Полный текст (458 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
" المسلمون الذين لا يعرفهم المسلمون" (الهنود الحمر!)
" إن كريستوفر كولومبس كان واعيًا الوعي الكامل بالوجود الإسلامي في أمريكا قبل مجيئه إليها"
(ليون فيرنيل)
بروفسور جامعة هارفرد
في كتابه "أفريقيا واكتشاف أمريكا"
Africa and the discovery of America""
عندما بدأت هذا الكتاب لم أكن أطمع بأكثر من عظيم إسلامي واحدٍ من قارتي أمريكا الشمالية والجنوبية لكي أضيفه إلى صفحات هذا الكتاب لأثبت أن هذا الدين دين عالمي، ولكنني صُعقت من المفاجأة عندما علمت أن سكان أمريكا بأسرهم كانوا مسلمين!!! وقبل أن يتهمني البعض بالجنون لما سأعرضه من معلومات تاريخية خطيرةٍ، ينبغي علينا أولًا، أن نراجع معًا ما تعلمناه سابقًا في كتب التاريخ المدرسية التي هي انعكاسٌ طبيعيٌ لكتب التاريخ الغربية: فلقد تعلمنا أن قارتي أمريكا الشمالية وأمريكا الجنوبية كانتا قارتين مجهولتين حتى عام ١٤٩٢ م عندما اكتشفها بحار إيطالي اسمه (كريستوفر كولمبوس)، وهناك وجد هذا البحار الإيطالي الذي كان يعمل لصالح ملكي إسبانيا (فرناندو) و (وايزابيلا) أناسًا يعيشون في تلك الأرض، فظن أنهم من الهنود، فأسماهم (الهنود الحمر) للونهم الأسمر المائل للحمرة، ثم جاء (أميركو فاسبوتشي) وهو أحد البحارة الإيطاليين ليكتشف أن تلك الأرض ليست الهند وإنما هي قارة جديدة (ومنها جاءت تسمية أمريكا!)، ولأن الهنود الحمر لم يكونوا متحضرين، ولأنهم كانوا من آكلي لحوم البشر (كما تصورهم السينما الأمريكية دائمًا) فلقد تطوع الأوروبيون البيض بنشر الحضارة والثقافة في أوساط الهنود الحمر، ولكن الغريب أن عشرات
стр. 282
ملايين الهنود الحمر تم قتلهم من قبل الأوروبيين البيض في تلك الفترة التي كان من المفروض أن تكون لنشر الحضارة والمدنية في أوساطهم! انتهت الرواية الغربية.
الحقيقة أن هذه الرواية التاريخية لا تعدو مجرد هراء أراد الأوروبيون فيه تبرير إبادتهم للشعب الهندي الأحمر، والمحزن في الأمر أننا تقبلنا هذه الرواية وكأنها حقيقة تاريخية، ولكن هذا الوقت قد فات وولى، فلقد آن الأوان لشباب هذه الأمة أن ينتفضوا في وجه غزاة التاريخ، وأن يعيدوا كتابة التاريخ لا أقول من منظور إسلامي، بل من منظور إنساني شامل، بعيدًا عن التزييف والتحيز لأي طرف، فالسر الخطير الذي ظل طي الكتمان في أرشيفات إسبانيا والبرتغال لمئات السنين هو أن الهنود الحمر كانوا شعوبًا إسلامية تمت إبادتهم من دافعٍ صليبي حاقد على الإسلام والمسلمين، وقبل أن يظن القارئ أن هذا الكلام ما هو إلا خيال كاتب يؤمن بنظرية المؤامرة، ينبغي علينا أن نستعرض الحقائق التاريخية التي توصلت إليها من خلال دراستي لهذا الموضوع الخطير، والآن لنستعرض سوية تاريخ الإسلام في أمريكا، وأترك المجال للقارئ الكريم بعد ذلك ليحكم بنفسه:
(القرن الأول الهجري) بداية قصة الإسلام في أميركا بدأت مبكرًا من على ظهر فرس عربية أصيلة كانت تجري على الضفة الشرقية للمحيط الأطلسي في عام ٦٣ هـ، وفوق هذه الفرس كان يركب فارسٌ من بني أمية اسمه (عقبة بن نافع) هو ابن خالة الفاتح الإسلامي العظيم -الأموي أيضًا- (عمرو ابن العاص)، هذا الفارس المسلم نظر إلى المحيط الأطلسي وعيونه تفيض بالدموع ليرفع يديه في علياء السماء ويقول بصوتٍ خالطت نبراته هدير أمواج بحر الظلمات: "اللهم لو كنت أعلم ان وراء هذا البحر أرضًا لخضته إليها في سبيلك حتى أعلي عليها كلمة لا إله إلا اللَّه"!
(القرن الأول الهجري) الإمام الشعبي قال شيئًا عجيبًا ورد في كتاب (الحث على التجارة) لأبي بكر الخلال حيث قال "إن للَّه عبادًا من وراء الأندلس كما بيننا وبين الأندلس ما يرون أن اللَّه تعالى عصاه مخلوق رضراضهم الدر والياقوت، جبالهم الذهب والفضة لا يحرثون ولا يزرعون ولا يعملون عملا لهم شجر على أبوابهم لها ثمر هي طعامهم وشجر لها أوراق عراض هي لباسهم"!!!!
стр. 283
(القرن الرابع الهجري) ذكر المؤرخ المسعودي كتابه "مروج الذهب ومعادن الجوهر" المكتوب عام ٩٥٦ م وأبو حامد الغرناطي أن أحد المغامرين من قرطبة واسمه الخشخاش بن سعيد بن الأسود، عبر بحر الظلمات مع جماعة من أصحابه إلى أن وصل إلى الأرض وراء بحر الظلمات، ورجع سنة ٨٨٩ م، وقال الخشخاش لما عاد من رحلته بأنه وجد أناسا في الأرض التي وصلها، ولذلك لما رسم المسعودي خريطة للعالم، رسم بعد بحر الظلمات أرضا سماها: الأرض المجهولة بينما يسميها الإدريسي بالأرض الكبيرة أي إنه في القرن التاسع الميلادي كان المسلمون يعرفون أن ثمة أرضا وراء بحر الظلمات (وردت سيرة هؤلاء المغامرين وهم أبناء عمومة في كتابات المؤرخ الجغرافي كراتشكوفسكي وتم توثيقها عام ١٩٥٢ م في جامعة وايتووتر البرازيلية)
(القرن الخامس الهجري) الشيخ البربري ياسين الجزولي (والد الشيخ عبد اللَّه بن ياسين مؤسس جماعة المرابطين) قطع المحيط الأطلسي وذهب إلى المناطق شمال البرازيل مع جماعات من أتباعه، ونشر فيها الإسلام وأسس منطقة كبيرة كانت تابعة للدولة المرابطية ولا تزال هناك مدنًا تحمل أسماء مدنٍ إسلامية مثل (تلمسان) و (مراكش) و (فاس) إلى يوم الناس هذا.
(القرن السادس الهجري،) الشريف الإدريسي الذي عاش في القرن الثاني عشر الميلادي بين ١٠٩٩ - ١١٨٠ م، ذكر في كتابه "الممالك والمسالك" قصة الشباب المغامرين وهم: جماعة خرجوا ببواخر من إشبونة " Lisbon" (عاصمة البرتغال الآن) وكانت في يد المسلمين وقتها، وقطع هؤلاء المغامرون بحر الظلمات، ورجع بعضهم، وذكروا قصتهم وأنهم وصلوا إلى أرض وصفوها ووصفوا ملوكها. والغريب في الأمر أنهم ذكروا أنهم وجدوا أناسا يتكلمون بالعربية هناك!!! وإذا كان أناس يتكلمون بالعربية هناك فهذا دليل على أن أناسا كثيرين وصلوا قبلهم إلى هناك، حتى تعلم أهلها العربية ليكونوا ترجمانا بينهم وبين الملوك المحليين، وعلى أنه كان هناك وجود إسلامي في ذلك التاريخ على تلك الأرض. والوصف الذي أعطاه هؤلاء المغامرون يظهر أنه وصف للجزر الكارابية، كوبا أو إسبانيولا.
(عام ١٣٢٧ م) المؤرخ الإسلامي شهاب الدين العمري يذكر قصة عجيبة في كتابه
стр. 284
"مسالك الأبصار وممالك الأمصار" بأن سلطان إمبراطورية مالي المسلم (منسا موسى) ﵀ لما ذهب للحج عام ١٣٢٧ م، أخبره بأن سلفه أنشأ مائتي سفينة وقطع المحيط الأطلسي نحو الضفة الأخرى المجهولة وأنابه عليه في حكم مالي ولم يعد قط! وبذلك بقي هو في الملك وقد وُجدت بالفعل كتابات في البيرو والبرازيل وجنوب الولايات المتحدة تدل على الوجود الإفريقي الإسلامي من كتابات إما بالحروف الكوفية العربية أو بالحروف الإفريقية بلغة الماندينك؛ وهي لغة لشعب كله مسلم الآن، يسمونهم: "الفلان"، وكذلك تركت اللغة المانديكية آثارا لها في الهنود الحمر إلى يومنا هذا (وهناك قبائل هندية إلى يومنا هذا ما زالت تكتب بحروف لغة الماندينك الإسلامية!)
(عام ١٤٩٣ م) كريستوفر كولومبوس نفسه يكتب في مذكراته "إن الهنود الحمر يلبسون لباسا قطنيا شبيها باللباس الذي تلبسه النساء الغرناطيات المسلمات" وذكر أنه وجد في كوبا مسجدًا، والجدير بالذكر أن أول وثيقة هدنة بين كرستوفر والهنود الحمر كانت موقعة من طرف رجل مسلم (الوثيقة موجودة في متحف تاريخ أمريكا بتوقيع بحروف عربية من رجل من الهنود الحمر اسمه محمد!!!)
(عام ١٥٦٤ م) رسم الأوروبيون خريطة لفلوريدا في أمريكا تظهر فيها مدنا ذات أسماء توجد في الأندلس والمغرب مثل (مراكش) و (ميورقة) و (قادس)، ولكي تكون أسماء عربية هناك، فبالضروري كانت هجرة عربية قبل مائة أو مائتي عام من ذلك التاريخ على الأقل.
(عام ١٩٢٩ م) اكتشف الأتراك صدفة خريطة للمحيط الأطلسي رسمها بيري رئيس، الذي كان رئيس البحرية العثمانية في وقته، وذلك سنة ٩١٩ هـ/ أي: حوالي: ١٥١٠ - ١٥١٥ م، (وهي نفس الخريطة التي عرضناها في هذا الكتاب) الغريب فيها أنها تعطي خريطة شواطيء أمريكا بتفصيل متناه غير معروف في ذلك الوقت بالتأكيد، بل ليس الشواطيء فقط، بل أتى بأنهار وأماكن لم يكتشفها الأوروبيون إلا أعوام ١٥٤٠ - ١٥٦٠ م، فهذا يعني -وكما ذكر بيري رايس- بأن هذه الخريطة مبنية على حوالي تسعين خريطة له وللبحارين الأندلسيين والمغاربة الذين قدموا قبله، فسواء هو أو المسلمون قبله سيكونون عرفوا قطعا تلك المناطق، وعرفوا اسمها قبل الأوروبيين
стр. 285
والغريب في الأمر أنه أظهر بالتفصيل جبال الأنتس التي هي جبال تشيلي في أقصى غرب قارة أمريكا الجنوبية، التي لم يصلها الأوروبيون إلا عام ١٥٢٧ م، وأظهر أنهارا في كولومبيا، ونهر الأمازون بالتفصيل، ومصبه الذين لم يكونا معروفين عند الأوروبيين ولا موجودين في خرائطهم.
(عام ١٩٢٠ م) البروفيسور ليون فيرنيل الذي كان أستاذا في جامعة هارفرد، كتب كتابًا اسماه:
" أفريقيا واكتشاف أمريكا"، " Africa and the discovery of America"
يقول فيه: "إن كريستوفر كولومبس كان واعيا الوعي الكامل بالوجود الإسلامي في أمريكا"، وركز في براهينه على براهين زراعية ولغوية وثقافية، وقال بأن المانديك المسلمين بصفة خاصة انتشروا في وسط وشمال أمريكا، وتزاوجوا مع قبيلتين من قبائل الهنود الحمر، وهما: "إيروكوا" و"الكونكير" في شمال أمريكا، وانتشروا -كما ذكر- في البحر الكاريبي جنوب أمريكا، وشمالا حتى وصلوا إلى جهات كندا!
(عام ١٩٦٠ م) جيم كوفين "كاتب فرنسي ذكر في كتابه: " Les Berberes d Amerique" " بربر أمريكا"، بأنه كانت تسكن في أمريكا قبيلة بربرية مسلمة اسمها "المامي"، " Almami"، وهي كلمة معروفة في أفريقيا الغربية ومعناها: "الإمام"، وهي تقال عن زعماء المسلمين، وذكر بأن أكثريتهم كانت في الهندوراس في أمريكا الوسطى، وذلك قبل كريستوفر كولومبس.
(عام ١٩٧٨ م) كذلك في كتاب "التاريخ القديم لاحتلال المكسيك"، " Historia Antigua de la conquesta de Mexico " لمانويل إيروسكو إيبيرا، قال: "كانت أمريكا الوسطى والبرازيل بصفة خاصة، مستعمرات لشعوب سود جاؤوا من أفريقيا وانتشروا في أمريكا الوسطى والجنوبية والشمالية".
