← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 1415

عصمة القرآن الكريم وجهالات المبشرين

إبراهيم عوض

Полный текст (161 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

هو الرسول ﵇، فقد أتى بنور القرآن هدايةً للبشر، لكن المنافقين غطَّوْا أعينهم وأغلقوا قلوبهم في وجه دعوته وهدايته، وهو ما عبًر عنه القرآن بأن الله قد ذهب عندئذ بنورهم، أي بمقدرتهم على الرؤية والاستجابة لداعي الخير. وتركيب هذه الآية بما فيه من ألفاظ محذوفة يشبه قوله في الآية ١٧١ من نفس السورة: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ ، أي "مثل الذين كفروا (مع رسول الله) كمثل (الراعي) الذي ينعق بما لا يسمع (من البهائم) إلا دعاء ونداء"، إذ إن ما يقول الراعي حينما ينعق بها لا يعدو، بالنسبة إليها، أن يكون مجرد أصوات يدعوها بها لا أكثر، أما معناه على وجه التعيين فشيء يفوت إدراكها تمام الفوت. ومثله كذلك قوله تعالى في الآية ٢٦١ من ذات السورة: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ . ذلك أن المنفقين لا يشبهون الحبَّة، بل الذي يشبهها هو ما ينفقونه من مال. وتقدير الكلام هو: "مثل الذين

стр. 37

ينفقون أموالهم في سبيل الله (مع ما ينفقونه) كمثل (الزارع مع ما يبذره من) حبة أنبتت سبع سنابل ... ". وهذا من أساليب القرآن الموجزة المحكمة التي تعتمد على يقظة السامع أو القارئ واكتفائه بالقليل عن تطويل الكلام حيث لا تكون هناك نكتة بلاغية في تطويله. * * * ٩- ومن الإيجاز القرآني البليغ نَصْبُ ﴿الْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ﴾ في قوله ﷻ في الآية ١٦٢ من سورة "النساء": ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ ، بهدف تخصيصهم بالذكر على سبيل المدح لبيان أهمية الصلاة في الدين، إذ هي الرباط الذي يصل المؤمن بربه ويجعله دائماً على ذكر منه. وليس المقصود مجرد "المصلّين" بل ﴿الْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ﴾ ، أي الذين يؤدونها على وجهها، وتظهر في قلوبهم وأعمالهم ثمرتها، فهؤلاء هم الجديرون بالمدح لا الذين يأتون

стр. 38

الصلاة وهم كسالى مراءاةً للناي أو لمجرد التخلص من عبثها. والمعنى على ذلك هو: "الراسخون في العلم منهم والمؤمنون ... ، وخاصةً المقيمين الصلاة، والمؤتون الزكاة ... " أو ما أشبه. وهذا من وظائف الإعراب في الأسلوب العربي الأصيل، إذ بإبدال حركة بحركة أو حرف بحرف يستغنى المتكلم عن لفظةٍ أو جملة بأكملها. ومن ذلك قول خرنق بنت هفّاف: لا يَبْعَدَنْ قومي الذين همو ... سُمً العُداة وآفة الجُزْرِ النازلين بكل معتركِ ... والطيبون معاقدَ الأُزْرِ وهذان البيتان أيضاً: إلى الملك القَرْم وابن الهما ... م وليث الكتيبة في المزدَحَمْ وذا الرأي حين تغم الأمو ... ر بذات الصليل وذات اللحم وكذلك قول ابن الخياط: وكلً قوم أطاعوا أمر سيدهم ... إلى نُمَيْراً أطاعت أمر عاديها الظاعنين ولما يُظْعِنوا أحداً ... والقائلون: لمن داَّر نخلَّيها؟ بيد أن جاهلنا الذي لا يفقه شيئاً في العربية يتطاول على الآية الكريمة قائلاً: "كان يجب أن يُرْفَع المعطوف على المرفوع فيقول:

стр. 39

"والمقيمون الصلاة" (ص ١٠٨) . ترى ماذا هو قائل إذا ذكرنا له أن كلمة "الكريم" في قولنا مثلاً: "ذهبتُ مع محمدٍ الكريم" يجوز فيها، إلى جانب الخفض، الرفعُ على تقدير "ذهبت مع محمدٍ، الذي هو الكريم"، وكذلك النصب على تقدير "ذهبت مع محمدٍ، أعني الكريمَ لا غيره"، أو إذا قلنا له إن كلمة "خَرِب" في العبارة المشهورة: "هذا جُحْر ضَبَّ خَرِب" يحوز رفعها نعتاً لـ "حُجْر"، وهو الأصل، كما يجوز خفضها لمجاورتها كلمة "ضَبّ" المجرورة، أو إذا قلنا له إنه يجوز في الجملة التالية: "ولم يكن لهم من رأس مال غير جِدّهم واعتمادهم على أنفسهم" رفع كلمة "غير" ونصبها وجرّها؟ صحيح أننا الآن نميل إلى إجراء إعراب واحد في كثير من هذه الحالات، لكن الأسلوب القديم الأصيل يتمتع بمرونة تفتقدها أساليبنا الحديثة التي تُراعَى فيها القواعد العامة عادة. أياً ما يكن الأمر فلا ينبغي للجهلة أن يستطيلوا بجهلهم على القرآن الكريم. * * * ١٠- أما ما أقدم عليه هذا الطائش من تخطئة قوله تعالى في الآية العاشرة من سورة "هود": ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي﴾ فهو فضيحة الدهر، إذ معناه إنه

