمه بكل ثقة وقالت: ليعدمني إن لم يملك سوى قومه فقط! ومعاوية هو أعظمٍ ملكٍ في تاريخ الحضارة الإسلامية بأسرها، إلّا أنه كان مصباحًا من مصابيح الإسلام، سطع إلى جانب أربع شموس ملأت الدنيا بأنوارها، فغلبت أنوارها على نوره، فهو كما يصفه الصحابي الجليل (عبد اللَّه ابن عمر بن الخطاب) ﵄ وأرضاهما أنه أفضل من حكم المسلمين بعد رسول اللَّه ﷺ ، ولما سُئل إن كان معاوية أفضل في الحكم من أبيه ومن أبي بكر أجاب الفصيح بن

стр. 191

الفصيح عبد اللَّه بن عمر بقوله: هما يفوقانه بالفضل ولكنه أفضل منهما في الحكم! ولا عجب، فهذا سليل "بني أمية" أفضل عائلة ساسَت العرب قبل الإسلام وبعده، فهم أهل السياسة في في الجاهلية والإسلام، وهذا فضل اللَّه يؤتيه من يشاء، وقد كان خلفاء بني أمية أعظم من ملكوا الأرض من المسلمين، وحتى بعد انتهاء دولتهم، أقام بنو أمية على يد (عبد الرحمن الداخل) "صقر قريش" دولةً مهيبة للإسلام في أوروبا، وكان (عبد الرحمن الناصر) من بعده أعظم ملكٍ في تاريخ أوروبا في العصور الوسطى، والحق أقول أنني تعجبت من مما قرأته عن بني أمية وأنا أجمع مادة هذا الكتاب التاريخية من أمهات كتب التاريخ الإسلامي، فلقد شوه المستشرقون ومن معهم من المنافقين تاريخ هذه العائلة العظيمة التي قدَمت الكثير للإسلام، والحق أقول أنني تعجبت أكثر للمعلومات التي حصلت عليها البارحة فقط وأنا أهُمٌّ بالكتابة عن معاوية بن أبي سفيان ﵄ وأرضاهما، فالرجل ليس مثلما صُوِّرَ لنا في مدارسنا بأنه ذلك الملك المتجبر المتغطرس المترف، بل كان رجلًا زاهدًا ومتواضعًا إلى حدٍ أذهلني بالفعل، والذين لا يعرفون سيرة معاوية يستغربون إذا سمعوا بأنه كان من الزاهدين والصفوة الصالحين، فقد روى الإمام أحمد بسنده إلى علي بن أبي حملة عن أبيه قال: "رأيت معاوية على المنبر بدمشق يخطب الناس وعليه ثوبٌ مرقوع! " وقد كان ﵀ يركب بغلته ويدور على أهل الشام بنفسه يذكرهم بالصلاة، والشيء الملفت في تاريخ معاوية أنه كان ملكًا عادلًا حليمًا إلى أبعد الحدود! وواللَّه إن المرء ليعجب وهو يقرأ سيرة هذا الخليفة الإسلامي المظلوم، ففي عزّ مجد الانتصارات الإسلامية التي جعلت من معاوية بن أبي سفيان ﵄ وأرضاهما خليفة يملكها من الصين شرقًا إلى المحيط الأطلسي غربًا، ومن جبال القوقاز شمالًا إلى أدغال أفريقيا جنوبًا، وصلته رسالة شديدة اللهجة من (عبد اللَّه بن الزبير) ﵄ فيها تجاوز كبير في حق أعظم ملكٍ على وجه الأرض وقتها، يهدد فيها الخليفة من أجل اختلاف بسيطٍ حول قطعة أرض صغيرة، فيقول في رسالته: "أما بعد فيا معاوية (معاوية باسمه فقط، من دون لقب، لا أمير المؤمنين، ولا خليفة المسلمين، ولا شيء من هذا القبيل) أما بعد فيا معاوية، إن رجالك قد دخلوا أرضي فانهَهُم عن ذلك، وإلا كان لي معك شأن، والسلام" فدفع معاوية بكتابه إلى ابنه يزيد، فقال له: "يا

стр. 192

يزيد ماذا نصنع؟ " فلما قرأ يزيد الكتاب غلا الدم في عروقه القرشية الأصيلة وقال: "أرى أن ترسل له جيشًا أوله عنده، وآخره عندك، يأتونك برأسه" فابتسم معاوية في وجه ابنه وأراد أن يعلمه درسًا في الحلم، فقال له: "يا بني غيرُ ذلك أفضلُ؛ أملى على الكاتب، اكتبْ: أما بعد؛ فقد وقفتُ على كتابِ ولد حواري رسول اللَّه، ولقد ساءني ما ساءه، والدنيا كلها هينة جنب رضاه، وهذه أرضي كلها ومن عليها هدية لك! " فلمّا وصل الجواب إلى ابن الزبير خجل من أدب خليفة المسلمين وحلمه، فردّ عليه بكتاب رقيق جاء فيه: "أما بعد؛ فيا أمير المؤمنين، أطال اللَّه بقاءك ولا أعدمك الرأي الذي أحلك من قومك هذا المحل" فاستدعى معاوية ابنه يزيد، وقال له وهو عيناه تبتسمان من السعادة: "يا بني من عفا سماد، ومَن حلم عظُم، ومَن تجاوز استمال إليه القلوب" ثم قال له قولة هي أساس التعامل الإسلامي بين الإخوة في أوقات الاختلاف، هذه المقولة نحتاج جميعنا أن نكتبها على ورقة ونعلقها في بيوتنا لكي تصبح منهاجًا لحياتنا، فقد قال معاوية لابنه يزيد: يا بني. . . . . . "تطأطأ لها تمر! " أما بالنسبة إلى مناقشة موضوع الفتنة. . . . . . . فالأمر أبسط مما يتخيله المرء! فلقد بعثت السيدة (نائلة بنت الفرافصة) ﵂ زوجة (عثمان بن عفان) ﵁ بصندوقٍ به القميص الذي قُتل فيه عثمان ﵁ وعليه دماؤه، مرفقًا بأصابعها، وكفها التي قُطعت، وهي تدافع عن زوجها أمام أولئك الإرهابيين، فبعثت بهذا الصندوق إلى معاوية بن أبي سفيان عنهما في الشام بصفته كبير عائلة بني أمية التي ينتمي إليها عثمان بن عفان، وبما أن معاوية كان وليَّ دم عثمان، فقد طلبت السيدة نائلة منه أن يأخذ هو بالقصاص العادل من أولئك المجرمين، فلما وصلت هذه الأشياء إلى معاوية ﵁، علّقها على المنبر في المسجد، وبكى بكاءً شديدًا، وأقسم أن ينتقم لخليفة رسول اللَّه ﷺ ، وأن يثأر له، فنشر القميص الملطخ بالدماء في المسجد، وجمع أهل الشام الشرفاء، ودعا إلى الطلب بدم ابن عمه وخليفة المسلمين، فقام أهل الشام الأبطال ووقفوا وقفة رجل واحد وقالوا: كلنا معك هو ابن عمك وأنت وليه ونحن الطالبون معك، ووافقه أهل الشام جميعًا على ذلك، فوافقه الكثير من الصحابة، كالصحابي الورع (أبي الدرداء)، والصحابي البطل (عبادة بن الصامت) وغيرهم الكثير من الصحابة رضوان اللَّه عليهم جميعًا، وكان أبو الدرداء قاضي الشام، رمن أعلم أهلها، فأفتى ﵁ بوجوب أخذ الثأر من قتلة عثمان ﵁، فجلس سبعون ألف رجل

стр. 193

من رجال الشام الأشداء يبكون تحت قميص عثمان بن عفان ويقسمون على الأخذ بثأره (وسنجد الفرق الكبير بعد ذلك بين موقف أهل الشام الأبطال مع معاوية، وموقف أهل العراق الخونة مع علي!). وانضمت أمّنا عائشة ﵂ للرأي المطالب بالأخذ بالثأر من المجرمين، وانضم لهذا الرأي أيضًا جارا رسول اللَّه ﷺ في الجنة: (طلحة بن عبيد اللَّه) و (الزبير بن العوام) ﵄ وأرضاهما، أمّا (علي بن أبي طالب) ﵁ وأرضاه فقد كان يرى وجوب القصاص من أولئك المجرمين، إلّا أنه كان يرى أن الوقت لم يكن مناسبًا في ذلك الوقت المتوتر، وأنه يجب التريث قليلًا حتى تهدأ الأمور، ثم بعد ذلك يتم قتال المنافقين، والحقيقة أن وجهة نظر علي ﵁ كانت الأقرب إلى الحق من وجهة نظر معاوية وعائشة والزبير وطلحة وأبي الدرداء ﵃ أجمعين، فكان الخلاف فقط في موضوع الوقت الذي يجب فيه محاربة المرتدين من أتباع (ابن سبأ)، أمّا موضوع الخلافة فلم يكن محل نقاشٍ أبدًا على عكس ما درسناه في مناهجنا، بل إنني وجدت مقولة لمعاوية بن أبي سفيان ﵄ يبين فيها موقفه بكل صراحة، يقول فيها في حق علي: "واللَّه إني لأعلم أنه أفضل مني وأحق بالأمر مني ولكن ألستم تعلمون أن عثمان قتل مظلوما وأنا ابن عمه والطالب بدمه؟! فائتوه فقولوا له فليدفع إلي قتلة عثمان وأسلم له، فأتوا عليًا فكلموه" فرفض معاوية وعلي الاتفاق على الجدول الزمني لقتال خونة العراق، فكان ذلك هو سبب الفتنة الرئيسي، أما ما أشيع عن التنافس بين علي ومعاوية حول الخلافة، فهو باطل بالكلية، وهذا أمر لا يليق برجالٍ تربوا على يد محمد رسول اللَّه! ولكن. . . . . كيف تطورت الأحداث بعد ذلك؟ وكيف وقعت أحداث الفتنة الكبرى؟ ومن هي الفئة الثالثة التي كانت الفئة الوحيدة المحقة بالكلية في موضوع الفتنة؟ وما هي قصة استشهاد جاري رسول اللَّه في الجنة: طلحة والزبير؟ وما هي حكاية الشيعة؟ وكيف غدروا بعلي بن أبي طالب ﵁؟ ومن تكون تلك الطائفة الخطيرة من الإرهابيين التي انبثقت من جيش الشيعة؟ ولماذا أطلق عليهم رسول اللَّه ﷺ قبل موته لقب "كلاب أهل النار"؟ للإجابة عن كل تلك التساؤلات وغيرها ينبغي علينا أن نتابع معًا حكاية القائد الأول لكتيبة شباب محمد الثلاثة. . . .! يتبع. . . . .

