← Тараджим

Тараджим · id 14132

مائة من عظماء أمة الإسلام غيروا مجرى التاريخ

جهاد الترباني

Полный текст (458 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

يصبح صلبًا إلا بعد خروجه من بوتقة النار الملتهبة. فقد كان جلد (مصعب بن عمير) يتخشف في مكة بعد إسلامه قبل أن يستطيع حمل راية الإسلام في أحد، فالصحابة لم يحتاجوا لأكثر من سنة واحدة في المدينة لينتصروا في بدر، بينما احتاجوا لـ ١٣ سنة في مكة لكي يصنعوا من أنفسهم رجالًا أقوياء لا يهابون الموت، ولعلك تستغرب أن قيام الليل كان فرضًا من الفروض في بداية الدعوة الإسلامية، بل إن حمل السلاح للقتال كان ممنوعًا طوال الفترة المكية، ذلك لكي يتسنى لهم مواصلة التدريب النفسي الطويل الأمد. . . جهاد النفس! وإن كان الصحابة هم أعظم البشر بعد الأنبياء، فإن كتيبة بعينها من الصحابة كانت وبحق أعظم كتيبة في تاريخ الإنسانية منذ أبي البشر آدم وإلى يوم القيامة. فمن تكون تلك الكتيبة الرَّبانية التي غيَّرت من وجه التاريخ البشري إلى أبد الآبدين؟ يتبع. . . . .

стр. 37

﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (البدريون) " لعل اللَّه اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" (رسول اللَّه ﷺ ) في عام ٤٨٠ قبل الميلاد قام ٣٠٠ محارب من مملكة "إسبرطة" اليونانية بصد جيش جرار يتكون من أكثر من ٥٠ ألف مقاتل فارسي خرجوا لاحتلال بلاد اليونان. ورغم أن المعركة انتهت بمقتل جميع المحاربين الثلاثمائة في وادي "ثرومبلاي" على سواحل اليونان، إلا أن الإغريق لا يزالون يحفظون لهؤلاء الأبطال بسالتهم وتضحيتهم، وبات (ليونايدوس) قائد هذه الكتيبة الفدائية بطلًا قوميًا في اليونان إلى يوم الناس هذا. وعلى الرغم من تضخيم اليونان لهذه القصة ومزجها بالأساطير الإغريقية القديمة إلّا أنني أرى أن لهم كل الحق بتعظيم أبطالهم الذين صدّوا غزو جيش جرار من الغزاة الفرس (حتى ولو كان عدد الجيش الفارسي مبالغًا فيه من الناحية التاريخية!). ولكن الشيء الثابت تاريخيًا، أن هناك ٣١٤ رجلًا ظهروا بعد تلك الحادثة بألف سنةٍ، لينتصروا في معركة فاصلة في تاريخ البشرية غيرت خارطة العالم إلى الأبد، ليدمروا بانتصارهم هذا الإمبراطورية الفارسية إلى الأبد، ثم تندحر بعدها الإمبراطورية الرومانية العظمى بفضل ذلك الانتصار بالتحديد. ٣١٤ رجلًا فقط غيَّروا مسار التاريخ في ملحمة إنسانية خالدة فرَّقت بين الحق والباطل إلى يوم القيامة، سمّاها اللَّه في كتابه الكريم بيوم الفرقان، فكانت هذه المعركة وبحق أعظم معركة عرفتها الإنسانية على مر العصور والأزمنة، وكان هؤلاء الفرسان أعظم فرسان عرفتهم البشرية. . . . إنها معركة بدر الكبرى، التي سُمي أبطالها باسم البدريين. وربما يقول قائل أن هؤلاء الرجال الـ ٣١٤ مجاهد إنما قاموا بالانتصار فقط في معركة محدودة في بقعة مجهولة في صحراء العرب لا تكاد ترى على الخارطة، وأن الإمبراطورية الفارسية الساسانية سقطت بعد ذلك بـ ٢٠ عامًا وبالتحديد بعد معركة

стр. 38

"نهاوند" في عهد عثمان بن عفان ﵁، وأن الإمبراطورية البيزنطية سقطت بعدها بأكثر من ثمانية قرون في عهد محمد الفاتح ﵀، ولكن تصور معي أن كسرى الفرس وقيصر الروم كانا يعلمان بأمر أولئك الفرسان الـ ٣١٤، وما سيمثلونه بعد ذلك من تهديد لإمبراطورياتهم الضاربة الجذور في عمق التاريخ، فهل كانت جيوش الفرس والروم ستتركهم وشأنهم؟ هل كانت دعوة محمد ﷺ ستصل إليَّ وإليك لو أن هؤلاء الرجال تقاعسوا قيد أنملة عن التضحية والفداء؟ بل هل كانت الإنسانية تستحق الوجود أصلًا إذا ما هُزم هؤلاء الرجال؟ إذا كنت تعتقد أن معركة بدر كانت مجرد معركة وقعت بين ٣١٤ رجلًا من المسلمين و ١٠٠٠ رجلٍ من الكفار، فاستمع إلى قول الصادق الأمين محمد ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى في أَمر تلك الكتيبة البدرية، فقد رفع رسول اللَّه ﷺ يديه عاليًا في السماء وأخذ يناجي ربَّه قائلًا: "اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تُعبد في الأرض" هل عرفت قيمة هؤلاء الـ ٣١٤ الآن؟ هل كنت ستعرف شيئًا عن الإسلام من دونهم؟ قال تحفظ أسماء هؤلاء العظماء الذين غيروا مجرى الإنسانية؟ هل تعرف أسماء ١٠٠ منهم، ٥٠ منهم، ٢٠ منهم؟ هل تعرف أسماء الـ ١٤ شهيدًا من هؤلاء الفرسان الذين استشهدوا ليصل هذا الدين إليك وأنت جالسٌ في بيتك؟ هل قرأت أو سمعت في حياتك الطويلة عن رجل اسمه (معوذ بن عفراء)؟ كم اسمًا من أسماء المغنيين تعرف؟! كم اسمًا من أسماء اللاعبين تحفظ؟!! كانت هذه مجرد سطورٍ قليلة عن أعظم جيش عرفته الإنسانية منذ نشأتها، جيش البدريين، فإذا كان الغرب فرَّق التاريخ بكل بساطة باستخدام لفظتي " AD"، و" AC"، فإن ربَّ الغرب والشرق فرَّق التاريخ بمعركة بدر الكبرى، فرَّقها بـ "يوم الفرقان"! أولئك البدريون، علم اللَّه بصدق ما في قلوبهم، فأمدهم بجيش من الملائكة مسوَّمين يقاتلون معهم في المعركة، فأمدهم بخمسين، ألف ملكٍ هم أعظم ملائكةٍ في التاريخ، لا لشيءٍ سوى أنهم شاركوا البدريين في هذه المعركة الخالدة. ولكن هناك شيءٌ غريبٌ في هذه القصة! فجميع الملائكة بدون استثناء، والذين نزلوا عند آبار بدر، تمثلوا على صورة بطلٍ

стр. 39

واحد من الأبطال الـ ٣١٤! فمن هو هذا الإنسان الذي نزل جبريل ﵇ بصورته ليقاتل على الأرض؟ أو قل من هو ذلك الفدائي الأسطوري الذي نزل جيش كامل من الملائكة الكرام على صورته وشكله؟ وما هو سر اختيار اللَّه له بالذات من بين كل البشر ليكون صاحب هذا الشرف؟ فما هي حكايته في "بدر"؟ وما هي حكايته في "أحد"؟ وما هي حكايته في "اليرموك"؟ وما هي حكايته في "مصر"؟ وقبل هذا وذاك. . . . ما هي حكايته العجيبة في شوارع "مكَّة" وهو طفلٌ صغير؟ فهيّا بنا لنسبر أغوار ابن عمة محمد، وابن أخ خديجة، وابن أخت حمزة، وابن عمة علي، وزوج بنت أبي بكر، هيّا بنا لنبحر في بحار العشرة المبشرين بالجنة، هيّا بنا لنكشف الستار عن قصة الحواري! يتبع. . . . . .

стр. 40

(حواري رسول اللَّه) الزبير بن العوّام " إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيًّا، وَحَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ" (رسول اللَّه ﷺ ) أن تكون ابن عمة رسول اللَّه ﷺ فهذا شرف كبير، وأن تكون عمتك أخت أبيك هي خديجة ﵂ زوجة رسول اللَّه فيالك من محظوظ، وأن تكون زوجتك بنتًا للصديق وأختًا لعائشة زوجة رسول اللَّه فأكرم بهذا النسب، وأن تكون أحد العشرة المبشرين بالجنة فحَيْهَلا بك وبالتسعة، وأن ينزل جبريل الأمين بهيأتك ومعه خمسين ألف ملك كلهم على نفس صورتك فهذا شرف ما بعده شرف، وأن يكون خالك حمزة وابن خالك علي وابن خالك الأخر عبد اللَّه بن العباس فأنت أشرف الناس نسبًا، وأن تكون حواري سيد الخلق فهذا قمة التشريف والتبجيل، ولكن أن يجتمع هذا الشرف كله في إنسان واحد فاعلم أنك تتحدث عن رجل واحد فقط، إنك تتحدث عن البطل المقدام، والفارس الهُمام، والصائم القوّام، إنك تتحدث عن حواري خير الأنام، إنك تتحدث عن الزبير بن العوّام! والحواري هو ناصر النبي من صفوته الذي بالغ في نصرة نبيه ونقي من كل عيب. وإذا أردت أن تعرف لماذا كان الزبير حواريًا لرسول اللَّه ﷺ فارجع معي إلى السنوات الأولى من البعثة النبوية الشريفة، وانتقل بروحك إلى مكة المكرمة. . . . هناك في شوارعها يرى الناس غلامًا صغيرًا يمد الخطى شاهرًا سيفه والشرر يقدح من عينيه كأنه شبل ليث مفترس، فيتعجب الناس من أمر هذا الفتى الصغير المشهر سيفه أمامه كأنه كتيبة كاملة من الأبطال، فيصيح الناس بدهشة بالغة: الغلام معه السيف! الغلام معه السيف! وبينما هذا الغلام يمد خطاه في شوارع مكة وإذ برسول يراه في هذه الهيأة العجيبة، فيسأله بعجب: مالك يا زبير؟! فيرتشف الفتى الصغير من أنفاسه ما ينعش به روحه ويقول:

стр. 41

سمعت يا رسول اللَّه أنك أُخِذت وقتلت! فينظر رسول اللَّه ﷺ بحنان إلى عينيه الصغيرتين ويقول له: فماذا كنت صانعًا؟! فيقول الزبير بن العوام بكل حزم: جئت لأضرب بسيفي من أخذك! ومن شوارع مكة إلى ضواحي المدينة، هناك عند جبل أحد، هناك تحت شمس الصحراء القاحلة عند بدء المعركة وقبل أن يلتحم الجيشان وقف ما رد ضخم هو أعظم فارس في جيش الكفار اسمه (طلحة بن أبي طلحة العبدري) والذي كان يُطلق عليه لقب "كبش الكتيبة" لشدة بأسه وضراوة قتاله، فتقدم هذا الوحش البشري راكبًا على جمل ضخم حاملًا راية المشركين في يده وهو ينادي في المسلمين طالبًا رجلًا منهم ليبارزه، عندها برز من بين كثبان الصحراء القاحلة وأشعة الشمس الملتهبة، هناك من بين شباب محمد. . . انبثق من بين أسنة السيوف اللامعة ورؤوس الرماح الشامخة شابٌ مفتول العضلات طويل القامة عريض الكتفين يمد الخطى بكل ثقة باتجاه كبش الكتيبة وكأنه البرق الخاطف، إنه هو هو ذلك الغلام الصغير الذي حمل سيفه قبل عدة سنوات ليذود به عن ابن خاله. . . إنه حواري رسول اللَّه ﷺ . . . . إنه البطل الزبير بن العوام! فلمّا صار هذا البطل أمام الجمل الضخم وفوقه أعظم فرسان العرب، قفز الزبير فوق الجمل كالفهد الجارح وجذب بذراعيه القويتين الجمل وصاحبه نحو الأرض وبرك فوق كبش الكتيبة، وأمسك برأسه المخيف فجزها جزًا ليجعل من صاحبها جسدًا بلا رأس، عندها نظر رسول اللَّه ﷺ إلى ابن عمته صفية بكل فخر واعتزاز، فرفع صوته ونادى: اللَّه أكبر! ومن أحد نتجه شمالًا من المدينة المنورة حتى نصل إلى اليرموك في بلاد الشام، هناك يتعجب الروم من فارس ملثم يتقدم وحده بفرسه قبل بدء المعركة كالصقر الكاسر، ليخترق جيش الرومان بفرسه وفي يده اليمنى سيف وفي يده اليسرى سيف آخر يحارب بهما معًا، لتتطاير رؤوس الروم عن اليمين وعن الشمال، لقد كان هذا الفارس الملثم هو الزبير بن العوام! ومن الشام إلى مصر. . . . . هناك في قلب مصر تحصن الروم في حصن "بابليون" المنيع لمدة سبعة أشهر عجز فيها جيش (عمرو بن العاص) من إحداث أي اختراق فيه، عندها قرر الفاروق عمر أن يحل هذه المشكلة، فأرسل إلى عمرو مددًا يحتوي على

