Полный текст (458 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
بداية القصة؟ الجواب: لكي نتعلم أنا وأنت أن طريق النصر طريق طويل، أما النصر بعد ذاته فلا يحتاج إلا إلى ثوانٍ معدودة، بل لا يحتاج أصلًا إلى جهدٍ يذكر كما رأينا في قصة موسى! ولعل استعجال النصر من كثير من الحركات الإِسلامية المعاصرة التي حملت السلاح، هو سبب تفككها السريع وفشلها في تحقيق أي إنجازٍ يُذكر، لا من الناحية السياسية، ولا من الناحية الدعوية، اللهم إلا أنها ألقت بأبنائها في السجون، وشوَّهت صورة الإِسلام في أعين المسلمين وغير المسلمين، من قصد أو من غير قصد!
وقبل أن نخوض في كيفية صناعة النصر على يد صلاح الدين الأيوبي، ينبغي علينا أن نأخذ لمحة بسيطة عن تاريخ الحروب الصليبية، والحقيقة أنني أحب أن أؤرخ بداية الحروب الصليبية قبل بدايتها بشكلٍ عملي بدعوة البابا (أوربان) لقتال المسلمين من مدينة "كليرمونت" الفرنسية في الـ ٢٧ من في نوفمبر سنة ١٠٩٥ م (٤٨٨ هـ)، بل إنني أرجع البداية الحقيقية للحروب الصليبية إلى ما قبل ذلك بكثير، بل إلى ما قبل ولادة محمد بن عبد اللَّه ﷺ ، وبالتحديد إلى يوم إلى ٢٠ من مايو سنة ٣٢٥ م وهو اليوم الذي عُقد فيه مؤتمر "نيقية" الذي أعلن فيه الصليبيون الحرب على المسلمين بقيادة (آريوس)! أما إذا أردنا التأريخ للحروب الصليبية بمفهومها الدارج، ففعلًا بدأت تلك الحروب من تلك المدينة الفرنسية بالتحديد (وربما يفسر هذا سبب عداء فرنسا بالذات لكل ما هو إسلامي إلى هذا اليوم!) والملاحظ لهذا التاريخ الذي عُقد فيه مؤتمر "كليرمونت" أنه تاريخ سبقه مرور ألف سنة كاملة على ميلاد السيد المسيح ﵇، ولمن لا يعرف الكثير عن تاريخ المسيحية عليه أن يعلم أن البابوات في روما كانوا يأخذون الأموال من فقراء النصارى بعد أن أقنعوهم بأن يوم القيامة سيكون في سنة ١٠٠٠ م، فعندما جاءت هذه السنة لاحظ أولئك الفقراء -الذين باعوا بيوتهم وأملاكهم للكنيسة لكي يشتروا بها صكوك الغفران- أن الأرض لم تتزلزل بهم البتة! وأن السماء لم تنشق عليهم!! فاكتشفوا أن رجال دينهم ما هم إلا لصوص سرقوا أموالهم بالباطل، فأوهمهم الباباوات أن الأمر يتطلب بعض الوقت حتى يستعد فيها الرب لهذه المهمة الشاقة، ولكن شيئًا لم يحدث! وسنة بعد سنة كان بابا روما يخترع فيها كذبة جديدة، وسنة بعد سنة كان النصارى يتململون من كذب رجال دينهم، حتى جاء الباب (أوربان) بالحل،
стр. 317
وهو أن يوجه أولئك الثوار إلى بلاد المسلمين قبل أن يثوروا على الكنيسة! وفعلًا حدث هذا، فتوجهوا أولًا إلى (القسطنطينية) ليقتلوا إخوانهم من الأرثوذكس في أبشع مذابح شهدها الأرثوذكس في تاريخهم، ولازالت هذه المذابح هي سبب القطيعة بين الكنيسة الكاثوليكية والكنيسة الأرثوذكسية إلى يوم الناس هذا (قارن ما فعله الكاثوليك بإخوتهم بالدين من قتل واغتصاب بما فعله محمد الفاتح بالأرثوذكس عند دخوله القسطنطينية من عفوٍ وتسامح!!!)، وسنة بعد سنة استطاع الصليبيون أن يستولوا على جلّ بلاد الشام، ساعدهم على ذلك تفكك العالم الإِسلامي، قبل أن يصلوا أخيرًا إلى القدس في سنة ٤٩٢ هـ، وفي هذه المدينة المقدسة قتل الصليبيون الأطفال واغتصبوا النساء ومثلوا بالشيوخ، وهدموا المساجد، وأحرقوا البيوت، وذبحوا الآلاف من شباب المسلمين الأبرياء، فاحتمى المسلمون بالمسجد الأقصى ظنًا منهم أن الصليبيين لن يقتحموا الأماكن المقدسة، وهذه هي مشكلة المسلمين المزمنة: يظنون أن كل الناس لديهم نفس الأخلاق التي تعلموها من رسول اللَّه ﷺ ! فقد اقتحم الصليبيون المسجد الأقصى بخيولهم، فقتلوا في ليلة واحدة: ٧٠٠٠٠ مسلمٍ ما بين سيدة وقاصر وحتى طفلة! ووصل مستوى الدم في الحرم القدسي الشريف إلى ركب الخيول، فسبحت خيول الصليبيين الأنجاس بدماء أطفال المسلمين الطاهرة!!!
وفي سنة ٥٣٢ هـ وُلد طفلٌ كردي في مدينة "تكريت" اسمه يوسف بن أيوب، وهو نفسه الذي سيحمل لقب صلاح الدين عندما يكبر! فنشأ ذلك الطفل تنشأةً إسلامية خالصة، ولما وصل إلى سن البلوغ، أرسله والده إلى مدرسة المدينة، فتعلم القراءة والكتابة باللغة العربية، وحفظ القرآن الكريم، حتى أصبح صلاح الدين معروفًا بين زملائه بالذكاء الشديد، وهدوء الطبع، وحبه الشديد للمطالعة ودراسة الكتب.
الشيء اللافت للنظر الذي لاحظته من خلال مطالعتي لسيرة صلاح الدين الأيوبي، أنني وجدت أن والد صلاح الدين الأيوبي كان يقص عليه قصص الأبطال والمجاهدين في أمة الإِسلام! ولعل هذا ما يؤكد صدق ما كنا قد ذكرناه سابقًا بالنسبة لأهمية التاريخ في صناعة الأبطال، فلا بد لنا أن نربي أطفالنا منذ الصغر على قصص العظماء في هذه الأمة، لكي يخرج لنا ألف صلاح الدين، ليعيدوا لنا مسجد هذه الأمة.
стр. 318
المهم أن أمير الشام لاحظ مدى شجاعة هذا الفتى، فقام بتعيينه قائدًا في جنده، فأثبت صلاح الدين الأيوبي أنه أهل لهذه الثقة، وتوالت انتصارات المسلمين على الصليبيين، غير أن المسلمين ما كانوا ينتصرون على جيوش الصليبيين حتى يعود الصليبيون من جديد أكثر تسليحًا من سابق عهدهم! فلمّا فتش المسلمون على مصدر هذه الإمدادات الهائلة التي تأتي للصليبيين، وجدوا أنها تأتيهم من قومٍ ينتسبون إلى الإِسلام، ولكنهم يحملون في قلوبهم مرضًا لا يستطيعون التخلص منه أبدًا، مرض الخيانة! وكأن الخيانة أصبحت عادة عند الشيعة لا يستطيعون تغييرها أبدًا، وصدق اللَّه العظيم إذ قال "أتواصوا به" أي هل أوصى كل واحدٍ منهم الآخر على نفس العمل لدرجة أصبح فيها ذلك شيئًا متكررًا في التاريخ؟! وقد كنت أظن فيما مضى أن مشكلة الشيعة هي فقط مع عائلة بني أمية، إلا أنني تفاجأت في هذه السنة بالتحديد أن الشيعة يطلقون على صلاح الدين الأيوبي اسم خراب الدين الأيوبي!! وواللَّه إني عاشرت العرب والعجم، الأوروبيين منهم والأمريكان، وقابلت أقوامًا من جنسياتٍ أذكر بعضها وأنسى معظمها، فما وجدت منهم إلا الاحترام الشديد لسيرة هذا البطل الإِسلامي الذي شهد العدو له قبل الصديق ببسالته وسموّ أخلاقه. . . . . إلا الشيعة! وكأن لا همَّ لهم في الدنيا إلا الطعن في رموز هذه الأمة!!!
أما نصر حطين فلم يبدأ من يوم المعركة بالتحديد، بل بدأ من اليوم الذي قرر فيه صلاح الدين الأيوبي التخلص من خيانات الشيعة المتمثلة بالدولة العبيدية (الفاطمية)، وهذا درسٌ يجب علينا أن نتعلمه من صلاح الدين إذا ما أردنا أن ننتصر كما انتصر هو على الصليبيين، ففي عصر صلاح الدين كان الصليبيون يحتلون القدس، وعلى الرغم من ذلك لم يحارب صلاح الدين الصليبيين أولًا، بل حارب الدولة الشيعية أولًا، وهذا شيء تكرر مع كل قادة المسلمين الذين صادف عصرهم ظهور عدوين أحدهما الشيعة، فواللَّه ما رأيت أحدهم يبدأ إلا بخونة الشيعة، وبعد ذلك ينتصر بكل سهولة على العدو الآخر، وما قصة السلطان العثماني سليم الأول ﵀ ببعيدة عنا، عندما ترك الصليبيين البرتغاليين، ليقاتل الخونة الصفويين في إيران، فما أن دمّر سليم الأول دولة إسماعيل الصفوي، حتى هرب الصليبيون من دون قتال، وصدق اللَّه العظيم إذ يقول في
стр. 319
كتابه الكريم يصف المنافقين ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ﴾!
والدولة الفاطمية الشيعية التي تشيد بها معظم مناهج التاريخ العربية للأسف، هي نفسها الدولة التي قتلت ثلث الشعب المصري بأكمله، وقصة هذه الدولة الخبيثة التي عاونت الصليبيين في الأندلس والقدس، تعبدًا مع رجلٍ يهودي اسمه (عبيد اللَّه بن مأمون القداح) هذا الرجل هرب إلى المغرب ليدَّعي كذبًا أنه من نسل فاطمة بنت محمد ﷺ ، قبل أن يحتل أحد خلفائه وهو (المعز لدين اللَّه الفاطمي) مصر، ليقتل جميع علماء السنة فيها، وينشر الموالد والبدع في أرضها، ويعلن صراحة سب الصحابة في المساجد، بل وفي بعض الأحيان سب الرسول الكريم! حتى جاء ملوكٌ من بعده ليعاونوا الصليبيون في القدس، بعد أن عاونوهم من قبل في الأندلس، حتى جاء قرار صلاح الدين الأيوبي بإزالة هذه الدولة الخبيثة من على وجه الأرض، وبعد أن تم له ذلك. . . . أصبح نصر حطين مسألة وقت لا أكثر!
ولكن. . . . من هو ذلك القائد التركي الذي أهدى للأمة الإِسلامية صلاح الدين الكردي؟ ولماذا يعتبره كثيرٌ من المؤرخين سادسَ الخلفاء الراشدين؟
يتبع. . . . .
стр. 320
" الشهيد" (نور الدين زنكي)
" قد طالعت تواريخ الملوك المتقدمين قبل الإِسلام وفيه إلى يومنا هذا، فلم أر بعد الخلفاء الراشدين وعمر بن عبد العزيز أحسن سيرة من الملك العادل نور الدين"
(ابن الأثير)
هو ريحانة بلاد الشام، وأستاذ صلاح الدين الأيوبي، سماه بعض المؤرخين "سادس الخلفاء الراشدين" لعدله ودينه وحسن سياسته، هذا الرجل الذي لا يعرفه كثير منّا هو الصانع الحقيقي لنصر حطين، إننا نتحدث عن نورٍ أضاء اللَّه به الدين في أشد أوقات الأمة عتمة وسوادًا، إننا نتحدث عن نور الدين محمود ابن عماد الدين زنكي، المشهور باسم "نور الدين الشهيد"!
وقبل أن نبحر سويًا في سيرة هذا البطل العطرة، أرى أن أقف قليلًا عند لقب "سادس الخلفاء الراشدين"، فأنا لا أرى أن هذا اللقب صحيح من الناحية التاريخية على الإطلاق! وليس هذا انتقاصًا من قدر هذا القائد العظيم الذي قدّم للإسلام الشيء الكثير، بل لأن الذين يطلقون عليه لقب سادس الخلفاء الراشدين هم أنفسهم الذين يطلقون على عمر بن العزيز ﵀ لقب خامس الخلفاء الراشدين، ومع إيماني اليقين أن كليهما من أعظم من أنجبت أمة الإِسلام، إلا أن في هذه الألقاب انتقاصٌ كبير لأمير المؤمنين الحسن ابن علي ﵄، والذي كان خامس الخلفاء الراشدين بدليل حديث رسول اللَّه الذي نص فيه بأن الخلافة بعده ثلاثين عامًا، أما إذا أردنا أن نطلق لقب سادس الخلفاء الراشدين على أحدٍ من البشر، فالأوْلى إذَا أن نطلقه على صاحب رسول اللَّه ﷺ وكاتب وحي السماء معاوية بن أبي سفيان ﵄ والذي لو أنفق عمر بن عبد العزيز ونور الدين زنكي وصلاح الدين كنوز الأرض في سبيل اللَّه ما بلغوا شيئًا من فضله أو فضل
стр. 321
صحابي واحد من صحابة رسول اللَّه ﷺ الذين هم أفضل خلق اللَّه على وجه الأرض بعد الأنبياء والرسل!
