← Тараджим

Тараджим · id 14132

مائة من عظماء أمة الإسلام غيروا مجرى التاريخ

جهاد الترباني

Полный текст (458 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

سنة، فقال ابن عباس لصاحبٍ له: دعنا نتعلم من أصحاب رسول اللَّه فإنهم اليوم كثير (أي قبل أن يموتوا واحدًا واحدًا)، فضحك منه زميله وقال: واعجبًا لك يا ابن عباس! أترى الناس يحتاجون إليك وفي الناس من أصحاب النبي ﷺ من ترى؟! فترك ذلك الفتى العلم، وأقبل ابن عباس على سؤال الصحابة والتعلم منهم، فكان إذا سمع أن هناك حديثًا عند رجلٍ منهم، ينطلق كالبرق إلى بيته في عز الظهر، ليفرد رداءه على الرمل أمام بيته ينتظر خروجه، فتسفي الريح عليه التراب، حتى يخرج الصحابي فيراه على تلك الحال والتراب يغطيه، فيقول له: يا ابن عم رسول اللَّه ألا أرسلت إلي فآتيك (أي آتيك لبيتك لأعلمك)، فيقول له ابن عباس بأدب طالب العلم: أنا أحق أن آتيك فأسألك! ومرت الأيام والسنين، حتى رآه صاحبه الذي رفض العلم وقد أحاط الناسُ به من كل اتجاه يريدون التعلم منه، فنظر إلى ابن عباس بحسرة وقال: هذا الفتى أعقل مني! وعندما قرر الحسين ﵁ الخروج للعراق كان العباس أحد الذين نصحوا الحسين بقوله له: "إن أهل العراق قوم غدرٍ فلا تقربنهم" ولكن الحسين ﵀ أصرَّ على المسير للعراق بعد ان اطمأن من مئات الرسائل التي بعثها الشيعة إليه من هناك، ليقوم نفس الذين بعثوا إليه الرسائل بحمل السيوف ضده، ليغدروا به ويقتلوه، ليصدق ظن ترجمان الأمة بأولئك القوم الخونة! العجيب أن اللَّه شاء أن يُولدَ لعبد اللَّه بن عباس ولدٌ اسمه علي، ليولد لعلي ولدٌ اسمه محمد، ليُولد لمحمدٍ ولا اسمه عبد اللَّه، ليُولد لعبد اللَّه ولدٌ اسمه محمد، ليولد لمحمد طفلٌ في غاية الوسامة والجمال، هذا الطفل سيحمل عندما يكبر راية سوداء مكتوبٌ عليها باللون الأبيض "لا إله إلا اللَّه، محمدٌ رسول اللَّه" ليرفعها عاليًا في ثلاث قارات، فيكون عصره أكثر عصور دولة الإسلام ازدهارًا على الإطلاق، ليستحقَّ أن يسجَّل اسمه في سجل العظماء في أمة الإسلام. فمن تراه يكون ذلك الخليفة الإسلامي الرشيد؟ ولماذا شوِّهت صورته من قِبَل الإعلام العربي والغربي على حد سواء؟ وهل حقًّا كان رجلًا سِكيّرًا مغرمًا بالراقصات؟ أم تراه كان من أتقى وأورع وأعظم من حكم أمة محمد في تاريخها بأسره؟! يتبع. . . . . .

стр. 387

ألف الحج والجهاد فما ... من سفرتين في كل عامِ " الخليفة الناسك" (هارون الرشيد) " من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم قرأت كتابك يا ابن الكافرة والجواب ما تراه لا ما تسمعه" كلّما تقدمت أكثر في هذا الكتاب، أدركت عِظمَ حجمِ الكارثة التاريخية التي حلّت علينا جميعًا! أعترف أنني ما كنت أحسب الخليفة العباسي هارون الرشيد -وإلى وقتٍ قريب- إلا سكّيرًا ماجنًا ليس له همٌ في الدنيا إلى معاقرة الخمر والاستمتاع باللذات الدنيئة! فلقد كنت كغيري ممن نالتهم سهام غزاة التاريخ لا أكاد أسمع باسم هارون الرشيد بالذات، إلا ويدور في خلجي ما رسمه لنا أولئك الغزاة عن تلك الليالي الماجنة في قصور بغداد، والتي تزينها الرقصات الرشيقة من قِبل الجواري الحسان اللائي تتراقصن بدورهن على أنغام الموسيقى، في الوقت الذي يحمل فيه غِلمان صغارٌ أباريقًا من خمرٍ تزيد من مجون الخليفة ووزرائه، والذين علت أصوات قهقهاتم حتى وصلت إلى خارج أسوار بغداد! لذلك أعتقد أن الوقت قد حان لكي نعترف أننا وقعنا بالفعل في شباك غزاة التاريخ، بل إنني أرى أنه ينبغي علينا أن تكون لدينا الشجاعة الكافية لكي نعترف أننا هُزمنا في الحرب التاريخية التي شُنَّت علينا خلال المائة أو المائتين عامٍ الماضية، وهذا ليس عيبًا أبدًا، فمعرفة الخطأ هي بداية عملية تصحيح المسيرة، فإن كان غزاة التاريخ قد انتصروا بدون أدنى شك في جولتهم السابقة، فإنهم بدأوا يواجهون في السنوات الآخيرة بالتحديد، رجالًا أبطالًا حملوا راية الجرح والتعديل لتاريخ هذه الأمة المجيدة، ليعيدوا كتابة تاريخها من جديد، ليخلِّصوها من الشوائب التي علِقت بها من قِبل المستشرقين وعملائهم، ليتغير بذلك مسار رحى المعركة التاريخية الشرسة بيننا وبينهم لصالح هذه الأمة، وإن كنّا نسلم بأن ذلك التغيير ما زال بطيئًا إلى حد الآن، إلا أن

стр. 388

المهم أن يستمر الجميع في عمله، فدرب الألف ميل يبدأ بخطوة، فمن كان يستيطيع الكتابة فليكتب شيئًا يساهم به في تلك الحرب الشرسة، ومن قرأ شيئا فليبلغه لأهله وزملائه، فيا من تطلبون الجهاد وتصرخون من أجله، هذه هي ساحتكم، فليس الجهاد أن تحمل رشاشا لتقتل به الأبرياء، وليس الجهاد أن تلقي بنفسك وبأمتك إلى التهلكة، بل الجهاد هو أن تنصر أمتك، والأمة الآن تحتاج إلى رجالٍ صادقين، وإلى نساءٍ صادقات، يصحح كل منهم تلك المفاهيم التاريخية الخاطئة التي تعلمناها في مدارسنا، أو شاهدناها في إعلامنا، ولعلكم ستعجبون الآن عند اضطلاعكم على القصة الحقيقية للتاريخ الحميد، للخليفة الرشيد، والمجاهد الصنديد، والمقاتل العتيد، البطل الإسلامي المجيد: هارون الرشيد رحمه اللَّه تعالى وأسكنه فسيح جناته. وهذا الخليفة العباسي الهاشمي العظيم كان على العكس تمامًا من الصورة الذي أشاعها غزاة التاريخ عنه، فقد كان ﵀ من أكثر خلفاء الإسلام جهادًا وغزوًا واهتمامًا بالعلم والعلماء، وليس كما يدعي الغزاة أنه كان منشغلًا بالجواري والخمر والسكر، فكتب التاريخ الإسلامي الأصلية مليئة بمواقف رائعة للرشيد في نصرة الإسلام والمسلمين، وزاخرة بمواقف زهده وورعه وتقواه، بل إن هارون الرشيد كان معروفًا أنه "الخليفة الذي يحج عامًا ويغزو عامًا"! فقد كان ﵀ ديِّنًا محافظًا على التكاليف الشرعية، وصفه مؤرخو الإسلام أنه كان يصلي في كل يوم مائة ركعة إلى أن فارق الدنيا، ويتصدق من ماله الخاص بدون حساب، ولا يتخلف عن الحج إلا إذا كان مشغولًا بالغزو والجهاد، بل إن جمعًا كبيرًا من العلماء كانوا يذكرون أن هارون الرشيد كان من أكثر الناس تقريبًا للعلماء، ومن أشد الناس بكاءً عند سماعه للمواعظ، فقد قال عنه الإمام العظيم (أبو معاوية الضرير): "ما ذكرت النبي ﷺ بين يدي الرشيد إلا قال صلى اللَّه على سيدي ورويت له حديثه وددت أني أقاتل في سبيل اللَّه فأقتل ثم أحيى ثم أقتل فبكى حتى انتحب". بل إن أبا معاوية الضرير (الذي كان ضريرًا بالفعل) روى قصة عجيبة عن هارون الرشيد الذي كان يملكها من الصين إلى الأطلنطي فقال: "صبّ على يدي بعد الأكل شخصٌ لا أعرفه فقال الرشيد تدري من يصب عليك قلت: لا. قال: أنا إجلالا للعلم! ". وكان علماء الأمة يبادلونه نفس التقدير، فقد رُوي عن (الفضيل بن

стр. 389

عياض! أنه قال: "ما من نفس تموت أشد علي موتا من أمير المؤمنين هارون، ولوددت أن اللَّه زاد من عمري في عمره". وقال الإمام (منصور ابن عمار): "ما رأيت أغزر دمعًا عند الذكر من ثلاثة الفضيل بن عياض والرشيد وآخر" وقد قال له العالم الرباني الفضيل ذات مرة: "يا حسن الوجه (وقد كان الرشيد جميلًا جدًا) أنت المسئول عن هذه الأمة، فجعل هارون يبكى ويشهق حتى كاد يُغمى عليه"، ورُوي أن (ابن السماك) دخل على الرشيد يومًا فاستسقى فأتى بكوز فلما أخذه قال: "على رسلك يا أمير المؤمنين لو منعت هذه الشربة بكم كنت تشتريها؟ " قال هارون: "بنصف ملكي" فلما شربها قال له: "أسألك لو منعت خروجها من بدنك بماذا كنت تشترى خروجها؟ " فقال هارون: "بجميع ملكي! " عنده انظر العالم الجليل إلى أمير المؤمنين هارون الرشيد وقال له: "إن ملكًا قيمته شربة ماء وبَولة، لجديرٌ أن لا يُنافسَ فيه! " فبكى هارون الرشيد بكاء شديدا حتى أشفق عليه من حوله. وعلى الرغم من ورع الرشيد وتفرغه للعبادة وقيام الليل، فإنه لم يهمل شئون الدولة الإسلامية البتة، فقد كان عهد الخليفة العباسي العظيم هارون الرشيد أعظم عهدٍ في تاريخ الدول الإسلامية على الإطلاق من ناحية الازدهار الاقتصادي، والتقدم العلمي المبهر، والتطور الحضاري العظيم، فقد أنشأ هارون الرشيد بمشورة من زوجته الصالحة المجاهدة (زبيدة) طرقًا ممتدة توصل بلاد المسلمين بمكة والمدينة، وأقام على جوانب هذه الطرق الفنادق المجانية لزوار الحرم، كما أنشأ الرشيد أول جامعةٍ علمية في تاريخ البشرية أسماها "بيت الحكمة"، وزودها بأعداد كبيرة من الكتب والمؤلفات من مختلف بقاع الأرض كالهند وفارس والأناضول واليونان، وكانت تضم غرفًا عديدة تمتد بينها أروقة طويلة، خُصِّصت بعضها للكتب، وبعضها للمحاضرات، وبعضها الآخر للناسخين والمترجمين والمجلدين وكان الرشيد يشرف عليها شخصيًا هو وكبار رجال دولته، فكانوا يقفون وراء هذه النهضة بكل ما أوتوا من قوة (قارن ذلك بصورة سهرات الأنس التي صوَّرها الإعلام عن الخليفة ووزراءه!)، فكانوا يصلون أهل العلم والدين بالصلات الواسعة، ويبذلون لهم الأموال تشجيعًا لهم، وكان الرشيد نفسه يميل إلى أهل الأدب والفقه والعلم، ويتواضع لهم حتى إنه كان يصب الماء في مجالسه على أيديهم

стр. 390

بعد الأكل، فغدت حاضرة الرشيد "بغداد" قبلة لطلاب العلم من جميع البلاد، ليجدوا فيها كبار الفقهاء والمحدثين والقراء واللغويين وعلماء الرياضيات والترجمة وعلوم الطبيعة والفلك، وكانت المساجد تحتضن دروسهم وحلقاتهم العلمية التي كان كثير منها أشبه بالمدارس العليا، من حيث غزارة العلم، ودقة التخصص، وحرية الرأس والمناقشة، وثراء الجدل والحوار (قارن ذلك بحال المساجد هذه الأيام!)، وأُنفق الرشيد الأموال الطائلة في النهوض بالدولة الإسلامية العظمى، وتنافس كبار رجال الدولة في إقامة المشروعات كحفر الترع والأنهار، وبناء الحياض، وتشييد المساجد، وإقامة القصور، وتعبيد الطرق، بل إن الخليفة الإسلامي العظيم هارون الرشيد وضع بنفسه خطة علمية متكاملة، وميزانية ضخمة، لحفر قناةٍ بحريةٍ عملاقة، تربط بين البحر الأبيض المتوسط (بحر الروم) والبحر الأحمر (بحر القلزم)، إلا أنه ﵀ وجزاه كل خير خشي أن يفتح المجال بذلك للروم للعبور من خلال تلك القناة، فتكون مكة والمدينة في متناول أيديهم. (وبذلك يكون هارون الرشيد هو صاحب فكرة إنشاء "قناة السويس" قبل أن تُنسب بعد ذلك بألف عام للص الفرنسي "فرديناندو ديليسبس" والذي سرق أموالها بعد ذلك لسنواتٍ طوال!). أما "بغداد" فقد أصبحت قبلة الدنيا، وأصبحت معروفة في عهد الرشيد باسم "مدينة السلام"، فقد حظيت هذه المدينة التي بناها العباسيون حاضرة العالم بأسر بنصيب وافرٍ من العناية والاهتمام من قبل الخليفة الرشيد وكبار رجال دولته الأبطال، حتى بلغت في عهده قمة مجدها وتألقها، فاتسع عمرانها، فزاد عدد سكانها حتى بلغ نحو مليون نسمة (وقد كانت أعلى نسبة سكان لمدينة في العالم بأسره، تلتها مدينة إسلامية ثانية هي قرطبة الأندلسية، وإشبيلة الإسلامية في المركز الثالث على مستوى العالم)، فبُنيت في بغداد المساجد الضخمة، والمدارس المتنوعة، والمعاهد العلمية المتطورة، والقصور الفخمة، والأبنية الرائعة التي امتدت على جانبي دجلة، فأصبحت بغداد من اتساعها كأنها مدن متلاصقة، فصارت أكبر مركز للتجارة الحرة في العالم، حيث كانت تأتيها البضائع من الصين والهند وأوروبا وأفريقيا، فهاجر إليها فقراء النصارى واليهود، فاستقبلهم المسلمون بكل تسامحٍ ديني (سيتعامل هؤلاء فيما بعد مع هولاكو لإسقاط