стр. 42

رجال المهمات الصعبة في الجيش الإسلامي، من بينهم محمد بن مسلمة والزبير بن العوام، فما إن وصل الزبير حصن بابليون، حتى تفاجأ الروم، بفارسٍ عظيم البنيان، مفتول العضلات، لم يحددوا إن كان إنسيًا أم مخلوقًا من عالم آخر، يتسلق الحصن كأنه ماردٌ يشق الأسوار شقًا بيديه، وما هي إلا ثوانٍ معدودةِ حتى أصبح ذلك العملاق الإسلامي فوق أعلى نقطة في الحصن، وعند هذه اللحظة. . . . رفع هذا المغامر المقدام سيفه في عنان السماء وصاح بصوت زلزل الأرض كهزيم الرعد: اللَّه اكبر! عندها هرع الروم من ثكناتهم من هول ذلك المنظر العجيب، لقد كان هذا العملاق هو نفسه ذلك الرجل الذي نزل جبريل عظيم الملائكة بهيأته، لقد كان هذا البطل هو حواري رسول اللَّه ﷺ ، إنه البطل الإسلامي العملاق الزبير بن العوام ﵁. وبعد. . . كانت هذه السطور غيضًا من فيض أسطورة حقيقية لفارس حقيقي اسمه الزبير بن العوام، هذا الفارس العملاق هو البطل الذي ينبغي لشبابنا أن يقتدوا به ويدرسوا سيرته، فلقد انتهى زمان التبعية، وآن الأوان لشباب هذه الأمة أن يعرفوا أبطالهم حق المعرفة. وإذا ذكر الزبير ذكر معه فارس آخر ارتبط اسمه ارتباطًا كليًا مع الزبير، إلى درجة صار فيها الاثنان جاري رسول اللَّه في الجنة، فمن هو ذلك الصحابي الجليل الذي أصبح شهيدًا وهو ما يزال حيًا يُرزق؟! يتبع. . . . .

стр. 43

﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ (طلحة بن عبيد اللَّه) " هذا ممن قضى نحبه! " (رسول اللَّه ﷺ ) هو أحد العشرة المبشرين بالجنة، وأحد الثمانية الذين سبقوا للإسلام، وأحد الستة أهل الشورى الذين توفى رسول اللَّه ﷺ وهو عنهم راضٍ، إنه طلحة الخير كما سماه رسول اللَّه ﷺ يوم أحد، وطلحة الفياض كما سماه في موضع آخر، وطلحة الجود كما سماه في موضع ثالث، إنه طلحة بن عبيد اللَّه ﵁ وأرضاه. طلحة هذا الذي لا يعرفه الكثير منّا والذي لم نقرأ عنه في مناهجنا شيئًا حال دون وقوع أكبر جريمة كانت ستعرفها الإنسانية في التاريخ، ولمعرفة السبب الذي جعل من طلحة شهيدًا يمشي على الأرض، ينبغي عليك أن تتحول بقلبك إلى الجزيرة العربية، لتدع روحك ترافق أبا بكرٍ الصديق ﵁ وهو يلهث راكضًا كما لم يركض أحد من قبل متجهًا إلى جبل أحد محاولًا مسابقة الزمن قبل فوات الأوان، قبل أن يفقد صديق عمره وقد أحاط الكفار به من كل جانب، هناك كان رسول اللَّه ﷺ في أحرج ساعة في حياته، فلقد كان رسول اللَّه ﷺ محاصرًا من الكفار وقد عزموا على قتله، ليس حوله إلّا تسعة أبطال مسلمين سقط منهم سبعة دفاعًا عنه، ليبقى بجانبه مدافعان اثنان، أحدهما سنكتشفه في نهاية هذا الكتاب، والآخر سيكتشفه أبو بكر لنا الآن! فقد أخذ أبو بكر يسارع الخطى وأنفاسه تكاد تنقطع، ليلمح من بعيد وهو يمد ناظريه قبالة صديقه رجلًا يتحرك كالشبح ويقاتل كالنمر ذودًا عن رسول اللَّه ﷺ أمام رهط من فرسان قريش، فتُرمى على رسول اللَّه السهام فيتلقاها، وترمى عليه الرماح فيتصدى لها، فيتمنى أبو بكر أن يكون هذا الأسد هو نفسه ذلك الذي في باله، فإذا كان هو الذي في باله فإن صاحبه لا بد أن يكون في أمان بحراسة ذلك الصنديد المغوار،

стр. 44

عندها قال أبو بكر في نفسه: "كن طلحة فداك أبي وأمي!. . . كن طلحة فداك أبي وأمي! " وصدق ظن الصديق، لقد كان هذا الفدائي هو الشخص الذي يتمناه، إنه طلحة ابن عبيد اللَّه! هناك كان طلحة يقاتل ببسالة ما عرفت كواسر الأرض مثلها يدافع عن رسول اللَّه ﷺ بجسده وروحه ووجدانه، فقد كانت السهام تتطاير نحو الرسول ﷺ ليقفز طلحة كالنمر نحو الرسول محيطًا به ليتلقى السهام بنفسه، قبل أن يرجع مرة أخرى لمقاتلة الكفار بسيفه والدماء تتصبب من كل مكان في جسده. وفجأة. . . ينطلق سهم خارق من أعظم رام سهامٍ عرفته العرب نحو رسول اللَّه ﷺ مباشرةً، فتلمح عين طلحة السهم وهو يقاتل المشركين، فيسرع كالبرق الخاطف ليسبق هذا السهم قبل أن يصل إلى أعظم إنسان خلقه اللَّه في الكون، وبينما السهم يخترق الفضاء متوجهًا بنجاح نحو صدر الرسول وإذ بيد طلحة تمتد لتحضن السهم احتضانًا في شرايينها، عندها نظر رسول اللَّه ﷺ إلى يد طلحة والدماء تسيل من عروقها ليقول له: "لو قلت بسم اللَّه لرفعتك الملائكة والناس ينظرون" وبينما رسول اللَّه ينظر إلى تلميذه بشفقه وحنان، وصل أبو بكر ومعه أبو عبيدة يريدان حمايته، ليقول لهما رسول اللَّه ﷺ بحنان الوالد وهو ينظر إلى ولده الحبيب: "دونكم أخاكم فقد أوجب" عندها لم يصدق الصدِّيق عينيه! فلقد وجد أبو بكر جسد طلحة ملطخًا بالدماء حتى أخمص قديمه وبه بضع وستون جرحًا ما بين ضربة وطعنة ورمية دفاعًا عن رسول اللَّه ﷺ . هل كنت تعلم شيئًا عن عظمة طلحة والزبير؟ أعلمت الآن لماذا قال رسول اللَّه ﷺ : "طلحة والزبير جاراي في الجنة؟ " إذا لم تكن تعلم شيئًا عنهما من قبل فعليك أن تعلم أن أعداء الأمة يعرفون تاريخنا أكثر منا، بل يعلمون جيدًا من هم أبطالنا ورموزنا الذين غفلنا نحن عنهم، ففي صيف عام ٢٠٠٩ قام رئيس دولة إيران الفارسية (أحمدي نجادي) بسب طلحة والزبير على الهواء مباشرة أثناء حملته الانتخابية! فلماذا يكره نجادي رئيس دولة إيران جاري رسول اللَّه في الجنة؟ ومن هم الصفويون الجدد؟ وما هي مخططاتهم؟ ومن هو ذلك الصقر التركي الذي انطلق من جبال الأناضول ليدكَّ حصون الصفويين المجوس دكًّا على رؤوسهم؟ وما هي حكايته البطولية؟ يتبع. . . . . .

стр. 45

" مدمر دولة الصفويين" (سليم الأول) " وبعد. . . . . فإن علماءنا ورجال القانون قد حكموا عليك بالقصاص يا إسماعيل الصفوي بصفتك مرتدًا عن الإسلام وأوجبوا على كل مسلم أن يدافع عن دينه وأن يحطم الهراطقة في شخصك أنت وأتباعك البلهاء! " سليم الأول نحن على موعدٍ جديدٍ مع فارس من نفس طينة الصحابة، وللأسف فإن أغلبنا لم يسمع عنه البتة، والحق أنّي أجد بعضًا من العذر لهؤلاء (وقد كنت منهم)، نظرًا لإغفال المناهج الدراسية ذكر عظماء أمتنا بسبب جهل من وضعوها بهم، أو لأسباب أخرى، وإن كنت شخصيًا أرجح تلك الأسباب الأخرى! أمّا إذا أردت أن تعلم مدى عظمة هذا الرجل وما قدمه للمسلمين، فاطرح سؤالًا بسيطًا على نفسك لا أشك أبدًا بأن إجابتك ستكون عليه بالإيجاب. . . هل تحب رسول اللَّه ﷺ ؟! إذًا فاعلم أن رسولك هذا الذي تحب كان على وشك أن يُنبش قبره بعد أن تُحتل مدينته، وكان ذلك سيتم فعلًا لولا أن سخر اللَّه للإسلام هذا الصقر الكاسر: السلطان العثماني سليم الأول ﵀، بطل معركة "جالديران" الخالدة. وقبل أن نغوص في بحار بطولات سلطاننا العظيم يجب علينا أولًا أن نؤصل للمسألة، فالحكم على الشيء فرعٌ من تصوره، فعلينا أولًا إدراك مدى الخطر الكبير الذي تصدى له هذا السلطان، ألا وهو خطر دولة الصفويين الخبيثة! فمن هم الشيعة الصفويون؟ ولماذا يحملون هذا الحقد الدفين على الإسلام والمسلمين حتى وصل بهم حدَّ السماح بنبش قبر رسول اللَّه ﷺ ؟ وما سر سبِّ زعماء إيران الحاليين لصحابة رسول اللَّه وزوجاته؟ ولماذا تحتفل إيران إلى يومنا هذا بمقتل

