Полный текст (161 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الكتاب: عصمةُ القرآنِ الكريمِ وجهالاتُ الْمُبَشِّرِينَ
المؤلف: د. إبراهيم عوض
الناشر: مكتبة زهراء الشرق - القاهرة
الطبعة الأولى ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٥ م
عدد الأجزاء: ١
تنبيه:
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
جَزَى اللَّهُ كَاتِبَهُ وَمَنْ تَحَمَّلَ نَفَقَةَ الْكِتَابَةِ خَيرَ الجَزَاءِ وَأَوفَاهُ.
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
في البدء كانت هذه الكلمة !
منذ أن جاء الرسول ﷺ بدعوة الإسلام، وهو وقرآنه يتعرضان لهجوم شرسٍ لا يرعى في منطقه ولا بواعثه إلاً ولا ذمة، هجومٍ كله باطل: هجومٍ ينطلق تارة من الوثنية والقبلية، وهو هجوم القرشيين. وتارة يقوم على العصبية القومية الغبية والأنانية الحاقدة الفتاكة، وهو هجوم اليهود، الذين لم يطيقوا أن يرَوْا نبياً من خارج بني إسرائيل، إذ كانوا يتوهمون أنهم أبناء الله، وأن الله إلههم وحدهم مهما كفروا ومهما اجترحوا من جرائم، وأنه لن يعذبهم إلا لأيام معدودة، فهم شعب الله المختار، وبقية الخلق "أغيار" منحطّون لا قيمة لهم. وتارة يقوم على رفض التوحيد النقي الذي لا يقر بوارثة البشرية لخطاٍ أبيهم آدم وأمهم حواء حين نسيا فأكلا من الشجرة المحرّمة فأهبطهما الله من الجنة، ولا بما يترتب على ذلك المبدأ الظالم الغريب من أن الله قد أرسل ابنه الوحيد بعد خطاٍ آدم وحواء بأزمنة متطاولة كي يفتدي البشر من هذا الخطأ (أو فلنقل كما يقولون: كم هذه الخطيئة) ، وذلك بتألمه وموته على الصليب ممل يُعَدً صورة من صور الوثنيات القديمة، مع أن من المستحيل أن يكون لله سبحانه ولد، فالألوهية والتعدّد نقيضان لا يجتمعان في العقل أساساً.
стр. 3
وإني كلما تأملت هذا الهجوم الحاقد على الرسول الأعظم لم أجد له سبباً مقنعاً: لا إنسانياً ولا أخلاقياً ولا عقيدياً ولا.... ولا.... لقد دعا ﷺ إلى أنقى صور التوحيد، وأكَّد أن رب الإسلام إلهَّ عادل رحيم تسبق رحمتُه غضبَه، ويجازي على الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، على حين لا يجزي السيئة إلا بمثلها، وكثيراً ما يغفرها، إلهَّ لا يكلّف نفساً إلا وسعها، إلهّ لا يحاسب الأبناء بذنوب الآباء، إلهَّ يأخذ الناس بنياتهم لا بمظاهر أعمالهم، إله أقبر إلى عباده من حبل الوريد، إلهَّ يريد لهؤلاء العباد أن يسعَوْا وراء العلم وأن يستزيدوا منه وأن يفتحوا عيونهم وقلوبهم لتأمل الكون وما فيه من جمال، إلهَّ يحب العمل والإنتاج ويكره الثرثرة والكسل، إله لا يفرق بين البشر على أساس عرقي أو قومي أو قَبَلي بل على أساس من إيمانهم وأعمالهم الصالحة، فالبشر عنده سواسية، إلهَّ مفتّحة أبوابه ليل نهار للتوبة والحصول على الغفران دون وساطة من أحد أياً كان ودون أية تعقيدات أو إراقة دماء بشرية، إلهَّ يحضّ على العفو والتسامح ما أمكن، وإلا فليأخذ المظلوم حقه ممن ظلمه دون أي تثريب، إلهَّ يُحِلً الطيبات ويحرَم الخبائث ... إلخ مما لو ذهبتُ أستقصيه ما انتهيت.
كذلك كان رسولنا الكريم هو الصورة المثلى للإنسانية صبراً
стр. 4
وتسامحاً، وحُنُوًا على الضعف البشري، ورغبةً في تحويل هذا الضعف إلى قوة، وحضاً على تحصيل أسباب الحضارة من علم وعمل ونظام وخُلُقٍ طاهر وذوق راقٍ، وعدلاً في تطبيق القانون، وتوازناً في النظر إلى الدنيا والآخرة، والجسد والروح، فالدنيا طيبة ما دامت من حلال، والطعام والشراب والعطر والنساء مِنَنً من الله على عباده ليستمتعوا بها، ولكن بحقها وفي اعتدال ... وهلم جرا. ترى ما الذي في هذا أو في ذاك مما يمكن أن يكرهه عاقل سليم القلب مستقيم الضمير؟ وهل بعد رفض الدين الذين جاء به محمد يستطيع أي إنسان عاقل سليم القلب مستقيم الضمير أن يجد ديناً يصلح لاعتناقه والعمل به؟
وفي الفترة الأخيرة ازداد الهجوم على الإسلام ورسوله شراسةً ظناً من المهاجمين الحاقدين أن الفرصة سانحة لتوجيه ضربة قاضية إلى ذلك الذين في ظل ضعف المسلمين وهوانهم وتخلفهم، والواقع أن هؤلاء الحاقدين واهمون، فالإسلام، وإن كان المنتسبون إليه الآن ضعافاً أذلاء، هو دين قوي عزيز كريم يستحيل القضاء عليه، والأيام بيننا! ولقد مرت على المسلمين أزمان كانوا اشد ضعفاً وهواناً مما هم الآن، ولم يستطيع أعداء الإسلام أن ينالوا من دين الله منالاً، بل إن جوهرته لتزداد على الأيام ومعاودة الهجوم عليه تألقاً وجمالاً!