стр. 194

" البطل" (علي بن أبي طالب) " لأُعْطِيَنَّ هَذِهِ الرَّايَةَ رَجُلًا يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبَّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ" (رسول اللَّه ﷺ ) إنه ابن عم محمد ﷺ ، وزوج ابنته فاطمة، وأخو جعفر بن أبي طالب، وابن خال الزبير ابن العوام، وابن أخ حمزة سيد الشهداء، وابن أخ العباس، وابن عم عبد اللَّه ابن العباس، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، وأبو الحسن والحسين، ورابع الخلفاء الراشدين، وأول من أسلم من الصبيان، وبطل غزوة خيبر، وفدائي رسول اللَّه ليلة الهجرة، وأحد البدريين الـ ٣١٣، وأحد الصحابة الى ١٤٠٠ الذين بايعوا بيعة الرضوان تحت الشجرة، وأحد الستة أصحاب الشورى الذين رشحهم الفاروق للخلافة، إنه وزير أبي بكر الصديق، ووزير عمر بن الخطاب، ووزير عثمان ابن عفان، وأحد أفراد قبيلة قريش العربية أشرف قبائل العرب، وأحد أبطال الصحابة الذين دمّر اللَّه على أيديهم دول الظلم والطغيان، إنه أحد أعظم أبطال التاريخ الإنساني عبر مختلف عصور الأرض، إنه تلميذ بيت النبوة، وخريج مدرسة محمد بن عبد اللَّه، إنه الإمام الفقيه، والأديب المفوه البليغ، إنه فدائي الإسلام العظيم، والبطل القوي الرحيم، العربي الشهم الكريم، إنه أسد اللَّه الغالب. . . . علي بن أبي طالب. لن أبدأ الحديث عن أبي الحسن ﵁ وأرضاه من البداية التي يعرفها الجميع، فلقد بات أصغر طفلٍ من أطفال المسلمين يعرف قصة هذا الفدائي البطل الذي نام في فراش رسول اللَّه ﷺ ليلة الهجرة، ولكنني سأبدأ الترجمة له من العام السابع للهجرة، وبالتحديد بعد صلح الحديبية مباشرةً، فلقد أراد رسول اللَّه ﷺ أن يؤدّب يهود "خيبر" الذين كانوا السبب الرئيسي لمعركة الأحزاب، فبعد معركة أحد طاف وفدٌ من قادة خيبر بالقبائل العربية لكي يحرضونهم على قتال المسلمين واستئصال شأفتهم إلى

стр. 195

الأبد، فأصبح لزامًا على رسول اللَّه ﷺ أن يؤدبهم على خيانتهم تلك، فخرج بالصحابة الـ ١٤٠٠ أصحاب "بيعة الرضوان" الشهيرة نحو خيبر، وهناك قال للمسلمين: "لأُعْطِيَنَّ هَذِهِ الرَّايَةَ رَجُلًا يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبَّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ" فصار كل صحابي من الصحابة الكرام يتمنى أن يكون هو صاحب ذلك الشرف الكبير، وبات الصحابة يدوكون ليلتهم أيهم يُعطاها، فلما أصبح الناس غدوا على رسول اللَّه ﷺ كلهم يرجون أن ينالوا ذلك الشرف، فقال رسول اللَّه: أَيْنَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ؟ فقالوا: هو يا رسول اللَّه يشتكي عينيه. فقال لهم: فَأَرْسِلُوا إِلَيْهِ، فأتي به، فبصق رسول اللَّه ﷺ في عينيه، ودعا له فبرئ، حتى كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية، فكان علي بن أبي طالبٍ ﵁ وأرضاه هو ذلك الرجل الذي يحب اللَّه ورسوله، ويحبه اللَّه ورسوله، وهو الذي فتح اللَّه به. وفي "تبوك" أمّنه رسول اللَّه على أمهات المؤمنين وقال له: "أَلاَ تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى؟ إِلَّا أَنَّهُ لَيْسَ نَبِيُّ بَعْدِي". ثم قبض رسول اللَّه ﷺ ، فكان علي بن أبي طالب خير وزيرٍ لأبي بكرٍ الصديق ﵁، ثم أصبح عليٌ وزيرًا لأخيه الفاروق من بعده، بل إن عليًا هو الذي منع عمر بن الخطاب من قيادة جيش "القادسية" بنفسه خوفًا على أخيه عمر بن الخطاب من أن يقتله الفرس المجوس غدرًا، ثم أصبح هذا الفدائي البطل وزير عثمان بن عفان ﵁ وأرضاه، وعندما قدم الإرهابيين لقتل خليفة رسول اللَّه ﷺ ، قام هذا الفدائي كعادته، وربط عمامة رسول اللَّه ﷺ على رأسه، وحمل سيفه وانطلق نحو بيت عثمان بن عفان لكي يفديه بروحه بعد أن اصطحب ولديه الحسن والحسين و ٧٠٠ من الصحابة ليذوذوا عن ذي النورين، إلّا أن عثمان وقف أمامهم وقال لهم: "أقسم على من لي عليه حق أن يكف يده وأن ينطلق إلى منزله"، فما كان من علي وبقية أصحاب محمد إلّا أن استجابوا لأمر أمير المؤمنين، فقتل أولئك السفلة خليفة رسول اللَّه ﷺ ، ثم توجّهوا بعد ذلك إلى علي بن أبي طالب ﵁ يقولون له: نبايعك على الإمارة، فسبّهم علي ﵁ ورفض ذلك، وطردهم، فذهب هؤلاء القتلة من أهل الكوفة إلى الزبير بن العوام ﵁، وطلبوا منه أن يكون أميرًا، ففعل معهم مثل ما فعل علي بن أبي طالب ﵁، فذهب القتلة من أهل البصرة إلى طلحة بن عبيد اللَّه ﵁ وأرضاه وطلبوا أن يكون أميرًا، فرفض ذلك وردهم، فذهبوا إلى سعد بن أبي

стр. 196

وقاص ﵁ ليكون الخليفة، فرفض هذا الأمر تمامًا، ودعا عليهم، وكان مستجاب الدعاء (فما مات أحدهم ميتةً طبيعة بعد ذلك)، فذهبوا إلى عبد اللَّه بن عمر ﵄، فرفض أيضًا، فولىّ أهل الفتنة أحد قتلة عثمان الإرهابي (الغافقي بن حرب) أميرًا على المدينة، واستمر الحال على هذا الأمر خمسة أيام، فخاف الصحابة أن يولي المنافقون القتلة أحدَهم لمنصب الخلافة، فيضيع بذلك الإسلام، فسارع الصحابةُ إلى علي ﵁ ونبّهوه لخطورة الموقف، وأن الإسلام مهدد، وأنه وحده من يمكنه إنقاذ الإسلام من أولئك السفلة، ووقالوا له: "إن لم تكن أميرًا، فسوف يجعلون الأمير منهم. أنت أحق الناس بهذا الأمر فامدد يدك نبايعك" وبعد شدٍ وجذبٍ أدرك علي ﵁ خطورة الموقف، فقبل الإمارة على مضض. وبالرغم من أن عليًا قد أصبح خليفة للمسلمين، إلا أن الأمر لا زال بيد المتمردين الذين يحملون السلاح حتى هذه اللحظة، وهم أكثر عددًا، وعدّة من أهل المدينة. وفي هذا الوقت يذهب طلحة والزبير ﵄ إلى علي ﵄ بوصفه خليفة المسلمين ويقولان له: دم عثمان! فهما ﵄ يريدان منه ﵁ أن يقتل من قتل عثمان ﵁. فقال لهما: إن هؤلاء لهم مددٌ وعونٌ وأخشى إن فعلنا ذلك بهم الآن أن تنقلب علينا الدنيا. وكان تفكير علي بن أبي طالب ﵁ أن ينتظر حتى تهدأ الأمور ويتملك زمامها جيدًا، وبعدها يقتل قتلة عثمان بعد محاكمتهم بشكل عادل، فلما سمع طلحة والزبير ﵄ ذلك من علي ﵁، قالا له: ائذن لنا بالعمرة، فأذن لهما، فتركا المدينة، وتوجها إلى مكة ومكثا فيها وقتًا. وفي هذا الوقت وصلت رسالة الصحابية نائلة بنت الفرافصة ﵂ إلى معاوية ﵄ في الشام كما أسلفنا، فعلم بخبر قتل ابن عمه عثمان ﵁، ووصله القميص، وأصابع وكف السيدة نائلة، وقالت له السيدة نائلة ﵂ في الرسالة التي بعثت بها إليه: إنك ولي عثمان بصفته ابن عمه، لذلك عرض معاوية على علي ابن أبي طالب أن يبايعه، واشترط عليه أن يأخذ بثأر عثمان ﵁، وأن يقتص من قاتليه، وإن من لم يفعل ذلك، فقد عطّل كتاب اللَّه، ولا تجوز ولايته حينها! فكالت هذا اجتهاده ﵁، ووافقه على هذا الاجتهاد مجموعة من كبار الصحابة، منهم قاضي قضاة الشام أبو الدرداء ﵁، وعبادة بن الصامت ﵁ وغيرهما، والحقيقة أن هذا الأمر، وإن كان اجتهادًا، إلا أنهم قد أخطأوا في