стр. 46

الفاروق عمر بن الخطاب ﵁؟ ولماذا رمَّمت إيران عام ٢٠٠٣ م في مدينة "كاشان" الفارسية ضريح أبي لؤلؤة المجوسي قاتل عمر؟ أعترف أن هذا الموضوع شائك بعض الشيء، وقد يثير نوعًا من الضيق لدي بعض المسلمين المتعاطفين مع إيران وزعمائها الذين لا يتركون وسيلة إعلام إلا وأكدّوا فيها نصرتهم لقضايا المسلمين العادلة ومعاداتهم لإسرائيل بل ونيتهم لإزالتها من الوجود، إلّا أنني أقصد وجه اللَّه وحده بهذه السطور كائنًا في ذلك ما هو كائن، ولقد كنت شخصيًّا وحتى سنوات قليلة مضت أدافع عن الجمهورية (الإسلامية) الإيرانية لدرجة جعلتني أتهم فيها كل من يشكك في نوايا هذا النظام (الذي يدافع عن قضية وطني فلسطين) بالخيانة والعمالة، إلّا أنني كنت أتساءل كثيرًا في قرارة نفسي. . . لماذا نسمع كل يوم تهديدًا لإيران ولا نرى حربًا عليها؟ وزاد من حيرتي تلك ما سمعته على لسان وزير خارجيتها (منوشهر متكي) بقيام إيران بمساعدة الغزاة على احتلال أفغانستان والعراق، ومما يثير الدهشة فعلًا هو سماعي لتصريحات (نجادي) اليومية لنصرة الأقصى وفي نفس الوقت نراه يكرِّم العالم الشيعي (جعفر مرتضى العاملي) لتأليفه كتاب "المسجد الأقصى أين؟ " والذي ينص فيه أن مكان المسجد الأقصى الذي أسرى إليه رسول اللَّه ﷺ ليس في القدس، وأنه ليس للقدس أي أهمية دينية، فلا داعي إذًا للدفاع عنها، فالأقصى ليس موجودًا هناك!! أمّا الخبر الذي جعلني أتيقن أن في الأمر شيئًا غامضًا هو ذلك التقرير الذي قرأته باللغة الإنجليزية في صحيفة الديلي التيليغراف البريطانية (The Daily Telegragh) الصادرة بتاريخ ٣ - ١٠ - ٢٠٠٩ م، ذلك التقرير يبين من خلال صورة التقطها أحد المصورين عن قرب لجواز الرئيس الإيراني وهو يحمله خلال إحدى الحملات الانتخابية أن اسم عائلة رئيس إيران ليس (أحمدي نجادي) كما هو معروف، بل هو (سابورجيان) كما هو واضح في صورة الجواز، وسابورجيان يا سادة هو اسم لعائلة يهودية من يهود الفرس!!! كل هذا دفعني لكي أفتش في صفحات خلت من التاريخ علّي أجد تفسيرًا لما يدور من حولنا من ألغاز! البداية كانت في مدينة "تبريز" سنة ٩٠٧ هـ يوم أن تحول رجل فارسي صوفي اسمه (إسماعيل بن حيدر الصفوي) إلى المذهب الشيعي الرافضي الاثني عشري (وهنا يجدر

стр. 47

التنبيه بأن المتصوفة المبتدعين هم أقرب الناس إلى الانجرار إلى ما هو أخطر من ذلك!)، المهم أن الصفوي قام بمزج المعتقدات المجوسية الفارسية بالمعتقدات الشيعية المنحرفة، ثم قام بعدها بتغيير مذهب أغلب الفرس والعرب الذين احتل مناطقهم من مذهب أهل السنة والجماعة الذي كانوا عليه إلى مذهب الشيعة الروافض، وقد تسنى له ذلك بعد أن قتل أكثر من مليون مسلم في بغداد وغيرها من المناطق التي احتلها (وهذا ما يفسر تشيع كثير من أهل العراق وفارس وأذربيجان ومنطقة الإحساء في الجزيرة العربية إلى يوم الناس هذا!). في نفس الوقت أراد البرتغاليون الصليبيون بقيادة (ألفونسو البوكرك) احتلال المدينة المنورة ونبش قبر الرسول ﷺ ومقايضته بالقدس، وكعادة الشيعة الروافض عبر التاريخ وإلى يومنا هذا، تطوع الصفويّون مجانًا لمساعدة الصلييبيين في تنفيذ تلك الخطة الحقيرة، فتحالفوا مع البوكرك الصليبي لضرب دولة المماليك وجرها إلى الشرق لكي يكون المجال مفتوحًا للبرتغاليين الصليبيين في البحر الأحمر لنبش قبر محمد ﷺ في المدينة. وعندها ومن بين قمم هضبة الأناضول في آسيا الصغرى، برز صقر عثماني كاسر اسمه (سليم الأول)، فبعد أن أدرك هذا السلطان العثماني خطورة الموقف، قرر أن يدافع عن رسول اللَّه ﷺ ميِّتًا كما دافع الصحابة عنه حيًّا، فأسرع هذا الصقر التركي بالهجوم المضاد. فهل تحرك السلطان بجيشه لمحاربة الصليبيين وترك الشيعة الخونة من باب أنه يجب التركيز أولًا على أعداء الأمة الخارجيين وأننا جميعًا مسلمون؟ الحقيقة أن السلطان سليم الأول كان قد تربى تربية قرآنية خالصة، فلم يأخذ وقتا طويلًا لتحديد من هو العدو الحقيقي الذي يجب البوجه نحوه، فالسلطان يذكر ما ورد في الآية الرابعة من سورة المنافقين: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ﴾، فأدرك لماذا عرّف اللَّه كلمة العدو بـ "الـ" التعريف في وصفه للمنافقين، فالله لم يقل "هم عدو فاحذرهم" لأن المنافقين هم الخطر الحقيقي الأول للمسلمين في كل زمان وإلى يوم القيامة! وفعلًا. . . . توجه السلطان شرقًا نحو شيعة الفرس الصفويين الذين يدَّعون الإسلام كذبًا وتقية لضربه من الداخل، وفي يوم ٢ رجب ٩٢٠ هـ انتصر السلطان سليم الأول في معركة "جالديران" الخالدة على الشيعة الصفويين، وقام ﵀ بدك "تبريز"

стр. 48

عاصمتهم الحصينة، فمزق جيوشهم شرّ ممزق، وفرَّ الشيعي الصفوي القذر الذي خطط لنبش قبر أعظم الخلق تاركًا زوجته وعرضه وراءه من شدة انحطاطه الأخلاقي ووضاعة أصله المجوسي، فسباها السلطان وزوَّجها لجندي من عامة جنوده، وخلص المسلمين من شر الصفويين القدامى قبل أن يظهر الصفويون الجدد على يد الخميني الذي كتب كيف يجوز للشيعي قتل المسلمين السنة ونهب أموالهم كما ورد في كتابه تحرير الوسيلة (١/ ٣٥٢) "بل الظاهر جواز أخذ ماله أينما وجد، وبأي نحو كان"! إذًا فقد اتضح الأمر، وحُلَّ لغز الشيعة الصفويين، واتضحت تصرفات إيران المتناقضة، وهذا كله بفضل دراسة التاريخ، ولذلك ندرسه، فليس الغرض من دراسة التاريخ هو مجرد سرد القصص والاستمتاع بها، بل الهدف الأساسي من دراسة التاريخ هو فهم الواقع، فأحداث التاريخ تفسر لنا طلاسم الحاضر! الجدير بالذكر أن الإسبان الصليبيين قاموا في أيام حكم السلطان البطل سليم الأول بقتل وتعذيب المسلمين الأندلسيين الذين بقوا في بلادهم، فغضب السلطان العثماني الغيور على دماء المسلمين أشدّ الغضب، وقرر أن يخيِّر جميع النصارى واليهود الذين استضافتهم أرض الخلافة العثمانية بين الإسلام والطرد، ولكن (زمبيلي علي مالي أفندي) وهو شيخ الإسلام ومفتي الدولة العثمانية رفض ذلك الأمر وأبلغ السلطان بأنه أمر لا يجوز حتى ولو كان المسلمون يذبَّحون في بلاد الصليبيين، فلا إكراه في الدين الإسلامي أبدًا، فوافق السلطان على رأي العالم الجليل، وترك النصارى واليهود يعيشون بأمان في أرض المسلمين بينما المسلمون يُذبّحون في أرض الصليبيين، فاللَّه اللَّه ما أعظم الإسلام! واللَّه اللَّه ما أعظمها من حضارة تلك التي بناها المسلمون! فواللَّه لو لم يكن في تاريخ المسلمين غير هذا الموقف لسليم الأول ﵀ لكفانا أن نرفع رؤوسنا في علياء السماء لنجيب بكل قوة على من يحاول اتهام الإسلام بالإرهاب، فهذا هو تاريخنا، فأرونا ماذا يكون تاريخكم! هل عرفت الآن قيمة الخلافة العثمانية التي دُرِّسناها في المدارس باسم الاحتلال التركي؟! إن كنت لم تدرك بعد فضل العثمانين على المسلمين، فانظر ماذا فعل بطلنا سليم الأول لإنقاذ المسلمين الأندلسيين الذين كانوا يعذبون ويقتلون من قبل الصليبيين

стр. 49

الإسبان في الأندلس. لقد قام الخليفة سليم الأول باستدعاء رجل ألباني إلى قصره، ليكلفه بمهة سرية أقل ما يقال عنها أنها مهمة مستحيلة!!! فما هي حكاية تلك المهة المستحيلة؟ ومن هو ذلك الرجل الألباني الغامض الذي تخرج من مدرسة الإسلام بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف العثمانية ليصبح أسطورةً حية لا تزال استوديهات هوليود الأمريكية إلى يومنا هذا تنتج أفلامًا عنه فاقت أرباحها مئات الملايين من الدولارات؟! يتبع. . . .

стр. 50

" عمالقة البحرية الإسلامية" (الأخوان بربروسا) " قد كان بجوارنا الوزير المكرم المجاهد في سبيل اللَّه خير الدين وناصر الدين وسيف الإسلام على الكافرين، علم بأحوالنا وما نجده من عظيم أهوالنا. . . . فاستغثنا به فأغاثنا، وكان سبب خلاص كثير من المسلمين من أيدي الكفرة المتمردين، نقلهم إلى أرض السلام وتحت إيالة طاعة مولانا السلطان" (رسالة بعث بها أهالي "غرناطة" إلى السلطان سليمان القانوني ١٥٤١ م) كلما تقدمت "أكثر فأكثر في هذا الكتاب، وقلبت في صفحات التاريخ المنسية، زادت قناعة كانت قد تجسدت لدي بأن تاريخنا الذي نجهله نحن يعرفه تمام المعرفة أعداء هذه الأمة! هؤلاء القوم درسوا تاريخنا جيدًا بينما وقعنا نحن في الفخ الذي نصبوه هم لنا، فنسينا تاريخنا وأبطالنا، حتى سقطنا في براثن الجهل والتخلف. وإن كنت تظن أن هذا الاستنتاج ما هو إلا خيال كاتب مهووسٍ بنظرية المؤامرة، فاسأل أي شخص شاهد فلمًا من أفلام قراصنة البحار التي تنتجها "هوليود" عن اسم أشهر قرصان يظهر في الأفلام والقصص وحتى مسلسلات الأطفال، حينها لن يستغرق ذلك الشخص زمنًا طويلاً بالتفكير حتى يجيبك بأنه القرصان ذو اللحية الحمراء والعين الواحدة واليد المقطوعة والقدم الخشبية (بربروسا)! والحقيقة التي لا يراد لنا أن نعرفها أن بربروسا هذا الذي يصورونه لنا بهذه الصورة المخيفة ما هو إلّا بطل إسلامي قل نظيره في تاريخ الإنسانية جمعاء، رجل كله عزة وكرامة، ومنعة وسؤدد، مجاهد في سبيل اللَّه، لم يكن قرصانًا متعطشًا للدماء كما يصورونه، بل كان بطلاً يعمل لإنقاذ دماء آلاف المسلمين التي كان يسفكها أجدادهم المجرمون! والقصة تبدأ بذلك اللقاء الذي جمع السلطان العثماني (سليم الأول) ﵀ بقائد بحري فذ اسمه (عروج)، وهو قائدٌ عثماني من أب ألباني وأم أوروبية أندلسية هربت

стр. 51

بدينها من إرهاب محاكم التفتيش الصليبية في أقبية كنائس إسبانيا، شاء اللَّه أن تنجو هذه الأم البطلة من معسكرات التعذيب الصليبية في الأندلس لتقص عليه وعلى إخوته قصص التعذيب البشعة التي تعرض لها أخوالهم في الأندلس، وتروي لهم حكايات المقاومة الشعبية الإسلامية الباسلة لمسلمي الأندلس الذين رفضوا عبادة الصليب على عبادة اللَّه، فزرعت هذه الأم المجاهدة روح الجهاد في نفوس أبنائها منذ نعومة أظافرهم، وهنا يأتي دور الأم المسلمة صانعة الأبطال! المهم أن الخليفة العثماني الشهم سليم الأول استدعى القائد عروج وأطلعه على رسائل الاستغاثة التي بعث بها مسلمو الأندلس من أقبية الكنائس المظلمة، فأوكل إليه سليم الأول مهمة هي في عُرف الدنيا مهمة مستحيلة، وأعطاه التوجيه الإستراتيجي لهذه المهمة: المهمة المستحيلة (١) الإبحار من أقصى شرق البحر المتوسط في تركيا إلى أقصى غرب المتوسط في الأندلس ومحاربة أساطيل الجيوش الصليبية مجتمعة (إسبانية وبرتغالية وإيطالية وسفن القديس يوحنا). (٢) التمكن من اختراق كل تلك الحصون البحرية والتي تبني جدارًا بحريًا حول الأندلس والتمكن من الرسو الآمن في إحدى المدن الأندلسية المحتلة من قبل القشتاليين الصليبيين. (٣) تدمير الحامية البحرية الإسبانية لتلك المدينة وشل قوة العدو الدفاعية والتحول إلى اليابسة وخوض حرب شوارع ضد القوات البرية الإسبانية في أزقة تلك المدينة وشوارعها. (٤) تحرير المدينة الأندلسية من جديد ورفع راية الإسلام العثمانية على قلاعها ومباغتة الكنائس بصورة مفاجئة للحيلولة دون هروب القساوسة الكاثوليك الذين يعرفون أماكن غرف التعذيب السرية. (٥) البحث في جميع أقبية الكنائس المظلمة بشكل فوري قبل أن يتم تهريب المُعذبين المسلمين والتمكن من العثور على الغرف السرية التي يُعذّب فيها المسلمون.

