Полный текст (458 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
الفرس المجوس، فأشار عليه أن يولي رجلًا من المسلمين على قيادة الجيش، وبعد شدٍ وجذبٍ بين الفاروق وأصحابه جاءت القرارات العمرية الثلاث: (أولًا) إعلان حالة الطوارئ القصوى والنفير العام في أرجاء الدولة الإسلامية. (ثانيًا) تعيين سعد بن أبي وقاص قائدًا عامًا للجيوش المجاهدة المتجهة إلى فارس (ثالثًا) إعلان الحرب الشاملة على الفرس المجوس!
فماذا حصل بعد ذلك؟ وما هي قصة "معركة القادسية العظمى"؟ ومن هم أبطالها العظماء؟ وما هو ذلك الوصف العجيب الذي وصفهم به القائد الإسلامي العظيم سعد بن أبي وقّاص؟
يتبع. . . . .
стр. 352
"ابتعثنا اللَّهُ لنخرح العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد"
(أسود القادسية)
" ورجال من المسلمين لا نعلمهم اللَّه بهم عالم، كانوا يدوون بالقرآن إذا جن عليهم الليل دوي النحل، وهم آساد لا يشبههم الأسود"
(سعد بن أبي وقاص)
أجد نفسي أمام مهمة صعبة للغاية، ألا وهي مهمة إنصاف عظماء الأمة، وخاصة الذين لم يأخذوا حقهم في التاريخ بالتأريخ لهم، فقلما تجد أحدًا يعرف شيئًا عن أبطال القادسية الذين دمّروا الإمبراطورية الفارسية التي عجزت جيوش الإغريق والرومان على تدميرها على مدار مئات السنين، وأخشى ما أخشاه أن هناك من لم يسمع أصلًا عن قائد القادسية سعد بن أبي وقاص فضلًا أن يعرف الاثنين والثلاثين ألفا من جنودها! والحقيقة أنني أردت أن أكتب عن جندي واحد من جنود القادسية اسمه "ربعي بن عامر" ليكون نموذجًا عن ذلك الجيش، ولكني تفاجأت عن قراءتي لأحداث يوم القادسية أن هناك ٣٢٠٠٠ نموذج بطولي في هذه المعركة كلٌ منها يختلف عن الآخر، لذلك آثرت أن أضم ذلك الجيش بأسره لقائمة العظماء المائة، فلقد خلد أولئك الأسود أنفسَهم بأنفسِهم في سجل الخلود الإنساني بحروفٍ من نور بعدما قدّموا للبشرية أعظم صور الفداء والتضحية، فكانوا ﵏ كما وصفهم قائدهم سعد بن أبي وقّاص في رسالة النصر التي بعثها إلى الخليفة عمر كالأسود المفترسة صباحًا في ميدان المعركة، وفي الليل كالنحل من كثرة قراءتهم للقرآن، فمن حق هؤلاء الأبطال علينا أن نذكرهم ولو قليلًا، فلقد كان شهداء القادسية أكثر شهداء الفتوحات الإسلامية عددًا على الإطلاق، فتعالوا نستعرض معًا قصة أولئك العظماء، ولنبدأها من بداية القصة، قبل معركة القادسية بعشرات السنوات، أو لنقل قبل القادسية بمئات السنوات، مع بداية تكون الأمة الفارسية. . . .
стр. 353
في عام ١٥٠٠ ق. م. هاجرت قبيلتان رئيسيتان من الآربيين من أبناء (يافث بن نوح) من "نهر الفولغا" شمال "بحر قزوين" واستقرا في "إيران" الحالية، وهاتان القبيلتان هما "الفارسيون" و"الميديون". فأسس الميديون الذين استقروا في الشمال الغربي "مملكة ميديا". وعاشت الأخرى في الجنوب في منطقة أطلق عليها الإغريق فيما بعد اسم "بارسيس" " Persis" ومنها اشتق اسم فارس! في عام ٥٥٩ ق. م. أسس الفرس "الأخمينيون" إمبراطورية عظيمة، امتدت من حدود أفغانستان إلى حدود ليبيا، ومن اليونان إلى الهند، وقام ملكها (قورش) بتحرير اليهود الذين استعبدهم (نبوخذ نصر) الملك البابلي الشهير (ومنذ ذلك التاريخ بدأت العلاقات الفارسية اليهودية التي ستستمر بعد ذلك إلى لأبد!) في عام ٢٢٦ م أسس الفرس "الإمبراطورية الساسانية" نسبة إلى الكاهن الزردشتي (ساسان)، الذي كان جد أول ملوك الساسانيين (أردشير الأول) وهذه الإمبراطورية هي نفسها التي سيدمرها صحابة محمد ﷺ سنة ٦٥١ م لتنتهي بذلك أسطورة أرض فارس الكبرى إلى الأبد.
والآن وبعد أن أخذنا صورة سريعة عن التاريخ السياسي، للدولة التي أبادها "أسود القادسية"، دعونا نتحول سوية إلى الجانب الثقافي لهذه الدولة لنستعرض، تاريخها الديني والإجتماعي:
كانت "الزردشتية" أو "المجوسية" هي الديانة الرسمية للدولة الفارسية (وما زالت!)، والمجوس يعبدون النار من دون اللَّه، ويحرصون على أن تظل مشتعلة طيلة الوقت، وكتاب المجوس المقدس هو "الأفيستا" وقد كان من أهم مميزات الفرس المجوس الدينية إيمانهم بـ "عصمة الأكاسرة! " فكسرى كان بمثابة الإله، وقسم الفرس أنفسهم إلى عدة أقسام: أعلاها "السيد" وهو الذي يحمل دماءً ملكية، وأدناها عامة الشعب الذين يُربطون بالسلاسل كالكلاب، وانتشر الانحطاط الجنسي بين الفرس بدرجة مخيفة كانت تعيِّرهم بها الإغريق، فلقد انتشرتا "المتعة" الجنسية بينهم بشكل يدعو للاشمئزاز، فلقد كان كسرى (يزدجرد الثاني) يتمتع بأمه جنسيًا، وكان كسرى (بهرام جوبين) يتمتع بأخته، وغير ذلك من النجاسات القذرة التي لا أريد أن أذكرها في كتابٍ به أسماءُ أناسٍ طاهرين من أمثال عمر بن الخطاب!
стр. 354
والآن جاء الوقت لنبدأ حكاية الصراع الإسلامي الفارسي:
البداية كانت بعد "صلح الحديبية" مباشرة، في شهر شوال من العام السادس للهجرة (مارس ٦٢٨ م)، والبداية لم تكن عسكرية كما يظنها البعض، بل البداية كانت برسالة رقيقة من رسول اللَّه ﷺ إلى كسرى (خُسرو الثاني) يدعوه بها للإسلام، فقام كسرى بتمزيق رسالة رسول العالمين، ومحاولة قتل حامل الرسالة الصحابي الجليل (عبد اللَّه بن حذافة) الذي نجح بالهرب من غدر كسرى، ولما علم رسول اللَّه بفعلته دعا عليه وقال "مزق اللَّه ملكه مثل ما مزّق الكتاب" وفعلًا ما هي إلا أيام حتى قتله ابنه (شيركويه)، وماهي إلا سنوات حتى مزق اللَّه إمبراطوريته على يد أسود القادسية.
الغريب أنني وجدت شيئًا مثيرًا للعجب عبر قراءتي لتفاصيل الصراع الإسلامي الفارسي، ألا وهو أن الفرس كانوا دائمًا هم الذين يتحرشون بالمسلمين عبر جميع مراحل التاريخ، والمضحك أيضًا أنهم كانوا دائمًا ينهزمون من المسلمين في كل حِقب التاريخ! فلقد تحرش كسرى برسول اللَّه شخصيًا حين أرسل إليه عامله في اليمن لكي يعتقله ويربطه بالسلاسل! وتحرش الفرس بعد ذلك بالمسلمين في عهد الفاروق لدرجة جعلت الفاروق يقول: "ليت بيننا وبين فارس جبل من نار، لا يأتون إلينا ولا نأتي إليهم! " فالمسلمون لم يطلبوا الاحتكاك بالفرس أبدًا، بل على العكس، هم الذين جهزوا جيش الإمبراطورية الفارسية للتوجه للمدينة لإنهاء الإسلام بالكلية، ما اضطر المسلمين لمحاربتهم في القادسية وسحقهم، والشيء الغريب أن الفرس لم يتعلموا من هزائمهم شيئًا على ما يبدو، فمنذ أن رجع (الخميني) إلى إيران عام ١٩٧٩ (على ظهر طائرة عسكرية فرنسية!) والفرس لا يفتأون يتحرشون بالمسلمين ومشاعرهم، فتارة يلعنون أصحاب نبينا، وتارة أخرى يسبون نساء نبينا، وتارة يثيرون الفتن، وتارة يحتلون جزر الإمارات العربية، وتارة يغدرون بالعراق، فيا أهل فارس كُفّوا عنا شركم، وتعلموا من التاريخ! فلقد بلغ السيل الزبى، ولكم في القادسية عبرة يا آل فارس، ولكم في أسود القادسية اثنان وثلاثون ألف عبرة!
стр. 355
والآن لنبقى مع بعض أسود معركة القادسية المجيدة والذين أذل اللَّه بهم ربع مليون فارسي قذر:-
زهرة بن الحُوِيَّة: طلب قائد الفرس (رَستم) -بفتح الراء- أن يتفاوض مع المسلمين قبل المعركة، فتقدم له أول الأسود وهو الليث العربي (زهرة بن الحُوِيَّة)، فقال له رستم: أنتم جيراننا، وكنتم تأتوننا وتطلبون منا الطعام، وكنا نعطيكم ولا نمنعكم، وكنا نحسن جواركم، وكنا نُظِلُّكم بظلِّنا، ونطعمكم من طعامنا، ونسقيكم من شرابنا، وكنتم تأتوننا ولا نمنعكم من التجارة في أرضنا، فلم جئتم الآن تحاربوننا؟ فتبسَّم زهرة وقال: صدقت في قولك عمَّن كانوا قبلنا، فلقد كانوا يطلبون الدنيا، ولكن نحن نطلب الآخرة! كنا كما تقول حتى بعث اللَّه إلينا رسولًا، وأنزل عليه كتابًا، فدخلنا معه في دينه، وقال له اللَّه: إني مسلِّطٌ هذه الفئة على من خالفني، ولم يَدِنْ بديني، فإني مُنتقِمٌ منهم، وأجعل لهم الغلبة ما داموا مُقرِّين بي! ربعي بن محامر: في اليوم التالي أرسل رستم يطلب من المسلمين التفاوض للمرة الثانية، فانطلق ربعي على فرسه الصغير ذي الذيل القصير، وذهب به لمقابلة رستم، وقد ربط سيفه في وسطه بشيء غنمه من الفُرْسِ (إمعانًا باحتقارهم)، فدخل بفرسه ووقف على باب خيمة رستم، فطلب منه الفرس أن ينزع سلاحه، فقال: لا، أنتم دعوتموني، فإن أردتم أن آتيكم كما أُحِبُّ، وإلا رَجعتُ! فأخبروا رستم بذلك، فقال: ائذنوا له بالدخول. فدخل بفرسه على البُسُطِ الممتدة أمامه، وعندما دخل بفرسه وجد الوسائد المُوَشَّاة بالذهب؛ فقطع إحداها، ومرر لجام فرسه فيها وربطه به! ثم أخذ رمحه، واتجه صوب رستم وهو يتكئ عليه، والرمح يدب في البسط فيقطعها، فلم يترك بساطًا في طريقه إلا وقطعه، ووقف أهل فارس في صمت عجبًا من ثقة هذا العرب الذي يحتقرهم في عقر دارهم، فبدأ رستم بالكلام؛ فقال له رستم: ما جاء بكم؟ فقال له: لقد إبتعثنا اللَّهُ لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، فمن قَبِلَ ذلك منا قبلنا منه، وإن لم يقبل قبلنا منه الجزية، وإن رفض قاتلناه حتى نظفر بالنصر! فقال رستم: قد تموتون قبل ذلك. فقال: وعدنا اللَّه أن الجنة لمن مات منا على ذلك، وأن الظفر لمن بقي منا، فقال: فهل لك أن تؤجلنا حتى نأخذ الرأي مع قادتنا وأهلنا؟ فقال له ربعي بكل
стр. 356
استخفاف: نعم، أعطيك، كم تحب: يومًا أو يومين؟ فأحس قائد الجيش الإمبراطوري الفارسي رستم بأنه صار هُزْأةٌ بين فرسان العرب وهو الذي يقدسه كل أهل فارس، لكنه تحامل على نفسه وقال مستعطفًا ربعي بن عامر: أعطني أكثر! فقال ربعي: إن رسول اللَّه ﷺ سنَّ لنا أن لا نمكن آذاننا من الأعداء، وألا نؤخرهم عند اللقاء أكثر من ثلاث! حذيفة ابن محصن: في اليوم التالي بعث رستم برسالة إلى المسلمين يطلب فيها مقابلة ربعي من جديد، فأرسل المسلمون له رجلًا ثالثًا، وكأنهم يتبارون أيهم يهين الفرس أكثر من غيره! فدخل عليه حذيفة ابن محصن وهو راكب فرسه (دلالة على شدة الاستهانة بهم)، ودخل حذيفة بجواده يمشي به على البُسط، وظل راكبًا حتى وصل إلى رستم بجواده!!! ولنا أن نتخيل هذا الموقف: حذيفة فوق حصانه يكلمه، فقال له رستم: انزل يا عربي. فقال له ذلك العربي: لا أنزل؛ أنتم دعوتموني، فإن أردتم أن آتيكم كما أُحِبُّ، وإلا رجعت! فقبل رستم على مضض ثم قال له: ما جاء بكم؟ فقال له: إن اللَّه مَنَّ علينا بدينه، وأرانا آياته فعرفناه، وكنَّا له منكرين، ثم أمرنا بدعاء الناس إلى ثلاث فأيُّها أجابوا قبلناه: الإسلام وننصرف عنكم، أو الجزاء (أي الجزية)، أو المنابذة. فقال له رستم: هل من الممكن أن تعطينا فرصة؟ فقال له حذيفة: نَعَمْ، ثلاثة أيام. فقال: إذن تقاتلونا في اليوم الرابع. فقال الأسد العربي بكل عزة وثقة: ثلاثة أيام ليس من اليوم بل من أمس!!! المغيرة بن شعبة: في اليوم الثالث طلب رستم التفاوض من جديد، فجاء الدور على صاحب رسول اللَّه المغيرة بن شعبة الثقفي لكي يهين الفرس قليلًا بطريقته الخاصة. وعلى الرغم من أن المغيرة يتقن الفارسية، إلا أنه لم يتكلم معهم إلا بالعربية، من شدة عزته بلغة محمد ﷺ ، فدخل عليه المغيرة بن شعبة وقد ترك حصانه بالخارج؛ ففرح رستم وظن أنه سيحترمه هذه المرة ولن يكون كسابقيه من الرسل، فظل المغيرة يمشي حتى وصل إلى رستم، فجلس بجانبه على السرير المُذهَّب، فصرخ الفرس في وجهه، إذ أن الفُرْسُ جميعهم يقفون بعيدًا جدًّا عن رستم، حتى لا يلوثوا الهواء من حوله! فقامت الحاشية بسرعة لكي تجذبه من مكانه، فقال لهم المغيرة: "واللَّه جلوسي جنب أميركم لم يزدني شرفًا! ولم ينقصه شيئًا، واللَّه يا أهل فارس إنَّا كانت تبلغنا عنكم الأحلام (أي نسمع عنكم أنكم عقلاء)، ولكني أراكم أسفهَ قوم، واللَّهِ الآن أدركتُ أن أمركم
стр. 357
مضمحلٌّ، وأن أمر الغَلَبَة والملك لا يقوم على مثل ما أنتم عليه" فسمع المغيرة الحاشية من خلفه وهي تقول بالفارسية: واللَّهِ صَدَقَ العربي! ثم قال المغيرة لرستم: "فنحن ندعوكم إلى واحدة من ثلاث: إما الإسلام، وإما الجزية عن يدٍ وأنت صاغر، وإن أبيت فالسيف" فقال له رستم: وكيف يدفع المرء الجزية وهو صاغر؟ فقال له: "أن يقوم أحدكم على رأس أميرنا فيطلب منه أن يأخذ الجزية، فيحمده إن قبلها، فكن يا رستم عبدًا لنا تعطينا الجزية؛ نكف عنك ونمنعك! وعندما سمع رستم من المغيرة "كن عبدًا لنا" لم يتحمل رستم أكثر من هذه الإهانات اليومية المتكررة من فرسان العرب، فاستشاط غضبًا، واحمرَّت عيناه وقال له: واللَّهِ ما كنت أظن أني أعيش حتى أسمع هذا الكلام من عربي! ثم حلف بالشمس أن لا يرتفع الصباح حتى يدفنهم في القادسية، ثم قال له: ارجع إلى قومك، لا شيء لكم عندي، وغدًا أدفنكم في القادسية. فرجع المغيرة وأثناء مروره على القنطرة أرسل رستم رجلًا يناديه، فنظر إليه، فقال له: مُنَجِّمُنا يقول: إنك تُفقَأ عينُك غدًا. (وذلك ليخوفه)، فتبسَّم تلميذ محمد بن عبد اللَّه الصحابي البطل المغيرة بن شعبة الثقفي وقال للفارسي القذر:
"واللَّهِ لولا أني أحتاج الأخرى لقتال أشباهكم، لتمنيت أن تذهب الأخرى في سبيل اللَّه"!