стр. 197

هذا الاجتهاد، وكان الصواب أن يبايعوا عليًا ﵁، ثم بعد ذلك يطالبوا بالثأر لعثمان ﵁ بعد أن تهدأ الأمور، ويستطيع المسلمون السيطرة على الموقف، لكن معاوية ﵁ كان على إصرار شديد على أن يأخذ الثأر أولًا قبل البيعة، حتى وإن أخذ علي ﵁. الثأر بنفسه من القتلة فلا بأس، المهم أن يقتل القتلة، وقال معاوية ﵁: إن قتلهم علي بايعناه! فأرسل علي بن أبي طالب ﵁ إلى معاوية بن أبي سفيان ﵁. يحثّه على مبايعته لئلا يكون خارجًا عليه، لكن معاوية ﵁ يرى باجتهاده أن عدم الأخذ بثأر عثمان ﵁ مخالفة لكتاب اللَّه، وأن من خالف كتاب اللَّه لا تجوز مبايعته، ولم يكن في تفكير معاوية ﵁ خلافة، ولا إمارة كما يُشاع في كتب الشيعة، بل وفي كتب بعض أهل السنة الذين ينقلون دون تمحيص أو توثيق، فأرسل علي ﵁ ثلاث رسائل إلى معاوية ﵁ دون أن يرد معاوية، إلا أنه أرسل لعلي ﵁ رسالة فارغة، حتى إذا فتحها أهل الفتنة في الطريق لا يقتلون حاملها، ودخل حامل الرسالة على علي ﵁ مشيرًا بيده أنه رافض للبيعة، فقال لعلي ﵁: أعندك أمان؟ فأمّنه عليّ ﵁. فقال له: إن معاوية يقول لك: إنه لن يبايع إلا بعد أخذ الثأر من قتلة عثمان، تأخذه أنت، وإن لم تستطع أخذناه نحن. فرفض ذلك علي ﵁، وقال: إن معاوية خارجٌ عن الولاية، ومن خرج يُقاتَل بمن أطاع. فقرر ﵁ أن يجمع الجيوش، ويتوجه بها إلى الشام، وإن لم يبايع معاوية ﵁ يُقاتَل، وخالفه في ذلك ابنه الحسن ﵁ وعبد اللَّه بن عباس ﵁، فقد قال الحسن ﵁: "يا أبتِ، دع هذا فإن فيه سفك دماء المسلمين ووقوع الاختلاف بينهم" لكن عليًا ﵁ أصرّ على القتال واستعد للخروج إلى الشام. في هذا الوقت كانت السيدة عائشة أم المؤمنين ﵂ بمكة، معها جميع زوجات رسول اللَّه ﷺ عدا السيدة أم حبيبة، فقد كانت بالمدينة، فاجتمعت بطلحة بن عبيد اللَّه، والزبير ابن العوام، والمغيرة بن شعبة ﵃ جميعًا، واجتمع كل هؤلاء الصحابة، وبدءوا في مدارسة الأمر وكان رأيهم جميعًا -وكانوا قد بايعوا عليًا ﵁ أن هناك أولوية لأخذ الثأر لعثمان، وأنه لا يصح أن يؤجل هذا الأمر بأي حال من الأحوال، وقد تزعّم هذا الأمر الصحابيان طلحة بن عبيد اللَّه، والزبير بن العوّام ﵁. ورأى الجميع أن بيعة علي لا تتم إلّا بعد أن ينفذ علي بن أبي طالب ما أمر اللَّه به في كتابه

стр. 198

بالأخذ بالقصاص من القتلة، فخرجت أم المؤمنين عائشة وطلحة والزبير ﵃ إلى البصرة لقتل الخونة من أهل العراق وإنهاء القضية من جذورها قبل أن تتطور، وتوجه علي إلى العراق ليتباحث مع أمه عائشة وإخوانه من الصحابة في سُبل الإصلاح. فاجتمع الفريقان (عائشة وطلحة والزبير من جهة، وعلي من جهة) في العراق ليتباحثا في سُبِل الأخذ بدم عثمان، وأوشك الطرفان فعلا على إيجاد حل لهذه المسألة، ووافق عليٌ على إبعاد كل مجرمٍ ممن شارك في قتل عثمان من جيشه، فأصبح القتلة معزولون وحدهم، واتفق المسلمون على عقد الصلح في اليوم التالي، فعقد أولئك المجرمون اجتماعًا سريًا بعد أن أدركوا أن عليًا سيصالح أمه عائشة ومعها طلحة والزبير، فتشاوروا في الأمر، فقال بعضهم: قد عرفنا رأي طلحة والزبير فينا، وأما رأي علي فلم نعرفه إلى اليوم، فإن كان قد اصطلح معهم، فإنما اصطلحوا على دمائنا، فإن كان الأمر هكذا ألحقنا عليا بعثمان! عند هذه الأثناء يظهر ذلك الشيطان الذي تحدثنا عنه سابقًا، لقد ظهر (عبد اللَّه بن سبأ) من بين القتلة وقال لهم: لو قتلتموه لاجتمعوا عليكم فقتلوكم. فقال أحدهم: دعوهم وارجعوا بنا كلٌ إلى قبيلته، فيحتمي بها، فوقف اليهودي عبد اللَّه بن سبأ مرة أخرى ليقول لهم: لو تمكّن علي بن أبي طالب من الأمر لجمعكم بعد ذلك من كل الأمصار وقتلكم! ثم وقف عبد اللَّه بن سبأ أمامهم وكأنه إبليس أبو الشياطين فقال لهم وهم يبتسم ابتسامة خبيثة: "ليس هناك حلٌ إلّا أن أن تشعلوا نار الفتنة من جديد بين جيش علي وجيش عائشة قبل أن يعقدوا الصلح غدًا كما هو متفق، فلتذهب مجموعة منكم في عتمة الليل ولتتوجه إلى جيش علي، وفئة أخرى إلى جيش عائشة، وتبدأ كل فئة في القتل في الناس، وهم نيام، ثم يصيح من ذهبوا إلى جيش علي ويقولون هجم علينا جيش عائشة، ويصيح من ذهب إلى جيش عائشة ويقولون: هجم علينا جيش علي"! وفعلًا نجحت خطة ذلك اليهودي ابن السوداء في إحداث الفوضى، وقتل حواري رسول اللَّه الزبير ابن العوام، ثم قتل طلحة بن عبيد اللَّه وهو يقاتل بيدٍ واحدة بعد أن شلت يده الأخرى وهو يدافع بها عن رسول اللَّه ﷺ في أحد، ونظر علي لدماء المسلمين وهي تسيل فصرخ علي بن أبي طالب ﵁ في الناس أن كُفّوا، فلم يستمع أحدٌ إليه في معمعة المعركة، ثم أخذ يبكي وهو يقول: يا ليتني مت قبل هذا بعشرين سنة. فعاود النداء