стр. 40

لا يُلِمّ حتى بالقواعد الأولية التي يعرفها تلميذ المرحلة الابتدائية. قال، فضّ الله فاه: "كان يجب أن يجرّ المضاف إليه فيقول: بعد ضرّاءِ مسَّتْه" (ص ١٠٨) . والحمد لله أنْ عرف هذا المنكوس أن "ضَرّاء" مضاف إليه، أما ظنّه بأن جرّها يستلزم وضع كسرة (واحدة) تحت آخر حروفها فممّا يُضْحِك الَمكْروب، إذ معناه أولاً إنه لم يسمع بأن الممنوع من الصرف لا يُجَرّ بالكسر بل الفتح (بفتحة واحدة) . هذه واحدة، والثانية أن الكلمات التي تُجَرّ بالكسر لابد أن توضع تحت آخر حروفها كسرتان لا كسرة واحدة، لأن الكسرة الواحدة هي علامة بناء لا إعراب. * * * ١١- وفي قوله تعالى في الآية ٨٠ من سورة "البقرة" حكايةً لمزاعم اليهود وأمانيهم الباطلة من أنهم ، لكونهم أبناء الله وأحباءه، لن تمسهم النار بسبب ذنوبهم ﴿إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ يقول العبد الفاضي: "كان يجب أن يجمعها (أي يجمع كلمة "معدودة") جمع قلى حيث إنهم أرادوا القلة فيقول: أياماً معدودات" (ص ١٠٨) . والسؤال هو: وهل عرف هذا الجهول على وجه اليقين عدد الأيام التي سيمكثها اليهود حسب اعتقادهم في النار قبل أن

стр. 41

يتكلم عن أي التعبيرين أصلح لها من الآخر؟ ثم هناك سؤال ثانٍ: ترى من قال له إن أحد التعبيرين يدل على القلّة، والآخر على الكثرة؟ إن الدلالة على القلة ناشئة من أن الأيام التي سيقضونها في النار أيام يمكن عدّها بسهولة، فصيغة المفعول من "عَدَّ" هي في ذاتها الدالّة على القلة بغض النظر عن إفرادها أو جمعها. ولقد وردتْ هذه العبارة ذاتها، وعلى لسان اليهود أيضاً، في موضع آخر من القرآن، مع استبدال كلمة "معدودات" بـ "معدودة" بما يدل على صحة ما قلت. كما أن معظم المفسرين الذين رجعتُ إليهم قد ذكروا أن كلتا الصيغتين فصيحة دون أن يشيروا إلى وجود أي فرق بينهما. مفسر واحد منهم فقط ذكر أن وصف الجمع غير العاقل بصيغة المفرد المؤنث يدل على الكثرة، بعكس صيغة جمع الألف والتاء، في مقابل مفسّر آخر ذكر العكس. والملاحظ أن دلالة الجمع على القلة أو الكثرة ليست من الأمور الحاسمة أو المطردة بل من المسائل التغليبية. وبوجه عام فإن صيغة جمع التكسير باستثناء "أَفْعُل وأفعال وأفْعِلة وفِعْلَة" تدل على الكثرة، على العكس من هذه الصَّيَغ الأربع وصيغة جمع المؤنث السالم، وإن

стр. 42

لم يمنع هذا أن يحدث العكس، والأمثلة على هذا وذاك معروفة. أما كون أيام اليهود في النار "معدودة" أو "معدودات" فدلالة القلة فيها ناشئة من أن تلك الأيام يسهل عدّها لا من صيغة الإفراد أو الجمع. ولا معنى إذن لهذا الذي صدّع به الجهول أدمغتنا. ومن الممكن جداً أن يكون القرآن الكريم قد أورد في الموضعين المشار إليهما كلام اليهود بنصه، إذ لعلّهم كانوا تارة يستعملون صيغة المفرد المؤنث، وتارة صيغة جمع المؤنث السالم، فحكي القرآن أقوالهم في كل مرة كما هي. كذلك من الممكن أن تكون "أياماً معدودات" هنا معناها "أياماً معيّنات" كما في قوله عز شأنه عن الصيام إنه كُتِبَ على المسلمين "أياماً معدودات"، أي محددات هي أيام شهر رمضان، وذلك واضح من ذكر شهر رمضان عقب ذلك. أيا ما يكن الأمر فإن المسمىَّ "عبد الفاضي" يهرف بما لا يعرف، ولقد ظلمه الذين لقّنوه هذه التفاهات فانطلق في غباءٍ يسردها سرداً. وعلى أية حال فها هي ذي عبارة "أيام معدودات" يستعملها الكتاب المقدس عند هذا الفاضي وأمثاله في غير جمع القلة بالمعنى الذي يفهمه: "الحياة الصالحة أيام معدودات". ذلك أن الحياة الصالحة، مهما