ولكن الحقيقة أن سيرة نور الدين زنكي تشبه إلى حد بعيد سيرة الخلفاء الراشدين بالفعل، فهذا الملك التركي الأسمر هو الرجل الذي أحيى اللَّه به أمة الإِسلام بعد أن كادت تموت في القرن السادس الهجري، فيكفيك أن تعلم أن نور الدين الشهيد ظهر في زمانٍ استولى فيه الشيعة الرافضة على معظم بلاد الإِسلام، فلقد استولى (البويهيون) الشيعة على دولة الخلافة في بغداد، واستولى (العبيديون) الشيعة على مصر والمغرب الإِسلامي، ففتح الشيعة بذلك المجال للصليبيين لكي يستولوا على القدس، وكعادة عظماء أمة الإِسلام، فإن هذه الأوقات هي الأوقات التي يخرجون فيها للنور، وفعلًا. . . . . خرج للنور نور الدين، فأنار الدروب، ووحد الصفوف، وجمع الشمل، وما هي إلا سنوات قليلة، حتى كانت دولته تمتد من بلاد فارس في الشرق إلى حدود ليبيا في الغرب، ومن هضبة الأناضول في الشمال، إلى جبال اليمن في الجنوب، فأصبحت مسألة النصر على الصليبيين مسألة وقتٍ ليس أكثر، بل إن محمود نور الدين لم يرَ نصر حطين بعينيه، على الرغم من أنه كان مؤمنًا بالنصر، لدرجة دعته لبناء منبر لكي يوضع في المسجد الأقصى بعد تحريره، ولكنه مات قبل ذلك، فلم يُقدّر له أن يحضره بنفسه إلى القدس، فأحضره تلميذه صلاح الدين الذي أكمل طريقه في مقارعة الصليبيين، فالمنبر المعروف باسم منبر صلاح الدين هو في الأصل ذلك المنبر الذي بناه نور الدين الشهيد ﵀ (بقي هذا المنبر في المسجد الأقصى حتى يوم ٢١ آب (أغسطس) سنة ١٩٦٩ م عندما أحرقه إرهابي صهيوني اسمه مايكل روهان!).
وعلى الرغم من مكانة الملك محمود نور الدين زنكي العظيمة، وعلى الرغم من عظمة سلطانه واتساع ملكه، فإنه كان يتوسل إلى اللَّه قبل كل معركة بخشوع المؤمن، ففي ليلة من الليالي، خرج نور الدين في عتمة الليل إلى فناء مهجور، وقد استعد بجيشه الصغير لقتال جحافل الصليبيين الذين يحاصرون مدينة "دمياط" المصرية، فرفع الملك محمود يديه في السماء، وسجد على الأرض، ولطخ رأسه بالتراب وأخذ يبكي ويدعو اللَّه بانكسار:
"اللهم إنك إن نصرت فدينك نصرت، فلا تمنعهم النصر بسبب محمود إن كان غير
стр. 322
مستحق للنصر، اللهم انصر دينك ولا تنصر محمودًا، من الكلب محمود حتى ينصر"
عندها رأى شيخ كبير من شيوخ المسلمين رسول اللَّه ﷺ في المنام وهو يقول له: "أعلم نور الدين أن الفرنج رحلوا عن دمياط هذه الليلة" فقال الشيخ: يا رسول اللَّه ربما لا يصدقني فاذكر لي علامة يعرفها، قال: "قل له بعلامة ما سجدت على تل حارم وقلت يا رب انصر دينك ولا تنصر محمودا من هو محمود الكلب حتى ينصر" فأسرع هذا الشيخ إلى المسجد الذي كان نور الدين يقوم فيه الليل وأخبره بالرؤيا والعلامة ولكنه لم يذكر لفظة (الكلب)، فقال له نور الدين ﵀: "اذكر العلامة كلها! "، فاستحى الشيخ أن يذكرها، فألح نور الدين في ذلك، فقالها له، فبكى نور الدين وصدق الرؤيا وكانت هذه الليلة بالفعل هي ليلة هزيمة الصليبيين ورحيلهم عن دمياط!
فرحم اللَّه نور الدين محمود بن عماد الدين زنكي، ورحم اللَّه تلميذه صلاح الدين يوسف الأيوبي لما قدماه للإسلام والمسلمين، فهذا رجل تركي، والآخر كردي، فيا لروعة الإِسلام الذي نصره اللَّه بالتركي والكردي، فالإِسلام لم ينتصر بالعروبة، ولا بالقبلية، ولا بالأكراد أو الأتراك، الإِسلام انتصر بالمسلمين!
وإذا كنا قد تكلمنا عن البربر وعن الاكراد وعن الأتراك، فقد جاء الوقت لكي نتكلم عن رجالٍ خرجوا من عباءة قومية معينة، حملوا راية الإِسلام، ليرفعوها في علياء السماء، ليكونوا أعظم فرسانٍ للعلم في أمة الإِسلام العظيمة على الإطلاق، وليبشر رسول اللَّه ﷺ بهم من دون أن يراهم!
يتبع. . . . . .
стр. 323
(مُؤْمِنو الفُرْس)
" لَوْ كَانَ الإيمَانُ عِنْدَ الثُّرَيَّا لَنالَهُ رِجَالٌ مِنْ هَؤُلاءِ"
(رسول اللَّه ﷺ )
ربّما لاحظ البعض أنني من خلال هذا الكتاب ركزت على الهجوم على خونة الفرس في غير موضع، وهذا شيءٌ لا أنكره البتة، وليس عندي من الشك أدناه أنني لو أعدت كتابة هذا الكتاب من جديد، لتركت المجال لقلمي لكي ينزل على مرازبة فارس ما هو أشد وطأة مما كتبت! ليس ذلك من قبيل الحقد القومي أو النزعة العنصرية التي لا يحتاج القارئ الكريم لكثيرٍ من التأمل في صفحات هذا الكتاب ليكتشف أن كاتبه بعيدٌ كل البعد عنها، بل كان ذلك من باب إعطاء كل ذي حقٍ حقّه. . . . . .
فلقد مدحت البربر الأمازيغ في هذا الكتاب حتى خِلت نفسي بربريًا، ومدحت الأتراك في غير موضع حتى ظننت أنني أحد أحفاد عثمان أرطغرل، وأشدت بصلاح الدين وسليمان الحلبي بعد أن ذكرت أنهما كرديان، وترجمت لأبطالٍ منسيين من أمثال لابو لابو الفلبيني، وزومبي البرازيلي، والفرنسي موريس بوكاي، والأمريكي مالكوم إكس، والغيني عبد الرحمن بن سوري، والصعيدي علي الجرجاوي، والفارسي البطل سلمان الفارسي، ولمن كان له صبرٌ لمتابعة بقية أحداث هذا العمل لآخره سيجد أنني أذكر عظماء الإِسلام من الهنود بشكل يليق بعظمتهم، بل إن أول كتاب كتبته في حياتي كان عن عملاقٍ من أمة الفرس بالتحديد اسمه سلمان الفارسي، وواللَّه ما مدحت هؤلاء وهؤلاء في هذا الكتاب إلا إنصافا للتاريخ وابتغاءً لوجه اللَّه، وواللَّه ما هاجمت مجرمي الفرس في هذا الكتاب إلا إنصافا للتاريخ وابتغاءً لوجه اللَّه أيضًا!
فلقد اختار الفرس كقومية منذ ظهور المجرم (إسماعيل الصفوي) أن ينسلخوا من إسلاميتهم وأن ينضوا تحت عباءة فارسيتهم المجوسية، فاختاروا بذلك أن يكونوا في الصف المعادي لأمة الإِسلام، فكان حقًا علي محاربتهم بقلمي، وأقسم بالذي أنزل القرآن العربي على عبده العربي لو أن العرب كانوا قد انسلخوا من إسلاميتهم وفضلوا
стр. 324
الرجوع إلى جاهليتهم كما فضل الفرس الرجوع إلى مجوسيتهم، لهجوت العرب في هذا الكتاب بهجاءٍ يفوق هجاء جريرٍ للفرزدق!
ولا يحتاج المرء لأكثر من تذكرة سفر لطائرة متوجهة إلى حاضرة الفرس "طهران" لكي يرى بأم عينيه مظاهر انسلاخ الفرس عن الإِسلام، ولست في حاجة هنا إلى ذكره الأرقام التي تذكرها الحكومة الإيرانية عن نسب الدعارة المنتشرة في شوارع طهران أو مظاهر الانحلال الفاضحة التي يراها المرء في حدائق أصفهان، فهذا ليس لبّ الموضوع الذي يهمنا الآن، فالموضوع في أصله موضوعٌ عقائدي، فلقد لاحظت من خلال احتكاكي مع شباب فارس في أوروبا بأنهم يلبسون على أعناقهم سلاسلًا عليها نسرٌ مميز الشكل، ظننته في بادئ الأمر نوعًا من أنواع الزينة، ولكنني عندما رأيت هذا الأمر يتكرر، بحثت في حقيقة ذلك النسر لاكتشف أنه "نسر زرادشت المقدس"! وزرادشت يا سادة هو مؤسس الدين المجوسي!! ليس هذا فحسب، بل إن شعار الدولة الإيرانية المعاصرة والذي يعتقد كثيرٌ من المخدوعين بأنه عبارة عن رسمٍ للفظ الجلالة (اللَّه) ليس إلا شعار السيخ الهنود الذين انبثق من رحمهم الخميني، ولا أدري لماذا لا يرسم الفرس كلمة (اللَّه) بشكلٍ واضح كما رسمت المملكة العربية السعودية الشهادتين على علمها أو كما رسم الشهيد بإذن اللَّه صدام حسين على علمه بخط يده عبارة (اللَّه أكبر)! الغريب في الأمر أن إيران ما زالت تصر على تسمية الخليج العربي بالخليج الفارسي، على الرغم من أنها تدّعي الانتساب لشيعة علي العربي القرشي! بل إن إيران رفضت مقترحًا من منظمة المؤتمر الإِسلامي بتسميته بالخليج الإِسلامي!!! والذي لا يعلمه الكثير منّا أن العيد الوطني الرابع في إيران هو عيد مقتل الفاروق عمر الذي قتله الفارسي الإرهابي أبو لؤلؤة! وإيران الفارسية هي الدولة التي ما زالت تحتل أرضًا عربية متمثلة في الجزر الإماراتية والأحواز التي تمنع أهلها عن مجرد تعلم العربية لغة القرآن. وإذاعة إيران الرسمية تفتح إشارتها بلعن أصحاب محمد، ناهيك عن دور إيران القذر في العراق الجريح وتدريبها لميليشيات الغدر لقتل أهل السنة
стр. 325
والجماعة، وناهيك أيضًا عن دورها القذر في الاضطرابات التي يحدثها جواسيسها في المنطقة!
من أجل هذه الأسباب وغيرها هاجمت خونة الفرس، ولكنني في نفس الوقت سأدافع عن الفرس المسلمين الذين يلعنهم الفرس الصفويين ليل نهار، فالذي لا يعلمه الكثيرون أن أبا حنيفة الذي نبش شيعة الصفويين الأنجاس قبره في بغداد عند احتلالها هو فارسي الأصل، فالفرس كانوا منا وكنا منهم، بل إن أعظم علماء أهل السنة والجماعة كانوا جميعًا من الفرس، فلقد كان ٩٠ % من الفرس من أهل السنة والجماعة حتى جاء القذر إسماعيل الصفوي ليغير دين الفرس بعد أن قتل مئات الآلاف منهم، لينسى عامة الفرس انتسابهم لعظماء أمة الإِسلام، مفضلين على ذلك انتسابهم لكسرى يزدجرد!
وهاكم قائمة ببعض أسماء علماء بلاد فارس الذين يتبرأ منهم الفرس الحاليون:
الإِمام البخاري، الإِمام أبو حنيفة النعمان، الإِمام النسائي، الإِمام الترمذي، الإِمام ابن ماجة، الإِمام أبو داود، الإِمام البيهقي، الإِمام الحاكم النيسابوري، الإِمام الدارقطني، الإِمام السجستاني، الإِمام الطبري، الإِمام الكسائي، أبو بكر الرازي، فخر الدين الرازي، الخوارزمي، سيبويه، وغيرهم الكثير من الذين لا يتسع المقام لعدّهم، والذين كانوا من أهم بناء هذه الحضارة الإِسلامية العربية!
وإذا جاء ذكر علماء الفرس، جاء ذكر أعظم عالم فارسي. . . . جاء ذكر عالم إسلامي عظيم كان كتابه ومازال أعظم كتاب موجودٍ على وجه الكرة الأرضية بعد كتاب اللَّه مباشرة!
يتبع. . . . .