(عام ١٧٧٥ م) اكتشف الراهب فرانسسكو كارسيس، عام ١٧٧٥ م قبيلة من السود مختلطة مع الهنود الحمر في نيوميكسيكو في الولايات المتحدة الأمريكية "المكسيك الجديدة"، واكتشف تماثيل تظهر في الخريطة المرفقة تدل دلالة كاملة بأنها للسود. وبما أنه لا يوجد في أمريكا سود، فلا شك أنهم كانوا هم المسلمون الأفارقة الذين ذهبوا لنشر الإسلام في أمريكا.
стр. 286
(عام ١٩٤٦ م) "مييراموس" في مقال في جريدة اسمها: "ديلي كلاريون"، " Daily Clarion" في "بيليز"، وهي إحدى الجمهوريات الصغيرة الموجودة في أمريكا الوسطى، بتاريخ عام ١٩٤٦ م: "عندما اكتشف كريستوف كولومبس الهند الغربية، أي: البحر الكاريبي، عام ١٤٩٣ م، وجد جنسا من البشر أبيض اللوق، خشن الشعر، اسمهم: "الكاريب"، كانوا مزارعين، وصيادين في البحر، وكانوا شعبا موحدا ومسالما، يكرهون التعدي والعنف، وكان دينهم: الإسلام، ولغتهم: العربية"!
(عام ٢٠٠٠ م) لويزا إيزابيل أل فيريس دو توليدو، " Luiya Isabel al ferris Do Tolido"، وهي دوقة مدينة سيدونسا" Cedonia "، اكتشفت بالصدفة وهي ترمم قصرها في مدينة باراميدا " San Luca De paramida"، وثائقًا إسلامية مكتوبة بالعربية ترجع إلى العهد الأندلسي، في هذه الوثائق وصف كامل لأمريكا والمسلمين فيها قبل كريستوفر كولومبس، خبأها أجدادها الذين كانوا حكام إسبانيا وكانوا جنرالات في الجيش الإسباني، وكانوا حكام الأندلس وأميرالات البحرية الإسبانية. وقد خافت أن يحرقها الإسبان بعد موتها، فقامت بوضعها في كتاب قبل أن تموت سنة ٢٠٠٨ م، وهذا الكتاب اسمه " Africa versus America". وفيه تفاصيل الوجود الإسلامي في أمريكا.
يجدر الإشارة أن الإكتشافات الأثرية الحديثة أثبتت وجود كتابات بالعربية منحوتة على جدران الكهوف في أمريكا، وفي عاصمة بورتوريكو القديمة سان خوان اكتشفت بعض الأحجار الصخرية مكتوبًا عليها لا غالب إلا اللَّه باللغة العربية! ووُجد على باب أحد المنازل القديمة بنفس المدينة فوق الباب وعلى جانبيه باللغة العربية على الفسيفساء الجميل نفس الكلام. . . . . لا غالب إلا اللَّه! وقد وُجدت نقوش في سقوف كنائس باهيا والسلفادور فيها عدة آيات من القرآن الكريم دون أن يشعر أحدٌ لأن أيًا منهم لا يجيد العربية، فهل كانت هذه الكنائس في الأصل مساجدًا للهنود الحمر؟!
أما بعد. . . . فكما رأينا يتضح أن المسلمين كانوا قد هاجروا إلى أمريكا قبل مئات السنين من دخول كولمبوس لها، ولكنهم لم يهاجروا ليسرقوا الذهب وليبيدوا السكان الأصليين، بل ذهب المسلمون إلى أمريكا ليحملوا رسالة السلام، رسالة العدل، رسالة
стр. 287
لا إله إلا اللَّه، محمدٌ رسول اللَّه، هذه الرسالة التي دخلت قلوب وأرواح السكان المحليين الذين سماهم الإسبان الصليبيون بـ "الهنود الحمر" كما سموا من قبل البطل عرج بـ "برباروسا صاحب اللحية الحمراء"، وعلى ما يبدو أن الصليبيين مغرمون باللون الأحمر، فهو لون الدّم الذي يسفكونه في كل العصور، فلقد كان في الأمريكتين ١٠٠ مليونًا من الهنود الحمر أكثرهم المسلمين (إن لم يكن جميعهم!) يعيشون في أمانٍ مع المسلمين العرب والبربر والأفارقة الذين عاشوا بسلامٍ معهم، وتزاوجوا وتخالطوا معهم، وصلوا جميعًا جنبًا إلى جنب، فأين ذهب هؤلاء؟ أين ذهب إخوتنا؟ الآن وبعد مرور أكثر من ٥٠٠ عام على دخول الكاثوليكية إلى أمريكا لم يبقَ إلا هذه الأعداد الصادمة التي أهديها لكل قذرٍ قال إن الإسلام انتشر بحد السيف وأن الصليبيين هم أهل السلام: من بين ١٠٠ مليون هندي لم يبقَ إلا: ٢٠٠ ألف في البرازيل، ١٤٠ ألف في حماية التونا (جماعة تشى جيفارا)، ١٥٠ ألف هندى في الولايات المتحدة، ٥٠٠ ألف في كندا يعيشون في الاقامات الجبرية. ١٥٠ ألف في كولومبيا، ٢٥٠ ألف في الاكوادور، ٦٠٠ ألف في جواتيمالا، ٨٠٠ ألف في المكسيك، وعشرة ملايين في البيرو، ومع الأخذ بالإعتبار الزيادة الطبيعية للسكان بعد ٥٠٠ عام كان من المفترض أن يكون عدد إخواننا من الهنود الحمر الآن ممن يشهدون بشهادة التوحيد يعادل ١٠٠٠٠٠٠٠٠٠ مسلم! أبادوهم أولئك السفلة لسحق الإسلام، فالذي لا يعرفه الكثير منا للأسف أن سنة (اكتشاف!) كولمبوس لأمريكا ٤٩٢ م هي نفسها السنة التي احتل فيها الصليبيان (فرناندو الثاني من أراجون)، (وايزابيلا الأولى من قشتالة) مدينة غرناطة الإسلامية، آخر معقل للمسلمين في الأندلس، فأرادت هذه القذرة إيزابلا (والتي كانت تفتخر بأنها لم تغتسل في حياتها إلا يوم ولادتها سنة ١٤٥١ وليلة دخلتها سنة ١٤٦١) أن تسحق المسلمين في أمريكا كما ستسحقهم قريبًا في محاكم التفتيش. والآن وبعد أن اطلعنا على هذه المعلومات الخطيرة التي تعب في جمعها المئات من المسلمين وما كنت أنا إلا مجرد ناقلٍ لها، آن لهذه الأمة أن تتحرك على مستويين اثنين:
(المستوى الرسمي): مطالبة الدول الاستخرابية (خاصة إسبانيا والبرتغال) بالكشف عن أرشيفهم السري لمعرفة مصير إخواننا من الهنود الحمر وتعويض من بقي منهم.
стр. 288
(المستوى الشعبي): من كان يستطيع ترجمة هذه المعلومات الخطيرة (للإسبانية بالذات) فليترجمها ولينشرها في ربوع الأرض، ومن كان يستطيع نشرها في الانترنت فليفعل، فلو علم سكان أمريكا الجنوبية من بقايا الهنود الحمر بالذات تاريخ أجدادهم الإسلامي، لأقبلوا على هذا الدين أفواجًا، فمن كان يعرف أي هندي أحمر فلينقل له هذه المعلومات عن تاريخه الذي لا يعرفه، فلعل اللَّه يفتح قلبه للإسلام، كما أسلم من قبل أجداده على يد أجدادنا!
ولكن الصليبيين نسوا شيئًا مهمًا في المسلمين. . . . لقد نسوا أننا أمة لا تموت أبدًا فبعد أكثر من قرنٍ ونصف من القتل والتعذيب والتنصير الإجباري، خرج من بين الرماد والركام في أدغال الأمازون البرازيلية، ماردٌ إسلاميٌ عظيم، انتفض على أولئك القتلة الصليبيين، ليقيم دولة البرازيل الإسلامية!
يتبع. . . . . . .
стр. 289
" رئيس دولة البرازيل الإسلامية" (زومبي)
" كان هؤلاء المسلمون الأفارقة يشكلون عنصرًا نشيطا مبدعًا، ويمكن أن نقول إنهم من أنبل من دخل إلى البرازيل خلقًا"
(جلبير تو فريري)
قبل أن نستعرض قصة هذا القائد الإسلامي العظيم الذي أقام دولة الإسلام في البرازيل، أستأذن القارئ الكريم لكي نستعرض سويةً بعض المعلومات التاريخية التي ستعطينا صورة بسيطة عن خلفية الموضوع:
فبعد دخول الأوروبيين البيض النصارى إلى الأمريكتين الشمالية والجنوبية، قسّم الأوروبيون الأراضي الجديدة بيينهم على النحو التالي: أمريكا الشمالية بيد الإنجليز والفرنسيين، والجنوبية بين البرتغاليين والإسبان، والحقيقة أن الفرق بين تلك القوى الأوروبية أن فرنسا وإنجلترا قررا البقاء في أمريكا الشمالية والإستيطان فيها، فكان شعارهم مع السكان الأصليين هو: "الهندي الجيد هو الهندي الميت فقط"! أما الصليبيون الإسبان والبرتغاليون فلم يقرروا الاستيطان هناك، فكان شعارهم في أمريكا الجنوبية: "اقتل ثم انهب ثم انقل"! وربما يفسر لنا هذا الفرق الكبير بين اقتصاديات أمريكا وكندا من جهة وبين اقتصاديات دول أمريكا الجنوبية الفقيرة، أما أمريكا الشمالية فسنتعرض قصتها لاحقًا بالتفصيل في غير موضع، وأما الجنوبية فقد تقاسمتها البرتغال وإسبانيا على النحو التالي: تأخذ البرتغال أرض البرازيل الواسعة والغنية، وتأخذ إسبانيا بقية الدول، وفعلًا احتلت البرتغال البرازيل بقوة النار، وقامت بقتل السكان الأصليين هناك لكي تنهب خيراتهم، وكانت عملية النهب الواسعة لنقل أهرامات الذهب إلى البرتغال تحتاج إلى مزيد من الأيدي العاملة، فقاموا بالهجوم على سواحل الدول الإسلامية في الغرب الأفريقي، لكي يدخلوا على القرى الآمنة في منتصف الليل، ليأسروا جميع سكان القرية بشباكهم كالحيوانات، ومن ثم ينقولنهم في سجون في قيعان السفن إلى البرازيل، حتى وصلت أفواج العبيد المسلمين إلى البرازيل لأول مرة عام ١٥٣٨ م، ولم تمضِ ٤٠ سنة حتى نقل إليها ١٤ ألف مسلم مستضعف والسكان لا يزيدون على ٥٧ ألفًا، وفي السنوات التالية أخذ
стр. 290
البرتغاليون يزيدون من أعدادهم إذ جلبوا من أنغولا وحدها ٦٤٢ ألف مسلم زنجي، وجاءوا بجلّ هؤلاء الأفارقة المسلمين من غرب أفريقيا، وتؤكد الوثائق التاريخية المحفوظة في المتاحف البرازيلية، أن أكثرية المنحدرين من الأفارقة الذين جاءوا "كعبيد" إلى البرازيل هم من جذور إسلامية، وأنهم كانوا يقرأون القرآن باللغة العربية، فتعرض هؤلاء المسلمون لحملات قاسية من التنصير، قبل أن يحاول بعضهم الثورة عليهم، ولكن البرتغاليين قمعوا هذه الثورات وأرغموا من بقي من المسلمين على التنصر بقوة النار والحديد.
وعندما ظن الصليبيون أنهم أطفأوا نار الإسلام في البرازيل إلى الأبد، خرج من بين رماد تلك النار بطل إسلامي عظيم اسمه (زومبي)، فأشعلها نارًا للانتفاضة الشعبية الإسلامية في جميع أرجاء البرازيل، فقام هذا القائد الإسلامي البطل ومن معه من شيوخ الإسلام بالتوجه إلى أفراد الشعب المضطهد والمستعبد، يعظونهم ويرشدونهم ويفقهونهم في الدين، وينزلون معهم الأكواخ ويعلمونهم القرآن ومبادئ الشريعة الإسلامية السمحاء، وبعد أن ازداد عددهم، وقويت عزيمتهم، أعلن الزعيم زومبي قيام "دولة البرازيل الإسلامية" عام ١٦٤٣ م، وأعلن في البند الأول في دستورها أن الحرية هي أساس الحكم، فأعلنت البرتغال الحرب على تلك الدولة الإسلامية الناشئة، فانتصرت قوات القائد الإسلامي زومبي عليهم المرة تلو الأخرى، فتوسعت الدولة الإسلامية بشكل كبير، فاحتل البطل زومبي أكثر من عشرين موقعًا لولاية "باهاية" البرازيلية. واستمرت هذه الدولة الإسلامية البرازيلية لأكثر من ٥٠ عامًا قدَّم فيها المسلمون الأحرار أروع صور الإباء والصمود، فقد أظهر السود المسلمون فنونًا من التضحيات الجليلة جعلتهم يصمدون أمام البرتغاليين، عندها قرر إمبراطور البرتغال أن يتدخل شخصيًا لينهِ هذا الحلم الإسلامي الوليد قبل أن ينتشر أكثر فأكثر، فأرسلت البحرية الإمبراطورية آخر ما توصلت إليه آلة القتل البرتغالية ليحاصروا الثوار المسلمين عام ١٦٩٥ م، قبل أن يستشهدوا واحدًا تلو الآخر!
وإذا كان زومبي قد وقف في وجه الصليبيين في أقصى غرب الكرة الأرضية في البرازيل، فإن هناك زومبي آخر وقف في وجه أولئك المجرمين في أقصى شرق الكرة الأرضية في الفلبين، فلم يدمر سفن الصليبيين فحسب، بل قتل بيديه الاثنتين القائد الأعلى للبحرية الإسبانية الصليبيية: القسيس البرتغالي الذي سمّا الغرب مضيق ماجلان على اسمه!