والآن وبعد أن أخذنا خلفية بسيطة عن النفسية العربية التي دمرت الإمبراطورية الفارسية، جاء الوقت لكي نأخذ صورة عن الخلفية العسكرية لأولئك الأبطال. فبعد هذه المفاوضات التي أذل بها أسود العرب قادة الفرس، جاء الوقت لبدء العملية العسكرية الحاسمة التي سيخلدها التاريخ لكونها جعلت من شيءٍ اسمه الإمبراطورية الفارسية مجرد ذكريات في كتب التاريخ المنسية! فلقد بدأت هذه المعركة الفاصلة بسلاحٍ من أسلحة الدمار الشامل الإسلامي، والذي لا تنتجه إلا المصانع العسكرية المحمدية، هذا السلاح استخدمه أيضًا بعد ذلك الجيش المصري البطل في معركة العاشر من رمضان عام ١٩٧٣ م، وفي نفس وقت الظهيرة الذي حارب به أبطال القادسية أيضًا، وإن كان العدو وقتها آل فارس، والذين لا يختلفون كثيرًا عن آل صهيون، هذا السلاح استخدمه قائد أركان الجيش المصري السابق (سعد الدين الشاذلي) في حرب رمضان هو نفسه السلاح الذي استخدمه (سعد بن أبي وقاص)، هذا السلاح الذي
стр. 358
استخدمه السعدان هو سلاح: اللَّه اكبر!
"خطة اللَّه أكبر الرباعية الأبعاد":-
جمع القائد الإسلامي سعد بن أبي وقاص قادة جيوشه قبل بدء الزحف الإسلامي الكبير على جحافل الفرس ليحدد لهم خطة سير المعركة الحربية الفاصلة فقال لهم: "اعلموا عباد اللَّه أن اللَّه رزقكم التكبير، وأن التكبير لم يُعطه أحدٌ من قبلكم، واعلموا أنكم أعطيتموه تأييدًا لكم، فإذا صليت الظهر، فإني سأكبر أربعًا، تكون فيها إشارة الهجوم الإسلامي الكبير بعد التكبيرة الرابعة"! وفعلًا صلى المسلمون الظهر ليكبر بعدها سعد بن أبي وقاص أربع تكبيرات، لتكون التكبيرة الرابعة هي كلمة السر لانطلاق الزحف الإسلامي العظيم الذي سيخلده التاريخ إلى يوم الدين، فعلت صيحة اللَّه أكبر في علياء السماء، وبدأت ملحمة القادسية، لتبرز بطولات أسود القادسية القتالية والتي كان من أبطالها:
القبائل العربية: كانت القبائل العربية الأصيلة هي بطلة "يوم أرماث"، وهو اليوم الأول من أيام القادسية الأربعة، فقد كانت القبائل العربية هي خط الهجوم الأول على جيوش الإمبراطورية الفارسية، فبرزت قبائل عربية عظيمة مثل قبيلة "دجيلة" وقبيلة "تميم" وقبيلة "الأسد" وقبيلة "كندة"، فصد فرسان العرب هجومًا مباغتًا حاول فيه الفرس أن يحطموا فيه الصفوف الأمامية بواسطة ١٣ فيل هائج مدرب على القتال، فاستطاعت تلك القبائل الأصيلة أن تقطع وضون الفيلة (والوضون هي الأحزمة التي تربط مراكب الجنود فوق الفيلة) فسقط جنود فارس من فوقها، فقطعهم مجاهدي يعرب بسيوفهم تقطيعًا، لتكون هذه بداية دمار فارس (ولعل هذا هو سبب حقد الفرس على القبائل العربية إلى يوم الناس هذا!)
الخنساء: برزت الخنساء في اليوم الثاني من أيام القادسية والذي سُمِّي بـ "يوم أغواث"، فقد باتت الخنساء ليلتها السابقة تحفز أبناءها الأربعة على الجهاد في سبيل اللَّه، فقاتل الأبطال الأربعة قتالًا ما عرفت العرب مثله، فاستشهد الأربعة جميعًا، فلمَّا وصلها خبر استشهادهم، رفعت يدها إلى السماء وقالت: "الحمد للَّه الذي شرفني باستشهادهم، وإني لأرجو اللَّه أن يجمعني بهم في الجنّة"! والذي لا يعرف من هي الخنساء، فله أن
стр. 359
يعلم أن هذه السيدة العربية هي نفسها التي أتحفت الشعر العربي بقصائد الرثاء عندما مات أخوها (صحر) في جاهليتها، وها هي الآن تحمد اللَّه على استشهاد أبناءها الأربعة!
الأخوان: القعقاع بن عمرو وعاصم بن عمرو: أحس الفرس باقتراب نهايتهم، فحاولوا محاولة أخيرة لتغيير مسار المعركة، فقاموا بتطوير خطة الهجوم في اليوم الثالث من أيام القادسية والذي عُرف بـ "يوم عماس"، فقاموا بربط المراكب على الفيلة، ولكنهم هذه المرة وضعوا حرس حول الفيلة، ليحولوا دون قطع المسلمين لأحزمتها، وكان قائد هذه الفيلة فيلٌ أبيض مجنون، درَّبه الفُرس على الحروب، فأصبح يفتك في صفوف المسلمين فتكًا، فتقدم الصحابيان الأخوان القعقاع وعاصم ابنا عمرو ﵃ نحو الفيل الأبيض، فتوجه أحدهما نحو الميمنة، وتقدم الآخر نحو الميسرة، ليرفع كل منها رمحه، ثم يكبرا في نفس الوقت، ليفقأ البطل الأسطوري القعقاع العين اليمنى للفيل الأبيض، ويفقا أخوه البطل عاصم عينه الفيل اليسرى، لتتفجر الدماء شلالًا من رأس الفيل الأبيض، قبل أن يترنح يمينا وشمالًا، ليلحقه القعقاع بضربة من حسامه قطع به خرطومه، ليسقط ذلك الفيل العملاق على الأرض سقطة اهتزت لها أرض اليرموك، لتتخبط بقية الفيلة بعد مقتل كبيرها الفيل الأبيض، ولتهرب فيلة الفرس من أسود المسلمين!
دريد بن كعب النخاعي: كان هذا الرجل شيخ قبيلة "نخاع" العربية، فأراد أن ينافس القبائل العربية الأخرى، ولكنه لم ينافسها بقصائد الفخر والرقص الشعبي، بل نافسها بمسابقة "من سيربح الجنّة أولًا"، فجمع شباب قبيلته نخاع في عتمة الليل بعد غروب شمس اليوم الثالث، وقال لهم بخفية من أمره: "إن المسلمين تهيأوا للمزاحفة، فاسبقوا المسلمين الليلة إلى اللَّه والجهاد، فإنه لا يسبق الليلة أحد إلا كان ثوابه على قدر سبقه، نافسوهم بالشهادة، وطيبوا بالموت نفسًا، فإنه أنجى من الموت إن كنتم تريدون الحياة، وإلا فالآخرة من أردتم" ولأول مرة في تاريخ المعارك الحربية على الإطلاق، قامت هناك معركة كبيرة في منتصف الليل! قام بها أسودٌ من شباب قبيلة نخاعة في تلك الليلة التي سميت في التاريخ بـ "ليلة الهرير" لكثرة القتال فيها (الذي علا فيه هرير الأسلحة)،
стр. 360
فلما رأى شباب القبائل العربية الأخرى ذلك، غاروا منهم، فهبوا على صفوف الفرس يدكّونها دكًا، ليتطاير شرر السيوف في عتمة الليل، فعلت سحابة من الغبار فوق سماء المعركة، ولم يعلم بقية المسلمين مصير أولئك الفدائيين حتى جاء الفجر، فرأوا شباب الإسلام يرجعون من هناك وهم يضحكون بعد أن قتلوا آلاف الفرس. هلال بن علفة: وفي اليوم الرابع للقتال والذي عُرف بـ "يوم القادسية"، وأثناء اشتداد القتال بالقرب من البغال التي تحمل مؤونة الجيش الفارسي، تقدم أسد عربي اسمه هلال بن عُلَّفة ليدكدك بسيفه جمامجم الفرس كالأسد في قفاره، وفجأة وعن طريق الصدفة البحتة، طاش سيفه وهو يضرب به، فقطع حملًا من أحمال هذه البغال، فسقط هذا الحمل على الأرض، ليسمع هلال بن علفة صراخًا كصراخ النساء من خلف البغل، ليتفاجأ هلال أن ذلك الصراخ لم يصدر من مرأة، بل كان مصدره رجلًا فارسيًا مختفيًا وراء البغال! فصُعق ذلك الرجل عندما رأى وجهًا عربيًا أمامه، فأخذ يصرخ صراخ النساء ويسرع بالفرار وكأنه رأى وحشًا من وحوش الأرض! فنظر إليه هلال بن علفة مستغربًا من هذا الفزع الذي حلَّ به، ولكنه لاحظ عليه مظاهر الأبهة والعظمة، فقال لنفسه: أهو هو؟! إنه رستم قائد الفرس!!! فلما رآه هلال بن علفة يجري بهذه السرعة وهذه الأبهة التي كانت عليه، قال: لا أفلحت إن نجا! وبالفعل أسرع وراءه حتى يلحق به، ورستم يجري! وتخيلوا معي ذلك المنظر المضحك، فارسٌ عربي بثيابٍ ممزقة يجري خلف قائد الإمبراطورية الفارسية العظمى رستم وهو يهرب كالكلب الطريد لابسًا تاجه الذهبي وثوبه الحريري الأحمر، عندها أخذ رستم يلتفت وهو يجري ويصرخ فيه: "بابيه! " (ومعناها بالفارسية: قِفْ كما أنت!)، ولكن هلالًا ظل يجري وراءه كالأسد المفترس الذي يجري وراء طريدته مصممًا على الظفر بها بمخالبه، فقذفه رستم برمح كان في يده، فأصاب قدم هلال بن علفة فأصابها، فوقع هلال أرضًا من شدة الإصابة، ولكنه في لحظة من الزمن. . . عاد ليقف على رجله المصابة، ليستمر في مطاردة رستم، فقذف رستم نفسه في النهر، وبدأ يعوم، فتحول ذلك الفارس العربي من أسدٍ بري إلى تمساحٍ مائي! فسبح وراءه، ورستم يسبحُ بكل قوته، والتمساح الإسلامي من ورائه، حتى أحس رستم بيدٍ تجذبه من قدمه إلى خارج النهر، لقد كانت هذه يد البطل العربي هلال بن علفة، وهي نفسها اليد التي
стр. 361
سترتفع عاليًا في السماء، حاملة سيفًا إسلاميًا لامع النصل، لتضرب رستم بضربة على رأسه، لتقسم جسمه إلى قسمين متماثلين، عندها وقف هلال بن علفة على كرسي القيادة الذهبي في موكب رستم، ورفع سيفه في عنان السماء، وصاح بصوت كاد يهز الجبال:
اللَّه أكبر، قتلت رستم ورب الكعبة، إليَّ أيها المسلمون!