стр. 199

بصوت عالٍ: كفوا عباد اللَّه، كفوا عباد اللَّه. ولكن أحدًا لم يكن يستمع! فاحتضن عليٌ ابنه الحسن وهو يبكي ويقول: ليت أباك مات منذ عشرين سنة. فقال له الحسن: يا أبي قد كنت أنهاك عن هذا. فقال علي: يا بني إني لم أرَ أن الأمر يبلغ هذا! وبذلك انتهت أحداث "موقعة الجمل" (نسبة للجمل التي كانت تركبه أم المؤمنين عائشة)، وقام علي بتكريم أمه عائشة وإرجاعها إلى المدينة. وبعد ذلك جاء الصحابي الجليل معاوية بن أبي سفيان ﵄ بجيش الشام نحو العراق ليقتل الخونة من أهل العراق، ففعل أتباع ابن سبأ ما فعلوه من قبل في إشعال نار الفتنة بين الطرفين، فوقعت أحداث "موقعة صفين"، ولكن عليًا الهاشمي وابن عمه معاوية الأموي أدركا أن هناك أصابعًا خارجية لا تريد للفتوحات الإِسلامية أن تستمر، فاتفقا على وقف القتال وقبول التحكيم، فرجع معاوية إلى الشام، ورجع علي إلى الكوفة، لتبدأ بذلك أصعب مرحلة في حياة علي بن أبي طالب ﵁ على الإطلاق، وهي مرحلة إقامته بأرض العراق، هذه المرحلة التي رأى فيها عليٌ ﵁ مختلف ألوان الخيانات القذرة من شيعته، حتى تمنى لو أنه لم يرَهم في حياته، أولئك القوم الخونة من أتباع ابن سبأ هم الذين قتلوه فيما بعد وقتلوا ابنه الحسين وطعنوا ابنه الحسن، فكان أهل العراق من الشيعة على العكس تمامًا من أهل الشام الذين كانوا يسمعون ويطيعون لمعاوية من دون أي جدالٍ، وصدق الصادق المأمون محمد ﷺ حين دعا للشام وأعرض عن العراق في الحديث الصحيح الذي أورده الشيخ الألباني من حديث عبد اللَّه بن عمر أن رسول اللَّه ﷺ قال: "اللهم بارك لنا في مكتنا اللهم بارك لنا في مدينتنا اللهم بارك لنا في شامنا وبارك لنا في صاعنا وبارك لنا في مدنا. فقال رجل: يا رسول اللَّه! وفي عراقنا؟. فأعرض عنه فرددها ثلاثًا كل ذلك يقول الرجل: وفي عراقنا؟ فيعرض عنه فقال: بها الزلازل والفتن وفيها يطلع قرن الشيطان". ولندع علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه يصف لنا بنفسه الحالة النفسية السيئة التي وصل إليها من الشيعة في العراق وكيف أنه كان يتمنى أن يستبدل كل عشرة منهم بواحدٍ من أهل الشام الأبطال من جند معاوية وذلك من خلال كلامٍ له ورد في كتاب نهج البلاغة (وهو كتاب شيعي أصلًا):

стр. 200

يا أشباه الرجال ولا رجال! لوددت أني لم أركم ولم أعرفكم معرفة واللَّه جرت ندمًا وأعقبت سدمًا قاتلكم اللَّه!. . لقد ملأتم قلبي قيحًا، وشحنتم صدري غيظًا وجرعتموني نُغب التَّهام أنفاسًا، وأفسدتم على رأيي بالعصيان والخذلان لوددت لو أني أقدر أن أصرفكم صرف الدينار بالدراهم عشرة منكم برجل من أهل الشام أفٍ لكم!! لقد سئمت عتابكم. . . .، ما أنتم إلا كإبل ضل رعاتها فكلما جمعت من جانب انتشرت من آخر!!! وفعلًا. . . . . انبثق من الشيعة مجموعة مجرمة تمرَّدت على علي ﵁ وأرضاه قامت بمحاربته واستباحة دماء المسلمين، فشغلوه بمعاركٍ انصرافيةٍ جانبيةٍ، فقام علي بن أبي طالب بقتالهم، هذه المجموعة سُمّيت بـ "الخوارج" وقد تنبأ رسول اللَّه ﷺ بخروجهم، وسمّاهم "كلاب أهل النار"، وهذه المجموعة قررت في النهاية قتل علي ومعاوية وعمرو بن العاص ﵃ في نفس اليوم، فبعثوا ثلاثة رجال ليطعنوهم وقت الصلاة، فقتلوا علي بن أبي طالب، وطعنوا معاوية وقت الصلاة بطعنة كادت أن تقتله، وأنجى اللَّه عمرو بن العاص من الطعنة الثالثة، لتنتهي بذلك حياة أعظم فدائي في أمة الإِسلام بعد أن تجرع الألم والمرارة من خذلان شيعته الخونة! وقبل أن نتحول بقطار التاريخ إلى حكاية عظيمٍ آخر من عظماء أمة الإِسلام المائة يجب علينا أن نطرح سؤالًا حيّرني كثيرًا فيما مضى ولا شك أنه مازال يحير الكثيرين وهو: من الذي كان معه الحق في هذه الأحداث المؤلمة التي قامت؟ علي أم معاوية؟ الحقيقة التي قد يندهش منها البعض أن الحق لم يكن تمامًا مع أيٍ منهما! فلا شك أن معاوية بن أبي سفيان ﵄ كان مخطئًا في اجتهاده، وأنه كان الأجدر به الأخذ بوجهة نظر الإِمام علي بن أبي طالب ﵁ في التريث بالأخذ بدم عثمان من أولئك القتلة من أهل العراق، إلّا أن عليًا على الجهة الأخرى لم يكن ينبغي عليه أن

стр. 201

يجعل الأمور تتطور إلى هذا الحد الذي أدى إلى قتل عشرات الآلاف من المسلمين من بينهم ثلاثة من العشرة المبشرين بالجنة كان هو أحدهم، فالصبر على قتلة عثمان كان مصلحةً للمسلمين كان فيها عليٌ بن أبي طالب ﵁ محقّا ولا شك، ولكنها كانت مصلحة ترتب عليه مفسدة هي أربى منها، فخسارة شعرةٍ واحدة من رأس علي أو طلحة أو الزبير كانت تعادل ألف ألف رأسٍ من رؤوس المنافقين من أتباع الشيطان ابن سبأ، ومما يؤكد صحة هذا التحليل هو حديث رسول اللَّه صلى عليه وسلم الذي رواه الإِمام أحمد عن أبي سعيد "أن رسول اللَّه- ﷺ ، ذكر قوما يكونون في أمته يخرجون في فرقة من الناس، سيماهم التحليق، هم شر الخلق -أو من شر الخلق- يقتلهم أدنى الطائفتين من الحق" فرسول اللَّه ﷺ يشير إلى فئة علي التي قاتلت الخوارج، وفيها يبين رسول اللَّه ﷺ أن فئة علي كانت الأقرب إلى الحق، ولم تكن الفرقة المحقة تمامًا، فكلتا الطائفتين قد اجتهدت للوصول إلى الحق، ولكن عليًا كان هو الأقرب إليه بلا شك. ولكن. . . . كانت هناك فئة ثالثة من الصحابة كانت هي المحقة بالكلية في هذه الأحداث المؤلمة! فمن تكون تلك الفئة الثالثة؟ وعلى أي أساسٍ كانت محقة؟ وماذا حصل بعد استشهاد علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه؟ وهل استقام الشيعة بعد موته أم استمروا (كالعادة!) في خياناتهم المعهودة؟ ومن هو السيد العظيم الذي حقن دماء المسلمين ليخلد اسمه ضمن قائمة المائة؟ ولماذا طمس الشيعة تاريخه على الرغم من أنه من آل البيت؟ ولماذا أرادوا قتله؟ من هو خامس الخلفاء الراشدين؟ يتبع. . . . .

стр. 202

" خامس الخلفاء الراشدين" (الحسن بن علي) " ابني هذا سيد، ولعل اللَّه أن يصلح به بين فئتين من المسلمين" (رسول اللَّه ﷺ ) "أرى واللَّه أن معاوية خير لي من هؤلاء! يزعمون أنهم لي شيعة؟! ابتغوا قتلي!!! " (الحسن بن علي) أعلم جيدًا أننا تعلمنا في مدارسنا أن الخليفة الأموي (عمر بن عبد العزيز) ﵀ هو خامس الخلفاء الراشدين، وأعلم أيضًا أن هذا الأمر أصبح بالنسبة لنا مُسلمة من المسلمات التي آمنا بها إيمانًا كما آمنّا من قبلها بالمقولة المزعومة لطارق بن زياد "البحر من أمامكم"! وأعلم تمامًا أنني سأواجه بحرًا عرمرمًا من المنافقين وأتباعهم بما ساكتبه الآن، وليس عندي أدنى شك بأنني إذا ما وقعت بأيدي علماء الشيعة فإنهم سيقطعونني حينها إربًا إربًا ليلقوا بلحمي في شوارع "طهران" وأزقة "قم" وضواحي "مشهد"، فلا شك أنني أصبحت مُستباح الدم لديهم بما فضحت به تاريخ خياناتهم القذرة سابقًا، وبما سأفضحهم به الآن، وبما سأفضحهم به لاحقًا في طيات هذا الكتاب إن شاء اللَّه، ولا يخالجني شكٌ بأن ما سأكتبه الآن لن يكون محل ترحاب من كثيرٍ من الطرقيين من المنتفعين بقبور الأولياء والذين أعتبرهم الصف الخامس للشيعة في بلداننا الإِسلامية، وأعلم أنني ساواجه نقدًا عنيفًا من بعض علماء أهل السنة والجماعة الذين فضلّوا الصمت في هذه اللحظة الحرجة في تاريخ أمة الإِسلام، ورغم علمي بهذا وذاك. . . فإنني قد عزمت في هذا الكتاب على كتابة ما يرضي اللَّه وحده، آخذا بعين الاعتبار الأمانة التاريخية المجردة من العواطف، وضاربًا بعرض الحائط كل ما يتنافى مع ذلك من أقوال العلماء السابقين واللاحقين، قاصدًا بذلك وجه اللَّه تعالى وحده، ومفوضًا أمري إليه. بدايةً ينبغي علينا أن نضع لقب "خامس الخلفاء الراشدين، تحت المجهر، رغم أن

