Полный текст (458 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
استقلالهم إذا ما سلكوا نفس المنهاج الذي سلكه إخوتهم الجزائريون، فسنة اللَّه ثابتة في خلقه، ولن تجد لسنة اللَّه تبديلًا.
وبطلنا العظيم هذا لم يكن مقاتلًا يحمل السلاح، لكنه كان مجاهدًا أحيى اللَّه به الشعب الجزائري بأكمله، فكان الإمام عبد الحميد بن باديس أمةً وحده! والإمام عبد الحميد بن باديس هو سليل عائلة مجاهدة في أرض الجزائر، فجده الأكبر هو البطل الإسلامي الكبير (المعز بن باديس)، وهو المجاهد الإسلامي الفذ الذي طهَّر الجزائر من شرِّ الشيعة الروافض من العبيديين "الفاطميين". أمّا الإمام عبد الحميد بن باديس فقد ظهر في زمن يدعو لليأس والكآبة، زمنٌ انطفأت فيه شظوة المقاومة ودبَّ فيه اليأس في قلوب الناس، ولكن هذا الزمن هو أيضًا زمن ظهور الرجال الحقيقيين وبريق المعادن الأصيلة. والقصة تبدأ من التنشئة الصالحة عندما يرزق اللَّه الإنسان أبوين صالحين يعلمانه كتاب اللَّه وسنة نبيه وحب الوطن والجهاد في سبيل اللَّه، لينشأ ابن باديس حافظًا للقرآن ذاكرًا لسنة محمد ﷺ فابعتثه أبوه إلى جامعة "الزيتونة" لينهل من علمائها العلم، ومن هناك توجه إلى الحجاز لأداء فريضة الحج، وفي المدينة المنورة قابل رجلًا هنديًا أصبح له فضلٌ على كل جزائري إلى يوم الدين، قابل الشيخ (حسين الهندي) جزاه اللَّه كل خير، فنصحه الشيخ الهندي بالعودة إلى الجزائر والتركيز على إعادة الناس فيها إلى دين اللَّه أولًا قبل التفكير في أي شيء آخر، وللَّه در هذه الأمة التي يتباحث فيها الهندي والجزائري في نصرة الإسلام! وفعلًا أخذ الإمام بنصيحة الشيخ حسين الهندي وذهب إلى الجزائر يعلم فيها الناس العربية والإسلام، فأنشأ الصحف والمدارس لتوعية النشء الصاعد، وهنا يأتي دور العظماء في بناء الأمم، فالبناء يجب أن يكون صحيحًا منذ البداية لكي يضمن الاستمرارية والبقاء، لا أن يأتي فجأة فيختفي فجأة كما هو الحال في كثير من الحركات الإسلامية في هذا الزمان، فالإمام عبد الحميد زرع النبتة وسقاها وصبر عليها حتى أثمرت. ففي عام ١٩٣١ م أسس الشيخ ابن باديس "جمعية العلماء المسلمين"، فاختاره علماء الجزائر رئيسًا لها، فحارب البدع التي كانت منتشرة في الجزائر تحت رعاية الفرنسيين، وقام بمحاربة الفرق الصوفية الضالة التي كانت غارقة في الرقص والغناء في الموالد والاستغاثة بالأموات من دون اللَّه، وقام بنشر الدين الإسلامي
стр. 72
الصحيح كما كان عليه الرسول ﷺ وصحابته الكرام. وعندما بلغ الشيخ الحادية والخمسين من عمره مات ﵀ دون أن يرى الاستقلال بعينيه، ولكن الجيل الذي رباه الإمام عبد الحميد بن باديس هو نفسه الجيل الذي أشعل ثورة الاستقلال، ليتقدم المجاهد تلو المجاهد لمقاومة الفرنسيين، وفي عام ١٩٦٢ م وبعد أكثر من مائة وثلاثين عامًا من الإستخراب الفرنسي، نالت الجزائر استقلالها، ومحق اللَّه كيد الصليبيين الذين مكثوا كل تلك الفترة لتنصير الجزائريين، فالجزائر اليوم تتجاوز فيها نسبة المسلمين ٩٩ %، فالحمد للَّه له الفضل والمنة.
فرحم اللَّه مجاهدي الجزائر الأبطال، وشهداء الجزائر الأبرار، ورحم اللَّه الإمام ابن باديس الذي أنشد قبل أن يسلم الروح للَّه:
فَإذَ اهَلكْتُ فَصَيْحتي ... تَحيَا الجَزائرُ وَالْعرَبْ
الجميل في الأمر أن الإمام ابن باديس الذي يهتف للعرب لم يكن عربيًّا! فلأي شعب من الشعوب الإسلامية كان ينتمي؟ ومن يكون هؤلاء القوم الجبابرة الذين اعتنقوا الإسلام منذ فجر الفتوحات الإسلامية ليتحولوا إلى مجاهدين وعلماء عظام في أمة الإسلام؟
يتبع. . . . .
стр. 73
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾
(البربر الأمازيغ)
" من أعجب الأمور في التاريخ أن البربر الذين حاربوا المسلمين لخمس وعشرين سنة متصلة هم أنفسهم الذين حملوا راية الإسلام إلى الأندلس"
(المارشال "برنارد مونتغمري" في كتابه الحرب عبر التاريخ)
حديثنا الآن عن شعب عظيم من شعوب أمة الإسلام، هذا الشعب قدَّم للإسلام الشيء الكثير، إنه العنصر الإسلامي البطل الذي سكن شمال أفريقيا، إنه شعب البربر "الأمازيغ".
والحقيقة أني تعمدت ذكر الاسمين الشهيرين لهذا الشعب البطل وذلك لغاية أقصدها، فقد اختلطت التصورات لدى البعض بقصد أو بغير قصد في أمر هذا العنصر الإسلامي الفريد، وتاريخيًّا فإن الرومان هم الذين أطلقوا اسم البربر على هذه القبائل الأمازيغية، بل إنهم أسموا كل من لم يكن من الرومان بربريًّا! فلفظة بربري ليست عيبًا أبدًا، بل هي شرف ما بعده شرف، فلو علم المسلمون ما قدمه هؤلاء البربر للإسلام والمسلمين لتمنى كل مسلم منا أن يكون بربريًا، وقد يخفى على البعض بأن خيرة علماء ومجاهدي هذه الأمة هم من البربر، و (ابن خلدون) مؤسس علم الاجتماع، و (عباس بن فرناس) مكتشف الطيران، و (يوسف بن تاشفين) مؤسس دولة المرابطين في الأندلس، والرحالة (ابن بطوطة) أعظم مكتشفي الإسلام، و (ابن البيطار)، والبطل (عبد الكريم الخطابي)، و (المعز بن باديس)، وغيرهم الكثير الكثير، هم جميعهم من البربر ويفتخرون بذلك، ونفتخر نحن بهم، بل هم تيجان رؤوسنا وأبطالنا الذين نرفع رؤوسنا بهم في علياء السماء، ولعل مباراةً لكرة القدم بين منتخبي الجزائر ومصر في تصفيات كأس العالم ٢٠١٠ م فضحت قصورًا معرفيًا كبيرًا لدى العامة من الناس، ويجب أن نعترف هنا أن مشعلي هذه الفتنة من الطرفين قد نجحوا فعلًا بضرب الإسلام في العمق
стр. 74
بتفريقهم بين شعبين من أهم شعوب أمة الإسلام عبر التاريخ، وإني لا أشك قيد أنملة بأن من وصف البربر الأمازيغ بأقبح الأوصاف يعلم جيدًا من يكون هذا العنصر الإسلامي البطل، وأذكر من حكم طبيعة عملي الإعلامي ذلك المذيع الأحمق الذي قام بسب البربر علانية على الهواء، بل إني لا أنسى ذلك الرجل المسكين الذي حاول أن يحذرني شخصيًا من أولئك "الأمازين" بالنون وليس بالغين وكيف أنهم يحقدون على المسلمين! ومن خلال مراقبتي لشبكة الانترنت في تلك الفترة لاحظت بشكل واضح أصابع الاستخراب الفرنسي في أحد الجانبين وأصابعًا للصليبيين في الجانب الآخر لإشعال فتنة بين المسلمين، بل إن المضحك في الأمر أن الشيعة الرافضة -كعادتهم- حاولوا أن يذكوا نار تلك الفتنة! وإني أعتقد اعتقاد المتيقن أن من أراد الطعن بالبربر إنما أراد أن يطعن الإسلام في كبده، فقد فشلت فرنسا في التفريق بين العرب والبربر إبان فترة استخرابها للجزائر بتذكير البربر بأصولهم اللاتينية الأقرب للفرنسيين من العرب، إلّا أنهم فشلوا فشلًا ذريعًا، وما قصيدة ابن باديس البربري الأصل بأن شعب الجزائر مسلم وإلى العروبة ينتسب إلّا دليل على عظمة هذا الشعب الأصيل الذي رضي بلغة القرآن من دون أن ينسى أصله الشريف، وعلى الرغم من كل المحاولات المتكررة لتنصير هذا الشعب الإسلامي العملاق، نجد أن إخوتنا من البربر الأمازيغ ما زالوا متمسكين بالإسلام بشكلٍ دفع تلك الحركات التنصيرية إلى اليأس، لتدخل إيران في السنوات الأخيرة في سباق مع المنصرين تريد ردة الموحدين هناك ونشر التشيع بين صفوف الأمازيغ، مما حدا بالمملكة المغربية إلى قطع العلاقات الدبلوماسية مع إيران في عام ٢٠٠٩ م، وذلك بعد اكتشاف خلايا صفوية تعمل على نشر التشيع بين صفوف فقراء البربر بواسطة الأموال والطرق القذرة، إلّا أن هذا الشعب البطل والحمد للَّه ورغم كل هذا ما زال يتجه يومًا بعد يوم نحو الإسلام الصحيح، وفشلت كل محاولات إبعاد البربر عن الدين الذي نشره أجدادهم الأولون في أدغال أفريقيا السوداء، وسهول أوروبا الخضراء.
فما أعظم هذا الدين، وما أروعه!
دين يأسر القلوب ويغزو الأرواح، فيحول من كان في البارحة خصمًا وعدوًا إلى أخ
стр. 75
وصديق حميم، وواللَّه إني لا أعجب من أولئك الذين يحاولون تشويه هذا الدين، بل إن العجب كل العجب أن لا يقوم هؤلاء أنفسهم بتشويهه، فالإسلام دين عجيب يمزج في خلطة سرية بين بساطة المعتقد وكمال التشريعات كلَّ ما يضمن السعادة للإنسان، ولو ترك أولئك المشوهون الناسَ يعرفون حقيقة الإسلام وكنهه، لدخلوا في هذا الدين أفواجًا متتابعة، فكان التشويه للإسلام ضروريًا لكي لا يصل نقيًا إلى شعوبهم المستضعفة، فتضيع بذلك سيطرتهم على تلك الشعوب، فهذا الدين العجيب جعل من شعبٍ صلبٍ بالفطرة كالشعب الأمازيغي يتحول بشكلٍ كاملٍ إلى الإسلام، ليس ذلك فحسب، بل قام هذا الشعب بنشر هذا الدين في أوروبا!
فمن هو ذلك البطل الأمازيغي العظيم الذي فتح الأندلس؟ وما حقيقة ذلك القول الذي نسب إليه وتعلمناه في مدارسنا: (البحر من خلفكم، والعدو من أمامكم)؟! ولماذا انتشرت هذه المقولة بيننا حتى أصبحت مثلًا بين المسلمين؟ وما قصة معركة "وادي برباط" الخالدة والتي أرَّخت لصفحة جديدة في كتاب ما زالت صفحاته تُكتب إلى يومنا هذا؟
يتبع. . . .
стр. 76
جَادَكَ الغيثُ إِذا الغيثُ هَمَى
(طارق بن زياد)
" أدركنا يا لوذريق. . . . فإنه قد نزل علينا قومٌ لا ندري أهم من أهل الأرض أم من أهل السماء! "
(قائد القوات القوطية)
للَّه درُّ بلاد الجزائر كم أخرجت من عظيم لهذه الأمة، فعظيمنا الآن هو فاتح إسلامي خرج من صحراء هذه الأرض العظيمة التي دأبت على تخريج الأبطال وكأنها مدرسة للثوار، فبطلنا هو طارق بن زياد فاتح الأندلس العظيم. والحقيقة أن الحديث عن الأندلس لهو حديث طويل في سرده، غزير في أحداثه، شجيٌ في ذكرياته، يمتد إلى ما يزيد عن ٨٠٠ سنة في تاريخ أمة محمد ﷺ ، أي أكثر من نصفها، لذلك سوف أتطرق إلى قصة الأندلس تباعًا في هذا الكتاب إن شاء اللَّه، لا من أجل البكاء على اللبن المسكوب، فليس ذلك أبدًا ما أرمي إليه، ولكنني أحسب أن تاريخ الأندلس كقصة صعودٍ وهبوطٍ متكررةٍ خلال ثمانية قرونٍ أو يزيد من حكم المسلمين يجسد خير مثالٍ يمكن أن يوضح لشباب هذه الأمة أسباب الصعود وأسباب الانحدار، فمن حكمة اللَّه أن جعل سنته في الأرض ثابتة لا تتغير، فإذا ما درسنا أسباب صعود المسلمين وانتصاراتهم في فترة من الفترات ثم عملنا بها، فإننا حتمًا سنصعد وننتصر، وإذا ما درسنا أسباب الهزيمة والانحدار تجنبناها. . . وهكذا. ثم إن قصة الحضارة الإسلامية في الأندلس لهي قصة فريدة من نوعها، لم تعرف البشرية مثلها من رقي وعلم وازدهار وتسامح بين الشعوب والأديان، حتى من وجهة النظر الغربية.