стр. 52

(٦) بعد العثور على غرف التعذيب السرية يتم تحرير المسلمين مع مراعاة عدم نقلهم من الأقبية حتى غياب الشمس لتجنب إصابة الأسرى بالعمى نتيجة عدم رؤيتهم للشمس منذ سنين. (٧) يتم نقل الأسرى حملًا إلى السفن الإسلامية العثمانية، مع مراعاة الحالة البدنية الفظيعة التي وصلوا إليها، مع تجنب تعرض جلودهم الهزيلة للتمزق أثناء الحمل. (٨) إخلاء المدينة على وجه السرعة، مع مراعاة أن لا تستمر العملية منذ الرسو في الميناء وحتى الإقلاع أكثر من ٦ ساعات لتجنب الاشتباك مع قوات المدد للعدو الآتية من المدن المجاورة. (٩) الإبحار تحت جنح الظلام والتمكن من شل حركة العدو البحرية أثناء رحلة الرجوع، مع الأخذ بعين الاعتبار أن العودة هذه المرة لن تكون نحو تركيا، وإنما ستكون نحو الجزائر من طريق آخر لإسعاف الأسرى بأسرع وقت من جهة، ولخداع بحرية العدو من جهة أخرى. انتهت المهة! سليم الأول هل رأيت أو سمعت أو قرأت عن مهمة مستحيلة في تاريخ البشر أصعب من هذه المهمة؟! الغريب أن القائد عروج قام بتنفيذ هذه المهمة بنجاح منقطع النظير! والأعجب من ذلك أنه قام وإخوته بتكرارها مرَّات ومرَّات، فأنقذ أولئك الإخوة الألبان جزاهم اللَّه كل خير عشرات الآلاف من أرواح المسلمين الأندلسيين. فذاع صيت القائد الإسلامي عروج في بحار الدنيا كلها، وتناقلت شوارع أوروبا الكاثوليكية قصصًا متناثرة عن بطولة بحار عثماني يبحر كالشبح المرعب فلا يستطيع أحد صده أبدًا، أما الأندلسيون المسلمون فقد أسمَوْه (بابا أروج) أو (بابا أروتس) أي (الأب عروج) في لغة الأندلسيين الأوروبيين، وذلك من فرط احترامهم وتقديرهم لهذا البطل الذي خلّصهم من ويلات محاكم التفتيش، فحرف الإيطاليون (بابا أروتس) إلى (بَربَروس) وتعني بالإيطالية الرجل صاحب اللحية الحمراء، ولعل هذا هو سر امتلاك القرصان الذي يظهر في

стр. 53

أفلامهم لحيةً حمراء! المهم أن القائد عروش اصطحب معه في جهاده إخوته اسحق وإلياس وخسرف (خير الدين). فاستشهد إلياس ﵀ في جهاده وقام خير الدين بمحاربة الحكام العملاء مع الصليبيين الإسبان في بلاد الجزائر، بينما سقط عروج في أسر فرسان القديس يوحنا في جزيرة "رودس"، ولكن البطل عروج وبعملية خيالية استطاع أن يحرر نفسه، ثم قام بالتسلل بحرًا إلى إيطاليا، وهناك استولى على سفينة من سفن الجيش الصليبي بعد أن قتل كل من فيها من الجنود الصليبيين، ثم أبحر بها وحده من إيطاليا إلى مصر، فقابل السلطان المملوكي (الغوري) ﵀، فأهداه الغوري سفينة بعتادها ومجاهديها، لينطلق بها المجاهد الفذ عروش إلى الجزائر ليلقى أخاه خير الدين، ليواصل الأخوان مسيرة الجهاد في سبيل اللَّه بسفنهم القليلة المتواضعة، وما هي إلا أشهر قليلة حتى أصبح اسم "الأخوان بربروسا" اسمًا يرعب سفن الصليبيين الغزاة في كل بحار الأرض، قبل أن يتمكن أحد الخونة من الحكام الموالين لإسبانيا بفتح أبواب مدينة "تلمسان" للصليبيين، ليطلب الإسبان من القائدِ عروج ومن معه من المجاهدين الاستسلام أو الهرب، فأبى القائد البطل عروج وجنوده الأتراك الهروب أو الاستسلام، وفضلوا أن يلقوا اللَّه شهداءً في سبيله، فقاتل عروج بكل ما تحمله البسالة من معنى بيد واحدة بعد أن كان قد فقد يده الأولى من قبل وهو يجاهد في سبيل اللَّه لإنقاذ نساء المسلمين وأطفالهم، فلمّا علم الإسبان أن القائد عروج هو الذي يقاتل بنفسه، بعثوا بالإمدادات العسكرية من مدريد لتحاصر هذا البطل من كل اتجاه وهو يقاتل بيد واحدة وهو ينظر إليهم وقلبه هناك في الجنة حيث ينتظره الشهداء الذين سبقوه، فأحاط به الصليبيون بسيوفهم في كل موضع قبل أن ينهالوا على جسمه بسيوفهم الغادرة تقطيعًا وتمزيقًا، ليرفع القائد عروج نظره إلى السماء متذكرًا ابتسامات الأطفال الأندلسيين الذين كانوا يبادلونه إياها عندما كان ينقذهم ويعيدهم إلى أحضان أمهاتهم. وبينما الصليبيون يغرسون سيوفهم في قلبه رفع القائد عروج إصبعه عاليًا وحرك شفتيه وهو يقول: أشهد أن لا إله إلا اللَّه. . . . وأشهد أن محمدًا رسول اللَّه وسقط القائد المجاهد عروج الشيء الذي يدعو للاشمئزاز من عباد الصليب هو أن الصليبيين لم يكتفوا بقتله وتمزيقه إربًا إربًا، بل قام أولئك القراصنة بقطع رأسه ليأخذوها

стр. 54

معهم ليطوفوا بها في مدن أوروبا الكاثوليكية التي دُقت بها أجراس الكنائس احتفالًا كلما مر رأس القائد الكابوس الذي كان يذيقهم ألوان الذل والهوان (بربروسا). ولكن ليس المهم في أمة الإسلام من يحمل الراية، بل المهم أن تبقى الراية مرفوعة دائمًا! ففي كل وقت يسقط فيه بطل من أبطال أمة الإسلام، يولد في هذه الأمة الولود بطل جديد! فبعد سقوط القائد عروج برزت على السطح بطولات قائدٍ عظيم في أمة الإسلام، إنه القائد البطل (خير الدين بربروسا) شقيق القائد عروج والذي صمم على الثأر لدم أخيه المجاهد ﵀، فجهز سفنه واتجه بها مباشرةً إلى تونس ليدمر السفن الإسبانية هناك، فحرر تونس من الصليبيين وأذنابهم، ثم توجه بجنوده العثمانيين الأتراك فحرر الجزائر، ولم يكتفِ بذلك بل قام باحتلال "جزر البليار" الإسبانية بعد أن دمر الأسطول الإسباني هناك. ولمّا سمع البابا (بولس الثالث) في روما بانتصارات هذا القائد المسلم أعلن من "الفاتيكان" حالة النفير العام في جميع أرجاء أوروبا الكاثوليكية، فتكوّن تحالف صليبي ضخم من ٦٠٠ سفينة تحمل نحو ستين ألف جندي، تحت قيادة قائد بحري أسطوري هو أعظم قائد بحري عرفته أوروبا في القرون الوسطى وهو (أندريا دوريا) وذلك لإنهاء الإسلام كلية في البحر المتوسط، بينما تألفت القوات العثمانية الإسلامية من ١٢٢ سفينة تحمل اثنين وعشرين ألف جندي فقط. ٤ من جمادى الأولى ٩٤٥ هـ ٢٨ من سبتمبر ١٥٣٨ م التقى الأسطولان في معركة "بروزة"، وبالرغم من تفوق الصليبيين بالعدة والعتاد، إلا أن القائد خير الدين بربروسا قائد بحرية المسلمين انتصر انتصارًا كبيرًا، ودمر خير الدين بربروسا الأسطول الأوروبي المتحالف تدميرًا كليًّا، فهرب أسطورتهم المزيفة "أندريا دوريا" من ميدان المعركة التي لم تستمر أكثر من خمس ساعات، وما ذكرت كتب التاريخ شيئًا عنه بعد تلك الهزيمة المخزية!

стр. 55

معركة بروزة البحرية (أكبر معركة بحرية في تاريخ الإسلام) ١ - فرسان المالطية ... التحالف الصليبي ٢ - جيوفانى أندريا دوريا ٣ - فيرونى غانزاغ ٤ - أندريا دوريا ٥ - ماركو جيرمينى، فيكنزو كابيللو ٦ - أليساندرو كونادليرو فرانسيسكو دوريا ١ - سيدى على الرئيس ٢ - خير الدين بارباروس جعفر الرئيس، سنان الرئيس ٣ - صالح الرئيس ٤ - طورغوط الرئيس البحرية الإسلامية العثمانية المجاهدة