стр. 5
ومما ظهر في الفترة الأخيرة من كتب تهاجم الإسلام كتاب تافه صدر في النمسا سنة ١٩٩٤م بعنوان "هل القرآن معصوم؟ " لشخص يتسمى باسم "عبد الله عبد الفادي" (أو بالأحرى: العبد الفاضي) راح يهاجم القرآن في رعونة وجهل، ويتهم لغته بالضعف والخطأ، ويحاول أن ينال من الرسول الكريم، الذي حتى لو صدقت كل افتراءات هذا الكاذب الأفاك هو وجميع المبشرين والمستشرقين عليه ﷺ لكان من ذلك أفضل من أنبيائهم جميعاً حسبما يصور كتابهم المقدس هؤلاء الأنبياء: فنوح يشرب الخمر حتى يسكر وينطرح على الأرض عريان السوأة ثم يلعن حفيده كنعان لعناً شنيعاً لا لشيء إلا لأن حاماً أبا كنعان هذا قد تصادف أن رآه على هذه الحال. وإبراهيم يتنازل عن زوجته لأبيمالك خوفاً منه قائلاً إنها أخته، ولولا أن أبيمالك قد عرف حقيقة الأمر في المنام لوقعت الواقعة. ولوط تسقيه ابنتاه خمراً حتى يفقد وعيه ثم تنامان معه الواحدة بعد الأخرى لتحبلا منه. وموسى يقتل المصري عن عند وسبق إصرار وقسوة إجرامية أصلية، وحين يختاره الله
стр. 6
رسولاً إلى فرعون يردّ عليه سبحانه في جلافةٍ غريبة أغضبته سبحانه عليه. وهارون يصنع العجل الذهبي لبني إسرائيل ويبني له مذبحاً ويبارك عبادتهم له وطوافهم ورقصهم جولة عراةً صاخبين. وداود يرى امرأة قائده الحربي من فوق سطح قصره وهي تستحم عارية في فناء بيتها المجاور فيُحْضِرها إليه ويزني بها ثم يتخلص من زوجها بمؤامرة خسيسة لا يقدم عليها إلى القتلة المتوحشون كي يخلو له وجهها، ثم يتزوجها وينجب منها سليمان. وسليمان ينظم نشيداً غزلياً شهوانياً يتفوق فيه على كل شعراء المجون يصف فيه سُرّة الحبيبة وأثداءها وأفخاذها، كما يغض الطرف عن عبادة زوجاته للأوثان في بيته. وعيسى تُكِبً امرأة على رجليه تبللهما بالدموع وتمسحهما بشعر رأسها وتقبّل بفمها وتدهنهما بالطيب فيقول لها: "مغفورةً لك خطاياك"، وتأتيه أمه وإخوته يريدون أن يقابلوه فيرفض قائلاً إن أمه وأخوته هم الذين يسمعون كلمة الله ويعملون بها، مما لا يمكن أن يكون معناه إلا أنهم لم يكونوا من الذين يسمعون كلمة الله ويعلمون بها. وفي مناسبة أخرى يأمر اثنين من تلاميذه أن يدخلا إحدى القرى القريبة ويأتياه بجحش مربوط هناك دون استئذان من أصحابه ليركبه. وفي العشاء الأخير يمسك بكأس خمر ويقدمها لتلاميذه ليشربوا منها، بل إنه في أحد الأعراس التي دُعِيَ إليها قد حوّل نحو خمسة عشر متراً مكعباً من الماء إلى خمر ليشرب المدعوّون
стр. 7
ويسكروا، وكان هذا استجابةً لطلب أمه. وقد عدّ كاتبُ إنجيل يوحنا هذا العمل أولى معجزاته ﵇ ... وهكذا، وهكذا مما هو مذكور في كتب القوم، وإن كنا نحن المسلمين لا نصدّق بشيء منه. ترى ما دام كذلك فلم يكرهون محمداً ﷺ ، وهو لم يفعل ذلك ولا عُشْره بل ولا واحداً على مائة أو على ألف أو حتَّى على مليون منه؟ الواقع أن القوم، يسبب حقدهم، قد سُلِبَتْ منهم عقولهم فهم لا يفقهون!
والآن مع الكتاب السخيف الذي يظن صاحبه ومن يقفون وراءه أن بإمكانهم تشويه صورة الرسول والإجلاب على القرآن وعظمته وإعجازه. والواقع أني لم أردّ على كل الشبهات بل اقتصرت على الشبهات اللغوية وعدد كبير من الشبهات الأخرى التي تتناول مضمون القرآن، وفيها غُنْيَةَّ عما أرد عليه من اعتراضات. وقد كتبتُ هذه الصفحات وأنا بعيد عن المراجع الكتابية، اللهم إلا الترجمة الكاثوليكية للكتاب المقدس، ثم إني سطَّرتُها في وقت انشغال ببعض الأعباء والأبحاث الأخرى.
إبراهيم عوض
٢٠٠٣م
стр. 8
الفصل الأول (الشبهات اللغوية)
стр. 9
الشبهات اللغوية
في هذا الفصل نتناول ما سمّاه الجاهل بـ "الأسئلة اللغوية"، وهي الأسئلة الخمسة والعشرون التي عقد لها فصلاً مستقلاً غطى الصفحات ١٠٧ - ١١٢. والهدف الذي يبتغيًاه من وراء هذه الشبهات هو أن يلقي في رُوع القراء بأن بالقرآن الكريم أخطاء لغوية، وهذه دليل على أنه لا يمكن أن يكون من عند الله، لأن الله لا يخطئ، وهو إذن من تأليف محمد، ولسوف أفاجئه وأسلك في الرد على هذا القيء سبيلاً لا يتوقعها هذا الجاهل ولا خطرت له ببال، إذ سأفترض أن محمداً هو فعلاً صاحب القرآن، ثم أعالجه بمفاجأة أخرى لا تقلّ عن الأولى إذهالاً إن لم تزد، هذه هي المسألة كما يقول شكسبير!
فالمعروف أن أية لغة هي من صنع أهلها الأوائل الذين تكون ممارستهم لها حينئذ بالسليقة، أي بدون أن يكونوا واعين تماماً بالقواعد التي تحكمها، بل يتشرًبها كل جيل من الجيل السابق عليه تشرَُباً، ثم تأتي بعد ذلك مرحلة تُجْمَع فيها اللغة وتُسْتَخْلَص قواعدها من كلام أهلها، فما قالوه يكون هو الصواب، وما لم يقولوه لا يكون مقبولاً.
стр. 10
ولْنُطبَّق الآن هذا الكلام على اللغة العربية: لقد كان الجاهليون يمارسون العربية بالسليقة، وكان كلامهم هو مقياس الخطأ والصواب، وبطبيعة الحال فإن شعراءهم وخطباءهم كانوا يمثًلون أرقى المستويات اللغوية لكونهم أفضل قومهم ثقافة وذوقاًَ أدبياً ورهافة حسّ، وكان محمد واحداً من هؤلاء المثقفين، مَثَلُه مَثَلُ امرئ القيس وطرفة وزهير والأعشى وقُسً بن ساعدة وحسًان بن ثابت وغيرهم من الشعراء والخطباء الذين أُخِذَتْ عنهم اللغة، ومن كلامهم قُعَّدَتْ قواعدها، فهل سمع أحد أن شخصاً قد خطأ أياً من هؤلاء الشعراء أو الخطباء؟ إن هذا لم يحدث، ولن يحدث. فقرآن محمد إذن هو، على أسوأ الفروض، مثل شعر امرئ القيس مثلاً أو خُطََب قس بن ساعدة، أي أنه هو المعيار الذي يُحْتَكَمُ إليِه ويؤخذ منه ويُهْتَدَي به،
стр. 11
إما أن تطاول أحد وتطلع إلى تخطئته فتلك هي الطامة الكبرى، وهذا ما فعله هذا الأحمق الموسوم بـ "العبد الفاضي"!