يتبع. . . . .
стр. 291
" سلطان دولة الفلبين الإسلامية" (لابو لابو)
" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ"
من سلطان المسلمين في الفلبين لابو لابو إلى القس البرتغالي ماجلان، وصلني تحذيرك الذي تطلب فيه منا باسم المسيح أن نسلمك أرضنا لزعمك بأن العرق الأبيض أحق وأولى بأرضنا منا، أما أنا فأقول لك باسم اللَّه. . . إن الدين للَّه، وإن الإله الذي نعبده نحن المسلمون هو إله جميع البشر على اختلاف أعراقهم وألوانهم فتقدَّم إلينا يا كلب الصليب!
قرأت كتابًا تاريخيًا وأنا في مرحلة الصِّبا يتحدث عن المستكشف البرتغالي البطل (فرديناندو ماجلان)، الذي كان -على حد زعم الكتاب- أول من اكتشف أن الأرض كروية، فاستطاع أن يعبر بسفنه مضيقًا يقع بين أمريكا الجنوبية وجزيرة أرض النار (سمُّي بعدها باسمه) ليصل بعدها للمحيط الهادي، قبل أن يقتله فلبيني من آكلي لحوم البشر في جزر الفلبين، لتنتهي بذلك حياة ذلك الرحالة البرتغالي العظيم. أذكر حينها جيدًا أنني تأثرت بقصة هذا المستكشف البرتغالي، أما الآن وبعد هذه السنين. . . . أدركت جيدًا كم كنت أحمقًا في حينها!
فالذي لم تذكره كتب التاريخ العربية والغربية على حد سواء، أن ذلك المستكشف البرتغالي الشجاع لم يكن سوى قسيسٍ صليبيٍ لص، هرب من كنيسته في البرتغال بعد أن اكتشف الناس هناك سرقاته الهائلة من فقراء النصارى، ليتوجه إلى الملك الإسباني الذي كان عدوًا للبرتغال، ليصبح ماجلان جاسوسًا على بلده البرتغال، قبل أن يساهم في سفك دماء المسلمين في محاكم التفتيش الإسبانية، ومن ثم يتوجه للمغرب لقتل الفارين من المسلمين المدنيين، وفي سنة ١٥١٩ م، قام هذا القسيس اللص بعقد صفقة خبيثة مع ملك إسبانيا يقوم ماجلان بموجبها بالهجوم على ديار المسلمين الآمنة عن طريق الشرق، ليعمل على تنصير المسلمين بقوة النار في الفلبين، وفعلًا وصل هذا المنصر المسيحي إلى الفلبين سنة ١٥٢١ م، ليسرق أموال الأهالي الآمنين فيها، وليغتصب جنود هذا القسيس المسيحي نساء الفلبين، عندها قاومهم الأهالي بأسلحتهم البدائية، فأضرم الإسبان النار في أكواخ السكان، ليفرَّ الفيليبينيون -المسلمون منهم وغير المسلمين- إلى
стр. 292
جزيرة "ماكتان" التي يحكمها حاكمٌ مسلم اسمه (لابو لابو) رفض التسليم لماجلان على الرغم من أن ملوك الجزر الفلبينية الأخرى استسلموا لهذا القس الصليبي، فأدرك ماجلان أنه أمام نوعية أخرى من البشر، هذه النوعية هي نوعية المسلمين الذين خبرهم جيدًا في الأندلس والمغرب، فبعث له برسالة يتوعده فيها ويقول: "إنني باسم المسيح أطلب إليك التسليم لأننا العرق الأبيض أصحاب الحضارة أولى منكم بهذه البلاد، فنظر هذا القائد الإسلامي البطل إلى هذه الرسالة التي تطفح بالعنصرية القذرة، وقارنها برسالة السلام التي جاء بها المسلمون قبل ذلك على يد التجار العرب والدعاة القادمين من الصين وسومطرة، قبل أن يسلم أهل الفلبين طواعية عام ١٣٨٠ م وليس بقوة النار كما أراد لهم الصليبيون، فأعلن لابو لابو الثورة الكبرى على ماجلان في الجزر الفليبينية!
وفعلًا، قام هذا القائد الإسلامي البطل بتشكيل جيشٍ قوامه من المدنيين المسلحين بالأسلحة البدائية، ليحارب به أقوى جيشٍ في العالم حينها، جيش الإمبراطورية الإسبانية، وما أن التقى الجيشان في جزيرة "ماكنتان" الفليبينية، حتى علت صيحات اللَّه أكبر من أفواه المسلمين الفليبينيين هناك، قبل أن يتقدم القائد لابو لابو بنفسه في ميدان المعركة، ليقتل كل الحرس الإسباني المحيطين بالصليبي الجبان ماجلان، ليقوم برفع سيفه في علياء السماء، فيطيح برأس ماجلان من عنقه، لينتصر المسلمون على الإسبان الغزاة، وليهرب من استطاع منهم الهرب بأرواحهم على سفينة واحدة بقيت لهم ليبلغوا الملك الإسباني بخيبتهم التي حلت عليهم على يدي القائد الإسلامي الأسطورة لابو لابو.
إلا أن الإسبان عادوا مرة أخرى بجيوشهم الجرارة إلى شعب الفليبين المسلم لينصِّروهم بقوة النار، وفعلًا تم لهم ذلك بعد ملايين الأرواح التي أزهقوها، ليحوِّلوا عاصمتها من "أمان اللَّه" إلى "مانيلا"، فتحولت الفليبين بذلك إلى الدولة الكاثوليكية الوحيدة في آسيا، ولكنها تحولت أيضًا إلى عاصمة الدعارة العالمية، ولعل الفليبينيين وجدوا ما يدفعهم إلى ذلك من القصص الجنسية الفاضحة الموجودة في الكتاب المقدس!
وبعد أن استعرضنا جرائم البرتغاليين في البرازيل وجرائم الإسبان في الفليبين، جاء الوقت لكي نعطي إنجلترا حقها في هذا الكتاب! لنذكر الجرائم التي ارتكبها الإنجليز في أمريكا، من خلال أبشع حكايةٍ عرفتها الإنسانية، حكاية العبودية، يرويها لنا عظيم جديد من عظماء أمة الإسلام، بقصةٍ كتب هو حروفها بمدادٍ أحمر من دمه، فحُفظت صفحاتها في متاحف الولايات المتحدة الأمريكية!
يتبع. . . . . .
стр. 293
" أمير العبيد" (عبد الرحمن إبراهيم بن سوري)
الشيء الذي لا يعرفه الكثيرون منّا -أو الذي لا يريد لنا الكثيرون أن نعرفه- أن حكاية العبيد في أمريكا ما هي إلا فصلٌ من فصول الصراع الإسلامي الصليبي الطويل الأمد، فجلُّ العبيد الذين استقدمتهم إنجلترا وفرنسا وإسبانيا والبرتغال ما هم إلا إخوان لنا على ملة الإسلام، قامت تلك الدول باستعبادهم من دول الغرب الأفريقي التي دخلها الإسلام طواعيةً بفضل الدعاة من العرب والبربر، ولعل الشيخ البطل أبو بكر اللنتوني كان مثالًا حيًا من هؤلاء المسلمين، وشتان ما بين الإسلام وبين أولئك المجرمين، فالإسلام العظيم دخل قلوب الأفارقة بعد أن رأوا ما فيه من العدل والسواسية بين البشر، أما أولئك القتلة فكانوا يغيرون على القرى الآمنة للأفارقة في عتمة الليل، ليحرقوا أكواخهم بالنيران، ومن ثم يلقون شباكهم على المستضعفين من السود الذين هربوا من ألسنة اللهب، ليجدوا أنفسهم في شباك البيض الأوروبيين، لينقلهم هؤلاء القتلة في سجونٍ في قيعان السفن، ليموت أكثر من نصفهم في رحلة العذاب عبر الأطلسي، قبل أن يتخلص البيض من جثثهم برميها في أعماق بحر الظلمات، لتكون طعامًا لوحوش البحر، بعد أن كانت ضحية لوحوش البشر!
أما من بقي حيًا من أولئك الأفارقة المساكين، فقد كانت حياتهم أصعب من الموت نفسه، فالميت يموت ميتة واحدة، أم هؤلاء فكانوا يموتون في اليوم ألف مرة، فيوم العبد عند أولئك سيده الأبيض كان يبدأ من شروق الشمس، وينتهي مع غروبها، يتخلل ذلك العمل الشاق. . . ثم العمل الشاق. . . ثم العمل الشاق! فيظل العبد الأفريقي المسلم يعمل عند أولئك السفلة حتى يموت من العذاب أو قلة الغذاء. إنسانٌ واحدٌ فقط استطاع النجاة ليروي للإنسانية قصة العبودية بكتاباته التي كان يكتبها بالعربية التي تعلمها في صغره عندما كان يدرس مسجد مدينة "تمبو" في دولة "غينيا" الإفريقية، هذا البطل الإسلامي الذي لا يعرفه أحد منا، قام بتسجيل حكايات العبيد المؤلمة في أوراقٍ كان
стр. 294
يخبؤها عن سيده الأبيض النصراني، لتكون هذه الكتابات المرجع الرئيسي الأول لقصة العبودية التي أقدم عليها النصارى الأوروبيون بحق الأفارقة المسلمين، وحسبك أن تعلم أن جميع المباني المهة في أوروبا وأمريكا ما هي إلا أبنية اختلطت مادة بنائها بعرق العبيد السود ودمائهم، ولك أن تعلم أن "البنك المركزي البريطاني" أقدم بناءٍ في وسط العاصمة الإنجليزية "لندن"، والذي لا يزال في موقعه إلى الآن، هو أول بناءٍ على وجه الأرض اختلطت أحجاره بدماء الأفارقة السود المسلمين الذين استقدمتهم إنجلترا من سواحل السنغال المسلمة، و"سكة الحديد الأمريكية" الأكبر في العالم، والتي تربط المحيط الأطلسي بالمحيط الهادي، بُنيت على جثث عشرات الآلاف من الأفارقة المسلمين الذين لا ذنب لهم إلا أنهم كانوا يمتلكون لون بشرة يختلف عن لون بشرة أولئك المرضى العنصريين، ولا ذنب لهم إلا أنهم اختاروا أن يعبدوا اللَّه على عبيدة الصليب!
وبطلنا العظيم عبد الرحمن إبراهيم بن سوري لم يُخلق عبدًا مسلوب الإرادة، بل وُلد هذا البطل المسلم أميرًا على مملكة غينيا الإسلامية، قبل أن يستيقظ في ليلة من الليالي الآمنة لصلاة الفجر، ليجد أن الإنجليز أحرقوا مدينته بالكامل، ليتفاجأ هذا الأمير الأفريقي النبيل بأنه قد أصبح عبدًا بين ليلة وضحاها، قبل أن يقتاده تجار البشر الإنجليز بسفنهم عام ١٧٨٨ م إلى ولاية "أوهايو" الأمريكية، ليعمل عبدًا بالسخرة عند مزارع تبغ أبيض نصراني يُدعى (توماس فوستر)، ليعمل عنده عبدًا ليس لسنة أو سنتين بل لـ ٤٠ سنة ماتت فيها زهرة شبابه، ولم يذق فيها طعمًا الراحة، وعلى الرغم من حياة العبودية القاسية التي عاشها هذا البطل الإسلامي العظيم، فإنه كعادة عظماء أمة الإسلام لم يرضخ للواقع، بل اتجه إلى العبيد من أبناء جلدته ليعلمهم قراءة القرآن بالعربية، وليصبح إمامًا للمسلمين في ولاية اوهايو الأمريكية، حتى ذاع صيته بين صفوف العبيد في الولايات المتحدة الأمريكية بأسرها، قبل أن يطلب الرئيس الأمريكي (جون كوينسي آدمز) مقابلته شخصيًا سنة ١٨٢٨ م، ليستمع منه إلى قصته العجيبة التي ذاعت في أرجاء الولايات المتحدة، فيصدر أمرًا رئاسيًا هو الأول من نوعه في تاريخ أمريكا بتحرير عبد الرحمن إبراهيم بن سوري. فهل عاد هذا البطل إلى بلاده ليتسلم عرش المُلك بعد موت
стр. 295
أبيه؟! لقد آثر هذا البطل الإسلامي الشهم البقاء بين إخوانه السود الأفارقة، ليتنقل من ولايةٍ أمريكية إلى أخرى يعلم الأفارقة دينهم الذي أنسوه بالقوة! وليقيم لهم المحاضرات التعليمية عن معنى الحرية، ومعنى السواسية في الإسلام، وليعيد هذا البطل الإسلامي لوحده إحياء دين الإسلام من جديد بين صفوف الأفارقة الذين أجبروا من قبل أسيادهم على التنصر، وعندما أحس هذا البطل الشهم بدنو أجله، ركب سفينة قاصدًا وطنه غينيا، فكان أول شيءٌ يصنعه عند نزوله من السفينة هو صلاته للَّه صلاة الشكر، قبل أن يبحث عن أمه، ليرتمي في أحضانها كالطفل وهو شيخُ ناهز السابعة والستين من عمره، لتنزل دموعه على على وجنتيه كشلالات متدفقة من الذكريات، ولتختلط تلك الدموع بدموع أمه التي فقدت بصرها حزنًا عليه، وما هي إلا أيام حتى توفي البطل الحر عبد الرحمن إبراهيم بن سوري وهو يتنقل في الحدائق الخضراء التي كان يلعب بها صغيرًا مع الأطفال قبل أن يأتيه أولئك السفلة المجرمون ليدمروا حياته.