стр. 391

بغداد وقتل أهلها المسلمين الذين استقبلوهم!!!). كما جذبت بغداد الأطباءَ والمهندسين وسائر الصناع، فأصبحت بغداد في عهد الرشيد المدينة الأولى في العالم بأسره من حيث التقدم الحضاري والتفوق العلمي والازدهار السكاني والعمراني، في ذات الوقت الذي كانت فيه مدنًا مثل باريس ولندن وبرلين غارقة في أوحال الظلام والتخلف الحضاري الرهيب! أما في مجال الجهاد. . . فحدِّث ولا حرج! فهذا الخليفة الإسلامي العملاق والذي صوَّروه لنا وكأنه طبَّالٌ راقص، لم يكن من أعظم فاتحي المسلمين فحسب، بل كان من أعظم فاتحي البشرية على الإطلاق، فلا (نابليون) الذي تتغنى به فرنسا، ولا (تشرشل) الذي يفتخر به الإنجليز، ولا حتى (الإسكندر المقدوني) نفسه كانوا يملكون نصف ما ملكه الرشيد ﵀، فقد حكمها الرشيد من صينها إلى مغربها، ومن صحرائها الكبرى في قلب أفريقيا إلى قوقازها في مجاهل أوروبا، والعجيب أن هارون الرشيد تمكن من إدارة هذه الإمبراطورية الضخمة، المختلفة البيئات، والمتعددة العادات والتقاليد، وهو في سن التي ٢٥ فقط! آخذين في عين الاعتبار صعوبة وسائل الاتصال والمواصلات في ذلك الوقت المبكر من التاريخ. فقد قام الرشيد بتنظيم الثغور المطلة على بلاد الروم على نحو لم يعرف من قبل، وعمّر الرشيد بعض مدن الثغور، وأنشأ الرشيد مدينة جديدة عرفت باسم "الهارونية" على الثغور، وأعاد الرشيد إلى الأسطول الإسلامي نشاطه وحيويته، ليواصل ويدعم جهاده مع الروم ويسيطر على الملاحة في البحر المتوسط، فأقام دارًا لصناعة السفن، وفكر في ربط البحر الأحمر بالبحر المتوسط كما أسلفنا، وفي عهد الرشيد عاد المسلمون إلى غزو سواحل أوروبا، ففتحوا بعض الجزر واتخذوها قاعدة لهم، مثلما كان الحال في زمن الأمويين طيّبي الذكر، فأعاد الرشيد فتح "رودس" في جنوب إيطاليا سنة ١٧٥ هـ - ٧٩١ م، وأغارت الأساطيل الهارونية على "أقريطش" (كريت) و"قبرص" سنة ١٩٥ هـ - ٨٠٦ م. واضطرت دولة الروم أمام ضربات الرشيد المتلاحقة إلى طلب الهدنة والمصالحة، فعقدت (إيريني) ملكة الروم صلحًا مع الرشيد، مقابل دفع الجزية السنوية له في سنة ١٨١ هـ - ٧٩٧ م، حتى قتلها متمردٌ اسمه (نقفور) واستولى على الحكم في بلاد الروم، ١٨٦ هـ -٨٠٢ م،

стр. 392

فما إن تسلم هذا الإمبراطور الأحمق الأخرق الحكم حتى بعث برسالةٍ وقحة إلى أعظم إمبراطور في الدنيا خليفة الدولة الإسلامية أمير المؤمنين هارون الرشيد يقول فيها: "من نقفور ملك الروم إلى ملك العرب (لم يذكر اسم الرشيد!)، أما بعد فإن الملكة إيريني التي كانت قبلي أقامتك مقام الأخ، فحملت إليك من أموالها، لكن ذاك ضعف النساء وحمقهن، فإذا قرأت كتابي فأردد ما حصل قبلك من أموالها، وافتد نفسك، وإلا فالحرب بيننا وبينك! فما إن فرغ الخليفة هارون من قراءة تلك الرسالة الوقحة حتى ثارت ثائرته، واحمر وجهه الأبيض (وقد كان هارون الرشيد ﵀ مثل جده رسول اللَّه ﷺ يحمر وجهه الأبيض ساعة الغضب)، فتناول هارون الرشيد الرسالة وكتب على ظهرها بعزة العربي القرشي، وشهامة المسلم الموحد: "من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم، قد قرأت كتابك يا ابن الكافرة، والجواب ما تراه لا ما تسمع! " فانطلق هذا الصقر العربي المسلم بنفسه إلى مدينة الروم، بجيشٍ ما عرفت الأرض مثله،، حتى وصل "هرقلة" وهي مدينة بالقرب من "القسطنطينية"، فدكها دكًا جعل منها نسيًا منسيًا، فلم يبق منها إلا اسمها وبقايا ذكريات! فحرقها عن بكرة أبيها، وانطلق بعد بسرعة يريد إزالة العاصمة "القسطنطينية" من على وجه الأرض، فأسرع الكلب نقفور بالكنوز والمجوهرات يحملها بنفسه إلى هارون الرشيد، يستحلفه بمحبته لنبي اللَّه عيسى أن يقبل منه هذه الكنوز كجزية، بعد أن صار يناديه بأمير المؤمنين، فرفض هارون ذلك، واشترط عليه لقبول تلك الكنوز كجزية أن يطلق سراح كل المسلمين من سجونه أولًا، فما كان من كلب الروم إلا أن أطلق سراح آلاف الأسارى من السجون الصليبية، فلم يبقَ شخصٌ يوحِّد اللَّه في أي سجني رومي بفضل هذا البطل الإسلامي العملاق هارون الرشيد، والذي استُشهد وهو في طريقه للجهاد في بلاد الشرق، وهو في سن -المفاجأة الكبرى- ٤٦ سنة فقط!!! فرحمك اللَّه يا أبا الأمين، أيها الأسد الهاشمي العربى، وجزاك اللَّه كل خير لما قدمته للإسلام، وأعاننا اللَّه أن نعطيك حقّك في التاريخ، وأن ندفع عنك الشبهات، فمثلك أحق أن يُنصر، ومثلنا أحق أن يَنصر، فجزاك اللَّه كل خير لما قدّمته أنت وأمثالك لأمة الإسلام! ودبل أن نترك هذا العظيم، لكي ننتقل إلى عظيم إسلامي آخر، ينبغي علي أن أذكر

стр. 393

على وجه السرعة أمرين اثنين أرى أنهما من الأهمية بمكان: (أولهما) أن هناك قصة شهيرة يرددها بكل أسف المسلمون وهم يظنون أنها قصة تدعو للفخر والاعتزاز، هذه القصة هي قصة هدية هارون الرشيد للملك الألماني (شرلمان)، مختصر هذه القصة أن الرشيد بعث لشارلمان بهدية عبارة عن ساعة ضخمة، ليتعجب منها ذلك الملك الأوروبي ويظنها أنها مسكونة بالجن، وهذه القصة وإن كانت تبدو أنها قصة تبين مدى الرقي العلمي الذي وصل إليه المسلمون، إلا أنني أعتبرها من أخبث القصص التي انتشرت بين المسلمين، وسبب ذلك أن من روج لهذه القصة بين أن سبب الهدية هو دعم الرشيد لشارلمان الصليبي في قتاله للخلافة الأموية في الأندلس! وهذا إفكٌ واضح، وشرٌ فاضح، فأي تحالفٍ هذا الذي يعقده مجاهدٌ بتدين الرشيد مع صليبي مثل شارلمان؟! وأي قوة يرجوها إمبراطور مثل هارون الرشيد من ملكٍ من ملوك أوروبا المظلمة؟! فلو أراد الرشيد أن يستولي على الأندلس بأسرها من أيدي أبناء عمومته الأمويين، لاستولى عليها بلمح البصر، بل إنه لو كان يرى في أوروبا نفسها ما يستحق عناء غزوها في ذلك الوقت المظلم، لما أبقى فيها مدينة من دون أن يضمها إلى إدارة بغداد المركزية، ولقد بحثت شخصيًا عن مصدر هذه المعلومة، والحمد للَّه صدقت توقعاتي، فهذه المعلومة مصدرها الوحيد مستشرقة ألمانية تُدعى (زيغريد هونكه)! (ثانيهما) أكثر من تكرر ذكرهم في هذا الكتاب: "قوم كالعادة"، والذين مللت شخصيًا من ذكرهم وذكر خياناتهم، فواللَّه لا أقصد أبدًا تكرار قصص خياناتهم في هذا الكتاب، لكنني ما بحثت في قصة من قصص الإسلام إلا ووجدت خيانة شيعية مغروسة في قلبها! وكأن القوم قد رضعوا الغدر رضاعة! فالخطا الوحيد الذي ارتكبه الرشيد في خضم هذه السيرة العظيمة هو أنه آمن للشيعة، فجعل لأحدهم منصبًا وزازيا، المشكلة ليس في ما فعله الرشيد ﵀ الذي ربّما أراد أن يعطي أولئك الخونة فرصة ليصلحوا بها ماضيهم القذر المليئ بالخيانات، المشكلة تكمن في الجريمة التي فعلها الوزير نفسه! والتي نقلها رواة الشيعة أنفسهم، كالعالم الشيعي الملقب بصدر الحكماء ورئيس العلماء (نعمة اللَّه الجزائري) في كتابه المعروف "الأنوار النعمانية" (٢/ ٣٠٨ طبعة تبريز

стр. 394

إيران)، و (محسن المعلم) في كتابه "النصب والنواصب" (ص ٦٢٢ ط دار الهادي - بيروت) ونصها: "وفي الروايات أن علي ابن يقطين وهو وزير هارون الرشيد قد اجتمع في حبسه جماعة من المخالفين (يعني بهم مسلمين سنيين!)، وكان من خواص الشيعة، فأمر غلمانه فهدموا سقف الحبس على المحبوسين فماتوا كلهم وكانوا خمسمائة رجل تقريبًا، فأرادوا الخلاص من تبعات دمائهم فأرسل إلى الإمام مولانا الكاظم فكتب ﵇ إلى جواب كتابه، بأنك لو كنت تقدمت إلي قبل قتلهم لما كان عليك شيء من دمائهم، وحيث إنك لم تتقدم إليَّ فَكَفِر عن كل رجل قتلته منهم بتيس والتيس خير منه! ". (وهذه الرواية ذكرها علماء الشيعة يستدلون بها على جواز قتل الناصبي، والناصبي بتعريف الشيعة: هو كل من لا يعترف بأن الحسين ونسله (من شاه زنان الفارسية!) لديهم قدرة كونية على الخلق وعلم الغيب، ويعني ذلك بالمختصر المفيد أن دمي ودمك مستباحٌ من قِبل أولئك الإرهابيين شريطة أن يضحوا عن كلِّ واحدٍ منّا بتيس! وبعد الرشيد. . . . نظل مع العباسيين أيضًا، ولكننا هذا المرة لن نستخدم قطار (الخلود الإسلامي)، أو طائرة (ابن فرناس)، أو سفينة (بيري رئيس) أو جمال (ابن تاشفين) للوصول إلى بطلنا الإسلامي القادم، فلقد حان الوقت لكي نستخدم وسيلة نقل جديدة هي "الزلاجات الجليدية" لنصل بها إلى بطلنا القادم، لكي نسبر أغوار مغامراته العجيبه في القطب الشمالي، حيث الثلوج المتراكمة، والبحيرات الجليدية. فمن يكون ذلك المغامر العباسي الذي الذي ألهم خيال السينما الأمريكية بمغامراته الشيّقة، وحكاياته العجيبة؟ يتبع. . . . . .