فانهارت معنويات الفرس بذلك، وحاولوا الهرب بعبور دجلة، ولكنهم كانوا مقيدين بالسلاسل كالكلاب من قبل قادتهم، فاندفع ٣٠ ألفًا من قطعان آل فارس في النهر هربًا من أسود العرب، فغرقوا بسلاسلهم الحديدية في أعماق دجلة، ليصبحوا طعامًا شهيًا لأسماك النهر، بعد أن كانوا فريسة لأسود البر! وبأسودٍ مثل هؤلاء الأسود، انتصر العرب المسلمون على آل فارس المجوس، فدمَّروا بذلك الإمبراطورية الساسانية إلى الأبد، ولكن انتصارهم هذا ولَّد حقدًا تاريخيًا دفينًا ظل مغروسًا في وجدان الفرس!
فلماذا يؤمن الشيعة الفرس بأن المهدي سيقتل القبائل العربية عن بكرة أبيها عند خروجه من السرداب؟ ولماذا يعتقد اليهود في التلمود أن اللَّه ندم على خلقه أبناء إسماعيل "العرب"؟! فما هي قصة العرب؟ ولماذا اختار اللَّه العرب من دون سائر البشر ليبعث من بين إحدى قبائلهم أعظم مخلوقٍ في الكون؟ فلماذا يُعتبر حب العرب دليلًا على حب الإسلام؟ ولماذا يُعتبر كره العرب دليل نفاق؟
يتبع. . . . . . .
стр. 362
﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾
(العرب)
" العرب مادة الإسلام"
(عمر بن الخطاب)
ما ترددت في شيء في هذا الكتاب منذ بدايته إلى حد الآن بمثل ما ترددت في الكتابة عن هذا العنصر البشري المتمثل في أحد شعوب أمة الإسلام المتنوعة، ألا وهو العنصر الإسلامي العظيم "العرب"! فمن ناحية تاريخية بحتة لا يمكن لباحث تاريخي أن يكتب كتابًا يضم في صفحاته مائة نموذجٍ إسلامي كان لهم دور رائد في الإسلام، دون أن يذكر العرب من بينهم، فلقد ذكرت في هذا الكتاب عظماء الإسلام العظماء متنقلًا ما بين رجل وسيدةٍ ومجموعاتٍ فكرية وقومياتٍ إثنية، ولقد ذكرت من قبل البربر والكرد والأتراك ومؤمني فارس والهنود الحمر كقوميات إثنية ضحت من أجل السلام، فأصبح لزامًا علي ذكر قومية العرب التي كانت أول قومية تؤمن عن بكرة أبيها برسالة محمد بن عبد اللَّه الذي هو عربي بالأساس! ورغم كل هذا، ترددت طويلًا في ذكر القومية العربية بالتحديد لدرجة دفعتني أن ألغي بالفعل فكرة الكتابة عنهم من الأساس، قبل أن أرجع عن قراري بعض مفاوضات طويلة بيني وبين نفسي استغرقت أسابيعًا طويلة، توصلت من خلالها إلى ضرورة الكتابة عن العرب، بل إلى وجوب الكتابة عنهم في هذه الفترة الزمنية بالذات، والتي يُهاجم فيها العرب من جميع الاتجاهات! والحقيقة أن ترددي ذلك لم يكن نتيجة إغفالي لقيمة العرب القيادية في تاريخ الحضارة الإسلامية العربية، بل كان ذلك التردد يرجع بالأساس إلى عاملين اثنين:
(أولًا): الجذور العربية القبلية لكاتب هذا العمل، والتي ترجع إلى قبيلة "الأزد" العربية القحطانية!
(ثانيًا): الحساسية السياسية المعقدة التي تربط بين أصحاب الفكر القومي وكثير من الجماعات الإسلامية!
стр. 363
أما في الأولى فقد خشيت أن أتحيز فيها للعرب من منظورٍ عنصري بحت، فيختلط بذلك لدي العام بالخاص، فأخسر في النهاية نعمة الإخلاص التي أرجو اللَّه أن يرزقنيها في هذا الكتاب. أما في الثانية فقد خشيت أن يُفسَّر دفاعي عن العرب على غير محله من قبل بعض مفكري الجماعات الإسلامية السياسية، والذين تصيبهم حالة عصبية عند سماعهم باسم العرب أو العروبة!
والحق أقول أن السبب الأول كان أهم عندي ألف مرة من السبب الثاني، فهجوم الجماعات الإسلامية السياسية على الكتاب أو صاحبه هو شيءٌ لا أرجوه، ولكنني لا أهتم له كثيرًا! فلا أنا عضو في جماعةٍ إسلامية سياسية أخشى أن أقال فيها من منصبي، ولا أنا أفكر أساسًا في الإنضمام في المستقبل القريب أو البعيد لأيٍ من تلك الجماعات التي كرَّست حياتها لتولي سدة الحكم في بلدانها، معظمة بذلك من شأن السياسة على حساب العقيدة، لدرجة دفعت بعضها إلى التحالف حتى مع إيران التي تطعن بشرف زوج رسول اللَّه وتلعن صحابته! مبررة تحالفها الإستراتيجي مع الرافضة بتحالف رسول اللَّه بعد الحديبية مع قبيلة "خزاعة" التي كانت مشركة في وقتها، ناسين بذلك -أو متناسين- أن خزاعة لم تكن تسب أصحاب محمدٍ يومًا، ولم تتهم زوجته عائشة يومًا ما بالزنى كما تفعل إيران وملاليها! فإلى أولئك "الإسلاميين السياسيين" أو بالأصح "السياسيين الإسلاميين" أقول: آن الوقت لكي تراجعوا أنفسكم، فواللَّه إن أيًّا منكم لا يقبل كلمة سوء تمس شرف أمه، فكيف يقبل على أمه عائشة زوجة رسول اللَّه أن تهان بأسفل التهم، فكيف بكم يوم الحشر أمام رسول اللَّه ﷺ وهو يسألكم إن كنتم قد دافعتم عن عرضه وشرفه، فواللَّه إنكم بتحالفكم مع إيران ستخسرون الدنيا والآخرة، فلا كرسيًا ستأخذون، ولا شفاعة من محمد ستنالون. . . . إن أنتم لم تذوذوا عن عرضه!
أما بالنسبة للسبب الأول. . . . فقد توصلت بعد أشهر من المفاوضات الشاقة مع نفسي إلى نتيجة واقعية بالنسبة للكتابة عن العرب، فأنا فعلًا حين أكتب عن العرب أكتب مفتخرًا بانتسابي لهم! بل وأفتخر كثيرًا بانتسابي للعروبة كقومية! ولكنني في نفس الوقت لا أفتخر بذلك من منظورٍ قبلي قومي عنصري ضيق، لا يفرق بين أبي لهب العربي وأبي بكر العربي، بل على النقيض تمامًا، فأنا حين أفتخر بقوميتي الغربية فإنني أفتخر بانتسابي
стр. 364
لأولئك القوم الذين بعث اللَّه من بينهم أعظم مخلوقٍ على وجه الكون، وأفتخر بانتسابي إلى القوم الذين كان من بينهم الصحابة أعظم مخلوقات اللَّه بعد الأنبياء، وأفتخر بالعرب الذين نشروا الإسلام في أرجاء الدنيا، وأفتخر بالقبائل العربية التي أطفأت نار المجوس الفارسية إلى الأبد، وأفتخر بأولئك القوم الذين ضحوا بأرواحهم من تحرير الشعوب من عبادة أباطرتها، أفتخر بقبائل نجدٍ البطلة التي لطالما دافعت عن الإسلام، وأفتخر بقبائل الحجاز العملاقة التي أضاءت نور الإسلام للدنيا، وأفتخر بقبائل اليمن العربية القحطانية التي حملت الإسلام إلى مجاهل المحيطات في آسيا وأفريقيا، أفتخر بالقعقاع التميمي الذي دكَ حصون الفرس، وأفتخر بخالدٍ المخزومي الذي أباد جيوش الروم، وأفتخر بعثمان الأموي الذي تستحي منه الملائكة، وأفتخر ببني عدي الذين خرج منهم رجال كعمر وزيد، أفتخر بالمغيرة بن شعبة الثقفي الذي أذل فارس بكلماته العربية الفصيحة، أفتخر بقبيلة تيم العربية الأصيلة التي أنبتت للإنسانية رجالًا مثل أبي بكر وطلحة، أفتخر بأبي عبيدة عامر بن الجراح الفهري، وعبد الرحمن بن عوف الزهري، وأويس القرني، أفتخر بالزبير البطل العربي الأصيل، وأفتخر بعمته خديجة زوجة رسول اللَّه، أفتخر بآل هاشم الذين أنجبوا بطلًا اسمه علي، وأفتخر بآل أمية الأبطال الذين نشروا دين محمد في أرجاء المعمورة، وأفتخر بالعباس بن عبد المطلب الذي كان من نسله بطل اسمه هارون، وأقولها بملء فمي: أفتخر بعروبتي وبانتسابي لقبيلة الأزد القحطانية أصل العرب العاربة، والتي قال عنها رسول اللَّه ﷺ بالحديث النبوي الذي رواه أحمد وصححه الألباني: "الملك في قريش، والقضاء في الأنصار، والأذان في الحبشة، والشرعة في اليمن، والأمانة في الأزد"، أفتخر بأبناء عمومتي الأوس والخزرج الذين ناصروا محمدًا، وأرفع رأسي عاليًا في عنان السماء بأن منا أبا هريرة الأزدي، أفتخر بالحضارمة العرب الذين حملوا راية التوحيد إلى أندونيسيا والفلبين، أفتخر بسعدٍ بن معاذ الأنصاري الأزدي العربي الذي اهتز لموته عرش الرحمن، أفتخر بجعفر الهاشمي، أفتخر بأبي ذرٍ الغفاري، أفتخر بأبي أيوب الأنصاري، وشرحبيل بن حسنة الكِندي، أفتخر بإمام أهل السنة والجماعة أحمد بن حنبل الشيباني، وأفتخر قبل كل هؤلاء بالنبي العربي الهاشمي القرشي محمد بن عبد اللَّه بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن
стр. 365
مرة بن كعب ابن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نذار ابن معد بن عدنان!
نعم. . . . . أفتخر بكل أولئك، وأرفع رأسي عاليًا بين شعوب الأرض لأناطح به أفق السماء بانتسابي لهذه القومية البطلة، فليس عيبًا أبدًا أن يفتخر المسلم بقوميته، فلو كنت بربريًا لشرفني أن أنتمي لطارق ابن زياد، ولو كنت تركيًا لافتخرت بمحمد الفاتح وبألب الدين أرسلان، أما وقد اكرمني اللَّه بانتسابي للقومية التي كان منها محمد بن عبد اللَّه وصحابته الأبطال، فحيْهَلا بها قومية! فالخطأ الذي تقع به كثير من الحركات الإسلامية الحديثة أنها تعتقد أن الإسلام أنهى مفهوم القومية والقبلية، وهذا غير صحيح على الإطلاق، فلقد كان رسول اللَّه يقسّم جنوده على حسب قبائلهم، فتفتخر كل قبيلة منهم أن العدو لا يأتي المسلمين من خلالها، ولقد رأينا كيف أن القبائل كانت تحارب في كتل مجتمعة في القادسية، فالإسلام لم يحارب القومية أو القبلية، بل قام بتحويلها إلى الإتجاه الصحيح الذي يخدم الإسلام، أما من أراد أن يفتخر بقوميته لمجرد إثارة النعرات القبلية، فإلى أولئك أقول ما قاله رسول اللَّه: "دعوها فإنها منتنة"! فاللَّه ليس بينه وبين أحد نسب، فحذاري من العنصرية، فواللَّه إن بلالَ الحبشي لهو خيرٌ عند اللَّه من أبي لهب الهاشمي عم رسول اللَّه، وإن سلمان الفارسي لهو خيرٌ من أبي جهل القرشي خال عمر بن الخطاب!
فالبرغم من أن الإسلام لاقى كثيرًا من الصد في بداية الدعوة نتيجة لرفض زعماء العرب التخلي السريع عن موروث الآباء والأجداد، إلا أنه في نفس الوقت وجد أمامه أناسًا لديهم قابلية إجتماعية كبيرة لتقبل هذا الدين، فكثيرٌ من الأخلاق التي جاء بها الإسلام كانت منتشرة أصلًا بين العرب حتى قبل إسلامهم! ويرجع ذلك إلى تفسيرين اثنين:
(أولًا) تأثر العرب بالدعوة الإبراهيمية التي ظلت بقاياها الاجتماعية بالرغم من اندثار بقاياها العقائدية! (ثانيًا) البيئة البدوية الصحراوية الغالبة التي كان يعيش فيها العرب! حيث يرى المؤرخ الأمازيغي الإسلامي ومؤسس علم الاجتماع (ابن خلدون) في مقدمته الشهيرة: "أن سكان القفار البدو الذين يقتصرون في غالب أحوالهم على
стр. 366
الألبان، ويفتقرون إلى الحبوب والأدم، هم أحسن حالًا في جسومهم وأخلاقهم وأذهانهم من أهل التلول الحضر المنغمسين في العيش الرغيد! " ويستشهد ابن خلدون للدلالة على صحة رأيه بمقارنة البدو من عرب وبربر في مناطق شمال أفريقيا بغيرهم من الحضر، بل يتجاوز ذلك إلى مقارنة غير الإنسان من حيوانات في القفار بنظائرها في الأمصار، فيجدها متفوقة في الأولى على الأخيرة، كما هو حال المها مع البقرة، والحمار الوحشي مع الحمار الأهلي، والغزلان مع الماعز!