стр. 326
" الهدف القادم لغزاة التاريخ" (البخاري)
" ما تحت أديم السماء أعلم بحديث رسول اللَّه ﷺ مثل هذا الرجل"
(إمام الأئمة ابن خزيمة)
تعجب تلاميذ إحدى الكتاتيب الصغيرة الواقعة في إحدى مدن خراسان من أمر طفلٍ يتيمٍ دون العاشرة كان يأتي إلى الكتّاب من دون ورقةٍ أو قلم، فقد كان شيخ الكُتّاب يروي عليهم أحاديث رسول اللَّه ﷺ فيسارعون هم إلى تدوينها، إلا ذلك الطفل لم يكن يكتب شيئًا على الإطلاق! ومرّت الأيام وهذا الطفل على حاله تلك، يأتي في صمت، ويعود في صمت، حتى جاء ذلك اليوم الذي سَخِر فيه التلاميذ من هذا الطفل الغريب، وعايروه بأنه لا يكتب شيئًا، فنظر الطفل الصغير إليهم نظرة الواثق وقال لهم: أخرجوا كراريسكم لأراجعها لكم! فأخرج التلاميذ كراريسهم وهم ينظرون بدهشة لهذا الطفل الصغير الذي بدأ يراجع لهم الأحاديث التي كتبوها على مدى أشهر حديثا حديثًا وهم يطابقون صحتها في كتبهم، فراجع لهم هذا الطفل الصغير الذي لم يبلغ العاشرة من عمره ١٥٠٠٠ حديثٍ بمتونها وأسانيدها!!! لقد كان هذا الطفل الأعجوبة يُدعى (محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة ابن بردزبه)، وهو نفسه الذي سيطلق عليه بعد ذلك بسنوات قليلة وإلى يوم القيامة اسم: الإِمام البخاري!
والحقيقة أنني عثرت على روايةٍ عجيبةٍ في خضم إبحاري في سيرة الإِمام البخاري قد تفسر لنا سرّ تلك الذاكرة العجيبة التي كان يتمتع بها البخاري، تقول هذه الرواية أن البخاريّ كان قد عمي في صغره، ففقد بصره بالكلية، فأخذت أمه تبكي على ابنها الوحيد بكاءً شديدًا وتدعو اللَّه أن يرجع له بصره، وفي ليلة من الليالي رأت تلك الأمة الصالحة في المنام نبي اللَّه إبراهيم الخليل ﵇ فقال لها: يا هذه قد رد اللَّه على ابنك بصره! فاستيقظت الأم من نوها وأسرعت إلى طفلها لتجد أن بصره قد عاد إليه! الشاهد في هذه
стр. 327
الرواية أمران، الأول هو أن سر ذاكرة البخاري القوية يكمن في فقده لبصره في طفولته، فالمعلوم طبيًا أن هناك خاصية عجيبة خلقها اللَّه في جسم الإنسان، ألا وهي خاصية "التعويض الوظيفي" وتنص على أن الجسم البشري إذا ما فقد حاسة من حواسه، فإن قوة الحواس الأخرى تزيد بشكل يعمل على سد الثغرة الحسية التي نتجت عن فقده لتلك الحاسة، وهذا ما يفسر قوة السمع والحفظ للطفل الأعمى، أما في حالة البخاري فقد اكتسب دماغه أثناء عماه تلك الخاصية الاستثنائية على ما يبدو، ثم ردّ اللَّه عليه بصره، فصار البخاري يجمع بين ذاكرة الأعمى، ونظر المبصر، فأصبح إنسانًا استثنائيًا! أما الشاهد الثاني فهو أن البخاري مختارٌ من اللَّه الذي هيأه لهذه المهة الخطيرة، مهمة حفظ وحي السماء الذي جاء على صورة أحاديث رسول اللَّه، فهناك خطأ شائع لدى البعض ممن يعتقدون بأن اللَّه تكفل بحفظ القرآن فقط بقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾، فالذكر هو الوحي الإلهي الذي نزل على صورة القرآن أو الأحاديث القدسية أو أحاديث رسول اللَّه ﷺ الذي لم يكن ينطق عن الهوى ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾، وحفظ هذا الذكر يتطلب رجالا يحفظون القرآن كعثمان ابن عفان، ويحفظون الأحاديث كالبخاري ومسلم، ويحفظون سيرة الرسول وسيرة أصحابه الذين حفظوا لنا القرآن والسنة: وهذا ما قام به أئمة المؤرخين من أمثال الطبري وابن كثير، ويتطلب أيضًا رجالًا مثلي ومثلك يقومون بالدفاع عن سيرة أولئك كلهم، والذين نقلوا الإِسلام لنا، والذين لو استطاع غزاة التاريخ أن ينالوا من سمعتهم وسيرتهم، لسقط هذا الدين بالكلية، ولأصبحنا أنا وأنت مجرد قطيعٍ بلا راعي!
وهذا بالضبط ما نحاول صنعه في هذه السطور القليلة، فليس الغرض من هذا الكتاب مجرد سرد الحكايات والقصص المسلية، بل الهدف الأساسي منه هو الدفاع عن دين اللَّه في هذه الفترة الزمنية الحرجة التي يحاول فيها غزاة التاريخ أن ينالوا من دين اللَّه بالهجوم على ثوابته ورموزه بعد أن عجزوا لمئات السنين من أن يتخلصوا من المسلمين أنفسهم بعد ما قضوا مئات السنين يحاولون ذلك بمجازرهم ومذابحهم، فما وجدوا إلا ازديادًا لأعداد المسلمين رغم كل ذلك!
فهناك ظاهرة طفت على السطح في السنوات الأخيرة بالذات، أحسب أنني لم أسمع
стр. 328
بظهورها في تاريخ المتقدمين أو المتأخرين، لقد خرج علينا أناسٌ من بني جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا، وينتسبون إلى الإِسلام، بل ويدعون التقوى والصلاح، ليطعنوا بالبخاري وصحيحه بالذات، والذي يعتبر أصح كتابٍ على وجه الأرض بعد كتاب اللَّه ، ولو علم هؤلاء المنافقون أن الإِمام البخاري قضى ١٦ عامًا من زهرة شبابه في كتابة هذا الكتاب فقط لما تجرأوا على جريمتهم تلك، بل الأخطر من ذلك أنه ظهرت في الآونة الأخيرة مجموعة خطيرة من المنافقين ممن يُسمّون بـ "القرآنيين" هؤلاء المجرمون لا يطعنون في البخاري فحسب، بل لا يعترفون بالسنة النبوية أصلًا، ويدّعون كذبًا وبهتانًا أن المصدر الوحيد للتشريع الإِسلامي هو القرآن فقط، وأن أحاديث المصطفى كانت تخص الصحابة فقط، وإلى أولئك السفلة الذين يعلمون أننا نعلم أنهم يكاذبون أقول: ألم يقل اللَّه في القرآن الذي تتشدقون به: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾، فهل طاعة الرسول تكون بغير الإلتزام بأحاديثه؟! أم أننا يجب أن نذهب إلى قبره لكي ننتظر منه الأوامر؟!! فقبحًا لكم ماذا أبقيتم لنا من هذا الدين؟ وأي دين تتبعون يا عبّاد الدولار؟ الغريب أن الفضائيات صارت تعطي كل من يطعن بالبخاري بالتحديد المجال الواسع لبث سمومه على عامة المسلمين! فصار كل من هبَّ ودبَّ يطعن في البخاري، وكأن الإِمام البخاري كان طفلًا يلعب معهم في رياض الأطفال! فاللَّه اللَّه في البخاري، واللَّه اللَّه في الدفاع عن السنة التي حفظها لنا الإِمام!
وإذا كان اللَّه قد أخرج لأمة النبي العربي رجلًا فارسيًا ليحفظ لها أحاديث رسولهم الصحيحة بعد موته بـ ٢٠٠ عام، فإن اللَّه سبحانه تعالى أخرج للمسلمين من على قمم جبال البلقان في أوروبا رجلًا ألبانيًا حمل راية الجرح والتعديل للأحاديث النبوية بعد ١٣٠٠ عام من موت النبي، ليصبح هذا الرجل الأوروبي بكل استحقاق "محدِّث الأمة"!
يتبع. . . . . .
стр. 329
" مُحَدِّث الأمَّة" (محمد ناصر الدين الألباني)
" ما رأيت تحت أديم السماء عالمًا بالحديث في العصر مثل العلامة محمد ناصر الدين الألباني"
(الشيخ عبد العزيز بن باز)
ما أعظم هذا الدين! فكلما تعمقت أكثر في تاريخ الإِسلام وتاريخ عظماء أمة الإِسلام، أدركت حجم النعمة التي نحن فيها، وأدركت عِظم هذا الدين الذي نحن عليه. فما الذي جعل رجلًا من أقاصي بلاد فارس ينذر حياته كلها في جمع أحاديث بلغة ليست بلغته، لنبي ليس من قوميته؟ وما الذي دفع رجلًا أوروبيًا ليس فيه جذورٌ عربية -عدنانية كانت أو قحطانية- أن يسخر كل حياته لكي يصحح الأحاديث المروية عن رسول اللَّه ﷺ ليفصل منها الغث من السمين، وليحمل راية الجرح والتعديل في أصعب زمنٍ مرت به الأمة الإِسلامية على الإطلاق؟! إننا في صدد الحديث عن رجلٍ اعتبره كبار علماء هذه الأمة مجدد الإِسلام في القرن الأخير، إننا نتحدث عن الشيخ محمد ناصر الدين الألباني -رحمه اللَّه تعالى- الذي سخر عمره في تصحيح وتحرير سنة رسول اللَّه ﷺ .
وقبل أن نتحدث عن الشيخ الألباني ﵀، أرى أنه من الواجب أن نتكلم قليلًا عن "ألبانيا"، البلد الذي ينتسب إليه هذا العالم الإِسلامي العظيم، فمن منا يعلم أن في قلب أوروبا المسيحية بلدٌ إسلامي اسمه ألبانيا؟ من منّا سمع باسم "تيرانا" تلك العاصمة الإِسلامية لهذا البلد؟ بل من منا سمع باسم ألبانيا أصلًا في حياته كلها؟!! واللَّه يا إخوة إن حال هذه الأمة لن يتغير إذا لم نغير نحن من أنفسنا أولًا، فلا يستقيم أبدًا أن نحمل شرف أن يقال علينا أننا أتباع محمد بن عبد اللَّه الذي علّم البشرية كلها معنى العلم
стр. 330
ونحن بهذه الدرجة المتخلفة من الثقافة! ولا يستقيم أبدًا -وأوجه كلامي هنا خاصة لطلبة العلم الشرعي- أن نهتم بحفظ القرآن الأحاديث ودراسة الفقه والعقيدة ونهمل الاضطلاع على أمور العالم من حولنا لدرجة تجعلنا معزولين بالكلية عن العالم الخارجي وما يدور من حولنا! فما هكذا كان أصحاب رسول اللَّه ﷺ الذين كانوا أعلم منا بألاف المرات بالقرآن والسنة، فالذي لا يعرفه الناس عن الصحابة الكرام رضوان اللَّه عليهم أنهم كانوا يتعلمون اللغات الأجنبية، وكانوا يحفظون الشعر وينظمونه دفاعًا عن دين اللَّه، وكانوا على دراية كبيرة بعلوم الزراعة والتجارة والصناعة بل وحتى علوم التاريخ والجغرافيا، والذي لا يعرفه الكثيرون عن أبي بكر ﵁ وأرضاه أنه كان عالمًا كبيرًا من علماء التاريخ الإنساني وعلماء الأنساب على مستوى الجزيرة العربية كلها، مما أهله لكي يكون مستشار رسول اللَّه ﷺ في مفاوضاته مع القبائل العربية قبل الهجرة. وزيد بن ثابت الأنصاري رضي اللَّه وأرضاه (وهو الشاب الذي كلفه عثمان بن عفان ﵁ وأرضاه بقيادة فريق الصحابة لجمع القرآن الذي هو بين أيدينا الآن) تعلم العبرية في وقت قياسي بناءً على أمر شخصي من رسول اللَّه ﷺ ، وأضاف إليها السريانية، مما أهله ليكون ترجمان رسول اللَّه ﷺ ، وليسأل كل واحدٌ فينا نفسه: هل لو كنت تعيش في زمن الصحابة، أكان رسول اللَّه ﷺ سيستعين بك في شيء، أم أن ما في جعبتك من علوم الدنيا لا يؤهلك لخدمة رسول العالمين في شيء؟!!
وألبانيا يا سادة دولة إسلامية في منطقة البلقان الأوروبية، التي كانت جزءً من ديار الإِسلام لما يزيد عن ٥٠٠ عام في ظل الخلافة الإِسلامية العثمانية الراشدة، وقد يُفاجأ البعض عند علمهم أن الإِسلام دخل إلى ألبانيا مبكرًا، وبالتحديد مع القرن الأول الهجري في ظل دولة الأمويين! فلقد بعث بنو أمية الدعاة والتجار إلى البلقان لينشروا الإِسلام هناك، فأسلم الألبان عن بكرة أبيهم، ليبدأ مسلسل مجازر الصرب الأرثذوكس على المسلمين منذ ذلك الوقت المبكر، وحتى الآن!