وفضلاً عن ذلك فينبغي ألا يفوتنا أنه لو كان في القرآن الكريم أي خطأ لغوي مهما تَفِهَ لملأ مشركو العرب صياحاً واستهزاء بمحمد. لقد افترَوْا عليه الأكاذيب ولم يألوا جهداً في اتهامه زوراً وبهتاناً بأنه مجنون وأنه ساحر وأنه كذاب وأنه إنما يعلمه بشر، ولكنْ رغم كل هذا لم يجرؤ أحد منهم قط أن يهمس مجرد همس بأن في القرآن أخطاء لغوية، مع كثرة ما تحداهم أن يأتوا بقرآن مثله أو بعشر سُوَرٍ منه أو حتى بسورة واحدة تشبه سُوَره، وكثرة ما نشب بينهم وبينه من حروب كلامية ومعارك بالسيف والرمح والحصان. فما معنى هذا؟ إن أعداء محمد من المبشرين لا يخجلون! ذلك أنهم إنما يحركهم الحقد والدناءة، وناس هذه دوافعهم كيف ننتظر منهم أن يُعْمِلوا عقولهم أو يتقوا ربهم؟
وطريقتنا مع الشُّبَه اللغوية التي لُقًنها العبد الفاضي كما يُلَقَّن الأطفال هي أن نذكر كل شبهة منها ونبيَّن نما فيها من رقاعة وجهل ثم ننفخ فيها نفخة خفيفة فتطير في الهواء هباءً منثوراً. ولكن قبل أن نبدأ نحب أن نوجه نظر القراء إلى أن معرفة هذا الجاهل بقواعد
стр. 12
اللغة العربية، حسبما يبدو من أسلوبه نفسه أو من الاعتراضات التي يثيرها ضد أسلوب القرآن، هي معرفة تافهة فجّة. وهذه جملة من أخطائه في الكتاب الذي بين أيدينا:
قال مثلاً: "فجملة السماوات والأراضي أربعة عشر" (ص ٢٢) ، وصوابها لكل من له أدنى إلمام بقواعد اللغة هو: "أربع عشرة"، وقوله عن مريم أن المسيح ﵇: " ... مع أن بينها وبين عمران وهارون وموسى ألف وستمائة سنة" (ص ٣٠) ، والصواب هو: "ألفاً وستمائة سنة"، وقوله: " ... مع أن بين الحادثتين زمن مديد" (ص ٥٨) ، وصحته: "زمناً مديداً"، وقوله: "كيف يكون حال بيت يكذب فيه الزوجان على بعضهما؟ " (ص ٦٨) ، والصحيح: "يكذب فيه الزوجان أحدهما على الآخر، أو يكذب فيه أحد الزوجين على الآخر"، أما ما قاله فهو كلام العوامّ من أشباهه. ومن أخطائه أيضاً قوله: "نتساءل إن كان ما رواه الأولون حقّ أم شبيه الحق" (ص ٩٩) ، وصحته: "حقاً"، وقوله: "وتكون رسالة الأنبياء وتكليفهم بالكرازة والدعوة عبث لا ضرورة له ولا فائدة منه" (ص ١٠٣) ، وتصويبه: "عبثاً"، وقوله: " ... بشرط أن تجامع رجلاً غيره يسمَّى محلَل" (ص ١٣٩) ، وصوابه: "يسمَّى محلَّلاً، وقوله: "يعتقدون أن أحكامها ملغيَّة" (ص ١٩٨) ،
стр. 13
وتصحيحه: "مُلغاة"، وقوله: "خانوا نظام المجتمع بإتيانهم نسائهم بعد صلاة العشاء" (ص ٢٠١) ، وصحته "بإتيانهم نساءهم"، وقوله: "معروف أن لكل لغة أدباؤها" (ص ٢٠٣) ، وتصويبه٨: "أدباءها"، وقوله عن الرسول الأكرم صلوات الله وسلامه عليه: "كانت له عند وفاته تسع نسوة أحياء وسُرَّيَّتَيْن" (ص ٢٠٧) ، والصحيح: "وسُرَّيَتان"، وقوله عن الرَّبَاعِيةَ إنها "الأسنان الأربعة الأمامية" (ص ٢٤) ، والصواب أنها الواحدة من هذه الأسنان الأربع لا كلها، وقوله: "كانوا اثني عشر ألفا: العَشْر الذين حضروا فتح مكة، وألفان انضموا إليه من الطلقاء: هوازن وثقيفا"، وفيه غلطتان قبيحتان: "العَشْر" وصوابها: "العشرة" (أي عشرة الآلاف الذين حضروا فتح مكة"، ثم "وثقيفاً"، وصوابها: "وثقيف" (فهي معطوفة على "هوازن"، التي هي بدل من "الطُّلَقاء" المجرورة) ، وقوله: "فإذا أراد أن يزوج زينباً لابنه زيد ... ، وإذا أراد محمد زينباً ... " (ص ٢٤٧) ، وصحته "زينبَ" بفتحة واحدة لأنه ممنوع من الصرف ... وهكذا.
ويبلغ خِزْيُُ هذا الجاهل أقصاه حين يخطئ القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ﴾ ، إذ يتحذلق في تعالم سفيه مؤكداً أن وضع فتحة على همزة "ضرّاء" خطأ لأنها مجرورة، ومن
стр. 14
ثم يجب وضع كسرة تحتها (ص ١٠٨) . وفات هذا الأرعن أن "ضراء" ممنوعة من الصرف فتُجَرّ بفتحة واحدة كما هي في الآية، أما الجرّ بالكسر فلا تعرفه العربية إلا بكسرتين اثنتين لا بكسرة واحدة. بل إنه، لفَرْط جهله، يخطئ في نقل آية قرآنية دون أن يحسّ بأنه قد أتى شيئاً، ومرجع ذلك إلى بلاده إحساسه. جاء في كلامه عن نوح ﵇ أن القرآن يقول "وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِون" (الصافات/ ٧٧) ، وهي بنصب ﴿الْبَاقِينَ﴾ لا برفعها كما كتبها الأحمق.