لذلك لم تكن المرأة العربية الحرة قبل الإسلام تزني كنساء فارس مثلًا، ولم يكن العرب يكذبون أصلًا كما رأينا في قصة الصحابي الجليل أبي سفيان مع هرقل، ولم يكن العربي يجبن أمام العدو أو يُربط بالسلاسل حذر الهرب! بل إن قريشًا قامت بعقد "حلف الفضول" الذي مدحه الرسول بعد الإسلام، فتصوير العرب في الجاهلية بأنهم أناسٌ حمقى متخلفون ما هو إلا شيءٌ عارٍ تمامًا من المصداقية التاريخية، بل إن في ذلك طعنٌ في أصل رسول اللَّه، فالرسول قالها علانية: "ما بُعثت إلا لأتمم مكارم الأخلاق" ولم يقل لكي أصنع أخلاقًا جديدة! فمكارم الأخلاق كانت موجودة بالفعل عند العرب، ولكنها كانت تحتاج إلى توجيه، فبدلًا من الموت في سبيل القبيلة، أصبح هناك مفهوم جديد اسمه "الموت في سبيل اللَّه"، وبدلًا من الكرم الحاتمي، أصبح هناك مفهوم "الزكاة"، والإيمان باللَّه كان موجودًا أصلًا بين القبائل العربية، ولكنه كان يحتاج إلى تصحيحه نحو التوحيد! فتخيل معي لو أن محمدًا قد بُعث بين الفرس الذين يؤمنون بأن النار هي اللَّه، وبأن الرجل يحق له التمتع جنسيًا بأمه، فهل كانت مهمته ستكون أسهل أم أعقد؛ ولقد وجدت عند النصارى في "الكتاب المقدس" في سفر "التكوين" بشارة من اللَّه لنبيه (إبراهيم) يبشره بأمة عظيمة من نسل (هاجر): (١٢: ١٢. . وابن الجارية أيضًا سأجعله أمة عظيمة)!
وعلى عكس ما يعتقده البعض. . . فإن كثيرًا من الصحابة العرب كانوا يقرأون ويكتبون، ولكن أيًا منهم لم يكن فيلسوفًا (وللَّه الحمد!)، والطريف أنني سمعت عالمًا شيعيًا يذم العرب لأنهم كانوا بدوًا مفتقدين للتفسيرات الفلسفية، لذلك لم يفهموا القرآن كما فهمه الفرس أصحاب الفلسفة الزرادشتية، والحقيقة أن ذلك الشيعي الفارسي
стр. 367
الحاقد أصاب كبد الحقيقة بهذا القول الذي أراد منه ذم الصحابة، فالصحابة كانوا بدوًا بالفعل، والقرآن الذي نزل على محمد نزل على العرب البدو الذين لم تكن فيهم فلسفات الإغريق وخزعبلات الفرس التي كانت ستجعل تقبل القرآن شيئًا مستحيلًا! فقد كانوا رحمهم التبما يسمعون كلام اللَّه ليطبِّقُوه مباشرة، وصدق اللَّه تعالى إذ يصفهم: ﴿قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾، فتخيلوا لو أن رسول اللَّه بُعث في الإغريق، أكانوا سيتركونه وشأنه من دون مناقشته في شكل اللَّه، وشكل كرسيه، وهل الموت شيء وجداني أم شيء فيزيقي؟ وغير ذلك من الأسئلة التي لا علاقة لها بجوهر الدعوة: التوحيد! وما تفرقت الفرق الإسلامية الضالة مثل المعتزلة والشيعة إلا بعد دخول الفلسفة الإغريقية والفارسية إلى ديار المسلمين، وتخيلوا أن الرسول بُعث بين اليهود، هل كانوا سيحترمونه كما احترمه الصحابة العرب؟ أم أنهم سيفعلون به ما فعلوه بنبيهم موسى من قبل؟ هذه العوامل وغيرها جعلت من اختيار العرب كقومية حاضنة للدعوة الإسلامية ليس مجرد خيارٍ منطقيٍ وحسب، بل خيارًا وحيدًا لا ثاني له، وقد أثبت هذا الاختيار الإلهي للعرب من الناحية التاريخية البحتة أنه اختيار لا مثيل له، ففي غضون مائة عام فقط نقل بنو يعرب هذا الدين من صحراء الحجاز إلى البحر الأصفر شرقًا ونهر الراين على حدود باريس غربًا، ومن جبال القوقاز شمالًا، إلى أدغال أفريقيا جنوبًا، فأثبت العرب بحق أنهم خير سفراء لهذا الدين.
فاللَّه اللَّه في أصل نبيكم، واللَّه اللَّه في العرب، فالعرب الآن يهاجمون من جميع الإتجاهات، فالفرس الشيعة يؤمنون أن مهديهم سيبيد العرب عن بكرة أبيهم (عندما يعجل اللَّه فرجه)! واليهود كتبوا في تلمودهم أن اللَّه ندم على أربع أشياء، من بينها خلقه للشر وخلقه للإسماعليين الذين هم العرب، والسينما الأمريكية ما تفتأ تصور العربي في أفلامها بأنه إرهابي. . . أو مدمن جنس. . . أو عاقر خمر! والمخرجون العرب من الشيعة يصورون بطلًا عربيًا مثل (الزير سالم) بأنه رجل جبان يسلم بناته للأعداء كي ينجو هو بنفسه، والرافضة يسمون العرب أسماءً مثل "العربان" و"الأعراب" و"البدو" و"راعة الإبل والبعير"، ونسي أولئك "العلوج" أن هؤلاء البدو هم الذين أبادوا إمبراطوريتهم، وأن تلك الإبل هي نفسها التي انتصر بها أولئك البدو على فيلتهم، فيا شباب الإسلام. . . .
стр. 368
ذبّوا عن العرب! وارفعوا رؤوسَكم عاليًا بانتسابكم العربي! فطالما أن الجميع يحاربونكم، فأبشروا بالخير، فهذه إشارة على قوتكم!
وبعد أن تحدثنا عن العربية كقومية، حان الموعد للحديث عنها كلغة! فلماذا اختار اللَّه هذه اللغة لتكون لغة قرآنه؟ ولماذا اختارها من بين كل لغات الأرض لتكون لغة أهل الجنّة؟ فما هو سر جمال هذه اللغة؟ ولماذا تحارب هذه اللغة بكل شراسة؟ ومن هو ذلك الشاعر العربي الذي غزل من حروف هذه اللغة العجيبة شعرًا يفوح منه عبق التوحيد رغم موته قبل البعثة النبوية؟ وماهي تلك الرؤيا العجيبة التي رآها في منامه تبشر بالإسلام قبل موته بسنوات؟ ولماذا أعتبره شخصيًا. . . . . أعظم شاعرٍ في تاريخ البشر!
يتبع. . . . . .
стр. 369
" أعظم شاعرٍ في تاريخ الإنسانية" (زهَيْر بن أبي سُلمى)
فَلَا تَكْتُمُنَّ اللَّهَ مَا فِي نُفُوسِكُمْ ... لِيَخْفَى وَمَهْمَا يُكْتَمِ اللَّهُ يَعْلَم
يُؤَخَّرْ فَيُوضَعْ في كِتَابٍ فَيُدَّخَرْ ... لِيَوْمِ الحِسَابِ أَوْ يُعَجَّلْ فَيُنْقَمِ
(زهير بن أبي سلمى)
العربية. . . . . .
لغة تمتلك من سحر البيان وجزالة الألفاظ وروعة العبارات ما يسرق الألباب من رؤوس ذويها، وما يخطف القلوب من أولي النُّهى! لغة تمتلك من مقومات العظمة ما يجعلها سيدة لغات الأرض من دون أي منازع، ليس هذا تعصبًا أو تحيزًا، بل هو كلامٌ نابع من إيمان كاتبٍ غاص في بحار هذه اللغة، ليكتشف أعماقها، ويستخرج كنوزها، فيلتقط محارها الدفين، ويرفع عنه الغشاوة، ليجد بداخله اللؤلؤ المكنون يبرق كأنه الشمس في ضياها، فهذه اللغة اختارها اللَّه من بين ٦٥٠٠ لغة حية موجودة على سطح الأرض لتكون لغة أهل الجنّة، ولغة القرآن، الكتاب الوحيد الباقي من وحي السماء المنزل على البشر.
وفي الوقت الذي تفتخر فيه كل أمة بلغتها بالرغم من ضحالتها، نجد أن شباب العرب لا يكادون يفقهون قولا بالعربية، فضلًا عن أن يحسنوا الكتابة بها، فكيف نرجوا النصر وفينا من لا يفرقون بين "الذال" و"الزاي"، والكاف و"القاف"؟ وكيف نرجوا من اللَّه أن ينصرنا وفينا من يكتبون لفظ الجلالة بهذا الشكل: "اللة"؟! وكيف يفلح قومٌ لا يعرفون الفرق بين "الألف المقصورة" و"الياء"؟ وبين "همزة الوصل" و"همزة القطع"؟ وبين "الضاد" و"الظاء"؟ ناهيك عن أولئك الذين يرفعون المنصوب ويجرون المرفوع بشكلٍ يدعو للشفقة والحزن عليهم في كثيرٍ من الأحيان! فواللَّه لن تقوم لهذه الأمة قائمة ونحن ساقطون في الإملاء، فقبل أن يفكر شباب هذه الأمة في الجهاد والتدرب على
стр. 370
حمل السلاح، عليهم أن يجاهدوا أنفسهم قليلًا ليتدربوا على الكتابة الصحيحة الخالية من الأخطاء الإملائية! فلن يُنشر هذا الدين بين شعوب الأرض بشباب ساقطين في لغتهم الأم من الأساس! ولن تعلو للإسلام راية وأبناء العرب يتربون في أحضان الخادمات الأجنبيات، فتصبح لغة "الأردو" و"الهندي" اللغة الرسمية من منازل العرب! فرسول اللَّه لم يتربى كذلك، فقد بعثه جده (عبد المطلب) إلى بادية "بني ساعدة" ليتربى تربية بدوية أصيلة، فيرضع من (حليمة السعدية) لبنها، ويرضع منها كذلك اللغة الجزلة القوية، فخرج رسول اللَّه ﷺ من عندهم وهو أفصح العرب. فعلموا أولادكم لغة العرب، فهذه اللغة هي جدار الدفاع الأول للإسلام، فإذا ضيَّعناها، ضيَّعنا الإسلام، وإذا أراد أحدكم أن يجاهد في سبيل اللَّه، فليجاهد أولًا نفسه بتعلم قواعد العربية لكي يحسن قراءة القرآن، فتعلم العربية فرض وليس اختيار، أما للذين ملأوا الدنيا صراخًا حبًا في رسول اللَّه، فليسألوا أنفسهم سؤالًا: هل تتقنون لغة رسول اللَّه الذي تدّعون محبته؟ هل إذا قابلتموه ستسلمون عليه بقولكم "هاي" كما تفعلون مع أصحابكم أو "الشلة" كما تسمونهم؟!! هل ستشكرون أبا بكر لما قدّمه للإسلام بقولكم "مرسي"؟ أم هل سيجرأ أحدكم أن يقول للمارد الإسلامي عمر عند وداعه: "باي باي"؟ واللَّه وكأني بابن الخطاب يرفع سيفه ويلحق بأحدنا بعد سماعه تلك الكلمات الأعجمية التي تنم عن هزيمة نفسية مغروسة في أنفسنا! وصدق (الإمام الثعالبي) ﵀ عندما قال في كتابه "فقه اللغة وأسرار العربية": "من أحب اللَّه تعالى أحب رسوله ومن أحب رسوله العربي أحب العرب ومن أحب العرب أحب العربية ومن أحب العربية عني بها، وثابر عليها، وصرف همته إليها! ". وصدق أيضا الكاتب الأديب الشاعر (مصطفى صادق الرافعي) حينما قال: "ما ذلت لغة شعب إلا ذل! ". وهذه الحقيقة عرفها الغزاة منذ بداية الاستخراب "الاستعمار" في الدول الإسلامية، فمن يراجع الوثائق التي بدأت بها عملية الاحتلال البريطاني لمصر يكتشف أن أول أعمال الاحتلال هو وضع خطة لتحطيم اللغة العربية، يبدو ذلك واضخا في تقرير (لورد دوفرين) عام ١٨٨٢ م حين قال: "إن أمل التقدم الاستعماري ضعيف في مصر، ما دامت العامة تتعلم اللغة العربية الفصيحة! ".