стр. 43

قصرت، لا يمكن أن تكون أياماً قليلة إلى هذا الحدّ، أما في القول التالي المنسوب لأيوب فإنه يصف سنوات حياته بأنها "معدودة"، وسنوات حياة الشخص أقل في العدد من أيامها بكل يقين، وبخاصة أن أيوب قالها وهو مريض، أي بعد أن قطع شوطاً طويلاً من عمره. قال: "فإن سنواتي المعدودة تنقضي فأركب طريقاً لا أعود منه". فما رأي صُوَيَحْبِنا الأحمق في هذين الاستعمالين اللذين يجريان بعكس ما يدّعى في صيغََتْي "معدودة" و"معدودات"؟ * * * ١٢- وهنا نصل إلى الاعتراض الثاني عشر الذي يقول فيه الببغاء إن عبارة "أياماً معدودات " في قوله تعالى في الآيتين ١٨٣ - ١٨٤ من سورة "البقرة": ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ ... ﴾ كان ينبغي أن نُغَيْر إلى "أياماً معدودة" على أساس أن رمضان ثلاثون يوماً، والثلاثون ليست بالعدد القليل. وقد سبق في الرد السابق أن فنّدنا هذا السخف ونسفناه نسفاً، وقلنا إن "أياماً معدودات" هنا لا تعني القلة أو الكثرة بل تعني أنها أيام محدّدة هي

стр. 44

أيام شهر رمضان من كل عام. وهو نفس المعنى في قوله تعالى: ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ ، وقوله: "ولئن أخَّرنْا عنهم العذاب إلى أُمَّة معدودة (أي إلى وقت محدّد) ليقولُنّ: ما يحبسه؟ ". و"الأجل" و"الأمة" معناها "الميقات"، والميقات لا يُعَدّ، وإنما يحدَّد. * * * ١٣- ويستنكر عبد الفاضي استخدام القرآن الكريم لصيغة "إلياسين" (بدل "إلياس ") في قوله عز شأنه في الآية ١٣٠ من "الصافات": ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) .... (١٢٩) سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾ ، وكذلك صيغة "سِينين" (بدل "سيناء") في قوله سبحانه في الآية الثانية من سورة "التين": ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ قائلاً إن الصيغتين المذكورتين هما صيغتا الجمع من "إلياس" و"سيناء"، "فمن الخطأ لغوياً تغيير اسم العَلَم حباً في السجع المتكلًَّف" (ص ١٠٩) . والواقع أن الأمر أبسط من هذا كله، إذ معروف أن الأعلام حين تنتقل من لغة إلى أخرى تعروها عادةًَ تحويرات في حروفها وضبطها ونَبْرها كما في "يوحنا" مثلاً، الذي حوًره اللسان العربي فصار "يحيى".

стр. 45

وقد يغدو للعَلَم أكثر من نطق في اللغة التي انتقل إليها كما هو الحال عندنا بالنسبة لـ "أرسطو" و"أرسطوطاليس" و"رسطاليس"، و"أهْلَوارْد" و"اَلْوَارْد" و"ألْفَرْث" (وهو اسم مستشرق ألماني معروف) ، و"جبرائيل" و"جبرئيل" و"جبريل" و"غبريال". ومعروف أيضاً أن لاسم النبي محمد ﵊ في اللغة الإنجليزية مثلاً كذا صيغة مثل "Mahomet" و"Mahound" و"Muhammed" و"Muhammad". وفي ضوء هذا فإن من السهل الإشارة إلى أن العرب ينطقون اسم شبة الجزيرة التي تقع في شمال شرق مصر بعدة صور: "سِينا" و"سِيناء" و"سَيْناء" و"سَيْنِين" و"سِينين". والشيء ذاته يقال في اسم النبي الكريم الذي نحن بصدده. إذ يقولون: "إلياس" و"إبليس" و"إلياسين". وقد اختار

стр. 46

القرآن الكريم في كل من الموضعين اللذين نحن بصددهما الصيغة التي تناسب السياق محافظةً منه على الإيقاع الموسيقي، أما في غير ذلك فقد استخدم الصيغة الأشيع، وهي "سَيْناء" و"إلياس"، فليس في الأمر جمع ولا تكلف سجع ولا يحزنون. ومثل "إلياس" فذلك اسم حَمِى موسى، الذي ورد في بعض الترجمات العربية للكتاب المقدس "يِتْرو"، وفي بعضها الآخر "يثرون"، فهل نقول مثلما قال هذا الأحمق إن "يثرون" هي جمع مذكر سالم لـ "يترو"؟ إننا أعقل من ذلك. لكن الأدهى أن يتكرر في الكتاب المقدس لدى اليهود والنصارى ذكر الشخص الواحد بعدة أسماء مختلفة كتسمية حَمِي موسى هذا: "رعوئيل" مرة، و"يثرون" مرة أخرى، و"حوباب بن رعوئيل" مرة ثالثة. وفي سفر "أخبار الأيام الأول" أسماء أعلام تخالف لفظ الأسماء المذكورة في غيره من أسفار الكتاب المقدس. وقد حاول شُرًاح ذلك الكتاب بطريقتهم البهلوانية تفسير هذه الظاهرة المضحكة بأن اللفظ قد تغيَّر على مرَّ