стр. 203

البعض قد يظن أن مناقشة هذا اللقب مجرد أمر سطحي، وأنه الأجدى ترك مناقشة الألقاب للتركيز على جوهرَ الموضوع، والحقيقة أن هذا اللقب هو أصلًا جوهرُ الموضوع! فإطلاق لقب خامس الخلفاء الراشدين على عمر بن عبد العزيز ﵀ ما هو إلَّا مجرد حقٍ يراد به باطل، فلا شك أن هذا الخليفة الذي اختلطت فيه دماء عمر بن الخطاب ﵁ ودماء بني أمية العظماء كان مثالًا رائعًا للحكام المسلمين عبر جميع العصور لاشتهاره بخصلتي العدل والزهد، وقد فضله كثير من الناس على جميع حكام بني أمية، إلا أن الواقع أن أفضل ملوك بني أمية هو صاحب رسول اللَّه وكاتب وحي السماء معاوية بن أبي سفيان ﵄، وقد ذكرت فيما سبق قول الإِمام المجاهد الشيخ عبد اللَّه بن المبارك حين سُئل أيهما أفضل: معاوية بن أبي سفيان، أم عمر بن عبد العزيز؟ فقال: "واللَّه إن الغبار الذي دخل في أنف معاوية مع رسول اللَّه ﷺ أفضل من عمر بألف مرة، صلى معاوية خلف رسول اللَّه ﷺ ، فقال: سمع اللَّه لمن حمده، فقال معاوية: ربنا ولك الحمد. فما بعد هذا؟ "، ثم إن الحقيقة التي أراد غزاة التاريخ لنا أن نتجاهلها هي أن عمر بن العزيز ليس إلا خليفة من خلفاء دولة بني أمية العظيمة التي نشرت الإِسلام في ربوع الأرض وأحيت فيها سنة محمد ﷺ ، ومما يؤكد على خطورة ما أرمي إليه تلك الأساطير الوهمية التي أشاعها هؤلاء المزيفون من أن عمر بن عبد العزيز قد منع سبَّ علي بن أبي طالب ﵁ على منابر المساجد بعد أن أشاع الخلفاء الأمويون ذلك في ربوع أرض الإِسلام، وهذا واللَّه إفكٍ وظلم لهذه الدولة الشريفة التي لها أيادٍ بيضاء على المسلمين في كل العصور، بل إن هذا طعن في جيل الصحابة والتابعين الذين يُفترض أنهم كانوا يسمعون سبَّ أحد العشرة المبشرين بالجنة في مساجدهم دون أن يحركوا لذلك ساكنًا، لقد آن الأوان لنا أن نحرك عقولنا قليلا وأن نغربل الروايات التاريخية في تاريخ هذه الأمة لكي نفصل عنها الغث من السمين، فالأمة الآن على المحك، والشيعة يستخدمون مثل هذه الروايات المكذوبة لتشييع شباب السنة، بل لقد كنت أنا شخصيًا على وشك التشيع بسبب هذه الروايات التي تطعن بالأمويين، ولا أعرف وقتها إن كان هذا القلم الذي أكتب به هذه الكلمات سيكون مسخرًا لكتابة كتابٍ عن "العظماء المائة في أمة الإسلام" أم سيكون مسخرًا لكتابة كتاب عن "الملعونين

стр. 204

المائة في أمة الإِسلام"؟! والشيء الأهم من ذلك كله، أن إطلاق لقب "خامس الخلفاء الراشدين" على عمر بن عبد العزيز ﵀ فيه معصية كبيرة لرسول اللَّه ﷺ ، فلقد قال النبي ﷺ : "الخلافة بعدي ثلاثون سنة" ولقد كان آخر تلك الثلاثين السنة يوم أن تنازل الحسن بن علي ﵄ عن الخلافة بعد ستة شهوو كان فيها خليفة المسلمين. فأمير المؤمنين الحسن بن علي كان هو خامس الخلفاء الراشدين بشهادة رسول اللَّه ﷺ ، وإذا ما أردنا إطلاق لقب سادس الخلفاء الراشدين على أحدٍ من بني أمية فالأولى بذلك هو معاوية وليس عمر بن عبد العزيز، هذا مع العلم أنني من العاشقين لسيرة أشج بني أمية الخليفة عمر ابن عبد العزيز ﵀، ومن قبله عاشق لسيرة جده عمر بن الخطاب ﵁، إلا أن الحق لا يبنغي له أن يكون مطية للأهواء والعواطف. والآن لنعقد مقارنة صغيرة بين الحسن والحسين ﵄ وعن أبيهما، نطرح فيها تساؤلًا مهمًا: من هو الأعظم مكانة وفضلًا بين سبطي رسول اللَّه ﷺ ؟ والحقيقة أنه ليس هناك شك بأن الحسن يفوق أخاه الصغير الحسين بالفضل والمكانة، والدليل على ذلك حديث رسول اللَّه ﷺ الذي اختص به الحسن دون الحسين حين قال: "ابني هذا سيد، ولعل اللَّه أن يصلح به بين فئتين من المسلمين"، والشاهد على هذا الحديث إضافة لتعظيم رسول اللَّه للحسن هو أن رسول اللَّه ﷺ يبين أن فئة معاوية هي فئة مسلمة كما أن فئة علي هي فئة مسلمة، وإن كانت فئة علي هي الأقرب إلى الحق كما أسلفنا سابقا، أضف إلى ذلك حديث رسول اللَّه ﷺ الذي أوردناه بأن الخلافة بعده ستكون ثلاثين سنة، فيكون بذلك الحسن بن علي ﵄ هو الخليفة الراشد الخامس، وهذا شرفٌ لم ينله أخوه الحسين ﵄، ونحن هنا لا نقلل من قدر الحسين والعياذ باللَّه، بل نحن ننزل الصحابة منازلهم التي أنزلهم إياها رسول اللَّه ﷺ ، فالحسين يشترك أيضًا مع أخيه بأنهما سيدا شباب أهل الجنة وريحانتا رسول اللَّه ﷺ من الدنيا, ولكن ليس هناك أدنى شك بأن الحسن هو الأفضل، بل لو كان الشيعة يحركون عقولهم قليلًا لعلموا أن علي بن أبي طالب (وهو المعصوم كما يدّعون) استخلف الأفضل بين أبنائه وهو الحسن، وإلا لما تركه يدير أمر المسلمين وهو يعلم أن الحسين أفضل منه!!! هذا من الناحية الشرعية، أمّا من الناحية التاريخية البحتة، ومن وجهة نظر حيادية،

стр. 205

فإن الحسن كان بطلًا من أبطال التاريخ الإنساني ناهيك عن التاريخ الإِسلامي، فهذا الرجل تنازل عن إمبراطورية عظيمة تمتد من أذربيجان شمالًا إلى الحبشة جنوبًا، ومن الصين شرقًا إلى المغرب غربًا، وهذا لم يتكرر في تاريخ الإنسانية إلا مراتٍ نادرة كانت جميعها من دون استثناء من قِبل ملوكٍ مسلمين، أما الحسين ﵁ فقد انخدع بالشيعة الذين خانوه وقتلوه كما سنرى لاحقًا. وهنا يتساءل المرء مجددًا: لماذا يمجد الشيعة الحسين ﵁ دون أخيه الكبير الحسن ﵁؟ ولماذا يتباكى الشيعة على مقتل الحسين ولا يتباكون أصلًا على مقتل أبيه علي بن أبي طالب؟ ولماذا يبني الشيعة "الحسينيات" ويقيمون المآتم الحسينية والشعائر الحسينية ولا يقيمون الحسنات أو "العليات" على سبيل المثال؟ ولماذا حدَّد الشيعة بقية الأئمة الاثني عشر من نسل الحسين وتجاهلوا نسل الحسن على الرغم من كونهما شقيقين من نفس الأب والأم؟ ولماذا لم تجاهل الشيعة أبناء الحسن المشمول بـ "حديث الكساء" (الذي لا يحفظ الشيعة)؟! الإجابة عن كل هذه الأسئلة تتلخص في نقطتين: أولًا: زوجة الحسين الفارسية: بما أن دين الشيعة هو دين فارسي بامتياز فقد حدّد علماء الشيعة بقية الأئمة الاثني عشر من نسل الحسين دون نسل أخيه، بل حددوا نسل الحسين أيضًا من زوجته الفارسية دون زوجاته العربيات، وبالمناسبة فإن زوجة الحسين الفارسية هي (شاه زنان) بنت كسرى (يزدجرد) التي سباها المسلمون في معركة "نهاوند" الخالدة، وبذلك يكون الأئمة من بعد الحسين فقط من نسل بنت ملك المجوس (يزدجرد) الذي يعتقد المجوس بأن له دماءً مقدسة! بل إن (حسين الطبرسي) وهو من أعظم علماء الشيعة أوضح في كتابه "النجم الثاقب في أحوال الإمام الحجة الغائب" أن من أسماء المهدي المنتظر هو (خسرو مجوس) ويعني بالعربية (مخلّص المجوس)، وقد أورد كبير علماء الشيعة (المجلسي) في كتابه "بحار الأنوار ج ٥٣ ص ١٦٣ - ١٦٤" أن (يزدجرد بن شهريار) وقف أمام إيوانه بعد أن بلغه هزيمة الفرس في "القادسية" وقال مودعًا إيوانه: "السلام عليك أيها الإيوان! ها أنا منصرف عنك وراجع إليك أنا أو رجل من ولدي لم يدن زمانه ولا آن أوانه". ولا يخفي الشيعة أن أول شيءٍ سيفعله (المهدي)