وفي عام ١٣٣٣ هـ - ١٩١٤ م وُلد لشيخٍ طيبٍ من شيوخ عاصمة ألبانيا القديمة "أشقدورة" هو الحاج (نوح بن نجاتي بن آدم الأشقودري) طفل أسماه محمدًا تيمنًا
стр. 331
برسول اللَّه ﷺ ، وصادف ذلك الزمن ظهور رئيسٍ مجرمٍ في ألبانيا اسمه (أحمد زوغلو)، هذا الرئيس كانت له اتجاهات غربية، فمنع النساء من ارتداء الحجاب، وأغلق، المدارس الدينية، وفرض الفكر الغربي على المسلمين هناك. فقرر الحاج نوح أن يترك الدار والأهل ليهاجر في سبيل اللَّه إلى أرض الشام المباركة، وصدق رسول اللَّه إذ قال: "من كانت هجرته للَّه ورسوله، فهجرته للَّه ورسوله"، فقد كافأ اللَّه الحاج نوح على تضحيته بأن جعل من ابنه محمد إمام عصره وزمانه، ليكون بالفعل ناصر الدين في هذا الزمن، فلقد علم الحاج نوح ابنه محمدًا على يديه، فوضع له برنامجًا صارمًا في حفظ القرآن والحديث والنحو والتصريف، وفي نفس الوقت علمه مهنة إصلاح الساعات ليكون واحدًا من أشهر أرباب هذه المهنة في الشام كلها، فالألباني يا إخوة الذي صحَّح أحاديث محمد بن عبد اللَّه في مصنفاتٍ ضخمة لم يكن "دكتورًا جامعيًا" أو "أكاديميًا مروموقًا" بل كان "ساعاتيًا"! فهل قدمتم يا دكاترة هذا الزمان عُشر مِعشار ما قدمه هذا الساعاتي للإسلام؟ فإذا ما قرأت حديثًا لرسول اللَّه ﷺ ووجدت من تحته عبارة "صححه الألباني" فاعلم أن فضل ذلك يعود لهذا العالم الإِسلامي العظيم!
ولكن الألباني ومِن قبله البخاري ومسلم والترمذي وغيرهم، ما كانوا ليكونوا ما كانوا عليه، لولا كينونة كائن نحيلٍ كان لا يكُنُّ في كيانه أيَّ شيءٍ كان يقوله أعظم كائنٍ كان في الكون. . . . كونوا معنا!
يتبع. . . . .
стр. 332
"فما خُلق مؤمن يسمع بي ولا يراني إلا أحبني! "
(أبو هريرة)
" أنت أعلمنا يا أبا هريرة برسول اللَّه وأحفظنا لحديثه"
(عمر بن الخطاب)
في السنة العاشرة من البعثة النبوية، قدم إلى مكة سيدٌ من أعظم أشراف اليمن وشعرائها يقال له: (الطفيل بن عمرو الدوسي)، فما إن وصل مكة حتى استقبلته قريشٌ استقبالًا يليق بسيدٍ من سادات العرب، وبينما هو بينهم اقتربوا منه ليحذروه من رجلٍ من بني هاشم اسمه محمد بن عبد اللَّه قائلين له: "يا طفيل. . . . إنك قدمت بلادنا، فاحببنا أن نحذرك من رجلٍ ظهر في قومنا، وقد فرق جماعتنا، وشتت أمرنا، وإنما قوله كالسحر يفرق بين الرجل وبين أبيه وبين الرجل وبين أخيه وبين الرجل وبين زوجته، وإنا نخشى عليك وعلى قومك ما قد دخل علينا، فلا تكلمنه ولا تسمعن منه شيئًا! " وظل كفار قريش يحذرون هذا السيد اليماني حتى خاف بالفعل وقرر في نفسه أن لا يسمع من ذلك الرجل ولا يكلمه بأي شيء، ليس ذلك فحسب، بل إن آلة قريش الإعلامية خوفت هذا الرجل الغريب من ذلك (الإرهابي) لدرجةٍ جعلت الطفيل يحشو أذنيه بشيء مثل القطن حتى لا يسمع شيئًا من ذلك الرجل! فانطلق الطفيل إلى الكعبة، فإذا رسول اللَّه ﷺ قائم يصلي عند الكعبة ويتعبد، فقام الطفيل منه قريبًا، فأبى اللَّه إلا أن يسمعه بعض قوله بالرغم من أن أذنيه محشوتان بالقطن، فسمع الطفيل كلاما حسنًا، فقال في نفسه: "واثكل أمك يا طفيل! واللَّه إنك لرجل لبيب شاعر ما يخفى عليك الحسن من القبيح، فما يمنعنك أن تسمع من هذا الرجل ما يقوله، فإن كان الذي يأتي به حسنا قبلته، وإن كان قبيحا تركته! " فمكث الطفيل يستمع خفية إلى الرسول حتى انصرف إلى بيته، فتبعه الطفيل سرًا، حتى إذا دخل بيته دخل عليه وقال: "يا محمد إن قومك قالوا لي كذا وكذا، فواللَّه ما برحوا يخوفونني أمرك حتى سددت أذني بكرسف لئلا أسمع قولك، ثم أبي اللَّه
стр. 333
إلا أن يسمعني قولك، فسمعته قولا حسنا، فأعرض علي أمرك" فعرض عليه رسول اللَّه الإِسلام وتلا عليه القرآن، ويقول الطفيل وهو يروي هذه القصة: "فلا واللَّه ما سمعت قولًا قط أحسن منه ولا أمرا أعدل منه، فأسلمت، وشهدت شهادة الحق". وبعد ذلك رجع الطفيل بن عمرو الدوسي إلى اليمن وأخذ يدعو قومه للإسلام، حتى جاءت السنة السابعة للهجرة، فتفاجأ المسلمون بمجيئ الطفيل بن عمرو الدوسي بسبعين عائلة من أهل اليمن أسلموا كلهم على يديه! كان من بينهم شاب نحيل لم يتجاوز الـ ٢٦ من عمره تبدو عليه ملامح الفقر المتقع والبؤس الشديد اسمه: (عبد الرحمن بن صخر الأزدي)، كانت له هرة صغيرة يحملها على كتفيه يطعمها ويعطف عليها، ستصبح فيما بعد أشهر هرةٍ خلقها اللَّه منذ بداية الخلق، فلقد كنّى الناس هذا المسكين بـ (أبي هريرة)، وهو نفس الاسم الذي سيتردد بعد ذلك في سجل العظماء إلى يوم القيامة. وقبل أن نغوص أكثر في قصة هذا الشاب الرائع، أستسمح القارئ الكريم عذرًا لنقف قليلًا عند قصة إسلام السيد العظيم الطفيل ابن عمرو الدوسي ﵁ وأرضاه، والحق أقول أن هذه القصة لها دلائل عظيمة يصعب حصرها, ولكن الملاحظة المهة هي أن الكفار شوّهوا صورة الإِسلام وصورة رسول اللَّه ﷺ لدرجة دفعت هذا السيد الشاعر أن يحشو أذنيه بالكرفس خوفًا من ذلك الرجل المسلم الذي صورته "وكالات الأنباء القرشية" بـ "الإرهابي الخطير! "، فلم يكتفِ اللَّه بأن جعله مسلمًا فحسب، بل جعله سببًا لإسلام أبي هريرة، أعظم "وكالة أنباء" إسلامية في التاريخ الإِسلامي بأسره! وكأن هذه القصة تفسر قول اللَّه تعالى: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ ولاحظ هنا أن اللَّه قال "بأفواههم"، والفوه -أي الفم- هو مصدر الكلام والدعايات، فما أشبه اليوم بالأمس! فلا تكاد تجد وسيلة إعلام عالمية حتى تجد أمامك تشويه مخيف لصورة المسلمين، فأبشروا عباد اللَّه بفتحٍ قريب، كالفتح الذي جاء به الطفيل بن عمرو الدوسي جزاه اللَّه خيرًا، والذي ربّما لو لم تذكر له قريش محمدًا، لما استمع إليه أصلًا، ولما جاء بعد ذلك بأبي هريرة أكثر من نقل حديث رسول اللَّه ﷺ على وجه البرية. وإذا كان المرء قد تعجب من قصة "ذي النور" الطفيل ابن عمرو الدوسي ﵁ وأرضاه، فإن المرء ليتعجب أكثر من قصة أبي هريرة نفسه! فعبد الرحمن
стр. 334
الأزدي والذي لا يخلو كتاب يتحدث عن الإِسلام من ذكر كنيته الشهيرة "أبي هريرة"، لم يصحب الرسول لأكثر من ٤ سنوات فقط من أصل ٢٣ سنة هي عمر الدعوة المحمدية، وهو مع ذلك أكثر من نقل الحديث من الصحابة!. . . . فكيف نفسر ذلك؟! والحقيقة أن اللَّه تعالى وعلى الرغم من قدرته اللامحدودة يسخر الأسباب لكل شيء، فكما كان عمى البخاري سببًا في قوة ذاكرته، فإنه سبب الأسباب أيضًا لعبده أبي هريرة لكي يحفظ هذا القدر الكبير من الأحاديث في تلك الفترة الوجيزة (حوالي ٤٠٢٦ حديث)، فلقد كان أبو هريرة مسكينًا لا يملك تجارة يعمل بها ولا أرضا يحرثها ولا عائلة يرعاها! أي أن أبا هريرة كان باختصار شابًا معدمًا لا يملك حتى قوت يومه، لذلك استغل كل وقته في صحبة النبي ﷺ ، ولِندع طلحة بن عبيد اللَّه يفسر لنا سر كثرة أحاديث أبي هريرة بنفسه: "واللَّه ما نشك أنه قد سمع من رسول اللَّه ما لم نسمع، وعلم ما لم نعلم، إنا كنا قومًا أغنياء، لنا بيوتات وأهلون، وكنا نأتي رسول اللَّه طرفي النهار ثم نرجع، وكان هو مسكينًا لا مال له ولا أهل، وإنما كانت يده مع رسول اللَّه وكان يدور معه حيث دار، فما نشك أنه قد علم ما لم نعلم، وسمع ما لم نسمع".
فجزاك اللَّه كل خير يا أبا هريرة لما قدمته للإسلام وللمسلمين، وإن كنت مسكينًا في حياتك، فهنيئًا لك الجنة أيها الشاب اليماني البطل، فأبشروا يا أهل اليمن، فواللَّه لو لم يكن فيكم إلا أبو هريرة لكفاكم شرفًا في التاريخ, ولكنكم أيها اليمانيون أبيتم إلا أن تقدِّموا للأمة أعظم رجالها، وأشجع فرسانها، فبورك فيكم يا أهل اليمن، وبورك في يمنكم التي أخرجت للبشريية بعد ما يزيد عن أحد عشر قرنًا من موت أبي هريرة اليماني عظيمًا يمانيًا آخر من عظماء أمة الإِسلام، خلّد اسمه في سجل المائة بكتاب عظيمٍ يحمل توقيعه، أطلق عليه اسم "نيل الأوطار"، فطار ذكره، وعلا صيته، وأصبح مرجعًا لا يستغني عنه أي طالب العلم!
يتبع. . . .
стр. 335
"يا أهل اليمن. . . . اقبلوا البشرى! "
(الإمام الشوكاني)
" يطلع عليكم أهل اليمن كأنهم السحاب، هم خيار من في الأرض"
(رسول اللَّه ﷺ )
ما اختص رسول اللَّه ﷺ أهل أرضٍ بالمديح والثناء، بمثل ما اختص به أهل الشام وأهل اليمن، فلقد أكثر رسول اللَّه ﷺ بالدعاء لأهل تلك البلاد بالذات، فكان يكثر بالدعاء لهم بالبركة عن باقي شعوب الأرض، ففي الحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري عن عبد اللَّه بن عمر ﵄ أنه قال: "اللهم بارك لنا في شامنا وبارك لنا في يمننا" إلى آخر الحديث. وأخرج البخاري عن أبي هريرة أن رسول اللَّه ﷺ قال: "أتاكم أهل اليمن، هم أرق أفئدة وألين قلوبًا، الإيمان يماني، والحكمة يمانية". والحقيقة أنني استشعرت شخصيًا معنى هذا الحديث الشريف من خلال معاشرتي للشباب اليمانيين في أوروبا، فالشباب اليماني له ميزة خاصة في الأدب ودماثة الأخلاق قلّما تجدها في غيرهم، ولا ريب من ذلك بعد أن شهد لهم أصدق رجل في تاريخ البشرية بامتلاكهم لهذه الأخلاق الحميدة، فهذه الأرض هي التي أنبتت للمسلمين رجالًا مثل الطفيل بن عمرو الدوسي وأبي هريرة وأبي موسى الأشعري وأويس القرني وغيرهم من صحابة اليمن رضوان اللَّه عليهم أجمعين، وهذه الأرض هي التي خرج منها المجاهدون الذين فتحوا الشام ومصر والعراق، وهذه الأرض هي التي خرج منها التجار الحضارمة الذين نشروا الإِسلام في أفريقيا الشرقية وأندونيسيا وماليزيا وجنوب شرق آسيا كله، وهذه الأرض هي نفسها التي أنبتت للإسلام بطل قصتنا الحالي!