وإن الإنسان ليذهل من إقدام مثل هذا الجاهل الغشوم الذي يخطئ تلك الأخطاء الأولية على تخطئة القرآن الكريم. بَيدَ أننا، عند مراجعة الأمر جيداً في ضوء منطق الأشياء وطبيعتها، نرى ألا موضع للذهول ولا حتى للاستغراب، إذ ما أسهل أن يخبط الجاهلُ الذي لا يبصر ولا يقدر على التمييز بين الصواب والخطأ خبط عشواءَ، وفي حسبانه أنه يُحْسِن صنعاًَ! ولولا أن هناك جهلة مثله يمكن أن ينخدعوا بمثل هذه التشويشات ما بَالَيْنا بها ولا بتوجيه النظر إلى ما فيها من سخف وضلال. وعلى هذا فببركة الله نبدأ فنتناول تخطئاته الغشوم مبينين ما فيها من تفاهة وجهل:
стр. 15
١- يقول (ص ١٠٧) إن "الصابئون" في قوله تعالى في الآية ٦٩ من سورة "المائدة" ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ كان يجب أن تُنْصَب لأنها معطوفة على ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الواقعة اسماً لـ "إنّ". وقد كان كلامه يكون صحيحاً لو أنها معطوفة فعلاً على ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ولم يكن إعراب آخر يهدف إلى نكتة بلاغية لا تتوفر في الإعراب الذي وَهِمَه. وهذا الإعراب الآخر قد أومأت إليه إيماءً بالطريقة التي استعملتُ بها علامات الترقيم في الآية، حيث وضعتُ عبارة "والذين هادوا.... وعمل صالحاً" بين فاصلتين بما يدل على أنها عبارة اعتراضية، ويكون تقدير الكلام هكذا: "ن الذين آمنوا لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وكذلك الذين هادوا والصابئون والنصارى من آمن منهم بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً". أي أن ﴿الَّذِينَ هَادُوا﴾ مبتدأ خبره كلمة "كذلك"، فهو إذن مرفوع وكذلك المعطوفان عليه: ﴿الصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى﴾ . وقد حُذفت كلمة "كذلك"، وانتقلت جملة المبتدأ والخبر لتحتل المكان الذي يفصل بين اسم "إنّ" وخبرها. أما النكتة البلاغية في الآية فهي الإشارة إلى
стр. 16
أن اليهود والصابئين والنصارى هم أيضاً ممن يستطيعون النجاة يوم القيامة إذا دخلوا فيما دخل فيه المسلمون من الإيمان بالله واليوم الآخر وعملوا الصالحات، بمعنى أن الجنة في الإسلام ليست مقصورة على العرب وحدهم بل هي مفتحة الأبواب حتى لليهود والصابئين والنصارى وأمثالهم. أي أن الإسلام ليس كاليهودية مثلاً المقصورة على بني إسرائيل فلا يمكن أن يشاركهم غيرهم في الهداية والنجاة لأن ربّ الكون إلهَّ خاصّ بهم، والنجاة نجاتهم وحدهم ... وهكذا، فهذا ما أراده القرآن بصياغة الآية على ذلك النحو الموجز البليغ الذي لا يستطيع الجهلاء أن يدركوا مراميه لأن القرآن لم ينزل على أمة من الجهلاء المتحذلقين من أمثال هذا الأحمق بل نزل بالأسلوب الذي يفهمه العرب، ومن ثم لم يجدوا في هذا الإعراب ما يمكن أن يؤخذ عليه، وإلا لملأوا الدنيا صراخاً واعتراضاً، وهم الذين اتهموا الرسول، كما ذكرنا، بكل نقيصة مما هو بعيد عنه بعد السماء عن الأرض، إلا أنهم لم يحوَّموا حول اتهام لغته بالخطأ، وهناك من يوجّهون "الصابئون" على أنها منصوبة رغم ذلك، ولكن على لغة قبيلة بلحارث بن كعب، الذين يعربون جمع
стр. 17
المذكر السالم بالواو في كل الأحوال رفعاً ونصباً وجراً مثلما يعربون المثنى بالألف دائماً في هذه الحالات الثلاث جميعاً، كما أن هناك توجيهات أخرى لا نقف عندها.
ومن الشواهد على الإعراب الذي اخترناه بيت ضابئٍ البُرْجُمي المشهور الذي يتحدث فيه عن غربته بالمدنية هو وقيًارٍ فَرَسِه:
فمن يَكُ أًمْسَى بالمدينة رَحْلُهُ ... فإني، وقياَّر، بها لَغَريبُ
وكذلك بيت بشر بن أبي حازم:
وإلا فاعملوا أنّا، وأنتم، ... بُغَاَّة ما بِقينا في شِقاق
حيث أتى بضمير الرفع "أنتم" بعد الواو، التي لو كانت واو عطف كما وهم الأحمق الجهول لقال: "فاعملوا أنّا وإياكم ... "، بل "أنتم" مبتدأ، وخبره محذوف، وجملة المبتدأ والخبر جملة اعتراضية. ومما يجري من الشعر أيضاً على هذه الصورة البيت التالي، وهو نم إنشاد ثعلب:
خليلَّي، هل طِبَّ؟ فإني، وأنتما، ... وإن لم تبوحا بالهوى، دِنَفان
وقول رؤية:
ياليتني، وأنت، يا لميسُ ... في بلدة ليس بها أنيسُ
стр. 18
وكذلك هذا البيت:
فمن يَكُ لم يُنْجِب أبوه وأمه ... فإن لنا الأمَّ النجيبةَ والأبُ
وهذا البيت أيضاً:
وما قصَّرتْ بي التسامي خؤولَّة ... ولكنّ عمىَّ الطيبُ الأصل والحالُ
* * *
٢- ويقول الكاتب النزق (ص ١٠٧) إن في نصب "الظالمين" في قوله تعالى في الآية الرابعة والعشرين بعد المائة من سورة "البقرة": "قال (أي الله لإبراهيم) : لا ينال عهدي الظالمين" خطأ لأنها فاعل، فكان يجب أن يقال: "لا ينال عهدي الظالمون". وقد قال علماؤنا القدامى في تفسيرهم لهذه الآية إن هناك قراءتين: إحداهما هي هذه التي بين أيدينا، والأخرى بالرفع، ووجّهوا ذلك قائلين إن المعنيين متقاربان لأن كل ما نِلْتَه فقد نالك. وقد لاحظتُ أن بعض الآيات التي وَرَد فيها هذا الفعل قد وردت على نحو آيتنا هذه، وبعضها الآخر بالعكس. ومن الأخيرة قوله تعالى: ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ ، وقوله: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا
стр. 19
تُحِبُّونَ﴾ ، ومن الأولى قوله: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ . وقد يصح أن نذكر هنا أيضاً قوله تعالى على لسان زكريا في حديثه عن تقدمه في السن في الآية ٤٠ من "آل عمران" والآية ٨ من "مريم" على الترتيب: ﴿وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾ ، ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾ حيث أتى الضمير العائد على زكريا ﵇ في الأولى مفعولاً به و"الكبر" فاعلاً، وفي الثانية فاعلاً، و"الكِبَر" متعلقاً بالمفعول به. وفي كل من التركيبين نكتة خاصة، إذ توحي الأولى بأنه قد قطع الشوط الأكبر من مسيرة الحياة، على حين تومئ الثانية بأن الكبر يطارده ويسعى إلى اللحاق به، بينما يحاول هو فَوْتَه، لكن الكبر يدركه في نهاية المطاف.
وعودةً إلى آيتنا نقول إن "العهد" المذكور في الآية قد تمً بين الله سبحانه وإبراهيم ﵇ وانتهى الأمر، فلم يعد ثمة مجال للقول بأن ذرية إبراهيم يمكن أن تدركه أو لا تدركه، لكن من الممكن القول مع ذلك بأنه يصدق على بعضهم ولا يصدق على بعضهم الآخر حسب استحقاقهم ذلك أو عدمه. أي أن معنى الآية:
стр. 20
"لا يَصْدُق عهدي على الظالمين من ذريتك". وهذا هو الوجه الذي أختاره، وإن كنت لا أقلّل من شأن ما قاله علماؤنا ﵏.
وبهذا التركيب وردت الآيات التالية: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ ، ﴿أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾ ، ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ . وبه أيضاً وردت الجملتان التاليتان في الكتاب المقدس عند اليهود والنصارى: "لذلك نالتنا هذه الشدة"، "لم يَنَلْكم من قِبَلنا خسرانٌ في شيء".