стр. 395

" المحارب الثالث عشر" (أحمد بن فضلان) " فأخبرته الساحرة الشمطاء (ملك الموت) أنه يجب عليه أن يُكوّن فريقًا كاملًا مؤلفًا من ثلاثة عشر محاربًا أحدهم من غير أهل الشمال، فتم اختياري لأكون ذلك المحارب الثالث عشر! فحاولت الاعتذار بكافة الطرق للهرب إلى بغداد، ولكن دون جدوى، فاعتبرت نفسي في عداد الأموات، وسافرت مع أولئك المجانين الشقر عبر الثلوج إلى إسكندنافيا، لأرى هناك العَجب العُجاب. . . " (من رسالة أحمد بن فضلان) لن أكون متشائمًا إذا ما قلت أنه من بين كل عشرة آلاف فردٍ منّا سنجد إنسانًا واحدًا فقط سمع باسم هذا المغامر الإسلامي العظيم، ولن أكون متفائلًا إذا ما ادّعيت أن من بين كل عشرة آلاف سنجد خمسة عشر ألفًا يعرفون اسم السندباد! فجميعنا من دون أي استثناء سمع بقصص السندباد، ونصفنا على الأقل يفرق بين قصص السندباد البّري وقصص السندباد البحري، فتكون بذلك شعبية السندباد بين المسلمين تساوي ١٥٠ %، بينما تكون شعبية أحمد بن فضلان تساوي ٠.٠١ % على أحسن التقديرات! واللَّه إن العيب كل العيب أن نجهل تاريخ أبطالنا الحقيقيين إلى هذه الدرجة المخيفة! فسندباد ليس إلا شخصية خيالية وضعها المستشرقون لنا في كتاب قذرٍ مليءٍ بالقصص الجنسية المخجلة اسمه: "ألف ليلة وليلة"! وعلاء الدين الذي نروي قصصه لأطفالنا كل ليلة لم يكن قبل أن يعثر على مصباحه السحري إلا شابًا فاشلًا لم يعمل في حياته البتة! وعلي بابا الذي نغني باسمه ما هو إلَّا لصٌ سرق من اللصوص الأربعين ما كانوا قد سرقوه هم بالأصل من فقراء بغداد! ليُكوِّن هذا "الحرامي الواحد والأربعون" ثروته من أموالٍ حرامٍ! فأي قدوة ترجوها لطفلك وأنت تروي له مثل هذه القصص؟! وكيف لأمةٍ تريد النهوض بنفسها من سنوات الهوان والتبعية أن تردد على مسامع

стр. 396

أطفالها قصصًا ساذجةً في نفس الوقت الذي تضيِّع فيه تاريخَ أبطالٍ حقيقيين مثل المغامر ابن فضلان؟ ولا أقولها تحيزًا أو عنصريةً، فلقد بحثت في كتب المتقدمين والمتأخرين، فما وجدت في تاريخ الأرض منذ نشأة آدم وإلى يوم الناس هذا عظيمًا واحدًا من عظماء الأمم والشعوب لديه عُشر مِعشار عظمة عظيمٍ واحدٍ من عظماء أمة الإسلام العظيمة! وأنا هنا أتكلم بنظرةٍ تاريخيةٍ بحتةٍ نابعةٍ من باحثٍ تاريخيٍ يزعم أنه قرأ تاريخ الحضارات من أول "الحضارة الصينية" التي أسسها الملك (شانغ) في الصين، إلى أيام "الحضارة الغربية" التي تسود العالم الآن، بل إني اكاد أجزم بأن تاريخ الأرض وتاريخ البشرية لا يساوي شيئًا على الإطلاق بدون تاريخ المسلمين، بل إن تاريخ الإسلام هو تاريخ الأرض نفسها! ولقد خدعوك فقالوا لك في كتب التاريخ المدرسية أن "الحضارات قامت على ضفاف الأنهار"، فبربكم أي نهرٍ هذا الذي كان يجري بين مكة والمدينة عندما حمل محمد بن عبد اللَّه شعلة الحضارة الإنسانية ليضيئ بها ظلام الدنيا بأسرها؛ فهل سمع أحدٌ منكم نهرًا كان يُسمَّى نهر مكة؟ أو بحيرة الحارث بن حِلّزة مثلًا؟ وأي حضارة هذه التي قامت قديمًا على مصاب أنهار أوروبا اللامعدودة؟ فواللَّه لا أكاد أمر بمدينة أوروبية إلا وأجد فيها نهرًا أو نهرين يمران بها، بل إنني رأيت مدينة تجري بها ثلاثة نُهُرٍ! وقصة مغامرنا الإسلامي -أحمد بن فضلان- توضح بشكلٍ بعيد مفهوم الحضارة ومقومّاتها، وفي نفس الوقت توضح لنا مدى القصور المعرفي المخيف الذي نحن عليه، فكيف لأطفالنا وشبابنا بل وحتى شيوخنا أن يجهلوا شخصية عظيمة مثل شخصية المغامر الإسلامي الرائع فعلًا أحمد بن فضلان، فحكايات هذا البطل العربي تفوق في غرابتها وتشويقها قصصر السندباد الخرافية، بل إن السينما الأمريكية والأوروبية صنعت له أفلامًا عالمية من شدة روعة مغامرته، كان أبرزها فلم أنتجته استديوهات السينما في هوليود سنة ١٩٩٩ م اسمه "المحارب الثالث عشر، The ١٣ th Warrior"، وهذا الفلم بما يحمله من تشويه للقصة الأصلية لطلنا الإسلامي إن دلَّ على شيء فإنه يدل على إهمالنا الفظيع بتاريخنا وتراثنا الإسلامي، الذي استخدمه الغرب في أدبه وفنونه. وتبدأ قصة بطلنا يوم الخميس الموافق الحادي عشر من شهر صفر لسنة ٣٠٩ هـ الموافق

стр. 397

لحزيران سنة ٩٢١ ميلادية عندما قاد عالم إسلامي جليل اسمه الشيخ (أحمد بن فضلان) بعثة دعوية خرجت من "بغداد" -عاصمة النور آنذاك- بتكليف من الخليفة العباسي (المقتدر باللَّه) ﵀ إلى قلب القارة الآسيوية تلبية لطلب ملك الصقالبة البلغار (ألمش بن يلطوار) الذي طلب التعريف بالدين الإسلامي، عله يجد تفسيرًا للغز الكبير المثار وقتها ألا وهو "كيف استطاع هذا الدين الآتي من قلب الصحراء أن يكوّن تلك الإمبراطورية الضخمة التي لم تضاهها أي إمبراطورية في تاريخ الأرض؟ " وأستسمح القارئ الكريم مرة أخرى لأقف عند نقطتين مهمتين قبل أن نغوص في مغامرات بطلنا الشيقة. (النقطة الأولى): كثيرٌ منّا للأسف يعتقد أن الدولة العباسية كانت دولة مفككة، والحقيقة أن هذا شيء عارٍ عن الصحة التاريخية، فلا شك أن الدولة العباسية -كحال كل دول الأرض- ضعفت في نهاياتها، ولكن الشيء الذي لا يعرفه الكثير أن أبرز علماء الأمة -بما فيهم البخاري نفسه- ظهروا في العهد العباسي، وكما كان الأمويين يرسلون البعثات إلى العالم للدعوة للإسلام تحت مسمى "رجال الملابس البيضاء"، فقد كان للعباسيين ﵏ دعاة عُرِفوا في أرجاء العالم باسم "رجال الملابس السوداء"! (النقطة الثانية): التشويه الرهيب الذي صنعه الغرب بتاريخ المسلمين ومن بينهم أحمد بن فضلان بطبيعة الحال، فالشيء المضحك المبكي في الأعمال الفنية التي صنعها الغرب لأحمد بن فضلان من روايات وأفلام، أنهم ادّعوا أن الخليفة العباسي "المقتدر باللَّه" رحمة اللَّه عليه إنما اختار ابن فضلان لهذه البعثة لكي يبعده عن عشيقته التي كان الخليفة الإسلامي متيمًا بها، وأنا لا أعجب من أولئك المزوِّرين الذين زوروا كتب اللَّه من قبل، ولكني أعجب من الشعوب الأوروبية والأمريكية من عوام الناس الطيبين، أليس بهم رجلٌ رشيدٌ يتساءل كيف للخليفه الإسلامي الذي يحكمها من شرقها إلى غربها أن يعجز من التخلص من رجل واحدٍ من رعيته بدون استخدام هذه الطريقة الرخيصة؟! والحق أقول أنني أضحك الآن وأنا أكتب هذه الكلمات، فلقد تذكرت الآن قصة وردت في "الكتاب المقدس" أعتقد أنها مصدر التحريف الذي وضعوه لابن فضلان، فهذه القصة متطابقة تمامًا مع القصة المحرفة التي وضعوها لصاحبنا، فهذه

стр. 398

القصة الجنسية التي وردت في "الكتاب المقدس" في سِفر صموئيل الثاني [١١: ١]، تدّعي زورًا وبهتانًا على نبي اللَّه داود ﵇ أنه استخدم نفس هذه الحيلة الرخيصة لكي يشبع شهوته الجنسية، ففي يومٍ من الأيام وبينما داود يتمشى على سطح البيت، رأى من على السطح امرأة عارية تستحم، فأعجب بجمالها (كما تزعم رواية الكتاب المقدس!)، فأرسل وسأل عن المرأة، ليكتشف أنها (بشثبع بنت اليعام) امرأة (أوريا الحثى)، ولكن داود على حد زعمهم لم يأبه لكونها متزوجة، فقام باغتصابها، لتأتيه المرأة بعد ذلك لتقول له أنها قد حبلت، فقام داود بتدبير حيلة رخيصة للتخلص من زوجها (هي نفسها الحيلة التي ينسبونها للخليفة العباسي)، وأترك "الكتاب المقدس" ليكمل لنا هذه القصة التي يستحي القلم قبل صاحبه في إكمالها: "وَفِي الصَّبَاحِ كَتَبَ دَاوُدُ رِسَالَةً إِلَى يُوآبَ، بَعَثَ بِهَا مَعَ أُورِيَّا، جَاءَ فِيهَا: اجْعَلُوا أُورِيَّا في الْخُطُوطِ الأُولَى حَيْثُ يَنْشُبُ الْقِتَالُ الشَّرِسُ، ثُمَّ تَرَاجَعُوا مِنْ وَرَائِهِ لِيَلْقَى حَتْفَه، فأرسل داود وضم امراة اوريا الي بيته وصارت له امراة وولدت له ابنا" (ملاحظة مهمة: اكتشفت مؤخرًا من مناقشتي مع زميل شيعي أن الشيعة يؤمنون بهذه القصة المفتراة التي وضعها أبناء عمومتهم اليهود على نبي اللَّه داود، وأنهم يعتقدون أن داود كان زانيًا والعياذ باللَّه، وأن الذي أنقذه من الخطيئة هو إيمانه بولاية الأمة من أبناء شاه زنان بنت كسرى يزدجرد!!!)، الشيء المحزن الذي وجدته خلال بحثي في قصة هذا الداعية الإسلامي، أن الأدباء العرب قاموا بترجمة ما كتبه الغربيون عن ابن فضيل وكأنه قرآن منزل، فجعلوا منه صعلوكًا لا هم له إلا الزنى وشرب الخمر، فرددوا كالببغاوات ما يردده الغرب عن أبطالنا، لكي يغيروا مسار القصة من كونها بعثة دعوية قام بها داعية إسلامي، إلى قصة جنسية قام بها مسلم منحرف! وبعد أن عرفنا مصدر الطعونات الجنسية التي يكيلها الصليبيون بين التارة والأخرى لرسول اللَّه ﷺ والرموز الإسلامية من هارون الرشيد وغيره جاء الوقت لكي نكمل مغامرتنا مع ابن فضلان. فقد توغل أبن فضلان في بلاد الروس حتى وجد أناسًا من "الفايكنج" وهي القبائل التي تسكن السويد والنرويج والدنمارك وإيسلندا، ولنترك ابن فضلان نفسه الذي جاء من بغداد رمز الحضارة الإسلامية يصف لنا ما شاهده بأم عينه: "كان أعظم ما يعلمه أولئك القوم من الحلي هو الخرز الأخضر! يشترون الخرزة

стр. 399

بدرهم، وينظمونه عقودًا لنسائهم. وهم أقذر خلق اللَّه لا يستنجون من غائط ولا بول، ولا يغتسلون من جنابة، ولا يغسلون أيديهم من الطعام، بل هم كالحمير الضالة، يجيئون من بلدهم فيُرسون سفنهم بإتل، وهو نهر كبير، ويبنون على شطه بيوتًا كبارًا من الخشب. ولا بد لهم في كل يوم من غسل وجوههم ورؤوسهم بأقذر ماء يكون وأطفسه. وذلك أن الجارية توافي كل يوم بالغداة، ومعها قصعة كبيرة فيها ماء، فتدفعها إلى مولاها فيغسل فيها يديه ووجهه، وشعر رأسه فيغسله ويسرّحه بالمشط في القصعة، ثم يتمخط ويبصق فيها، ولا يدع شيئًا من القذر إلا فعله في ذلك الماء، فإذا فرغ مما يحتاج إليه حملت الجارية القصعة إلى الذي جانبه ففعل مثل فعل صاحبه، ولا تزال ترفعها من واحد إلى واحد حتى تديرها على جميع من في البيت. وكل واحد منهم يتمخط ويبصق فيها ويغسل وجهه وشعره فيها. وساعة توافي سفنهم إلى هذا المرسى يخرج كل واحد منهم ومعه خبز ولحم وبصل ولبن ونبيذ، حتى يوافي خشبة طويلة منصوبة، لها وجه يشبه وجه الإنسان، وحولها صور صغار، وخلف تلك الصور خشب طوال قد نصبت في الأرض، فيوافي إلى الصورة الكبيرة ويسجد لها، ثم يترك الذي معه بين يدي الخشبة -ويقول لها: "يا ربي! أريد أن ترزقني تاجرًا معه دنانير ودراهم كثيرة فيشتري مني كل ما أريد ولا يخالفني فيما أقول"؛ ثم ينصرف. فإذا تعسر عليه بيعه وطالت أيامه، عاد بهدية ثانية وثالثة، فإنْ تعذر ما يريد، حمل إلى كل صورة من تلك الصور الصغار هديةً، وسألها الشفاعة، وقال: "هؤلاء نساء ربنا وبناته وبنوه"، لا يزال يطلب إلى صورة صورة يسألها، ويستشفع بها ويتضرع بين يديها، فربما تسهّل له البيع فباع، فيقول: "قد قضي ربي حاجتي، وأحتاج أن أكافيه". فيعمد إلى عدة من الغنم أو البقر فيقتلها ويتصدق ببعض اللحم، ويحمل الباقي فيطرحه بين يدي تلك الخشبة الكبيرة والصغار التي حولها. ويعلق رؤوس البقر أو الغنم على ذلك الخشب المنصوب في الأرض. فإذا كان الليل وافت الكلاب فأكلت جميع ذلك، فيقول الذي فعله: "قد رضي ربي عني وأكل هديّتي! " وإذا مرض منهم الواحد ضربوا له خيمة ناحيةً عنهم، وطرحوه فيها، وجعلوا معه شيئًا من الخبز والماء، ولا يقربونه ولا يكلمونه، بل لا يتعاهدونه في كل أيام مرضه لا سيما إن كان ضعيفًا أو مملوكًا. فإن برئ وقام رجع إليهم، وإن مات أحرقوه، فإن كان