وقبل أن ندرس حكاية هذا البطل العظيم أو نحكي حكاية الأندلس هناك نقطة وجب طرحها: لماذا قطع العرب المسلمون آلاف الأميال من صحراء جزيرتهم للوصول إلى أرأضي شعوب أخرى كالبربر والفرس والروم؟ أليس ذلك نوعٌ من الاحتلال لأراضي الغير؟
стр. 77
الحقيقة أن هذا السؤال قد يثير الريبة لدى البعض، وقد يذهب البعض إلى مقارنة الفتوحات الإسلامية بالاستخراب الأوروبي في القرنين التاسع عشر والعشرين، والواقع أنه ليس هناك وجه للمقارنة في ذلك، فالمُطلِعُ على تاريخ الحروب منذ أيام الإسكندر المقدوني مرورًا بغزوات الرومان والمغول وحتى الحروب الحديثة من نابليون إلى هتلر يجد أن هدف الجيوش على مر التاريخ لا يخرج عن ثلاثة، فإما الامتداد الجغرافي والاقتصادي كحال الإمبراطورية الرومانية (إمبراطورية اكتسحت ثلاث قارات)، أو السيطرة والهيمنة الفكرية كحالة أمريكا مثلًا (نشر المثل الأمريكية في العالم)، أو حتى اللا هدف أو العبثية كحالة التتار المغول (لم يكن للتتار أي هدف في حروبهم!). أما في حالة المسلمين فقد كان الوضع مختلفا بالكلية، فكانت الحروب الإسلامية استثناء لهذه القاعدة الثلاثية الأبعاد، فقد كان للمسلمين هدفٌ واحدٌ فقط: تبليغ رسالة محمد ﷺ لكل البشر في كل أصقاع الأرض. وهنا يعلق البعض: لماذا حارب المسلمون ودمرّوا الإمبراطوريات المختلفة ولم يكتفوا بالتبليغ فقط من دون حروب؟ والإجابة هي أن هذا بالفعل ما فعله المسلمون في البداية، فلقد أرسل المسلمون الرسل تلو الرسل إلى حكام الأرض فقتلوهم قبل أن تصل رسالة الإسلام إلى شعوبهم، فرسالة الإسلام بما تحمله من أفكار تساوي بين البشر تتعارض بالضرورة مع شريعة الملوك الطبقية التي تستعبد الشعوب وتضطهد الفقراء، فمن الطبيعي أن يمنع هؤلاء شعوبهم من أن يعرفوا شيئًا عن الإسلام بما يحمله من خطورة على عروشهم، فواللَّه ما أخرجنا الجيوش إلّا بعد قتل الرسل والدعاة، أما في حالة إتاحة الحرية للرسل والدعاة ليبلغوا دعوة محمد ﷺ للإنسانية فإنه لم يُرفع سيف واحد هناك، ولعل أندونيسيا أكبر دولة إسلامية أكبر مثالٍ على ذلك. ولكن إن كان الهدف من الفتوحات هو نشر الإسلام فلماذا لا نجد وجودًا للمسلمين في الأندلس أي من سكان إسبانيا والبرتغال الآن؟ والإجابة على ذلك أن أغلبية المسلمين في الأندلس (إسبانيا والبرتغال) كانوا أصلًا من السكان الأصليين الذين اعتنقوا الإسلام وليس كما يظن البعض أنهم من المهاجرين العرب والبربر، ولكن هؤلاء المسلمين إمّ رُحِّلوا من ديارهم أو قتلوا في محاكم التفتيش (كما سنرى في طيات هذا العمل لاحقًا!). أما السر الخفي في فتح المسلمين للأندلس والذي قد يعجب منه
стр. 78
الكثيرون، أن الأندلس كانت بالفعل أرضًا إسلامية لعشرات السنين حتى قبل أن يولد طارق بن زياد نفسه! بل إن الأندلس كانت دولة إسلامية مستقلة حتى ٢٠ عامًا قبل بعثة رسول اللَّه!! ومن أراد معرفة ذلك السر الدفين، فعليه أن ينتظر قليلًا في هذا الكتاب، حتى يأتي ذكر عظيمٍ آخرَ من عظماء أمة الإسلام المائة يقال له. . . . (آريوس)!
وقصة الأندلس تبدأ عندما استوطن القوط الغربيون هذه البلاد، والقوط الغربيون ليسوا من هذه البلاد أصلًا، بل هم من بلاد أخرى، وبالتحديد من شمال أوروبا، والأندلس اسم كان يطلق على شبه القارة الإيبيرية، والتي تكوِّن الآن دولتي إسبانيا والبرتغال، وكان يحكم القوط الغربيين في هذا الوقت ملك اسمه (غيطشة)، غيطشة هذا قتله أمير ماجن اسمه (لوذريق) والذي قام بالاستيلاء على العرش وفرض الضرائب الباهظة، فكرهه الشعب الأندلسي، وساد القهر والظلم في أرجاء الأندلس. أمّا في الجهة الأخرى من اليابسة وبالتحديد في مدينة طنجة فكان يحكمها رجل أشقر الشعر، أزرق العينين، طويل القامة، مفتول العضلات ينتمي إلى شعب البربر الذي تعود جذوره إلى أوروبا وبالتحديد من العنصر اللاتيني هناك، هذا الرجل كان وثنيًا يعبد الأصنام من دون اللَّه، فجاءه العرب بالإسلام، فأعجبته تعاليمه الرائعة وفكرته البسيطة في الوحدانية، فآمن بهذا الدين وأصبح شغله الشاغل هو تعريف بقية البشر بهذا الدين، فبعد أن كان هو وقومه عبيدًا للرومان الذين كانوا يحكمونهم بالسيف، جعله الفاتحون العرب حاكمًا لطنجة ليحكم المسلمين عربًا وبربرًا على حد سواء، هذا الرجل هو طارق بن زياد البطل الإسلامي العظيم والي الأمويين في طنجة. فبعد أن تسلم طارق رسالة من "القيروان" من القائد العام لإفريقيا يخبره فيها بإذن الخليفة الأموي (الوليد بن عبد الملك) ﵀ بنشر الإسلام في الأندلس، عبر طارق البحر بسبعة آلاف مقاتل غالبيتهم العظمى من البربر الذين دخلوا الإسلام جديدًا، ليقاتل المسلمون الحامية القوطية في الجنوب قبل أن يمحقوها محقًا، عندها هرب قائد الحامية، ليرجع سرًا بالليل إلى أولئك الفاتحين المجهولين يراقبهم لكي يعرف سر قوتهم، عندها رأى ذلك الرجل العجب!
لقد رأى ذلك القائد القوطي أولئك المقاتلين الأشداء الذين كانوا يقاتلون كالأسود المفترسة في الصباح وهم يصلون لربهم ويقيمون الليل ركّعًا سجّدًا، رآهم يقرؤون كتابًا
стр. 79
تسيل دموعهم وهم يتلونه، فلم يصدق هذا القائد ما رآه، فأسرع برسالة إلى الملك لوذريق في "طليطلة" العاصمة بكتاب من جملة واحدة: "أدركنا يا لوذريق فإنه قد نزل علينا قوم لا ندري أهم من أهل الأرض أم من أهل السماء! ".
وفعلًا تقدم الملك لوذريق بجيش قوامه ١٠٠ ألف فارس مجهزين بأحدث الأسلحة، وقد أمرهم لوذريق أن يجلبوا معهم حبالًا كثيرة لربط المسلمين بها بعد أن يهزمهم، فأرسل طارق بن زياد إلى القائد العام للمسلمين في أفريقيا يطلب منه المدد، فوصل مدد إسلامي لطارق قوامه ٥ آلاف مقاتل فقط ليصبح مجموع جيش المسلمين ١٢ ألف جلهم من المشاة مقابل ١٠٠ ألف فارس من النصارى القوط. والتقى الجيشان في معركة "وادي برباط" الخالدة في ٢٨ رمضان من عام ٩٢ هـ، هذه المعركة التي لا نعرف عنها شيئًا لا تقل عظمة عن معركتي "اليرموك" و"القادسية".
وبدأت المعركة. . . . واندفعت أمواج النصارى نحو المسلمين كالموج الهادر، ولكن شتان ما بين جيشين اختصموا في اللَّه، فئة تقاتل ومعها الحبال وفئة تقاتل ومعها اللَّه! وبعد ٨ أيام من القتال فيها عيد الفطر، وبعد استشهاد ٣ آلاف مسلم، انتصر المسلمون، وقتل المسلمون الملكَ المغرور لوذريق صاحب الحبال، فانطلق طارق يفتح المدن الأندلسية واحدة تلو الأخرى دون قتال، بعد ما سمعه الشعب الأندلسي عن شراسة هذا الجيش المرعب وسماحة الحكم الإسلامي، لتنتشر كتائب النور الإسلامية في رحاب الأندلس تنشر الإسلام في ربوعها لتنير شعلة التوحيد في هذه البلاد من جديد!
هناك مسألة خطيرة وجب التنبيه إليها ونحن نذكر قصة هذا القائد العظيم. . . . ألا وهي تلك المقولة التي ورثناها أبًّا عن جد ودرسناها في مدارسنا وأصبحت وكأنها حقيقة كونية، ألا وهي المقولة التي نسبت للقائد الإسلامي طارق بن زياد "البحر من خلفكم والعدو من أمامكم". والحقيقة أن هذه الرواية ما هي إلا رواية كاذبة ومزورة وضعها المستشرقون ليبرِّروا هزيمة ١٠٠ ألف من النصارى أمام ١٢ ألف من المسلمين، أولئك المستشرقون أرادوا إيهامنا أن المسلمين إنما قاتلوا الصليبيين مكرهين لعدم وجود سفن للهروب! ولعل أولئك المستشرقين لم يفهموا بعد أن المسلمين يبحثون عن الشهادة بحثًا، وكأن المسلمين انتصروا يومًا بكثرة العدد؟! ثم إن هذه الرواية لم ترد أبدًا في
стр. 80
أمهات كتب التاريخ الإسلامية بل وردت في المصادر الأوروبية فقط، ولم يرد في أي كتاب من الكتب الإسلامية تعقيب على هذه الفعلة المزعومة إن كانت حرامًا أو حلالًا، ثم إن قائدًا محنكًا مثل طارق كان يعرف بالتأكيد إمكانية هزيمته (وهذا شيء وارد)، فكان لزامًا عليه أن ينسحب بالجند إلى البر الآخر حيث المسلمين، وهذا أمر جائز في الشريعة وليس عيبًا، والأهم من ذلك كله وهو الذي يفند هذه الرواية الخبيثة تفنيدًا تامًا أن تلك السفن لم تكن ملكًا للمسلمين أساسًا حتى يسمح المسلمون لأنفسهم بحرقها!
فلمن كانت ملكية تلك السفن؟ وما العرض العجيب الذي تلقاه طارق بن زياد ﵀ وهو في طنجة؟ ومن هو ذلك البطل العظيم الذي يرجع الفضل إليه قبل طارق وبعد اللَّه في فتح الأندلس؟ ولماذا تجاهلته كتب التاريخ الحديثة؟ وكم كان عمره عندما قاد جيوش الفتح الإسلامي في أوروبا؟ وما هي الخطة العجيبة التي أراد فيها هذا القائد الإسلامي العظيم احتلال أوروبا بأسرها؟!
يتبع. . . .
стр. 81
" القائد العابد" (موسى بن نصير)
" واللَّه لو انقادوا إليَّ لقدتهم إلى رومية (روما) ولفتحها اللَّه على يدي إن شاء اللَّه"
(موسى بن نصير)
لكي أكون منصفًا. . . . لا بد أن أذكر أنني قرأت عن هذا القائد المجهول في كتب التاريخ المدرسية، ولكني أذكر أيضًا أنني لاحظت لمز الكتاب بأن موسى بن نصير هذا الذي كان واليًا للشمال الأفريقي إنما كان يغار من مولاه طارق بن زياد بعد فتحه للأندلس مما دفع القائد موسى للإسراع إلى الأندلس حتى يُنسب المجد إليه لا لطارق! وهنا أسأل نفس السؤال الذي سألته من قبل والذي سوف أسأله مِرارًا في صفحات هذا الكتاب: لمصلحة من يُشوَّه تاريخنا ويُصوَّر أبطالنا كأنهم أناس انتهازيون إن لم يكونوا مجرد مجرمين في بعض الحالات؟!