وهناك الكثير الكثير من مثل هذه الاقوال التي تضع محاربة اللغة العربية أولى
стр. 371
أولويات الاحتلال. فقد صرّح الحاكم الفرنسي في الجزائر في ذكرى مرور مائة عام على استعمار الجزائر "إننا لن ننتصر على الجزائريين ما داموا يقرؤون القرآن، ويتكلمون العربية، فيجب أن نزيل القرآن العربي من وجودهم، ونقتلع اللسان العربي من ألسنتهم" وهنا أحذر الإخوة الأمازيغ. . . فأنتم لديكم كل الحق في تعلم اللغة الأمازيغية، ولكن اللَّه اللَّه في لغة القرآن، لا تهملوها، فهي سلاحكم، وهي اللغة التي فسر بها (ابن كثير) كتاب اللَّه، وهي اللغة التي رسم بها جدكم (عباس بن فرناس) خرائط طائرته الشهيرة، أما إلى شباب العرب فأقول، إن تحدَّثكم بالمفردات الأجنبية في لغة خطابكم اليومي تنم على ثلاثة أشياء: (أولًا) أنكم مهزومومن نفسيًا! (ثانيًا) أنكم تعانون من عقدة نفسية، فأنتم لا تحسنون تلك أي لغة أجنبية، لذلك تحاولون أن تخفوا ذلك بترديد بعض المفردات الأجنبية! (ثالثًا) أنكم أقرب إلى النفاق منه إلى الإيمان! وقد قال الإمام (ابن تيميَّة) "إذا رأيت الرجل يتحدث بغير العربية من دون حاجة، فاعلم أن ذلك علامة من علامات النفاق! " وواللَّه لقد صدق شيخ الإسلام. . . . فما رأيت أحدًا يترك العربية إلا وكانت فيه بقية خصال المنافقين! فيا شباب الإسلام، أعيدوا مجد العربية، فقد كانت العربية هي لغة العلم الأولى في العالم، وستعود إن شاء اللَّه كذلك بفضلكم، وكانت اللغة العربية هي الحروف التي يكتب بها الأتراك والروس والأوروبيون والهنود والأفارقة إلى وقت قريب، فعودة اللغة العربية إلى سابق مجدها يعني بالضرورة عودة المسلمين إلى سابق عهدهم!
وزهير بن أبي سلمى هو أفضل من قال الشعر باللغة العربية، وبما أن اللغة العربية هي أفضل لغة في العالم، نستنتج من ذلك أنه أفضل شاعر في تاريخ الإنسانية! يشهد على ذلك (عمر بن الخطاب) بنفسه، بدليل رواية (ابن عباس) التي قال فيها "خرجت مع عمر بن الخطاب في أول غزاة غزاها فقال لي: أنشدني لشاعر الشعراء، قلت: ومن هو يا أمير المؤمنين؟ قال: ابن أبي سلمى، قلت: وبم صار كذلك؟ قال: لا يتبع حوشي الكلام ولا يعاظل في المنطق، ولا يقول إلا ما يعرف ولا يمتدح أحدًا إلا بما فيه". وأيّد هذا الرأي العمري كثرة من بينهم عثمان بن عفان، وعبد الملك بن مروان، وآخرون، واتفقوا على أنّ زهيرًا صاحب "أمدح بيت. . . وأصدق بيت. . . وأبين بيت".
стр. 372
أما عن سر اختياري لهذا الشاعر العظيم بالتحديد ليكون ضمن قائمة المائة رغم أنه لم يلحق بزمان البعثة المحمدية فيعود إلى سببين:
(أولًا) أنه فعلًا مسلم على الدين الحنيفي الإبراهيمي، وأن شعره المليئ بمعاني التوحيد وجماليات المنطق يعطيه الأحقية بذلك، إضافة لأنه كلامٍ عظيمٌ في التوحيد الذي كان على وشك الاندثار.
(ثانيًا) أنه في ذكر زهيرٍ فائدةٌ كبيرة في رد شبهات النصارى والمستشرقين، فلقد ارتفعت في السنوات الأخيرة أصوات الصليبيين وإخوانهم من المنافقين يزعمون أن رسول اللَّه قام بسرقة القرآن من الشعراء من قبله، مدللين على ذلك بأن كثيرًا من معاني القرآن ومفرداته قد وردت بالفعل في شعر الجاهلية!
والحقيقة أن في أقوال أولئك الكذابين حق يُراد به باطل، فأما قولهم بأن بعض معاني القرآن وألفاظه قد تكررت من قبل. . . فهذا صحيح! وأما قولهم أن رسول اللَّه ﷺ قد سرق قرآنه من الشعراء فهو إفكٌ واضح وشرٌ فاضح! والحقيقة أن أولئك السفلة ما كانوا ليجترأوا على ذلك القول لولا تشويه بعض الدعاة المسلمين -بقصدٍ أو بغير - قصد- لتاريخ لعرب في أيام جاهليتهم، فالعرب عرفت الإسلام وعرفت التوحيد قبل رسول اللَّه ﷺ ، فالإسلام كدين وكمفهوم ليس اختراعًا جديدًا أتى به محمد بن عبد اللَّه، بل هو دين اللَّه على الأرض الذي دان به الأنبياء جميعهم للَّه، فليس غريبًا أن تتطابق بعض آيات القرآن بما كان يقوله أدباء العرب من المسلمين الحنيفيين من أمثال (زهير ابن أبي سلمى) و (قس بن ساعدة الأيادي). أما للنصارى الذين يزعمون أن النبي العربي جاء بقرآنٍ تتطابق بعض آياته مع بعض ما ورد لديهم في "الكتاب المقدس" فأقول: هذا شيءٌ لا نستحي منه، فربنا هو ربكم، وكلامه في كتابكم هو نفسه كلامه في كتابنا، ولكن المشكلة في كتابكم أنكم أضفتم إليه وحذفتم منه، أما نحن فلم نبدل ولم نغير، فإن وجدتم في كتباكم ما يتطابق بما في كتابنا، فاعلموا أن ذلك هو ما تبقى من وحي موسى وعيسى! ولا تنسوا أن رسول اللَّه ﷺ لم يكن يعرف الكتابة والقراءة لكي يسرق من كتابكم الذي لم ينقل أصلًا للعربية إلا في بداية القرن الحادي عشر! (الشيء العجيب الذي يدعو للتساؤل هو أن الشيعة بدأوا ينشرون مؤخرًا أن رسول اللَّه لم يكن أميًا!
стр. 373
فلمصلحة من يحاول الشيعة نشر هذه الأكاذيب التي تدعم الموقف الصليبي؟!).
وزهير بن أبي سلمى كان واحدًا من أصحاب "المعلقات السبع"، وهي أعظم ما قالت العرب، والناظر لمعلقة زهير يجد فيها من التوحيد ما يثبت إسلامه وحسن أخلاقه، فمعلقته هي أجمل المعلقات، تناول فيها الحكمة الإنسانية النابعة من إيمانه الحنيفي الإبراهيمي، ولكنني سأترك معلقته لأذكر قصيدة له هي للأسف غير مشهورة، لأترك المجال للقارئ الكريم ليستشعر فيها عبق التوحيد الذي لا يخفى على عاقل يفقه شيئًا من لغة الضاد:
ألا ليت شعري هل يرى الناس ما أرى ... من الأمر أو يبدو لهم ما بدا ليا
بدا لي أن اللَّه حق فزادني ... إلى الحق تقوى اللَّه ما كان باديا
بدا لي أن الناس تفنى نفوسهم ... وأموالهم ولا أرى الدهر فانيا
وإني متى أهبط من الأرض تلعة ... أجد أثرا قبلي جديدا وعافيا
أراني إذا ما بت بت على هوى ... وأني إذا أصبحت أصبحت غاديا
إلى حفرة أهدى إليها مقيمة ... يحث إليها سائق من ورائيا
كأني وقد خلفت تسعين حجة ... خلعت بها عن منكبي ردائيا
بدا لي أني لست مدرك ما مضى ... ولا سابقا شيئا إذا كان جائيا
أراني إذا ما شئت لاقيت آية ... تذكرني بعض الذي كنت ناسيا
وما إن أرى نفسي تقيها كريهتي ... وما إن تقي نفسي كرائم ماليا
ألا لا أرى على الحوادث باقيا ... ولا خالدًا إلا الجبال الرواسيا
وإلا السماء والبلاد وربنا ... وأيامنا معدودة واللياليا
ألم تر أن اللَّه أهلك تبعًا ... وأهلك لقمان بن عادٍ وعاديًا
وأهلك ذا القرنين من قبل ما ترى ... وفرعونَ أردى جندَه والنجاشيا
стр. 374
ألا لا أرى ذا إمةٍ أصبحت به ... فتتركه الأيام وهي كما هيا
ألم تر للنعمانِ كان بنجوةٍ ... من الشرِ لو أن امرأ كات ناجيًا
فغير عنه ملك عشرين حجةٍ ... من الدهر يوم واحد كان غاويا
فلم أر مسلوبًا له مثل ملكِه ... أقل صديقا باذلا أو مواسيا
فأين الذين كان يعطي جياده ... بأرسانهن والحسان الغواليا
وأين الذين كان يعطيهم القرى ... بغلاتهن والمئين الغواديا
وأين الذين يحضرون جفانه ... إذا قدمت ألقوا عليها المراسيا
رأيتهم لم يشركوا بنفوسهم ... منيته لما رأوا أنها هيا
فقال لهم خيرا وأثنى عليهم ... وودعهم وداع أن لا تلاقيا
وأجمع أمرا كان ما بعده له ... وكان إذا ما اخلولج الأمر ماضيا
وفي ليلة من الليالي الهادئة في جزيرة العرب، رأى زهير بن أبي سلمى رؤيا عجيبة في منامه، فجمع أولاده، وقال لهم "إني لا اشكّ أنه كائن من خبر السماء بعدي شيء! فإن كان فتمسكوا به، وسارعوا إليه! " وفي نفس السنة التي مات فيها هذا الشاعر العظيم في نجد، بُعث رجل اسمه محمد ابن عبد اللَّه في الحجاز، ليكون ابن زهير شاعرًا من شعراء الرسول! فمن هو ذلك الشاعر بن الشاعر الذي كان صاحب قصيدة "البردة"؟ ومن يكون رفاقه الذين شكلوا وإياه وزارة خطيرة في حكومة محمد؟
يتبع. . . . . .
стр. 375
" وزراء الإعلام في حكومة محمد بن عبد اللَّه ﷺ " (شعراء الرسول ﷺ )
" هؤلاء النفر أشدُّ على قريشٍ من نضحِ النبل"
(رسول اللَّه ﷺ )
الإسلام هو دين الإعلام بامتياز! فقلما تجد دينًا في الدنيا يحظى بهذه التغطية الإعلامية الكبيرة التي يحظى بها الإسلام، بل إن الإسلام والإعلام مرتبطان ببعضهما البعض منذ فجر الرسالة، فالحرب الحقيقية التي خاضها رسول اللَّه ﷺ في بداية الدعوة هي الحرب الإعلامية، هذه الحرب هي أصعب ألف مرة من الحرب التقليدية، فهي حربٌ مفتوحة دائمًا من الطرف المعادي للإسلام، يستخدم فيها العدو أشرس أنواع الأسلحة الإعلامية في بعض الأحيان، وفي أكثر الأحيان يستخدم أقذرها! لذلك انتبه رسول اللَّه ﷺ بحكمته المعهودة لهذه الحرب، فأسس وحدة من المجاهدين الأبطال، مهمة هذه الوحدة كانت تفوق باقي المهمات العسكرية بالأهمية في كثيرٍ من الأحيان، هذه الوحدة هي وحدة الإعلام الإسلامي، شكَّلها رسول اللَّه ﷺ من الشعراء بالتحديد، وسبب اختيار الشعراء بالذات يكمن في أن الشعر كان هو وسيلة الإعلام الوحيدة بين العرب، وليس عندي من الشك أدناه، بأنه لو كانت هناك صحفٌ في عهد رسول اللَّه ﷺ ، لجنّد لها بعض الصحافيين الإسلاميين! فقوة الكلمة في الإسلام لا تقل عن قوة السيف أبدًا، بل إنها كما وصفها رسول اللَّه ﷺ أشد على الكفار من نضح الإبل! وما انتشر الإسلام في الجزيرة العربية إلا بكلمات خرجت من فم محمد بن عبد اللَّه، وما حكمنا العالم من أقصاه إلى أقصاه إلى بكلمات من أفواه الدعاة، وما تخلفت هذه الأمة إلّا بعد إهمال المسلمين للإعلام والإعلاميين، فصارت أمنية الوالد المسلم أن يجعل من ولده طبيبًا أو مهندسًا، أم الإعلامي فهي مهنة ابتعد عنها المسلمون، مع العلم أن الإعلام الإسلامي يعتبر فرضًا من الفروض! فالإعلام هو الكلمة المرادفة للدعوة، ودعوة البشر
стр. 376
للإسلام وتوضيح صورة الإسلام لغير المسلمين هو فرض على المسلمين، فأقوى سلاح يملكه المسلم هو الكلمة، فبالكلمة أسلم عمر بن الخطاب الذي كان يريد قتل الرسول، وبالكلمة تحول خالد بن الوليد من أشد أعداء الإسلام إلى أعظم فاتحٍ في تاريخه، وبالكلمة ناظر موسى فرعون أشرس جبارٍ في الأرض، وبالكلمة دعا إبراهيم أباه، وبالكلمة كان عيسى، وبالكلمة طار هُدهُد سليمان إلى بلقيس، وبالكلمة دعا يونس ربه في بطن الحوت، وبالكلمة نادى زكريا ربه نداء خفيًا، وبالكلمة -لا بالسلاح- دعا نوح قومه ٩٥٠ سنة! وبالكلمة ملكنا قلوب الشرق والغرب، وبالكلمة بنينا حضارتنا العظيمة، وبالكلمة كتبنا أعظم كتب الدنيا، وبالكلمة دافع إعلاميو الرسول عن الإسلام!