وللأسف. . . استمرت هذه الأوضاع المأساوية للعبيد في أمريكا لعشرات السنوات، حتى خرج للعالم عظيم آخر من عظماء أمة الإسلام، ليعلن ثورة تحرير العبيد، بعد مئات السنين من الظلم والاستعباد!
يتبع. . . . . .
стр. 296
X
(مالكوم إكس)
" عزيزتي باتي. . . . . ربَّما لن تصدقي ما سأكتبه لك في هذه الرسالة، فأنا الآن في مكة أصلي بجانب رجل أبيض خلف رجل أسود، وآكل من نفس الطبق الذي يأكل منه رجل بعينين زرقاوين، وأشرب من نفس الكأس الذي شرب منه شيخ عربيٌ ببشرة فاتحة، لقد أدركت الآن وأنا في رحاب هذه المدينة المقدسة بأن جميع مشاكل أمريكا العنصرية لا يمكن لها أن تحل إلا بتعاليم الإسلام العظيم"
الحاج: مالك الشباز
Malcolm X
كم منا يعرف قصة أخينا المسلم مالكوم إكس؟ بل كم منا سمع باسمه أصلًا؟ واللَّه إن العيب كل العيب يقع علينا عندما نكرس كل أوقاتنا في قراءة الصحف الصفراء لكي نتتبع آخر أخبار طلاق الفنانة الفلانية وآخر مستجدات انتقال اللاعب الفلاني إلى النادي الفلاني وآخر أحداث قضية مقتل المغنية الفلانية، في الوقت الذي لا نستقطع خمس دقائق فقط من حياتنا الممتدة لقراءة شيء عن أخٍ لنا دفع حياته كلها في سبيل الإسلام، وفي الوقت الذي يشتكي فيه شبابنا من الملل وأوقات الفراغ التي تقتلهم، نراهم لا يحفظون شيئًا من كتاب اللَّه، أو حديثًا نبويًا صحيحًا، فضلًا عن قراءتهم لتاريخ عظماء أمتهم!
ومالكوم إكس أمريكي أسود تربى على يد أبيه الذي كان يعمل قِسًا في إحدى الكنائس، ولكنه تفاجأ في صغرة بمقتل أبيه من قبل رجالٍ بيض يعتنقون نفس الدين الذي يعتنقه أبوه! فلم يقتلوه فحسب، بل فجَّروا رأسه تحت تحت عجلات قطار سريع ليستمتعوا بمنظر الدماء وهي تتطاير منه، فتعجب هذا الفتى من سر الحقد الذي تمتلؤ به نفوس أولئك العنصريين على أبناء جلدته على الرغم من كونهم من نفس الدين. وحتى عندما دخل مالكوم المدرسة ليكون إنسانًا محترمًا لاحظ فيها التمييز العنصري المقيت، فالإنسان الأسود لا يساوي حتى حيوان الإنسان الأبيض! لذلك اجتهد مالكوم في دراسته ليثبت للأطفال البيض أنه لا يقل عنهم في
стр. 297
شيء، فأصبح أكثر التلاميذ المتميزين في المدرسة، فكافأته مدرسته بأن فصلته من التعليم كله! ليجد نفسه متشردًا في شوراع نيويورك، وليتنقل بعدها بين الأعمال المختلفة المهينة التي تليق بالزنوج، من نادل في مطعم، فعامل في قطار، إلى ماسح أحذية في المراقص، حتى أصبح راقصًا مشهورًا يشار إليه بالبنان، وعندها استهوته حياة الطيش والضياع فبدأ يشرب الخمر وتدخين السجائر، وكان يجد في لعبة القمار المصدر الرئيسي لتوفير أمواله، إلى أن وصل به الأمر لتعاطي المخدرات بل والاتجار فيها، حتى وقع هو ورفاقه في قبضة الشرطة، فأصدروا بحقه حكمًا مبالغًا فيه بالسجن لمدة عشر سنوات مقارنة بخمسٍ لرفاقه البيض، ولكن اللَّه أراد له الخير بذلك، فقد اعتنق الإسلام في السجن، وأصبح داعية في سجون نيويورك، قبل أن تطلق سراحه السلطات بعد القلق الذي خلقه بإسلام مئات المساجين السود على يديه، وعند خروجه من السجن قام مالكوم بتغيير اسمه من (مالكوم ليتيل) إلى (مالكوم إكس)، وإكس (X) تقابل سين (س) بالعربية، وهي القيمة المجهولة في الرياضيات، لأنه كان يؤمن أن اسم عائلته الحقيقي ليس ليتيل، بل هو اسم السيد الأبيض الذي كان يعمل عنده أجداده الأفارقة، فلقد كان كل سيد أبيض يسمي آلاف العبيد السود باسمه وكأنهم حيواناتٍ يمتلكها! ثم أصبح مالكوم إكس بعد ذلك المتحدث الرسمي باسم منظمة "أمة الإسلام" التي كانت تواجه العنصرية البيضاء بنفس العنصرية السوداء، ولكن مفهوم مالكوم إكس للإنسانية تغير عندما ذهب في رحلة إلى الحج، ليقوم علماء السعودية جزاهم اللَّه كل خير بتعليمه الإسلام الحقيقي ليرجع مالكوم إكس إلى أمريكا، ليعلن للعالم أن الحل الوحيد للأمريكان بيضًا وسودًا يكمن في التمسك بتعاليم الإسلام، وما هي إلا أيام على إعلانه هذا، حتى أغتيل هذا البطل الإسلامي أمام أعين أطفاله في ظروفٍ غامضة إلى يومنا هذا!
والحقيقة أنه ليس كل البيض الأمريكيين مقتنعين بالعنصرية التي كانت -ولا زالت- سائدة في أمريكا! فلقد كان هناك رئيسٌ أمريكي عملاق غير من مصير عشرات الملايين من العبيد الأفارقة في أمريكا، ولكن ما هو السر الخطير الذي دفع ذلك الرئيس بالتحديد دون غيره إلى تحرير العبيد؟!! ولماذا كان هذا الرئيس الأمريكي أول رئيس أمريكي في تاريخ الولايات المتحدة يتم اغتياله في ظروفٍ غامضة؟!!
يتبع. . . . . .
стр. 298
" الرئيس الأمريكي المسلم" (أبراهام لينكولن)
" أنا رئيس الولايات المتحدة الأمريكية: أبراهام لينكولن. . . أعلن بشكلٍ رسمي انتهاء مرحلة العبودية منذ صباح هذا اليوم"
January ١, ١٨٦٣
الحقيقة أنني ترددت كثيرًا في ذكر اسم هذا العظيم الإسلامي في هذا الكتاب لعدة أسباب: أولها أن أحدًا من الكتاب المعاصرين أو حتى السابقين لم يذكر شيئًا صريحًا بخصوص إسلام هذا الرئيس الأمريكي، وثانيها أنني لست إلا مجرد كاتبٍ مبتدئ ليس لي من الرصيد الأدبي ما يساعد على إثبات مصداقية ما أدعو إليه من الناحية الأكاديمية، وثالثها أنني لا أتحدث عن رئيسٍ مغمورٍ من رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية، بل أتحدث عن رجلٍ يعتبره الأمريكيون أعظم رئيسٍ للولايات المتحدة الأمريكية في تاريخها بعد المؤسس (جورج واشنطن)، ورابعها يتمثل في تلك العلاقة الحساسة التي تربط المسلمين بالولايات المتحدة الأمريكية والتي تختلط فيها الحقائق التاريخية بنظرية المؤامرة في كثير من الأحيان! لهذه الأسباب وغيرها رأيت أن من الحكمة أن أنأى بنفسي عن هذا الموضوع الشائك ولو مؤقتًا، وقد أعرضت بالفعل عن ذكر اسم هذا الرئيس الأمريكي في كتابي هذا عند أول عند مرة توصلت فيها لمعلومات تاريخية عن إسلامه في معرض بحوثي في موضوع "الآريسية"، إلا أنني وعن طريق الصدفة البحتة توصلت قبل عدة أيامٍ فقط لمعلوماتٍ تاريخية موثقة تؤكد إلى حدٍ كبيرٍ إسلام هذا الرئيس الأمريكي، مع اعترافي الواضح بأن هذه المعلومات لا تثبت تمام الإثبات قضية إسلام إبراهام لنكولن! إلا أنني رأيت فيها ما يؤكد ما توصلت إليه سابقًا من معلومات، وعندما تعمقت في سيرة هذا الرئيس الأمريكي، زاد يقيني بأن سيرة هذا الرئيس الأمريكي لا تصلح إلا أن تكون سيرة لرجلٍ مسلم!
стр. 299
والآن لنستعرض سوية هذه المعلومات التاريخية الخطيرة:
(أولًا) انتماؤه لأصول الميلونجونس: وهي عائلات أندلسية من مسلمي البرتغال هاجرت إلى أمريكا هربًا بدينها من محاكم التفتيش، وقد كتب أمريكي اسمه "براند كينيدي" " Brand Kennedy" كتابًا أسماه " The Malingers" بتمويل من جامعة فرجينيا الغربية عن أصول الميلونجونس، تبين فيه أن أصولهم إسلامية من أندلسيي البرتغال، وذكر الكاتب فيه أنه بقيت فيهم عادات إسلامية إلى الآن، ومن أهم الشخصيات التي تنتمي إلى هذه الطبقة من الناس: "أبراهام لينكولن " Abraham Lincoln"، وقد ذكر هذا الكاتب الأمريكي أن تحرير أبراهام لينكولن للعبيد كان انتقاما للأندلس من النصارى بطريقة غير مباشرة، إلا أنه ينبغي على من باب الأمانة العلمية أن أذكر أن هذا الكاتب لم يذكر من قريب أو بعيد شيئًا عن إسلام لنكولن من عدمه!
(ثانيًا) الغموض الذي يحيط بخلفيته الدينية: إبراهام لنكولن هو أكثر رئيسٍ أمريكي تحاك حول هويته الدينية -بالذات- كثير من القصص والألغاز!
(ثالثًا) تحريره للعبيد: على الرغم من عرقه الأبيض كانت قضية تحرير العبيد السود تمثل كل شغله الشاغل حتى قبل توليه الحكم، ولا ننسى أن العبيد الأفارقة كانوا بالجملة من المسلمين، وربما كان هذا هو سر إخفاء أبراهام لنكون لإسلامه، فمصير ملايين المسلمين الأفارقة كان معلقًا بين يديه، ولعله لنكولن قرأ في كتب التاريخ كيف أخفى النجاشي ملك الحبشة إسلامه ليحمي عشرات المسلمين المهاجرين!
(رابعًا) شكله!: قد يظنه البعض دليلًا تافهًا، إلا أنني أراه من الأهمية بمكان، ولطالما استخدمت العرب علم الفراسة لتحديد هوية الرجل! لذلك بحثت في جميع صور رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية ابتداءً من جورج واشنطن وحتى جورج بوش الابن، فلم أرَ أحدًا تظهر عليه ملامحٌ إسلامية بدماءٍ عربية مثل أبراهام لِنكولن! والعجيب أنني كنت أشك قديما بأن بيهودية هذا الرئيس بسبب شكله المميز ودمائه الشرقية الواضحة! أضف إلى ذلك أن أبراهام كان أول رئيسٍ للولايات المتحدة في التاريح يطلق لحيته، ويجز شاربه!
(خامسًا) اغتياله: أبراهام لنكولن كان أول رئيسٍ أمريكي يتم اغتياله بطريقة غامضة
стр. 300
للغاية! ولم يُقتل بها تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية رئيس إلا هو ورئيسٌ آخر اسمه (جون إف كِندي). الغريب أن كِندي اغتيل بطريقة غامضة أيضًا، والأغرب أنه كان هو الآخر بخلفية دينية تختلف عن باقي رؤساء أمريكا عبر التاريخ, فلقد كان كندي كاثوليكيًا، على عكس باقي الرؤساء الذين ينتمون للطائفة البروتستانتية الإنجيلية!
لهذه الأسباب الخمسة: رأيت أن الرئيس الأمريكي أبراهام لنكولن يستحق أن يضاف لقائمة العظماء المائة، نظرًا لإنقاذه لملايين الأرواح من العبيد المسلمين في الولايات المتحدة الأمريكية، أما من بقي في قلبه ذرة شك في إسلام أبراهام لنكولن بعد كل هذه "الدلائل" معللًا ذلك بأن لنكولن لم يُظهر إسلامه على الملأ، فعليه أن يتحول إلى الصفحة القادمة ليرى بنفسه الأهوال الفظيعة التي لحقت بمسلمي الأندلس في محاكم التفتيش عندما كشف أمرهم، وليضع نفسه في مكانه ثم يسأل نفسه إن كان سيعلن إسلامه أو يخفيه، فإذا كنت من أصحاب القلوب الضعيفة فتحول مباشرة إلى حكاية العظيم الإِسلامي الذي يلي بطلنا القادم، أما إذا كنت متعودًا على قصص الرعب والجرائم الدموية المخيفة. . . . . . فتابع معي!
يتبع. . . . .