стр. 400

مملوكًا تركوه على حاله تأكله الكلاب وجوارح الطير. وكان يقال لي إنهم يفعلون برؤسائهم عند الموت أمورًا أقلها الحرق. فكنت أحب أن أقف على ذلك، حتى بلغني موتُ رجل منهم جليل، فجعلوه في قبره، وسقفوا عليه عشرة أيام حتى فرغوا من قطع ثيابه وخياطتها. وذلك أن الرجل الفقير منهم يعملون له سفينة صغيرة، ويجعلونه فيها ويحرقونها. والغني يجمعون ماله، ويجعلونه ثلاثة أثلاث. فثلث لأهله، وثلث يقطعون له به ثيابًا، وثلث ينبذون به نبيذًا يشربونه يوم تقتل جاريتُه نفسها، وتُحرَق مع مولاها. وهم مستهترون بالنبيذ يشربونه ليلًا ونهارًا، وربما مات الواحد منهم والقدح في يده. عندما يموت رجل جليل منهم، أو أحد رؤسائهم يقومون بوضعه في قبره ويقفلون عليه القبر لمدة عشرة أيام، حتى يفرغوا من تفصيل وحياكة الملابس اللازمة لهذه المراسم، مراسم حرق الميت، ومن ضمن هذه المراسم أن تحرق معه إحدى جواريه، فسأل سائل: من منكن يموت معه؟ فوافقت إحداهن طائعة راضية بمحض إرادتها، فهذا حسب معتقداتهم شرف لها، ومن لحظة موافقتها، تسهر بقية الجواري علي خدمتها، لدرجة أنهن يغسلن رجليها بأيديهن وهم يستعدون لتفصيل وحياكة الملابس اللازمة للحرق والجارية في كل يوم تشرب وتغني فرحة مستبشرة. ولما كان اليوم الذي سيحرق فيه الميت وجاريته، قامت الاستعدادات لذلك أمام النهر الذي ترسو فيه سفينته، التي يجري إعدادها بشكل فائق الجودة والبذخ بما فيه السرير الذي سوف يمدد عليه الرجل المتوفى، وتشارك في هذه المراسم، امرأة عجوز شمطاء، تسمي عندهم (ملك الموت) وهي التي تتولي قتل الجارية التي وافقت علي الموت مع سيدها وفي اللحظة المحددة يخرجون الميت من قبره، ويلبسونه سراويل جديدة، ويضعونه في الخيمة التي علي السفينة، ويجلسونه وقد اسندوه بالمساند، ووضعوا أمامه الفاكهة والريحان والنبيذ والخبز واللحم والبصل، ثم يقطعون كلبًا إلى نصفين ويلقونه في السفينة، ويضعون جنب المتوفى جميع سلاحه، ثم يجيئون بفرسين يذبحونهما بعد الغرق ويقطعون لحمهم بالسيف ويلقونه بالسفينة، ثم يفعلون الشيء ذاته ببقرتين وديكا ودجاجة، وأثناء ذلك تقوم الجارية التي سوف تحرق معه بالمرور داخل الخيم المنصوبة علي شاطئ النهر أمام السفينة، فينكحها كل صاحب خيمة ويقول لها: سلّمي على مولاكِ وقولي له إنما

стр. 401

فعلت هذا حبًا به! وبعد حركات متعددة تقوم الجارية أمام الحضور مع العجوز (ملك الموت) لتصعد إلي السفينة، فتشرب النبيذ، قدحًا بعد قدحٍ، وملك الموت تقتلها بخنجر عريض النصل، والرجال يضربون بالخشب علي التراس، لئلا يسمع صوت صراخها، فتجزع بقية الجواري، فلا يوافقن بعد ذلك علي الموت مع أسيادهن، ثم يتم حرق السفينة بكل ما فيها: الرجل السيد المتوفى وجاريته المتوفاة، وكل الأشياء والحاجات التي تم جمعها في السفينة، في أثناء تلك المراسم العجائبية". وبعد هذه المناظر الهمجية التي رآها ابن فضلان في مغامرته، صلى للَّه ركعتين شكرًا للَّه على نعمة الإسلام، وقرر الرجوع إلى البلاد الإسلامية وترك أولئك الهمجيين، واعتقد ابن فضلان أنه بعد مشاركته في مراسم الميت ودفنه، سوف يسمح له بالمغادرة، لكن ظنه خاب، فقد بدأ الصراع الداخلي بين زعماء أهل الشمال لخلافة الزعيم المتوفى، وانحصر الصراع بين زعيمين منهم. وكان كل واحد يحشد لمناصرته الأعيان وذوي النفوذ، ووإن أحدهما ويدعى (توركيل) يتطلع لمساندته ضد الآخر ويدعى (بولييف) في صراعهما علي الزعامة، خاصة أنه (توركيل)، كان طيلة الوقت يعتقد أن ابن فضلان مشعوذ وساحر يتمتع بقوة معينة، بسبب قراءته للقرآن وقيامه الليل، لذلك سمع ابن فضلان نصيحة الترجمان، وقرر البقاء وعدم اللجوء للهرب، لأنه سيعامل في حالة إكتشاف أمره كلص، حيث يقوده الناس إلي شجرة ضخمة، ويوثقون حبلا قويا حوله ويشنقونه ثم يتركونه معلقا حتى يبلي جسمه ويتناثر إربًا إربًا بفعل الريح والمطر. ثم حدثت مفاجأة غيرت من مجري الصراع على الزعامة، فقد وصل رسول من بلاد الشمال البعيدة "السويد" من قبيلة بولييف ليخبره أن هناك أخطارا جمة تحيق ببلاده البعيدة وأنه علي بولييف الاستعداد للعودة إلي بلاده لإنقاذها من هذه الأخطار، فقام بولييف باستدعاء العجوز الشمطاء (ملك الموت) فقامت ببعض حركات الشعوذة لتخبر بعدها بولييف أنه دُعي من قبل الآلهة لترك هذا المكان بسرعة، وأن ينصرف كبطل لصد ما يهدد بلاد الشمال من الخطر، وأخبرته أيضًا أن فريقه كاملا يجب أن يكون مؤلفًا من ثلاثة عشر محاربًا أحدهم من غير أهل الشمال، لذلك كان الثالث عشر غير الشمالي هو أحمد بن فضلان، ومنذ تلك اللحظة حمل صفة المحارب الثالث عشر،

стр. 402

رغم كل الاعتذارات والتبريرات التي قدمها لاستثنائه من تلك المهمة، لذلك كانت هذه الحالة الإجبارية كارثة حقيقية لابن فضلان، مما حدا به للقول: "بالنسبة لشخصي اعتبرت حالي كحال الشخص الميت". لتبدأ بذلك مغامرة جديدة لا يتسع كل كتابي هذا لذكرها، فقد كان الهدف الذي أردته هو تنبيه الأمة بتاريخها المنسي، أما من أراد متابعة مغامرات ابن فضلان فعليه أن يقرأ رسالته الشهيرة، على أن يحذر من التشويه العظيم الذي وضعه المستشرقون فيها من طعونات في شرف هذا الداعية الإسلامي العظيم! أما الآن. . . فلنترك هذه الأجواء الباردة، لننتقل إلى أجواءٍ حارة ملتهبة، لنتابع معًا قصة عظيم إسلامي آخر، حمل راية الإسلام عاليًا في شبه القارة الهندية، ليكون سببًا في إسلام ٥٠٠ مليون مسلم، أي أن عظيمنا القادم ساهم في إسلام واحد من كل ثلاثة مسلمين موجودين في عالمنا المعاصر! فمن يكون ذلك السلطان الإسلامي العظيم؟ وكيف أنقذ الإسلام من الاندثار في الهند؟ وما هي قصة الإسلام في الهند؟ ولماذا دخل ملايين الهنود في الإسلام بسرعة البرق؟ وكيف قسم الهنود البشر إلى ٤ طبقات؟ وما هي علاقة بطلنا القادم بـ "تاج محل"؟ ولماذا يعتبره الهنود أعظم إنسانٍ حكم شبه القارة الهندية في التاريخ؟ يتبع. . . . . .

стр. 403

" السلطان العالم" (أورانج زايب عالَم قير) " إن الأسى ليعتصر قلبي، وأنا أرى إخواني وأخواتي لا يعرفون هذه الشخصية، ولا يدركون عظمتها، ولم يسبروا كنهها وغورها، وهذا واللَّه يحز في نفسي، أن يغيب عن ذاكرتنا رجلٌ عظيم، جليل القدر، رفيع المكانة، غزير العلم، مثل أورانج زايب عالم قير" (الشيخ المؤرخ: محمد الشريف) لن أبدأ الحديث عن هذا البطل الإسلامي بالسؤال الشهير الذي أطرحه عند بداية ترجمتي لمعظم أبطال هذا العمل، فلن أسأل إن كان أحدنا يعرف شيئًا عن هذا السلطان الهندي العظيم، فأنا على يقينٍ تامٍ، أن جلَّ معلوماتنا عن الهند تقتصر على تلك الأفلام الهندية التي تنتجها هوليود الشرق "بوليود"، والتي يدمن كثير من شباب المسلمين على مشاهدتها، وفي بعض الأحيان في تقليد حركات أبطالها البهلوانية أيضًا! ولو علم شباب الإسلام أننا حكمنا تلك الأرض لما يقرب من ألف عام، رفعنا فيها راية الإسلام الخفاقة، فصدحنا بأذان اللَّه أكبر في جميع أرجائها، لما حرصوا على متابعة تلك الأفلام بقدر حرصهم على قراءة تاريخ أمتهم! ولغيَّر شبابنا بعضًا من نظريتهم العنصرية تجاه إخوتهم الهنود، فالمسلمون الهنود (وأعني هنا مسلمي القارة الهندية من بنغلادش إلى باكستان مرورًا بالهند الحالية) يمثلون ثلث عدد المسلمين بالكلية، أي أنه من بين ثلاثة مسلمين يعيشون على الكرة الأرضية هناك هندي مسلمٌ بينهم! والفضل الأكبر لإسلام هؤلاء الإخوة من الهنود يرجع أولًا وأخيرًا إلى رجالٍ من أمثال بطلنا الذي نحن في صدد الترجمة له، وليت شعري أي ترجمة يمكن لي أن ترجمها لرجلٍ بمثل عِظم قدره، وسمو مكانته، وعلو همته، وعظيم سلطانه، إلا أنني أرى أنه من الضروري لهذه الأمة، إذا ما أرادت النهوض من حالة الغثيان التي تمر بها حاليًا، أن تستذكر بعض قصص أبطالها، كي يجد الجيل القادم نبراسًا يضيئ لهم جنبات الطُرق المظلمة، لذلك رأيت ضرورة

стр. 404

الكتابة عن هذا العملاق الإسلامي، مستعينًا بجل ما سأكتب عنه باللَّه أولًا، ثم بالأبحاث الجليلة التي قام بها الشيخ الدكتور (محمد بن موسى الشريف) جزاه اللَّه خيرًا، الداعية المشهور، وصاحب موقع التاريخ www.altareekh.com. وكما تعودنا في هذا الكتاب بأخذ خلفية تاريخية عن كل قصة نخوض في غمارها، أرى أن نأخذ خلفية عن قصة الإسلام في الهند، والحقيقة أنني أرى أن قصة الإسلام في الهند بدأت في وقتٍ مبكرٍ للغاية، وبالتحديد مع رسول الرحمة، وبالتحديد أكثر مع رحلة الطائف عندما رفض رسول اللَّه عرض ملك الجبال أن يدمر المشركين بإذن اللَّه، بعد أن أهانوه أشد الإهانة في الطائف، حين أجاب رسول الرحمة على عرض ملك الجبال بقوله: "بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا". وفعلًا، مرت الأيام والسنون، فدخلت مكة كلها في الإسلام، ودخلت بعدها الطائف، وتحققت نظرة رسول اللَّه المستقبلية، فخرج من أصلاب هؤلاء من لا يكتفي فقط بأن يعبد اللَّه وحده، بل يقوم أيضًا بحمل راية لا إله إلا اللَّه إلى كل بقعة في الأرض، فمن صُلب المجرم الوليد بن المغيرة خرج خالد ابن الوليد، ومن صلب أبي جهل خرج عكرمة بن أبي جهل، ومن صلب العاص بن وائل خرج عمرو ابن العاص، ومن صلب عتبة بن ربيعة خرج أبو حذيفة بن عتبة، وبعد عشرات السنين، ومن قبيلة ثقيف في الطائف التي أهانت الرسول في جاهليتها، خرج شابٌ عمره ١٧ سنة، حمل راية الإسلام الأموية، ليحملها إلى شبه القارة الهندية، ليخلفه رجالٌ أشداء نشروا الإسلام في جميع أرجاء القارة شبه الهندية. وهنا وقفة قصيرة أيضًا عن سر الانتشار السريع للإسلام في صفوف الهنود، والسبب يرجع لما وجده فقراء الهند في سماحة الإسلام وعدله، فلقد ذكرنا فيما سبق (في معرض

стр. 405

حديثنا عن آريوس) أن الهنود كانوا يعبدون كل شيء في الطبيعة، من أول الشر وحتى الأعضاء التناسلية، ولكن أشهر الأديان في الهند كان دينًا قائمًا على فكرة الثالوث المقدس (كأغلب الأديان الوثنية)، فكان إله الهندوس ينقسم إلى ثلاثة آلهة هي: ١ - (براهما): الموجد والخالق. ٢ - (فشنو): الحافظ. ٣ - (سيفا): المهلك. فكان الهنود يعتقدون أن من يعبد أحد الآلهة الثلاثة فقد عبدها جميعًا، ومن عبدها جميعًا فقد عبد أحدها! (قارن ذلك بفكرة الثالوث المقدس في المسيحية المعاصرة!). ولكن الكارثة الكبرى لم تكمن في ذلك فحسب، بل كانت أيضًا في النظام الطبقي العنصري الذي كان سائدًا في الهند قبل أن يُشرق الإسلام بنوره عليها، فمنذ أن وصلت القبائل الآرية إلى الهند إلى الهند، تشكل في الهند نظامٌ طبقي ما عرفت الأرض مثله، فقد قسم الهنود البشر إلى أربعة أقسام: ١ - (البراهمية): وهم الذين خلقهم الإله براهما من فمه: منهم المعلم والكاهن، والقاضي، ولهم يلجأ الجميع في حالات الزواج والوفاة، ولا يجوز تقديم القرابين إلا في حضرتهم. ٢ - (الكاشتر): وهم الذين خلقهم الإله من ذراعيه: يتعلمون ويقدمون القرابين ويحملون السلاح للدفاع. ٣ - (الويش): وهم الذين خلقهم الإله من فخذه: يزرعون ويتاجرون ويجمعون المال، وينفقون على المعاهد الدينية. ٤ - (الشودر): وهم الذين خلقهم الإله من رجليه، وهم المنبوذين من عامة الشعب من الزنوج الأصليين، ويشكلون طبقة المنبوذين، وعملهم مقصور على خدمة الطوائف الثلاثة السابقة الشريفة ولا يمتهنون إلا المهن الحقيرة والقذرة! لذلك عندما جاء المسلمون إلى الهند بدين محمد بن عبد اللَّه الذي لا يفرق بين البشر، دخل عامة الشعب من المنبوذين في دين اللَّه أفواجًا، ليكون الإسلام هو الدين الرئيسي للهند لما يقرب من ألف عام. صدح فيها الأذان في جميع أرجائها. والآن وبعد أن أخذنا صورة بسيطة للغاية عن وضع الهند المعقد، جاء الوقت لكي نأخذ نبذة مختصرة للسيرة العظيمة لبطلنا العظيم: أورانج زايب عالم قير رحمه اللَّه تعالى وأسكنه فسيح جناته. والعجيب أن هذا السلطان العظيم كان من سلالة المجرمَيْن "جنكيز خان" و"تيمور لنك"، ولكن اللَّه شاء أن يكون من نسلهما من يرفع راية الإسلام عاليًا، فأورانج زايب