стр. 56

وبعد هذا الانتصار الإسلامي الضخم، عمَّت حالة من الفزعَ والهلعَ أرجاء الإمارات الصليبية، وأصبحت البحرية الإسلامية العثمانية سيدة البحر المتوسط بلا منازع لثلاثة قرون متَّصلة، ووصل خبر انتصار القائد المجاهد خير الدين بربروسا إلى بلاد المسلمين في كل مكان، فعلت صيحات اللَّه أكبر في مآذن مكة والمدينة والقدس وبومباي ودمشق والقاهرة وسمرقند وجميع ديار المسلمين، وصلى المسلمون هناك صلاة الشكر احتفالًا بنصر اللَّه المؤزر على يد القائد المجاهد خير الدين بربروسا. واستقبل الخليفة العثماني الشهم بن الشهم سليمان القانوني بن السلطان سليم الأول خبر هذا النصر بالسجود شكرًا للَّه بعد أن أتم ما بدأه والده المجاهد سليم الأول ﵀ من إنقاذ المسلمين في الأندلس، فقام بتعيين خير الدين بربروسا أميرًا عامًا للأساطيل الإسلامية العثمانية المجاهدة في كل بحار الدنيا. ولم يكتفِ بربروسا بما صنعه من مجد للإسلام في تلك المعركة الخالدة، فقام مباشرةً بحملات مكثفة لإنقاذ المسلمين في الأندلس من تعذيب محاكم التفتيش، فأبحر في البحر الأبيض المتوسط جيئةً وذهابًا لنقل اللاجئين المسلمين الأندلسيين، فأنقذ وحده ما يزيد عن ٧٠ ألف مسلم ومسلمة بمن فيهم من أطفال ونساء وشيوخ، حتى كان أهل الأندلس هم من أطلق عليه اسم (خير الدين) بدلًا من اسمه الحقيقي (خسرف) عرفانًا له بالجميل. فرحم اللَّه القائد خير الدين بربروسا، ورحم اللَّه أخاه البطل عروج من قبله، وجميع إخوته المجاهدين، فواللَّه إن الإخوة بربروسا كانوا نِعم الإخوة، لم يتنافسوا على تركة ورثوها عن أبيهم أو لُعَاعَةٍ مِنَ الدُّنْيَا، بل تنافسوا أيهم يسبق لنصرة الإسلام وإنقاذ المسلمين الأبرياء. وإن كان هؤلاء الأبطال قراصنةً فأكرم بهم قراصنة، ولكنهم واللَّه ما قصدوا البحر طمعًا في كنز مدفون في قاع المحيطات، أو سفينة غارقة في غياهب البحار، بل قصدوا البحر طمعًا في ما هو أثمن من كل كنوز الدنيا. . . . الجنة! وبعد. . . كانت هذه سطورًا لأبطالنا المنسيّين، فلقد آن الأوان لنا أن نزيل الغبار عن صفحات تاريخنا لنخرج منها قصص أبطالنا العظماء ونقدمها لشبابنا، فلقد انتهى الزمان الذي كنا نقرأ فيه ما كتبه أعداء الأمة لنا، وجاء زمان نكتب نحن فيه تاريخنا بأنفسنا، وإن

стр. 57

كنتُ الآن أدرك سر رعب الغرب من اسم "بربروسا" في أدبياتهم، إلا أننا نرفض رفض البتة تشويه صور أبطالنا ووصمهم بالقرصنة، أما من كان متشوقًا من الغرب بقصص القراصنة والمجرمين فليبحث عن أصل مؤسس أكبر بنوك أمريكا "بنك مورجان" وليقرأ قصص القرصان "مورجان الأمريكي" وكيف كان يقتل الهنود الحمر ويستولي على أموالهم ليبنى بها هذا البنك القائم إلى يوم الناس هذا! أمّا أبطالنا العظماء. . . فخط أحمر!!! ولكن. . . في خضمِّ هذا الصراع الإسلامي الصليبي في غرب العالم الإسلامي، ما الذي كان يخطط له من بقي من الشيعة الصفويين في الشرق الإسلامي؟ وهل غيَّر الشيعة الصفويون عادتهم القذرة في الخيانة والغد؟ أم تراهم تركوا المسلمين مشغولين في الغرب لينفذوا هم مخططهم الإرهابي الخطير في الشرق؟ وما هي قصة معركة "موهاكس" العظيمة التي تعتبر من دون أي شك يومًا من أيام اللَّه الخالدة؟ ومن هو الخليفة العثماني العظيم الذي فاق ملكه ملك الإسكندر الأكبر؟ للإجابة عن هذه التساؤلات ينبغي علينا أن نبحر لإحدى سفن الأسطول الإسلامي العثماني الضخم إلى عاصمة الإسلام وقتها "إسطانبول"، لنتابع معًا حكاية عظيم جديدٍ من عظماء الإسلام شبَّه كثيرٌ من المؤرخين مُلكه بمُلك نبي اللَّه سُليمان ﵇ والذي كان بطلنا يحمل نفس اسمه. . . . سُليمان! يتبع. . . .

стр. 58

(سليمان القانوني) " إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" أنا سلطان البحر الأبيض والبحر الأسود والبحر الأحمر والأناضول والروملّي وقرمان الروم وولاية ذي القدرية وديار بكر وكردستان وأذربيجان والعجم والشام ومصر ومكة والمدينة والقدس وجميع ديار العرب والعجم وبلاد المجر والقيصر وبلاد أخرى كثيرة إفتتحتها يد جلالتي بسيف الظفر وللَّه الحمد. . . . واللَّه أكبر أنا السلطان سليمان بن السلطان سليم بن السلطان بايزيد (إلى "فرنسيس" ملك ولاية فرنسا، وبعد. . .) يسميه الغرب في أدبياتهم بـ "سليمان العظيم" " Suleiman the Magnificent" ويعتبره كثير من المؤرخين أعظم ملك عرفته البشرية في تاريخ الأرض ضم إلى ملكه أعظم عواصم القارات الثلاث آسيا وأفريقيا وأوروبا، فضم إلى الخلافة الإسلامية "أثينا" و"بلغراد" و"بودابست" و"بوخارست" و"القاهرة" و"تونس" و"الجزائر" و"مكة" و"المدينة" و"القدس" و"دمشق" و"بيروت" و"اسطانبول" و"تبريز" و"بغداد" و"صوفيا" و"رودس" وغيرها من عواصم الأرض، وقال عنه المؤرخ الألماني الشهير (هالمر): كان هذا السلطان أشد خطرا علينا من صلاح الدين نفسه! السلطان سليمان القانوني هو ابن السلطان سليم الأول الذي سبق وأن ذكرنا بعضًا من مظاهر عظمته، ووافق هذا الشبل ذلك الأسد، فهو مجاهد قل نظيره في تاريخ الإسلام، فتح البلاد وعمرها، ونشر العدل، وسن القوانين العثمانية العليا (سبب تسميته بـ "القانوني")، وقام بترميم القدس على أحسن حال، وأصاح من حال مكة والمدينة، وعمَّر الطرق، وأنشأ المدارس، تقلد منصب الخلافة وهو في السادسة والعشرين من عمره فقط، فظن الأعداء أنه لقمة سائغة، وطمعوا في أرض الخلافة الإسلامية، إلا أنه خيَّب أملهم، فباغتهم بهجوم مضاد، ففتح مدينة "بلغراد" المنيعة التي استعصت على

стр. 59

(محمد الفاتح) من قبل، مما دفع محمد الفاتح لتركها وهو يدعو ربه على أسوارها قائلاً: "اللهم افتح هذه المدينة على يدي رجلٍ من نسلي"، فكان سليمان هو ذلك الرجل الذي فتحت بلغراد على يديه، قبل أن يتجه القانوني بحرًا مع جنده إلى جزيرة "رودس" حيث "فرسان القديس يوحنا" أو "فرسان المعبد" الذي عاثوا فسادًا في البحر المتوسط تخريبًا وقتلاً للمسلمين، بعد أن طردهم صلاح الدين الأيوبي من برّ القدس من قبل، ليدمر سليمان دولة رودس إلى الأبد، فيجعل من رودس خرابًا على أهلها (هرب فرسان القديس يوحنا بعد ذلك إلى جزيرة "مالطا" وما زالوا يحكمون هذه الجزيرة حتى يومنا هذا!). حينها أدرك ملوك أوروبا أنهم أمام صقرٍ تركيٍ جديد من نفس طينة الفاتح، فتسابق ملوك أوروبا إلى دفع الجزية إلى عاصمة الخلافة في إسطانبول، إلّا أن ملكًا واحدًا منهم ويُدعى (لويس الثاني) وهو ملك المجر قام بقتل رسول الخليفة العثماني الذي ذهب لجلب الجزية، مما دفع القانوني للتوجه بنفسه بصحبة مائة ألف من المجاهدين الأبطال من القوات الخاصة العثمانية "فرسان الانكشارية" نحو المجر لتأديب ملكها، عندها أعلنت الكنيسة في روما حالة الطوارئ القصوى في أرجاء أوروبا، فقدم البابا صكوك الغفران لكل من يشارك في قتال المسلمين، فتجمعت جيوش "المجر" و"كرواتيا" و"التشيك" و"إسبانيا" و"ألمانيا" و"صربيا" في جيش واحد عرمرم في وادي "موهاكس" لقتال المسلمين. وفي فجر يوم المعركة صلى الخليفة العثماني سليمان القانوني الفجر بجيشه، ثم نظر إليهم بكل فخر وقال لهم: "وكأني برسول اللَّه ﷺ ينظر إليكم الآن! " فانفجر الجند بالبكاء، وتعانقوا مع بعضهم البعض وتعاهدوا على الموت في سبيل اللَّه واللقاء في الجنة، ليلتقي الجيشان في موهاكس فى ٢٠ ذى القعدة عام ٩٣٢ هـ الموافق ٢٨ أغسطس عام ١٥٢٦ م، هناك التقى الجمعان، لينتصر المسلمون بقيادة الخليفة سليمان القانوني، وينهزم الجيش الصليبي المتحالف شر هزيمة، ويفر لويس الثاني فزعًا ليغرق في مياه "الدانوب"! العجيب في قصة موهاكس أن المسلمون اكتشفوا صدفة في قلب سهول أوروبا في المجر خيانة شيعية جديدة! وكأن القوم لا يملون من خيانة المسلمين!! فلقد اكتشف

стр. 60

جنود الإنكشارية أن الصفويين الشيعة كانوا يعاونون سرًا (كعادتهم) الصليبيين من وراء خطوط القتال، عندها أمر القانوني جنوده إلى التوجه شرقًا لتأديب الشيعة، ليكتشف المسلمون من جديد أن الشيعة قد نبشوا قبر الإمام "أبو حنيفة النعمان" في بغداد ونادوا في الأسواق أنه على كل من يريد أن يقضي حاجته فليقضها عند قبر إمام أهل السنة والجماعة أبي حنيفة! عندها انقض المسلمون بقيادة البطل التركي سليمان القانوني انقضاض الأسود على كلاب الصفويين، فدكوا حصونهم دكًا عنيفًا حتى طهروا بَغداد من رجس الشيعة الصفويين لمدة تزيد عن خمس قرونٍ. . . . قبل أن يعودوا إليها من جديد في عام ٢٠٠٣ م! بعد هذه الانتصارات العظيمة استمر القانوني في خلافة رسول اللَّه في الأرض طيلة ٤٦ عامًا قضاها في جهاد حتى آخر رمق في حياته، قبل أن يستشهد وهو يجاهد في سبيل اللَّه رغم كبر سنه، فجزاك اللَّه كل خير أيها القانوني لما قدمته للإسلام والمسلمين. الجدير بالذكر أن الخليفة سليمان القانوني كان يستفتح رسائله بالآية الكريمة "إنه من سليمان وإنه بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" تيمنًا بنبي اللَّه سليمان الذي بُعِث في بلاد الشام. هذه الأرض المباركة. . . . أخرجت للأمة بطلًا جديدًا حمل نفس اسم هذا السلطان العثماني العظيم، ليلقن مرتزقة نابليون بونابرت درسًا في معنى العزة والفداء! فمن يكون ذلك السليمان؟ وما الذي يدفع "متحف الإنسان" في باريس إلى الاحتفاظ بجمجمته إلى يوم الناس هذا؟!! يتبع. . . . . .