стр. 301
" قائد انتفاضة الموريسكيين" محمد بن أمية (سليل عائلة الأبطال)
" ثم انتقلنا إلى غرف أخرى، فرأينا فيها ما تقشعر لهوله الأبدان، عثرنا على آلات رهيبة للتعذيب، منها آلات لتكسير العظام، وسحق الجسم البشري، كانوا يبدأون بسحق عظام الأرجل، ثم عظام الصدر والرأس واليدين تدريجيا، حتى يُهشم الجسم كله، ويخرج من الجانب الآخر كتلة من العظام المسحوقة، والدماء الممزوجة باللحم المفروم"
(من مذكرات الكولونيل الفرنسي ليموتسكي، الذي كان أحد الذين أَكتشفوا محاكم التفتيش)
كما قرأت أكثر في تاريخ أمة الإِسلام، وجدت صفحات مشرقة لأبطالٍ عظام ينتمون لعائلة بني أمية بالتحديد، ففهمت أكثر سبب الهجوم الشرس عليهم من المستشرقين الصليبيين وعملائهم من الشيعة الروافض، فواللَّه الذي لا إله إلا هو، ما رأيت عائلة ضحت في سبيل الإِسلام والمسلمين عبر جميع مراحل التاريخ الإِسلامي من الصين إلى الأندلس مثل عائلة بني أمية البطلة، وبذلك أصبح تشويه تاريخ هذه العائلة يساوي بالضرورة تشويه تاريخ الإِسلام بمجمله، فالحذر الحذر في الطعن بهذه العائلة الإِسلامية البطلة من قريبٍ أو بعيدٍ، فلقد سمعت بأذني شيوخًا محسوبين على أهل السنة والجماعة يهاجمون بني أمية، من دون أن يعلم هؤلاء أنهم بذلك يطعنون بتاريخ أمتهم بقصدٍ أو بغير قصدٍ!
وبطلنا الآن بطلٌ تخرج من مدرسة بني أمية بن حرب، وسرّ عظمة هذا البطل يكمن في أنه قد ظهر وقتٍ من أصعب أوقات المسلمين في التاريخ على الإطلاق، فقد ظهر هذا القائد الإِسلامي العظيم في الأندلس، ولكنه لم يظهر في زمن الخلافة الأموية القوية هناك، أو زمن صقر قريش عبد الرحمن الداخل الأموي ﵀، أو حتى في زمن ملوك
стр. 302
الطوائف على علاته، بل ظهر هذا البطل بعد سقوط الأندلس بعشرات السنوات، وبالتحديد في زمن محاكم التفتيش!. . . . . . وما أدراك ما محاكم التفتيش؟!!
وقبل أن نخوض في قصة البطل الأموي محمَّد بن أمية، أرى أنه من الفائدة بمكان أن نعطي لمحة بسيطة عن محاكم التفتيش الكاثوليكية لسببين اثنين، أولهما: هو تقدير لمدى عظمة هذا البطل الإِسلامي والذي يكمن سر عظمته بظهوره في وقت صعب للغاية مثل هذا الوقت بالتحديد. والثاني وهو الأهم: هو وضع أكبر قدر من المعلومات الموثقة من مؤرخي الغرب أنفسهم لشباب هذه الأمة لكي يتسلحوا بها ليخرسوا لسان كل قذر يحاول وصم الإِسلام بالإرهاب، فنحن لا ننكر أن هناك من شباب المسلمين المغفل من هو إرهابي، ولكننا لم نجد في تاريخ المسلمين على الإطلاق مباركة من علماء هذه الأمة لأي مجرم يعمل على قتل الآمنين، ولكننا في حالة محاكم التفتيش لا نرى مباركة من القساوسة النصارى فحسب، بل نرى اشتراكا لهم بالتعذيب بمباركةٍ من بابا الفاتيكان نفسه، ولقد آن الأوان للكنيسة الكاثوليكية في الفاتيكان أن تقدم الاعتذار لجرائم المسيحيين في حق المسلمين الأندلسيين، كما سبق وأن قدمت اعتذارًا رسميًّا على جرائم المسيحيين ضد اليهود! أما شباب هذه الأمة، فعليهم أن يتسلحوا بالعلم، لا بالعنف، فأنت عندما تستخدم العنف لإسكات صوت قذرٍ واحدٍ من أولئك الذين يطعنون بالإِسلام ونبيه، فسيخرج لك مكانه ألف صوت يشتمون رسول اللَّه ﷺ ، أما إذا رددت عليه بالعلم والوثائق التاريخية، فإنك ستخرسه إلى الأبد، وما يدريك لعله يتحول إلى مسلمٍ بعد ذلك، وقد كان كثيرٌ من الصحابة في جاهليتهم لا يسبون النبي وحسب، بل يتمنون قتله بأيديهم، فالعلم سلاح المؤمن، وهو سلاح الأمة الأقوى الذي حكمت به مشارق الأرض ومغاربها، أما الآن فلنستعرض سويةً قصة محاكم التفتيش ولنبدأها من ساعة الصفر، وبالتحديد من يوم ٢ يناير من عام ١٤٩٢ م يوم سقوط الأندلس:
١٤٩٢:- ٢ يناير/ كانون الثاني: السلطان أبو عبد اللَّه الصغير يسلم مفاتيح غرناطة واضعًا بذلك نهاية للحكم الإِسلامي في الأندلس الذي دام ثمانية قرون، تضمنت شروط التسليم تعهد السلطات الإسبانية باحترام عقائد وعادات المسلمين الأوروبيين في الأندلس والذين يقدرون بالملايين. ولكن ذلك السلطان المسكين نسي أن أولئك القوم
стр. 303
لا يلتزمون بعهودهم أبدًا, ولعله اطمأن على التزام المسيحيين بتلك الإتفاقية بعد أن طلب من بابا الفاتيكان نفسه أن يوقع على تلك الإتفاقية، وطبعًا وقع البابا المجرم بالعشرة على تلك الإتفاقية، التي ما لبث أن نكث بها خروج السلطان مباشرة، فياله من دينٍ هذا الذي يحيى الغدر والخيانة! وما هي إلا أيام حتى طرد المسيحيون اليهودَ الذين كانوا يعيشون في الأندلس بأمان وسلام في ظل حكم المسلمين، وطبعًا لم يجد اليهود إلا الخلافة الإِسلامية العثمانية لاستقبالهم على أرضها ليعيشوا في سلام بعد أن طردهم المسيحيون، المضحك في الموضوع أن هؤلاء اليهود بالتحديد الذين أنقذهم المسلمون العثمانيون هم الذين سيعملون بعد ذلك على تدمير الخلافة الإِسلامية العثمانية بعد ذلك بأربعة قرون ونيف! (وسنتطرق إلى ذلك بالتفصيل في نهاية هذا الكتاب)، المهم أن الملكة القذرة إيزابيلا (التي لم تكن تغتسل) وزوجها الملك فرديناند أصدروا أمرًا ملكيًا بتنصير كل الموريسكيين، والموريسكيون: هم المسلمون الإسبان الذين بقوا في بلادهم ظنًا منهم أنهم سيلاقون المعاملة الحسنة من إخوتهم الإسبان المسيحيين المشتركين معهم في القومية والعنصر، هؤلاء الموريسكيون المساكين والذين لا يعرف عنهم شباب المسلمين شيئًا، كانوا ضحية أكبر عملية إرهابية شهدها التاريخ الإنساني منذ آدم وإلى يوم الناس هذا، فلقد رفض الموريسكيون تغيير دين الإِسلام، فحاول القساوسة في البداية أن يغرّوهم بالطرق السلمية لتنصيرهم، ولكن هيهات! فأنى لهذا القلب الذي عرف معنى التوحيد أن يعبد صليبًا من خشب أو حتى من ذهب؟! عند ذلك بدأ الإسبان عملياتهم الإرهابية الحقيرة بقتل المسلمين الموريسكيين، فانتفض المسلمون الموريسكيون في جميع أنحاء الأندلس ليعلنوها ثورة ضد النصارى، قبل أن يستخدم هؤلاء المجرمون أبشع وسائل القتل في حق الموريسكيين لإخماد انتفاضاتهم الشعبية.
والسائل يتساءل هنا:
لماذا لم يهاجر الموريسكيون المسلمون من بلادهم الأندلس بعد سقوط الحكم الإِسلامي فيها وتولي النصارى لمقاليد الحكم؟ ألم يكن الأجدر بهم أن يهربوا بدينهم إلى المغرب الإِسلامي ويتركوا الأندلس؟
والحقيقة أن هذا السؤال شغلني شخصيًا، فقد تساءلت عن سر بقاء الموريسكيين في
стр. 304
إسبانيا رغم كل ما كانوا يعانوه من قتل واضطهاد، بل إنني لا أخفيكم سرًا بأنني في لحظة معينة ظننت أن أولئك الموريسكيين رضوا بالذل والإهانة في حكم النصارى حتى لا يفقدوا بيوتهم وحدائقهم الغناء في الأندلس! والحقيقة أنني عثرت على معلومة تاريخية أثبتت لي خَطأ ذلك الظن السوء، فلقد قامت الملكة المجرمة (إيزابلا) بمشورة من كبير القساوسة الكاثوليك الكاردينال (ثيسنيروس) بإصدار مرسوم ملكي تأمر فيه المسلمين الإسبان باعتناق المسيحية أو مغادرة البلاد. لكنها فرضت على الراغبين في الرحيل إتاوات وغرامات مستحيلة لا يملكها فقراء المسلمين، ولكن الأنكى من ذلك أنها فرضت على كل من ينوي المغادرة من المسلمين التخلي عن أطفالهم الصغار ليتم تنصيرهم! وهنا يتساءل الإنسان مرة أخرى: كيف لقلب امرأة المفترض أنها أنثى وأم لعدة أطفال أن تصدر قرارًا إجراميًا مثل هذا القرار المخيف الذي يفرق بين الأمهات وأطفالهن؟! والحقيقة أنني لم أجد إلا تفسيرًا منطقيًا واحدًا يفسر هذه القسوة المرعبة لهذه الملكة الإسبانية، إلا أنني عثرت على معلومة جانبية ذكرها مؤرخو الإسبان قد تفسر لنا هذه القسوة: فالتفسير الوحيد الذي أجده هو أن قلب إيزابلا قد مات بالفعل بسبب بسيط هو بعدها عن الماء!!! وأنا لا أنقل إلا ما كتبه مؤرخو الإسبان بأنها لم تغتسل إلا مرتين: الأولى يوم ولادتها سنة ١٤٥١ م والثانية ليلة دخلتها سنة ١٤٦٩ م، وبغض النظر عن يوم ولادتها التي اغتسلت فيه بدون إرادتها، فإن جسدها القذر لم يلمس الماء طيلة ٥٢ سنة إلا مرة واحدة، واللَّه يقول في محكم كتابه: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾، فلا شك إذا أنها كانت بقلب ميت لتصدر مثل ذلك القرار اللا إنساني بفصل الأطفال عن أمهاتهم، زاد من ذلك طبعا إيمانها الصليبي القوي وما كانت تجده من نصوص قتل الأطفال في الكتاب المقدس! هذا كله دفع الموريسكين لإخفاء إسلامهم وإظهار أنهم تنصروا، انتظارًا لفرج اللَّه من أحد المسلمين ليحررهم من ظلم النصارى. ولكن فرج اللَّه لم يأتِ للمورسكيين، فأتى مكانه ابتلاء اللَّه! فقد أراد اللَّه أن يختبر قوة إيمانهم بمحاكم التفتيش، ومحاكم التفتيش هو مصطلح للإجراءات المرعبة التي كان الإسبان النصارى يمارسوها بحق المسلمين من إخواننا الموريسكيين، تبدأ هذه المحاكم باقتحام بيوت كل من يُشتبه بأنه يخفي إسلامه، فإذا وجدوا في بيته
стр. 305
ورقة صغيرة فيها آية من كلام واللَّه، أو إذا وجدوا البيت خاليًا من لحم الخنزير أو الخمور، عندها تبدأ أصعب مرحلة من التعذيب والذي لا يُوصف بكلمات، ولقد استغربت بالفعل خلال زيارتي لمدينة "غرناطة" قبل عامٍ من الآن، من سر شراهة سكان ولاية الأندلس الإسبانية بالتحديد للحم الخنزير الذي يبيعونه في كل مكان، بل إنني عندما أردت أن أطلب طبق طعامٍ مكونٍ من الأسماك البحرية، تفاجأت أنهم يخلطون لحم الخنزير مع السمك!