ليس عندي من الشك أدناه أن من يشيع مثل هذه الروايات الكاذبة لا يقصد هؤلاء الأبطال بقدر ما يقصدك أنت بالتحديد!!! فهو يعلم أنه بذلك يجعل الفرد منا يمقت هذا التاريخ الذي يبدو أسودًا بفضلهم، والحقيقة أن تاريخنا إذا ما أزيح الغبار عنه -وهذا ما نحاول فعله في هذا الكتاب- فإننا سنجد تاريخًا مشرقًا ناصع البياض لم تعرف أمم الأرض تاريخًا مثله، عندها سيكون لشبابنا القدوة تلو القدوة، وعندها فقط ستأخذ الأمة بأسباب النصر التي أخذ بها أجدادنا لننتصر بعد ضعف، كما انتصروا هم بعد ضعف!
والحقيقة التي أخفاها أولئك المزورون أن القارئ لترجمة موسى بن نصير من مصادرها الأصلية ككتاب "البداية والنهاية" لـ (ابن كثير) يجد أمامه بطلًا عجيبًا غير من مسار التاريخ، فقد تولى موسى بن نصير ولاية الشمال الأفريقي بأكملها وهي تعج بالفوضى والثورات، فلاحظ أن قبائل البربر ترتد عن الإسلام ثم تعود للإسلام مرةً أخرى وهكذا دواليك، فأدرك ﵀ أن السبب الرئيسي لارتداد البربر هو عدم
стр. 82
فهمهم لتعاليم الشريعة الإسلامية التي أتت باللغة العربية التي لا يفهمونها أصلًا، فقام القائد موسى باستحضار التابعين من بلاد الشام واليمن ليعلموا الإسلام للأمازيغ ممن يعرفون العربية، ثم يقوم هؤلاء بدورهم بتعليم أبناء جلدتهم بلغتهم، وهكذا حتى يفهم الناس الإسلام بدون عجلة، فلمّا استتب الأمر في شمال أفريقيا كله جاء الدور لنشر الإسلام في أوروبا وتحرير أوروبا من حكم الرومان الذي كانوا يستعبدون كل شعوب أوروبا، ولكن كانت هناك مشكلة كبيرة، فلقد كان المسلمون يفتقدون للأسطول البحري، عندها قام القائد موسى ببناء ميناء "القيروان" لصناعة السفن، وبينما كان المسلمون يأخذون بأسباب النصر حدث شيء غريب! فلقد وصلت رسالة سرية إلى أمير طنجة طارق بن زياد مصدرها مدينة "سبتة" المغربية التي كانت تحت حكم ملك نصراني يسمى (يوليان)، فقد كان لهذا الملك بنت فائقة الجمال اسمها الأميرة (فلوريندا)، ابتعثها أبوها إلى قصور إسبانيا لكي تتعلم هناك، فهاجمها الملك (لوذريق) واغتصبها، فأرسلت برسالة إلى أبيها تشكو له ما جرى لها، فعرض هذا الملك النصراني على طارق بن زياد أن يسلمه مدينة سبتة وأن يعيره السفن اللازمة للفتح الإسلامي للأندلس وأن يرشده على الطرق المجهولة في جبال الأندلس مقابل القضاء على لوذريق، على أن يعطيه المسلمون ضيعًا كان يملكها الملك غيطشة إذا ما فتحوا تلك البلاد. إذًا فالسفن التي أبحر بها طارق إلى الأندلس لم تكن مُلكًا للمسلمين بل كانت مُلكًا ليوليان وجب على طارق إرجاعها له بعد الفتح، وهذا ما يفند رواية الحرق!
وبعد أن انتصر طارق بن زياد في معركة "وادي مرباط" التي سبق وأن ذكرناها في معرض حديثنا عن طارق، أسرع القائد موسى بن نصير إلى الأندلس وهو شيخ قارب على الثمانين من عمره ليجاهد في سبيل اللَّه، بل إن القائد موسى أراد أن يذهب إلى أبعد من ذلك بكثير، فرغم سنه المتقدمة أراد هذا العظيم الإسلامي أن ينفذ خطة يراها المؤرخون معجزة عسكرية! هذه الخطة كانت قد راودت الخليفة الراشد (عثمان ابن عفان) ﵁ وأرضاه من قبل، ألا وهي فتح "القسطنطينية" عاصمة الروم من الغرب بدلًا من الشرق! فبعد أن فتح هذا الشيخ الثمانيني "إسبانيا" و"البرتغال"، استأذن موسى بن نصير الخليفة الأموي (الوليد بن عبد الملك) بأن يفتح كل من "فرنسا"
стр. 83
و"إيطاليا" و"سلوفينيا" و"كرواتيا" و"النمسا" و"صربيا" و"بلغاريا" ثم "اليونان" قبل أن يفتح "القسطنطينية"!!!
المهم أن الخليفة الأموي جزاه اللَّه خيرًا رأى أن تلك المهمة قد تعرض حياة المسلمين للخطر، فرفض تلك الخطة، أما "القسطنطينية" فقد فتحها المسلمون بعد ذلك كما سنرى في هذا الكتاب، وأما القائد موسى فقد قال:
"واللَّه ما هزمت لي راية قط، ولا بدد لي جمع، ولا نكب المسلمون معي منذ اقتحمت الأربعين إلى أن بلغت الثمانين"
الطريف في الأمر أنه كما أن عمل طارق بن زياد كان في ميزان حسنات موسى ابن نصير، فإن حسنات الاثنين معًا كانت في ميزان صحابي جليل فتح بلاد فارس وفتح بلاد الشام وأبى اللَّه إلّا أن يجعله من المشاركين في فتح شمال أفريقيا والأندلس حتى بعد وفاته. . . فكيف ذلك؟
فما هو أصل موسى بن نصير؟ ومن يكون ذلك الصحابي الجليل الذي أراد في يوم من الأيام قتل رسول اللَّه ﷺ ليتحول بعد إسلامه إلى القائد الأعلى للقوات الإسلامية المقاتلة؟ ولماذا أصبحت خطط هذا القائد الإسلامي العظيم تدرَّس في جامعات الغرب العسكرية إلى يومنا هذا؟
يتبع. . . .
стр. 84
" القائد الأعلى للقوات الإسلامية المقاتلة" (خالد بن الوليد)
" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ"
من خالد بن الوليد إلى مرازبة فارس سلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فالحمد للَّه الذي فض خدمتكم وفرق كلمتكم ووهن بأسكم وسلب ملككم، فإذا جاءكم كتابي هذا فابعثوا إلي بالرهن، واعتقدوا مني الذمة، وأجيبوا إلي الجزية فإن لم تفعلوا. . . . فواللَّه الذي لا إله إلا هو. . . لأسيرن إليكم بقوم يحبون الموت كحبكم الحياة!
(خالد بن الوليد)
أستاذ العسكرية الإسلامية، والقائد الأعلى لقوات المسلمين المقاتلة ضد إمبراطورية فارس على الجناح الشرقي، والقائد الأعلى للقوات المجاهدة ضد إمبراطورية الروم على الجناح الغربي، والقائد الأعلى للجيوش الإسلامية الموحدة في حروب الردة، إنه قائد معركة "اليرموك" الخالدة، وقائد معركة "اليمامة" الباسلة، وقائد معركة "ذات السلاسل" التاريخية، وقاهر صحراء "الأنبار" القاحلة، وقائد معركة "مؤتة" المجيدة التي انتصر فيها بثلاثة آلاف مجاهد فقط ضد خُمس المليون من الروم وحلفائهم، إنه سيف اللَّه المسلول، إنه صاحب الذكر الحميد، والنصر المجيد، إنه البطل الإسلامي الصنديد. . . . خالد بن الوليد.
قبل أن نخوض في بحار بطولات هذا البطل العظيم، أرى أنه من الأهمية بمكان أن نذكر شيئًا عن تاريخه قبل الإسلام، لنرى كيف يغير الإسلام الإنسان تغييرًا جذريًا، فيحوله من أكبر حاقد على الإسلام إلى سيف من سيوف اللَّه ينشر راية التوحيد في سائر الأرض. وخالد هو ابن (الوليد ابن المغيرة) أعظم رجل في قريش، والوليد هذا هو أحد
стр. 85
الرجلين العظيمين الذين تمنى المشركون أن لو كان هو النبي في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١)﴾. ورغم أن الوليد كان من أغنى أغنياء العرب، إلّا أن ابنه خالد لم يركن لثراء أبيه، فكان يذهب إلى الصحراء القاحلة يدرب نفسه على القتال والصلابة، فقد كانت عشيرة "بني مخزوم" التي ينتمي إليها خالد هي المسئولة عن الأمور العسكرية في مكة، هذا ما دعا خالدَ ليقود جيش المشركين إلى الانتصار في أحد، بل إن خالد أراد قتل الرسول ﷺ شخصيًا عند "الحديبية"، إلا أن اللَّه عصم رسوله من سيف خالد يوم أن شرع صلاة الخوف. وبعد إسلامه شارك هذا البطل العربي كجندي بسيط في معركة "مؤتة" تحت قيادة ثلاثة أبطالٍ أسطوريين، ليتسلم خالد بن الوليد القيادة بعد استشهاد "الفرسان الثلاثة" (وسيرد ذكر شأن أولئك العظماء الثلاثة بالتفصيل تباعًا في هذا الكتاب)، فقام خالد بوضع خطة حربية اعتبرت معجزة من المعجزات العسكرية، هذه الخطة ما زالت تدرَّس في الكليات العسكرية في كل أنحاء العالم، فلقد انتصر خالد بثلاثة آلاف مجاهد أمام مائتي ألف مقاتل نصراني من الروم وحلفائهم من نصارى الشام! ولكي تدرك مدى براعة تلك الخطة وسبب اختيارها لتدرَّس في المعاهد العسكرية، ينبغي عليك أن تذهب معي بخيالك إلى جنوب الأردن، وبالتحديد إلى مؤتة على بعد ١٣٠ كم إلى الجنوب من العاصمة الأردنية "عمان"، هناك يتواجد مائتا ألف مقاتل من الروم ونصارى الشام المتحالفين معهم، وفي وسط هذه المعمعة توجد مجموعة محاصرة من العرب لا تكاد ترى من كثرة الروم من حولهم والذين يقدرون بـ ٦٦ ضعفًا، ليقاتل المسلمون الروم حتى جاءت عتمة الليل، عندها جاءت ساعة الصفر للتنفيذ. . . .
الخطة الخالدية
أولا: جعل خالد بن الوليد الخيلَ تجري في أرض المعركة طوال الليل لتثيرَ الغبار الكثيف، لكي يتسنى له خداع الرومان بأن هناك مددًا قد جاء للمسلمين من المدينة!
ثانيًا: غَيَّر خالد من ترتيب الجيش، فجعل الميمنة ميسرة والميسرة ميمنة، وجعل المقدمة مؤخرة والمؤخرة مقدمة، وحين رأى الرومان هذه الأمور في الصباح، ورأوا
стр. 86
الرايات والوجوه والهيئة قد تغيَّرت، أيقنوا أن هناك مددًا قد جاء للمسلمين، فهبطت معنوياتهم تمامًا!
ثالثًا: جعل خالد في خلف الجيش وعلى مسافة بعيدة منه مجموعةً من الجنود المسلمين فوق أحد التلال، منتشرين على مساحة عريضة، ليس لهم من شغل إلا إثارة الغبار والتكبير بصوت عالٍ لإيهام الرومان بالمدد المستمر الذي يأتي للمسلمين من المدينة!
رابعًا: بدأ خالد بن الوليد في اليوم التالي للمعركة بالتراجع التدريجي بجيشه إلى عمق الصحراء، الأمر الذي شعر معه الرومان بأن خالدًا يستدرجهم إلى كمين في الصحراء، فترددوا في متابعته، وقد وقفوا على أرض مؤتة يشاهدون انسحاب خالد، دون أن يجرءوا على مهاجمته أو متابعته!!
هناك قذف اللَّه الرعب في قلوب القوات النصرانية المتحالفة من روم ونصارى العرب، فقد كانوا يحاربون ثلاثة آلاف بالأمس من دون أن يتغلبوا عليهم، فكيف إذا جاءت قوات إضافية إليهم من المدينة؟! عندها انتصر المسلمون على الروم، وفتح اللَّه على خالد وجنده هذا الفتح العظيم، وغنم المسلمون مغانم كثيرة من هذا الفتح، والغريب في الأمر أن عدد شهداء المسلمين في هذه المعركة هو ١٢ شهيدًا فقط من بينهم القادة الثلاث ﵏ جميعًا، بينما يكفى لكي تقدر ضخامة عدد ضحايا الروم أن تعلم أن تسعة أسياف قد انكسرت في يدي البطل خالد بن الوليد ﵁ وحده من كثرة الجماجم التي دقها بسيوفه حتى انكسر السيف بعد السيف في زنديه، آخذا في عين الاعتبار أن خالد بن الوليد كان يقاتل بسيفين في يديه تمامًا مثل الزبير بن العوام (ولم يعرف ذلك عن أحد غيرهما من المسلمين)، فهل لك أن تتخيل عدد الروم الصرعى تحت سيوف خالد التسعة قبل أن يقاتل بصفيحة (خنجر) يماني بقي معه؟ هذا بغض النظر عن العدد الذي قتله بقية الجيش المجاهد!