стр. 406

عالم قير هو ابن السلطان المغولي "شاه جيهان" الذي حكم الهند في القرن السابع عشر الميلادي، ولكن هذا السلطان تحول إلى رجلٍ مجنون بعد وفاة زوجته الجميلة "ممتاز محل"، فقام هذا السلطان -كعادة أصحاب الهوى دائمًا- بتحكيم العاطفة على الشرع، فأمر ببناء ضريحٍ يخالف الشرع لزوجته الجميلة التي فارقت الحياة الدنيا، فأنفق أموال المسلمين لمدة ٧ سنوات سخّر فيها جهود ٢٠٠٠٠ عامل لبناء قبر حبيبته، وفي الوقت الذي أحاط به أعداء الإسلام بدولة الهند الإسلامية من كل جانب، كان هذا المحب المجنون يبكي على حبيبته ليل نهار، وفعلًا كاد الإسلام أن يضيع بالهند بسببه، وواللَّه ما ضاع الإسلام وضعف إلا بسببٍ شبابٍ حمقى مثل هذا العاشق الولهان، والذين يحوّلون العاطفة إلى ربٍ لهم من دون اللَّه! فلقد استولى ابنه الأكبر (درشكوه) على زمام الحكم، وأصبح هو الحاكم الفعلي للإمبراطورية، ولكن الخطر كان يكمن في أن درشكوه أراد إحياء مذهب كفري اسمه "المذهب الإلهي" وهو مذهب يجمع بين جميع الأديان في دين واحد، فتحرك بطلنا نحو العاصمة "دهلي" (وليس دلهي كما يشاع) "فاستولى على الحكم ليمنع أخاه من نشر المذهب الإلهي في الهند، ثم قام بعزل أبيه الذي جن من كثر البكاء على زوجته، ووضعه في قصرٍ معزول بعد أن صنع له أضخم مرآة في العالم ينظر من خلالها على تاج محل حيث ترقد زوجته الحسناء، فظل هذا العاشق الولهان ينظر على قبر حبيبته حتى دُفن بجانبها! أما البطل الإسلامي أوارنج زايب، فكانت حياته أكبر من هذه التفاهات، فقد أحيى السنة النبوية في أرجاء الهند، وقضى على البدع، وجاهد في سبيل اللَّه في أرجاء الأرض ينشر دين التوحيد، فحارب ملوك الهندوس العنصريين، وقطع أرجل الشيعة الروافض من الدخول للهند أبدًا، بعد أن اكتشف خيانتهم وتحالفهم مع الهندوس (كالعادة!)، ليس هذا فحسب، بل كان الإمبراطور العظيم شاعرًا عظيمًا، وأديبًا رقيقًا، فكتب الأشعار في نصرة الإسلام، وأصدر كتابًا لا يزال يُدرس إلى يومنا هذا في الجامعات الإسلامية اسمه "الفتاوى العالم قيرية" وهو معروف لطلبة العلم باسم "الفتاوى الهندية"، وظل ٢٧ سنة يجاهد الهندوس والصليبيين البرتغاليين من جهة والشيعة الرافضة من جهة أخرى، فانتشر العدل في زمانه أيّما انتشار، وزاد عدد المسلمين بشكلٍ رهيب، بعد ما رأوه من عدله وزهده، فتكونت له

стр. 407

إمبراطورية ضخمة من جبال الهملايا إلى المحيط الهندي، ومن البنغال حتى طاجكستان. وعلى الرغم من اتساع رقعة دولته وكثرة مشاغله، اهتم السلكان أورانج زايب بالعلم، فحفظ القرآن وهو في سن الأربعين! فلم يكن السلطان ممن يقولون أنه لا وقت لديهم لحفظ القرآن، ليس ذلك فحسب، بل كان السلطان فنانًا خطاطًا لا يشق له غبار، فلقد كان يكتب القرآن بخط يده، ليعيش على ذلك، وقد كتب نسختين عظيمتين للقرآن بخط يده، أرسل إحداها إلى مكة والثانية إلى المدينة، فنشر العلم في أرجاء الهند في مدة حكمه التي استمرت ٥٠ سنة بالتمام والكمال، ليحافظ على هذا الدين في تلك البلاد البعيدة، قبل أن تحين ساعة فراقه للدنيا، فيأمر أولاده بتكفينه بكفنٍ اشتراه بخمس روبيات جمعها بنفسه، بعد أن كان يغزل الصوف بيديه ليبيعه إلى في السوق سرًا، ليعيش على ذلك المال، ليدل أبناءه قبل موته على مكان ثروته، يوصيهم أن ينفقوها على الأيتام والأرامل، فذهب الأبناء إلى ذلك المكان الذي دلهم عليه أبوهم، ليجدوا فيه ٣٠٠ روبية هي كل ثروة إمبراطور أعظم إمبراطورية هندية في التاريخ! فرحم اللَّه السلطان العظيم أورانج زايب عالِم قير. ولكن. . . . ماذا حدث للإمبراطورية الهندية الإسلامية من بعده؟ وكيف استولى الإنجليز عليها؟ وكيف قُسِّمت الهند إلى عدة دول؟ ومن هو القائد الإسلامي العظيم الذي أسس دولة باكستان الإسلامية؟ ولماذا ركّز الغرب على (غاندي) وأهملوا ذكره، على الرغم من كونه أستاذًا لغاندي في حركة الكفاح الهندي؟! يتبع. . . . . .

стр. 408

" قائدي أعظم" (محمد علي جناح) " ليس هناك ما يجمعنا بكم، فأبطالنا التاريخيون، أعداءٌ لكم، ومن تعتبرونهم أبطالًا تاريخيين، هم في نظرنا خونة، انتصارتنا التاريخية أيام حزنٍ لكم، وأنتصارتكم نكباتٌ لنا، البقرة إلهٌ لكم، وطعامٌ لنا، أنتم وثنيون، ونحن مسلمون، لن يزول الخلاف بيننا وبينكم، لن يحكمنا هندوسٌ بعد اليوم، أملنا الوحيد يكمن في باكستان الإسلامية! " (محمد علي جناح) الحقيقة أنني كلّما تقدمت أكثر في هذا الكتاب، وفتشت أكثر في صفحاتٍ خلت من التاريخ، وجدت أن أمة الإسلام هي أكثر أمةٍ تعرضت للتشويه في تاريخ الأرض منذ نشأتها، فلماذا يركز الإعلام الغربي على القس المسيحي (مارتن لوثر كنج) الزعيم الأمريكي الأسود الذي طالب بالمساواة مع البيض، في نفس الوقت الذي يهمش فيه نفس الإعلام شخصية إسلامية مثل (مالكوم إكس)، والذي سبق رفيقه المسيحي بسنواتٍ طوالٍ في كفاحه ضد العنصرية؟ ولماذا يركز الإعلام العالمي (الغربي منه والعربي!) على القائد الهندوسي (ألمهاتما غاندي) في الوقت الذي يُهمَّش فيه دور القائد المسلم (محمد علي جناح) أول من نادى بتحرير الهند من سيطرة التاج البريطاني؟ الإجابة عندي لا تخرج عن سببين: (أولًا): طمس تاريخ كل قائد مسلم، ليكون ذلك مقدمة لتشويه صورته "قتل الشخصية"! (ثانيًا): تحويل أنظار الناس نحو الطرق التي انتهجها القادة الغير مسلمين، لأن المسلمين لم يتعلموا من محمد بن عبد اللَّه أن يقاوموا المحتل بالإضراب عن الطعام ورعي الغنم (كما فعل غاندي)، بل إن المسلم مستعدٌ أن يضحي بآخر نقطةٍ من دمه في

стр. 409

سبيل أرضه وعرضه! وأذكر أنني شاركت ذات مرة في برنامجٍ إعلامي لقناة أجنبية كان السؤال فيها يدور حول إستعداد العرب للتحول لاستراتيجية (غاندي) السلمية في المطالبة بالحقوق الوطنية بدلًا من العنف "المقاومة"، فكان تعليقي بسيطًا للغاية حين قلت للمذيع: إذا كانت طريقة (غاندي) قد نجحت في الهند، فطريقة (مانديلا) التي تستخدم العنف قد آتت أكلها أيضًا في جنوب أفريقيا! فالشعب الواقع تحت الاحتلال هو الشعب الوحيد الذي يحق له أن يختار طريقة المقاومة التي تناسبه، فالمحتَل (اسم مفعول) لا المحتَل (اسم فاعل) هو صاحب القرار الأول والأخير في اتباع المنهج الذي يناسبه! ومحمد علي جناح الذي لا يعرفه أكثرنا كان قائد المسلمين في الهند، وعندما نقول الهند في ذلك الوقت فإننا نقصد بها شبه القارة الهندية، والتي تضم الآن كلًا من "الهند" و"باكستان" و"بنغلادش". فقد رأينا فيما سبق أن المسلمين هم الذين كانوا يحكمون الهند لأكثر من ألف سنة، إلا أن الوضع تغير بوصول المنصر الصليبي البرتغالي (فاسكو دي غاما) عام ١٤٩٨ م إلى سواحل الهند، ليقيم جيوبًا للبرتغاليين في أرض الهند الإسلامية، وبعد ذلك دخل الإنجليز إلى الهند تحت مسمى (شركة الهند الشرقية) (Honourable East India Company)، لتكون هذه الشركة نواة لفترة استعمارية "استخرابية" طويلة دامية في شبه القارة الهندية. وفي نهاية القرن التاسع عشر تحرك الهنود لنيل حقوقهم الوطنية، فكان المسلمون الهنود هم دعاة الاستقلال، قبل أن ينضم الهندوس إلى تلك الحركة التحررية، فأسس الهنود المسلمون والهندوس "المؤتمر الوطني الهندي" الذي أعلنوه عام ١٨٨٤ م. لتبدأ عملية المطالبة بالاستقلال، برز على ساحتها أولًا محامي مسلم فصيح اللسان، قوي الشخصية، اسمه (محمد علي جناح)، قبل أن يفتح الإنجليز الأبواب لشخصية هندوسية تدعى بـ (موهانداس كارما شند غاندي) الشهير بـ (المهاتما غاندي) خوفًا منهم لبزوغ نجم القائد الإسلامي للهند! فكان جناح يدعو في بداية الأمر إلى دولة موحدة للهنود متساوية الحقوق، إلا أن الأغلبية الهندوسية كانت ترفض إعطاء الأقلية المسلمة (كانت تبلغ وقتها ١٠٠ مليون!) حقوقًا متساوية مع الهندوس، وبعد أن لاحظ القائد الإسلامي محمد علي جناح تحيز بريطانيا

стр. 410

لصالح الهندوس، أعلن تأسيس "العصبة الإسلامية"، وفي عام ١٩٣٠ م دعا شاعر الهند الأعظم (محمد إقبال) إلى فكرة استقلال الجزء الإسلامي من شبه القارة الهندية، وفي سنة ١٩٣٣ م ظهرت للوجود كلمة "باكستان" كاسم لدولة إسلامية مستقلة، وهو اسم اقترحه طالب مسلم في جامعة "كمبردج" اسمه (تشودرى رحمت علي). وهى كلمة عجيبة في غاية البلاغة، فلكل حرف منها مغزاه وتعنى ككل "الأرض الطاهرة"! فحرف "الباء" يرمز إلى إقليم "البنجاب" وحرف "الألف" يأتى من "الأفغانية" والتى هى اسم قديم لإقليم الحدود، و"الكاف" منها يأتى من إقليم "كشمير" والذى لا يزال الجزء الكبير منه يرزخ تحت نير الإحتلال الهندي، وحرف "السين" يرمز إلى إقليم "السند" و"تان" من إقليم "بلوشستان". ويعنى الجزء الأول منها "باك" الطاهرة والجزء الثانى "ستان" الأرض. فتولى محمد على جناح (قائدي أعظم كما يسميه الهنود) مهمة قيادة كفاح المسلمين بتميزه القيادى وعزيمته الصلبة حتى وصل بها فى نهاية المطاف إلى الاستقلال عن البريطانيين والهنادكة، وبعد أشهر قليلة من إعلانه استقلال المسلمين، توفي القائد الأعظم محمد علي جناح من شدة التعب والإرهاق الذي بذله في سبيل تأسيس دولة الباكستان، التي أصبحت فيما بعد، أول دولة إسلامية تمتلك سلاح الردع النووي! ومن الهند نفسها، هاجر خياط مسلم اسمه (حسين كاظم ديدات) إلى جنوب أفريقيا بحثًا عن لقمة العيش، مصطحبًا معه طفلًا صغيرًا سيُكتب اسمه حين يكبر بحروفٍ من نور في سجل الخلود الإسلامي! يتبع. . . . . .