стр. 206

عند خروجه من السرداب وهو قتل جميع العرب (العرب بالذات!)، ثم نبش قبر قاهر المجوس (عمر بن الخطاب) ونبش قبر زوجة رسول اللَّه (السيدة عائشة) ﵂!!! ثانيًا: الحسن كان رجل السلام: وهذا ما يرفضه مشعلو الفتن من أحفاد الشيطان (ابن سبأ) الذين يرودون لنار الفتنة أن تظل مشتعلة لكي يبرروا قتل المسلمين بدعوى الثأر للحسين ﵁ (الذي كانوا هم من قتلوه كما سنرى لاحقًا!). والحسن عند الشيعة إمامٌ معصوم، والمعلوم تاريخيًا عند الشيعة والسنة على حدٍ سواء أن الحسن قد بايع معاوية في عام سُمِّي بـ "عام الجماعة"، فإما أن يكون حسن قد بايع معاوية لأنه أفضل من يدير أمور المسلمين، فيترتب على الشيعة بالضرورة أن يعتقدوا اعتقاد إمامهم المعصوم فتنتهي بذلك الفتنة إلى الأبد، وإما أن يكون الحسن قد بايع رجلًا كافرًا فتضيع بذلك عصمته، ويسقط بذلك المذهب! وقد ذكرنا فيما مضى أن الحسن بن علي ﵄ كان معارضًا للحرب منذ البداية، وأنه قد نصح أباه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ بعدم القتال، فلقد كان الحسن يرى أن الفئة التي اعتزلت الفتنة كانت هي الفئة المصيبة، هذه الفئة كان على رأسها سعد بن أبي وقاص، وعبد اللَّه ابن عمر بن الخطاب، ومحمد بن مسلمة ﵃ أجمعين، والحقيقة أن هذه الفئة التي عصمت نفسها من دماء المسلمين كانت هي الفئة المحقة في أمر الفتنة، بدليل حديث رسول اللَّه ﷺ إلى محمَّد بن مسلمة ﵁ حين طلب منه أن يكسر سيفه عندما يرى المسلمين يتقاتلون. وزاد من سعي الحسن للسلام ما رآه من خيانة الشيعة له وتمردهم عليه بعد أن استشهد أبوه بين ظهرانيهم، فلم يكن الحسن يؤمن بجدوى حرب معاوية وخصوصًا أن شيعته خذلوا أباه من قبل، وفي نفس الوقت لم يكن معاوية يريد لشلال الدم أن يستمر، فبعث برسالة سرية إلى الحسن يطلب منه الصلح حرصًا على دماء المسلمين، فوافق ذلك ما كان في نفس الحسن، ولكنه ﵁ لم يشأ أن يواجه أهل العراق من البداية بميله إلى مصالحة معاوية وتسليم الأمر له حقنًا لدماء المسلمين؛ لأنه يعرف خيانة أهل العراق وتهورهم، فأراد أن يقيم من مسلكهم الدليل على صدق نظرته فيهم، وعلى سلامة ما اتجه إليه، عندها عاد الشيعة من أهل العراق إلى طبيعتهم في الخيانة، فاعتدوا على سرادق الحسن ونهبوا كل متاعه، حتى أنه

стр. 207

أولئك الخونة نازعوه بساطًا كان تحته! وطعنوه وجرحوه، وفي نفس الوقت فكر أحد شيعة العراق وهو المختار بن أبي عبيد في أمر خطير وهو أن يُوثق الحسن بن علي بالجنازير ويحتجزه رهينة ويسلمه طمعًا في بعض المال (المضحك في الأمر أن هذا الرجل هو نفسه المختار بين أبي عبيد الذي خرج على الدولة الأموية الراشدة وجعل يطالب بدم الحسين!!!)، عندها أدرك الحسن ﵁ أنه بين مجموعة قذرة من الخونة والمجرمين من شيعة العراق! ويذكر إمام الشيعة (الطبرسي) في كتابه "الاحتجاج" بأن الحسن قال حينها: "أرى معاوية خيرًا لي من هؤلاء يزعمون أنهم لي شيعة؟ ابتغوا قتلي!! وأخذوا مالي! واللَّه لأن آخذ من معاوية ما أحقن به دمي في أهلي وآمن به في أهلي خير من أن يقتلوني؛ فيضيع أهل بيتي وأهلي، واللَّه لو قاتلت معاوية لأخذوا بعنقي حتى يدفعوا بي إليه سِلما. . . . . يا أهل الكوفة. . . . . . . لو لم تذهل نفسي عليكم إلا لثلاث لذهلت: لقتلكم أبي. . . وطعنكم في فخذي. . . . وانتهابكم ثقلي" عند إذٍ. . . أدرك الحسن بن علي أنه بين مجموعة قذرة من الخونة والمجرمين، فأسرع إلى معاوية يعقد معه الصلح ليحقن بذلك أرواح المسلمين، وليتنازل هذا البطل ابن البطل عن إمبراطورية ممتدة من الصين شرقًا إلى المغرب غربًا، ومن أذربيجان شمالُا إلى أدغال أفريقيا جنوبا، ليستحق بذلك أن يكتب اسمه بماء العيون في سجل العظماء المائة في أمة الإِسلام، وليتفرغ. معاوية بن أبي سفيان لنشر دين اللَّه في مشارق الأرض ومغاربها بعد أن عطل أتباع ابن سبأ الفتوحات الإِسلامية مدة خمسة أعوام. ولكن، هل غير الشيعة طبعهم القذر بالخيانة؟ أم أنهم. . . . . . كالعادة؟!! يتبع. . . .

стр. 208

" الغازي الأول للقسطنطينية" (يزيد بن معاوية) " أول جيش يغزو مدينة قيصر مغفور له" (محمد ﷺ ) "وقد حضرت يزيد بن معاوية وأقمت عنده فرأيته مواظبًا على الصلاة، متحريًا للخير، يسأل عن الفقه، ملازمًا للسنة" (محمَّد بن علي بن أبي طالب) "بأبى أنت وأمى يا يزيد، واللَّه لا أجمع أبوىَّ لأحدٍ بعدك" (عبد اللَّه بن جعفر بن أبي طالب) " (بعد ما رأيته من يزيد) علمت أنه إذا ذهب بنو أمية ذهب علماء الناس" (عبد اللَّه بن عباس بن عبد المطلب) هناك رواياتٌ تاريخية كاذبة رضعناها رضاعة منذ الصغر، هذه الروايات أصبحت مع مرور الوقت حقائق تاريخية، ثم تطورت بعد ذلك لتصبح مُسلماتٍ تاريخيةٍ لا يجوز الطعن بها، إلى أن وصلت في النهاية إلى مرحلة خطيرة يُجَرَّم من أجلها كلُّ من يحاول التشكيك بها أو حتى مناقشتها من قريب أو بعيدٍ، والأخطر من ذلك كله أن تكون هذه الروايات جزءً لا يتجزء من تاريخ أمةٍ بأسرها، بل جزءً لا يتجزء من تاريخ دينٍ كامل، والشيء المحير في الموضوع ليس شيوع مثل هذه الروايات بين عامة الناس فتحسب، بل إن الشيء الذي يدعو للتساؤل فعلًا هو وقوف العلماء والمؤرخين مكتوفي الأيدي أمام انتشار مثل هذه الروايات التي تمس وجدان وكيان هذه الأمة، إمّا من باب عدم إدراكهم خطورة الموقف في هذه اللحظة الزمنية الحرجة من تاريخ هذه الأمة، أو من باب السكوت على ما سكت عليه الآباء والأجداد، أو حتى بسبب جهل البعض لها، الأخطر من هذا وذاك، والمضحك المبكي في هذا كله، أن يتحول العلماء والمؤرخين إلى