ومن الأردن إلى نجد، وبالتحديد إلى اليمامة، هناك حيث ادَّعى (مسيلمة الكذاب) النبوة، أصبح مستقبل الإسلام في خطر لولا أن سخر اللَّه للإنسانية (أبا بكر الصديق) ﵁، حيث طلب أبو بكر من الجيوش الإسلامية أن تتحد في اليمامة تحت قيادة خالد
стр. 87
ابن الوليد، لينتصر المسلمون في موقعة اليمامة بقيادة هذا البطل العظيم. (وسترد قصة هذه المعركة الباسلة وقصة حديقة الموت بالتفصيل في ثنايا هذا الكتاب إن شاء اللَّه عند الحديث عن أحد العظماء المائة في أمة الإسلام).
ومن نجد إلى العراق حيث الإمبراطورية الفارسية، يشتبك خالد بن الوليد مع الفرس في ١٥ معركة كانت كلها انتصارات للمسلمين بقيادته، كان من أعظمها معركة "ذات السلاسل" التي ربط فيها الفرس المجوس جنودهم بالسلاسل لكي لا يهربوا خوفًا من مجاهدي العرب، وهناك بالعراق يأسر خالد صبيًا نصرانيًا قبل أن يحرره المسلمون، هذا الصبي أسلم لما رأى سماحة الإسلام وعدله، فتحول من طالب صغير في أحد الكنائس النائية إلى قائد عظيم من قادة الإسلام المجاهدين، المفاجأة الكبرى تكمن في اسم هذا الغلام الذي أسلم بفضل خالد! لقد كان اسمه (نصير)، نصير هذا أنجب ولدًا أصبح فيما بعد واحدًا من أعظم قادة المسلمين عبر التاريخ. . . . موسى ابن نصير!
وبعد "فارس" جاء الدور على "بيزنطة" ليلقنها ابن الوليد درسًا في فنون القتال الإسلامي، فلقد قرر أبو بكر ﵁ وأرضاه أن يرعب الروم النصارى بعد أن أرعب الفرس المجوس بخالد، عندها صرح الصدِّيق التصريح الخطير الذي كان بداية ملحمة عسكرية خالدة: (واللَّه لأنسين الروم وساوسَ الشيطان بخالد بن الوليد!)، ليصل هذا الأمر البكري إلى القائد خالد وهو في العراق، وهناك من بلاد الرافدين يقطع خالد بجيشه صحراء الأنبار القاحلة في عملية عبور خيالية، لتبدأ العمليات القتالية في الجبهة الغربية للقوات الإسلامية المجاهدة.
والحقيقة أن الحديث عن خالد وبطولاته لهو أطول من أن يكتب في عدة صفحات خصصتها لكل عظيم من العظماء المائة، إلا أن قصص خالد بن الوليد ﵁ وأرضاه في مفاوضاته مع (باهان) قائد الروم وبطولاته في "اليرموك" لهي قصص جديرة بالقراءة، أنصح أن يُرجع إليها من موقع قصة الإسلام " www.islamstory.com" التابع للأستاذ الدكتور راغب السرجاني جزاه اللَّه خيرًا والذي كانت أبحاثه التاريخية هي أساس مادة هذه الحروف، بل أساس مادة هذا الكتاب بأسره!
стр. 88
ولكنني أجد أنه في ظل هذا الزمن الذي يُحارَب فيه الإسلام من كل حدب وصوب أصبح لزامًا علي أن أعقب على نقطة خطيرة للغاية ألا وهي: إن رحى معارك سيف اللَّه المسلول خالد بن الوليد ما زالت تدور حتى بعد موته بمئات السنين! فخالد بن الوليد يُحارَب الآن بعد موته وتشوه صورته في كثير من الكتب والأعمال الأدبية والفنية، فصارت الشبه تلقى جزافًا من قبل المستشرقين في حق هذا البطل، لتشويه تاريخ هذه الأمة قبل تشويه تاريخه بالذات، أما الفرس فلم يغفروا لخالد بن الوليد ما فعله بهم في سنة واحدة فقط، فبحثوا عن حادثة يمكن من خلالها إلقاء الشبه عليه، فوقفوا مكتوفي الأيدي أمام التاريخ المشرق لهذا البطل، فلقد مات خالد قبل الفتنة التي يستخدمها علماء الفرس الشيعة في خلق الخرافات للعن زوجات رسول اللَّه ﷺ وأصحابه، عندها قام الصفويون الجدد في السنوات الأخيرة بالتحديد باختراع قصة غبية تزعم أن عمر ابن الخطاب وخالد بن الوليد وسعد بن أبي وقاص ﵃ وأرضاهم أجمعين قاموا باقتحام منزل علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه ليضربوا بنت الرسول ﷺ السيدة فاطمة ﵂ وأرضاها، ليسقطوا جنينها وليكسروا ضلعها، الطريف في هذه الرواية المكذوبة التي تسمى عند الشيعة بـ (مظلومية الزهراء) أن بها أمرين يستحقان شيئًا من التأمل:
أولًا: أن علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه وكما ورد في كتب الشيعة كان في البيت مختبئًا عندما كانت امرأته تُضرَب من ثلاثة رجال غرباء، وحاشاه ﵁ أن يكون كذلك، فعلي بطل من أبطال المسلمين لا يقبل أن تُضرَب امرأته أمامه وهو ساكت يتفرج، ناهيك أن العرب وحتى قبل الإسلام وإلى يومنا هذا لا يتركون نساءهم لكي يفتحن الأبواب لرجال غرباء، مما يدل على أن راوي هذه الرواية المكذوبة ليس عربيًا أصلًا وأنه يظن أن نساء العرب كنسائهم (الفاتحات أبوابهن!)، ناهيك أن تلك السيدة الطاهرة التي يتحدث عنها أولئك الكذابون هي بنت أعز العرب ونبي الإسلام محمد رسول اللَّه ﷺ وزوجة علي بن أبي طالب الفارس العربي الهاشمي القرشي الشهم.
ثانيًا: أن الثلاثة - عمر بن الخطاب - خالد بن الوليد - سعد بن أبي وقاص ﵃ وأرضاهم هم نفس الثلاثة الذين أزالوا الإمبراطورية الفارسية الساسانية
стр. 89
المجوسية من على وجه الأرض بتوفيق من اللَّه، فلا يحتاج العاقل لكثيرٍ من التفكير ليحدد هوية واضع خرافة "مظلومية الزهراء". . . . إنهم الفرس المجوس وأحفادهم من الصفويين الذين دلسّوا بها على الشيعة العرب، ولو علم أولئك العرب أن كلمة "المظلومية" من الأساس لا مكان لها في "لسان العرب" لـ (ابن منظور)، لغيروا رأيهم في تلك القصة التي وضعها الفرس ليثيروا بها الضغينة بين العرب شيعةً وسنة.
والحق أقول أنني لا أستغرب أبدًا ذلك الحقد الصفوي على أبطال المسلمين، فلقد حكم الفرس المجوس شعوبًا وبلدانًا لآلاف السنين، قبل أن يدمرهم خالد بن الوليد ومن معه، ولكنني أعجب من الذين يبتلعون هذه الافتراءات ويصدقونها من المسلمين الموحدين، فبدلًا من أن يكون خالد بن الوليد بطلا من الأبطال يجاهد لنشر دين اللَّه في الأرض، يتحول بفعل كتابات الساقطين والعملاء المستشرقين إلى رجل ليس له دافع في القتال إلّا الجنس، فينكسر بذلك تاريخنا، ونتحول بذلك إلى أمة فاقدة للقدوة، فنكون أمةً سهلة الكسر قبل أن نُسحق تمامًا. . . . . وإلى الأبد!
وقبل أن نعرج على قصة العظيم القادم في أمة الإسلام العظيمة لا بد من ذكر أهم انتصار في سجل هذا القائد العظيم، ألا وهو انتصاره على نفسه يوم أن عزله عمر ابن الخطاب ﵁، فقد خاف الفاروق أن يفتتن المسلمون بخالد لكثرة انتصاراته فيعتقد المسلمون بذلك أن النصر من عند خالد وليس من عند الرب الخالد! ليتقبل خالد ابن الوليد ذلك القرار العمري بكل رحابة صدر، فيتحول بذلك إلى جندي بسيط في جيش الإسلام، بعد أن أدرك خالدٌ أن المهم أن تظل الراية مرفوعة دائمًا بغض النظر عمَّن يرفعها!
ولكن من ذلك الرجل الذي أصبح قائدًا عامًا للقوات الإسلامية في جيش يضم رجلًا عظيمًا مثل خالد بن الوليد ومائة رجل من البدريين؟ وما هي حكايته العجيبة التي خلدها اللَّه بالقرآن من فوق سبع سماوات؟ ولماذا أصبح هذا الرجل أمين هذه الأمة؟
يتبع. . . .
стр. 90
أمين هذه الأمة (أبو عبيدة بن الجراح)
" إن لكل أمة أمينًا، وأمين هذه الأمة"
(رسول اللَّه ﷺ )
لا أعرف ما الذي انتابني وأنا أهُّم بالكتابة عن هذا العظيم الإسلامي بالتحديد، شعورٌ غريب بالرهبة ممزوجٌ بالحب الخالص تجاه هذا الرجل، فعندما كنت صغيرًا كان مجرد سماعي لاسم (أبي عبيدة عامر بن الجراح) يُدخل في قلبي إحساسًا بالفخر والمجد، حتى قبل أن أعرف شيئًا عن بطولات هذا الإنسان الرائع، وها أنا أتجرأ الآن وأكتب عن تلك القامة العالية التي لطالما أبهرتني طفلًا، وليت شعري ما الذي أفعله؟ فمازال ذلك السؤال الذي راودني منذ أول نقش في سطور هذا الكتاب يطاردني: هل باستطاعتي فعلًا وصف تلك الهامات الشامخة التي ناطحت السحاب بسموها وعظمتها؟
أعترف هنا، وبالذات عند هذا الرجل، أنني كنت مبالغًا جدًا في ثقتي بقلمي هذا عندما وُلدت في ذهني فكرة إنتاج كتاب تدور أحداثه حول مائة عظيم وعظيمة في أمة الإسلام، ولكنّي أحمد اللَّه عر وجل أنني لم أكتشف ضآلة حجم ذلك القلم وحامله إلّا بعد أن أبحرت في بحار قصصهم العظيمة، ومغامراتهم الشيقة، فكان مستحيلًا علي ترك عالمهم المليء بعجائب القصص التي كنت مولعًا بها منذ الصغر، فكان الحل الوحيد للتخلص من هذا المأزق هو أن أبحر بسفينة التاريخ الإسلامي عبر بحار أولئك العظماء المائة، مخترقًا بها حاجزي الزمان والمكان، حتى أصل بها إلى ميناء العظيم المائة، محاولًا قدر استطاعتي قطف زهرة واحدة من بستان كل عظيم منهم، أمّا من أراد جمع كل جوانب العظمة التي تحيط بهم، فليفتش على كتاب كتبه أي مؤرخ في أي عصر من عصور التاريخ، يضم في صفحاته جميع أوجه عظمة هؤلاء العظماء المائة أو حتى عظمة فرد واحد منهم فقط، ومن استطاع إيجاد ذلك الكتاب المستحيل. . . . فليدلَّني عليه!
стр. 91
والحقيقة أن صعوبة المرحلة التي مر بها أبو عبيدة بن الجراح كانت أشد من أن يتصورها خيال أو يدركها عقل، ففي يوم بدر رأى أبو عبيدة رجلًا من المشركين في جيش قريش يحاول مبارزته، فحاول أبو عبيدة جاهدًا أن يتجنب قتال ذلك الرجل بالذات، إلّا أن ذلك المشرك أخذ يتتبع أبا عبيدة في كل مكان يريد قتاله، وفي لحظة من اللحظات النادرة في تاريخ النفس البشرية كان الاثنان في مواجهة بعضهما البعض.
فمن هو هذا الرجل الذي أراد مبارزة أبي عبيدة؟
قبل أن نتعرف على هوية هذا الرجل المشرك لا بد أن نرى التصوير الرباني لهذه اللقطة العظيمة من عمر الأرض، فلقد بلغ من سمو هذه اللحظة أن خلدها اللَّه من فوق سبع سماوات في قرآن يتلى إلى يوم القيامة، فأنزل اللَّه هذه الآية في حق أبي عبيدة عامر ابن الجراح: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٢٢)﴾.
لقد كان ذلك المشرك هو الجراح أبو أبي عبيدة نفسه! فقتل أبو عبيدة أباه، أو قل قتل أبو عبيدة الكفرَ في أبيه، فلقد أدرك أبو عبيدة أنه بين خيارين اثنين لا ثالث لهما: الأهل أو الإسلام! فلم يكن صعبًا عليه أبدًا أن يختار، فلقد اختار أبو عبيدة الإسلام العظيم.