стр. 411

﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ " أسد جنوب أفريقيا" (أحمد ديدات) " أيها العرب. . . إنهم يريدونكم أنتم بالذات! فأنتم الهدف الأول لحملات التنصير العالمية، أيها العرب، أقولها لكم بكل وضوح. . . أنتم التحدي القادم! " (الشيخ أحمد ديدات) كانت ليلة عاصفة، رجع فيها كل الموظفون إلى بيوتهم، ولم يبقَ في المصنع إلا شابٌ فقيرٌ لوحده، فهو من جهة لا يملك أن يترك المصنع قبل أن ينجز عمله، ومن جهة أخرى لم يكن ذلك الشاب المسكين يملك بيتًا أصلًا لكي يرجع إليه! لذلك أخذ ذلك الشاب شمعة صغيرة لكي يذهب بها إلى مخزنٍ مهجورٍ تابعٍ للشركة التي كان يعمل بها، فقد طلب منه رئيسه في العمل أن يرتب البضائع المتراكمة في ذلك المخزن القديم قبل أن يخلد إلى النوم، فبذلك فقط يتسنى له الحصول على قوت يومه الذي يسد به رمقه، فنزل ذلك الشاب الفقير ذو الساقين الرفيعتين إلى جنبات المستودع المظلم، وهزيم الرعد يزمجر أرجاء المستودع المهجور من حوله، ليتردد صدى الصوت في أرجاء الغرفة المظلمة، فيضفي ذلك جوًا من الرعب في أرجاء ذلك المكان المرعب من الأساس، فأخذ الشاب الفقير يرتب البضائع القديمة لوحده، وسحابة من الغبار تنطلق من بين ثنايا البضائع المهملة لتملأ أرجاء الغرفة المهجورة، ليضطر أن يحمل شمعته بيده ليفتح نافذة صغيرة موجودة في أعلى الغرفة قبل أن يختنق من الغبار الذي كاد أن يقتله، وما إن استطاع من فتح النافذة، حتى دفعته الرياح العاصفة من الخارج بقوة أسقطت جسمه النحيل أرضًا، لينطفأ بذلك وميض الشمعة الخافت الذي كان ينير له زوايا الغرفة المظلمة، فيضطر بعدها أن يعمل وحده في الظلام الدامس، منتظرًا ضوء البرق المنعكس بين الفينة والأخرى من نافذة ذلك المستودع المهجور، ليستدل من خلاله على موضعٍ

стр. 412

جديدٍ يرتبه في ذلك المخزن المهجور. وانتصف الليل. . . . . والعاصفة في الخارج تزداد شدة وهيجانًا، وصاحبنا ما زال يعمل كالأعمى يتحسس البضائع الملقاة في تلك الغرفة الموحشة، وكأن مدير المصنع تذكر هذا المخزن المهجور بعد سنينٍ طويلة من إقفاله، ليستغل حاجة هذا الشاب المعدم للمال في تنظيفه تلك الغرفة. وعندما أوشك الشاب المسكين على الوقوع أرضًا من شدة الجوع والتعب، حدث شيءٌ غريب!! فلقد ارتطمت قدماه بجسمٍ مجهولٍ على الأرض، فرفعه بيديه ليكتشف أنه كتابٌ ملقى في ثنايا الصناديق المهملة، فحاول عبثًا أن يقرأ عنوان ذلك الكتاب مستعينًا بضوء البرق المنعكس على الغرفة، ولكن دون جدوى، فلم يكن وميض البرق الخافت كافيًا لكي يميز من خلاله الحروف المنقوشة على الغلاف المتهالك لذلك الكتاب القديم، ولكن فضول الشاب وشغفه الشديد بالقراءة دفعه إلى يحمل الكتاب ويذهب به إلى تلك النافذة التي طرحته أرضًا من قبل، ليقاوم بجسمه النحيل قوة الرياح المندفعة من خلالها، منتظرًا ظهور البرق في سماء تلك الليلة الليلاء، علَّه يستطيع بذلك قراءة عنوان الكتاب، وبعد طول انتظار. . . . سقط نصلٌ لامعٌ من البرق، وكأنه سهمٌ انطلق من قوسٍ في علياء السماء، ليستقر على ذلك الكتاب بالتحديد، لتصبح الحروف المنقوشة على غلافه وكأنها حروفٍ من نور انعكست في عيني ذلك الشاب، فلقد ظهر للشاب الفقير أن اسم ذلك الكتاب هو "إظهار الحق"! وهو نفسه الكتاب الذي سيغير من حياته رأسًا على عقب بعد قراءته، ليتحول بعدها ذلك الشاب المسكين المعدم الذي لا يملك قوت يومه، إلى بطلٍ عظيمٍ من عظماء أمة الإسلام، يملأ عبقه الآفاق ذكرًا وشهرة، ليغير بعد ذلك مجرى التاريخ الإنساني إلى الأبد، فلقد كانت هذه الليلة العاصفة وتلك الغرفة المظلمة بداية الانطلاق لأسطورةٍ إسلاميةٍ حيةٍ اسمها: الشيخ أحمد ديدات! قبل ذلك بنحو قرنٍ ونصف من الزمان، وُلد مؤلف هذا الكتاب في الهند في غرة جمادى الأولى سنة ١٢٣٣ هـ الموافق التاسع من مارس سنة ١٨١٨ م، وهو الشيخ (محمد رحمت اللَّه -بالتاء المفتوحة- ابن خليل الرحمن الكيرانوي العثماني الأموي الهندي ثم المكي)، ونسبه الأموي ينتهي إلى عثمان بن عفان ﵁ عند الجد الرابع

стр. 413

والثلاثين (وليت شعري أي شرفٍ تركتم لمن بعدكم يا بني أمية!). فبعد أن احتلت بريطانيا الهند، أيقن الإنجليز أنهم إذا تعرضوا لأية مشاكل في المستقبل فلن تأتي إلا من قبل المسلمين الهنود، لأن المسلمين هم وحدهم الذين لا يسكتون على ضيم، بعكس الهندوس، فإنهم مستسلمون ولا خوف منهم. وعلى هذا الأساس خطط الإنجليز لتنصير المسلمين للبقاء في الهند لألف عام، وبدؤوا فعلًا في استقدام موجات المنصرين إلى الهند، هدفهم الأول في ذلك هو تنصير المسلمين الهنود بالتحديد، مستعينين بذلك بقسيسٍ فصيح اللسان اسمه (الأب فندر)، فكان هذا القس يتحرش بالمسلمين في الغداة والعشي يريد تنصير المسلمين بأي شكلٍ من الأشكال، فأخذ يكيل الاتهامات وينشر الشبهات في صفوف المسلمين، والمسلمون عاجزون عن الرد إما خوفًا من بطش الجنود الإنجليز أو جهلًا باللغة الإنجليزية، حتى ظهر هذا الصقر الأموي من على قمم الهملايا، فطلب مناظرة القس فندر علانية أمام الملأ، فتجمع عشرات الآلاف من الهنود المسلمين والهندوس في الساحة الرئيسية للعاصمة الهندية دهلي (دلهي) في أكبر مناظرة دينية عرفتها الهند، فظن القس النصراني أن الفرصة صارت مواتية له لتنصير عشرات الآلاف من المسلمين دفعة واحدة، فبدأ فندر المناظرة بكيل سيل من الاتهامات في شرف النبي وسمعته، ولما انتهى من كلامه تقدم الشيخ رحمت اللَّه العثماني الأموي أمام الملأ ليفند تلك الاتهامات واحدة بعد الأخرى، حتى إذا ما انتهى من تفنيدها بدأ مرحلة الهجوم الكاسح على القس، ليقرأ له من كتابه المقدس ما يثبت نبوة محمد ﷺ وبطلان ألوهية عيسى، لتعلوا صيحات اللَّه أكبر من عشرات الآلاف من الجمهور، والشيخ رحمت اللَّه يقرأ أسفار الكتاب المقدس سفرًا سفرًا لمدة ساعات من دون أن يتلعثم ولو في كلمة واحدة، حتى إذا ما فرغ من كلامه، تقدم مئات الهندوس من المستمعين ليعلنوا إسلامهم أمام القس الذي ولّى القهقرة، لينتصر رحمت اللَّه الأموي في مناظرته الشهيرة، وتنتشر أخبار هذه المناظرة في أرجاء الهند من دكا إلى كراتشي تحت اسم "المناظرة الكبرى"، قبل أن يُجبر الشيخ البطل رحمت اللَّه الأموي إلى الهروب متخفيًا إلى مكة بعد أن صار المطلوب رقم واحد للإمبراطورية البريطانية، فرصد الإنجليز ألف روبية لاعتقاله (مبلغ ضخم وقتها)، وهناك في مكة استقبله المسلمون أيّما استقبال بعد أن

стр. 414

طارت أخبار المناظرة الكبرى إليهم، ليطلبه الخليفة العثماني (عبد العزيز خان) ﵀ شخصيًا لمقابلته في "إسطانبول" وذلك بعد أن وصلت أخبار المناظرة الكبرى إلى الباب العالي في عاصمة الخلافة، ليقابل رحمت اللَّه الأموي خليفة المسلمين هناك، ويقص عليه قصة المناظرة الكبرى، ليفرح به الخليفة ويطلب منه أن يدون أحداث تلك المناظرة الكبرى في كتاب بتمويل من الخليفة نفسه حتى يستفيد منه المسلمون في سائر أرجاء الخلافة الإسلامية، وفي كل الأزمنة، ليدون الشيخ محمد رحمت اللَّه الكيرانوي العثماني الأموي الهندي ثم المكي هذه الأحداث في كتابٍ أسماه "إظهار الحق"، ليشاء اللَّه لبطلنا أحمد ديدات أن يجد نسخة نادرة منه بعد ذلك بمائة عام، ليكون هذا الكتاب العظيم أحد أسباب فتح آفاق الشيخ ديدات للرد على شبهات النصارى، وبداية لمنهج حواري علمي مع أهل الكتاب، وتأصيل ذلك تأصيلًا شرعيًا يوافق المنهج القرآني في دعوة أهل الكتاب بالتي هي أحسن إلى الحوار وطلب البرهان والحجة من كتبهم المحرفة، ليتحول ديدات من خلاله إلى المناظر الأول للنصارى في تاريخ أمة محمد عبر جميع مراحل التاريخ الإسلامي! وقد يعجب البعض حين يعلم أن النصارى أنفسهم هم الذين صنعوا هذا العملاق الإسلامي! فقد كان الشيخ أحمد ديدات مجرد صبي فقير لا يعرف في الإسلام غير "الشهادة" على حد قوله، ففي أربعينات القرن الماضي كان المنصرون في مدينة "ديربن" في جنوب أفريقيا يمرون عليه في دكان الملح الذي كان يعمل به ليوجّهوا له أسألة استفزازية من قبيل: "يا هذا. . . هل تعلم أن نبيك محمد سرق قرآنه من التوراة والإنجيل؟ يا هذا. . . هل تعلم أن نبيك محمد كانت له نساء كثيرات؟ هل تعلم أن نبيك نشر دينه بحد السيف؟ " والحقيقة أن أحمد ديدات لم يكن يعرف ماذا يريد أولئك المنصرون بالضبط، فهو بالكاد يعرف أن اسم نبيه هو محمد، فضلًا من أن يعرف عدد زوجاته! ولكن ذلك الصبي الفقير لم يكن يحتاج إلى كثيرٍ من الذكاء ليستنتج أن هناك نبرة استهزاء وعنصرية في كلام أولئك المنصرين، ففهم أن سبب عجزه عن الإجابة ينبع من جهله، فقام بتنفيذ أول أمرٍ إلهي للمسلمين "اقرأ"!، فقد أدرك هذه الصبي الجنوب أفريقي الذي هاجر مع أبيه إلى الهند بعد أن ماتت أمه أنه بالقراءة فقط يمكن له أن يصبح

стр. 415

قويًا، فصار يقرأ كلَّ شيء يجده أمامة، فلا يترك صحيفة ملقاة، أو كتابٍ مهمل، أو إعلانٍ دعائي إلا وقرأه، ثم اتجه إلى مكتبة المدينة، فصار يقرأ فيها كل شيء، يلتهم الكتب التهامًا، يقرأ عن أشياءٍ يعرف معناها وأشياءٍ لم يسمع بها البتة، فقرأ في التاريخ والأدب والفيزياء والهندسة واللغات وكل ما يخطر على بال إنسان، ثم قرأ عن المسيحية: كتبها - تاريخها - فلسفتها - تفاسيرها، كل شيء من دون استثناء، حتى جاء وقت على الشاب أحمد ديدات لم يجد به كتابًا يقرأه في مكتبة ديربن بعد أن قرأ كل الكتب والمجلات والوثائق الموجودة في المكتبة! فأصبح ذلك الشاب القارئ يمتلك حصيلة لغوية وموسوعة معرفية واضطلاع ثقافي واسع، وعندما انتهى الشاب أحمد ديدات من مرحلة بناء الشخصية، بدأ ديدات مرحلة الهجوم المضاد، فصار ينتظر أولئك المنصرين انتظارًا في دكان الملح الذي كان يعمل به أجيرًا، ليرد على أسألتهم، فيفحمهم بإجاباته، ثم يلقي الكرة في ملعبهم، مستعينًا بما يحفظه من كتبهم، فقد حفظ الشيخ الأناجيل الأربعة "لوقا - يوحنا - مرقص - متّى" عن ظهر قلب، بعد أن حفظ القرآن بأرقام آياته وسوره، ليتحول هذا الشاب الفقير بفضل أولئك الحمقى إلى ماردٍ إسلامي ضخم، فامتنع القساوسة من المجيئ للدكان بعدما رأوا ما رأوه منه. المضحك في القصة، أن أحمد ديدات صار ينتظر يوم عطلته الإسبوعية انتظارًا ليتوجه بنفسه إلى كنائسهم يبحث عنهم ليناظرهم! وبعد أن عثر شيخنا على كتاب "إظهار الحق" للعلامة (رحمت اللَّه الأموي) في القصة التي ذكرناها سابقًا، أصبح الشيخ أحمد ديدات أهم مناظر إسلامي على وجه الكرة الأرضية، ليجوب القارات الخمس مناظرًا للنصارى وداعية للإسلام، عندها قرر المنصرون أن يرموه بأعظم منصر في العالم، وهو المنصر الأمريكي (جيمي سويغارت)، فاستخدم ذلك المنصر الخدعة المستهلكة في الطعن في شرف النبي، فناظره الشيخ أحمد ديدات في عقر داره في "الولايات المتحدة"، ليقضي عليه بالضربة القاضية وينتصر عليه في المناظرة. (قبض على سويغارت عام ١٩٨٨ وهو يمارس الجنس مع مومس محترفة في سيارته!)، ليحاول عبّاد الصليب محاولة أخيرة مع الشيخ ديدات، فبعثوا إليه بأكبر منصر عربي، هو المنصر الفلسطيني الصهيوني (أنيس شروش)، فلقنه بطلنا درسًا في فنون اللغة العربية وانتصر عليه. (قبض على شروش عام ٢٠٠٨ في ولاية ألاباما الأمريكية وهو