وقد رجعتُ، رغم ذلك كله، إلى عدد من المعاجم التي ألفها نصارى لأرى ماذا تقول عن هذا الفعل، فوجدتُ "البستان" و"الوافي" لعبد الله البستاني، و"المنجد" المشهور، و"الرائد" لجبران مسعود تقول جميعاً في مادة "ن ى ل": "نالني من فلان معروف"، أي وصل إلىَّ منه معروف. وفي "مَدَّ القاموس" لإدوارد وليم لين (Edward William Lane) في المادة ذاتها أن من معاني
стр. 21
الفعل "نال": "It reached him, came to him"، بمعنى "وصل إليه"، أي أن هذا الفعل يقع كذلك من الشيء على الشخص كما تفيد العبارة الإنجليزية بكل جلاء. وأحسب بعد ذلك كله أنه ينبغي على الجهلة أن يخرسوا ولا يفتحوا فمهم بكلمة!
* * *
كذلك يخطَّئ الدعيُّ قوله تعالى في الآية ٥٦ من سورة "الأعراف": ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ، حيث ورد خبر "إنّ" مذكّرا على حين أن اسمها مؤنث، "وكان يجب (حسبما يقول) أن يتبع خبرُ "إنّ" اسمها في التأنيث فيقول: "قريبة" (ص ١٠٧) . وهو كلام يبعث على القهقهة، إذ يشبه تصدّي طفل في الروضة لسيبويه يبغي تخطئته. إن مثل هذا الأحمق لا يعرف أن الأسلوب العربي الأصيل كثيراً ما يُبْقِى على صيغة التذكير في الصفات التي على وزن "فِعيل" إذا كانت بمعنى "مفعول" مثل "لحيةٌ دهين" و"كفَّ خضيب" و"امرأّة جريح" و"ناقةَّ طَعين"، أو إذا كانت بمعنى "ذات كذا" على تأويل "إن رحمة الله ذات قُرْب من المحسنين"، أو للتميز بين قرابة النَّسَب وبُعْده" وبين قرابة المسافات وبُعْدها. وثمة اعتبارات أخرى تُطْلَب في مظانها من
стр. 22
الكتب الموسَّعة نضرب عنها صفحاً لأننا لا نبغي التكثَّر، بل كل همنا أن نوضح لخالي الذهن ممن قد يقع فريسة لهذه التشويشات الطفولية أن الأمر أعمق مما يَبْغَم به هذا الصغير. ومن ذلك أيضاً الآية ١٧ من "الشورى": ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ ، الآية ٨٣ كم "هود": ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ ، والآية ٣١ من "ق": ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ ، والآية ٧٨ من "يس": ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ ، والآية ٢٩ من "الذاريات": ﴿عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ ، والآية ٤١ من نفس السورة: ﴿أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ ، والآية ٨ من "الإسراء": ﴿وَجَعَلْنَا
стр. 23
جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ . أترى القرآن قد أخطأ في ذلك كله وسكت عنه المشركون فلم يستغلوا هذه الأخطاء التي كان من شأنها أن تضربه في الصميم، إلى أن جاء هذا الصغير الهجّام فاكتشفها؟
ومن شواهد ذلك الاستعمال في الشعر العربي القديم قول امرئ القيس:
له الويل إن أًمْسَى ولا أم هاشم ... قريبَّ ولا البسباسة ابنة يَشْكُرا
وقول عبيد بن الأبرص:
فَنفَّضت ريشها وانتفضت ... وهي من نهضةٍ قريبُ
وهذا البيت الذي ورد بالصيغتين التاليتين:
عشيًةَ لا عفراءُ منك قريبةً ... فتدنو ولا عفراء منك بعيدُ
* * *
لياليَ لا عفراء منك بعيدةً ... فَتًسْلَى ولا عفراء منك قريبُ
وقول تأبط شراً يصف الغول: "فخرَّتْ صريعاً لليدين وللجِرانِ" وقول عبيد بن الأبرص أيضاً: "قليلاً بها الأصوات إلا عوازفا". ومما جاء في شعر الأعشى من استعمال صيغة "فعيل" للمؤنث: "الخَمْر العتيق" و "آلتْ (أي الناقة) طليحا" و" (ناقةً) مِقْلاتً دهين". وفي شعر المثقب العبدي نقرأ في وصف الناقة: "ماهرةً
стр. 24
دهين" (والدهين: القليلة اللبن) ... إلخ.
وفي "مدَّ القاموس" لوليم إدوارد لين و"محيط المحيط" لبطرس البستاني و"البستان" لعبد الله البستاني و"لاروس" (العربي) ، وكلها (كما ترى) معاجم ألفها نصارى، أن الصفة "قريب" إذا كانت للقرب المكاني أو الزماني تُسْتَعْمَل بصيغة واحدة للمذكر والمؤنث والمثنى والمفرد والجمع. ومن ذلك قول السَّمَوْأل اليهودي:
تعيَرنا أنّا قليلً عديدنا ... فقلتُ لها: إن الكرام قليلُ
بل إن من اللغويين نم يخطئ إلحاق تاء التأنيث في قولنا مثلاً: "فلانة جريح".
* * *
٤- ومن جرأة هذا العَيِىّ تخطئته قوله عز شأنه عن بني إسرائيل في الآية ١٦٠ من سورة "الأعراف": ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا﴾ ، إذ "كان يجب (في وهمه) أن يذكّر العدد ويأتي بمفرد المعدود فيقول: اثني عشر سبطا" (ص ١٠٧) ، مع أنه لا وجه
стр. 25
لوجوب هذا التركيب، بل التركيبان كلاهما جائزان، لكن الجاهل يحسب أنه لا يصح إلا ما يعرفه فقط رغم أن ما يعرفه لا يعدو أن يكون فُتاتةً من الفتات. وتوجيه الكلام في الآية هو على النحو التالي: "وقطعناهم اثنتي عشرة (قطعة، وجعلنا هذه القطع) أسبتطاً أمما". فـ "أسباطاً أمما" بدل من "اثنتي عشرة" وليست تمييزاً لها. ويتضح ما نقول إذا عكسنا التركيب فقلنا: "وقطعناهم أسباطاً أمما اثنتي عشرة". ومثلها في القرآن الكريم أيضاً في الآية ٢٥ من "الكهف": ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ بدلاً من "ثلَثمائةِ سنةٍ" في التركيب المعتاد، وكلاهما صحيح. والمعنى: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ﴾ .