ومن بدر إلى أحد. . . . . هل ما زلنا نتذكر كيف كان طلحة يدافع عن الرسول حينما كان خطر القتل يتهدده من كل جانب؟ حينها جاء من بعيد أبو بكر يجري بأقصى سرعته لينجد رفيق دربه محمد ﷺ ، والحقيقة أن أبا بكر لم يكن يجري لوحده وإنما لحق به من جهة المشرق رجل طويل القامة، نحيف الجسم، وصفه أبو بكر بوصف عجيب في حديث عائشة بقوله: "إنسان قد أقبل من قِبل المشرق يطير طيرانًا، فقلت: اللهم اجعله طاعة حتى توافينا إلى رسول اللَّه ﷺ ، فإذا أبو عبيدة بن الجراح! "، هناك رأى الاثنان أن رسول اللَّه ﷺ قد أصيب في وجهه حتى دخلت في وجنتيه حلقتان من المِغفر (خوذة المحاربين)، فأراد أبو بكر نزعهما من وجه حبيبه الطاهر، إلا أن إبا عبيدة قال له: "أسألك باللَّه يا أبا بكر إلَّا تركتني" فعض أبو عبيدة الحلقة الحديدية التي في وجنة
стр. 92
رسول اللَّه ﷺ ، وأخذ يشدها بأسنانه حتى نزعها فسقطت إحدى أسنان أبي عبيدة، ثم عض بأسنانه الحلقة الحديدية الثانية والدماء تجري من فمه حتى نزع الحلقة الحديدية الثانية وسقطت معها سن أخرى، فكان أبو عبيدة من الناس أثرمًا لفقدانه ثنيته في تلك الحادثة التي أنقذ فيها رسول اللَّه ﷺ .
وفي اليرموك كان أبو عبيدة القائدَ الأعلى للقوات الإسلامية المقاتلة، فانتصر المسلمون تحت إمرته على نصف مليون من الروم، قبل أن ينتشر "طاعون عمواس" في أراضي الشام انتشار النار في الهشيم، عندها أراد الخليفة عمر بن الخطاب أن ينقذ أبا عبيدة من الموت المحقق بأي وسيلة ممكنة، فحاول أن يستقدمه إلى المدينة بأي حجة كانت ليبعده عن خطر الوباء، فبعث إليه: "إنه قد عرضت لي حاجة، ولا غني بي عنك فيها، فعجِّل إلي"، فلما قرأ أبو عبيدة رسالة الخليفة ابتسم وعرف أن الفاروق يريد إنقاذه من الموت فكتب إلى عمر يقول له: "من أبي عبيدة بن الجراح إلى عمر بن الخطاب أمير المؤمنين، السلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته، وبعد. . . . إني قد عرفت حاجتك، فحللني من عزيمتك، فإني في جند من أجناد المسلمين، لا أرغب بنفسي عنهم" فلما قرأ عمر الكتاب أجهش بالبكاء فقيل له: مات أبو عبيدة؟! قال: لا، وكان قد (أي: وكأنه مات)، فبكى أهل المدينة على هذا البطل. وفعلًا ما هي إلّا أيام حتى انتشر الطاعون في جسد الأمين، في جسد رجل من أشرف الرجال، وأعظم الرجال، وأروع الرجال، فاستشهد أبو عبيدة بعد أن حمل راية لا إله إلا اللَّه، محمدٌ رسول اللَّه، إلى مدن الشام وقراها، فلا يسبح اللَّه شيخٌ في دمشق، ولا يُولد عالمٌ في حماة، ولا تصلي عجوزٌ في عمّان، ولا يُذكر اللَّهُ في صيدا، ولا يُرفع الأذان من فوق مآذن الأقصى، ولا يجاهد بطل في غزة، ولا يستشهد بطل في رام اللَّه، إلّا وكان لأبي عبيدة عامر بن الجراح مثل أجرهم لا ينقص من أجرهم شيء، فليرحمك اللَّه يا أمين هذه الأمة.
ولكن ما قصة معركة اليرموك؟ ولماذا كان يوم اليرموك يومًا من أيام اللَّه الخالدة؟ ومن يكون ذلك العظيم الإسلامي الذي سأل أبا عبيدة سؤالًا عجيبًا قبل أن يذهب إلى الموت بقدميه؟ ولماذا بكى أبو عبيدة عند سماعه لذلك السؤال؟ من هو هذا البطل العظيم؟ وما سر اعتباره عظيمًا استثنائيًا في قائمة المائة؟
يتبع. . . . .
стр. 93
(الغلام المجهول)
" ما ضرهم ألا يعلمهم عمر؟! يكفيهم أن اللَّه يعلمهم! "
(عمر بن الخطاب)
واندلعت شرارة اليرموك. . . . .
لا شك أن جميعنا قد سمع باسم أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وخديجة بنت خويلد، وعائشة، وصلاح الدين الأيوبي، وقطز، والبخاري، والشافعي، وأبي حنيفة، وابن بطوطة، وهارون الرشيد، وعمر المختار، وغيرهم الكثير من عظماء هذه الأمة، ولكن الحقيقة الغائبة عنّا أن هذه الأمة لم تقم على سواعد هؤلاء العظام فقط، فهناك طائفة منسية من العظماء الذين كان لهم نصيب الأسد في نهوض أمة الإسلام عبر جميع مراحلها، أعتقد اعتقاد الجازم أنها لا تقل أهمية عن طائفة المشاهير في أمة الإسلام، لذلك ارتأيت وأنا أكتب كتابًا تجرأت فيه على أن أتحمل عبء ذِكر عظماء أمة الإسلام المائة، أن أقف قليلًا أمام هؤلاء العظماء الذين لم يأخذوا حقهم من التأريخ في كتب التاريخ، فلقد جاء الوقت لكي نقف جميعًا وقفة وفاءٍ أمام هؤلاء المجهولين، والذين كانوا وبلا شك أساس نهضة هذه الأمة، إننا نتحدث عن الطائفة المنسية، إننا نتحدث عن العظماء المجهولين!
وبافتراض أن قادة وعلماء هذه الأمة هم بناة هذه الحضارة الإسلامية العظيمة، فلا شك أن مجهولي هذه الأمة هم اللبنات الأساسية لهذا الصرح العظيم، فمن منّا يعرف أسماء الألف ومائتي شهيد من جيش خالد ابن الوليد الذين قُتلوا في اليمامة لكي يصل هذا الدين إلينا؟ ومن منّا يعرف أسماء الثلاثة آلاف شهيد من جيش طارق بن زياد الذين حملوا الإسلام إلى الأندلس لأكثر من ٨٠٠ عام؟ وما هي أسماء التلاميذ الذين كتبوا ما قاله فقهاء المذاهب الأربعة ثم نشروه في أصقاع الأرض في الوقت الذي ضاعت فيه مذاهب علماء آخرين؟ وما هي أسماء الجنود المصريين الذين حاربوا التتار مع قطز؟ وما اسم التجار الحضارمة الذين حملوا الإسلام إلى اندونيسيا أكبر دولة إسلامية؟ وما
стр. 94
اسم أم صلاح الدين الأيوبي التي زرعت فيه روح البطولة؟ وما اسم زوجة الشيخ أحمد ديدات التي كانت تسهر على علاجه لتسع سنوات قضاها مشلولًا في فراشه؟ وما اسم أبطال الإسلام الذين ضحوا بأرواحهم ليدمروا إمبراطورية فارس إلى الأبد؟ إنهم المجهولون العظماء في أمة الإسلام. لذلك أضع في هذه السطور قصة عظيمٍ واحدٍ منهم عرفانًا لكل هؤلاء بالجميل لما قدَّموه لأمة الإسلام في كل العصور.
كل ما نعرفه عن بطلنا هذا أنه غلام دون العشرين من عمره، وأنه ينتمي إلى قبيلة الأزد القحطانية التي خرَّجت الكثير من عظماء هذه الأمة، وقصة بطولته في اليرموك تبدأ عندما خرج فارس ضخم من جيش الروم يطلب المبارزة قبل أن تبدأ المعركة كعادة الجيوش قديمًا، عندها ومن بين جيش المسلمين الذي يكفي أن نقول أنه كان يضم بين صفوفه ١٠٠ من البدريين، خرج غلامٌ من الأزد لا يعرفه أحد وهو دون العشرين، فجرى ناحية أبي عبيدة بن الجراح وقال له: يا أبا عبيدة إني أردت أن أشفي قلبي، وأجاهد عدوي وعدو الإسلام، وأبذل نفسي في سبيل اللَّه تعالى لعلي أرزق بالشهادة فهل تأذن لي؟ فهزت هذه الكلمات قلب أبا عبيدة بن الجراح، فأذن له، فمشى هذا الغلام الأزدي ليقابل مصيره ولكنه توقف فجأة. . . . فأدار وجهه تجاه أبي عبيدة وعيونه تشرق نورًا في لقطة أشك أن باستطاعة أي مخرج في العالم تصويرها، فنظر في عيني أبي عبيدة عامر ابن الجراح وقال له كلمات لا تنبع إلا من شباب أمة الإسلام: يا أبا عبيدة، إني عازمٌ على الشهادة، فهل تُوصيني بشيء أوصله إلى رسول اللَّه ﷺ ؟ وما أن سمع أمين هذه الأمة هذه الكلمات أجهش أبو عبيدة في البكاء فقال له والدموع تبلل لحيته:
"أَقْرِأ رسول اللَّه ﷺ مني ومن المسلمين السلام وقل له يا رسول اللَّه. . . جزاك اللَّه عنّا خيرًا، وإنَّا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا"
فانطلق ذلك الغلام الأزدي كلأسد الجارح نحو العملاق الرومي وقاتله حتى قتله، فأخذ فرسه وسلاحه وسلمهما إلى المسلمين، فعلت صيحات اللَّه أكبر في جيش الموحدين، ثم عاد الغلام من جديد إلى جيش الروم وصاح بهم صيحة هزت كيانهم: هل من مبارز؟ فخرج له فارس ثاني لا يقل ضخامة عن سابقه، فبارزه بطلنا فقتله، فتقدم رومى ثالث فقتله، ثم رابع فقتله، فتعجب الروم من أمر ذلك الغلام الذي يقبل على
стр. 95
الموت بنفسه، ومع الفارس الروماني الخامس، تحققت أمنية ذلك الفتى المجهول في الشهادة، فقطع ذلك العلج الرومي رقبته، فطارت رقبة الغلام على الأرض، فاستشهد ذلك البطل المجهول ليوصل رسالة أبي عبيدة عامر بن الجراح إلى رسول اللَّه ﷺ ، ولتبدأ فصول ملحمة إنسانية خالدة ما عرفت أرض الشام مثلها من قبل. . . . لقد بدأت معركة اليرموك!
لقد بدأت هذه المعركة الباسلة، فاندفع جيش يقترب من نصف مليون مقاتل كأنهم سيل جارف نحو ٣٢ ألف مسلم فقط، فأصبحت جحافلهم تندفع نحو المسلمين كأنها أسراب جراد تنتشر من كل اتجاه، فقاتل المسلمون بشراسة، إلّا أن أعداد جيش الإمبراطورية الرومانية كانت أكثر من أن تحصى، فلا يقتل المسلمون واحدًا منهم حتى يظهر عشرة مكانه! فمالت كفة الروم في المعركة، وحاصر الرومان جيش المسلمين من كل جانب، وأصبح المسلمون قاب قوسين أو أدنى من هزيمة ساحقة، وعند تلك اللحظة فقط يظهر دور العظماء، وعند تلك اللحظة فقط جاء دور عظيم جديد من عظماء أمة الإسلام المائة، هذا العظيم اتخذ أصعب قرار يمكن أن يتخذه الإنسان في حياته، فمن قلب معمعة المعركة قرر هذا العملاق الإسلامي إنشاء أول كتيبة من نوعها في تاريخ الإنسانية جمعاء، هذه الكتيبة عرفت في كتب التاريخ باسم "كتيبة الموت"!
فما هي قصة هذه الكتيبة الفدائية؟ وكيف حوَلَّت مجرى المعركة بشكل عجيب؟ ومن هو ذلك البطل الإسلامي العظيم الذي كتب اسمه بحروف من نور في سجل الشرف الإسلامي؟ وما قصة شربة الماء التي مات ثلاثة من أبطال المسلمين قبل أن يشربوها؟
يتبع. . . .
стр. 96
" القائد الميداني لوحدة الموت الإسلامية" (عكرمة بن أبي جهل)
" سيأتيكم عكرمة بن أبي جهل مؤمنًا مهاجرًا"
(رسول اللَّه ﷺ )
واشتعل لهيب اليرموك. . . . .
إن هذا الرجل العظيم الذي نحن بصدد الحديث عنه يكفيه أن يخلَّد التاريخ عظمته من خلال اسمه فقط، ولا أدري إن كنت في حاجة للكتابة أصلًا عن ما قدمه هذا البطل الإسلامي للإسلام لكي أبرر أسباب ورود اسمه في قائمة المائة، فلولا أنني رأيت في قصة هذا البطل ملحمة للفداء لا تتكرر في تاريخ البشر كثيرًا، لاكتفيت بكتابة اسمه فقط وذِكر ملحوظةٍ صغيرةٍ بجانب اسمه تشير بأنه مسلم! فمجرد إسلام هذا الرجل يكفيه لكي يكون أحد العظماء المائة في أمة الإسلام، فهو ابن فرعون هذه الأمة (أبي جهل)!