стр. 209

"ببغاوات" تردد تلك الروايات الكاذبة التي يستخدمها أعداء هذه الأمة لزحزحة عقيدة شبابها وضرب مقدساتها وتشويه صورة رموزها التاريخية. أما في هذا الكتاب. . . . . فقد اخترت أن أسير عكس هذا التيار، وأن أدحض تلك الروايات الكاذبة، وأن أتمرد على الموروث الأعمى، وأن أضرب بعرض الحائط كل روايةٍ تخالف الحقائق التاريخية الثابتة، كائنًا في ذلك ما هو كائن، حتى ولو كان راوي تلك الرواية رجلًا من كبار العلماء، فلقد انتهى زمان التقليد الأعمى، ولقد انتهى زمان الرواية التي يرددها كثير من علماء المسلمين بأننا أهل السنة والجماعة لا نحب يزيد ولا نكرهه، فأنا أشهد اللَّه بأنني من أهل السنة والجماعة، وأنا أشهد اللَّه بأنني أحب يزيدًا، وأنا أشهد اللَّه بأني أحب أباه معاوية، وأنا أشهد اللَّه بأني أحب جدّه أبا سفيان، وأنا أشهد اللَّه بحبي للحسين، وأنا أشهد اللَّه بحبي لأبيه علي، وأنا أشهد اللَّه بحبي لجده محمَّد ﷺ ، وإذا كان حبي ليزيد سيكون سببًا في دخولي لنار جهنم، فعندها سيكون لي عذرٌ عند اللَّه ، عندها سأقول له: يا رب. . . . . ألست أنت الذي بعثت نبيك محمَّد ﷺ بالحق ودين الهدى؟ أوليس نبيك هو الذي قال في حديثٍ له "أول جيش يغزو مدينة قيصر مغفور له"؟ أوليس أنت يا رب أعلم مني بأن يزيد بن معاوية كان هو قائد أول جيش يغزو "القسطنطينية"؟ فكيف تعذبني يا رب لحبي لرجل دعا له رسولك بالخير؛ ثم أليس رسولك يا رب هو من قال في الصحيح الحديث: "إن هذا الأمر لا ينقضي حتى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة"؟ وقد علمت يا رب أن يزيد بن معاوية كان الخليفة السابع بعد بيعة صحيحة بايعه فيها الصحابة الذين شهدت لهم بالخير، فهل تعذبني يا رب لحبي لخليفة المسلمين الذي بايعه رجالٌ مثل عبد اللَّه بن عمر وعبد اللَّه بن العباس؟ والحقيقة أنني وإن كنت أحب القائد الإِسلامي العظيم يزيد بن معاوية لشخصه، فإن دفاعي عنه في هذه الكلمات ليس بدافعٍ شخصيٍ أبدًا, ولكنني أدافع عن هذا الرجل لكي أدافع عن تاريخ هذه الأمة الذي زيفه الأعداء بصورة كبيرة، ولكي أدافع عن الصحابة الذين بايعوه، ولكي أدافع عن أبيه الذي رباه هذه التربية، ولكي أدافع عن رسول اللَّه ﷺ الذي اختار أباه لكتابة الوحي، ولكي أدافع عن اللَّه الذي أمر نبيه أن يختار أباه

стр. 210

لكتابة وحيه، ولكي أدافع عن كتاب اللَّه الذي يطعن فيه من يطعن بكتبته، ولكي أدافع عن محمَّد بن علي بن أبي طالب الذي شهد له بالخير، ولكي أدافع عن عبد اللَّه بن جعفر الطيار الذي ذكره بكل خير، ولكي أضع حدًا لأولئك المجرمين الذين يقتلون السنة في العراق وإيران لزعمهم أنهم بذلك يأخذون بثأر الحسين من أهل السنة والجماعة، ولكي أضع حدًا لأولئك السفلة الذين يطعنون بشرف أم المؤمنين عائشة ﵂، ولكي أدافع عن عرض رسول اللَّه ﷺ الذي يطعن به علماء الشيعة ليل نهار، ولكي أدافع عن عثمان وعن عمر وعن أبي بكرٍ ﵃ في وجه من يلعنونهم في حسينياتهم، فواللَّه ما من رجل يتجرأ ويطعن في يزيد إلا تجرأ على أبيه معاوية بعد ذلك، وما هي إلا مسألة وقتٍ حتى يتجرأ على غيره من الصحابة رضوان اللَّه عليهم. والقارئ لتاريخ إسماعيل الصفوي مؤسس الفكر الشيعي الحديث يرى أنه كان صوفيًا في البداية يتباكى على الحسين ويطعن بيزيد، ثم بعد ذلك طعن في معاوية ﵁، ثم تجرأ على عثمان ﵁، ثم تكلم في أبي بكر وعمر ﵁ حتى صرح بكفرهما، ثم أخذ يطعن في شرف عائشة ﵂، ثم دعا بتحريف كتاب رب الأرباب، والسبب في ذلك أن الطعن في يزيد بن معاوية يؤدي بالضرورة إلى الطعن بأبيه معاوية الذي ربّاه، وبعد ذلك يكون ذلك الطاعن قد أزال هيبة الصحابة من قلبه، فيقع فيهم واحدًا تلو واحدٍ بعد ذلك؛ لأنه لا يعلل كلامه في يزيد بشيء إلا ويلزمه مثل هذا في غيره! ثم في النهاية تستباح دماؤنا كما استبيحت بالعراق من قبل الميليشيات الشيعية الإرهابية، ولمن لم يفهم بعد لماذا يسمي الشيعة الحسين ابن علي ﵁ بـ "ثأر اللَّه" فعليه أن يتساءل: ممن يريد الشيعة أن يثأروا بعد أكثر من ألفٍ وثلاثمائة سنة على مقتل الحسين ﵁، إن الثأر سيكون على حساب دمك أنت بلا شك، أو دم أبنائك من بعدك على أبعد الظن! والحقيقة أن مقتل الحسين كان أمرًا فظيعًا بالفعل، ولكنه لم يكن أفظع من مقتل أبيه علي ﵁ الذي يفوقه بالمكانة (إلا أن زوجة علي كانت فاطمة بنت محمَّد ولم تكن شاه زنان بنت يزدجرد!)، ومقتل الحسين لم يكن أعظم من مقتل عثمان صهر رسول اللَّه ﷺ ، أو عمر الفاروق، بل إن مقتل الحسين لم يكن أعظم من مقتل نبي اللَّه زكريا ﵇، ولكن يبدو أن الشيعة لا يبكون إلا على من كانت له زوجةً فارسية! وقصة الحسين تبدأ

стр. 211

عندما بايع كل الصحابة يزيد بن معاوية على الخلافة بعد أبيه، ولم يرفض البيعة إلا الحسين بن علي وعبد اللَّه بن الزبير ﵄، فوصلت للحسين آلاف الرسائل من الشيعة في العراق يبايعونه فيها سرًا على الخلافة، فانخدع الحسين بالشيعة، ونسي خياناتهم المتكررة لأبيه وأخيه الحسن، فنصحه عبد اللَّه بن عمر وعبد اللَّه بن العباس بعدم تصديق أهل العراق الخونة، وقال له عبد اللَّه بن عباس: "إن أهل العراق أهل غدر! " ولكن الحسين ﵀ ظن أن الشيعة قد غيروا طبعهم القذر في الخيانة، ومع ذلك أراد أن يتأكد من صدقهم بعد كل تلك الرسائل التي وصلته منهم، فبعث الحسين بابن عمه مسلم بن عقيل إلى العراق ليتأكد من صدقهم ونصرتهم له، فذهب مسلم بن عقيل للكوفة فاجتمع له في صلاة الفجر ثمانية عشر ألفًا من شيعة العراق، فبعث مسلم برسالة مستعجلة إلى الحسين يقول فيها: "أما بعد فإن الرائد لا يكذب أهله! وقد بايعني من أهل الكوفة ثمانية عشر ألفا فعجل الإقبال حين يأتيك كتابي فإن الناس كلهم معك ليس لهم في آل معاوية رأى ولا هوى والسلام"، وما إن بعث مسلم برسالته حتى جاء والي العراق ببعض المال إلى أولئك المرتزقة، فأخذ الشيعة ينصرفون من مسلم بن عقيل واحدًا واحدًا، فما أذن المؤذن لصلاة المغرب حتى أصبح ابن عم الحسين وحيدًا بعد أن خانه الثمانية عشر ألفًا الذين اجتمعوا له في فجر ذلك اليوم!!!! ثم وجد مسلم نفسه وحيدًا في جنح الظلام يتردد في طرقات الكوفة لا يدري أين يذهب، يتجول بين البيوت المقفلة طالبًا شربة ماءٍ من الشيعة الذين رفضوا إيواءه، فرأته عجوزٌ شيعية بهذا المنظر المزري، فسألته عن حاله فقال لها: "أنا مسلم بن عقيل كَذَبَني هؤلاء القوم، وغَرُّوني" فأدخلته في بيتها لكي تسقيه بعض الماء بعد أن كاد يموت عطشًا، وسبحان اللَّه، فحتى تلك العجوز الشيعية الشمطاء أبت أن تغير طبع الشيعة القذر في الغدر والخيانة، فخرجت خفيةً من البيت وأحضرت معها رجالًا بسلاسل حديدية لكي يشدوا وثاق ابن عم الحسين بالسلاسل ويسلموه للوالي مقابل دراهم معدودات، وقبل أن يقتل الوالي مسلم بن عقيل سأله إن كان له طلب أخير، فقال مسلم وخنجر الغدر الشيعي مزروعٌ بخاصرته: كل ما أطلبه هو أن ترسْلوا للحسين برسالة تحذروه من أن يأتي للعراق، وقولوا له أن شيعة أبيه ليسوا أكثر من مجرد خونة، وأنهم قد غدروا به! وقتل مسلم بن