стр. 416

يحاول حرق وثائق تثبت اختلاسه لأموال الكنيسة متخفيًا بزي عربي لإيهام السلطات بأن الفاعل إرهابي عربي مسلم قبل أن يُكتشف أمره ويوضع في غياهب السجون مع المجرمين من أمثاله). فقام الشيخ الجليل بتسجيل هذه المناظرات وغيرها على أشرطة فيديو، لتنتشر هذه الأشرطة في العلام الإسلامي من أندونيسيا إلى السنغال. وفي إبريل عام ١٩٩٦ أصيب الشيخ ديدات بجلطة في الدماغ، فنصحه الأطباء بالراحة، إلا أن ذلك الأسد المخضرم رفض الاستماع لنصائح الأطباء، فسافر إلى أستراليا لعرض الإسلام على الشعب الأسترالي، فتحدى هناك عددًا من المنصرين الأستراليين الذين أساءوا للإسلام، وكان لا يناظر ولا يبادر إلا المنصرين الذين يتعدون على الإسلام، فيستدعيهم الشيخ للمناظرات ويرد عليهم بالحجة والبرهان، وعلى الرغم من مرضه وكبر سنه الذي قارب من الثمانين، طاف الشيخ ديدات ولايات أستراليا محاضرًا ومناظرًا ومدافعًا عن دين محمد بن عبد اللَّه ﵊، غير آبهٍ بنصائح الأطباء، حتى وقع الشيخ أرضًا من شدة الإرهاق والتعب، فأصيب بجلطة في الدماغ، فأصبح داعيتنا البطل طريح الفراش لا يستطيع أن يحرك إلا عينيه، ولكنه رغم ذلك لم ييأس، فقد استخدم لوحة ضوئية يختار منها بعينيه حروف الكلمات التي يريد التعبير بها، ليستمر هذا الأسد الإسلامي في مسيرة العلم التي بدأها صغيرًا يوم كان يعمل في دكان الملح، ويوم كان يذهب خلسة إلى مكتبة ديربن، ويبقى على تلك الحالة الثابتة مدة تسع سنوات يعلم تلاميذه بنظرات عينيه. وفي صباح يوم الاثنين الثامن من أغسطس ٢٠٠٥ م الموافق الثالث من رجب ١٤٢٦ هـ فقدت الأمة الإسلامية الداعية الإسلامي الكبير، أسد جنوب أفريقيا الإسلامي، الشيخ المجاهد أحمد ديدات، فعليه من اللَّه جزيل الرحمات، وواسع المغفرة والكرامات. ولكن لماذا يحمل الصليبيون كل هذا الحقد على الإسلام؟ ومتى بدأ الصراع الإسلامي الصليبي؟ وما هي قصة "تبوك"؟ وما حكاية "المُخلّفين الثلاثة"؟ ولماذا خلّدهم اللَّه في قرآنٍ يُتلى إلى يوم القيامة؟ يتبع. . . . . .

стр. 417

﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ (المخلَّفون الثلاثة) " ولبثت بعد ذلك عشر ليالٍ حتى كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول اللَّه عن كلامنا، فلما صليت صلاة الفجر صبح خمسين ليلة على سطح بيت من بيوتنا بينا أنا جالس على الحال التي ذكر اللَّه تعالى، قد ضاقت عليَّ نفسي، وضاقت عليَّ الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ أوفى من جبل سلع بأعلى صوته، يا كعب بن مالك: أبشر! فخررت ساجدًا" (كعب بن مالك) تطرق هذا الكتاب إلى قصة التتار، وفصّل بشكلٍ مطول -نوعًا ما- تاريخَ الأندلس، وشرح قصةَ الفتنة من أول شرارة لها، وكشف الغطاء عن قصة الإسلام الخفية في أمريكا، وقتل موضوع الشيعة الرافضة وخياناتهم من الهند إلى الأندلس بحثًا وتحذيرًا، وحاول بشكلٍ أو بآخر أن يعطي القارئ الكريم فكرة عن دولِ الإسلام المختلفة، من بداية الخلافة الراشدة، وحتى الخلافة العثمانية، مرورًا بالخلافتين الأموية والعباسية، ولكني أعتقد أن أهم قصة وردت في هذا الكتاب هي قصة الإسلام نفسه! والحقيقة أنني أرى أن كثيرًا من أساتذتي المختصين في مجال التاريخ الإسلامي يفوتهم شيءٌ مهمٌ للغاية، فالكثير منهم يعتقد أن تاريخ الإسلام يبدأ مع نزول الروح الأمين جبريل ﵇، على الصادق الأمين محمد ﵊، وثلة قليلة منهم تبدأ حديثها عن الإسلام من عام الفيل! والحقيقة أن أيًا من الفريقين جزاهمهما اللَّه خيرًا لم يُصب كبد الحقيقة في اجتهاده. فحصر قصة الإسلام لتُبدأ من بداية البعثة النبوية شيءٌ لا يستقيم أبدًا، فتاريخ الإسلام قديم قديم، بقِدم ظهور الإنسان نفسه، فالإسلام كشريعة (مثل الحج مثلًا) بدأ فعلًا مع رسول اللَّه ﷺ ، ولكن الإسلام كعقيدة (توحيد اللَّه) سبق ظهور رسول اللَّه نفسه، فلقد رأينا أن هناك من العرب من كانوا مسلمين قبل البعثة النبوية، ورأينا بعض النصارى المسلمين (الآريسيين)، ورأينا زوجة فرعون المسلمة،

стр. 418

وأصحاب الكهف المسلمين، ومؤمني ثمود، وغيرهم الكثيرين من المسلمين الموحدين، فالإسلام هو تاريخُ الإنسانية، وليس تاريخًا في الإنسانية! وفي ضوء هذا المفهوم الأوسع للإسلام، يصبح من الخطأ بمكان أن نؤرخ لبداية الحروب الصليبية من الـ ٢٧ من نوفمبر سنة ١٠٩٥ م يوم انعقاد مؤتمر "كليرمونت"، فالبداية الحقيقية للحروب الصليبية بدأت في يوم الـ ٢٠ من مايو سنة ٣٢٥ م! وهو اليوم الذي تم فيه عقد مؤتمر "نيقية" الذي أعلن فيه الصليبيون الحرب على المسلمين الموحدين بقيادة القس البطل (آريوس) الذي رفض قرارات المؤتمر! أما بالنسبة للمسلمين من أمة محمد، فقد بدأت الحرب الصليبية فعليًا من العام السابع للهجرة، وبالتحديد مع رسالة رسول اللَّه ﷺ إلى هرقل، والمفارقة أن أول شهداء الحروب الصليبية في تاريخ أمة محمد كان كبير أساقفة الإمبراطورية الرومانية (صغاطر) رحمه اللَّه تعالى الذي قتله الصليبيون فورَ إسلامه! ثم رأينا كيف دعا رسول الرحمة النصارى بالحسنى والطرق السلمية إلى الإسلام، ليقابله النصارى بقتل رسوله، قبل أن يغدر جيشٌ مكونٌ من ٢٠٠٠٠٠ مقاتل نصراني بسرية إسلامية صغيرة مكونة من ٣٠٠٠ مجاهد لم يذهبوا في الأساس لقتال الرومان. ورأينا كيف استشهد "الفرسان الثلاثة" في ملحمة بطولية نادرة لا تتكرر في التاريخ! وللقصة بقية. . . . فلقد قرر رسول اللَّه ﷺ منذ تلك اللحظة إعلان حالة الحرب الشاملة على الإمبراطورية الرومانية التي غدرت بالمسلمين، والسائل يتساءل هنا: هل أعلن الرسول ﷺ الحرب على أكبر إمبراطورية موجودة في العالم آنذاك من أجل ١٢ صحابيًا فقط كانوا قد سقطوا في مؤتة؟ الإجابة: نعم! فأولئك الشهداء لم يكونوا جنودًا يُربطون بالسلاسل كجنود الفرس، ولم يكونوا عبيدًا ملزمين بالتجنيد الإجباري كجنود الروم، بل كانوا محمد بن عبد اللَّه أعظم إنسانٍ خلقه اللَّه في الكون بأسره، فرسول اللَّه ﷺ هو أكثر إنسان في الدنيا يقدر معنى الوفاء للصاحب، والصحابة رضوان اللَّه عليهم هم خير البشر بعد الأنبياء منذ بدء الخلق وإلا يوم القيامة، لذلك أعلن رسول اللَّه ﷺ الحرب على أكبر إمبراطورية في الدنيا من أجل ١٢ صحابيًا فقط! وواللَّه ما أعلنت الحرب على علماء الشيعة الرافضة في هذا الكتاب إلى حبًا بمحمدٍ واقتداءً به، فالعيب

стр. 419

كل العيب أن ندفن رؤوسنا في الرمال ومائة ألفٍ من أصحاب محمدٍ يُلعنون من شذّاذ الآفاق في فارس وأتباعهم، فواللَّه لن أكفنَّ عنهم إلا إذا كفّوا عن لعن أصحاب نبيّنا، فإن كفوّا نكف. . . . . وإلا فلا كرامة! وبالفعل. . . . حرَّك رسول اللَّه ﷺ جيشًا مكونًا من ٣٠٠٠٠ مجاهدٍ هو أكبر جيشٌ جمعته العرب في تاريخها، فتوجه به نحو "تبوك" لملاقاة الروم، فكانت المفاجأة. . . . لقد هرب الروم!!! فظل الرسول ﷺ في تبوك لثلاثة أيامٍ معسكرًا ليثبت للروم أنه ينتظرهم بدون أي خوف، ولكن أحدًا منهم لم يظهر، لينتصر المسلمون في معركة تبوك الخالدة بدون قتال! وليتحملني القارئ الكريم هذه المرة أيضًا، فقد شارف الكتاب على الانتهاء، وعندها سيرتاح القارئ من الكاتب ووقفاته المتكررة، فهناك ملاحظة مهمة لا يجب أن تفوت علينا: فلماذا شارك الإمبراطور الروماني بنفسه مع ما يقرب من ربع مليون مقاتل في قتال سرية صغيرة من ثلاثة آلاف مسلم، في الوقت الذي يمتنع فيه عن قتال رسول الإسلام نفسه الذي جاءه بقدميه؟ بل حتى تجنب إرسال كتيبة لقتالهم؟! الحقيقة أن الجواب ينقسم إلى شقين اثنين: (الأول) الرعب الذي ملأ قلب الرومان بعد رؤيتهم لبسالة جيش مؤتة والفرسان الثلاثة، فلقد انتصر ثلاثة آلاف مسلم فقط على ما يقرب من ربع مليون نصراني في مؤتة، فما بالك بجيش تبوك الذي كان عشرة أضعاف جيش مؤتة؟!! (ثانيًا): رأينا من القصة التي رواها الصحابي الجليل أبو سفيان بن حرب والتي أخرجها البخاري في صحيحه، أن هرقل كان مؤمنًا تمام الإيمان بنبوة رسول اللَّه، إلا أنه ضنَّ بملكه، ففضل الدنيا على الآخرة، فلما علم القيصر أن رسول اللَّه جاء بنفسه على رأس جيشٍ لقتاله، ولّى القهقرة، ولم يعقب! والآن لنبقى مع قصة المخلفين الثلاثة، فمتى ذكِرت غزوة تبوك ذكِر معها ذلكم الحدث العظيم، الذي عاشته المدينة وتقلبت مع أحداثه خمسين ليلة، إنه خبر الثلاثة الذين خلفوا: (كعب بن مالك ومرارة ابن الربيع وهلال بن أمية)، وهؤلاء الثلاثة كانوا الوحيدين من بين المؤمنين الذين تخلفوا عن الجيش، لا عن نفاق أو جبن، بل بسبب التسويف، ولنترك الحديث للشاعر كعب بن مالك ليروي لنا فصول تِلكم الواقعة:

стр. 420

"قد جمعت راحلتين، وأنا أقدر شيء في نفسي على الجهاد، وأنا في ذلك أصغي إلى الظلال، وطيب الثمار، فلم أزل كذلك حتى قام رسول اللَّه ﷺ غاديًا بالغداة، فقلت: أنطلق غدا إلى السوق فأشتري جهازي ثم ألحق بهم، فانطلقت إلى السوق من الغد، فعسر علي بعض شأني، فرجعت فقلت: أرجع غدًا إن شاء اللَّه فألحق بهم، فعسر عليَّ بعض شأني أيضًا، فقلت: أرجع غدًا إن شاء اللَّه، فلم أزل كذلك، حتى مضت الأيام، وتخلفت عن رسول اللَّه ﷺ ، فجعلت أمشي في الأسواق وأطوف بالمدينة، فلا أرى إلا رجلًا مغموصًا عليه في النفاق، أو رجلًا قد عذره اللَّه، فلما قضى النبي ﷺ غزوة تبوك، وأقبل راجعًا إلى المدينة، جعلت أتذكر بماذا أخرج به من سخطه، وأستعين على ذلك بكل ذي رأي من أهلي، حتى إذا وصل المدينة، عرفتُ أني لا أنجو إلا بالصدق، وكان من عادته إذا جاء من سفر أو غزاة أن يبدأ بالمسجد، فيصلي ركعتين ثم يجلس للناس. فجاءه المخلفون (المنافقون)، فطفقوا يعتذرون إليه، ويحلفون له، هذا يشكي مرضه، وذاك قلة ذات اليد عنده، وآخر نساءه وعوراته، كانوا بضعة وثمانين رجلًا، فقبل منهم علانيتهم، وبايعهم واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى اللَّه، فجئت إلى رسول اللَّه ﷺ فسلمت عليه، فتبسم تبسّم المغضب، ثم قال لي: تعال، فجئت أمشي حتى جلست بين يديه، فقال لي: ما خلفك، ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟ فقلت: بلى، إني واللَّه لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا، لرأيت أن أخرج من سخطه بعذر، ولقد أعطيت جدلًا، ولكني واللَّه لقد علمت أن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عليَّ، ليوشكن اللَّه أن يسخطك عليَّ، ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه، إني لأرجو فيه عفو اللَّه عني، واللَّه ما كان لي من عذر، واللَّه ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك، فقال رسول اللَّه: أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي اللَّه فيك، فقمت، وثار رجال من بني سلمة، فاتبعوني يؤنبوني فقالوا لي: واللَّه ما علمناك كنت أذنبت ذنبًا قبل هذا، ولقد عجزت ألا تكون اعتذرت إلى رسول اللَّه بما اعتذر إليه المخلفون فقد كان كافيك ذنبك واستغفار رسول اللَّه لك، قلت: فواللَّه ما زالوا يؤنبوني حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي، ثم قلت: هل لقي هذا معي أحد؟ قالوا نعم، رجلان قالا مثل ما قلت، فقيل لهما مثل ما قيل لك، فقلت: من هما؟ قالوا: مرارة بن الربيع العامري، وهلال بن أمية الواقفي، فذكروا لي رجلين صالحين شهدا بدرًا فيهما