وحكاية هذا العملاق الإسلامي تبدأ من على متن سفينة في منتصف بحر هائج قبالة سواحل اليمن، فلقد هرب عكرمة بن أبي جهل من مكة هائمًا على وجه لا يعرف إلى أين يتجه بعد أن دانت مكة بأسرها لعدوه وعدو أبيه من قبل محمد بن عبد اللَّه، فأصبح عكرمة طريدًا في صحاري العرب، وضاقت به الأرض بما رحبت، فقرر أن يتجه إلى اليمن ويبحر بسفينة تأخذه إلى أي مكان يبعده عن أولئك المسلمين الذين لا يطيق حتى رؤيتهم، وبينما عكرمة بن أبي جهل على ظهر السفينة يتأمل البحر اللامتناهي الآفاق، جاءت مرحلة الاختيار الرباني له لكي ينضم إلى قافلة الصحابة العظماء، وأبى اللَّه إلّا أن يعيد ذلك الهارب من اللَّه إلى اللَّه! وبشكل غريب تحولت أمواج البحر الصافية تلك إلى أمواج عاتية تعصف بالسفينة، وعندما أدرك الربان أنهم غارقون لا محالة توجه نحو ركاب السفينة وبينهم عكرمة وقال لهم: اتركوا دعاء أصنامكم الآن واخلصوا الدعاء للَّه وحده، فإن آلهتكم لا تغني عنكم هاهنا شيئًا. فتعجب عكرمة من قول ذلك الرجل
стр. 97
وقذف اللَّه في قلبه الإيمان وقال لنفسه: إذا كان الذي ينجيني في البحر هو اللَّه وحده، فلا بد إذًا أنه هو وحده الذي ينجيني في البر! اللهم إن لك علي عهدًا إن عافيتني مما أنا فيه أن آتي محمدًا حتى أضع يدي في يده، وعندها هدأت الريح وسكن البحر، فرجع عكرمة إلى مكة، فلما رأى نبي الرحمة ابن أبي جهل ألدِّ أعدائه قادمًا نحوه وثب من غير رداء فرحًا به وقال: مرحبًا بالراكب المهاجر. فتحول قلب عكرمة بن أبي جهل من قلب رجلٍ مبغض حقود للإسلام والمسلمين إلى قلب رجلٍ لا يحب في الدنيا أكثر من هذا الدين الذي لطالما حاربه، فقرر عكرمة أن يتحول إلى جندي ينشر هذا الدين الذي لطالما حاربه، فلم يترك عكرمة بن أبي جهل بعد إسلامه غزوة مع رسول اللَّه إلا وشارك فيها، وفي عهد أبي بكر أصبح عكرمة قائدًا لجيش من جيوش الإسلام العظيمة التي حاربت الردة، قبل أن يتحول إلى قائد عظيم من قادة المسلمين في بلاد الشام.
ثم جاءت المعركة التي خلدت اسمه في حروف من نور، هناك في وادي اليرموك عندما أوشك نصف مليون من الروم على تدمير جيش المسلمين بعد أن قاموا بمحاصرتهم من كل جانب، تناول هذا البطل الإسلامي الفذ سيفه وكسر غمده واتخذ القرار الأصعب على الإطلاق في حياة أي إنسان، لقد اتخذ عكرمة قرار الموت، فنادى بالمسلمين بصوت يشبه هزيم الرعد: أيها المسلمون من يبايع على الموت؟ فتقدم إليه ٤٠٠ فدائي من فدائي الإسلام، ليكوَّنوا ما عرف في التاريخ باسم "كتيبة الموت الإسلامية"، عندها اتجه خالد بن الوليد نحو عكرمة وحاول منعه من التضحية بنفسه، فنظر إليه عكرمة والنور يشرق من جبينه وقال: إليك عني يا خالد فلقد كان لك مع رسول اللَّه سابقة أما أنا وأبي فقد كنا من أشد الناس على رسول اللَّه فدعني أكَفّر عما سلف مني، ولقد قاتلت رسول اللَّه في مواطن كثيرة وأفر من الروم اليوم؟!! إن هذا لن يكون أبدًا!
فانطلقت كتيبة الموت الإسلامية، وتفاجأ الروم بأسود جارحة تنقض عليهم لتدكدك جماجمهم، وتقدم الفدائي تلو الفدائي من وحدة الموت العكرمية نحو مئات الآلاف من جيش الإمبراطورية الرومانية، وتقدم عكرمة بن أبي جهل بنفسه إلى قلب الجيش الروماني ليكسر الحصار عن جيش المسلمين، واستطاع فعلًا إحداث ثغرة في جيش العدو بعد أن انقض على صفوفهم انقضاض طالب الموت، فأمر قائد الروم أن تصوب كل السهام نحو
стр. 98
هذا الفدائي، فسقط فرس عكرمة من كثرة السهام التي انغرست فيه، فوثب قائد كتيبة الموت الإسلامية الفدائي البطل عكرمة بن أبي جهل من على ظهر فرسه وتقدم وحده نحو عشرات الآلاف من الروم يقاتلهم بسيفه، عندها صوب الروم سهامهم إلى قلبه، فلمّا رأى المسلمون ذلك المنظر الإنساني البطولي، اختلطت المشاعر في صدورهم، فاندفع فدائيو كتيبة الموت العكرمية نحو قائدهم لكي يموتوا في سبيل اللَّه كما بايعوه، فلم يصدق الروم أعينهم وهم يرون أولئك المجاهدين الأربعمائة يتقدمون للموت المحقق بأرجلهم، فألقى اللَّه في قلوب الذين كفروا الرعب، فرجع الروم القهقرة، ولاذوا بالفرار وصيحات اللَّه أكبر تطاردهم من أفواه فدائيي عكرمة، فاستطاعت تلك الوحدة الاستشهادية كسر الحصار عن جيش المسلمين، ففتش خالد بن الوليد على ابن عمه عكرمة ليجده وهو ملقى بين اثنين من جنود كتيبته الفدائية: (الحارث ابن هشام) و (عياش بن أبي ربيعة) والدماء تسيل منهم جميعًا، فطلب الحارث ابن هشام بعض الماء ليشربه، وقبل أن يشرب قطرة منه نظر إلى عكرمة بن أبي جهل وقال لحامل الماء: اجعل عكرمة يشرب أولًا فهو أكثر عطشًا مني، فلما اقترب الماء من عكرمة أراد أن يشرب لكنه رأى عياش بجانبه فقال لحامل الماء: احمله إلى عياش أولًا، فلما وصل الماء إلى عياش قال: لا أشرب حتى يشرب أخي الذي طلب الماء أولًا، فالتفت الناس نحو الحارث بن هشام فوجدوه قد فارق الحياة، فنظروا إلى عكرمة فوجدوه قد استشهد، فرجعوا إلى عياش ليسقوه شربة ماء فوجدوه ساكن الأنفاس!
وفجأة، رأى المسلمون شيخًا أعمى يمشي بثقة المبصر بين صفوف المسلمين والدماء تسيل من عينه التي فقأها الروم يحمس الجنود على الجهاد، كان هذا الشيخ الأعمى يصيح بثقة غريبة وكأنه يرى ببصيرته ما لا يراه المبصرون بأبصارهم فيصيح والدماء تغطي وجهه:
يا نصر اللَّه اقترب. . . . يا نصر اللَّه اقترب. . . . يا نصر اللَّه اقترب
عند تلك اللحظة تغيرت موازين معركة اليرموك بشكل مثير!
فمن يكون ذلك الشيخ الأعمى الذي لم يكن ابن أحد قادة المشركين في مكة فحسب، بل كان هو نفسه القائد العام لجيوش الكفر قبل إسلامه؟!
يتبع. . . . .
стр. 99
" الصحابي الجليل" أبو سفيان بن حرب ﵁ وأرضاه)
" من دخل دار أبي سفيان فهو آمن"
(رسول اللَّه ﷺ )
واقترب نصر اليرموك. . . . . .
نصيب الصحابة في هذا الكتاب هو نصيب الأسد، ليس ذلك منة مني عليهم، بل عرفانًا لهم منّا بالجميل لما قدموه هم لصاحبهم محمد ﷺ ، وتذكيرًا لنا بفضلهم على أمة الإسلام قاطبةً، وبغض النظر عن الأمور الدينية، ومن وجهة نظر علمية بحتة ونظرة تحايلية مستفيضة أقرَّ بها علماء الغرب قبل الشرق، استطاع هذا الجيل العظيم وفي سنين معدودة نشر دين اللَّه في مشارق الأرض ومغاربها، وفي ظاهرة لا تزال تحير المؤرخين إلى يومنا هذا، استطاع ذلك الجيل العظيم من البشر تدمير قلاع الإمبراطوريتين الفارسية والرومانية في وقت متزامن، فأصبح جيل الصحابة ومن دون أي مبالغة أعظمَ جيل كامل خلقه اللَّه على الأرض، وعندما أقول جيل كامل لا أقصد شخصًا أو شخصين منهم، بل أقصد كل الصحابة من دون أي استثناء، أي ما يزيد عن المائة ألف من صحابة رسول اللَّه ﷺ ، فكل الصحابة ومن دون أي استثناء عدولٌ عند اللَّه ، فهو الذي اختارهم فردًا فردًا ليكونوا أصحابًا لنبيه المصطفى، فاحذر الطعن في أي صحابي أو ذكره بسوء على الإطلاق، ليس خوفًا عليه منك أو من لسانك، فهم عند اللَّه الذي أعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار، بل خوفًا عليك أنت من أن تصل إلى مرحلة الكفر التي قد تخلدك في النار إلى الأبد، فإذا استيقظت يوفا من نومك وكان في قلبك مثقال ذرة من الغيظ لأحد أصحاب محمد ﷺ ، فاعلم أنك ممن ينطبق عليهم قول اللَّه : "ليغيظ بهم الكفار"، وهذا لا يعني أبدًا أن الصحابة معصومون من الخطأ، ولكن الصحابة كانوا بشرًا كباقي البشر، يخطئون ويصيبون، غير أنهم كانوا أقرب البشر بعد الأنبياء إلى مرحلة الكمال الإنساني!
стр. 100
وبطلنا الآن هو صحابي جليل من صحابة رسول اللَّه ﷺ ، ولقد تعمدت أن أكتب "الصحابي الجليل" في أعلى الصفحة قبل اسم هذا الصحابي بالتحديد من بين الصحابة الذين ورد ذكرهم في هذا الكتاب، وذلك لتذكير من كان قد نسي أنَّنا عندما نتحدث عن أبي سفيان بن حرب بعد إسلامه فإننا نتحدث عن صحابي من صحابة رسول اللَّه ﷺ ، ونتحدث عن الرجل الذي تزوج رسول اللَّه ﷺ ابنته أم المؤمنين السيدة (أم حبيبة بنت أبي سفيان) ﵂. وربما كان سبب إغفال كتب التاريخ لفضل أبي سفيان هو عداؤه الشديد لرسول اللَّه قبل الإسلام، وهذا شيءٌ لا يستقيم أبدًا، فالإسلام يجب ما قبله، بل إنني أصرح أن سرَّ اختياري لأبي سفيان ليكون ضمن قائمة المائة هو سنوات كفره تلك التي كان فيها العدو الأول للإسلام، فمجرد إسلام هذا الرجل يعتبر سببًا كافيًا ليكون بين عظماء أمة الإسلام في التاريخ، ولو أن أبا سفيان لم يحارب المسلمين في أيام كفره لما اخترته ضمن قائمة المائة، فهذا الرجل حارب الإسلام لما يزيد عن عشرين عامًا قضاها في الكفر، إلّا أنه بعد كل هذه السنين أسلم وجهه للَّه ، ولكي تفهم ما أقصده، فعليك أن تتخيل أن رئيس أكبر دولة تحارب الإسلام حاليًا يعلن إسلامه، وأبو سفيان كان في جاهليته زعيم أكبر قوة في الأرض تحارب المسلمين، ولكنه بعد إسلامه جاهد في سبيل اللَّه حقّ جهاده، وقدم شيئًا غاليًا للإسلام أشك أن المشككين به يستطيعون أن يقدموا عشره، لقد قدم هذا الرجل عينيه الاثنتين في سبيل اللَّه، الأولى في "حُنين" عندما كان يدافع عن رسول اللَّه ﷺ ، والعين الثانية في "اليرموك" عندما أوكل إليه خالد بن الوليد ﵁ وأرضاه مهمة نشر روح الجهاد بين الجنود، فكان أبو سفيان ﵁ وأرضاه يمشي هو وامرأته الصحابية الجليلة (هند بنت عتبة) ﵂ يحمسان الجنود، فضاق الروم ذرعًا بهذا الشيخ الذي يحمس شباب المسلمين بكلماته التي تخرج من قلبه لتحولهم إلى سهامٍ مشتعلة تحرق جحافلهم، فصوَّبوا نبالهم نحوه ليصيبوا عينه الثانية بسهم فقأها، فسالت الدماء شلّالا من عين أبي سفيان ﵁ وأرضاه، فأصبح أعمى البصر بشكلٍ كلي، إلا أن هذا الشيخ البطل استجمع قواه وربط عينيه بلفافة بيضاء قبل أن تصبح حمراء من لون الدماء التي سالت من عينه، ليمشي هذا العملاق الإسلامي بين كتائب المسلمين يذكرهم بالجنة ويدعوهم إلى الثبات، عندها
стр. 101
انطلقت كتائب التوحيد الإسلامية لتقتحم صفوف الأعداء وتزلزل حصونهم، وفي معمعة المعركة سمع المسلمون أبا سفيان ﵁ وأرضاه ينادي بصوت هز أرجاء وادي اليرموك وكأن هذا الشيخ الأعمى يرى ببصيرته شيئًا لا يراه المبصرون بأعينهم وهو يردد بصوت ملؤه الإيمان باللَّه:
يا نصر اللَّه اقترب، يا نصر اللَّه اقترب، يا نصر اللَّه اقترب
وفعلًا جاء نصر اللَّه. . . . فقد استطاع رجل من المسلمين اقتحام قلب الجيش الروماني الضخم، وبضربة سيف واحدة من يمينه قطع رأس (باهان) وزير حربية الإمبراطورية الرومانية، ثم نادى بصوت عالي: اللَّه أكبر، فتعالت صيحات المسلمين بالتكبير، فألقى اللَّه الرعب في قلوب الرومان وصيحات اللَّه أكبر تطاردهم، فرجعوا القهقرة أمام تقدم كتائب التوحيد الإسلامية، فألقوا بأنفسهم من وادٍ سحيق يسمى بـ (الواقوصة)، فقتل في يومٍ واحد ١٢٠ ألف رومي، وانتصر المسلمون في معركة اليرموك الخالدة على قوات بيزنطة المتحالفة التي قدمت من مختلف أصقاع تلك الإمبراطورية الكبيرة، وبانتصار المسلمين في اليرموك انهارت القوة الرومانية فعليًا، وأصبحت الشام دارًا للإسلام، وتحققت نبوؤة رسول اللَّه ﷺ ، فبكى أبو سفيان بن حرب ﵁ وأرضاه بنصر اللَّه، واختلطت دموع عينيه بدمائها، فجزاك اللَّه خيرًا يا أبا سفيان لما قدمته للإسلام والمسلمين يا صاحب رسول اللَّه ﷺ .