ففي سنة ١١٧٣ هـ الموافق ١٧٥٩ م، وُلد في بلدة "هجرة شوكان" من بلاد "خولان" باليمن طفل لعائلة زيدية كبيرة أسماه أبوه محمدًا، هذا الطفل سينسب بعد ذلك إلى بلدته تلك، ليعرف في التاريخ باسم "الإِمام الشوكاني"، فيكون بذلك من أهم علماء الإِسلام على
стр. 336
الإطلاق، بعد أن ترك كتابًا للإنسانية، صُنّف كواحدٍ من أروع كتب العقيدة الإِسلامية، إننا نتحدث عن الإِمام المجتهد المفسر الفقيه (محمد بن علي ابن محمد الشوكاني الصنعاني اليماني) صاحب الكتاب الأعجوبة "نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار".
واستسمحكم مرة أخرى. . . . . لنقف قليلًا قبل الخوض في بحار سيرة الشوكاني، ولكن هذه المرة لكي نأخذ خلفية بسيطة عن إخواننا من المذهب الزيدي الذي ينتمي إليه الإِمام الشوكاني، أو بالأصح المذهب الذي كان ينتمي إليه الشوكاني قبل أن يرجع لأصول هذه الأمة التي لا تعرف المذاهب، وأحدد أكثر، المذهب الذي وُلد عليه الشوكاني قبل أن يتركه ويترك كل المذاهب ليعود إلى الدين الإِسلامي الذي كان عليه سلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين قبل إنشاء الفرق والمذاهب!
فالزيدية مذهب من مذاهب الشيعة، إلا أنهم لا يتركون بناتهم للمتعة، ولا يسبُّون أبا بكر وعمر، ولا يتهمون زوجات الرسول بالزنى، والأهم من ذلك. . . . لا يخونون! أي أنهم أقرب للسنة منهم للشيعة، إلا أنهم يرون أن علي بن أبي طالب أفضل من أبي بكر وعمر! وهذا شيء لا يخرجهم أبدًا من دائرة الإِسلام، ولا يخرجهم من كونهم إخوة لنا (وهذا لا يعني أنهم على حق باعتقادهم بأفضلية علي!). أما لماذا سمّوا بالزيدية، فلإنهم ينتسبون إلى الإِمام (زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب)، وقد كان إمام كل الشيعة في زمانه، ولكن طائفة من أتباعه سألوه عن رأيه في أبي بكر وعمر، فترحَّم عليهما، فأبوا عليه ذلك وطلبوا منه أن يلعنهما، فرفض حفيد رسول اللَّه أن يلعن أصحاب جده، فرفضوه، وانشقُّوا عن فرقته، وتلك الفرقة اللعّانة هي التي سمِّيت في التاريخ باسم الرافضة، ذلك لأنهم رفضوا رأي زيد بن علي، وهؤلاء سيكون منهم من يؤسّس بعد ذلك مذهب "الاثني عشرية"، وهم أغلبية الشيعة في هذا الزمان وهو مذهب شيعة فارس وأتباعها والذي قتلناه بحثًا في هذا الكتاب، أم الشيعة الذين لم يخونوا إمامهم زيد بن علي ﵀، فهم إخوتنا الزيدية الذين يتمركزون باليمن. ولكن قبل أن نترك موضوع الزيدية بقي أن أنبه على نقطة خطيرة، ففي السنوات الأخيرة اتجه (الخميني) وأتباعه لإحياء مسجد إمبراطوريتهم الفارسية المجوسية (التي كانت اليمن جزء منها في عهد الساسانيين!)، فقامت إيران برشوة أحد زعماء الزيدية ويدعى بـ (حسين بدر الدين
стр. 337
الحوثي)، فأخذوه إلى وكر الإرهاب في "قم" ليعلموه هناك لعن الصحابة الكرام واتهام أم المؤمنين عائشة بالزنى، وفعلًا عاد هذا الرجل إلى اليمن بأموالٍ فارسية لينشأ ميلشيات مسلحة في مدينة "صعدة"، فيشعل نار الفتنة بأسلحته الإيرانية، وأشرطته الصوتية التي ينشر فيها ثقافة اللعن التي تعلمها في فارس، وليمهد بذلك لعودة الفرس من جديد لليمن العربي، لتشتعل نار الفتنة بسببه، وليكون أغلب ضحاياها من إخواننا الزيديين، الذين لا يعلمون شيئًا عن خطر المخطط الفارسي في المنطقة، والذي يسعى لإعادة استعباد العرب. أما الإِمام الشوكاني الذي كان سيدًا من سادات الزيدية فقد كان على العكس من الحوثي، فلم يستجب لنداءات الفرس الراغبة في استعادة اليمن العربي إلى سيطرتها، بل استجاب لنداء العقل, فتحرَّر من قيد التقليد، وحارب البدع التي انتشرت عن قبور الصالحين، وقاوم كل من يحاول سب أصحاب محمد ﷺ ، وسأل نفسه أسئلة منطقية كانت سببًا في خلوده في صفحات الزمان، فقد سأل الشوكاني نفسه: أي المذاهب كان رسول اللَّه يتبع؟ هل كان شيعيًا؟ زيديًا أم اثني عشريًا؟ هل كان عمر مالكيًا؟ أم هل كان بلال حنفيًا؟ هل كان الأنصار شافعيين؟ أم تراهم كانوا على مذهب أبي حنيفة النعمان؟!! ومن خلال هذه الأسئلة المنطقية أدرك الشوكاني أن الأجدر به أن يعود للمصادر الأصلية للإسلام التي كانت قبل ظهور الفرق والمذاهب، وفعلًا كتب كتاب "نيل الأوطار" الذي يوضح فيه للمسلمين أساس العقيدة الصحيحة المبنية على الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة الكرام، ليكتب اللَّه لهذا الكتاب القبول الأرض، ولتطير أخباره في الهند والمغرب ومصر والشام، ليخلد التاريخُ الإمامَ الشوكاني بحروفٍ من ذهب، بعد أن حرر نفسه من عبودية التقليد الأعمى.
ومن اليمن نفسها. . . . نركب فرسًا عربيةً أصيلة لنرافق قبيلة "الأزد" اليمانية وهي تهاجر إلى الشمال بعد انهيار "سد مأرب" الشهير، ليستوطن بعض رجال هذه القبيلة القحطانية مدينة في شمال الحجاز يقال لها "يثرب"، ليغير أولئك العرب الأقحاح بعد ذلك بسنوات تاريخ البشرية إلى الأبد!
يتبع. . . . .
стр. 338
"لا يحبهم إلّا مؤمن، ولا يبغضهم إلّا منافق"
(الأنصار)
" فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد"
(سعد بن معاذ الأنصاري)
على الرغم من ذكري للصحابة في بداية هذا الكتاب، إلا أنني رأيت أنه لا يستقيم أبدًا أن أكتب كتابًا عن العظماء من أمة الإسلام من دون أن تكون هذه الفئة البشرية النادرة إحدى النماذج العظيمة التي يجب أن تأخذ بعض حقها في هذا الكتاب، فالأنصار حالة استثنائية من الصحابة، أو بالأصح حالة استثنائية من البشر، فلقد تميز الأنصار بميزة ميَّزتهم عن بني آدم كلِّهم، هذه الميزة هي ميزة "الإيثار"! والإيثار: يعني أن تعطي غيرك كل ما لديك وأنت في أمس الحاجة إليه! ولنستمع إلى قول اللَّه يفسر لنا هذه الخاصية العجيبة للأنصار: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)﴾ [الحشر: ٩]، والخصاصة لغة تعني الفقر، فالحقيقة التي تغيب عن كثيرٍ منّا أن الأنصار كانوا فقراء شديدي الفقر، وربما ظنهم البعض أغنياءً من كثرة عطاءاتهم لإخوانهم من المهاجرين، وسرّ فقر الأنصار يكمن في كونهم أصلًا من المهاجرين! فالأنصار جزءٌ من قبيلة "الأزد" اليمانية التي كانت تسكن في اليمن السعيد مستفيدة من الرخاء الإقتصادي الذي كان يوفره لهم سد مأرب، ولكن مع انهيار سد مأرب عام ٥٤٢ م، دخلت اليمن في مرحلة كبيرة من القحط والفقر، فلقد أرسل اللَّه على اليمن سيلًا سُمّي بـ "سيل العَرِم" وهو السيل الذي ذكره اللَّه في القرآن بقوله: ﴿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ [سبأ: ١٦] فهلكت بذلك كل البساتين والكروم والحدائق التي بقي السبئيون يرعونها لعدة قرون، فعانى السبئيون بعد انهيار السد من فترة ركود طويلة
стр. 339
لم تقم لهم قائمة بعدها, لتهاجر القبائل اليمانية من اليمن بعد أن انعدمت سُبل الحياة هناك، وكان فيمن هاجر قبيلة يقال لها "قبيلة الأزد"!
والأزد هو الأزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان بن عابر (وهو هود ﵇ ابن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح عليه وعلى نبينا السلام. فهاجرت قبيلة الأزد إلى الشمال، فانقسمت عدة انقسامات، فاستوطن فرعٌ منها يُسمى بـ "الغساسنة" جنوب سورية وشمال الأردن ليكونوا مملكة "الغساسنة"، وسكن في مكة فرعٌ آخر لم يستطع أن يكمل الهجرة إلى الشمال فتخزّع (أي تأخّر) في الطريف فسُمّي لذلك بـ "خزاعة"، وسكن قسم ينتمي لرجل اسمه عمرو بن عبد اللَّه في المنطقة التي تعرف ببلاد "غامد" في السراة وشبه السراة وتهامة، وقد وقع بين عمرو هذا وبين عشيرته شر فتغمّد ذنوبهم -أي غطاها- ومنه الغمد، فسميت قبيلته بـ "غامد"، واستوطن أزدي آخر اسمه عامر بن حوالة بن الهنو بن الأزد ويقال له "الباقم" بوادٍ خصيب ذي زرعٍ وافر يقع شرقي مدينة مكة اسمه "وادي تربة" (وإليه يُنسب الترابين أجداد مؤلف هذا الكتاب!) أما القسم الأهم والذي يعنينا هنا هو قسم استوطن مدينة "يثرب" شمال الحجاز، هذا القسم كان ينقسم بدوره إلى قبيلتين هما "الأوس" و"الخزرج" وهما من أولاد خزرج بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو ابن عامر بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد، وهم الذين سينصرون بعد ذلك اللَّه ورسوله، ليسمّوا باسم جديدٍ سيبقى محفورًا في ذاكرة التاريخ: الأنصار!
وفي الوقت الذي امتنعت فيه أعظم القبائل من نصرة رسول اللَّه ﷺ حتى بعد معرفتهم بصدق دعوته (كقبيلة "شيبان" مثلًا) عرض "الأوس" و"الخزرج" على رسول اللَّه إيواءه ونصرته في مدينتهم بسرعة مدهشة!، وسأعرض الآن خمس عوامل ساعدت على الإسلام السريع للإنصار:
العامل الأول: اليهود!
قد يعجب البعض أن "اليهود" كانوا أهم عنصرٍ عمل على إسلام الأنصار السريع!، فلقد كان اليهود يهددون الأوس والخزرج بأنهم سيقتلونهم قتل عاد وإرم عندما يأتي نبي آخر الزمان الذي سيتبعونه!! فما إن اجتمع رسول اللَّه بنفرِ من الأوس والخزرج في مكة
стр. 340
يدعوهم للإسلام حتى قال بعضهم لبعض: "يا قوم، تعلمون واللَّه إنه للنبي الذي تدعوكم به اليهود، فلا تسبقنكم إليه" فأعلنوا إسلامهم على التو واللحظة. ولكن السؤال الذي غاب عن ذهن الكثيرين من دارسي السيرة، ألا يستغرب البعض بأن اليهود استوطنوا "يثرب" بالذات وما حولها من بلدات مثل "خيبر" و"تيماء"؟!! الحقيقة أن اليهود كانوا ينتظرون نبي آخر الزمان في تلك المنطقة لعلمهم بأنه سيهاجر إليها, ولقد رأينا في قصة سلمان الفارسي أن صاحب عمورية أوصاه بالهجرة إلى يثرب وإن لم يحددها بالاسم، ولقد وجدت في "الكتاب المقدس" شيئًا عجيبًا يدل على معرفتهم التامة بمكان هجرة الرسول، فقد ورد في (سفر أشعياء) الإصحاح ٢١ ما يلي: " (وحي من جهة بلاد العرب. في الوعر في بلاد العرب تبيتين يا قوافل الددانيين ١٣ هاتوا ماء لملاقاة العطشان يا سكان ارض تيماء وافوا الهارب بخبزه ١٤ فانهم من امام السيوف قد هربوا. من امام السيف المسلول ومن امام القوس المشدودة ومن امام شدة الحرب ١٥ فإنه هكذا قال لي السيد في مدة سنة كسنة الاجير يفنى كل مجد قيدار ١٦) وتيماء تقع شمال المدينة، والمتمعن لهذا الإصحاح يرى فيه قصة الهجرة التي هاجر فيها المسلمون خوفًا من بطش قريش، وقيدار اسم من أجداد قريش، بل يجد أيضًا حربًا ستحدث "في مدة السنة" بعد الهجرة، وهي المدة التي حدثت بعدها معركة بدر الكبرى!!!