فلقد كون أعظم قائدٍ سياسيٍ في تاريخ الإنسانية -رسول اللَّه ﷺ وزارة للإعلام الإسلامي المجاهد، مهمتها الدفاع عن سمعة الإسلام والمسلمين، فرسول اللَّه ﷺ لم يكن كقادة بعض الجماعات الإسلامية الذين لا يحركون ساكنًا لشرف الصحابة وأمهات المؤمنين، بل كان رسول اللَّه غيورًا على شرف أصحابه ونسائه، فشكل على الفور مجموعة من خيرة شعراء الإسلام على رأسهم الأسماء العملاقة التالية:
(حسان بن ثابت - عبد اللَّه بن أبي رواحة - كعب بن مالك - كعب بن زهير بن أبي سلمى)
هؤلاء الإعلاميون الإسلاميون قاموا بالدفاع عن الإسلام والمسلمين خير دفاع بكلامهم وشعرهم، فالشعر في الإسلام ليس حرامًا، ولكن الإسلام حدد الاتجاهات الشعرية التي يجوز فيها للمسلم أن ينظم الشعر، وهو يتلخص بقول اللَّه في سورة الشعراء: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (٢٢٦) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (٢٢٧)﴾، وهذه الآيات لا تنطبق فقط على الشعراء، بل تنطبق جميع الكتّاب والمؤلفين بل وعلى جميع الإعلاميين بشكلٍ عام، فنصرة الإسلام تعتبر شرطًا أساسيًا في شرعية العمل الإعلامي، فليسأل كل أديبٍ وكل شاعرٍ وكل مذيعٍ نفسه سؤالًا، هل العمل الذي أقوم به فيه نصرة للإسلام أم لا؟ فإذا كان كذلك فبها ونِعم، وإلا فإنه يعرض نفسه للخطر!
فلقد جاء الوقت للأمة الإسلامية أن تنهض إعلاميًا، وأن تهتم بكليات الإعلام، ففي
стр. 377
هذا الوقت بالتحديد، يستخدم أعداء الإسلام الإعلام بشكلٍ بشعٍ للغاية لتشويه صورة الإسلام ورسوله، ونحن ما زلنا في سباتنا العميق، فدونكم رسول اللَّه!. . . . احموه بالإعلام! فأين أنتم يا إعلامي الإسلام، أين أنتم يا كتّاب المسلمين، فشرف رسول اللَّه ﷺ في حاجة إلى من يدافع عليه، فهل من مدافع؟!
وكما كان الشاعر الإسلامي أديبًا عظيمًا ينسج من الكلمات ما يزلزل به كيان المشركين، فقد كان الشاعر أيضًا مجاهدًا عسكريًا عظيمًا، يحمل السلاح وقت الحاجة للدفاع بروحه عن دين اللَّه، فلقد برز من بين شعراء الرسول قائدٌ عسكريٌ بطلٌ حمل راية الإسلام عاليًا، فسقاها بدمائه تضحية، كما سقاها قبل ذلك بمداده شعرًا، فكان هذا الشاعر الإسلامي البطل أحد ثلاثة قوّادٍ إسلاميين، قدّموا حياتهم وهم يحملون نفس الراية، فكانوا وبحق أعظم ثلاثة قِوادٍ في تاريخ الجنس البشري يسقطون دفعة واحدة: فأوَّلهم كان أحد العشرة المبشرين بالجنّة! وثانيهم كان "الطيّار"! وثالثهم كان شاعر رسول اللَّه شخصيًا!
يتبع. . . . .
стр. 378
"حتى يقولوا إذا مرّوا على جَدثي ... أرشده اللَّه من غازٍ وقد رشدا! "
(الفرسان الثلاثة)
" أخذ الراية زيدٌ فأصيب، ثم أخذها جعفرٌ فأصيب، ثم أخذها ابنُ رواحة فأصيب"
(رسول اللَّه ﷺ )
في عام ١٨٤٤ م ألّف كاتب فرنسي اسمه (أليكساندر دوما) رواية من محض خياله أسماها رواية "الفرسان الثلاثة" " Les Mousquetaires"، هذه الرواية الخيالية تسرد قصة ثلاثة حراسٍ ملكيين - (آثيوس) و (بوثوس) و (أراميس) - هؤلاء الثلاثة كانوا مدمني خمور يعملون خدمًا للملك الفرنسي (لويس الثالث عشر)، المهم أن الفرنسيين نشروا هذه القصة الخيالية في أرجاء الدنيا فجعلوا من ثلاثة فرنسيين مدمنين للكحول فرسانًا أسطوريين، تضرب بهم الأمثلة في البطولة والشرف، على الرغم من كونهم ثلاث شخصياتٍ خيالية لم تقدم شيئا فيه بطولة حتى في أحداث الرواية نفسها!
قبل ذلك بنحوه ١٢٠٠ عام، خرج من صحراء العرب ثلاثة فرسانٍ حقيقيين، اتجهوا شمالًا نحو بلاد الشام على رأس سرية صغيرة مكونة من ٣ آلاف مجاهد إسلامي، لتقابلهم جحافل الإمبراطورية الرومانية العظمى بكامل جيشها الإمبراطوري الضخم المكون من ٢٠٠ ألف مقاتل! هدفهم إفناء تلك السرية! لتنتصر هذه السرية الصغيرة على قوات إمبراطورية بيزنطة انتصارًا لم تشهد الأرض مثله من قبل، ولكن ذلك الانتصار الأسطوري جاء بعد أن ضحى الفرسان الثلاثة بأرواحهم في ميدان المعركة، لا في سبيل ملك من ملوك الأرض، بل في سبيل ملك ملوك الأرض والسماء، هؤلاء الفرسان الثلاثة هم على الترتيب: (زيد بن حارثة) - (جعفر بن أبي طالب) - (عبد اللَّه ابن أبي رواحة)!
لا ألوم الفرنسيين على اختلاقهم لأبطالٍ وهميين لينشروا قصصَهم في مشارق الأرض ومغاربها، ولكنني ألوم المسلمين الذين ضيَّعوا قصص أبطالهم الحقيقيين! ففي الوقت الذي نرى فيه فرنسا تدرِّس قصة الفرسان الثلاثة في مدارسها، وتصنع لأطفالها
стр. 379
رسومًا متحركة تروي مغامراتهم الوهمية، نجد أن أطفال المسلمين -بل وشيوخهم- لا يعرفون شيئًا عن قصة الفرسان الثلاثة الحقيقيين! هذه المأساة جعلت أطفالنا يحلمون أن يصبحوا مثل "سبايدر مان" و"سوبر مان"، أما القعقاع الذي فقأ عين الفيل الأبيض في القادسية فلا يعرفه أحدٌ منهم! فهل آن الأوان لهذه المناهج العفنة أن تتغير؟! أما آن الأوان لكي نقف وقفة صدق مع أنفسنا لنعيد أسلوب كتابة التاريخ الإسلامي بشكل شيقٍ وممتعٍ يتقبله أطفالنا؟
(الفارس الأول) زيد بن حارثة: كان يُدعى بزيد بن محمد! فهو ابن رسول اللَّه بالتبني قبل أن يَلغي الإسلام نظام التبني، وهو حِبُّ رسول اللَّه، وهو الذي اختار محمدًا على أبيه، وهو من أول البشر الذين آمنوا بدعوة الإسلام، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، وهو القائد العسكري الأول للسرايا النبوية المجاهدة، وهو الصحابي الوحيد الذي ذكر اسمه في القرآن: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا﴾!
(الفارس الثاني) جعفر بن أبي طالب: عُرف بـ "جعفر الطيار"، ابن عم الرسول، وأخو علي بن أبي طالب، وأمير المسلمين بالحبشة، وهو الرجل الذي وقف أمام النجاشي يتحدث عن الإسلام!
(الفارس الثالث) عبد اللَّه بن أبي رواحة: شاعر الرسول، وأحد نقباء الأنصار الاثني عشر، قال عنه الرسول ﷺ : "رحم اللَّه عبد اللَّه بن رواحة، إنه يحب المجالس التي تتباهى بها الملائكة"!
وقصة مؤتة تبدأ برسالة سلام ودية بعثها رسول السلام إلى ملك "بُصرى" بيد أسدٍ من أسود قبيلة "الأزد" هو الصحابي البطل (الحارث بن عمير الأزدي)، فقام ملك الغساسنة النصراني (شرحبيل بن عمرو) بقتل رسول رسول اللَّه، فاشتدّ ذلك على رسول الئْه، فأمر بتجهيز جيش من ثلاثة آلاف مجاهد لتأديب من غدروا بصاحبه، ووضع على رأس الجيش زيد بن حارثة، وقال: "إن قتل زيد فجعفر، وإن قتل جعفر فعبد اللَّه بن رواحة"، وعقد لهم لواء أبيض، ودفعه إلى زيد بن حارثة، وأوصاهم رسول الرحمة بقوله:
"اغزوا بسم اللَّه، في سبيل اللَّه، مَنْ كفر باللَّه، لا تغدروا، ولا تغلوا، ولا تقتلوا وليدًا ولا
стр. 380
امرأة، ولا كبيرًا فانيًا، ولا منعزلًا بصومعة، ولا تقطعوا نخلًا ولا شجرة، ولا تهدموا بناء".
فخرجت نساء المسلمين لتوديع أزواجهن قائلات لهم: "ردَّكم اللَّه إلينا صابرين" فرد أحد المسلمين على زوجته قائلًا: "أما أنا فلا ردني اللَّه"! لقد كان هذا قول أحد الفرسان الثلاثة، عبد اللَّه بن رواحة!
وعند مدينة "معان" الأردنية وفي سهلٍ يقال له "مؤتة" غدر الروم بالمسلمين، فقاد الإمبراطور هرقل بنفسه جيشًا يقترب من ربع مليون مقاتل لقتال ثلاثة آلاف مجاهد فقط لم يأتوا أساسًا لقتال الروم! فتشاور المسلمون في القتال أو الرجوع، فأصر الشاعر البطل عبد اللَّه بن أبي رواحة على القتال، وفعلًا قاتل المسلمون جحافل النصارى، فكان القائد زيد أول شهداء المعركة، فتناول جعفر الراية قبل أن تسقط وأخذ يقاتل كالأسد المفترس، فقطعوا يده اليمنى، فتناول الراية باليسرى، فقطعوها له، فحملها بعضديه، فغرسوا رماحَهم في قلبه ليستشهد، ليتناولها ابن رواحة من صدر جعفر منشدًا:
يا نفس إن لم تُقتلي تموتي ... هذا حياض الموت قد صليتِ
وما تمنيت قد لقيتِ ... إن تفعلي فعلهما هديتِ
وإن تأخرت فقد شقيتِ!
فاستشهد الفرسان الثلاثة، واستشهد معهم تسعة آخرون، ليكون مجموع الشهداء في هذه الملحمة الأسطورية اثني عشر شهيدًا فقط! من بينهم القادة "الفرسان الثلاثة"، بينما قتل المسلمون ٣٣٥٠ فارسٍ من الأعداء (حسب مصدر أجنبي!)، لينتصر خالد بن الوليد بتنفيذ الخطة الخالدية!
الجدير بالذكر أنه كان من ضمن أولئك المجاهدين شابٌ دون العشرين من عمره اسمه عبد اللَّه، هذا الشاب كون فيما بعد مع ثلاثة رجالٍ يحملون نفس الاسم "عبد اللَّه" رباعيًا لم تعرف البشرية مثله أبدًا، فقد كان لهذا الرباعي العظيم الدور الأكبر في حفظ سنة رسول اللَّه إلى الأبد!
يتبع. . . . .
стр. 381
" الرباعي العظيم" (العبادلة الأربعة)
" وهؤلاء عاشوا حتى احتيج إلى علمهم، فإذا اتفقوا على شيء قيل: هذا قول العبادلة، أو فعلهم، أو مذهبهم"
(الحافظ البيهقي)
اشتُهرت في أيامنا هذه فرقٌ فنية تكونت من عدة أشخاص يحملون نفس الأسلوب والطابع، فقد تجد هنا ثنائيًا غنائيًا شهيرًا، وقد تجد هناك ثلاثيًا آخر للمسرح، وقد تجد رباعيًا مختصًا في الرقص وفنونه، وفي بعض الآحيان تجد خماسيًا استعراضيًا مهرِّجًا. الغريب في الأمر أن أيًا من تلك الفرق الفنية المشتركة لم يُكتب لها النجاح والاستمرار لأكثر من بضع سنوات، بل إنه في أغلب الأحوال يتحول أعضاء تلك الفرق إلى أعداءَ شرسين يحارب كل منهم الآخر، والأمثلة التاريخية المعاصرة أكثر من أن تُحصى!
أما فريقنا الرباعي العجيب الذي خرج من من قبيلة عربية أصيلة يقال لها "قريش" لم يكن كذلك! هذا الفريق لم يستمر في تقديم عروضه الناجحة لمدة سنة أو سنتين أو حتى مائة سنة فحسب، بل نجح هذا الرباعي العظيم في تقديم أعظم عرضٍ إنساني ناجحٍ في مسارح الزمن لمدة عرض قياسية جاوزت الألف والأربعمائة عام إلى حد الآن! الغريب أن هذا الفريق الرباعي ازدادت نجاحاته في السنوات القليلة الماضية بشكلٍ ملفتٍ للانتباه، حتى بات كثيرٌ من الشبان يُقبل محلى عروضهم باستمرار، هذا الرباعي لم يجتمع على آلة موسيقية، ولم يجتمع على حلبة رقص، هذا الرباعي اجتمع على راية بيضاء مكتوب عليها بلغة عربية صحيحة: "لا إله إلا اللَّه، محمد رسول اللَّه"، في أسفلها عبارة صغيرة مكتوبٌ عليها: "صُنع في بلاد الإسلام" وعلى يمينها ختم الجودة الصناعية المسجلة المحتوي على ثلاث كلمات من المنتج: "محمد رسول اللَّه"!