ولعل من حكمة اللَّه أن إسلام أبي سفيان جاء متأخرًا، وذلك لكي يتسنى له نقل حكاية عجيبة حدثت أيام جاهليته عند إمبراطور الروم (هرقل). فما هي تلك القصة العجيبة التي رواها البخاري في صحيحة عن أبي سفيان بن حرب ﵁ وأرضاه؟ وكيف كان إمبراطور الروم قاب قوسين من أن يسلم؟ وما الذي منعه؟ ومن هو ذلك البطل الإسلامي العظيم الذي استشهد قبل أن يصلي للَّه ركعة؟
يتبع. . . . . .
стр. 102
" كبير أساقفة الإمبراطووية الرومانية" صغاطر
" يا معشر الروم. . . . إنه قد جاءنا كتاب من أحمد يدعونا فيه إلى اللَّه وإني أشهد أن لا إله إلا اللَّه وأن أحمد عبده ورسوله"
(الأسقف صغاطر)
لعل اللَّه أخّر إسلام الصحابي الجليل أبي سفيان بن حرب ﵁ وأرضاه لينقل للإنسانية قصة عجيبة لبطل عجيب من عظماء أمة الإسلام العظماء، هذا البطل كان أقوى إنسان على وجه الأرض في تلك الفترة، فقد كانت قوته التي استمدها من منصبه الديني الرفيع تؤهله لكي يكون أعظم من (هرقل) إمبراطور الإمبراطورية الرومانية الشرقية، هذا العظيم الإسلامي لم يُولد مثلي ومثلك مسلمًا، ولم يصلِّ للَّه ركعة، بل إن تاريخه في الإسلام لم يتجاوز أكثر من لحظات معدودة في عمر الزمن، وهو مع ذلك رجلٌ سطّر اسمه في سجل العظماء بحروف كُتبت بمدادٍ من ماء العيون، إننا نتحدث عن صاحب الموقف الرجولي الباهر، صاحب القلب الشريف الطاهر، صاحب العقل المضيئ العامر، إننا نتحدث عن الأسقف صغاطر.
وصغاطر هذا يا سادة -والذي لا يعرفه معظمنا- كان مجرد رجلٍ طاعنٍ في السن، لم يصم رمضان ولم يقم الليل البتة ولم يرَ الكعبة في حياته، ولكنه قدم للَّه ما هو أعظم من ذلك، لقد قدم روحه للَّه ، فلقد قال هذا الرجل -جنسًا وصفة- قولة حقٍ لم يخشَ فيها إلا اللَّه ، مجرد كلمة خلدته في سجل الشهداء قبل أن تخلده في سجل المائة، ورب كلمة يقولها المرء ترفعه في عليّين، ورب كلمة يقولها المرء تهوي به إلى أسفل سافلين، فهذا الرجل وإن كان لم ينتصر في معركة عسكرية، إلا أنه انتصر في أشرس معركة يخوضها الإنسان منّا، لقد انتصر عظيمنا على العدو رقم واحد للإنسان: النفس البشرية!
стр. 103
والسؤال المطروح ليس هو: من منّا لم يحارب نفسه الأمّارة بالسوء؟ بل السؤال هو: من منّا انتصر عليها؟ فحرب الإنسان مع نفسه حرب أزلية، لا تنتهي جولاتها إلا مع الرمق الأخير للإنسان، هذه الحرب تشتد وطأتها كلما زادت الفتن التي يتعرض لها الإنسان، وصغاطر لم يكن متعرضًا لفتنة عظيمة فحسب، بل كانت مكانته الدينية العظمى هي الفتنة بذاتها! ولكي تدرك مدى التضحية العظيمة التي قام بها صغاطر في سبيل اللَّه، فما عليك إلا أن تسأل نفسك سؤالًا بسيطًا: هل أنت على استعداد للتخلي عن وظيفتك إذا ما علمت أن فيها أمرًا يغضب اللَّه من قريبٍ أو بعيدٍ؟ أترك الإجابة عن هذا السؤال لكل واحدٍ فينا كي يجيب بنفسه على نفسه بكل صدق، أما صاحبنا فلم يستغرق الكثير من الوقت ليقدم استقالته من أعلى وظيفة في سلم الوظائف الرومانية، بل لم يستغرق الكثير من الوقت لكي يقدم روحه الطاهرة للَّه ، فهيا بنا لنسبر أغوار هذا البطل الإسلامي العظيم صغاطر، من خلال حديث عجيبٍ غاية في العجب، رواه الصحابي الجليل أبو سفيان، ليحفظه لنا محمود الذكر والسيرة الإمام البخاري جزاه اللَّه عن المسلمين كل خير. ولكن قبلها ينبغي علينا أن نأخذ لمحة بسيطة عن خلفية هذه القصة، فبعد أن استطاع رسول اللَّه انتزاع صلح الحديبية من بين أنياب مشركي قريش، جاء الوقت لتنفيذ أهم مهمة ملقاة على عاتق المسلمين في كل زمان ومكان، ألا وهي مهمة التبليغ! فما أن عقد رسول اللَّه ﷺ صلحَ الحديبية حتى بعث برُسله إلى مختلف أنحاء الأرض، وكان أحد هؤلاء الرسل هو الصحابي الجليل الجميل صاحب الوجه المشرق والذي كان أكثر البشر شبهًا بجبريل ﵇ (دحية بن خليفة الكلبي) ﵁ وأرضاه، حاملًا رسالة من رسول اللَّه ﷺ ، إلى أعظم إمبراطور على وجه الأرض: (هرقل)! وكان هرقل هو إمبراطور الإمبراطورية الرومانية الشرقية "البيزنطية" التي تقاسم الفرس السيطرة على العالم القديم، وهرقل هو الاسم المختصر لاسمه الكامل (فلافيوس أغسطس هرقل) الذي حكم الإمبراطورية الرومانية منذ ٦١٠ م. وقد كان هرقل في بادئ الأمر رجل دينٍ نصراني من أصولٍ أرمينية يساعد أباه الذي كان واليًا للرومان على "تونس"، فعندما غُلبت الروم من الفرس في القصة المشهورة التي خلدها القرآن، قام أبوه البطريرق (هرقل) بتجهيز ابنه (هرقل بن هرقل) لينقذ الدولة
стр. 104
قبل انهيارها، فقام هرقل بمهاجمة "القسطنطينية" عاصمة الروم ليزيح الإمبراطور (فوكاس) من العرش، كمحاولة أخيرة لإنقاذ الدولة الرومانية من الاجتياح الفارسي ومن الفوضى التي تعصف داخل الدولة بعد مقتل القيصر (موريس)، فأبحر هرقل من تونس صوب القسطنطينية واستولى على الحكم، ونصب نفسه قيصرًا منقذًا للدولة، ليحارب بعدها الفرس ويختصر عليهم في معركة "نينوى" سنة ٦٢٧ م، ليصبح هرقل بذلك بطلًا قوميًّا ودينيًّا عند النصارى. لذلك حج هرقل إلى القدس ماشيًا على قدميه لكي يشكر ربه على الانتصار، فصادف وجوده في القدس مجيء رسول رسول اللَّه الصحابي دحية بن خليفة الكلبي، فسلمه رسالة رسول اللَّه:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من محمد بن عبد اللَّه إلى هرقل عظيم الروم: سلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فإني أدعوك بدعوة الإسلام أسلم تسلم يؤتك اللَّه أجرك مرتين، فإن توليت فعليك إثم جميع الآريسيِّين. ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾
فوقف هرقل يتأمل هذه الرسالة العجيبة التي تأتي إلى قيصر أكبر إمبراطورية على الأرض من رجل لا يعرف عنه شيئًا في صحراء العرب، فأراد هرقل أن يتأكد من صحة ما جاء فيها، وقد كان هرقل رجلًا متدينًا يعرف من بقايا الإنجيل أن نبيًا سوف يخرج في هذا الزمان، فبعث بقادته ليجلبوا له بعض العرب ليسألهم عن هذا الرجل الذي يزعم أنه رسول اللَّه، فشاء اللَّه أن يتواجد في مدينة "غزة" الفلسطينية في هذا الوقت أبو سفيان ابن حرب ونفر من قريش للتجارة بعد أن وضعت الحرب أوزارها مع المسلمين، وفرغوا لتجارتهم في الشام، فجيئ بهم إلى بلاط القيصر ليستفسر منهم حقيقة البعثة النبوية، فأحضر هرقل الترجمان ليترجم له، فسأل هرقل التجار العرب: أيكم أقرب نسبا لهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ فقال أبو سفيان: أنا أقر بهم نسبا إليه (فالأمويين هم أبناء عمومة الهاشميين) فقال هرقل: أدنوه مني، وقربوا أصحابه، فاجعلوهم عند ظهره (أي اجعلوا أبا سفيان واقفا ووراءه مجموعة من أصحابه)، ثم قال لترجمانه: قل لهم إني
стр. 105
سائل -يعني أبا سفيان- فإن كذبني فكذبوه! واتضح بصورة لا شك فيها أن هرقل يريد أن يعرف بجدية كل شيء عن هذا النبي، لذلك سأل أقرب الناس إليه نسبًا، ليكون على معرفة تامة به، وفي نفس الوقت جعل وراء أبي سفيان مجموعة التجار الآخرين كحكام على صدقه، وعند ذلك سيخاف أبو سفيان أن يكذب، ومن وراءه سوف يخافون أن يكذبوا، ولكن عامل الكذب هذا لم يكن واردًا في خاطر أبي سفيان على الإطلاق، فالعرب حتى في أيام الجاهلية كانت تستنكر صفة الكذب هذه، وتعتبرها نوعًا من الضعف غير المقبول، وأبو سفيان في هذه اللحظة التي لم يسلم فيها بعد، مع أنه يكره الرسول ﷺ كراهية شديدة، ومتأكد من أن أصحابه لن يكذبوه أمام القيصر مهما قال، إلا أنه لا يستطيع أن يكذب على رسول اللَّه ﷺ ، ولا يحب أن يشوه صورته بالكذب لدرجة أنه في رواية كان يقول: "ولكني كنت امرأ أتكرم على الكذب، لا أكذب". وبدأ استجواب هرقل لأبي سفيان أمام الجميع من العرب والرومان وفي حضور علية القوم من الأمراء والوزراء والعلماء من الرومان من أجل أن يتيقن من أمر هذه النبوة التي ظهرت في بلاد العرب، هل هي نبوة حقيقية أم كذب، ودار حوار عجيب بين (هرقل إمبراطور الروم) و (أبي سفيان سيد مكة) حول (محمد رسول اللَّه)، وقد بدأ هرقل بالسؤال: كيف نسبه فيكم؟ قال أبو سفيان: هو فينا ذو نسب. قال هرقل: فهل قال هذا القول من قبلكم أحد قط قبله؟ (أي هل ادعى أحد من العرب النبوة من قبله؟) قال أبو سفيان: لا لم يدع أحد في تاريخ العرب النبوة. فقال هرقل: هل كان من آبائه من ملك؟ فقال أبو سفيان: لا. قال هرقل: فأشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ قال أبو سفيان: بل ضعفاؤهم. قال هرقل: أيزيدون أم ينقصون؟ قال أبو سفيان: بل يزيدون. قال هرقل: فهل يرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ قال أبو سفيان: لا، لا يرتد منهم أحد. قال هرقل: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال أبو سفيان: لا. (وقد كان رسول اللَّه ﷺ يدعى بالصادق الأمين قبل الإسلام) قال هرقل: فهل يغدر؟ قال أبو سفيان: لا. ثم قال: ونحن منه في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها. ثم قال هرقل: فهل قاتلتموه؟ قال أبو سفيان: نعم. فقال هرقل فكيف كان قتالكم إياه؟ قال أبو سفيان: الحرب بيننا وبينه سجال. أي ينال منا وننال منه (يقصد معركتي بدر وأحد). قال هرقل:
стр. 106