стр. 61

﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ (سليمان الحلبي) " ألا إن الإيمان إذا وقعت الفتن بالشام" "ألا إن عقر دار المؤمنين الشام" (رسول اللَّه ﷺ ) نتحول الآن إلى عظيمٍ من عظماء بلاد الشام المباركة، مع شابٍ عظيمٍ ضحى بزهرة شبابه في سبيل الإسلام، ولكن قبل أن نسرد حكايته البطولية دعونا نرجع إلى عام ١٧٩٨ م، ولنترك بلاد الشام قليلاً ولنتجه إلى أرض الكنانة مصر، هناك على شواطئ الإسكندرية تتقدم سفن غازية بقيادة القائد الفرنسي الإيطالي الأصل (نابليون بونابرت) في حملة عسكرية درسناها في مناهجنا باسم مزيف ألا وهو "الحملة الفرنسية على مصر" والحقيقة التي أخفاها عنا واضعو تلك المناهج المتعفنة أن اسم هذه الحملة الحقيقي هو "الحملة الصليبية الفرنسية على مصر"! فلقد آن الأوان لهذه الأمة أن تسمي الأمور بمسمياتها الحقيقية من دون أي مجاملة أو مذلة، وإن كان أحد في شك من صليبية هذه الحملة فليتابع معي بداية القصة ولينظر إلى ما صنعه أولئك القتلة بالمصريين، أقصد هنا بالمسلمين فقط من المصريين! في البداية أظهر نابليون أنه لم ياتِ إلّا لنشر الحضارة والرقي في أرجاء مصر، فبعث برسالة إلى شريف مكة (غالب بن مسعود) وإلى مشايخ وأعيان الأزهر يزعم فيها بأنه قد هدم الكنائس في أوروبا، وأنه خَلَعَ بابا روما قبل قدومه إلى مصر، وأنه عاشقٌ للنبي محمد ﷺ ، بل هو -أي نابليون- نصير للدين الإسلامي! إلّا أن هذه الخدعة القديمة لم تنطوِ على الموحدين من أهل المحروسة، فاشتعلت شرارة "ثورة القاهرة الأولى" ضد الفرنسيين، عندها ظهر الفرنسيون على حقيقتهم، واتضح أن دعاة الثقافة والحضارة ما زالوا يحملون في صدورهم إرثًا صليبيًا قبيحًا، فاقتحم الفرنسيون الأزهر بخيولهم، وداسوا على كتاب اللَّه بأقدامهم، ونصبوا المدافع على "جبل المقطم" ودكوا أحياء مصر

стр. 62

القديمة، وحولوا حي "بولاق" إلى أنقاض، وهدموا المساجد على مصليها. عندها هب رجال الأزهر الشرفاء يجاهدون في سبيل اللَّه، فقتل الصليبيون الفرنسيون في يومٍ واحدٍ ألفين من خيرة علماء الأزهر! وعند هذه اللحظة بالتحديد أدرك المسلمون أنهم يواجهون غزوًا صليبيًا لا يختلف عن سابقيه، فالمسمى واحد وإن اختلفت الأسماء، ومما زاد من يقين المسلمين بصليبية هذه الحملة، ما يرويه المؤرخ المصري (الجبرتي) في كتابه "عجائب الآثار في التراجم والأخبار" عن كيفية التعاون الصليبي الخائن (يعقوب حنا) مع المحتلين ضد أبناء بلده مصر، وكيف كوَّن فيالقًا من الخونة الصليبيين من سكان البلد الأصليين من أمثاله لمعاونة الفرنسيين في اقتحاماتهم لبيوت مواطنيهم من المسلمين المصريين! وبعد أن اعتقد نابليون أنه استطاع وأد الانتفاضة المصرية، رجع إلى فرنسا ليكمل سجله الإجرامي في الشعوب الأوروبية، تاركًا القيادة لمجرم حرب آخر اسمه (كليبر)، هذا القائد الفرنسي كان صليبيًا حتى النخاع، فما إن أمسك بزمام الأمور بعد سلفه حتى أظهر الفرنسيون فجورهم بوضوح صارخ، فحولوا مساجد مصر إلى بيوت دعارة لتسلية جنودهم الأوغاد، واغتصبوا الفتيات المسلمات أمام آبائهن، وقتلوا الأطفال الرضع أمام أمهاتهم، وظن الجميع أن الإسلام قد انتهى في مصر. وعندها. . . . هبَ المجاهدون من كل مكان يرفعون راية "لا إله إلا اللَّه، محمد رسول اللَّه" في كل أرجاء مصر، وتحولت مصر إلى كتلة من نار في وجه الغزاة، وانتفض المصريون المجاهدون في صعيد مصر وساحله في وجه الفرنسيين، وأغار فرسان المماليك الأبطال على الصليبيين في كل مكان، وأبحرت وفود من مجاهدي الحجاز من مكة والمدينة إلى الشاطئ المصري لنصرة إخوانهم المسلمين، وتسلل آلاف المقاتلين الأتراك سرًا إلى القاهرة للمشاركة في الجهاد الذي أعلنه خليفة رسول اللَّه العثماني (سليم الثالث)، وتحولت مساكن الطلاب المغاربة في الأزهر إلى ثكنات للمقاومة الشعبية، أمّا رواق الشوام في الأزهر، فحدث عنه ولا حرج، فلقد تطوع أبناء الشام الإسلامي في صفوف المقاومة الشعبية المصرية، وكان من بينهم الأبطال شابٌ كردي من مدينة "حلب" قتل

стр. 63

الصليبيون الفرنسيون أستاذه الشيخ المصري المجاهد (الشرقاوي)، ودنسّوا الجامع الأزهر بخيولهم أمام ناظريه، فامتلأ صدر هذا الشاب الذي لم يتجاوز الثانية والعشرين من عمره غلًا على أولئك القتلة المجرمين، فقرر أن ينفذ عملية فدائية نوعية، تتطلب منه أن يضحي بروحه لإنجاحها! كان اسم هذا الشاب (سليمان الحلبي)، هذا الشاب الكردي البطل قرر اقتحام القصر العسكري والهجوم على مركز قيادة الجيش الفرنسي بمفرده في عملية معقدة يقتل في نهايتها القائد العام للقوات الغازية الصليبية، وفعلًا نفذ سليمان الحلبي هذه العملية الفدائية بكل نجاح، وخلص المسلمين والإنسانية من شر مجرم حرب اسمه (جين بابتسه كليبر). ولكن انظر ما الذي صنعه دعاة الحرية والتقدم بسليمان الحلبي بعد ذلك! لقد أحرقوا يده حتى ظهر عظم يده منها، ثم أحرقوا ثلاثة من الفلسطينيين من أبناء "غزة" أمامه وهم أحياء بعد أن ثبت تعاون أولئك الغزيين الأبطال معه في الإعداد لقتل كليبر، أما هو ﵀ فقد قتله دعاة الرقي والحضارة بأن وضعوا أداة حادة تدخل من مؤخرته لتمزق أحشاءه تمزيقًا من الداخل وهو حي ليتركوه على هذا الحال مصلوبًا عدة أيام تنهشه الطيور الجوارح، الغريب أن أولئك المجرمين لم يكتفوا بما فعلوه ببطلنا حيًا، فأخذوا جمجمته ميتًا ليحتفظوا بها في متحف الإنسان في باريس " Musee de IHomme"، كاتبين تحتها بفرنسية " Criminel" أي "مجرم"!!! والحقيقة أن الشيء الذي يدعو للاشمئزاز بالفعل ليس إجرام الفرنسيين القدماء، بل في ما يفعله الفرنسيون "الجدد" الذين ما زالوا يحتفظون بجمجمة هذا المجاهد في متحفهم إلى يومنا هذا! وواللَّه ولو كنت مسئولًا عربيًا ما تركت أحدًا من دعاة الديمقراطية الفرنسية يناقشني في أمرٍ من أمور الحرية وحقوق الإنسان في بلداننا إلّا وناقشته عن أمر تلك الجمجمة التي يحتفظون بها في متحفهم! سليمان البطل لم يكن مجرمًا كما يصوره الفرنسيون، بل كان شابًا من خيرة شباب الإسلام، كل ذنبه أنه أراد أن يتعلم في جامعته الأزهر، فراعه قتل الفرنسيين لأستاذه المسن، واشمأز من تمزيق دعاة العلم لكتاب اللَّه المقدس، فانتقم من ظلم نابليون وملئه

стр. 64

انتقامًا يليق بظلمهم وجبروتهم. أما المجرمون الحقيقيون، فهم قادتكم أيها الفرنسيون الذين قتلوا المدنيين الأبرياء، فإن أردتم فعلًا أن تعرفوا من هو المجرم حقًا، ففتشوا عنه بين أسماء أجدادكم القتلة! المضحك في هذه القصة، بل الشيء الذي يدعو للسخرية فعلًا. . . . هو أنني وجدت من خلاله إعدادي لهذه المادة التاريخية، أن المصادر الأجنبية -الإنجليزية منها والفرنسية على حد سواء- تزعم أن سليمان الحلبي ما قتل كليبر إلّا ليخلص والده من ضرائب فرضها عليه الأتراك! فيالكم من حمقى تستغفلون شعوبكم وتخفون عنهم جرائم جيوشكم، حتى باتت شعوبكم تتساءل عن السر الذي يدفع الغير إلى كرهكم! وبعد. . . . كان هذا فصلًا واحد من فصول قصة الإرهاب الفرنسي في بلاد الإسلام، هذا الإرهاب تصدى له مجاهد كردي شامي ضحى بزهرة شبابه في سبيل اللَّه ضد أولئك الإرهابيين الذين يتسلون الآن برؤية جمجمته في الغداة والعشي، فأي حقد لا يزال أولئك المتحضرون يحملونه في قلوبهم؟ وأي متعةٍ يجدونها بالنظر إلى جمجمة إنسانٍ حتى ولو كان مجرمًا في نظرهم؟! إنها ولا شك همجية صليبية قذرة! وإذا ما أردت أن تعرف المزيد من جرائم أولئك القتلة ولكن هذه المرة في بلاد أخرى من بلاد المسلمين، وإذا ما أردت أن تعرف قصة ملحمة بطولية جديدة لعظيم جديدٍ في أمة الإسلام لم يرضَ على نفسه ولا على شعبه ولا على دينه الدنية. . . . . فتابع معي! يتبع. . . . .

стр. 65

" عملاق الجزائر" (الأمير عبد القادر الجزائري) " وإن دوي الرصاص وصهيل الخيول لآذاننا خير من صوت الرخيم" (عبد القادر الجزائري) في البداية يجب أن أعترف أن تاريخ الجزائر القديم والحديث كان شيئًا غامضًا بالنسبة لي شخصيًا، بل إن تاريخ المغرب الأقصى بما يتصل به من تاريخ الأندلس، وتاريخ تونس بما تحمله جامعة الزيتونة من قصص وأخبار، كانا أوضح إلي من تاريخ الجزائر نفسه، بل لعل الجهل أوصلني في وقت من الأوقات للشك في عروبة هذا القطر وانتمائه للإسلام، والحقيقة أنّني عندما قلبت صفحات التاريخ عن قصة هذا البلد الضخم وجدت أن للجزائر تاريخًا أقل ما يقال عنه أن تاريخ يكتب بماء من الذهب! ولأن الحديث عن تاريخ الجزائر في نصرة دين اللَّه أمرٌ يطول شرحه، فإني سأركز في السطور القليلة الآتية على قصة بطلٍ من أبطال الجزائر حمل في وجدانه كل معاني الشهامة والبطولة والمروءة. يرجع بعض المؤرخين بدء الحملة الفرنسية على الجزائر لعام ١٩٢٧ م، إلّا أنني أرى أن الحرب الفعلية على الجزائر بدأت مبكرًا جدًا، وبالتحديد في عام ١٥٣٨ م، إنه تاريخ معركة "بروزة" الخالدة التي تحدثنا عنها سابقًا عندما ذكرنا انتصار العثمانيين بقيادة القائد البطل (خير الدين بربروسا) على أساطيل القوى الصليبية المتحالفة. بعد هذا الانتصار الضخم قام القائد بربروسا ﵀ ببناء أسطول إسلامي ضخم مقره الجزائر، وتحولت الجزائر إلى أقوى قوة بحرية في العالم كله تقود الإسطول العثماني الإسلامي الضخم، وصارت الجزائر تعرف باسم جديد هو: "دار الإسلام ودار الجهاد". ومنذ ذلك التاريخ تحولت اهتمامات الصليبيين إلى الجزائر بالتحديد، ويكفينا لكي ندرك مدى القوة التي وصلت إليها الجزائر تحت ظل الخلافة الإسلامية العثمانية أن