стр. 47

السنين، أو أنه كان للشخص الواحد عدة أسماء، أو أن الأمر مجرد ألفاظ مترادفة. فهذه هي المصيبة حقاً، أما الوقوف عن "إلياس" و"إلياسين" فهم تنطعَّ فارغ. وفي النهاية المطاف ألفت نظره، إن كان عنده نظر، إلى التناقض الرهيب في اسم عيسى ﵇ بين سفر "نبوءة أشَعْيا" وبين إنجيلَيْْ متَّى ولوقا، إذ جاء في "أشَعْيا" (٧ /١٤، و٩ /٦ - ٧) أن العذراء ستلد لله ابناً وتسميه "عمّانوئيل"، بينما في "متًّى" (١/٢١) أنها ستلد ابناً وتدعو اسمه يسوع، وهو نفسه ما جاء على لسان جبريل ﵇ حسب رواية "لوقا" (١/٣) ، وإن انتكس الكلام عنده عقيب ذلك إذ يعود فيقول: "هذا كله لكي يتم ما قيل من الرب بالنبي القائل: هو ذا العذراء تحمل وتلد ابناً ويدعون اسمه عمًانوئيل، الذي تفسيره: الله معنا". وبطبيعة الحال لم يُسَمً المسيح ﵇ يوماً "عمًانوئيل". * * * ١٤- كذلك يعترض المتنطع على استخدام الآية ١٧٧ من سورة "البقرة" لكلمة "البِرً" وصفاً لـ ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ... ﴾ على

стр. 48

النحو التالي: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ... ﴾ ، مؤكداً أنه كان يجب أن يقال: "ولكن البِرً هو الإيمان بالله واليوم الآخر ... " لأن البِرً هو الإيمان لا المؤمن كما قال (ص ١٠٩) . وهذه أيضاً من الأمارات على جهله الشنيع بلغة الضاد، فمن الواضح أنه لا يعرف شيئاً اسمه استخدام المصدر صفةً مثل: "رَجُلٌُ عَدْلٌ، وامرأٌة صِدْقٌ" بما يوحي إنهما قد بلغا الغاية في العدل والصدق بعد أن أضحيا هما العدل والصدق ذاته. ومن شواهد هذا الاستعمال في الشعر العربي قول الشاعر القديم: "فإنما هي إقبالٌ وإدبار". ومثله في الكتاب المقدس عند المتنطع وأشباهه: "وكانت الأرض كلها لغةً واحدة وكلاماً واحداً"، وكان ينبغي، بناءً على فهم هذا المأفون، أن يقال: "وكان سكان الأرض كلهم يستعملون لغة واحدة وكلاماً واحداً". ومثله أيضاً: "كانتا (أي زوجتا عيسو بن إسحاق) مرارة نفس لإسحاق ورفقة". ومثله: "هو (أي الربّ) فَخْرُك"، والمفروض، حسب كلام الغبيّ، أن يقال: "هو سبب

стр. 49

فخرك". ومثله قول يواب لأبشاي أخيه: "إنْ قَوِىَ عليَّ الأراميون تكون أنت نجدة". ومثله: "صُنًاع التماثيل كلهم باطل"، وكان يجب، طبقاً لتنطع صُوَيَحْبِنا، أن يقال: "صُنَّاع التماثيل كلهم مبطلون". ومثله: "وتخلقون اسمكم لعنة لمختارِىَّ"، حيث استُخْدِمت "اللعنة" وصفاً رغم أنها مصدر مثل "البرّ". ومثله: "فيكونون سُبّةً ودهشةً ولعنةً وعاراً". ومثله: "سُبُلُه (أي سبل الله) عَدْل". وبعد فأرجو أن يكون ذلك الأحمق قد تعلم الدرس، وإن كنتُ أرتاب في هذا. ونحن الآن كثيراً ما نقول مثلاً: "فلان هو الوفاء مجسَّماً" و"فلانة هي الفتنة تمشي على قدمين" أو"هي الظَّرف كلّه"، وهو قريب مما جاء في الآية الكريمة. وهناك توجيهات أخرى للآية لا داعي لسَوْقها، ففيما قلناه غُنْية. وقد تكرر هذا الاستعمال في السورة ذاتها بعد اثنتي عشرة آية، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾ . ومن غير المعقول

стр. 50

أن يكون صاحب القرآن من الضعف في اللغة بحيث يتكرر منه هذا الخطأ في تلك المسافة القصيرة أو أن يكون العرب من كافرين ومسلمين من الجهل بحيث لا يتنبهون لذلك الخطأ أو يكون المشركون والمنافقون واليهود والنصارى من المجاملة لمحمد بحيث يصمتون أمام هذا الغلط ولا يُحْرِجونه ويشنّعون به في الآفاق. ولزيادة الفائدة نضيف أن الصفة في هذه الحالة تلزم عادةً صيغة الإفراد والتذكير فنقول: "رجلٌ عَدْلٌ، وامرأٌة عَدْلٌ، ورجلان عَدْلٌ، وامرأتان عدلٌ، ورجالٌ عدلٌ، ونساءٌ عَدْلٌ"، وإن سُمِع أحياناً "رجالٌ عُدُول". وقس على ذلك "رجلٌ صدْقٌ، وامرأٌة صدقٌ، ورجلان صدقٌ، وامرأتان صدقٌ، ورجالٌ صدقٌ، ونساءٌ صدقٌ" ... وهلم جرا. وفي النهاية نسوق الشاهد التالي من الكتاب المقدس عند صويحبنا الجاهلة حيث يوصف المسيح ﵇ بأنه "بِِرً"، بالضبط كما في الآية الكريمة التي لا تعجب المتنطع: "المسيح يسوع، الذي صار لنا من الله حكمة وبراً وقداسةً وفداء"، وكذلك هذا الشاهد الذي يقول فيه بولس: "لكي نصير نحن برّ الله فيه". وهذان الشاهدان هما الضربة القاضية لذلك المتنطع ومن سلّطوه على