بماذا يأمركم؟ قال أبو سفيان: يقول اعبدوا اللَّه وحده ولا تشركوا به شيئًا، واتركوا ما يقول آباؤكم ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة. عند ذلك انتهى الاستجواب الطويل من هرقل، وبدأ هرقل يحلل كل كلمة سمعها وكل معلومة حصل عليها حتى يخرج باستنتاج، وأعلن ذلك الاستنتاج ترجمان هرقل، قال هرقل: سألتك عن نسبه، فذكرت أنه فيكم ذو نسب، وكذلك الرسل تبعث في نسب من قومها. ثم قال: سألتك إن قال أحد منكم هذا القول قبله؟ فذكرت أن لا، قلت: لو كان قال أحد هذا القول قبله لقلت رجل يتأسى بقول قيل قبله. وسألتك هل كان من آبائه من ملك؟ فذكرت أن لا، فقلت: لو كان من آبائه من ملك، قلت: رجل يطلب ملك أبيه. وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فذكرت أن لا، فقد أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على اللَّه. وسألتك أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ فذكرت أن ضعفاءهم اتبعوه. وهم أتباع الرسل. وسألتك أيزيدون أم ينقصون؟ فذكرت أنهم يزيدون. وكذلك أمر الإيمان حتى يتم. وسألتك أيضا أيرتد أحد منهم سخطا لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فذكرت أن لا. وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب. وسألتك هل يغدر؟ فذكرت أن لا. وكذلك الرسل لا تغدر. وسألتك بماذا يأمر؟ فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا اللَّه ولا تشركوا به شيئًا، وينهاكم عن عبادة الأوثان، ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف. وبعد هذا التحليل العميق من هرقل قال لأبي سفيان بمنتهى الصراحة: فإن كان ما تقوله حق فسيملك موضع قدمي هاتين -أي الشام- وقد كنت أعلم أنه خارج، ولم أكن أظن أنه منكم - (فهو يستكثر أن يكون من العرب!) - فلو أني أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه. ثم قال هرقل لدحية بن خليفة: ويحك! واللَّه إني لأعلم أن صاحبك نبيٌ مرسل، وأنه الذي كنا ننتظره ونجده في كتابنا، ولكني أخاف الروم على نفسي؛ ولولا ذلك لأتبعته؛ فاذهب إلى صغاطر الأسقف فاذكر لهم أمر صاحبكم، فهو واللَّه أعظم في الروم مني، وأجوز قولا عندهم مني؛ فانظر ما يقول لك. فذهب دحية إلى صغاطر كبير الأساقفة، فأخبره بما جاء به من رسول اللَّه إلى هرقل، وبما يدعوه إليه، فقال صغاطر: صاحبك واللَّه نبي مرسل، نعرفه بصفته، ونجده في كتبنا باسمه. فدخل البطل صغاطر فألقى ثيابًا كانت عليه سودًا، ولبس ثيابا بيضاء، ثم أخذ
стр. 107
عصاه، يتوكأ بها وهالة من النور تحيط بوجهه المشرق بالإيمان، فخرج على الروم وهم في الكنيسة، فقال بصوتٍ عالٍ: يا معشر الروم! إنه قد جاءنا كتابٌ من أحمد، يدعونا فيه إلى اللَّه ، وإني أشهد أن لا إله إلا اللَّه وأن أحمد عبده ورسوله. فما إن فرغ البطل صغاطر من قولته تلك حتى وثب عليه من كانوا يسجدون له من قبل وثبة رجل واحد، فضربوه حتى تحولت ثيابه البيضاء إلى حمراء من كثرة الدماء التي تدفقت كشلالٍ متفجرٍ من جبينه وهو ينادي بصوتٍ أنهكه الضرب:
أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأشهد أن أحمدًا رسول اللَّه
وظل هذا البطل الإسلامي العظيم يرددها حتى فاضت روحه إلى بارئها، فرحم اللَّه البطل صغاطر، وأسكنه اللَّه فسيح جناته، وحشره مع حبيبه أحمد الذي آمن به من دون أن يراه.
ولكن. . . . لماذا قال صغاطر "أحمد" ولم يقل "محمد"؟! وكيف كان صغاطر ومن قبله هرقل يعلمون بالفعل أن نبيًا سيبعث بهذا الاسم؟ وبأي صيغة ورد اسم رسول اللَّه ﷺ في الإنجيل؟ وهل بقي اسمه موجودًا إلى يوم الناس هذا للإجابة على هذه التساؤلات وغيرها ينبغي علينا أن نسافر إلى القارة الأوروبية، وبالتحديد إلى إسبانيا، لنقابل عظيما إسبانيا من عظماء أمة الإسلام المائة، هذا العظيم الأوروبي اكتشف سرًا خطيرًا في الكتاب المقدس، هذا السر الخفي من شأنه أن يغير خارطة العالم الحديث رأسًا على عقب!
يتبع. . . . . . .
стр. 108
" أنسليم تورميدا" (عبد اللَّه المايوركي)
ولكني أقول الحق إنه خير لكم أن أنطلق لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم
الفارقليط. . . ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾. . . المعزي!
(يوحنا ١٦: ٧)
هناك طريقة مستهلكة لإخفاء الحقائق التاريخية، كان الفراعنة القدماء أول من استخدمها، هذه الطريقة استخدمها مؤرخو الدولة الفرعونية الحديثة الممتدة في الفترة ما بين القرن السادس عشر قبل الميلاد والقرن الحادي عشر قبل الميلاد، هؤلاء المؤرخون الخبثاء قاموا بفعلة غريبة، لا أعلم أحدًا من البشر صنعها قبلهم، فقد كان من عادة الفراعنة أن يدوِّنوا تاريخ ملوكهم وقصص انتصاراتهم وهزائمهم على جدران المعابد، إلا أن علماء الآثار الأوروبيون لاحظوا حديثًا أن هناك نقوشًا قد أزيلت من جدران بعض المعابد الفرعونية بشكل يبدو عليه أنه متعمد، الغريب في الأمر أن علماء الآثار لاحظوا أيضا أن الفراعنة حاولوا إخفاء تلك التشويهات على جدران معابدهم بإضافة نقوشٍ جديدة، فلم يحتج هؤلاء العلماء حتى لاستخدام "الكربون المشع" لاكتشاف زيف هذه التحريف، فلقد كانت النقوش الجديدة التي حلت محل النقوش القديمة بارزة بشكل فاضح للعيان، فلا سياق التاريخ ولا نوعية اللغة ولا مادة البناء كانت متناسقة مع بقية الهيكل البنائي، فلما راقب علماء الآثار سياق النقوش، استنتجوا أن هذه النقوش المحرفة استخدمها الفراعنة القدماء لإزالة نقش محدد لاسم معناه بالهيروغلوفية القديمة "ابن الماء"، فكلمة "ماء" بالهيروغليفي تعني "مووء"، وكلمة ابن تعني عندهم
стр. 109
"سي"، فكان اسم ابن الماء هو الاسم الذي أطلِق على طفلٍ التقطه الفراعنة من ماء النيل، هذا الطفل هو نفسه ابن الماء "موسى"!
ليس الغرض من هذه المقدمة التاريخية هو الاستطراد في قصة موسى ﵇، فسوف نستعرض بشكل مفصل قصة نبي اللَّه موسى مع عدو اللَّه فرعون لاحقًا في معرض ترجمتنا لثلاثٍ سيداتٍ عظيماتٍ انضممن لقافلة المائة في هذا الكتاب، ولكن ما قصدته من هذه المقدمة، هو توضيح بعض أساليب التحريف التي يستخدمها كل من أراد تزييف الحقائق التاريخية لإخفائها عن عامة الناس، فالفراعنة أمروا بإزالة كل نقش كان قد نُقش عن (موسى بن فرعون)، قبل أن يتحول إلى (موسى عدو فرعون)، المضحك في الموضوع أن المزيفين في كل الأزمان يستخدمون هذه الطريقة الفرعونية المستهلكة، فالمعلوم لدينا نحن معشر المسلمين أن الإنجيل والتوراة قد حُرِّفا، وليس هذا افتراءً مني، بل هذا هو ما يقوله الرب الذي نعبده من خلال كلامه المحفوظ بين الدفتين إلى يوم الدين، فقد قال اللَّه في الآية التاسعة والسبعين من سورة البقرة:
﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩)﴾.
فالتحريف في التوراة والإنجيل ليس حقيقة قرآنية فحسب، بل هو حقيقة تاريخية أقرها علماء التاريخ، فالمعروف أن (العبرانيين) قاموا بتدوين "العهد القديم" أو ما يسمى بـ "التوراة" لأول مرة بعد مرور أكثر من ٩٠٠ سنة على موت موسى ﵇، فلك أن تتخيل كمية التحريف المتعمد والغير متعمد الناتج عن بعد "زمن التنزيل" عن "زمن التدوين"، أما "الإنجيل" الذي أنزل على عيسى فقد اختفى، فالمعلوم أن عيسى من بني إسرائيل، ولغة بني إسرائيل هي العبرانية، فالمفروض أن يكون الإنجيل بلغة القوم المنزل عليهم كالعبرانية أو حتى الآرامية التي كانت لغة أهل فلسطين في ذلك الزمان، فعلى سبيل المثال لا الحصر، ما هو المعنى من أن يكتب كاتبٌ مصري كتابًا باللغة السنكرستية لينشره في صعيد مصر؟!! فالمعروف تاريخيًا أن أقدم نسخة للعهد الجديد مكتوبة بالإغريقية القديمة، والتي لم يكن السيد المسيح يتكلم بها أصلًا، بل إن هذه النسخة ظهرت بعد عشرات السنوات من رفع اللَّه للمسيح! لذلك لا توجد أصلا نسخة
стр. 110
أصلية للإنجيل يمكن لنا من خلالها أن نكتشف التحريف الواقع في الطبعات، ولكن يمكن القول مجازًا أن النسخة الإغريقية هي النسخة الأقرب (تاريخيًا) للأصل المفقود، في هذه النسخة بالتحديد، بحثت عن اسم رسول اللَّه ﷺ ، والذي أخبرنا اللَّه بوجوده في الإنجيل باسم "أحمد" على سيبل الخصوص، فوجدت في إنجيل يوحنا الإصحاح السادس عشر الفقرة السابعة ما يلي:
"لكني أقول لكم إنه من الخير لكم أن أنطلق لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزي"
وكلمة "المعزي" العربية هي تفسير ظهر جديدًا لكلمة "الفارقليط" الواردة في النسخة اليونانية الأصلية (المُترجم منها!) وهي "باراكلي طوس" المحرفة أصلًا عن الكلمة "بيركلوطوس" التي تعني أفضل التفضيل "أحمد". فالتحريف حصل من خلال تحويل يسير جدًا من اللفظة الأصلية " periklutos" ومعناها: أشهَر، أحمَد، أعرَف، أمجَد، أنبَل، إلى هذه الصيغة " periklutos"، ومعناها: المعزي!
ولشرح هذه المعلومة الخطيرة، ينبغي علينا أن نسافر إلى جزيرة "مايوركا" الإسبانية، لا لكي نتابع مباراة لكرة القدم بين فريقي "مايوركا" و"برشلونة" الإسبانيين، بل لنتابع مغامرة قام بها أحد عظماء أمة الإسلام المائة، ألا وهو (عبد اللَّه المايوركي) أو (عبد اللَّه المايورقي) الشهير بالـ "الترجمان"، والذي كان يُدعى في بلده إسبانيا قبل إسلامه باسم (أنسيلم تورميدا) (Anselm Turmeda)، أنسيلم تورميدا كان قسيسًا عظيم الشأن في إسبانيا، وكان من أكبر علماء النصارى في القرن الثامن الهجري. ففي الوقت الذي كان فيه الصليبيون القشتاليون يكرسون جهودهم في نشر النصرانية المحرفة في ربوع بلاد الأندلس بعد احتلالهم لبلاد المسلمين الأندلسيين هناك، شرح اللَّه صدر رجل من أكبر علماء النصرانية في ذلك الزمان إلى الإسلام، فأسلم وجهه للَّه، وجاهد بيده ولسانه وقلمه في سبيل اللَّه، والآن لنبقى مع القصة العجيبة لهذا البطل الإسلامي الأوروبي، يرويها لنا بنفسه في تحفته الأدبية الرائعة "تحفة الأريب في الرد على أهل الصليب"، يقول المايوركي ﵀:
"اعلموا -رحمكم اللَّه- أن أصلي من مدينة "ميورقا" وهي جزيرة في البحر الأبيض المتوسط جنوب شرق إسبانيا اليوم، فتحها المسلمون سنة تسعين ومائتين للهجرة، إلى
следующие страницы →