العامل الثاني: يوم بُعاث
وهو اسم لمعركة طاحنة وقعت بين أبناء العمومة من الأوس والخزرج بمكيدة من يهود يثرب قبل الإِسلام بخمس سنوات فقط! قتل فيها أعظم زعمائهم وقادتهم الكبار، فأحس الأوس والخزرج أنهم بحاجةٍ إلى رجلٍ حكيمٍ يوحّد صفوفهم من جديد، فكان رسول اللَّه ﷺ بمثابة المنقذ للأنصار.
العامل الثالث: الجذور اليمانية!
وهو عنصر مهم أيضًا، فسكان اليمن هم أرق أفئدة وألين قلوبًا من باقي القبائل العربية، واليمنيون هم من رعاة الغنم، والعرب العدنانيون من قريش وغيرهم من رعاة الإبل، فالملاحظ أن رعى الغنم بالذات يحتاج إلى السكينة والهدوء والتأمل الطويل (لهذا رعى كل الأنبياء الغنم!) كما قال موسى: ﴿وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي﴾، وهذا الحديث
стр. 341
النبوي يفسر لنا هذه الميزة: "أتاكم أهل اليمن، هم أرق أفئدة وألين قلوبا، الإيمان يمان والحكمة يمانية، والفخر والخيلاء في أصحاب الإبل، والسكينة والوقار في أهل الغنم".
العامل الرابع: العملاق مصعب بن عمير
وهو أول سفير في الإِسلام، بعثه رسول اللَّه ﷺ مع الأنصار لكي يعلمهم دينهم، ويدعو قومهم للإسلام، فكان ﵁ وأرضاه خير داعية لخير داع، ففي سنة واحدة فقط، هي جلُّ وقت المهمة الدعوية لمصعب، أسلم أكبر قادة الأنصار على يديه بأسلوبه اللين الرائع، ورقيه الأخلاقي المتميز.
العامل الخامس: البطل سعد بن معاذ
هو سيد الأوس، والذي عندما أسلم على يدي مصعب بن عمير قام إلى قومه فجمعهم، وأخبرهم بأنه براءٌ منهم إن لم يسلموا في التو واللحظة، فأسلموا عن بكرة أبيهم حبًا له، وتصديقًا لرأيه، وقد استشهد سعد بن معاذ بعد الأحزاب نتيجة لخيانة "يهود بني قريظة" ولقد بكى عليه أبو بكر وعمر حتى سُمع بكاؤهما في شوارع مكة، وسعد ﵀ هو الإنسان الذي اهتز لموته عرش الرحمن!
وبعد. . . . فقد كانت هذه لمحة بسيطة عن هذه الفئة البشرية العظيمة، التي لم يكن لها مثيل في تاريخ العنصر البشري بأسره، فئة تعطي ولا تأخذ، فئة أعطت كل شيء، ولم تأخذ أي شيء، فلقد كان الأنصار فقراءً قبل الإِسلام، وقد ظل الأنصار فقراء بعد الإِسلام! وعلى الرغم من كل ما قدموه للإسلام، فإن التاريخ لا يذكر أبدًا أنهم طلبوا منصبًا واحدًا في أي دولة من دول الإِسلام، فلم يعرف التاريخ الإِسلامي أن هناك أنصاريًّا تقلد منصب الخلافة، أو حتى الوزارة، على الرغم من أن المدينة عاصمة الخلافة الراشدة هي مدينتهم، وهم سكانها الأصليين، وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي بل ومحمد نفسه كانوا لاجئين لديهم، فهل سمعت يومًا عن قومٍ في التاريخ الإنساني جعلوا اللاجئين لديهم حكامًا عليهم؟ اللهم إلا أنصار محمد بن عبد اللَّه ﷺ ، فجزاكم اللَّه كل خير أيها الأنصار، ولا أقول لكم إلا ما قاله الرسول: "اللهم اغفر للأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار" فاللَّه اللَّه يا شباب الإِسلام بأنصار نبيكم، واللَّه اللَّه بأصحاب محمد، فلقد آن الأوان لِتخرسوا ألسنة كلاب إيران النجسة التي تطعن في شرف الصحابة
стр. 342
في الغداة والعشي، فيا شباب الإِسلام، يا من تدعون حب محمد، انصروا أنصار محمد، كما نصروا هم محمدًا من قبل، فإن أنصارًا نصروه بأرواحهم، ليستحقون منا النصرة بألسنتنا وأقلامنا! ﴿وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾.
ونبقى الآن مع أنموذجٍ فريدٍ من الأنصار أخشى أن معظمنا لم يسمع باسمه البتة! على الرغم من حكايته العجيبة، وبطولته الأسطورية، فلقد كان هذا الأنصاري البطل: قائد قوات الكوماندوز المحمدية!
يتبع. . . . .
стр. 343
" قائد قوات الكوماندوز النبوية" (محمد بن مسلمة)
" يا محمد بن مسلمة. . . . جاهد بهذا السيف في سبيل اللَّه، حتى إذا رأيت أمتي يضرب بعضهم بعضًا، فائت به أُحَدًا (أي: جبل أحد) فاضرب به حتى ينكسر، ثم اجلس في بيتك حتى تأتيك يد خاطئة أو منية قاضية"
(رسول اللَّه ﷺ )
تعجب الناس من صنيع رجلٌ من الأنصار أخذ سيفه وذهب به إلى "جبل أحد" عند أطراف المدينة، ليضرب به الصخور الصمَّاء لذلك الجبل الشامخ، فلقد كان هذا الرجل الطويل الأسمر الشديد السمرة يضرب بيديه الضخمتين ذلك الجبل بضرباتٍ تزلزل الأرض من حوله، فيتردد صداها في عنان السماء، ليتطاير الشرر في كل اتجاه، وهو يضرب بالسيف وكأنه يريد أن يُحطم أحدًا تحطيمًا، حتى جاءت تلك اللحظة التي انكسر بها نصل ذلك السيف، ليقف ذلك الرجل لبرهة وهو ينظر إلى سيفه المكسور متأملًا، قبل أن يرجع بهدوء إلى بيته في المدينة، ليأخذ متاعه، ويرحل إلى صحراء "الربذة" ليعتزل الفتنة التي قامت بين المسلمين رافضًا أن يلطخ سيفه بدماء المسلمين أيًا كان السبب، فلقد كان ذلك السيف هو نفسه السيف الذي أعطاه إياه قائده الأعلى محمد بن عبد اللَّه ﷺ شخصيًا ليجعله رجل المهمات الصعبة، فلقد كان هذا القائد العسكري الأسمر هو الصحابي العملاق: محمد بن مسلمة!
أعلم علم اليقين أننا جميعًا نعرف قصة أبي بكر، ونعرف أيضًا قصص الفاروق الشيقة، ولا شك أننا سمعنا بكرم ذي النورين عثمان، وبطولة ابن أبي طالب، وفروسية خالد، وربَّما سمع البعض منّا عن أبي عبيدة، وربما مررنا مرور الكرام أمام طلحة والزبير، ولكن هل هؤلاء فقط هم أصحاب محمد؟!! ألا يستحق صحابة رسول اللَّه ﷺ قليلًا من الذكر لما قدّموه لصاحبهم الذي نزعم نحن حبَّه؟ كم اسمًا من أسماء الصحابة
стр. 344
تحفظ؟ عشرة؟ عشرين؟ خمسين؟ مائة؟ كم اسمًا من أسماء المغنيين واللاعبين تحفظ؟ أهؤلاء من تريد حقًا أن تُحشر معهم يوم القيامة أم أصحاب رسول اللَّه؟! لقد آن لنا أن نستيقظ من سباتنا العميق، ونصحح أخطاءنا قبل فوات الأوان، فواللَّه إن أمة لا تعرف تاريخ رموزها, لهي أمة حقيرة لا تستحق إلا أن تكون غياهب النسيان. فهلمُّ يا شباب الأمة لكي نستعرض سويةً قصة عظيم جديد من عظماء أمة الإِسلام المائة، والذي كانت سيرته البطولية أسطورة حقيقية من أساطير قوات الكوماندوز عبر التاريخ البشري. . . .
وقوات الكوماندوز: هو مصطلحٌ عسكري لقسمٍ خاصٍ من القوات الحربية التي تختص بالمهمات الشبه مستحيلة، ويعادلها بالعربية مصطلح "قوات المهمات الخاصة"، ولقد آثرت استخدام المصطلح الأجنبي "الكوماندوز"، " Commandos" على الرغم من مقتي الشديد لمن يبدلون اللسان العربي باللسان الأعجمي، وذلك لغاية في نفسي، فكثير من شباب هذه الأمة متيمون بأفلام الحركة الأمريكية التي يظهر فيها رجال "الكوماندوز الأمريكي" وكأنهم رجالٌ من المريخ، ولمّا يعلم شباب الأمة أن في تاريخهم المشرق أبطالٌ للكوماندوز الإِسلامي والذين ما كانوا مجرد أبطالٍ وهميين كأولئك الذين يظهرون بأفلام هوليوود، بل كانوا أبطالًا حقيقيين، نذكر في هذا الكتاب قصة أحدهم، وهو القائد البطل محمد بن مسلمة.
والحقيقة أن المهات العسكرية الخاصة التي قام بها هذا القائد الأنصاري بناءً على تكليفٍ شخصي من رسول اللَّه ﷺ أو من الخلفاء الراشدين من بعده لهي أكثر من أن تحصى في كتابٍ مثل كتابي هذا, ولكنني سأذكر بعضها هنا، تاركًا المجال للقارئ الكريم أن يفتش عن بقيتها في كتب التاريخ الإِسلامي، ليستمتع بقصصٍ بطولية عجيبة قام هذا البطل الإِسلامي الذي لا يكاد يسمع باسمه أحدٌ منا! وبداية المهمات الخاصة التي قام بها هذا البطل هو القضاء على أكبر محرضٍ على المسلمين: كعب ابن الأشرف، هذا الشاعر اليهودي كان يذكر نساء المسلمين بسوءٍ في شعره المنحط، ولم يكتفِ بذلك، بل كان هو من ذهب إلى قريش يحرضهم على قتال المسلمين والقضاء عليهم، ليتحول بذلك إلى عدوٍ للدولة الإِسلامية في المدينة، عندها جاء القرار السياسي الرسولي: "من لكعب بن
стр. 345
الأشرف؟!! فإنه آذى اللَّه ورسوله" عندها وقف هذا الشاب الأسمر الذي كان من بين القلائل من العرب الذين كانوا يحملون اسم "محمد" قبل الإِسلام، فقال محمد بن مسلمة لمحمد بن عبد اللَّه: "أنا له يا رسول اللَّه"، فما هي إلا أيام حتى انطلق هذا البطل في عملية فدائية إلى عقر دار العدو ليرجع حاملًا رأس ذلك المجرم! وفي الحديبية وبينما كان المسلمون نائمون، تسللت مجموعة مقاتلة من شباب قريش مكونة من خمسين فارسٍ في عتمة الليل إلى معسكر المسلمين ليباغتوهم وهم نيام، وإذ بهم يُصعقون برجلٍ أسمر يحيط بهم بمن معه من الفرسان الساهرين، ليقيدوهم ويربطوهم بالأحبال جميعًا، لقد كان ذلك الفارس الأسمر هو قائد العمليات الخاصة للمسلمين الذي لا ينام محمد بن مسلمة لينزل اللَّه قرآنًا يخلد هذه العملية البطولية. ولقد أمَّر رسول اللَّه هذا القائد العسكري الأعجوبة على نحو ٥١ سرية! وكان يرسله أيضًا ليأتي بالصدقات من الإمارات الإِسلامية. وقد شارك محمدٌ محمدًا في كل الغزوات المحمدية، إلا في تبوك عندما أوكله رسول اللَّه ﷺ قيادة جبهة المدينة في غيابه. أما في عهد أبي بكر فقد كان هذا البطل الأسطوري قائدًا من قادة الجيوش الإِسلامية المحاربة للمرتدين، وفي عهد عمر بن الخطاب، وعندما طال حصار المسلمين لمصر، بعثه الفاروق على رأس كتيبة فدائية تضم من بين رجالها الرجل الأسطورة الزبير بن العوام، لتستطيع هذه الوحدة الفدائية بمجرد وصولها إلى أرض مصر من تحقيق النصر. أما الفاروق فقد عينه بمنصب "المفتش العام على ولاة الإمبراطورية الإِسلامية"، ليدور هذا القائد بين الولايات الإِسلامية، ليضمن تطبيق ولاتها لأحكام الشريعة، وحكمهم بالعدل بين رعيتهم.
والحقيقة أن أغرب مهمة قرأتها في سيرة هذا القائد الإِسلامي: هي المهمة التي أوكلها إليه الفاروق في "الكوفة" بعد شكوى وصلته من أهلها أعتبرها أنا أوقح شكوى بعثها شعبٌ في تاريخ الأرض! فلقد اشتكى أهل الكوفة الخونة (والذين سيُسمّون بالشيعة بعد ذلك بسنوات) أن واليهم لا يُحسن الصلاة بشكل صحيح! الشئ الذي يدعو للاشمئزاز حقًا من أهل الكوفة، أن هذا الوالي الذي يدعون أنهم يفهْمون في الصلاة أكثر منه، هو نفسه الرجل الذي أدخل الإِسلام إلى أرض أولئك السفلة!!!