وقريب من ذلك قول كاتب سفر "العدد" من كتابهم المقدس في الفقرة ١٣ من الفصل التاسع والعشرين: "أربعة عشر حَمَلاً حَوْلياً صحاح" بجمع "صحاح" على أساس أنها تابعة لـ "أربعة عشر" لا لـ "حَمَلاً حَوْلياً"، وإلا لقال: "أربعة عشر حَمَلاً حوليا صحيحاًَ" مثلما فعل في سائر المواضع الأخرى من نفس الفصل. ومذله ما جاء في الفقرة ١٧ من الفصل الثالث عشر من سفر "أخبار الأيام الثاني" من أنه قد "سقط قتلى من بني إسرائيل خمسمائة ألف رجل منتخَبون" بدلاً من "خمسمائة ألف رجل منتخب" بالإفراد
стр. 26
والجرّ لا بصيغة جمع المذكر السالم المرفوع. ومذل الآية القرآنية بالضبط ما جاء قبل ذلك في الفقرة الثالثة من نفس الفصل من أن يربعام قد صافَّ أَبِيَّا "بثمانمائةِ ألفٍ منتخَبين من جبابرة البأس" وما جاء في الفقرة ١٧ من الفصل الحادي عشر من السفر نفسه من إنه كان مع ألياداع "مائتا ألفٍ مسلّحون بالقسىّ والتروس"، ومع يوزاباد "مائة وثمانون ألفا متجردون للحرب" ... إلخ.
* * *
٥- ومن سخافاته الطفولية أيضاً توهمه أن من الواجب تغيير قوله تعالى في الآية ١٩ من سورة "الحج": ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ ليصبح "هذان خصمان اختصما في ربهم" (ص ١٠٧) . وهو في هذا يشبه صبياً صغيراً يمسك بمسطرة صغيرة في يده يريد أن يقيس بها جبل الهيملايا. ألا فليعلم وليتعلم هو ومن صدًروه لتخطئة القرآن وطبعوا له كتابه وأطلقوه لينبح الإسلام أن كلماتٍ مثل "خَصْم" و"طائفة" و"حِزْب" و"فريق"، وإن اتخذت صيغة الإفراد، تدل على جماعة من الناس. وقد وردت الضمائر العائدة على هذه الكلمات في القرآن بصيغة جمع المذكر بناءً على هذا الاعتبار. قال تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا
стр. 27
الْمِحْرَابَ﴾ (ص/ ٢١) ، ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾ (آل عمران/ ٦٩) ، ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ (آل عمران/ ١٥٤) ، ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ (النساء/ ١٠٢) ، ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ (التوبة/ ١٢٢) ، ﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ (المائدة/ ٥٦) ، ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ (الروم/ ٣٢) ، ﴿أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (المجادلة/ ٢٢) ، ﴿إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ (فاطر/ ٦) ، ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (البقرة/ ٧٥) ، ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (البقرة/ ١٠١) ، ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾ (الأحزاب/ ١٣) ، ﴿إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ (آل عمران/ ١٠٠) .
هذه واحدة، والثانية أنه إذا ثُنَّىَ "الخصم" أو"الطائفة" أو
стр. 28
"الفريق: في القرآن. فإنه يستعمل لها ضمير جمع الذكور إذا كانت العلاقة بين الخصمين أو الطائفتين أو الفريقين علاقة خلاف مثل: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ (الحج/ ١٩) ، "إذا دخلوا على داود ففزع منهم قالوا: لا تخف، خصمان بَغَى بعضنا على بعض" (ص/ ٢٢) ، ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ (الحجرات/ ٩) ، ﴿فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ (النمل/ ٤٥) . ويبدو لي أن الحكمة من وراء ذلك هي الإيماء ما تستتبعه الخصومة من اشتباك وتداخل بحيث يموج بعضهم في بعض ولا يعودان منفصلَيْن أو متمايزين. وهذا كله مما لا يقدر أمثال هذا الجاهل أن يدركوه من تلقاء أنفسهم. ولعله بعد يد المساعدة التي مُدَّت له يكون قد استوعب الدرس، وإن كنت أشك كثراً في ذلك لما يبدو من بلادة ذهنه سواد قلبه تجاه وسيًده رسول الله ﷺ .
* * *
٦- أما الغلطة السادسة التي لا وجود لها إلا في ذهن ذلك المأفون المسكون بالأوهام والضلالات فهي زعمه أنه كان يجب أن يقال: "وخُضْتُم كالذين خاضوا " بدل قوله تعالى في الآية ٦٩ من
стр. 29
سورة "التوبة": ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ (ص ١٠٧) ، أي أن المشبه به، في نطره الكليل، هو جماعة أخرى من الخائضين. وقبل أن أفنَّد هذا التنطع الغشوم أحكي القصة التالية: فقد حضرت، وأنا في أكسفورد في أواخر السبعينات، محاضرة لشاب متحذلق من المستشرقين كان هجاماً طويل اللسان مع طلابه، فسمعته يقول أثناء المحاضرة إن في القرآن شذوذات لغوية، فانتظرتُ حتى انتهى الدرس وخرج فخرجت معه أساله أن يضرب لي أمثلة على هذا الذي يدّعيه، فأشار إلى هذه الآية قائلاً: تجد الإشارة إليها في تفسير الطبري، ولم أكذّب خبراً ونزلت في الحال إلى مكتبة المعهد وقلّبت تفسير الطبري فلم أجده ذكّر شيئاً من ذلك، فقلت: أنظر في تفسير النيسابوري الذي على هامشه، فوجدته، بعد أن شرح الآية على أساس أن معناها: "وخضتم (أيها المنافقون) كالخوض الذي خاضه أمثالكم في الأزمنة السابقة"، قد أضاف هذه العبارة: "وقيل: أصله "كالذين" فحذف النون". فاستغربتُ من تدليس المستشرق الصغير الذي أكد لي بقوة أن الطبري هو قائل ذلك، بل لقد أَوْهَم كلامه أن هذا هو التفسير الوحيد الذي قال به ذلك العلاّمة الجليل. وكل ذلك غير صحيح كما قلت، بل قائله هو النيسابوري، الذي أرجأه إلى ما بعد الفراغ من التفسير الذي ذكرتُه، وأورده بصيغة التمريض:
стр. 30
"قِيلَ"، التي تدل على أنه غير مقتنع به. والشاهد في هذه القصة أن صويحبنا إنما يردد ما يلقنونه إياه دون فهم كالببغاء!
ولْنورد الآية من بدايتها حتى تنجلي الحقيقة لمن لهم أعين يبصرون بها، وآذان يسمعون بها، وقلوب يفقهون بها، أما الذين ختم الله على قلوبهم، وجعل في آذانهم وقراً، وعلى عيونهم غشاوة، فهؤلاء ميؤوس من حالهم. تقول الآية، وقد وردت في سياق تعنيف المنافقين وفضح مؤامراتهم وألاعيبهم الصبيانية وخوضهم العابث في سمعة النبي ﵇ وفي آيات القرآن: ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ . وواضح تماماً أن الآية تقول إن المنافقين قد استمتعوا بنصيبهم كاستمتاع مَنْ قبلهم بنصيبهم، فما الذي يقتضي المنطق أن نفسّر به الجملة التالية بعد ذلك في الآية؟ أليس من الطبيعي أن نقول: "وخضتم كالخوض الذي خاضوه" حتى ينسجم الكلام بعضه مع بعض ويكون المشبَّه به في الجملتين هو استطاع مَنْ قبلهم وخَوْضهم؟ لو قلنا: "استمتعتم كاستمتاعهم، وخضتم كالذين خاضوا، لذهب الانسجام من الآية
стр. 31
على الفور وأصبحت قلقه. ثم ما معنى "وخضتم كالذين خاضوا"؟ وإذا كان المقصود هم الذين قبلهم، فلماذا لم تستعمل الآية الكريمة الضمير بدلاً من الاسم الموصول فتقول: "وخضتم مثلهم" بغض النظر عن غموض المعنى؟ ولنفترض أننا ضربنا صفحاً عن ذلك كله وقلنا إن المقصود فعلاً هو "وخضتم كالذين خاضوا"، فهل يكون ذلك خطأ لغوياً؟ كلاً. ذلك أن المفسّر الذي شرحها هذا الشرح قد أقام كلامه على أساس أن من العرب القدماء من كان يستعمل "الذي بمعنى "الذين". ليست المسألة إذن مسألة خطأ بل مسألة فصاحة وعدمها، وهذا هو الذي دفعني إلى سوق الأسباب المنطقية والبلاغية التي تجعلني أرفض ذلك التفسير، وهذا كل ما هنالك.