وليس عندي ذرة شكٍ واحدة، بأن أولئك العبادلة الأربعة تم اختيارهم من فوق سبع
стр. 382
سماوات من قبل اللطيف الخبير ليكوِّنوا هذا الرباعي العجيب، فكل شيءٍ فيهم مختارٌ بصورة تدعو للتعجب فعلًا! حتى في أسمائهم المتشابهة، وحتى في أسماء آبائهم العملاقة، فهذا ابن عمر بن الخطاب ثاني أعظم إنسانٍ في التاريخ بعد الأنبياء، وهذا هو ابن العباس بن عبد المطلب عمِّ رسول اللَّه ﷺ ، ورفيقهما الثالث هو ابن حواري رسول اللَّه ﷺ ، ابن البطل الأسطوري الزبير بن العوام، أما رابعهم فأكرم به وبأبيه، فهو ابن رمز الإيمان والبطولة، رمز الشرف والكرامة، أشهر فاتحٍ في تاريخ الإسلام القائد الكبير عمرو بن العاص عليه وعلى بقية أصحاب نبينا رضوان اللَّه ومرضاته.
الحقيقة أن سرَّ اختياري لهذه الأسماء الأربعة لتكون ضمن خانةٍ واحدة في كتاب العظماء المائة، لا يعني أبدًا انقاصًا لمكانتهم، فواللَّه إن حروف هذا الكتاب مجتمعة لا تكفي لحصر عظمة واحدٍ منهم فقط، ولكنني آثرت أن لا أفرق أسماءهم بعد مماتهم، وهي الأسماء التي مجتمعة على ذكر اللَّه في حياتهم. ثم إن سِيَرَ هؤلاء الأربعة فيها من العناصر التاريخية والخصائص الفكرية ما يجعل منهم كيانًا متينًا واحدًا، فهؤلاء الأربعة هم من أعظم فقهاء الإسلام على الإطلاق، بل إنني لا أشطط حين أقول: أن الإسلام الذي بين أيدينا الآن ما هو إلى ثمرة من ثمار أولئك العلماء الأربعة بالتحديد، والذين سخرهم اللَّه للإنسانية لكي يحفظوا لنا سنة رسول اللَّه ﷺ ، والتي بدونها لا يقوم الإسلام أبدًا، حتى بوجود القرآن نفسه، فالذي يعتقد أن القرآن هو المشرِّع الوحيد لهذا الدين فهو إمّا مجنون لا يفقه شيئًا في الدين، وإمّا مجرمٌ قذر يريد تدمير هذا الدين! وقد حذَّرنا من قبل في هذا الكتاب من ظهور مجموعات من شذّاذ الآفاق مؤخرًا ممن يطلقون على أنفسهم أسماءً برَّاقة مثل "القرآنيين" و"الإصلاحيين" و"المفكرين الإسلاميين"، وغير ذلك من الأسماء التي توهم بصلاح أصحابها، هذه المجموعة الشريرة والتي تأخذ تمويلها من جهات أجنبية معروفة، تبث سمومها على عامة المسلمين من خلال أوكارٍ لبث السموم يقال لها تمويهًا: "مراكز البحوث الإسلامية"، هؤلاء السفلة ليس لهم شاغلٌ في الحياة إلا الطعن في سنة رسول اللَّه ﵊، بل إنهم وسَّعوا من دائرة نشاطاتهم مؤخرًا ليطعنوا في صحابة الرسول، وزوجاته، بل في الرسول نفسه في بعض الأحيان! مدَّعين أن السنة التي بين أيدينا ما هي إلا روايات كُتبت بعد مئات
стр. 383
السنين من وفاة الرسول، فاعتدّوا بذلك أن السنة التي بين أيدينا الآن باطلة، وأن هذا الدين الذي بين أيدينا ليسس دينًا صحيحًا، لذلك وجب على شباب الأمة أن يدافعوا عن سنة رسولهم، ليس من خلال العنف الذي لا يزيد هؤلاء الخونة إلا صيتًا وشهرة، بل من خلال العلم والحقائق التاريخية الموثقة التي تسحب البساط من تحت أرجل أولئك المنافقين، فينكشف بذلك الستار عنهم، لتظهر للناس سوءاتهم، فيرى بذلك مريدوهم عمالتهم الواضحة وخيانتهم للأمة، ليُتركوا بعدها معزولين منبوذين، ليسقط الواحد فيهم في نهاية الأمر كما تسقط الثمرة العفنة!
والعبادلة الأربعة لم يكونوا وحدَهم من يحملون اسم "عبد اللَّه" من بين ما يزيد عن ١٠٠٠٠٠ من الصحابة الكرام رضوان اللَّه عليهم أجمعين، فقد ذكر (الإمام النووي) ﵀ أنه يعلم أن يوجد في الصحابة ﵃ مائتين وعشرين رجلا يُسمّى بـ "عبد اللَّه"، لكنه اشتهر إطلاق اسم العبادلة على أربعة منهم فقط وهم: (عبد اللَّه بن عمر، وعبد اللَّه بن عباس، وعبد اللَّه بن الزبير، وعبد اللَّه بن عمرو بن العاص)، فهكذا ذكرهم أهل الحديث وغيرهم من العلماء. وقد علّل العلامة الفارسي العظيم الحافظ (أبو بكر أحمد بن الحسن البيهقي) إفراد العلماء لقب العبادلة على هؤلاء الأربعة فقط بقوله: "هؤلاء عاشوا حتى احتيج إلى علمهم، فإذا اتفقوا على شيء قيل: هذا قول العبادلة، أو فعلهم، أو مذهبهم".
ولأن الحديث عن العبادلة الأربعة طويل طويل، ولأن عظمتهم ناطحت سحب السماء سموًا وسؤددًا، فقد قررت أن أنجو بقلمي الضئيل من الغوص في سِير أولئك العمالقة العظام، فلو أردنا أن نستعرض فقط تلك الخدمات الجليلة التي قدمها الصحابي الورع (عبد اللَّه ابن عمرو بن العاص) للإسلام والمسلمين، لما كفانا كتابة عشر مجلدات ضخمة، من دون أي مبالغة في ذلك، لذلك سأذكر فقط رؤوس أقلام عن كلِّ واحدٍ منهم، تاركًا مجال البحث في سيرهم للقارئ الكريم من أمهات كتب التاريخ الإسلامية:
عبد اللَّه بن عمرو بن العاص: المؤسس الرائد لعلم الحديث، وأول إنسانٍ على وجه الكرة الأرضية يكتب حديث رسول اللَّه ﷺ ، قال عنه أبو هريرة: "ليس أحد من أصحاب
стр. 384
الرسول ﷺ أكثر حديثا عن الرسول ﷺ مني إلا عبد اللَّه بن عمرو بن العاص فإنه كان يكتب وكنت لا اكتب! ". فلقد كتب ابن عمرو ﵄ الحديث في حياة الرسول وبتوجيه خاصٍ منه، فجمع بذلك مئات الأحاديث من فم رسول اللَّه مباشرة، وهذا رد مباشر على "القرآنيين" الذين يدَّعون أن كتابة الحديث بدأت في عهد (عمر بن عبد العزيز) ﵀، فهذا الخليفة الأموي البطل أمر بجمع الأحاديث المحفوظة أساسًا إما في قرطاس وإما في صدور المسلمين تواترًا، وحتى الأحادث التي كُتبت لاحقًا تم جمعها بطريقة علمية ابتكرها المسلمون، هذه الطريقة العلمية لم يستخدمها إنسان قط قبل المسلمين (أو بعدهم)، ألا وهي طريقة "الإسناد"، وعلم السند ينص على ذكر الرواة بالتسلسل بطريقة علمية بحتة يُذكر فيها كل ما يتعلق بكل راوي على حدة، فلو اتضح أن هناك راويًا واحدًا فقط من بينهم اشتهر بالكذب والوضع في حياته، بطل الحديث بالكلية! وعبد اللَّه هو الابن الأكبر لعمرو بن العاص الذي شوَّه المستشرقون الصليبيون سيرته، وطعن فيها الشيعة أبشع الطعونات، ولعل السبب الرئيسي لهؤلاء وهؤلاء أنهم يعلمون علم اليقين أن ابن عمرو بن العاص هو الذي جمع سنة محمد نبي الإسلام، لذلك كان الطعن في عمرو وأولاده طعنًا للإسلام من جذوره!
عبد اللَّه بن عمر: أعتبره شخصيًا مؤسس علم العقيدة الإسلامية، تعلّم مباشرة على يد أستاذه الذي علم البشرية -محمد بن عبد اللَّه ﷺ وهو على الرغم من إنه من أعظم رواة الحديث، إلا أنني أراه أنه الشارح الأكبر لمفهوم العقيدة. والعقيدة مشتقة من الفعل العربي "عقد" أي ربط وأوثق، العقيدة في اللغة من العَقْد: وهو الرَّبطُ، والإبرامُ، والإحكامُ، والتَّوثُّقُ، والشَّدُّ بقوة، والتماسُك، والمُراصَّةُ، والإثباتُ؛ ومنه اليقين والجزم. فالعقيدة هي أهم شيء في الدين الإسلام، فإذا كانت العبادات هي أركان الإسلام، فالعقيدة هي الأساس الذي تقوم عليه تلك العبادات، فمن كانت عباداته من صلاة وزكاة وصوم وحج قائمةً على عقيدة خاطئة مثل الاعتقاد بقدرة الأولياء والتبرك بالقبور، فعباداته باطلة، لأن الأساس وهو العقيدة باطل، فما بُني على باطل هو بالضرورة باطل! والمضحك أن الشيعة يعتبرون أن عبد اللَّه بن عمر هو المؤسس الفعلي لـ "الوهابية"! علمًا أن الإمام (محمد بن عبد الوهاب) ﵀ وُلد بعد مئات السنين
стр. 385
من موت ابن عمر، إلا أنني أرى أن الشيعة أصابوا كبد الحقيقة في اعتقادهم هذا، فإذا كانت الوهابية هي تطبيق القرآن والسنة والبعد عن التقليد الأعمى فقد صدقوا باستنتاجهم! فعبد اللَّه بن عمر لم يكن يُحَكم إلا القرآن والسنة بفهم سلف الأمة، فلم يكن ابن عباس يأخذ إلا بالقرآن وما صحَّ من أحاديث رسول اللَّه بفهم إجماع الصحابة، ضاربًا بعرض الحائط ما يتعارض مع ذلك حتى ولو كان صادرًا من أسماءٍ عملاقة، وهو صاحب المقولة الشهيرة: "ومن أبي؟! ". وقد رُوي رواية للترمذي أن عبد اللَّه بن عمر ﵄ رأى رجلا يعطس ويقول: الحمد للَّه والصلاة على رسول اللَّه! فنظر إليه ابن عمر وقال له: وأنا أيضا أحمد اللَّه وأصلى على رسوله لكن ما هكذا علمنا رسول، لقد علمّنا أن نقول الحمد للَّه!
عبد اللَّه بن الزبير: ابن حواري رسول اللَّه، وابن ذات النطاقين أسماء، وابن اخت أم المؤمنين عائشة، وحفيد أبي بكر الصديق، فرسول اللَّه ﷺ كان زوج خالته عائشة، وابن خال أبيه، وزوج عمة أبيه "خديجة"، فمن هذا الأصل الطاهر وُلد النبت الطاهر عبد اللَّه بن الزبير ليكون أوّل مولودٍ في الهجرة، ليتربى في مدرسة النبوة، لينهل منها دروس الفداء والتضحية، فهذا البطل بن البطل يرافق أباه طفلًا في معركة اليرموك، فقد كان أبوه الزبير يردفه على فرسه وهو يقتحم صفوف الأعداء ليعلمه فنون البطولة الإنسانية في أبهى صورها، فشهد يوم اليرموك، كما شهد فتح أفريقيا والمغرب وغزو القسطنطينية، ويوم الجمل مع خالته السيدة عائشة وكان يضرب المثل بشجاعته، وكانت خالته الطاهرة عائشة تعتبره ابنها الذي لم تنجبه، فكانت تكنى به فيقال لها "أم عبد اللَّه"!
عبد اللَّه بن عباس: حَبر الأمة، وترجمان القرآن، مؤسس علم التفسير، وأعظم مفسر للقرآن في أمة محمد، هو ابن العباس عم الرسول ﷺ ، وابن عم علي، وابن عم جعفر، وابن أخ حمزة، ولد ببني هاشم قبل عام الهجرة بثلاث سنين، وكان النبي محمد ﷺ دائم الدعاء له، فقد دعا له رسول اللَّه ﷺ أن يملأ اللَّه جوفه علمًا وأن يجعله صالحًا. وكان النبي يدنيه منه وهو طفل صغير ويربّت على كتفه وهو يقول: "اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل". ولابن عباس قصة طريفة تعتبر مثالًا لكيفية التفوق العلمي لجميع بني البشر بدون استثناء، فقد توفي رسول اللَّه ﷺ وعمر ابن عباس لا يتجاوز ثلاث عشرة
стр. 386
سنة، فقال ابن عباس لصاحبٍ له: دعنا نتعلم من أصحاب رسول اللَّه فإنهم اليوم كثير (أي قبل أن يموتوا واحدًا واحدًا)، فضحك منه زميله وقال: واعجبًا لك يا ابن عباس! أترى الناس يحتاجون إليك وفي الناس من أصحاب النبي ﷺ من ترى؟! فترك ذلك الفتى العلم، وأقبل ابن عباس على سؤال الصحابة والتعلم منهم، فكان إذا سمع أن هناك حديثًا عند رجلٍ منهم، ينطلق كالبرق إلى بيته في عز الظهر، ليفرد رداءه على الرمل أمام بيته ينتظر خروجه، فتسفي الريح عليه التراب، حتى يخرج الصحابي فيراه على تلك الحال والتراب يغطيه، فيقول له: يا ابن عم رسول اللَّه ألا أرسلت إلي فآتيك (أي آتيك لبيتك لأعلمك)، فيقول له ابن عباس بأدب طالب العلم: أنا أحق أن آتيك فأسألك! ومرت الأيام والسنين، حتى رآه صاحبه الذي رفض العلم وقد أحاط الناسُ به من كل اتجاه يريدون التعلم منه، فنظر إلى ابن عباس بحسرة وقال: هذا الفتى أعقل مني! وعندما قرر الحسين ﵁ الخروج للعراق كان العباس أحد الذين نصحوا الحسين بقوله له: "إن أهل العراق قوم غدرٍ فلا تقربنهم" ولكن الحسين ﵀ أصرَّ على المسير للعراق بعد ان اطمأن من مئات الرسائل التي بعثها الشيعة إليه من هناك، ليقوم نفس الذين بعثوا إليه الرسائل بحمل السيوف ضده، ليغدروا به ويقتلوه، ليصدق ظن ترجمان الأمة بأولئك القوم الخونة!