والآن لنبقى مع شهادة أحد الجنود الفرنسيين المسيحيين الذين أرسلهم نابليون بونابرت سنة ١٨٠٨ م في حملة عسكرية على إسبانيا، ليروي لنا بنفسه ما الذي وجده الفرنسيون في كنائس الإسبان بعد مرور أكثر من ٣٠٠ سنة من التعذيب المستمر للمورسكيين المسلمين:
"أخذنا حملة لتفتيش أحد الأديرة التي سمعنا أن فيها ديوان تفتيش، وكادت جهودنا تذهب سدى ونحن نحاول العثور على قاعات التعذيب، إننا فحصنا الدير وممراته وأقبيته كلها. فلم نجد شيئًا يدل على وجود ديوان للتفتيش. فعزمنا على الخروج من الدير يائسين، كان الرهبان أثناء التفتيش يقسمون ويؤكدون أن ما شاع عن ديرهم ليس إلا تهمًا باطلة، وأنشأ زعيمهم يؤكد لنا براءته وبراءة أتباعه بصوت خافت وهو خاشع الرأس، توشك عيناه أن تطفر بالدموع، فأعطيت الأوامر للجنود بالاستعداد لمغادرة الدير، لكن اللفتنانت "دي ليل" استمهلني قائلًا: أيسمح لي الكولونيل أن أخبره أن مهمتنا لم تنته حتى الآن؟!! قلت له: فتشنا الدير كله، ولم نكتشف شيئًا مريبًا. فماذا تريد يا لفتنانت؟! قال: إنني أرغب أن أفحص أرضية هذه الغرف فإن قلبي يحدثني بأن السر تحتها. عند ذلك نظر الرهبان إلينا نظرات قلقة، فأذنت للضابط بالبحث، فأمر الجنود أن يرفعوا السجاجيد الفاخرة عن الأرض، ثم أمرهم أن يصبوا الماء بكثرة في أرض كل غرفة على حدة -وكنا نرقب الماء- فإذا بالأرض قد ابتلعته في إحدى الغرف. فصفق الضابط "دي ليل" من شدة فرحه، وقال ها هو الباب، انظروا، فنظرنا فإذا بالباب قد انكشف، كان قطعة من أرض الغرفة، يُفتح بطريقة ماكرة بواسطة حلقة صغيرة وضعت إلى جانب رجل مكتب رئيس الدير. أخذ الجنود يكسرون الباب بقحوف البنادق،
стр. 306
فاصفرت وجوه الرهبان، وعلتها الغبرة. وفُتح الباب، فظهر لنا سلم يؤدي إلى باطن الأرض، فأسرعت إلى شمعة كبيرة يزيد طولها على متر، كانت تضئ أمام صورة أحد رؤساء محاكم التفتيش السابقين، ولما هممت بالنزول، وضع راهب يسوعى يده على كتفي متلطفًا، وقال لي: يا بني: لا تحمل هذه الشمعة بيدك الملوثة بدم القتال، إنها شمعة مقدسة. قلت له، يا هذا إنه لا يليق بيدي أن تتنجس بلمس شمعتكم الملطخة بدم الأبرياء، وسنرى من النجس فينا، ومن القاتل السفاك!؟! وهبطت على درج السلم حتى وصلنا إلى آخر الدرج، فإذا نحن في غرفة كبيرة مرعبة، وهي عندهم قاعة المحكمة، في وسطها عمود من الرخام، به حلقة حديدية ضخمة، وربطت بها سلاسل من أجل تقييد المحاكمين بها. وأمام هذا العمود كانت المصطبة التي يجلس عليها رئيس ديوان التفتيش والقضاة لمحاكمة الأبرياء. ثم توجهنا إلى غرف التعذيب وتمزيق الأجسام البشرية التي امتدت على مسافات كبيرة تحت الأرض. رأيت فيها ما يستفز نفسي، ويدعوني إلى القشعريرة والتقزز طوال حياتي! فقد رأينا غرفًا صغيرةً في حجم جسم الإنسان، بعضها عمودي وبعضها أفقي، فيبقى سجين الغرف العمودية واقفا على رجليه مدة سجنه حتى يموت، ويبقى سجين الغرف الأفقية ممدًا بها حتى الموت، وتبقى الجثث في السجن الضيق حتى تبلى، ويتساقط اللحم عن العظم، وتأكله الديدان، ولتصريف الروائح الكريهة المنبعثة من جثث الموتى فتحوا نافذة صغيرة إلى الفضاء الخارجي، وقد عثرنا في هذه الغرف على هياكل بشرية ما زالت في أغلالها. كان السجناء رجالًا ونساءً، تتراوح أعمارهم ما بين الرابعة عشرة والسبعين، وقد استطعنا إنقاذ عدد من السجناء الأحياء، وتحطيم أغلالهم، وهم في الرمق الأخير من الحياة. كان بعضهم قد أصابه الجنون من كثرة ما صبوا عليه من عذاب، وكان السجناء جميعًا عرايا، حتى اضطر جنودنا إلى أن يخلعوا أرديتهم ويستروا بها بعض السجناء. أخرجنا السجناء إلى النور تدريجيًا حتى لا تذهب أبصارهم، كانوا يبكون فرحًا، وهم يقبّلون أيدي الجنود وأرجلهم الذين أنقذوهم من العذاب الرهيب، وأعادوهم إلى الحياة، كان مشهدًا يبكي الصخور. ثم انتقلنا إلى غرف أخرى، فرأينا فيها ما تقشعر لهوله الأبدان، عثرنا على آلات رهيبة للتعذيب، منها آلات لتكسير العظام، وسحق الجسم البشري، كانوا يبدؤون
стр. 307
بسحق عظام الأرجل، ثم عظام الصدر والرأس واليدين تدريجيا، حتى يهشم الجسم كله، ويخرج من الجانب الآخر كتلة من العظام المسحوقة، والدماء الممزوجة باللحم المفروم، هكذا كانوا يفعلون بالسجناء الأبرياء المساكين، ثم عثرنا على صندوقٍ في حجم جسم رأس الإنسان تمامًا، يوضع فيه رأس الذي يريدون تعذيبه بعد أن يربطوا يديه ورجليه بالسلاسل والأغلال حتى لا يستطيع الحركة، وفي أعلى الصندوق ثقب تتقاطر منه نقط الماء البارد على رأس المسكين بانتظام، في كل دقيقة نقطة، وقد جُنّ الكثيرون من هذا اللون من العذاب، ويبقى المعذب على حاله تلك حتى يموت. وآلة أخرى للتعذيب على شكل تابوت تثبت فيه سكاكين حادة، كانوا يلقون الشاب المعذب في هذا التابوت، ثم يطبقون بابه بسكاكينه وخناجره. فإذا أغلق مزق جسم المعذب المسكين، وقطعه إربًا إربًا. كما عثرنا على آلات كالكلاليب تغرز في لسان المعذب ثم تشد ليخرج اللسان معها, ليقص قطعة قطعة، وكلاليب تغرس في أثداء النساء وتسحب بعنفٍ حتى تتقطع الأثداء أو تبتر بالسكاكين. وعثرنا على سياط من الحديد الشائك يُضرب بها المعذبون وهم عراة حتى تتفتت عظامهم، وتتناثر لحومهم"
أكتفي بهذا القدر من شهادة هذا الضابط الفرنسي، لكي لا أعكر مزاج القارئ الكريم أكثر من ذلك، ولعلنا الآن فهمنا لماذا أخفى الرئيس الأمريكي (أبراهام لِنكون) إسلامه، فهذا الذي ذكرته لا يمثل إلا الشيء اليسير من ألوان التعذيب المرعبة التي قام بها المسيحيون بمباركة من بابا الفاتيكان نفسه، أما الكلاب القذرة التي تدعي أن الإِسلام انتشر بحد السيف وأن دينهم هو دين المحبة فأهديهم بعض كلمات المؤرخ الفرنسي (غوستاف لوبون) في كتابه "حضارة العرب" حيث يقول عن محاكم التفتيش: "يستحيل علينا أن نقرأ دون أن ترتعد فرائضنا من قصص التعذيب والاضطهاد التي قام بها المسيحيون المنتصرين على المسلمين المنهزمين، فلقد نصّروهم عنوة، وسلموهم لدواوين التفتيش التي أحرقت منهم ما استطاعت من المجموع. واقترح القس "بليدا" قطع رؤوس كل المسلمين دون أي استثناء ممن لم يعتنقوا المسيحية بعد، بما في ذلك النساء والأطفال، وهكذا تم قتل أو طرد ثلاثة ملايين مسلم".
وكعادة عظماء أمة الإِسلام. . . . . خرج من رحم هذه العذابات شابٌ من
стр. 308
المورسكيين تبدو عليه ملامح قرشيّة اسمه:
(فرناندو دو قرطبة وبالور) (Fernand de cordoba y Valor) ومثل مالكوم إكس كان يعلم أن هذا الاسم ليس اسمه الحقيقي، بل اسم مسيحي سماه به النصارى، وكان يعلم أنه من سلالة رجالٍ عظماء يُقال لهم "بنو أمية"، فغير فرناندو اسمه إلى محمَّد بن أمية، ليقود أروع انتفاضة عرفتها الأندلس بعد سقوطها, ليعيد توحيد صفوف المورسكيين، وليكوِّن جيشا شعبيًا قوامه من المدنيين المورسكيين، ليحارب به الإمبراطورية الإسبانية، فيحقق به المستحيل!. . . . . فقد يندهش البعض حين يعلم أن القوات الشعبية لمحمد بن أمية الأموي استطاعت من أن تحرر مدينة "ألمرية" ومدينة "مالقا" من أيدي النصاري الكستاليين، وللتذكير فقط: نحن نتحدث عن وقت سقطت فيه الأندلس منذ أكثر من ٧٥ سنة! بل إن هذا القائد الإِسلامي العظيم سليل الشرفاء من بني أمية، استطاع أن يشعلها انتفاضة إسلامية في ربوع إسبانيا سميت في التاريخ بـ "انتفاضة جبال البشرات"، فاضطر الملك الإسباني "فيليبي الثاني" أن يطلب العون من "إمبراطورية النمسا" لإنقاذ إسبانيا من ذلك الصقر القرشي، وفعلًا استطاعت هذه القوات الإمبراطورية أن تقمع هذه الإنتفاضة الشعبية، ليُستشهد البطل الأموي العظيم محمَّد بن أمية في سبيل اللَّه، ليطوي بذلك صفحة مشوقة في سجل أبيض كتبه رجالٌ من قريش ينتمون إلى آل أمية بن حرب، فيضيف بذلك اسمه إلى أسماء أجداده: عمرو بن العاص، وأبي سفيان ابن حرب، وعقبة بن نافع، ويزيد بن معاوية، وعبد الرحمن الداخل، وعبد الرحمن الناصر، وعمر بن عبد العزيز، والفارس الإِسلامي البطل: معاوية بن أبي سفيان ﵏ جميعًا. (سيظهر في نهاية الكتاب من على قمة جبال الهملايا في الهند بطل أموي آخر وذلك التاسع عشر الميلادي!).
ولكن كيف ولماذا سقطت الأندلس؟ ومن هو الرجل العظيم الذي أنقذ تراث الأندلس من الضياع؟!
يتبع. . . . .
стр. 309
" الرجل الذي أنقذ تراث الأندلس" (أبو يوسف يعقوب المنصور الماريني)
﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
(اللَّه)
كنت واقفًا على قمة أعلى نقطة في مدينة مالقة الإسبانية، في قلعة يقال لها (القصبة) (Alkazaba)، هناك كنت أتأمل بهذه المدينة الحصينة وأتساءل في قرارة نفسي: كيف لمدينة بهذا التحصين الطبيعي العجيب أن تسقط من أيدي المسلمين؟! فمالقة التي كانت المدينة القبل الأخيرة التي تسقط بيد الجيش القشتالي، ما هي إلا مدينة محصنة بالجبال الشاهقة من ثلاث اتجاهات، وبالبحر الأبيض المتوسط من الجهة الرابعة، ولكنني عند قراءتي لتاريخ آخر ملوك الأندلس، أصبح سؤالي الذي أسأله لنفسي: كيف للأندلس كلها ألا تسقط وبها أناسٌ بهذا الشكل؟!! ولا أقصد بهذا السؤال آخر ملوك بني الأحمر وحسب، بل أقصد الشعب الأندلسي قبل قادته، فلقد وصل المسلمون في تلك الفترة إلى مرحلة قصوى في حب الدنيا، وعندما يصل المسلمون إلى هذه المرحلة، لا بدّ معها أن ينهزموا، بل لا بد معها أن يُذلوا، ليحق اللَّه وعده الذي ذكره في سورة التوبة، فهذه الكلمات تصف حال المسلمين في الأندلس قبل سقوطها بشكل يدعو المرء للاعتقاد بأنها نزلت في أهل الأندلس بالتحديد! فيقول تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (٣٨) إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التوبة: ٣٨، ٣٩]، أما رِضى الأندلسيين بالحياة الدنيا فقد كان، وأما استبدال اللَّه قومًا غيرهم فقد كان أيضًا، وأما يعذبكم عذابًا أليمًا فقد كان أعظم وصف لمحاكم التفتيش!
стр. 310
وبطلنا الآن ظهر في المغرب قبل سنيات قليلة من سقوط الأندلس، ولكنه ظهر أيضًا في نفس العصر الذي ظهر فيه (محمد الفقيه) أحد ملوك بني الأحمر، وواللَّه إنني لا أعتبر محمد الفقيه ملكًا مجرمًا ضيع الأندلس فحسب، بل إنني أعتبره شخصًا مسكينا لأبعد الحدود، فهناك من البشر صنفٌ غريبٌ للغاية، ملأ قلبه بحب الدنيا لدرجة الجنون، فأصبح كالمعتوه الذي يجري في الشوارع يمنة ويسرى يريد أن يلحق بالدنيا، فلا هو الذي كسب شيئًا من تلك الدنيا, ولا هو الذي كسب آخرته، ولا هو الذي كسب بياض الوجه في صفحات التاريخ, ومحمد الفقيه ينتمي لهذا الصنف من البشر!