يتبع. . . . .
стр. 346
"يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة"
مدمِّر الإمبراطورية الفارسية (سعد بن أبي وقاص)
" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ"
"من سعد بن أبي وقاص، إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب السلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته. . . . وبعد،
فإن اللَّه نصرنا على أهل فارس ومنحهم سنن من كان قبلهم من أهل دينهم بعد قتال طويل، وزلزال شديد، وقد لقوا المسلمين بعدة لم يَرَ الراءون مثل زهائها فلم ينفعهم اللَّه بذلك، بل سلبهموه ونقله عنهم إلى المسلمين. وقد اتبعهم المسلمون على الأنهار، وعلى طفوف الآجام، وفي الفجاج"
كان ذلك الشيخ العربي الفقير يخرج كل صباح بعد صلاة الفجر إلى الصحراء القاحلة على حدود المدينة ليبقى هناك حتى انتصاف النهار وهو يحدّق قبالة المشرق، حتى جاء ذلك اليوم الذي شاهد فيه من بعيد فارسًا عربيًا على ظهر ناقة عربية أصيلة تسرع الخطى نحو المدينة، فركض نحوه ذلك الشيخ الفقير يسلم عليه ويسأله من أين أتى، ليجيبه ذلك الفارس العربي أنه قد أتى من القادسية في أرض العراق رسولًا من القائد الأعلى للقوات الإِسلامية المجاهدة هناك، فتغير وجه ذلك الشيخ قبل أن يسأل الفارس العربي بلهفة قائلًا: يا عبد اللَّه حدثني ماذا فعل المسلمون؟ فنظر إليه ذلك الفارس العربي بعينيه السوداوين ونظرة ثاقبة وقال له: أيها الشيخ الطيب. . . لقد هزم اللَّه العدو! أما الآن فدعك عني، فإني على عجلة من أمري أريد إيصال كتاب النصر من سعد بن أبي وقاص إلى خليفة المسلمين. وما أن فرغ ذلك الفارس من قولته تلك حتى انطلق على ظهر ناقته مسرعًا نحو المدينة، وذلك الشيخ الفقير يجري وراءه كالطفل الصغير
стр. 347
بثيابه الممزقة يستوضح منه خبر النصر، حتى وصل الفارس العربي إلى المدينة، ووصل بعده بلحظات ذلك الشيخ الفقير وأنفاسه كادت تنقطع بعد أن تلطخت ثيابه البالية بالتراب الذي أحدثه غبار الناقة، فنظر المسلمون الملتفون حول الفارس العربي إلى ذلك الشيخ وقالوا: السلام عليك يا أمير المؤمنين! فصُعق الفارس من شدة الصدمة، وتمنى أن لو ابتلعته الأرض في قفارها، فلقد كان ذلك الشيخ ذو الثياب الممزقة والذي تركه يجري وراءه في صحراء العرب المحرقة كالطفل الذي يجري وراء أمه هو نفسه خليفة رسول اللَّه وأمير المؤمنين عمر بن الخطاب الذي مزقت جيوشه للتو جيوش أعظم إمبراطورية عرفتها القارة الآسيوية! فحاول أن يعتذر إليه وعمر يأخذ أنفاسه بعد تلك الجولة الماراثونية في الركض قبل أن يبتسم في وجه ذلك البشير ويقول له: لا عليك يا أخي!
اللَّه! اللَّه! ما أعظم الإِسلام!
فواللَّه لقد قرأت تاريخ الإغريق القدماء، وتاريخ الفراعنة، وتاريخ الرومان بشقيه الشرقي والغربي، وتاريخ فارس، والهند، والجزر اليابانية، والصين، وأوروبا، وأمريكا، فما وجدت تاريخًا قط بعشر معشار عظمة التاريخ الإِسلامي المجيد، فأين فرعون مصر "خوفو بن سنفرو" الذي استعبد شعبه لمدة ١٠ سنوات من أجل أن يبنوا له قبرًا من عمر بن الخطاب ذي الثياب الممزقة؟ وأين "كسرى أنوشروان" إمبراطور الفرس الذين كان يفرض على الوزراء من حوله لبس الكممات كي لا يلوثوا الهواء من حوله من عمر بن الخطاب الذي ملأ الغبار أنفه وهو يجري وراء ناقة بشير القادسية؟! وأين إمبراطور الرومان "فِسبازيانوس" الذي بني أكبر مسرح في الأرض لكي يشاهد الأسود وهي تمزق العبيد بأنيابها من عمر بن الخطاب الذي كان يذهب فجر كل يوم لعجوزٍ عمياء ليكنس لها بيتها ويطبخ لها طبيخها؟!! فواللَّه إن تاريخ الإِسلام لعظيم، وإن تاريخهم لقذر، وإننا أولى الناس برفع رؤوسنا عاليًا به!
وقبل أن نتكلم عن "القادسية" والتي تُعتبر مع شقيقتها التوأم "اليرموك" وأختهما الكبرى "اليمامة" أعظم معارك أمة محمد بعد انقطاع الوحي، ينبغي علينا أن نتكلم عن البطل الذي حقق اللَّه على يديه ذلك النصر العظيم، فلِتصمت الحناجر، ولتخشع
стр. 348
القلوب، ولتشخص الأبصار، فنحن في صدد الحديث عن خالِ رسول اللَّه، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، وأحد الثمانية السابقين للإسلام، وأحد الخمسة الذين أسلموا على يد أبي بكر الصديق، وأحد الستة أصحاب الشورى الذين اختارهم عمر بن الخطاب قبل موته، وأول من رمى سهمًا في تاريخ الإِسلام، وأحد البدريين، وأحد الـ ١٤٠٠ صحابي من أصحاب بيعة الرضوان، وصاحب الدعوة المستجابة، والذي فداه النبي بأبيه وأمه، إنه القائد الذي حطم أسطورة فارس بكتائب الخلاص، إنه رمز البطولة والإخلاص، إنه البطل سعد بن أبي وقاص!
والحقيقية أنني لم أحتر في إيجاد مقدمة أدخل بها لقصة بطلٍ من أبطال الكتاب المائة بمثل ما احترت في إيجاد مقدمة أقدِّم بها هذا الصحابي العظيم، فقصص بطولاته ليست فقط كثيرة، بل هي بالإضافة إلى ذلك بالغة العظمة، فصار من الصعب بل من المستحيل الاختيار ما بينها، فضلًا من أن أستطيع إن أحصرها! إلا أنني أرى في القصة التالية أمرًا يمكنه أن يفسر لنا كيفية تكون شخصية هذا العملاق الإِسلامي العظيم، فهذه القصة حدثت معه في أخطر سنٍ يمر به الإنسان، وهي المرحلة التي يبين فيها علماء النفس المعاصرون أنها السنن التي يبني فيها الإنسان شخصيته التي سترافقه طيلة حياته، هذه السنن سماها العلماء النفس بـ "سن المراهقة" وهي الفترة العمرية من سن ١١ سنة إلى سن ٢١ سنة، وسُميت بذلك لقربها من مرحلة النضوج الفكري، ففعل "راهق" بالعربية يعني اقترب من الشيء.
فعندما كان سعد بن أبي وقّاص مراهقًا في السابعة عشرة من عمره، أسلم هو وأربعة من المبشرين بالجنة على يد أبي بكر جزاه اللَّه كل خير، عند ذلك علمت أمه بإسلامه، وقد كان يحبها أكثر من نفسه، فحاولت رده إلى دين الأجداد دون جدوى، فلمَّا أخفقت جميع محاولات رده وصده عن الإِسلام، لجأت أمه إلى وسيلة لم يكن أحد يشك في أنها ستهزم روح سعد وترد عزمه إلى وثنية أهله وذويه. فلقد أعلنت إمه إضرابها الكلي عن الطعام والشراب حتى يعود سعد إلى وثنيته، أو تموت هي فيعايره العرب بأنه سبب موت أمه! ومضت هذه الأم في تصميم مستميت تواصل إضرابها عن الطعام والشراب حتى وصلت على الهلاك. وحين كانت تشرف على الموت، أخذه بعض أهله إلى أمه
стр. 349
ليلقي عليه انظرة الوداع الأخيرة، مؤملين أن يرق قلبه حين يراها في سكرة الموت، فذهب سعد ورأى مشهد أمه وهي تموت ببطء، وانتظر الناس أن يستجيب لأمرها لعلمهم بحبه العظيم لأمه، فنظر سعدٌ إليها وهي تأن وقال لها:
"واللَّه يا أمّه. . . . لو كانت لك مائة نفس، فخرجت نفسًا نفسًا ما تركت ديني هذا لشيء، فكلي ان شئت أو لا تأكلي! "
فلمَّا رأت أمه هذا الإيمان العميق من ولدها عدلت عن صومها، فنزل الملك جبريل بوحي من السماء إلى الأرض بكلماتٍ قالها الرب الذي خلق الكون يخلّد لسعدٍ هذه القصة في قرآن ستتلى آياته إلى يوم القيامة:
﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٥)﴾ [لقمان: ١٥].
ومن مرحلة المراهقة إلى مرحلة الشباب، ففي ليلة من الليالي، أرِق رسول اللَّه ولم يستطع النوم، خوفًا من غدر المشركين به وهو نائم، فيضيع بذلك الإسلام قبل أن يوصل رسالته للبشر، فقال رسول اللَّه ﷺ لعائشة: "لَيْتَ رَجُلًا صَالِحًا مِنْ أَصْحَابِي يَحْرُسُني اللَّيْلَةَ" فما إن فرغ رسول اللَّه من قولته تلك حتى سمع الرسول وزوجه الطاهرة صوت خطوات تقترب من البيت في الخارج ويقترب معها صوت السلاح، فنادى رسول اللَّه قائلًا: "مَنْ هَذَا؟ ". فجاء الصوت من الخارج: "أنا يَا رَسُوْلَ اللَّهِ سَعْدُ بنُ أَبِي وَقَاصٍ" فقال له الرسول: "ما الذي جاء بك؟ " فقال سعد: "وقع في نفسي خوفٌ على رسول اللَّه فجِئْتُ احْرُسُه الليلة! " ففرح رسول اللَّه بهذا الصاحب الوفي، فَنَامَ بأبي هو وأمي مطمئنًا حتى سَمِعْت عائشة غَطِيْطَهُ!
والآن وبعد أن رأينا كيفية تكون شخصية هذا القائد الإسلامي العظيم، جاء الوقت لنستعرض معًا بعضًا من بطولاته الأسطورية الحية. . . . .
ففي بدرٍ: كان سعد بن أبي وقاص أول من رمى بسهمٍ في سبيل اللَّه في تاريح أمة محمد، وقد كان رسول اللَّه يقول لسعد: "اللهم أجب دعوته وسدد رميته" فكان إذا دعا أتت الإجابة من السماء كفلق الصبح، وكان إذا رمى لا تخطئ رميته البتة، حتى قال أحدهم: "إني لأظن سعدًا لو رمى في المشرق يريد المغرب لأوقعها اللَّه في المغرب! "
стр. 350
وقد ذكر (الإمام الذهبي) في "سير أعلام النبلاء" قصة عجيبة بقوله: "فمن العجائب أن سعدًا رمى بسهم ثلاث مرات يقتل بكل سهم ويعود السهم إليه ويرمي به، أي أنه كان يأخذ سهمًا فيرمي به في المشركين فيقتل رجلًا، فيأخذ المشركون السهم فيعيدونه لسعد فيرمي به فيقتل به مرة ثانية، فيعيدون له السهم فيقتل ثالثة! " وقد افتخر سعد بهذه الموهبة بقوله:
ألا هل قد أتى رسول اللَّه أني ... حميت صحابتي بصدور نبلي
فما يعتد رامٍ من معدٍ ... برميٍ يا رسول اللَّه قبلي
وفي أحد: كنا قد ذكرنا في معرض حديثنا عن (طلحة بن عبيد اللَّه) أنه كان أحد بطلين ثبتا بجانب رسول اللَّه عندما حاصره المشركون، وكنت قد تركت اسم البطل الثاني معلقًا محاولة مني لتشويق القارئ الكريم كي لا يضيق ذرعًا بهذا الكتاب الطويل، واعدًا إياه بذكر اسم ذلك البطل في نهاية هذا الكتاب، وبما أن هذا الكتاب قد شارف على النهاية بالفعل، فإن الوقت قد جاء للوفاء بالوعد، فلقد كان ذلك البطل يُدعى بـ (سعد بن مالك بن أهيب) والذي عُرف بالتاريخ باسم (سعد بن أبي وقاص)! ففي الوقت الذي كان فيه طلحة يبارز بسيفه كالأسد الثائر فرسان المشركين من أحد الجوانب، تناول سعد قوسه في الجانب الآخر ليصوب ناظريه على الجنود المتقدمين وكأنه الصقر الجارح، فأخذ يرمي بسهامه كل من سولت له نفسه الاقتراب من حبيبه ورسوله، ورسول اللَّه يناوله السهام بيديه الطاهرتين وينظر إلى ضرباته ويضحك من دقة إصاباتها ويقول له: "ارمِ سعد، فداك أبي وأمي"!