العجيب أن اللَّه شاء أن يُولدَ لعبد اللَّه بن عباس ولدٌ اسمه علي، ليولد لعلي ولدٌ اسمه محمد، ليُولد لمحمدٍ ولا اسمه عبد اللَّه، ليُولد لعبد اللَّه ولدٌ اسمه محمد، ليولد لمحمد طفلٌ في غاية الوسامة والجمال، هذا الطفل سيحمل عندما يكبر راية سوداء مكتوبٌ عليها باللون الأبيض "لا إله إلا اللَّه، محمدٌ رسول اللَّه" ليرفعها عاليًا في ثلاث قارات، فيكون عصره أكثر عصور دولة الإسلام ازدهارًا على الإطلاق، ليستحقَّ أن يسجَّل اسمه في سجل العظماء في أمة الإسلام. فمن تراه يكون ذلك الخليفة الإسلامي الرشيد؟ ولماذا شوِّهت صورته من قِبَل الإعلام العربي والغربي على حد سواء؟ وهل حقًّا كان رجلًا سِكيّرًا مغرمًا بالراقصات؟ أم تراه كان من أتقى وأورع وأعظم من حكم أمة محمد في تاريخها بأسره؟!
يتبع. . . . . .
стр. 387
ألف الحج والجهاد فما ... من سفرتين في كل عامِ
" الخليفة الناسك" (هارون الرشيد)
" من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم قرأت كتابك يا ابن الكافرة والجواب ما تراه لا ما تسمعه"
كلّما تقدمت أكثر في هذا الكتاب، أدركت عِظمَ حجمِ الكارثة التاريخية التي حلّت علينا جميعًا! أعترف أنني ما كنت أحسب الخليفة العباسي هارون الرشيد -وإلى وقتٍ قريب- إلا سكّيرًا ماجنًا ليس له همٌ في الدنيا إلى معاقرة الخمر والاستمتاع باللذات الدنيئة! فلقد كنت كغيري ممن نالتهم سهام غزاة التاريخ لا أكاد أسمع باسم هارون الرشيد بالذات، إلا ويدور في خلجي ما رسمه لنا أولئك الغزاة عن تلك الليالي الماجنة في قصور بغداد، والتي تزينها الرقصات الرشيقة من قِبل الجواري الحسان اللائي تتراقصن بدورهن على أنغام الموسيقى، في الوقت الذي يحمل فيه غِلمان صغارٌ أباريقًا من خمرٍ تزيد من مجون الخليفة ووزرائه، والذين علت أصوات قهقهاتم حتى وصلت إلى خارج أسوار بغداد! لذلك أعتقد أن الوقت قد حان لكي نعترف أننا وقعنا بالفعل في شباك غزاة التاريخ، بل إنني أرى أنه ينبغي علينا أن تكون لدينا الشجاعة الكافية لكي نعترف أننا هُزمنا في الحرب التاريخية التي شُنَّت علينا خلال المائة أو المائتين عامٍ الماضية، وهذا ليس عيبًا أبدًا، فمعرفة الخطأ هي بداية عملية تصحيح المسيرة، فإن كان غزاة التاريخ قد انتصروا بدون أدنى شك في جولتهم السابقة، فإنهم بدأوا يواجهون في السنوات الآخيرة بالتحديد، رجالًا أبطالًا حملوا راية الجرح والتعديل لتاريخ هذه الأمة المجيدة، ليعيدوا كتابة تاريخها من جديد، ليخلِّصوها من الشوائب التي علِقت بها من قِبل المستشرقين وعملائهم، ليتغير بذلك مسار رحى المعركة التاريخية الشرسة بيننا وبينهم لصالح هذه الأمة، وإن كنّا نسلم بأن ذلك التغيير ما زال بطيئًا إلى حد الآن، إلا أن
стр. 388
المهم أن يستمر الجميع في عمله، فدرب الألف ميل يبدأ بخطوة، فمن كان يستيطيع الكتابة فليكتب شيئًا يساهم به في تلك الحرب الشرسة، ومن قرأ شيئا فليبلغه لأهله وزملائه، فيا من تطلبون الجهاد وتصرخون من أجله، هذه هي ساحتكم، فليس الجهاد أن تحمل رشاشا لتقتل به الأبرياء، وليس الجهاد أن تلقي بنفسك وبأمتك إلى التهلكة، بل الجهاد هو أن تنصر أمتك، والأمة الآن تحتاج إلى رجالٍ صادقين، وإلى نساءٍ صادقات، يصحح كل منهم تلك المفاهيم التاريخية الخاطئة التي تعلمناها في مدارسنا، أو شاهدناها في إعلامنا، ولعلكم ستعجبون الآن عند اضطلاعكم على القصة الحقيقية للتاريخ الحميد، للخليفة الرشيد، والمجاهد الصنديد، والمقاتل العتيد، البطل الإسلامي المجيد: هارون الرشيد رحمه اللَّه تعالى وأسكنه فسيح جناته.
وهذا الخليفة العباسي الهاشمي العظيم كان على العكس تمامًا من الصورة الذي أشاعها غزاة التاريخ عنه، فقد كان ﵀ من أكثر خلفاء الإسلام جهادًا وغزوًا واهتمامًا بالعلم والعلماء، وليس كما يدعي الغزاة أنه كان منشغلًا بالجواري والخمر والسكر، فكتب التاريخ الإسلامي الأصلية مليئة بمواقف رائعة للرشيد في نصرة الإسلام والمسلمين، وزاخرة بمواقف زهده وورعه وتقواه، بل إن هارون الرشيد كان معروفًا أنه "الخليفة الذي يحج عامًا ويغزو عامًا"! فقد كان ﵀ ديِّنًا محافظًا على التكاليف الشرعية، وصفه مؤرخو الإسلام أنه كان يصلي في كل يوم مائة ركعة إلى أن فارق الدنيا، ويتصدق من ماله الخاص بدون حساب، ولا يتخلف عن الحج إلا إذا كان مشغولًا بالغزو والجهاد، بل إن جمعًا كبيرًا من العلماء كانوا يذكرون أن هارون الرشيد كان من أكثر الناس تقريبًا للعلماء، ومن أشد الناس بكاءً عند سماعه للمواعظ، فقد قال عنه الإمام العظيم (أبو معاوية الضرير): "ما ذكرت النبي ﷺ بين يدي الرشيد إلا قال صلى اللَّه على سيدي ورويت له حديثه وددت أني أقاتل في سبيل اللَّه فأقتل ثم أحيى ثم أقتل فبكى حتى انتحب". بل إن أبا معاوية الضرير (الذي كان ضريرًا بالفعل) روى قصة عجيبة عن هارون الرشيد الذي كان يملكها من الصين إلى الأطلنطي فقال: "صبّ على يدي بعد الأكل شخصٌ لا أعرفه فقال الرشيد تدري من يصب عليك قلت: لا. قال: أنا إجلالا للعلم! ". وكان علماء الأمة يبادلونه نفس التقدير، فقد رُوي عن (الفضيل بن
стр. 389
عياض! أنه قال: "ما من نفس تموت أشد علي موتا من أمير المؤمنين هارون، ولوددت أن اللَّه زاد من عمري في عمره". وقال الإمام (منصور ابن عمار): "ما رأيت أغزر دمعًا عند الذكر من ثلاثة الفضيل بن عياض والرشيد وآخر" وقد قال له العالم الرباني الفضيل ذات مرة: "يا حسن الوجه (وقد كان الرشيد جميلًا جدًا) أنت المسئول عن هذه الأمة، فجعل هارون يبكى ويشهق حتى كاد يُغمى عليه"، ورُوي أن (ابن السماك) دخل على الرشيد يومًا فاستسقى فأتى بكوز فلما أخذه قال: "على رسلك يا أمير المؤمنين لو منعت هذه الشربة بكم كنت تشتريها؟ " قال هارون: "بنصف ملكي" فلما شربها قال له: "أسألك لو منعت خروجها من بدنك بماذا كنت تشترى خروجها؟ " فقال هارون: "بجميع ملكي! " عنده انظر العالم الجليل إلى أمير المؤمنين هارون الرشيد وقال له: "إن ملكًا قيمته شربة ماء وبَولة، لجديرٌ أن لا يُنافسَ فيه! " فبكى هارون الرشيد بكاء شديدا حتى أشفق عليه من حوله.
وعلى الرغم من ورع الرشيد وتفرغه للعبادة وقيام الليل، فإنه لم يهمل شئون الدولة الإسلامية البتة، فقد كان عهد الخليفة العباسي العظيم هارون الرشيد أعظم عهدٍ في تاريخ الدول الإسلامية على الإطلاق من ناحية الازدهار الاقتصادي، والتقدم العلمي المبهر، والتطور الحضاري العظيم، فقد أنشأ هارون الرشيد بمشورة من زوجته الصالحة المجاهدة (زبيدة) طرقًا ممتدة توصل بلاد المسلمين بمكة والمدينة، وأقام على جوانب هذه الطرق الفنادق المجانية لزوار الحرم، كما أنشأ الرشيد أول جامعةٍ علمية في تاريخ البشرية أسماها "بيت الحكمة"، وزودها بأعداد كبيرة من الكتب والمؤلفات من مختلف بقاع الأرض كالهند وفارس والأناضول واليونان، وكانت تضم غرفًا عديدة تمتد بينها أروقة طويلة، خُصِّصت بعضها للكتب، وبعضها للمحاضرات، وبعضها الآخر للناسخين والمترجمين والمجلدين وكان الرشيد يشرف عليها شخصيًا هو وكبار رجال دولته، فكانوا يقفون وراء هذه النهضة بكل ما أوتوا من قوة (قارن ذلك بصورة سهرات الأنس التي صوَّرها الإعلام عن الخليفة ووزراءه!)، فكانوا يصلون أهل العلم والدين بالصلات الواسعة، ويبذلون لهم الأموال تشجيعًا لهم، وكان الرشيد نفسه يميل إلى أهل الأدب والفقه والعلم، ويتواضع لهم حتى إنه كان يصب الماء في مجالسه على أيديهم
стр. 390
بعد الأكل، فغدت حاضرة الرشيد "بغداد" قبلة لطلاب العلم من جميع البلاد، ليجدوا فيها كبار الفقهاء والمحدثين والقراء واللغويين وعلماء الرياضيات والترجمة وعلوم الطبيعة والفلك، وكانت المساجد تحتضن دروسهم وحلقاتهم العلمية التي كان كثير منها أشبه بالمدارس العليا، من حيث غزارة العلم، ودقة التخصص، وحرية الرأس والمناقشة، وثراء الجدل والحوار (قارن ذلك بحال المساجد هذه الأيام!)، وأُنفق الرشيد الأموال الطائلة في النهوض بالدولة الإسلامية العظمى، وتنافس كبار رجال الدولة في إقامة المشروعات كحفر الترع والأنهار، وبناء الحياض، وتشييد المساجد، وإقامة القصور، وتعبيد الطرق، بل إن الخليفة الإسلامي العظيم هارون الرشيد وضع بنفسه خطة علمية متكاملة، وميزانية ضخمة، لحفر قناةٍ بحريةٍ عملاقة، تربط بين البحر الأبيض المتوسط (بحر الروم) والبحر الأحمر (بحر القلزم)، إلا أنه ﵀ وجزاه كل خير خشي أن يفتح المجال بذلك للروم للعبور من خلال تلك القناة، فتكون مكة والمدينة في متناول أيديهم. (وبذلك يكون هارون الرشيد هو صاحب فكرة إنشاء "قناة السويس" قبل أن تُنسب بعد ذلك بألف عام للص الفرنسي "فرديناندو ديليسبس" والذي سرق أموالها بعد ذلك لسنواتٍ طوال!).
أما "بغداد" فقد أصبحت قبلة الدنيا، وأصبحت معروفة في عهد الرشيد باسم "مدينة السلام"، فقد حظيت هذه المدينة التي بناها العباسيون حاضرة العالم بأسر بنصيب وافرٍ من العناية والاهتمام من قبل الخليفة الرشيد وكبار رجال دولته الأبطال، حتى بلغت في عهده قمة مجدها وتألقها، فاتسع عمرانها، فزاد عدد سكانها حتى بلغ نحو مليون نسمة (وقد كانت أعلى نسبة سكان لمدينة في العالم بأسره، تلتها مدينة إسلامية ثانية هي قرطبة الأندلسية، وإشبيلة الإسلامية في المركز الثالث على مستوى العالم)، فبُنيت في بغداد المساجد الضخمة، والمدارس المتنوعة، والمعاهد العلمية المتطورة، والقصور الفخمة، والأبنية الرائعة التي امتدت على جانبي دجلة، فأصبحت بغداد من اتساعها كأنها مدن متلاصقة، فصارت أكبر مركز للتجارة الحرة في العالم، حيث كانت تأتيها البضائع من الصين والهند وأوروبا وأفريقيا، فهاجر إليها فقراء النصارى واليهود، فاستقبلهم المسلمون بكل تسامحٍ ديني (سيتعامل هؤلاء فيما بعد مع هولاكو لإسقاط
следующие страницы →