стр. 66

نذكر أن (جورج واشنطون) أول رئيس للولايات المتحدة الأمريكية دفع جزية للمسلمين تقدر بـ ٦٤٢ ألف دولار ذهبي و ١٢٠٠ ليرة عثمانية دُفِعت للأسطول العثماني في نهاية القرن الثامن عشر، وذلك لكي يرضى العثمانيون بتوقيع معاهدة عدم الاعتداء على أمريكا! يُذكر أن هذه الاتفاقية هي الوحيدة في أرشيف الولايات المتحدة الأمريكية التي لم تكتب باللغة الإنجليزية وإنما بلغة عثمانية بحروف عربية بناءً على رغبة الخليفة العثماني شخصيًا، أما بريطانيا فكانت تدفع سنويا ٦٠٠ جنيه للخزانة الجزائرية، وكانت الدانمارك تقدم للمسلمين في الجزائر مهمات حربية وآلات قيمتها ٤ آلاف ريال شنكو كل عام مصحوبة بالهدايا النفيسة، أما هولندا فكانت تدفع لأسطول الخلافة العثمانية في الجزائر ٦٠٠ جنيه، ومملكة صقلية ٤ آلاف ريال، ومملكة سردينيا ٦ آلاف جنيه، والولايات المتحدة الأمريكية تقدم آلات ومهمات حربية قيمتها ٤ آلاف ريال و ١٠ آلاف ريال أخرى نقدا مصحوبة بهدايا قيمة، وتبعث فرنسا بهدايا ثمينة عند تغيير قناصلها، وتقدم البرتغال هدايا من أحسن الأصناف، وتورد السويد والنرويج كل سنة آلات وذخائر بحرية بمبالغ كبيرة، وتدفع مدينتا هانوفر وبرن بألمانيا ٦٠٠ جنيه إنجليزي، وتقدم إسبانيا أنفس الهدايا سنويا. وعلى مدار ثلاثة قرون من سيطرة الأسطول الجزائري العثماني على البحر الأبيض انتظر الصليبيون الفرصة السانحة للانتقام من المسلمين، مما أدى بالدول الأوروبية إلى عرض القضية الجزائرية في مؤتمراتها، فبعد أن تم الإشارة إليها في مؤتمر "فيينا" تم عرضها في مؤتمر "إكس لاشابيل" عام ١٨١٨ م، وأصبح السؤال الذي يدور هنالك متى تحين هذه الفرصة للانقضاض على الجزائر؟ والحقيقة أن هذه الفرصة أتت في عام ١٩٢٧ م وهو العام الذي دُمِّر فيه الأسطول الجزائري العثماني في "معركة نافرين" البحرية، الغريب أن الفرنسيين لم ينتظروا طويلًا، فتقدموا لاحتلال الجزائر في نفس ذلك العام! هذا هو سبب اختيار الجزائر بالذات، أمّا سبب اختيار فرنسا بالتحديد لكي تنوب عن بقية قوى الغزو الصليبي فيرجع لأسباب كثيرة سيأتي ذكرها في طيات هذا الكتاب عند الحديث على الحروب الصليبية ودور فرنسا فيها منذ أن بدأ البابا (أوربان الثاني) الدعوة لتلك لحروب الصليبية في مدينة "كليرمون" الفرنسية، ولمن كان يظن أن فرنسا ما

стр. 67

دخلت الجزائر إلّا للقضاء على الجهل والفقر، فعليه أن يعلم أن نسبة المتعلمين في الجزائر في تلك الفترة كانت أكبر منها في فرنسا، بشهادة الرحالة الألماني (فيلهلم شيمبرا) الذي كتب حين زار الجزائر في شهر ديسمبر ١٨٣١ م: "لقد بحثتُ قصدًا عن عربي واحد في الجزائر يجهل القراءة والكتابة، غير أني لم أعثر عليه، في حين أني وجدت ذلك في بلدان جنوب أوروبا، فقلما يصادف المرء هناك من يستطيع القراءة من بين أفراد تلك الشعوب الأوروبية". الأغرب من ذلك أن فرنسا كانت عاجزة عن سداد ديونها الكبيرة لدى الجزائر وقتها! أما من كان يعتقد أن فرنسا أصبحت علمانية الهوى بعد الثورة الفرنسية وأنها قد تخلت عن أحقادها الصليبية، فهو واهم أشد الوهم في اعتقاده هذا، ولعل ما جاء على لسان الفرنسيين أنفسهم ما يؤكد هذا القول، ففرنسا شعرت بعد ثورتها بأنها حامية الكاثوليكية وأن تحقيق الانتصار على حساب الجزائر إنما هو بمثابة انتصار للمسيحية على الدين الإسلامي، وهذا ما استخلصناه من قول القائد الفرنسي (كليرمون دي طونير) عندما فرض حصارا على السواحل الجزائرية عندما قال: "ربما يساعدنا الحظ بهذه المناسبة لننشر المدنية بين السكان الأصليين فندخلهم بذلك في النصرانية". وأيضا الوصف الذي قدمه قائد الحملة الفرنسية (دوبرمون) في الاحتفال الذي أقيم في "فناء القصبة" بمناسبة الانتصار حيث جاء فيه: "مولاي، لقد فتحت بهذا العمل الغزو بابًا للمسيحية على شاطئ أفريقيا". أما اليهود الذين استضافهم المسلمون الجزائريون بعد طردهم من الأندلس من قبل الكاثوليك، فقد ردّوا هذا الجميل للمسلمين بأن فتحوا بوابات العاصمة الجزائر للفرنسيين! حينئدٍ أظهرت فرنسا حقدها الصليبي على الإسلام بشكل صارخ، فلك أن تعلم أنه من أصل ١١٢ مسجدًا في العاصمة الجزائر لوحدها لم يُبق الفرنسيون إلّا على ٥ مساجد فقط والباقي قاموا بهدمه أو تحويله إلى مخازن أو إسطبلات، ثم منع الفرنسيون الحج تمامًا، وقام الجنود الفرنسيون بالنهب والسلب في بيوت المسلمين، حتى أنهم كانوا يأتون بالأساور في المعاصم بعد أن يقطعوا أيادي نساء المسلمين من دون أن يتركوا لهن وقتًا لنزع أساورهن! بل إن بعضًا من الفرنسيين كانوا يأتون بأقراط النساء بأذانهن بعد أن يقطعوها بالسكين!! أما لمن كان مغرمًا بـ "الإتيكيت الفرنسي" فعليه أن يقرأ هذه القصة الصغيرة التي تبين مدى الرقي الفرنسي، فعندما التجأ

стр. 68

٨٠٠ مسلم جزائري إلى أحد كهوف الجزائر مصطحبين معهم ماشيتهم هربًا من بطش الجنود وخوفًا على الفتيات الجزائريات من الاغتصاب، قام دعاة الحضارة "الإيتيكتيون" بإشعال النيران في الكهف على من فيه، ليذهب شباب القرية في الصباح ليتفقدوا أوضاع أهاليهم، ليجدوا العجب! فلقد وجدوا جثث الأطفال المتفحمة بين بقايا الدواب المحترقة، فنار الفرنسيين لم تفرق بين الإنسان والحيوان في القتل، ثم وجدوا شيئًا جعل الكثير منهم يسقط مغمًا عليه من فظاعته ووحشيته، وجدوا جثة محترقة لرجل تتعلق يداه بقرني ثور متفحم يبدو أنه هاج من شدة الدخان، فاتجه نحو ذلك الرجل الذي صده بيديه، ولمّا أزاح الشباب جثة ذلك الرجل وجدوا من خلفها جثة لطفلة في حضن أمها وقد تفحمتا، لقد كان هذا الرجل زوجها الذي أراد أن يحمي طفلته وزوجته من ذلك الثور الهائج، فأمسك بقرنيه ليحميهم قبل أن تحترق العائلة والثور معًا بنار فرنسا! هذه المآسي لا أذكرها من باب نكء الجراح على فرنسا، ولكن أذكرها لسببين، الأول هو رفض فرنسا الاعتذار للجزائر عن جرائمها التي ارتكبتها في حق المسلمين في الجزائر، وبذلك تكون امكانية تكرارها على المسلمين واردة (وهذا بالفعل ما حدث بالبوسنة منذ أعوام قليلة عندما فكّت فرنسا الحصار على الكاثوليك الكروات وأمدتهم بالسلاح لقتل المسلمين في البوسنة!). أما السبب الثاني فإن ذكر هذا البطش والجبروت يساعدنا على تقدير عظمة بطلنا الأمير عبد القادر الجزائري الذي قاد الجهاد ضد المحتل الصليبي الفرنسي في هذه الظروف القاتمة، فلقد وحَّد الجزائري صفوف القبائل تحت إمرته وشرع بالنضال لطرد الغزاة، فأذاق الفرنسيين الويلات وكبدهم الخسائر الفادحة في معركة "المقطع" سنة ١٨٣٥ م، واستمر الأمير عبد القادر في تكبيد الفرنسيين ألوان الهزائم قبل أن يأسره الفرنسيون، ليلقوا به في سجون باريس، قبل أن ينفوه إلى "إسطانبول"، ليستقبله خليفة المسلمين هناك ويكرمه، فينتقل الأمير بعدها إلى "دمشق"، وهناك في حاضرة الأمويين يبرز لنا لماذا أصبح الأمير عبد القادر الجزائري عظيمًا من عظماء الإنسانية، ففي عام ١٨٦٠ م اندلعت فتنة دامية بين المسلمين والنصارى في دمشق، ويا للعجب. . .! لقد قام الأمير الجزائري بحماية النصارى وإيوائهم في بيته، على

стр. 69

الرغم مما فعله النصارى الفرنسيون بالمسلمين في أرضه! وفي ٢٦ مايو ١٩٨٣ م انتقل إلى رحمة اللَّه تعالى الأمير البطل عبد القادر الجزائري في منفاه في دمشق، لكي تستغل فرنسا فرصة غيابه وتحول الجزائر إلى مقاطعة فرنسية، بعد أن منعت فيها المحاكم الإسلامية، وقامت بطمس اللغة العربية واستبدالها باللغة الفرنسية. وفي ظل هذا الوضع القاتم وهذه الظروف السيئة التي تدعو إلى اليأس، وعندما اطمأنت فرنسا أنها أنهت الإسلام في الجزائر، وأنست الناس لغة محمد بن عبد اللَّه، ظهر من بين حطام الدمار، ورماد اليأس عظيمٌ إسلامي جديد، رفض القبول بالواقع المرير، فحمل راية الإسلام في علياء الجزائر، فحول أرض الجزائر إلى كتلة من لهب! يتبع. . . . .

стр. 70

" الإمام" (عبد الحميد بن باديس) شَعْبُ الجزائرِ مُسْلِمٌ ... وَإلىَ العُروبةِ يَنتَسِبْ مَنْ قَالَ حَادَ عَنْ أصلِهِ ... أَوْ قَالَ مَاتَ فَقَدْ كَذبْ (الإمام عبد الحميد بن باديس) يخطئ البعض بتسمية الجزائر (بلد المليون شهيد)، ويخطئ أكثر من يسميها (بلد المليون ونصف شهيد)! والحقيقة التاريخية أن الجزائر قدمت مليونًا ونصف مليون شهيدًا في سبع سنوات ونصف فقط للثورة الجزائرية الأخيرة ما بين عام ١٩٥٤ م وعام ١٩٦٢ م، أمّا مجمل ما قدمه المسلمون في الجزائر في فترة القرن وثلث القرن من الاحتلال الفرنسي الهمجي فقد جاوز الستة ملايين شهيد!!! (نحسبهم كذلك ولا نزكي على اللَّه أحدًا من عباده). أما الخطيئة الكبرى، فهي تسمية الاستخراب الفرنسي "استعمارًا"، فالاستعمار اسم مصدر مشتق من الفعل العربي "استعمر" ويعني عمارة الشيء، وفرنسا وغيرها من الدول "الاستخرابية" ما جاءوا ليعمِّروا، بل جاءوا ليخرِّبوا البلاد ويقتلوا العباد، ويكفيك أن تعلم أن دعاة الحضارة والتقدم من الفرنسيين حرقوا كل كتب مكتبة "قسطنطينة" الجزائرية والتي احتوت على مخطوطات نادرة من التر اث الإسلامي الأندلسي. الغرض من ذكر هذه التفاصيل ليس هدفه السرد التاريخي فقط -الذي أعتقد أنه مهمٌ أيضًا- وإنما الهدف الحقيقي من ذكر هذه الأحداث التاريخية هو استخراج العبرة والاستفادة من الدروس لكي نعيد بناء هذه الأمة ونخرجها من حالة الهزيمة إلى حالة النصر كما حدث في الجزائر، فإذا كان البعض متشائمًا الآن من حالة الأمة الإسلامية والوضع الراهن في فلسطين بعد ستين عامًا من الاستخراب الصهيوني فيها، فإن الوضع في الجزائر كان أسوأ ألف مرة من الوضع القائم في وطني الحبيب فلسطين، ولقد استقلت الجزائر بعد كل هذا الظلم والاضطهاد، وسينال الفلسطينيون