وفي سنة ١٥ هـ الموافق ٦٣٥ م، وصلت أخبار إلى المدينة أن كسرى يحضر بنفسه جيشًا عرمرمًا لكي يرسله إلى مدينة رسول اللَّه ﷺ ، فينهي بذلك الإسلام من الوجود، فعقد الخليفة عمر ابن الخطاب اجتماعًا طارئًا للقيادة العليا في الدولة الإسلامية يضم بين أفراده رجالًا عمالقة مثل عثمان ابن عفان وعلي بن أبي طالب، فقرر القائد البطل عمر بن الخطاب أن يتقدم بجيوش المسلمين بنفسه إلى أرض فارس قبل أن يأتي الفرس إلى مدينة رسول اللَّه ﷺ ، إلا أن علي بن أبي طالب خاف على صديقه عمر من غدر
стр. 351
الفرس المجوس، فأشار عليه أن يولي رجلًا من المسلمين على قيادة الجيش، وبعد شدٍ وجذبٍ بين الفاروق وأصحابه جاءت القرارات العمرية الثلاث: (أولًا) إعلان حالة الطوارئ القصوى والنفير العام في أرجاء الدولة الإسلامية. (ثانيًا) تعيين سعد بن أبي وقاص قائدًا عامًا للجيوش المجاهدة المتجهة إلى فارس (ثالثًا) إعلان الحرب الشاملة على الفرس المجوس!
فماذا حصل بعد ذلك؟ وما هي قصة "معركة القادسية العظمى"؟ ومن هم أبطالها العظماء؟ وما هو ذلك الوصف العجيب الذي وصفهم به القائد الإسلامي العظيم سعد بن أبي وقّاص؟
يتبع. . . . .
стр. 352
"ابتعثنا اللَّهُ لنخرح العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد"
(أسود القادسية)
" ورجال من المسلمين لا نعلمهم اللَّه بهم عالم، كانوا يدوون بالقرآن إذا جن عليهم الليل دوي النحل، وهم آساد لا يشبههم الأسود"
(سعد بن أبي وقاص)
أجد نفسي أمام مهمة صعبة للغاية، ألا وهي مهمة إنصاف عظماء الأمة، وخاصة الذين لم يأخذوا حقهم في التاريخ بالتأريخ لهم، فقلما تجد أحدًا يعرف شيئًا عن أبطال القادسية الذين دمّروا الإمبراطورية الفارسية التي عجزت جيوش الإغريق والرومان على تدميرها على مدار مئات السنين، وأخشى ما أخشاه أن هناك من لم يسمع أصلًا عن قائد القادسية سعد بن أبي وقاص فضلًا أن يعرف الاثنين والثلاثين ألفا من جنودها! والحقيقة أنني أردت أن أكتب عن جندي واحد من جنود القادسية اسمه "ربعي بن عامر" ليكون نموذجًا عن ذلك الجيش، ولكني تفاجأت عن قراءتي لأحداث يوم القادسية أن هناك ٣٢٠٠٠ نموذج بطولي في هذه المعركة كلٌ منها يختلف عن الآخر، لذلك آثرت أن أضم ذلك الجيش بأسره لقائمة العظماء المائة، فلقد خلد أولئك الأسود أنفسَهم بأنفسِهم في سجل الخلود الإنساني بحروفٍ من نور بعدما قدّموا للبشرية أعظم صور الفداء والتضحية، فكانوا ﵏ كما وصفهم قائدهم سعد بن أبي وقّاص في رسالة النصر التي بعثها إلى الخليفة عمر كالأسود المفترسة صباحًا في ميدان المعركة، وفي الليل كالنحل من كثرة قراءتهم للقرآن، فمن حق هؤلاء الأبطال علينا أن نذكرهم ولو قليلًا، فلقد كان شهداء القادسية أكثر شهداء الفتوحات الإسلامية عددًا على الإطلاق، فتعالوا نستعرض معًا قصة أولئك العظماء، ولنبدأها من بداية القصة، قبل معركة القادسية بعشرات السنوات، أو لنقل قبل القادسية بمئات السنوات، مع بداية تكون الأمة الفارسية. . . .
стр. 353
في عام ١٥٠٠ ق. م. هاجرت قبيلتان رئيسيتان من الآربيين من أبناء (يافث بن نوح) من "نهر الفولغا" شمال "بحر قزوين" واستقرا في "إيران" الحالية، وهاتان القبيلتان هما "الفارسيون" و"الميديون". فأسس الميديون الذين استقروا في الشمال الغربي "مملكة ميديا". وعاشت الأخرى في الجنوب في منطقة أطلق عليها الإغريق فيما بعد اسم "بارسيس" " Persis" ومنها اشتق اسم فارس! في عام ٥٥٩ ق. م. أسس الفرس "الأخمينيون" إمبراطورية عظيمة، امتدت من حدود أفغانستان إلى حدود ليبيا، ومن اليونان إلى الهند، وقام ملكها (قورش) بتحرير اليهود الذين استعبدهم (نبوخذ نصر) الملك البابلي الشهير (ومنذ ذلك التاريخ بدأت العلاقات الفارسية اليهودية التي ستستمر بعد ذلك إلى لأبد!) في عام ٢٢٦ م أسس الفرس "الإمبراطورية الساسانية" نسبة إلى الكاهن الزردشتي (ساسان)، الذي كان جد أول ملوك الساسانيين (أردشير الأول) وهذه الإمبراطورية هي نفسها التي سيدمرها صحابة محمد ﷺ سنة ٦٥١ م لتنتهي بذلك أسطورة أرض فارس الكبرى إلى الأبد.
والآن وبعد أن أخذنا صورة سريعة عن التاريخ السياسي، للدولة التي أبادها "أسود القادسية"، دعونا نتحول سوية إلى الجانب الثقافي لهذه الدولة لنستعرض، تاريخها الديني والإجتماعي:
كانت "الزردشتية" أو "المجوسية" هي الديانة الرسمية للدولة الفارسية (وما زالت!)، والمجوس يعبدون النار من دون اللَّه، ويحرصون على أن تظل مشتعلة طيلة الوقت، وكتاب المجوس المقدس هو "الأفيستا" وقد كان من أهم مميزات الفرس المجوس الدينية إيمانهم بـ "عصمة الأكاسرة! " فكسرى كان بمثابة الإله، وقسم الفرس أنفسهم إلى عدة أقسام: أعلاها "السيد" وهو الذي يحمل دماءً ملكية، وأدناها عامة الشعب الذين يُربطون بالسلاسل كالكلاب، وانتشر الانحطاط الجنسي بين الفرس بدرجة مخيفة كانت تعيِّرهم بها الإغريق، فلقد انتشرتا "المتعة" الجنسية بينهم بشكل يدعو للاشمئزاز، فلقد كان كسرى (يزدجرد الثاني) يتمتع بأمه جنسيًا، وكان كسرى (بهرام جوبين) يتمتع بأخته، وغير ذلك من النجاسات القذرة التي لا أريد أن أذكرها في كتابٍ به أسماءُ أناسٍ طاهرين من أمثال عمر بن الخطاب!
стр. 354
والآن جاء الوقت لنبدأ حكاية الصراع الإسلامي الفارسي:
البداية كانت بعد "صلح الحديبية" مباشرة، في شهر شوال من العام السادس للهجرة (مارس ٦٢٨ م)، والبداية لم تكن عسكرية كما يظنها البعض، بل البداية كانت برسالة رقيقة من رسول اللَّه ﷺ إلى كسرى (خُسرو الثاني) يدعوه بها للإسلام، فقام كسرى بتمزيق رسالة رسول العالمين، ومحاولة قتل حامل الرسالة الصحابي الجليل (عبد اللَّه بن حذافة) الذي نجح بالهرب من غدر كسرى، ولما علم رسول اللَّه بفعلته دعا عليه وقال "مزق اللَّه ملكه مثل ما مزّق الكتاب" وفعلًا ما هي إلا أيام حتى قتله ابنه (شيركويه)، وماهي إلا سنوات حتى مزق اللَّه إمبراطوريته على يد أسود القادسية.
الغريب أنني وجدت شيئًا مثيرًا للعجب عبر قراءتي لتفاصيل الصراع الإسلامي الفارسي، ألا وهو أن الفرس كانوا دائمًا هم الذين يتحرشون بالمسلمين عبر جميع مراحل التاريخ، والمضحك أيضًا أنهم كانوا دائمًا ينهزمون من المسلمين في كل حِقب التاريخ! فلقد تحرش كسرى برسول اللَّه شخصيًا حين أرسل إليه عامله في اليمن لكي يعتقله ويربطه بالسلاسل! وتحرش الفرس بعد ذلك بالمسلمين في عهد الفاروق لدرجة جعلت الفاروق يقول: "ليت بيننا وبين فارس جبل من نار، لا يأتون إلينا ولا نأتي إليهم! " فالمسلمون لم يطلبوا الاحتكاك بالفرس أبدًا، بل على العكس، هم الذين جهزوا جيش الإمبراطورية الفارسية للتوجه للمدينة لإنهاء الإسلام بالكلية، ما اضطر المسلمين لمحاربتهم في القادسية وسحقهم، والشيء الغريب أن الفرس لم يتعلموا من هزائمهم شيئًا على ما يبدو، فمنذ أن رجع (الخميني) إلى إيران عام ١٩٧٩ (على ظهر طائرة عسكرية فرنسية!) والفرس لا يفتأون يتحرشون بالمسلمين ومشاعرهم، فتارة يلعنون أصحاب نبينا، وتارة أخرى يسبون نساء نبينا، وتارة يثيرون الفتن، وتارة يحتلون جزر الإمارات العربية، وتارة يغدرون بالعراق، فيا أهل فارس كُفّوا عنا شركم، وتعلموا من التاريخ! فلقد بلغ السيل الزبى، ولكم في القادسية عبرة يا آل فارس، ولكم في أسود القادسية اثنان وثلاثون ألف عبرة!
стр. 355
والآن لنبقى مع بعض أسود معركة القادسية المجيدة والذين أذل اللَّه بهم ربع مليون فارسي قذر:-
زهرة بن الحُوِيَّة: طلب قائد الفرس (رَستم) -بفتح الراء- أن يتفاوض مع المسلمين قبل المعركة، فتقدم له أول الأسود وهو الليث العربي (زهرة بن الحُوِيَّة)، فقال له رستم: أنتم جيراننا، وكنتم تأتوننا وتطلبون منا الطعام، وكنا نعطيكم ولا نمنعكم، وكنا نحسن جواركم، وكنا نُظِلُّكم بظلِّنا، ونطعمكم من طعامنا، ونسقيكم من شرابنا، وكنتم تأتوننا ولا نمنعكم من التجارة في أرضنا، فلم جئتم الآن تحاربوننا؟ فتبسَّم زهرة وقال: صدقت في قولك عمَّن كانوا قبلنا، فلقد كانوا يطلبون الدنيا، ولكن نحن نطلب الآخرة! كنا كما تقول حتى بعث اللَّه إلينا رسولًا، وأنزل عليه كتابًا، فدخلنا معه في دينه، وقال له اللَّه: إني مسلِّطٌ هذه الفئة على من خالفني، ولم يَدِنْ بديني، فإني مُنتقِمٌ منهم، وأجعل لهم الغلبة ما داموا مُقرِّين بي! ربعي بن محامر: في اليوم التالي أرسل رستم يطلب من المسلمين التفاوض للمرة الثانية، فانطلق ربعي على فرسه الصغير ذي الذيل القصير، وذهب به لمقابلة رستم، وقد ربط سيفه في وسطه بشيء غنمه من الفُرْسِ (إمعانًا باحتقارهم)، فدخل بفرسه ووقف على باب خيمة رستم، فطلب منه الفرس أن ينزع سلاحه، فقال: لا، أنتم دعوتموني، فإن أردتم أن آتيكم كما أُحِبُّ، وإلا رَجعتُ! فأخبروا رستم بذلك، فقال: ائذنوا له بالدخول. فدخل بفرسه على البُسُطِ الممتدة أمامه، وعندما دخل بفرسه وجد الوسائد المُوَشَّاة بالذهب؛ فقطع إحداها، ومرر لجام فرسه فيها وربطه به! ثم أخذ رمحه، واتجه صوب رستم وهو يتكئ عليه، والرمح يدب في البسط فيقطعها، فلم يترك بساطًا في طريقه إلا وقطعه، ووقف أهل فارس في صمت عجبًا من ثقة هذا العرب الذي يحتقرهم في عقر دارهم، فبدأ رستم بالكلام؛ فقال له رستم: ما جاء بكم؟ فقال له: لقد إبتعثنا اللَّهُ لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، فمن قَبِلَ ذلك منا قبلنا منه، وإن لم يقبل قبلنا منه الجزية، وإن رفض قاتلناه حتى نظفر بالنصر! فقال رستم: قد تموتون قبل ذلك. فقال: وعدنا اللَّه أن الجنة لمن مات منا على ذلك، وأن الظفر لمن بقي منا، فقال: فهل لك أن تؤجلنا حتى نأخذ الرأي مع قادتنا وأهلنا؟ فقال له ربعي بكل
следующие страницы →