стр. 51

هلاكه! وإذا كان الشيء بالشيء يُذْكَر فنحبّ أن نذكّر هنا بأسماء الأعلام التي هي في الأصل مصادر، مثل: "وفاء، ونجاح، ورضا، وإنعام، وإيمان، وجهاد، وسلامة، وعِزٌ، وإقبال، وبركة، وهمْس، وهديل ... إلخ". * * * ١٥- ونصل الآن إلى الاعتراض الخامس عشر فنجد أنفسنا لا نزال مع الآية السابقة، حيث يزعم صويحبنا إنه كان يجب أن يقال: "ولكن البِرَّ من آمن بالله واليوم الآخر ... وآتى المالَ على حُبَّه ذوي القربى ... وأقام الصلاة وآتي الزكاة، والموفون بعهدهم إذا عاهدوا، والصابرون في البأساء والضرًاء وحين البأس" بدلاً من "والصابرين"، لأن "الصابرين" عنده معطوفة على "الموفون بعهدهم"، والمعطوف على المرفوع لابد أن يكون مرفوعاً مثله (ص ١٠٩) . وقد تقدم في الرد على الشبهة التاسعة تفنيد مثل هذا السخف، إذ قلنا إن النصيب في مثل هذه الحالة يدل على مزيد من الاهتمام بصاحب الاسم المنصوب على سبيل المدح، ولا داعي لإيراد التفاصيل التي أوردناها هناك. * * *

стр. 52

١٦- وفي قوله تعالى في الآية ٥٩ من سورة "آل عمران": ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ يعترض عبد الفاضي مؤكداً إنه "كان يجب أن يُعْتَبر المقام الذي يقتضي صيغة الماضي لا المضارع فيقول: قال له: كن، فكان" (ص ١١٠) . وواضح إنه، لجهله وحرمانه من المقدرة على تذوق الأساليب الأدبية الرائعة وما تتميز به من مفاجأة القارئ أو السامع في كثير من الأحيان بما يهزّه ويوقظه ويخرجه من النزعة الآلية التي تستولي علينا من كثرة ما نرى الأمور تجري على وتيرتها المعهودة، يظن إنه لا يوجد إلا طريقة واحدة في التعبير عن كل معنى. وهذه طفولية لغوية وأدبية، وإلا فكيف فاته أن عبارة "كن، فيكون"، وإن استُعْمِلت هنا في الكلام غن خلق آدم في الماضي، فإنها تمثل مبدأ عاماً لا يتقيد بزمن، فأُبْقِيَتْ من ثَمّ على حالها التي وردت بها في المواضع الأخرى من القرآن الكريم، وكلها تقريباً مما لا يتقيد بزمن. فهذه نكتة بلاغية رهيفة لا يقدر على التقاطها بُلَداء الذهن والذوق. ثم هناك نكتة بلاغية أخرى مثلها رهافةً بحيث لا يستطيع سَمِيك العقل والوجدان أن يتنبه إليها، ألا وهي أن

стр. 53

الحديث في الآية، وإن كان عن آدم أبي البشر، فإنه يصدق كذلك على أبنءا آدم في المستقبل، فلاستخدام القرآن لهذا السببِ صيغة المضارعة التي تدل على الاستمرار والديمومة. ترى أفهم الجهول أم نعيد الكلام من جديد؟ وهناك نصيحةٌ تقول: لا تلْقُوا بالدرر أمام الخنازير! وما إلى الخنازير قَصَدْنا بكتابة ردنا هذا، ولكننا وضعناه لطَيًبي النية ممن توسوس الثعالب في آذانهم، وذلك كي يأخذوا حذرهم فلا ينخدعوا بملاسة الجلد عن نار الحقد المستعرة في قلوب هذه الثعالب الفتاكة. ومن أمثلة عطف المضارع على الماضي في الشعر الجاهلي قول تأبط شراً يصف عراكه مع الغول: بأنّي قد لقِيتُ الغول تسعى ... بسُهْبٍ كالصحيفة صحصحانِ فآخذُه فأضربها فخرًتْ ... صريعاً لليدين وللجِرانِ ثم نختم هذا الدرس بسَوْق هذين الشاهدين المشابهين من