فلقد قام هذا الملك ومن قبله من ملوك بني الأحمر بأفعال مخزية، كان لا بد معها أن تسقط فيها الأندلس بهذا الشكل الدرامي، ففي ظل كل هذه الهزائم والانكسارات انشغل بنو الأحمر ببناء "قصر الحمراء" الذي يعتبر وبحق أجمل شيءٍ مكانٍ رأيته في حياتي عند زيارتي لغرناطة، فقد احتجت لخمس ساعاتٍ من المشي في هذا المبنى الضخم للمشي في طرقاته وحدائقه فقط، حينها نظرت على جدران هذا البناء فوجدت أن بني الأحمر قد نقشوا على كل حجرٍ من حجارة الجدران والسقف عبارة "لا غالب إلا اللَّه"، فابتسمت في قرارة نفسي لعلمي بتاريخ هؤلاء الملوك المساكين الذين كانوا يتحالفون مع النصارى على بعضهم البعض ولسان حالهم يقول: "لا غالب إلا ألفونسو! ". وفي ظل ذلك الانحطاط الأخلاقي الذي وصل إليه المسلمون في الأندلس، كان لا بد للنصارى أن يتوجهوا بجيوشهم لاحتلال باقي مدن الأندلس، والتي لم يبق منها إلا "إشبيلة" و"غرناطة"، فما كان من محمد الفقيه ملك غرناطة في ذلك الوقت إلا أن يتوجه بجيشه ليساعد الصليبيين في حصار شيوخ ونساء وأطفال أشبيلية، وفعلًا سقطت إشبيلية بفضل خيانة بني الأحمر، فكافأه الصليبيون بأن توجهوا إلى مدينته لينتزعوها من حكمه، فلم يستطع هذا الملك الخائن أن يحاربهم، فشعبه تعود على السهر على ألحان "زرياب" الموسيقية، وقصائد الغزل الأندلسي، فأنى لشابٍ تربى على الأغاني الماجنة أن يحمل السيف في سبيل اللَّه، وأنى لشيخٍ تعود لسانه على قول: "أيها الساقي اسقني لا تأتلِ" أن ينادي حيَّ على الجهاد؟! عند ذلك استغاث محمد الفقيه بملك المغرب، وهو البطل المجاهد (أبو يوسف يعقوب المنصور الماريني)، فانطلق هذا البطل الإِسلامي المؤمن
стр. 311
إلى نصرة إخوانه في الأندلس، فاستطاع هذا القائد الإِسلامي البطل بخمسة آلاف جندي مغربي أن ينتصر على جحافل الصليببيين في غرناطة، ليس هذا وحسب، بل استطاع أن يعيد تحرير إشبيلية أيضًا، وصدّق أو لا تصدق. . . . استطاع أن يحرر "قرطبة" والتي كانت قد سقطت قبل ذلك بعشرات السنين!!! كل هذا بخمسة آلاف مجاهد تربوا على الإِسلام الحقيقي، أما الذين تربوا على الرقص على ألحان زرياب، فقد ذهبوا مرة أخرى للصليبيين لكي يتحالفوا معهم لطرد القائد أبي يوسف يعقوب المنصور الماريني الذي جاء أصلًا لنجدتهم!!!! فانتصر أبو يوسف يعقوب المنصور الماريني على تحالف الصليبيين ومحمد الفقيه، ولكنه كعادة العظماء عفا عن محمد الفقيه، وترك له كل الغنائم التي غنمها من النصارى، وترك أيضًا حامية من مجاهدي المغرب الأشداء لكي يدافعوا عن المسلمين في الأندلس وقت الحاجة، وكعادة الجبناء خاف محمد الفقيه على ملكه، فتحالف مرة أخرى مع النصارى ضد تلك الحامية، ومرة أخرى أبحر إليهم أبو يوسف يعقوب المنصور الماريني لينتصر عليهم، واستمر الوضع كذلك ما بين خيانة الفقيه مع النصارى، وانتصار الماريني عليهم، ثم عفوه على الفقيه، حتى أدرك القائد المجاهد أبو يوسف يعقوب بن منصور الماريني أن الوضع ميئوس منه في تلك البلاد، أو كما نقول نحن الفلسطينيون بلهجتنا "صارت الحكاية مهزلة! "، ففي آخر انتصار له على النصارى عرضوا عليه الأموال والجزية، فرفض ذلك، وطلب منهم أن يعطوه كتب المسلمين التي استولوا عليها بدلًا من الأموال، وفعلًا تم له ذلك، وبذلك استحق أبو يوسف يعقوب المنصور الماريني أن يُكتب اسمه في سجل العظماء إلى يوم القيامة. وفعلًا ما هي إلا سنوات قليلة حتى تحققت رؤية هذا الصقر المغربي، فسقطت الأندلس، وأحرق المسيحيون كل كتب المسلمين، بعد أن حوّلوا مكاتبهم إلى كنائس!
ولعل البعض قد تساءل عن سر تكراري للاسم الطويل للقائد (أبي يوسف يعقوب المنصور الماريني)، والحقيقة أنني فعلت ذلك لغاية في نفسي، فلقد ظهر قبله بعشرات السنين، ومن نفس بلاد المغرب، عظيم آخر من عظماء أمة الإِسلام المائة، فكان -للمفارقة- بنفس الاسم الطويل ولكن بلقبٍ آخر!
يتبع. . . . .
стр. 312
" بطل معركة الأرك الخالدة" (أبو يوسف يعقوب المنصور الموحدي)
" فلما وصل كتاب ألفونسو إلى الأمير يعقوب مزّقه وكتب على ظهر قطعة منه: ﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ (٣٧)﴾ الجواب ما ترى لا ما تسمع! "
لم أشأ أن أنهي الحديث عن تاريخ الأندلس بدون ذكر هذا القائد الإِسلامي العظيم، فلقد أبحرنا سويًا في هذا الكتاب في تاريخ الأندلس منذ موسى بن نصير وطارق بن زياد، وحتى سقوط الأندلس وانتفاضة محمد بن أمية، مرورًا بيوسف بن تاشفين وعبد الرحمن الناصر والمتوكل بن الأفطس ﵏ جميعًا، والحقيقة أنني تعمدت أن أفصِّل في تاريخ الأندلس بالذات، ليس من أجل البكاء على اللبن المسكوب كما قلنا، بل لأن تاريخ الأندلس بما يحمله من انتصارات وأمجاد وحتى هزائم يمثل منهاجًا واضح المعالم لشباب هذه الأمة، فلقد رأينا كيف كان المسلمون ينتصرون بأقل الأعداد وأضعف الأسلحة عندما تمسكوا بتعاليم هذا الدين، ورأينا في نفس الوقت كيف أنهم كانوا ينهزمون شر هزيمة ويدفعون الجزية للنصارى عندما دخل في قلبهم حب الدنيا وكراهية الموت، ورأينا أيضا كيف استطاع رجالٌ قليلون أن يغيروا من وضع المسلمين من حالة الهزيمة النكراء إلى حالة النصر المؤزر، وكيف استطاع رجلٌ بفرده مثل الشيخ عبد اللَّه بن ياسين أن يحول مجموعة صغيرة من رعاة الإبل على حدود السنغال إلى ملوك أعظم إمبراطورية عرفتها أفريقيا، ورأينا في نفس الوقت رجلًا مثل محمد الفقيه الذي ضيع الأندلس بحبه للدنيا، رأينا كيف كان رجال المغرب العظماء ينقذون الأندلس بين الحين والآخر، ورأينا خيانات الشيعة العبيديين (الفاطميين) الذين كانوا يمدون الصليبيين في الأندلس بالسلاح، فقصة الأندلس هي بالفعل مختصر قصة الإسلام بما فيه من انتصارات وخيانات، فلو قرأها شباب الأمة لعرفوا كيفية النهوض بحالة هذه الأمة التي تشبه إلى حد بعيد حالة المسلمين إبان عهد ملوك الطوائف،
стр. 313
فسيتنبط منها المسلمون أسباب النصر، التي نحن بأمس الحاجة إليها في هذه الفترة الزمنية الحرجة.
وبطلنا الآن هو أبو يوسف يعقوب المنصور الموحدي، والموحدون هم الذين حكموا بلاد المغرب الإِسلامي والأندلس بعد انهيار دولة المرابطين، وأقف هنا قليلًا عند بلاد المغرب، فالمغرب الآن يواجه حملة شرسة من الصليبيين وأذنابهم من العملاء لتلطيخ سمعة هذا البلد الإِسلامي العظيم، بل إننا بتنا نسمع في الآونة الأخيرة أبواقًا قذرة تنال من سمعة نساء المغرب الشريفات، وليس عندي أدنى شك، بأن الذي يطلق مثل هذه الشائعات على نساء المغرب العفيفات يعلم علم اليقين أن تلك النساء هن نفس النساء اللواتي أنجبن رجالًا مثل يوسف بن تاشفين وأبو يوسف يعقوب المنصور الموحدي، أبو يوسف يعقوب المنصور الماريني، ومحمد بن عبد الكريم الخطابي، فاللَّه اللَّه في سمعة نساء المسلمين، واللَّه اللَّه في الدفاع عن أعراض هذه الأمة.
وقد يتعجب البعض إذا علم أن دولة الموحدين التي خرج منها بطلنا كانت في الأساس دولة خبيثة، فلقد تأسست هذه الدولة على يد رجل اسمه محمد بن تومرت، وابن تومرت هذا رجلٌ منحرف العقيدة والفكر، تعلم في مدارس العراق الشيعية التي كانت خليطا من فلسفات المجوس وفلسفات الإغريق، فأخذ منها ما أخذ، وأخذ من المعتزلة ما أخذ، حتى بات يعتبر نفسه بأنه هو المهدي المنتظر، فذهب إلى المغرب، وأسس دولة الموحدين على أنقاض دولة المرابطين، وأشاع فيها ذلك الفكر المنحرف، حتى جاء البطل أبو يوسف يعقوب المنصور الموحدي، فأعلن فساد أفكار ابن تومرت، وبهذه الحركة التصحيصية، ضمن أبو يوسف يعقوب بن منصور الموحدي النصر حتى قبل أن يخوض أي معركة، فليس عيبًا أن يصحح الإنسان أفكاره إذا ما اكتشف أنها خاطئة، ولكن العيب كل العيب أن يستمر عليها الإنسان.
وفي هذا الوقت ظهر في في مملكة قشتالة ملك مجرمٌ اسمه ألفونسو الثامن، وألفونسو هذا ليس ألفونسو الذي هزمه ابن تاشفين في معركة الزلاقة الخالدة، فالنصارى كانوا يكثرون من تسمية ألفونسو، المهم أن ألفونسو هذا عاث فسادًا في بلاد الأندلس الإِسلامية، فقتل الشيوخ واغتصب النساء، وقد تعودنا أن تستورد الأندلس النصر من
стр. 314
بلاد المغرب في السنوات الأخيرة، فتحرك أبو يوسف بجيشٍ قوامه ٢٠٠ ألف مجاهد من مسلمي الشمال الأفريقي إلى نصرة إخوانهم في الأندلس، يرد به على رسالة مهينة بعث بها ألفونسو إليه، أما النصارى فقد أعلنوا حالة الطوارئ القصوى بعد أن أعلن بابا الفاتيكان حالة النفير العام، فتجمعت للصليبيين قوات هولندية وألمانية وفرنسية وإسبانية لتكون جيشًا جرارًا تعداده ربع مليون مقاتل نصراني، ورفعوا الصلبان بين جنودهم عاليًا لعلمهم بأنهم أمام المعركة الفاصلة التي ستحدد مصير المسلمين في الأندلس، أما المسلمون فرفعو نداء: اللَّه أكبر تحت قيادة أبي يوسف يعقوب المنصور الموحدي، والتقى الجمعان في التاسع من شهر شعبان لسنة ٥٩١ هـ، في معركة الأرك الخالدة، لينتصر المسلمون أعظم انتصارٍ في تاريخ الأندلس كله، فقد فاق نصر الأرك نصرَ الزلاقة، وطارت أخبار النصر في كل مكان، ودوت أخبار ذلك الانتصار العظيم على منابر المسلمين في أطراف دولة الموحدين الشاسعة، بل وصلت هذه الأخبار إلى المشرق الإِسلامي، فصلى المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها صلاة الشكر ابتهاجًا بهذا النصر العظيم.
وإذا كان كثيرٌ منا لم يسمع في حياته عن المنصور الموحدي ولا عن معركة الأرك الخالدة، فليس عندي أدنى شك بأن جميعنا من دون أي استثناء سمع بقصة عظيم من عظماء أمة الإِسلام انتصر على الصليبيين قبل معركة الأرك الخالدة بثماني سنوات فقط بمعركة حرر بها القدس، ليتزامن انتصاره في الشرق الإِسلامي مع انتصار المسلمين في الأرك في الغرب الإِسلامي!
فمن هو بطل أشهر شخصية إسلامية على وجه الأرض بعد رسول اللَّه ﷺ ؟ ولماذا ذاع صيته في الغرب والشرق على حدٍ سواء؟ وما حكاية معركة حطين الخالدة؟ وكيف أمكنه صنع هذا النصر العظيم؟
يتبع. . . . .
стр. 315
" بطل معركة حطين الباسلة" (صلاح الدين الأيوبي)
" واللَّه إني لأستحي من اللَّه أن أضحك والمسجد الأقصى ما زال محتلًا"
(الناصر صلاح الدين)
لن أسلك مسلك أغلب الكتّاب في الحديث عن القائد المجاهد الناصر صلاح الدين الأيوبي، فأغلب الذين يتحدثون عن صلاح الدين الأيوبي يبدأون كلامهم بنصر حطين، أمّا أنا فلن أكتب شيئًا على الإطلاق عن معركة حطين الخالدة، لسببين اثنين، الأول هو أن الصغير قبل الكبير بات يعرف حكاية هذه المعركة الخالدة التي حرّر بها صلاح الدين الأيوبي القدس من قبضة الصليبيين، أم السبب الثاني فهو أنني في هذا الكتاب لا أحاول أن أركز على ماهية النصر بقدر ما أحاول التركيز على كيفية النصر! فالخطأ الكبير الذي وقع فيه بعض شبابنا في هذه الأيام أنهم يعتقدون أن النصر يأتي في يومٍ وليلة بمجرد حمل أحدهم للسلاح، والحقيقة التي يغفلها أولئك الشباب المساكين أن القتال العسكري ليس إلا المرحلة الأخيرة من مراحل صناعة النصر، بل إن النصر يأتي أحيانًا من دون الحاجة لحمل السلاح أصلًا! فالنصر لا يعتبر أكثر من خطوة صغيرة في طريق طويل اسمه طريق صناعة النصر. والمتأمل في قصة سيدنا موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام يجد شيئًا عجيبًا للغاية، يجد أن اللَّه على قدر عظمته وقدرته عندما أراد أن يهلك فرعون، لم يرسل ملك الموت إليه ليقبض روحه بلمح البصر، بل بدأ اللَّه عملية صناعة النصر بوحيٍ أوحاه إلى أم موسى، ثم بتربية موسى في بيت فرعون، ثم بهجرته إلى مدين، فرجوعه إلى مصر، ثم مناظرته لفرعون بالكلام (لا بالسلاح!)، ثم بدعوته الشاقة والطويلة لبني إسرائيل، ثم بخروجه بهم من مصر، ليلحقه فرعون بجيشه، ليموت فرعون غرقًا في الماء، ولينتصر موسى على فرعون من دون أن أي قتال على الإطلاق، والسؤال هنا: لماذا لم يُغرق اللَّهُ فرعونَ من
стр. 316
بداية القصة؟ الجواب: لكي نتعلم أنا وأنت أن طريق النصر طريق طويل، أما النصر بعد ذاته فلا يحتاج إلا إلى ثوانٍ معدودة، بل لا يحتاج أصلًا إلى جهدٍ يذكر كما رأينا في قصة موسى! ولعل استعجال النصر من كثير من الحركات الإِسلامية المعاصرة التي حملت السلاح، هو سبب تفككها السريع وفشلها في تحقيق أي إنجازٍ يُذكر، لا من الناحية السياسية، ولا من الناحية الدعوية، اللهم إلا أنها ألقت بأبنائها في السجون، وشوَّهت صورة الإِسلام في أعين المسلمين وغير المسلمين، من قصد أو من غير قصد!