стр. 212

عقيل، ولكن رسالته وصلت متأخرًا للحسين، ومع ذلك أراد الحسين أن يرجع، إلا أن من معه من أبناء مسلم بن عقيل رفضوا إلا أن يأخذوا بالثأر لأبيهم، فتبعهم عمهم الحسين، فتفاجأ الحسين أن ٣٠ ألفًا من الشيعة العراقيين قد انضموا لجيش الوالي لمقاتلة الحسين، فطلب الحسين أن يرجع من حيث أتى أو أن يتركوه لكي يذهب إلى ابن عمه يزيد (على حد وصف الحسين نفسه ليزيد!) أو أن يتركوه لكي يجاهد المشركين على الثغور الإِسلامية، فرفض جيش الشيعة ذلك، فقتلوه ومثلوا بجثته ﵀ وأسكنه فسيح جنته. انتهت القصة! أما الآن فلنستمع إلى أقوال علماء الشيعة أنفسهم من أمهات كتب الشيعة المعتبرة: الكتاب: أعيان الشيعة للسيد محسن الأمين/ الجزء: الأول/ الصفحة ٣٢: "ثم بايع الحسين من أهل العراق عشرون ألفا غدروا به وخرجوا عليه وبيعته في أعناقهم فقتلوه". الكتاب: مقتل الحسين/ المؤلف: عبد الرزاق المقرم/ الصفحة ٣١٦/ ٣١٧: "أيها الناس من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب. . . . أيها الناس ناشدتكم اللَّه هل تعلمون أنكم كتبتم إلى أبي وخدعتموه وأعطيتموه من أنفسكم العهود والميثاق والبيعة وقاتلتموه، فتبا لكم لما قدمتم لأنفسكم، وسوأة لرأيكم، بأية عين تنظرون إلى رسول اللَّه إذ يقول لكم: قتلتم عترتي، وانتهكتم حرمتي، فلستم من أمتي". الكتاب: مقتل الحسين/ المؤلف: عبد الرزاق المقرم/ الصفحة ٣١٢: قالت زينب ﵍: "ويلكم يا أهل الكوفة أتدرون أي كبد لرسول اللَّه فريتم؟ وأي كريمة له أبرزتم؟ وأي دم له سفكتم؟ ". الكتاب: الإرشاد للمفيد ٢/ ١١٠، إعلام الورى للطبوسي ٩٤٩، كشف الغمة ٢/ ١٨ و ٣٨: دعا الحسين على شيعته عندما غدروا به ونقضوا بيعته، ولما رأى ﵇ عزمهم على قتله دعا عليهم قائلًا: "اللهم إن مَتَّعْتَهم إلى حين فَفَرِّقهم فِرَقًا، واجعلهم طرائق قدَدًا، ولا تُرْضِ الوُلاةَ عنهم أبدًا، فإنهم دَعَوْنا لِينصرونا، ثم عَدَوا علينا فقتلونا". الكتاب: تاريخ اليعقوبي ١: ٢٣٥: "لما دخل علي بن الحسين الكوفة رأى نساءها

стр. 213

يبكين ويصرخن فقال: "هؤلاء يبكين علينا!! فمن قتلنا!؟ ". الكتاب: بحار الأنوار للمجلسي مجدلى: عمر ١٣٧ سطر ١٧: "قال يزيد: قد كنت أرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين، أما لو كنت صاحبه لعفوت عنه". والآن بعد أن تبين لنا من الذي قتل الحسين ﵁ من خلال أقوال علماء الشيعة أنفسهم، هل ما زال الشيعة يفكرون بالأخذ بثأر الحسين؟ أما علماء أهل السنة والجماعة -هدانا وهداهم اللَّه- ممن يطعنون بالتابعي الإِسلامي العظيم والقائد البطل يزيد بن معاوية، فأهدي إليهم بعض أقوال علماء السلف في يزيد بن معاوية ﵀: الإِمام أحمد بن حنبل (كتاب الزهد): أدخل عن خطبة يزيد بن معاوية قوله: "إذا مرض أحدكم مرضًا فأشقى ثم تماثل، فلينظر إلى أفضل عمل عنده فليلزمه ولينظر إلى أسوأ عمل عنده فليدعه". محمَّد بن علي بن أبي طالب "تاريخ الطبري": "وقد حضرته وأقمت عنده فرأيتهُ مواظبا على الصلاة، مُتَحَرِيًا الخير، يسأل عن الفقه، مُلازما للسنة". ابن خلدون: المقدمة (ص ٢١٠ - ٢١١): "والذي دعا معاوية لإيثار ابنه يزيد بالعهد دون سواه، إنما هو مراعاة المصلحة في اجتماع الناس، واتفاق أهوائهم باتفاق أهل الحل والعقد عليه -وحينئذ من بني أمية- وإن كان لا يظن بمعاوية غير هذا، فعدالته وصحبته مانعة من سوى ذلك، وحضور أكابر الصحابة لذلك، وسكوتهم عنه، دليل على انتفاء الريب منه، فليسوا ممن تأخذهم بها الحق هوادة، وليس معاوية ممن تأخذه العزة في قبول الحق، فإنهم -كلهم- أجلّ من ذلك، وعدالتهم مانعة منه. أبو حامد الغزالي (قيد الشريد من أخبار يزيد ص ٥٧ - ٥٩): "وقد صح إسلام يزيد بن معاوية، وما صح قتله الحسين ولا أمر به ولا رضيه ولا كان حاضرًا حين قتل، ولا يصح ذلك منه ولا يجوز أن يُظن ذلك به، فإن إساءة الظن بالمسلم حرام". الحافظ ابن كثير (البداية والنهاية ٨/ ٢٢٦): ". . . وقد أورد ابن عساكر أحاديث في ذم يزيد بن معاوية كلها موضوعة لا يصح شيء منها. وأجود ما ورد ما ذكرناه على ضعف أسانيده وانقطاع بعضه واللَّه أعلم".

стр. 214

والآن وبعد أن ذكرنا كل هذه الأحاديث عن هذا التابعي العظيم، يتساءل المرء. . . . لماذا هذا الهجوم العنيف على يزيد بن معاوية ﵀؟ الحقيقة أن تشويه صورة يزيد ﵀ هو تشويه للتاريخ الإِسلامي بأكمله، فلقد استمر يزيد على سياسة أبيه في الجهاد، والذي لا يعرفه معظمنا أن يزيد هذا الذي نتحدث عنه هو الذي فتح التبت عند جبال الهملايا!!! وفتح بلاد التركستان والتي سيخرج منها بعد بضع مئات من السنين رجالٌ أشداء يسمّون بالعثمانيين (كما سنرى لاحقا في هذا الكتاب)، فتكون بذلك كل فتوحات الأتراك الأبطال في ميزان حسنات يزيد بن معاوية، فرحمك اللَّه يا يزيد وجزاك عن الإِسلام والمسلمين كل خير. ولكن. . . . ما قصة ذلك الجيش الذي كان يزيد قائده والذي دعا له رسول اللَّه ﷺ ؟ ولماذا كان المسلمون مصممون على فتح "القسطنطينية" بالذات؟ وما قصة ذلك الصحابي الجليل استضاف رسول اللَّه ﷺ في بيته في المدينة وهو شابٌ في ريعان شبابه، ليجاهد بعد ذلك في سبيل اللَّه حتى استشهد على أسوار القسطنطينية وهو شيخ ثمانيني؟ ولماذا كان السلاطين العثمانيون يبدأون مراسم تقلدهم للخلافة في المسجد الذي حمل اسمه في مدينة الإِسلام "إسلامبول"؟ يتبع. . . .

стр. 215

" أسد القسطنطينية" (أبو أيوب الأنصاري) " يا يزيد. . . . أقرأ عني السلام على جنود المسلمين، وقل لهم: يوصيكم أبو أيوب أن توغلوا في أرض العدو إلى أبعد غاية، وأن تحملوه معكم، وأن تدفنوه تحت أقدامكم عند أسوار القسطنطينية" (أبو أيوب) كانت دموع القائد الأعلى لجيش القسطنطينية (يزيد بن معاوية) تختلط مع دموع أخيه (الحسين بن علي) وهما ينظران إلى هذا الشيخ الثمانيني وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة، فتذكر كلٌ منهما قصة هذا البطل الأسطوري الذي كان الإنسان الوحيد على وجه الأرض الذي نال شرف استضافة أعظم مخلوقٍ خلقه اللَّه في التاريخ, يومها كان هذا الشيخ ومن معه من المسلمين مهددين من قبيلة في مجاهد صحراء العرب لا يبلغ عدد أفراد جيشها الألف، أما الآن فإن هذا الشيخ الطاعن في السن يهدد بنفسه عاصمة أكبر إمبراطورية عرفتها أوروبا في تاريخها، يهدد القسطنطينية أحصن مدينة على وجه الأرض، لقد كان هذا الشيخ العظيم هو خالد بن زيد بن كليب بن مالك بن النجار، والذي عُرف بأبي أيوب الأنصاري. وقصة هذا الصحابي تصلح لكي تدرَّس في مقاهي البلاد الإِسلامية المكتظة بعشرات المسنين ممن يضيّعون أوقاتهم في المقاهي بلعب الطاولة بانتظار مجيئ الساعة القاضية التي ينتهي فيها "سن اليأس"! إننا لا نتحدث عن شابٍ عشريني أو كهلٍ ثلاثيني أو حتى شيخٍ ستيني، إننا نتحدث عن هرمٍ جاوز الثمانين من عمره ورغم ذلك يخرج مجاهدًا في سبيل اللَّه، ليدك حصون أعظم مدينة على وجه الأرض! نرجع إلى الوراء ٥٣ سنة عبر التاريخ لكي نعرف قصة أبي أيوب من بدايتها، وبالتحديد من اليوم الذي وصل فيه رسول اللَّه ﷺ إلى المدينة مهاجرًا إليها من مكة،
следующие страницы →