стр. 54

الكتاب المقدس عند الضالّ التعيس: جاء في سفر "نبوءة أَشَعْيَا" (٦/٩ - ١٠) عن رب العزة: "قال: انطِلقْ وقل لهذا الشعب (أي بني إسرائيل) : اسمعوا سماعاً ولا تفهموا، وانظروا نظراً ولا تعرفوا. غلًظْ قلب هذا الشعب وثَقًلْ أذنيه وأغمضْ عينيه لئلا يبصر بعينيه ويسمع بأذنيه ويفهم بقلبه فيرجع فيُشْفَى". ويرى شراح الكتاب المقدس أن في الكلام هنا مجازاً حيث تكرر استخدام صيغة الأمر في الكلام على حين أن المقصود هو المضارع الدال على المستقبل، بمعنى أن بني إسرائيل سيسمعون ولكن لن يفهموا، وسينظرون ولكن لن يَرَوْا. وقد حوّل يوحنا في إنجيله (١٢/ ٣٩ - ٤٠) الزمن في هذه الأفعال إلى الماضي وجعل الفاعل هو الله تعالى: "لأن أشيعاً قال أيضاً: أعمى (أي الله) عيونَهم وقسَّي قلوبَهم لئلا يبصروا بعيونهم ولا يفهموا بقلوبهم". ومثل ذلك ما جاء في مفتتح الفصل الثاني عشر من سفر "الأحبار": "أية امرأة حبَلَتْ فولدت ذكراً فلْتكُنْ نجسة سبعة أيام ... فإن ولدت أنثى فلتكن نجسة أسبوعين"، حيث استُخْدِمت "لام الأمر" مع المضارع بدلاً من استخدام المضارع المجرد من اللام رغم أن الكلام هنا خبر لا طلب. * * *

стр. 55

١٧- وفي قوله تعالى في الآية ١٥ من "يوسف" عن إخوته ﵇ وعزمهم على التخلص منه حتى يخلو لهم وجه أبيهم: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ يؤكد الأخرق أن في الجملة خطأ لأنها تخلو من جواب "لولا"، وإنه "لو حُذفت الواو التي قبل "أوحينا" لاستقام المعنى" (ص ١١٠) . ولابد من التنبيه أولاً إلى أن القرآن يَكْثُر فيه الحذف، فهم سمة من سمات لغته أفاض فيها علماء القرآن والنحو والبلاغة، وهذا الحذف موجود أيضاً بكثرة في الشعر العربي القديم أيام كان العرب يستعملون لغتهم بتلقائية الواثق القابض على عنانها يصرَفها حسبما تَشاء مراميه البلاغية. فهذه الآية إذن ليست بِدْعاً في القرآن، وهذا إن قلنا بالحذف، وهو مجرد رأي من الآراء التي وُجًهَتْ بها الآية. والحذف هنا، عند من يقول به، غَرَضُه التشويق وإثارة تطلع القارئ للتفكير في المراد من الآية. ومازلنا حتى الآن نقول في أحادثنا مثلاً: "آه لمّا جاء أبوه ورأى ما صنع! "، فهل سمع أحدنا قطّ من يعترض على مثل هذا الأسلوب ويتهمه بالنقص؟ ومن شواهد هذا الاستعمال في الشعر العربي القديم قول امرئ القيس عن إحدى مغامراته العاطفية مع حبيبته: فلما أجزَنْا ساحة الحيّ وانتحى ... بنا بطن خَبْتٍ ذي حِقَافٍ عَقَنْقَلِ

стр. 56

حيث انتهت جملة "لَمَّا" مع نهاية البيت دون أن يظهر لها جواب. وبهذا الحذف يريد امرؤ القيس إثارة خيال السامع لينطلق فيتصور على هواه كل ما يمكن أن يكون قد وقع بينه وبين حبيبته. وفي الكتاب المقدس عن العبد الفاضي نقرأ مثلاً: "وندم بنو إسرائيل على بنيامين أخواتهم"، و"بنيامين" (المبدل منه) فَرْد، والبدل "أخواتهم" جَمْع، فهل نملأ الدنيا صراخاً بأن هذا خطأ كما فعل جاهلنا؟ إننا نقول إن ههنا حذفاً، وتقدير الكلام: "وندم بنو إسرائيل على بني بنيامين". ومن الحذف أيضاً في لذلك الكتاب: "إني مررت بحقل الكسلان ويكَرْم الإنسان الفاقد اللُّبّ، فإذا الشوك قد علاه، والعضاه غطَّى وجهه، وجدار حجارته قد أنهدم. فنظرت فوعيتُ في قلبي، ورأيت فاستفدت تأديباً. قليل من الوسن. قليل من الرقاد. طيّ اليدين قليلاً للرقاد"، فهذه ثلاث جمل غير كاملة. أفنقول إنها خطأ؟ أبداً. وتقدير العبارة هو: "يكفي جداً قليل من الوسن" أو "قليل من الوسن كافٍ جداً" ... وهكذا. وفي ذلك الكتاب أيضاً نقرأ العبارة التالية: "ألم يعلم جميع فاعلي الإثم

стр. 57

الذين يأكلون شعبي أكْلَ الخبز ولم يَدْعوا الرب؟ هناك جزعوا جزعاًَ حيث ليس جزع لأن الله في جيل الصدّيقين". وعبثاً نحاول أ، نحد في النص مفعول "ألم يعلم....؟ ". وقد تركه المتحدث عمداً ليثير خيال السامعين ويهوّل لهم ما يريد تحذيرهم منه. والمراد مثلاً: "ألم يعلموا ما ينتظرهم من جزع ورعب وعقاب لا يُرَدً؟ ". على أن هناك من يقول إنه لا حذف في الآية القرآنية وإن جواب "لَمَّا" موجود في قوله سبحانه: ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا ... ﴾ بعدها بآيتين على النحو التالي: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٥) وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ (١٦) قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ ... ﴾ . وثم توجيهات أخرى يُرْجعَ إليها في كتب التفسير وإعراب القرآن وما إليها. * * * ١٨- ويمضي صويحبنا الأحمق في لجاجاته قائلاًَ إن التركيب في الآية التاسعة من سورة "الفتح" يؤدي إلى اضطراب المعنى .