стр. 421

أسوة، فمضيت حين ذكروهما لي فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا، حتى تنكرت لي الأرض، فما هي بالتي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي، فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشبَّ القوم وأجلدَهم فكنت أخرج، فأشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف في الأسواق، ولا يكلمني أحد، وأتي رسول اللَّه، فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي: هل حرّك شفتيه بود السلام عليَّ أم لا؟ ثم أصلي قريبًا منه، فأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي، أقبل إليَّ وإذا التفت نحوه، أعرض عني، حتى إذا طال عليَّ ذلك في جفوة المسلمين، مشيت حتى جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي، وأحبُّ الناس إليَّ فسلمت عليه، فواللَّه ما رد عليَّ السلام، فقلت: يا أبا قتادة، أنشدك اللَّه، هل تعلمني أحُب اللَّه ورسوله فسكت، فعدت، فناشدته، فسكت، فعدت فناشدته فقال: اللَّه ورسوله أعلم! ففاضت عيناي، وتوليت حتى تسورت الجدار، فبينا أنا أمشي بسوق المدينة، إذا نبطي من أنباط الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدل على كعب بن مالك، فطفق الناس يشيرون له حتى إذا جاءني، دفع إليَّ كتابًا من ملك غسان (النصراني)، فإذا فيه: أما بعد: فإنه بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك اللَّه بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك! (عرض للخيانة!) قال كعب: وهذا أيضًا من البلاء فتيممت التنور فسجرتها، (أي أحرقتها). حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين إذا رسول رسول اللَّه يأتيني فقال: إن رسول اللَّه يأمرك أن تعتزل امرأتك، فقلت: أطلقها؟ قال: لا، ولكن اعتزلها ولا تقربها، وأرسل إلي صاحبي مثل ذلك فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك، فكوني عندهم حتى يقضي اللَّه في هذا الأمر، فجاءت امرأة هلال بن أمية فقالت: يا رسول اللَّه إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه قال: لا، ولكن لا يقربك، قالت: إنه واللَّه ما به حركة إلى شيء، واللَّه ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا، قال كعب فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول اللَّه في امرأتك كما أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه، فقلت: واللَّه لا أستأذن فيها رسول اللَّه وما يدريني ما يقول رسول اللَّه إذا استأذنته فيها، وأنا رجل شاب. ولبثت بعد ذلك عشر ليالٍ حتى كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول اللَّه عن كلامنا، فلما صليت صلاة الفجر صبح خمسين ليلة على سطح بيت من بيوتنا بينا أنا جالس على الحال التي ذكر اللَّه تعالى (في الآية

стр. 422

القرآنية التي تصف حالهم)، قد ضاقت عليَّ نفسي، وضاقت عليَّ الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ أوفى من جبل سلع بأعلى صوته، يا كعب ابن مالك: أبشر، فخررت ساجدًا فعرفت أن قد جاء فرج من اللَّه، وآذن رسول اللَّه بتوبة اللَّه علينا حين صلى الفجر فذهب الناس يبشروننا، وذهب قبل صاحبي مبشرون فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبيَّ فكسوته إياهما ببشراه، واللَّه ما أملك غيرهما! واستعرت ثوبين، فلبستهما، فانطلقت إلى رسول اللَّه فتلقاني الناس فوجًا فوجًا يهنئونني بالتوبة يقولون: ليهنك توبة اللَّه عليك، حتى دخلت المسجد، فإذا رسول اللَّه جالس حوله الناس، فقام إليَّ طلحة بين عبيد اللَّه يهرول حتى صافحني وهنأني، ولست أنساها لطلحة، فلما سلمت على رسول اللَّه قال: وهو يبرق وجهه من السرور: أبشر بخير يومٍ مر عليك منذ ولدتك أمك، قلت: أمن عندك يا رسول اللَّه أم من عند اللَّه؟ قال: لا بل من عند اللَّه، وكان رسول اللَّه إذا سُر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه فلما جلست بين يديه قلت: يا رسول اللَّه، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى اللَّه، وإلى رسوله فقال: أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك. قلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر، فقلت: يا رسول اللَّه، إن اللَّه إنما نجاني بالصدق، وإن من توبتي ألا أحدث إلا صدقًا ما بقيت". وقد خلّد اللَّه قصة هؤلاء المخلفين الثلاثة، الذين علّموا الدنيا معنى التوبة الحقيقية في قرآنٍ تُتلى آياته إلى يوم القيامة بقوله عز من قائل: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١١٧) وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١١٨) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ [التوبة: ١١٧ - ١١٩]. غزوة تبوك. . . . . كان من أبطالها عملاقٌ عظيم من عمالقة الإسلام، هذا العملاق دفع نصف أملاكه دفعة واحدة لتجهيز الجيش الإسلامي المتجه إلى تبوك! فمن يكون الصحابي الجليل الذي أسس علم الاقتصاد الإسلامي؟ يتبع. . . .

стр. 423

" مؤسس علم الاقتصاد الإسلامي" (عبد الرحمن بن عوف) " دلَّني على السوق! " (عبد الرحمن بن عوف) الإسلام ليس دين الفقراء كما يظن البعض، وليس دين الأغنياء كما يتمنى البعض الآخر، الإسلام هو دين المسلمين! دين الفقراء والأغنياء على حدٍ سواء، فليس صحيحًا أنه ينبغي عليك أن تكون معُدمًا كي تكون تقيًا مؤمنًا، وليس صحيحًا أن الغنى هو المرادف للتسلط والجبروت، فالخطأ الكبير الذي يقع به بعض المسلمين أنهم يظنون أن الإسلام الصحيح هو في ترك الدنيا والانعزال عن العالم الخارجي والتفرغ للدروشة، فما هكذا كان أصحاب محمد ﷺ ، وما هكذا كان السلف الصالح الذي فتح الدنيا، فقد كانوا ﵏ يزاولون حياتهم بشكلٍ طبيعي، فالإسلام يحتاج للغني كما يحتاج للفقير، فمن الذي قال أنه هذه الأمة هي أمة الفقراء؟ فأمة الإسلام على أيدي رجالٍ أثرياء مثل أبي بكر وعثمان وعبد الرحمن، فاللَّه هو الذي سخر لهذه الأمة تجّارًا يحملونها على أيديهم، فلولا ثراء أبي بكر لبقي بلالٌ يُعذب تحت حجارة مكة، ولولا ثراء عثمان لبقي الصحابة عَطاشى ينتظرون شربة ماء من اليهودي الذي كان يملك بئر رومة، ولولا ثراء ابن باديس لما صنع جيلًا حرر به الجزائر، فواللَّه لن تقوم هذه الأمة بدون أغنيائها أبدًا، فالأمة تحتاج إلى رجال أعمالٍ أثرياءٍ ينفقون على الدعوة ويحملون همّ قيام هذه الأمة من جديد، فالمال قوة، والقوة هي ما نحتاج في هذه المرحلة الحساسة! وقبل أن نخوض في قصة هذا الصحابي العظيم، أرى أن أذكر قصة طريفة تسهِّل علينا فهم هذه العقلية الاقتصادية الإسلامية الجبارة، فقد رُوي في الأثر أن أحد التجار خرج في التجارة ليرجع من حيث أتى في اليوم التالي، فلما رجع إلى مدينته سأله صاحبه عن سر رجوعه بقافلته، فقال له: "يا أخي، لقد رأيت حمامة عرجاء عمياء في منتصف

стр. 424

الطريق، فقلت في نفسي: كيف لهذه الحمامة أن تعيش وهي في هذه الحالة، وبعد لحظات جاءت حمامة أخرى حاملة بعض الطعام إلى تلك الحمامة العمياء، فقلت: لا إله إلا اللَّه! إن الذي رزق هذه الحمامة العمياء في جوف الصحراء لقادرٌ أن يرزقني بدون أن ألهث وراء الدنيا، فما إن رأيت ذلك حتى قررت أن أرجع بتجارتي لأهلي وأولادي" فنظر إليه صاحبه ووضع يده على كتفه وقال له وهو يحاوره: "سبحان اللَّه يا أخي! لم ترضى على نفسك أن تكون حمامة عرجاء تنتظر طعامها من الغير، ولا ترضى أن تكون حمامة قوية تطعم غيرها من الحمام؟!! ". وعظيمنا الحالي هو أحد أغنى أغنياء المسلمين في التاريخ، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، وأحد الخمسة العظماء الذين أسلموا على يد الصدّيق (جزاك اللَّه خيرًا يا أبا بكر!)، وأحد الستة أصحاب الشورى، وأحد البدريين، وأحد أصحاب بيعة الرضوان، صاحب الهجرتين، المصلي إلى القبلتين، إنه رمز العطاء، وقدوة الأغنياء، إنه الثري الذي كان يتصدق بلا خوف، إنه البطل العظيم عبد الرحمن بن عوف. وعبد الرحمن بن عوف ﵁ وأرضاه لم يكن غنيًا ومؤمنًا فحسب، بل كان عبد الرحمن ابن عوف وأبو بكر الصِّديق المخلوقين الوحيدين على وجه الكون الذين صلى خلفهما رسول العالمين محمد ﷺ الذي صلى خلفه جميع الأنبياء والرسل في رحلة الإسراء الشهيرة! وعبد الرحمن بن عوف أراد أن يكون في خانة العطاء، لا في خانة الأخذ، فعندما هاجر بطلنا إلى المدينة، آخى رسول اللَّه ﷺ بينه وبين الصحابي الجليل (سعد بن الربيع)، وقد قدم عبد الرحمن بن عوف المدينة صفر اليدين كغيره من المهاجرين الأبطال الذين خلفوا منازلهم وأسواقهم وأموالهم خلف ظهورهم في مكة وتركوها لوجه اللَّه تعالى، فعرض عليه أخوه الأنصاري سعد بن الربيع ﵁ نصف ما يملك فاعتذر عبد الرحمن بعفاف النبلاء قائلًا: "بارك اللَّه في مالك وأهلك ولكن دلني على السوق" فانطلق ﵁ إلى سوق المدينة فباع واشترى، واشترى وباع وما هو إلا زمن قصير فإذا به يصبح من أرباب الملايين! يقول الإمام (ابن حجر العسقلاني): "خلّف عبد الرحمن بن عوف أربع زوجات فورثت كل واحدة ١٠٠٠٠٠ دينار، ومعلوم إن الزوجات يشتركن في

стр. 425

الثمن، وبحسبة بسيطة يكون الثمن ٤٠٠٠٠٠، فتكون التركة الكاملة التي تركها لورثائه تساوي (٨٤٠٠٠٠٠) × (٣٢٠٠٠٠٠)، أي ثلاثة ملايين ومائتي ألف دينارٍ (ذهبي)! " هذا باستثناء الأموال التي كان ينفقها على المسلمين، والقوافل التي كان يوقفها في سبيل اللَّه، كل هذا لأنه لم ينتظر أن تأتيه "الوظيفة" كما يفعل خريجو جامعاتنا، فكلمة السر هي: "دلّوني على السوق! " ومع نهاية قصة هذا الصحابي الإسلامي العظيم، أكون قد انتهيت من ذكر قصص الصحابة في هذا الكتاب، بدأتها بقصة أول العشرة المبشرين بالجنة (أبو بكر الصديق) وانتهيت بقصة عاشر العشرة المبشرين بالجنة (عبد الرحمن بن عوف)، ذاكرًا قصص بعض الصحابة بينهما، فلو كان الأمر بيدي، لكتبت قصص أصحاب محمد الذين يزيدون عن المائة ألف، فكل واحدٍ فيهم لديه قصة عجيبة جعلت منه واحدًا من أعظم خلق اللَّه في الكون. فوداعًا أصحابَ محمد، والعفو والسماح إن كنت قد قصّرت في حقكم، فأنّى لإنسانٍ أن ينصف من مثلكم، فعظمتكم ناطحت علياء السماء، فتعدت النجوم والثريا، فواللَّه إني ما كتبت عن واحدٍ منكم إلا وعشت معه وكأني أراه أمامي، ولا أعرف إن كان لمثلي أن يتمنى أن يرزقه اللَّه رؤيتكم في حضرة نبيه يوم القيامة، ولكني أعلم أن اللَّه على كل شيء قدير. ومن عبد الرحمن إلى عبد العزيز، ومن صحاري الحجاز، إلى حدائق تونس الخضراء، نطير معًا برفقة نسرٍ إسلاميٍ عملاق، حلّق فوق قمم جبال الأطلس، يرفع بجناحيه راية الإسلام، لتعانق بذلك سُحب السماء! فمن هو ذلك القائد الإسلامي العظيم الذي لقن فرنسا درسًا في معنى النضال الإسلامي في تونس، ولقن الإنجليز درسًا آخرًا في معنى الحرية المحمدية في العراق؟ فتعالوا معًا لنسبر أغوار هذا النسر الإسلامي العملاق الذي رفع بجناحيه راية التحرير في تونس الخضراء، ليعلنها ثورة حتى النصر! يتبع. . . . .
следующие страницы →