وقبل أن نخوض في كيفية صناعة النصر على يد صلاح الدين الأيوبي، ينبغي علينا أن نأخذ لمحة بسيطة عن تاريخ الحروب الصليبية، والحقيقة أنني أحب أن أؤرخ بداية الحروب الصليبية قبل بدايتها بشكلٍ عملي بدعوة البابا (أوربان) لقتال المسلمين من مدينة "كليرمونت" الفرنسية في الـ ٢٧ من في نوفمبر سنة ١٠٩٥ م (٤٨٨ هـ)، بل إنني أرجع البداية الحقيقية للحروب الصليبية إلى ما قبل ذلك بكثير، بل إلى ما قبل ولادة محمد بن عبد اللَّه ﷺ ، وبالتحديد إلى يوم إلى ٢٠ من مايو سنة ٣٢٥ م وهو اليوم الذي عُقد فيه مؤتمر "نيقية" الذي أعلن فيه الصليبيون الحرب على المسلمين بقيادة (آريوس)! أما إذا أردنا التأريخ للحروب الصليبية بمفهومها الدارج، ففعلًا بدأت تلك الحروب من تلك المدينة الفرنسية بالتحديد (وربما يفسر هذا سبب عداء فرنسا بالذات لكل ما هو إسلامي إلى هذا اليوم!) والملاحظ لهذا التاريخ الذي عُقد فيه مؤتمر "كليرمونت" أنه تاريخ سبقه مرور ألف سنة كاملة على ميلاد السيد المسيح ﵇، ولمن لا يعرف الكثير عن تاريخ المسيحية عليه أن يعلم أن البابوات في روما كانوا يأخذون الأموال من فقراء النصارى بعد أن أقنعوهم بأن يوم القيامة سيكون في سنة ١٠٠٠ م، فعندما جاءت هذه السنة لاحظ أولئك الفقراء -الذين باعوا بيوتهم وأملاكهم للكنيسة لكي يشتروا بها صكوك الغفران- أن الأرض لم تتزلزل بهم البتة! وأن السماء لم تنشق عليهم!! فاكتشفوا أن رجال دينهم ما هم إلا لصوص سرقوا أموالهم بالباطل، فأوهمهم الباباوات أن الأمر يتطلب بعض الوقت حتى يستعد فيها الرب لهذه المهمة الشاقة، ولكن شيئًا لم يحدث! وسنة بعد سنة كان بابا روما يخترع فيها كذبة جديدة، وسنة بعد سنة كان النصارى يتململون من كذب رجال دينهم، حتى جاء الباب (أوربان) بالحل،
стр. 317
وهو أن يوجه أولئك الثوار إلى بلاد المسلمين قبل أن يثوروا على الكنيسة! وفعلًا حدث هذا، فتوجهوا أولًا إلى (القسطنطينية) ليقتلوا إخوانهم من الأرثوذكس في أبشع مذابح شهدها الأرثوذكس في تاريخهم، ولازالت هذه المذابح هي سبب القطيعة بين الكنيسة الكاثوليكية والكنيسة الأرثوذكسية إلى يوم الناس هذا (قارن ما فعله الكاثوليك بإخوتهم بالدين من قتل واغتصاب بما فعله محمد الفاتح بالأرثوذكس عند دخوله القسطنطينية من عفوٍ وتسامح!!!)، وسنة بعد سنة استطاع الصليبيون أن يستولوا على جلّ بلاد الشام، ساعدهم على ذلك تفكك العالم الإِسلامي، قبل أن يصلوا أخيرًا إلى القدس في سنة ٤٩٢ هـ، وفي هذه المدينة المقدسة قتل الصليبيون الأطفال واغتصبوا النساء ومثلوا بالشيوخ، وهدموا المساجد، وأحرقوا البيوت، وذبحوا الآلاف من شباب المسلمين الأبرياء، فاحتمى المسلمون بالمسجد الأقصى ظنًا منهم أن الصليبيين لن يقتحموا الأماكن المقدسة، وهذه هي مشكلة المسلمين المزمنة: يظنون أن كل الناس لديهم نفس الأخلاق التي تعلموها من رسول اللَّه ﷺ ! فقد اقتحم الصليبيون المسجد الأقصى بخيولهم، فقتلوا في ليلة واحدة: ٧٠٠٠٠ مسلمٍ ما بين سيدة وقاصر وحتى طفلة! ووصل مستوى الدم في الحرم القدسي الشريف إلى ركب الخيول، فسبحت خيول الصليبيين الأنجاس بدماء أطفال المسلمين الطاهرة!!!
وفي سنة ٥٣٢ هـ وُلد طفلٌ كردي في مدينة "تكريت" اسمه يوسف بن أيوب، وهو نفسه الذي سيحمل لقب صلاح الدين عندما يكبر! فنشأ ذلك الطفل تنشأةً إسلامية خالصة، ولما وصل إلى سن البلوغ، أرسله والده إلى مدرسة المدينة، فتعلم القراءة والكتابة باللغة العربية، وحفظ القرآن الكريم، حتى أصبح صلاح الدين معروفًا بين زملائه بالذكاء الشديد، وهدوء الطبع، وحبه الشديد للمطالعة ودراسة الكتب.
الشيء اللافت للنظر الذي لاحظته من خلال مطالعتي لسيرة صلاح الدين الأيوبي، أنني وجدت أن والد صلاح الدين الأيوبي كان يقص عليه قصص الأبطال والمجاهدين في أمة الإِسلام! ولعل هذا ما يؤكد صدق ما كنا قد ذكرناه سابقًا بالنسبة لأهمية التاريخ في صناعة الأبطال، فلا بد لنا أن نربي أطفالنا منذ الصغر على قصص العظماء في هذه الأمة، لكي يخرج لنا ألف صلاح الدين، ليعيدوا لنا مسجد هذه الأمة.
стр. 318
المهم أن أمير الشام لاحظ مدى شجاعة هذا الفتى، فقام بتعيينه قائدًا في جنده، فأثبت صلاح الدين الأيوبي أنه أهل لهذه الثقة، وتوالت انتصارات المسلمين على الصليبيين، غير أن المسلمين ما كانوا ينتصرون على جيوش الصليبيين حتى يعود الصليبيون من جديد أكثر تسليحًا من سابق عهدهم! فلمّا فتش المسلمون على مصدر هذه الإمدادات الهائلة التي تأتي للصليبيين، وجدوا أنها تأتيهم من قومٍ ينتسبون إلى الإِسلام، ولكنهم يحملون في قلوبهم مرضًا لا يستطيعون التخلص منه أبدًا، مرض الخيانة! وكأن الخيانة أصبحت عادة عند الشيعة لا يستطيعون تغييرها أبدًا، وصدق اللَّه العظيم إذ قال "أتواصوا به" أي هل أوصى كل واحدٍ منهم الآخر على نفس العمل لدرجة أصبح فيها ذلك شيئًا متكررًا في التاريخ؟! وقد كنت أظن فيما مضى أن مشكلة الشيعة هي فقط مع عائلة بني أمية، إلا أنني تفاجأت في هذه السنة بالتحديد أن الشيعة يطلقون على صلاح الدين الأيوبي اسم خراب الدين الأيوبي!! وواللَّه إني عاشرت العرب والعجم، الأوروبيين منهم والأمريكان، وقابلت أقوامًا من جنسياتٍ أذكر بعضها وأنسى معظمها، فما وجدت منهم إلا الاحترام الشديد لسيرة هذا البطل الإِسلامي الذي شهد العدو له قبل الصديق ببسالته وسموّ أخلاقه. . . . . إلا الشيعة! وكأن لا همَّ لهم في الدنيا إلا الطعن في رموز هذه الأمة!!!
أما نصر حطين فلم يبدأ من يوم المعركة بالتحديد، بل بدأ من اليوم الذي قرر فيه صلاح الدين الأيوبي التخلص من خيانات الشيعة المتمثلة بالدولة العبيدية (الفاطمية)، وهذا درسٌ يجب علينا أن نتعلمه من صلاح الدين إذا ما أردنا أن ننتصر كما انتصر هو على الصليبيين، ففي عصر صلاح الدين كان الصليبيون يحتلون القدس، وعلى الرغم من ذلك لم يحارب صلاح الدين الصليبيين أولًا، بل حارب الدولة الشيعية أولًا، وهذا شيء تكرر مع كل قادة المسلمين الذين صادف عصرهم ظهور عدوين أحدهما الشيعة، فواللَّه ما رأيت أحدهم يبدأ إلا بخونة الشيعة، وبعد ذلك ينتصر بكل سهولة على العدو الآخر، وما قصة السلطان العثماني سليم الأول ﵀ ببعيدة عنا، عندما ترك الصليبيين البرتغاليين، ليقاتل الخونة الصفويين في إيران، فما أن دمّر سليم الأول دولة إسماعيل الصفوي، حتى هرب الصليبيون من دون قتال، وصدق اللَّه العظيم إذ يقول في
стр. 319
كتابه الكريم يصف المنافقين ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ﴾!
والدولة الفاطمية الشيعية التي تشيد بها معظم مناهج التاريخ العربية للأسف، هي نفسها الدولة التي قتلت ثلث الشعب المصري بأكمله، وقصة هذه الدولة الخبيثة التي عاونت الصليبيين في الأندلس والقدس، تعبدًا مع رجلٍ يهودي اسمه (عبيد اللَّه بن مأمون القداح) هذا الرجل هرب إلى المغرب ليدَّعي كذبًا أنه من نسل فاطمة بنت محمد ﷺ ، قبل أن يحتل أحد خلفائه وهو (المعز لدين اللَّه الفاطمي) مصر، ليقتل جميع علماء السنة فيها، وينشر الموالد والبدع في أرضها، ويعلن صراحة سب الصحابة في المساجد، بل وفي بعض الأحيان سب الرسول الكريم! حتى جاء ملوكٌ من بعده ليعاونوا الصليبيون في القدس، بعد أن عاونوهم من قبل في الأندلس، حتى جاء قرار صلاح الدين الأيوبي بإزالة هذه الدولة الخبيثة من على وجه الأرض، وبعد أن تم له ذلك. . . . أصبح نصر حطين مسألة وقت لا أكثر!
ولكن. . . . من هو ذلك القائد التركي الذي أهدى للأمة الإِسلامية صلاح الدين الكردي؟ ولماذا يعتبره كثيرٌ من المؤرخين سادسَ الخلفاء الراشدين؟
يتبع. . . . .
стр. 320
" الشهيد" (نور الدين زنكي)
" قد طالعت تواريخ الملوك المتقدمين قبل الإِسلام وفيه إلى يومنا هذا، فلم أر بعد الخلفاء الراشدين وعمر بن عبد العزيز أحسن سيرة من الملك العادل نور الدين"
(ابن الأثير)
هو ريحانة بلاد الشام، وأستاذ صلاح الدين الأيوبي، سماه بعض المؤرخين "سادس الخلفاء الراشدين" لعدله ودينه وحسن سياسته، هذا الرجل الذي لا يعرفه كثير منّا هو الصانع الحقيقي لنصر حطين، إننا نتحدث عن نورٍ أضاء اللَّه به الدين في أشد أوقات الأمة عتمة وسوادًا، إننا نتحدث عن نور الدين محمود ابن عماد الدين زنكي، المشهور باسم "نور الدين الشهيد"!
وقبل أن نبحر سويًا في سيرة هذا البطل العطرة، أرى أن أقف قليلًا عند لقب "سادس الخلفاء الراشدين"، فأنا لا أرى أن هذا اللقب صحيح من الناحية التاريخية على الإطلاق! وليس هذا انتقاصًا من قدر هذا القائد العظيم الذي قدّم للإسلام الشيء الكثير، بل لأن الذين يطلقون عليه لقب سادس الخلفاء الراشدين هم أنفسهم الذين يطلقون على عمر بن العزيز ﵀ لقب خامس الخلفاء الراشدين، ومع إيماني اليقين أن كليهما من أعظم من أنجبت أمة الإِسلام، إلا أن في هذه الألقاب انتقاصٌ كبير لأمير المؤمنين الحسن ابن علي ﵄، والذي كان خامس الخلفاء الراشدين بدليل حديث رسول اللَّه الذي نص فيه بأن الخلافة بعده ثلاثين عامًا، أما إذا أردنا أن نطلق لقب سادس الخلفاء الراشدين على أحدٍ من البشر، فالأوْلى إذَا أن نطلقه على صاحب رسول اللَّه ﷺ وكاتب وحي السماء معاوية بن أبي سفيان ﵄ والذي لو أنفق عمر بن عبد العزيز ونور الدين زنكي وصلاح الدين كنوز الأرض في سبيل اللَّه ما بلغوا شيئًا من فضله أو فضل
следующие страницы →