стр. 58

وها نحن أولاء نورد أولاً الآية المذكورة والتي قبلها ليتابعنا القارئ فيما نقول. قال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٨) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ . وشبهة الأحمق تقول إن هناك "اضطراباً في المعنى بسبب الالتفات من خطاب محمد إلى خطاب غيره، ولأن الضمير في ﴿تُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ عائد على الرسول المذكور آخراً، وفي قوله: ﴿تُسَبِّحُوهُ﴾ عائد على اسم الجلالة المذكور أولاً. هذا ما يقتضيه المعنى، وليس في اللفظ ما يعيّنه تعييناً يزيل اللَّبْس. فإن كان القول: ﴿تُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ عائداً على الرسول يكون كفراً لأن التسبيح لله فقط. وإن كان القول: ﴿تُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ عائداً على الله يكون كفراً لأنه تعالى لا يحتاج لمن يعزَّره ويقوَّيه" (ص ١١٠) . ورداً على هذا السخف الذي لٌفَّته هذا الببغاء تلقينا فأداه كما قيل له دون أن يفقه منه شيئاً نقول: أما الالتفات من "كاف الخطاب" لـ "واو" المخاطبين فلست أدري ماذا فيه. إن رب العزة المتعال يخاطب رسوله قائلاً: "إنا أرسلناك (يا رسول الله) شاهداً ومبشراً ونذيراً لتؤمنوا (أنت وسائر العباد) بالله ورسوله ... إلخ"، فماذا في هذا الكلام مما يصعب فهمه؟ بٌؤْسَ للعقول السَّنِخة والأفواه المنتنة!

стр. 59

وأما المشكلة التي يريد أن يخلقها خلقاً في قوله عز من قائل: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ فلا وجود لها إلا في ذهنه المخبول. بالله لم لا يكون التعزير والتوقير والتسبيح جميعاً لله ؟ ما الذي في ذلك مما لا يناسبه سبحانه ويُوقع القائل به في الكفر؟ إن الله حلَّت قدرته ليس في حاجة فعلاً إلى أية مساعدة أو عون من أحد، بَيْدَ أن الكلام في الآية إنما هو على المجاز مثل قوله في الآية السابعة من سورة "محمد": ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ وقوله في الآية ١٧ من "التغابن": ﴿إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ﴾ وغير ذلك. ومغزى المجاز في الآية التي بين أيدينا هو زيادة الحضّ على الاستمساك بعروة الإسلام ونصرة مبادئه والجهاد دفاعاً عنه والتضحية في سبيله بالنفس والنفيس، وهو أسلوب من الكلام يراد به استفزاز أقصى طاقات المخاطب واستنفار كل ما تجيش به نفسه من عزم، إذ متى ما قيل للمؤمن إنك، بعملك كيت وكيت، إنما تنصر الله نفسه، فإنه يهبّ بجمع طاقته وعزيمته لتحقيق ما تطلبه منه. كذلك فهذا الأسلوب يُشْعِر المؤمن بأنه شديد القرب من ربه، ويجعل حبل المودة بينه وبين مولاه قوياً متيناً. ولقد أثمر هذا

стр. 60

الأسلوب ثمرته فرأينا المسلمين يسترخصون كل شيء في سبيل نصرة دينهم ورسوله، بخلاف غيرهم ممن أسلموا نبيهم وفرّوا من حوله فأخذ يصرخ (كما جاء في كتبهم التي لا نصدقها) مستنجداً بالسماء على غير جدوى! وفي هذا بلاغ، ولا داعي للإفاضة! وأما بالنسبة للتوقير فنستشهد عليه بما جاء في الآية ١٣ من سورة "نوح" خطاباً من هذا النبي الكريم لمشركي قومه: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ ؟. لا مشكلة إذن في الآية كما هو واضح، بل المشكلة في الذهن المأفون! * * * ١٩- وبالمثل يخلق أحمقنا برعونته مشكلة أخرى لا وجود لها إلا في عقله، إذ يقول إن "سلاسل" و"قوارير" في الآيتين ٤، ١٥ من "الإنسان": ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا﴾ ، ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا﴾ قد نُوَّنتا رغم إنهما ممنوعتان من الصرف أي أن في الآيتين خطأ نحوياً (ص ١١٠ - ١١١) . وصواب القول إن هاتين الكلمتين في المصحف الذي بين أيدينا غير منونتين. كل ما في الأمر أنهما كتبتا بالألف، ومعروف أن إملاء المصحف يختلف عن إملائنا الحالي بعض الاختلاف.