* * *
стр. 32
٧- ونبلغ الاعتراض السابع، وفيه يقول عبدنا الفاضي (الذي يمتلئ كتابه الحقير بالأخطاء النحوية الأولية ثم يأنس في نفسه الوقاحِ الجرأةَ على التهجم على لغة القرآن الكريم رعونةً منه وطيشاً) إن في قوله تعالى في الآية ١٠ من سورة "المنافقون": ﴿وانفقوا وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ خطأ نحوياً، إذ كان المفروض (حسبما يقول) أن يُنْصَب فعل الكينونة عطفاً على "أصَّدَق" (ص ١٠٨) . وأنا على يقين أنه لا يعرف لم نُصِب هذا الفعل الأخير. إنما هو كلام وُضِع على لسانه فردَده كالببغاء دون أن يعي معنّى أو يدرك مغزى. أجل، أنا موقن تمام الإيقان أنه لا يفهم أن سبب نصب هذا الفعل هو مجيئه بعد "فاء السببية"، لكن فلْنَطْوِ هذه ولنسارع إلى القول بأنه مدام القرآن قد استعمل لفظاً أو تركيباً أو إعراباً ما فهو صواب لا يأتيه الغلط من بين يديه ولا من خلفه حتى لو قلنا إن الرسول ﵇ هو مؤلفه، فهو عربي تؤخذ عنه اللغة ولا يراجّع في شيء منها، فضلاً عن أن أحداً من المشركين أو المنافقين أو نصارى العرب ويهودهم لم يعترض على شيء من لغة القرآن رغم حرصهم على التشكيك فيه بكل وسيلة.
وعلى أية حال فإن في جَزْم فعل الكينونة في الآية الكريمة مغزى
стр. 33
دقيقاً، وهو أن قائل هذا الكلام، رغم تمنّيه تأجيل موته قليلاً، يعلم أن الاستجابة لأمنيته أمر مستبعد، كيف ذلك؟ المعروف أن "إنْ" الشرطية تدل على استبعاد وقوع الشرط أو استحالته، ومعنى الكلام على أساس جزم "أكُنْ" هو: "لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصَّدَّق، وإن حدث هذا أكن من الصالحين". أي أنه يعرف أن تأخير موته إلى أجل قريب هو من الاستحالة بمكان. ألم يقل القرآن: ﴿إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ ؟ ألم يكن جواب الله على من سأله الخروج من النار والرجوع إلى الدنيا لعله يعمل صالحاً ينجيه مما هو فيه من عذاب النار: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ؟ ألم يعقّب القرآن على من نطقوا بكلمة الإيمان في سَقَر قائلاً: "أنَّى لهم التناوش (أي كيف يمكنهم أن يفوزوا بالإيمان) من مكان بعيد (أي بعد أن انقضت الدنيا ولم يعد من سبيل إلى تدارك ما فات) ؟ "؟ وعلى عادة القرآن الكريم نراه قد أدّى هذا المعنى بغاية الإيجاز، إذ لم يفعل أكثر من تسكين نون "أكون" بدلاً من فتحها. وهذه هي
стр. 34
الفحولة القرآنية المعروفة، أما الصغار التافهون فأنَّي لهم أن يفهموا ذاك؟
هذا، وللقدماء توجيه آخر يختلف بعض الشيء عن توجيهي، إذ يقولون إن "أكُنْ" قد جُزِمَتْ عطفاً على موضع "فأصَّدَّقَ" على أساس أن تقدير الكلام هو: "إن تؤخرني أصَّدَّقْ". وهو توجيه مشكور ومقدور، لكن ما قلتُه يذهب إلى الهدف مباشرة دون التعريج هنا أو ههنا، علاوة على أني شفعته بالمغزى الذي أحسب أن الآية قد أرادت الإيماء إليه ولم أسَّقْه مجرداً كما فعل أجدادنا، ﵃ وأثابهم على جهودهم وسبْقهم. وتتمةً لهذا المبحث نقول لمن يريد أن يتعلم ويفهم إن طريق الإعراب، وبخاصة قبل جمع اللغة وتدوينها، أوسع كثيراً مما يُظَنّ: فمثلاً في قولنا: "لا تأكل السمك وتشرب اللبن" نجد أن الفعل "تشرب" يجوز فيه الرفع والنصب والجزم، وفي قولنا: "لا حول ور قوة إلا بالله" يجوز في إعراب اسم "لا" والمعطوف عليه عدد من الصُّور تزيد على عدد أصابع اليد، وفي قولنا: "ما كلُّ ما يلمع ذهباً" يجوز رفع الخبر ونصبه ... وهكذا، إلا أن المحدودي الأفق يتفلحسون فيوقعون أنفسهم
стр. 35
في المعاطب! وبالمناسبة فثَمً قراءة أخرى بنصب "أكون"، وكلتا القراءتين عربية بليغة، وكل ما في الأمر أن لكل منهما مغزى غير الذي للأخرى.
* * *
٨- أما الاعتراض الثامن فهو قول الآخرِ إن الضمير في كلمة "بِنُورهم" من قوله تعالى عن المنافقين في الآية ١٧ من سورة "البقرة": ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ كان يجب أن يكون مفرداً فيقال: " ... كمثل الذي استوقد ناراً، فملا أضاءت ما حوله ذهب الله بنوره" (ص ١٠٨) ؟ والحق الذي كرّرناه مراراً هو أن القرآن متى قال شيئاً فهو صواب مليوناً في المائة، إذ كلامه هو القاعدة التي يقاس عليها ولا يصح أن يحاكمه أحد إلى غيره، وإلا قلبنا الأمور بذلك رأساً على عقب. إن معنى الآية هو: "مَثَلُهم (أي مثل المنافقين مع رسول الله) كَمَثَل الذي استوقد ناراً (لرفاقه) ، فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم (أي بنور أولئك الرفاق) ". والسبب في أخذي بهذا التفسير هو أن المنافقين لم يحدث أن استوقدوا ناراً ليَرَوْا على ضوئها الحق والهدى، إذ ليست هذه شيمة المنافقين، بل الذي استوقدها
стр. 36
هو الرسول ﵇، فقد أتى بنور القرآن هدايةً للبشر، لكن المنافقين غطَّوْا أعينهم وأغلقوا قلوبهم في وجه دعوته وهدايته، وهو ما عبًر عنه القرآن بأن الله قد ذهب عندئذ بنورهم، أي بمقدرتهم على الرؤية والاستجابة لداعي الخير.