стр. 71

استقلالهم إذا ما سلكوا نفس المنهاج الذي سلكه إخوتهم الجزائريون، فسنة اللَّه ثابتة في خلقه، ولن تجد لسنة اللَّه تبديلًا. وبطلنا العظيم هذا لم يكن مقاتلًا يحمل السلاح، لكنه كان مجاهدًا أحيى اللَّه به الشعب الجزائري بأكمله، فكان الإمام عبد الحميد بن باديس أمةً وحده! والإمام عبد الحميد بن باديس هو سليل عائلة مجاهدة في أرض الجزائر، فجده الأكبر هو البطل الإسلامي الكبير (المعز بن باديس)، وهو المجاهد الإسلامي الفذ الذي طهَّر الجزائر من شرِّ الشيعة الروافض من العبيديين "الفاطميين". أمّا الإمام عبد الحميد بن باديس فقد ظهر في زمن يدعو لليأس والكآبة، زمنٌ انطفأت فيه شظوة المقاومة ودبَّ فيه اليأس في قلوب الناس، ولكن هذا الزمن هو أيضًا زمن ظهور الرجال الحقيقيين وبريق المعادن الأصيلة. والقصة تبدأ من التنشئة الصالحة عندما يرزق اللَّه الإنسان أبوين صالحين يعلمانه كتاب اللَّه وسنة نبيه وحب الوطن والجهاد في سبيل اللَّه، لينشأ ابن باديس حافظًا للقرآن ذاكرًا لسنة محمد ﷺ فابعتثه أبوه إلى جامعة "الزيتونة" لينهل من علمائها العلم، ومن هناك توجه إلى الحجاز لأداء فريضة الحج، وفي المدينة المنورة قابل رجلًا هنديًا أصبح له فضلٌ على كل جزائري إلى يوم الدين، قابل الشيخ (حسين الهندي) جزاه اللَّه كل خير، فنصحه الشيخ الهندي بالعودة إلى الجزائر والتركيز على إعادة الناس فيها إلى دين اللَّه أولًا قبل التفكير في أي شيء آخر، وللَّه در هذه الأمة التي يتباحث فيها الهندي والجزائري في نصرة الإسلام! وفعلًا أخذ الإمام بنصيحة الشيخ حسين الهندي وذهب إلى الجزائر يعلم فيها الناس العربية والإسلام، فأنشأ الصحف والمدارس لتوعية النشء الصاعد، وهنا يأتي دور العظماء في بناء الأمم، فالبناء يجب أن يكون صحيحًا منذ البداية لكي يضمن الاستمرارية والبقاء، لا أن يأتي فجأة فيختفي فجأة كما هو الحال في كثير من الحركات الإسلامية في هذا الزمان، فالإمام عبد الحميد زرع النبتة وسقاها وصبر عليها حتى أثمرت. ففي عام ١٩٣١ م أسس الشيخ ابن باديس "جمعية العلماء المسلمين"، فاختاره علماء الجزائر رئيسًا لها، فحارب البدع التي كانت منتشرة في الجزائر تحت رعاية الفرنسيين، وقام بمحاربة الفرق الصوفية الضالة التي كانت غارقة في الرقص والغناء في الموالد والاستغاثة بالأموات من دون اللَّه، وقام بنشر الدين الإسلامي

стр. 72

الصحيح كما كان عليه الرسول ﷺ وصحابته الكرام. وعندما بلغ الشيخ الحادية والخمسين من عمره مات ﵀ دون أن يرى الاستقلال بعينيه، ولكن الجيل الذي رباه الإمام عبد الحميد بن باديس هو نفسه الجيل الذي أشعل ثورة الاستقلال، ليتقدم المجاهد تلو المجاهد لمقاومة الفرنسيين، وفي عام ١٩٦٢ م وبعد أكثر من مائة وثلاثين عامًا من الإستخراب الفرنسي، نالت الجزائر استقلالها، ومحق اللَّه كيد الصليبيين الذين مكثوا كل تلك الفترة لتنصير الجزائريين، فالجزائر اليوم تتجاوز فيها نسبة المسلمين ٩٩ %، فالحمد للَّه له الفضل والمنة. فرحم اللَّه مجاهدي الجزائر الأبطال، وشهداء الجزائر الأبرار، ورحم اللَّه الإمام ابن باديس الذي أنشد قبل أن يسلم الروح للَّه: فَإذَ اهَلكْتُ فَصَيْحتي ... تَحيَا الجَزائرُ وَالْعرَبْ الجميل في الأمر أن الإمام ابن باديس الذي يهتف للعرب لم يكن عربيًّا! فلأي شعب من الشعوب الإسلامية كان ينتمي؟ ومن يكون هؤلاء القوم الجبابرة الذين اعتنقوا الإسلام منذ فجر الفتوحات الإسلامية ليتحولوا إلى مجاهدين وعلماء عظام في أمة الإسلام؟ يتبع. . . . .

стр. 73

﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (البربر الأمازيغ) " من أعجب الأمور في التاريخ أن البربر الذين حاربوا المسلمين لخمس وعشرين سنة متصلة هم أنفسهم الذين حملوا راية الإسلام إلى الأندلس" (المارشال "برنارد مونتغمري" في كتابه الحرب عبر التاريخ) حديثنا الآن عن شعب عظيم من شعوب أمة الإسلام، هذا الشعب قدَّم للإسلام الشيء الكثير، إنه العنصر الإسلامي البطل الذي سكن شمال أفريقيا، إنه شعب البربر "الأمازيغ". والحقيقة أني تعمدت ذكر الاسمين الشهيرين لهذا الشعب البطل وذلك لغاية أقصدها، فقد اختلطت التصورات لدى البعض بقصد أو بغير قصد في أمر هذا العنصر الإسلامي الفريد، وتاريخيًّا فإن الرومان هم الذين أطلقوا اسم البربر على هذه القبائل الأمازيغية، بل إنهم أسموا كل من لم يكن من الرومان بربريًّا! فلفظة بربري ليست عيبًا أبدًا، بل هي شرف ما بعده شرف، فلو علم المسلمون ما قدمه هؤلاء البربر للإسلام والمسلمين لتمنى كل مسلم منا أن يكون بربريًا، وقد يخفى على البعض بأن خيرة علماء ومجاهدي هذه الأمة هم من البربر، و (ابن خلدون) مؤسس علم الاجتماع، و (عباس بن فرناس) مكتشف الطيران، و (يوسف بن تاشفين) مؤسس دولة المرابطين في الأندلس، والرحالة (ابن بطوطة) أعظم مكتشفي الإسلام، و (ابن البيطار)، والبطل (عبد الكريم الخطابي)، و (المعز بن باديس)، وغيرهم الكثير الكثير، هم جميعهم من البربر ويفتخرون بذلك، ونفتخر نحن بهم، بل هم تيجان رؤوسنا وأبطالنا الذين نرفع رؤوسنا بهم في علياء السماء، ولعل مباراةً لكرة القدم بين منتخبي الجزائر ومصر في تصفيات كأس العالم ٢٠١٠ م فضحت قصورًا معرفيًا كبيرًا لدى العامة من الناس، ويجب أن نعترف هنا أن مشعلي هذه الفتنة من الطرفين قد نجحوا فعلًا بضرب الإسلام في العمق

стр. 74

بتفريقهم بين شعبين من أهم شعوب أمة الإسلام عبر التاريخ، وإني لا أشك قيد أنملة بأن من وصف البربر الأمازيغ بأقبح الأوصاف يعلم جيدًا من يكون هذا العنصر الإسلامي البطل، وأذكر من حكم طبيعة عملي الإعلامي ذلك المذيع الأحمق الذي قام بسب البربر علانية على الهواء، بل إني لا أنسى ذلك الرجل المسكين الذي حاول أن يحذرني شخصيًا من أولئك "الأمازين" بالنون وليس بالغين وكيف أنهم يحقدون على المسلمين! ومن خلال مراقبتي لشبكة الانترنت في تلك الفترة لاحظت بشكل واضح أصابع الاستخراب الفرنسي في أحد الجانبين وأصابعًا للصليبيين في الجانب الآخر لإشعال فتنة بين المسلمين، بل إن المضحك في الأمر أن الشيعة الرافضة -كعادتهم- حاولوا أن يذكوا نار تلك الفتنة! وإني أعتقد اعتقاد المتيقن أن من أراد الطعن بالبربر إنما أراد أن يطعن الإسلام في كبده، فقد فشلت فرنسا في التفريق بين العرب والبربر إبان فترة استخرابها للجزائر بتذكير البربر بأصولهم اللاتينية الأقرب للفرنسيين من العرب، إلّا أنهم فشلوا فشلًا ذريعًا، وما قصيدة ابن باديس البربري الأصل بأن شعب الجزائر مسلم وإلى العروبة ينتسب إلّا دليل على عظمة هذا الشعب الأصيل الذي رضي بلغة القرآن من دون أن ينسى أصله الشريف، وعلى الرغم من كل المحاولات المتكررة لتنصير هذا الشعب الإسلامي العملاق، نجد أن إخوتنا من البربر الأمازيغ ما زالوا متمسكين بالإسلام بشكلٍ دفع تلك الحركات التنصيرية إلى اليأس، لتدخل إيران في السنوات الأخيرة في سباق مع المنصرين تريد ردة الموحدين هناك ونشر التشيع بين صفوف الأمازيغ، مما حدا بالمملكة المغربية إلى قطع العلاقات الدبلوماسية مع إيران في عام ٢٠٠٩ م، وذلك بعد اكتشاف خلايا صفوية تعمل على نشر التشيع بين صفوف فقراء البربر بواسطة الأموال والطرق القذرة، إلّا أن هذا الشعب البطل والحمد للَّه ورغم كل هذا ما زال يتجه يومًا بعد يوم نحو الإسلام الصحيح، وفشلت كل محاولات إبعاد البربر عن الدين الذي نشره أجدادهم الأولون في أدغال أفريقيا السوداء، وسهول أوروبا الخضراء. فما أعظم هذا الدين، وما أروعه! دين يأسر القلوب ويغزو الأرواح، فيحول من كان في البارحة خصمًا وعدوًا إلى أخ

стр. 75

وصديق حميم، وواللَّه إني لا أعجب من أولئك الذين يحاولون تشويه هذا الدين، بل إن العجب كل العجب أن لا يقوم هؤلاء أنفسهم بتشويهه، فالإسلام دين عجيب يمزج في خلطة سرية بين بساطة المعتقد وكمال التشريعات كلَّ ما يضمن السعادة للإنسان، ولو ترك أولئك المشوهون الناسَ يعرفون حقيقة الإسلام وكنهه، لدخلوا في هذا الدين أفواجًا متتابعة، فكان التشويه للإسلام ضروريًا لكي لا يصل نقيًا إلى شعوبهم المستضعفة، فتضيع بذلك سيطرتهم على تلك الشعوب، فهذا الدين العجيب جعل من شعبٍ صلبٍ بالفطرة كالشعب الأمازيغي يتحول بشكلٍ كاملٍ إلى الإسلام، ليس ذلك فحسب، بل قام هذا الشعب بنشر هذا الدين في أوروبا! فمن هو ذلك البطل الأمازيغي العظيم الذي فتح الأندلس؟ وما حقيقة ذلك القول الذي نسب إليه وتعلمناه في مدارسنا: (البحر من خلفكم، والعدو من أمامكم)؟! ولماذا انتشرت هذه المقولة بيننا حتى أصبحت مثلًا بين المسلمين؟ وما قصة معركة "وادي برباط" الخالدة والتي أرَّخت لصفحة جديدة في كتاب ما زالت صفحاته تُكتب إلى يومنا هذا؟ يتبع. . . .
следующие страницы →