وتركيب هذه الآية بما فيه من ألفاظ محذوفة يشبه قوله في الآية ١٧١ من نفس السورة: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ ، أي "مثل الذين كفروا (مع رسول الله) كمثل (الراعي) الذي ينعق بما لا يسمع (من البهائم) إلا دعاء ونداء"، إذ إن ما يقول الراعي حينما ينعق بها لا يعدو، بالنسبة إليها، أن يكون مجرد أصوات يدعوها بها لا أكثر، أما معناه على وجه التعيين فشيء يفوت إدراكها تمام الفوت. ومثله كذلك قوله تعالى في الآية ٢٦١ من ذات السورة: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ . ذلك أن المنفقين لا يشبهون الحبَّة، بل الذي يشبهها هو ما ينفقونه من مال. وتقدير الكلام هو: "مثل الذين
стр. 37
ينفقون أموالهم في سبيل الله (مع ما ينفقونه) كمثل (الزارع مع ما يبذره من) حبة أنبتت سبع سنابل ... ". وهذا من أساليب القرآن الموجزة المحكمة التي تعتمد على يقظة السامع أو القارئ واكتفائه بالقليل عن تطويل الكلام حيث لا تكون هناك نكتة بلاغية في تطويله.
* * *
٩- ومن الإيجاز القرآني البليغ نَصْبُ ﴿الْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ﴾ في قوله ﷻ في الآية ١٦٢ من سورة "النساء": ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ ، بهدف تخصيصهم بالذكر على سبيل المدح لبيان أهمية الصلاة في الدين، إذ هي الرباط الذي يصل المؤمن بربه ويجعله دائماً على ذكر منه. وليس المقصود مجرد "المصلّين" بل ﴿الْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ﴾ ، أي الذين يؤدونها على وجهها، وتظهر في قلوبهم وأعمالهم ثمرتها، فهؤلاء هم الجديرون بالمدح لا الذين يأتون
стр. 38
الصلاة وهم كسالى مراءاةً للناي أو لمجرد التخلص من عبثها. والمعنى على ذلك هو: "الراسخون في العلم منهم والمؤمنون ... ، وخاصةً المقيمين الصلاة، والمؤتون الزكاة ... " أو ما أشبه. وهذا من وظائف الإعراب في الأسلوب العربي الأصيل، إذ بإبدال حركة بحركة أو حرف بحرف يستغنى المتكلم عن لفظةٍ أو جملة بأكملها. ومن ذلك قول خرنق بنت هفّاف:
لا يَبْعَدَنْ قومي الذين همو ... سُمً العُداة وآفة الجُزْرِ
النازلين بكل معتركِ ... والطيبون معاقدَ الأُزْرِ
وهذان البيتان أيضاً:
إلى الملك القَرْم وابن الهما ... م وليث الكتيبة في المزدَحَمْ
وذا الرأي حين تغم الأمو ... ر بذات الصليل وذات اللحم
وكذلك قول ابن الخياط:
وكلً قوم أطاعوا أمر سيدهم ... إلى نُمَيْراً أطاعت أمر عاديها
الظاعنين ولما يُظْعِنوا أحداً ... والقائلون: لمن داَّر نخلَّيها؟
بيد أن جاهلنا الذي لا يفقه شيئاً في العربية يتطاول على الآية الكريمة قائلاً: "كان يجب أن يُرْفَع المعطوف على المرفوع فيقول:
стр. 39
"والمقيمون الصلاة" (ص ١٠٨) . ترى ماذا هو قائل إذا ذكرنا له أن كلمة "الكريم" في قولنا مثلاً: "ذهبتُ مع محمدٍ الكريم" يجوز فيها، إلى جانب الخفض، الرفعُ على تقدير "ذهبت مع محمدٍ، الذي هو الكريم"، وكذلك النصب على تقدير "ذهبت مع محمدٍ، أعني الكريمَ لا غيره"، أو إذا قلنا له إن كلمة "خَرِب" في العبارة المشهورة: "هذا جُحْر ضَبَّ خَرِب" يحوز رفعها نعتاً لـ "حُجْر"، وهو الأصل، كما يجوز خفضها لمجاورتها كلمة "ضَبّ" المجرورة، أو إذا قلنا له إنه يجوز في الجملة التالية: "ولم يكن لهم من رأس مال غير جِدّهم واعتمادهم على أنفسهم" رفع كلمة "غير" ونصبها وجرّها؟ صحيح أننا الآن نميل إلى إجراء إعراب واحد في كثير من هذه الحالات، لكن الأسلوب القديم الأصيل يتمتع بمرونة تفتقدها أساليبنا الحديثة التي تُراعَى فيها القواعد العامة عادة. أياً ما يكن الأمر فلا ينبغي للجهلة أن يستطيلوا بجهلهم على القرآن الكريم.
* * *
١٠- أما ما أقدم عليه هذا الطائش من تخطئة قوله تعالى في الآية العاشرة من سورة "هود": ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي﴾ فهو فضيحة الدهر، إذ معناه إنه
стр. 40
لا يُلِمّ حتى بالقواعد الأولية التي يعرفها تلميذ المرحلة الابتدائية.
قال، فضّ الله فاه: "كان يجب أن يجرّ المضاف إليه فيقول: بعد ضرّاءِ مسَّتْه" (ص ١٠٨) . والحمد لله أنْ عرف هذا المنكوس أن "ضَرّاء" مضاف إليه، أما ظنّه بأن جرّها يستلزم وضع كسرة (واحدة) تحت آخر حروفها فممّا يُضْحِك الَمكْروب، إذ معناه أولاً إنه لم يسمع بأن الممنوع من الصرف لا يُجَرّ بالكسر بل الفتح (بفتحة واحدة) . هذه واحدة، والثانية أن الكلمات التي تُجَرّ بالكسر لابد أن توضع تحت آخر حروفها كسرتان لا كسرة واحدة، لأن الكسرة الواحدة هي علامة بناء لا إعراب.
* * *
١١- وفي قوله تعالى في الآية ٨٠ من سورة "البقرة" حكايةً لمزاعم اليهود وأمانيهم الباطلة من أنهم ، لكونهم أبناء الله وأحباءه، لن تمسهم النار بسبب ذنوبهم ﴿إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ يقول العبد الفاضي: "كان يجب أن يجمعها (أي يجمع كلمة "معدودة") جمع قلى حيث إنهم أرادوا القلة فيقول: أياماً معدودات" (ص ١٠٨) . والسؤال هو: وهل عرف هذا الجهول على وجه اليقين عدد الأيام التي سيمكثها اليهود حسب اعتقادهم في النار قبل أن
следующие страницы →