стр. 61

ولكن حتى لو نُوَّنتا، وهناك قراءة تنونهما فعلاً، فليس في تنوينهما من بأس، إذ من العرب قديماً من كان ينوَّن الأسماء كلها ما عدا "أفعل التفضيل". صحيح أننا الآن لا ننوَّن أشياء كثيرة من بينها ما كان من الجمع على وزن "مَفاعِل" و"مفاعيل"، لكن هذا لا يعدو أن يكون جانباً واحداً من المسألة، أما الجانب الآخر فهو أن المنع من الصرف لم يكن لغة كل العرب بل غالبيتهم فقط. ونحن نميل حالياً إلى التزام القواعد العامة وترك اللهجات القبلية التي لا تجرى مع هذه القواعد. إلا أن هذا شيء، والمسارعة بجهل إلى تخطئة أصحاب اللغة الأصلاء الذين منهم أخذنا قواعدنا وإياهم نحتذي فشيء آخر. فليكن الجهلاء على بينَّه من هذا حتى لا يَضِلوا ويُضِلوا! والشواهد الشعرية على صَرْف ما تعوّدنا على منعه من الصرف كثيرة في النصوص القديمة، والأمر فيه ليس أمر ضرورة شعرية فقط كما قد يُظَنً، بل هو لغة من لغات العرب كالمنع من الصرف سواء بسواء. * * * ٢٠- هذا، وقد سبق أن وضَّحنا، في الرد على الشبهة الثالثة، السرُّ في تذكير كلمة "قريب" في قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ

стр. 62

مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ بما يغنينا عن إعادة القول عنا رداً على الشبهة العشرين التي تورد آية أخرى توجد فيها الظاهرة اللغوية نفسها هي الآية ١٧ من "الشورى"، ونصها: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ . * * * ٢١- ويأخذ المتنطع الفارغ العقل على قوله جلّ من قائل في الآية ١٩٦ من "البقرة" عمّن تمتّع بالعمرة إلى الحج ولم يتيسر له شراء هَدْى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ أن كلمة "كاملة" لا لزوم لها لأنها توضح ما لا يحتاج إلى توضيح، وإلا فمن ذا الذي يظن العشرة تسعة؟ (ص ١١) . وهذا تنطع بلغ الغاية في السُّخْف والتفاهة. إن المتنطع التافه لا يعجبه العجب: فإذا رأى حذفاً قال: لماذا كان هناك حذف؟ وإذا رأى توكيداً قال: لا داعي ... وهكذا. وأذكر أني كنت قبل نحو عشرين سنة أسمع أغنية نجاة الصغيرة التي تسأل فيها فتاٌة حبيبها عما جعله يتنبه إلى جبّها له: أهو قلبه أحسَّ بها فجاوبها حباً بحب؟ أم كثرة الشوق الذي أطلّ من عينيها؟ أم ... ؟ أم ... ؟ أم الحنان الذي كان في "سلام يدها اليمين"؟ فتساءلتُ

стр. 63

ضاحكاً: وهل هناك "سلام" بغير اليد اليمنى حتى تحتاج الفتاة إلى تأكيد ذلك؟ ثم عدتُ أنظر في العبارة من جديد فوجدتُ الحسن كله في هذا التحديد الذي قد يبدو للعجلين إنه زيادة لا ضرورة لها، لأن هذه الكلمة قد حوَّلت "السلام" من معنًى مجردٍ إلى واقعةٍ حية يبصرها الذهن ويرى فيها اليد مشتبكة باليد تصافحها وتبثها الحنان. وكذلك الحال هنا، فقد تحولت العبارة بكلمة "كاملة" كم مسألة حسابية مجردة إلى واقعة حية. ولا تنس أن العرب في الجاهلية لم يكونوا من علوم الحساب في شيء، فكان لابد من التأكيد ليعرفوا أن رقم العشرة هنا رقم كامل لا عدد تقريبي، وهذا كقول النابغة الذبياني مثلاً: قالت: ألا لَيْتَمَا هذا الحمام لنا ... إلى حمامتنا أو نصفه، فَقَدِ فحسَّبوه فألْفَوْه كما حَسَبَتْ ... تسعاً وتسعين لم تنقص ولَم تزِد وقوله أيضاً: أسائل عن سُعْدَى وقد مرَ بعدنا ... على عرصات الدار سبعً كواملُ وحتى في العصر العباسي نجد الجاحظ مثلاً يقول إن بعض الشعراء الجاهليين كانوا يقضون في تنقيح قصيدتهم وصقلها "حَوْلاً كريتا"، أي عاماً كاملاً لا ينقص يوماً واحداً. وكذلك نحن الآن بعد كل هذا التقدم الهائل في الحساب والرياضيات لا يزال الواحد منا يقول

стр. 64

لمدينة مثلاً: "أريد منك ألف الجنية التي اقترضتها مني كاملةً لا تنقص مليماً واحداً" أو "لابد أن تدفع الخمسمائة جنيه والسبعة عشر قرشاً التي اشتريت بها بضاعة مني، والسبعة عشر قرشاً قبل الخمسمائة جنية". وبالمثل نقول: "رأيته بعيني، وسمعته بأذني" رغم أن الرؤية لا تكون إلا بالعين، ولا السَّمْع إلا بالأذن، وقد فات الجاهلَ الفَدْمَ أن الكلام لا يمكن أن يجري دائماً على وتيرة آلية واحدة في كل الأحوال والسياقات، بل لابد من نتوءات ومفاجآت تُنْعشه وتجعله جديداً أخضر، وإلا فيستطيع أي متنطع أن يعترض مثلاً على ما جاء في الفقرة ٢٣ من الفصل التاسع والعشرين من سفر "الخروج"، إذ يأمر الله هارون أن يأخذ إلى المذبح "رغيفاً واحداً من الخبز وجَرْدقَةً واحدة من الخبز"، ويتساءل: "ولم وُصِف كل من الرغيف والجردقة بأنه واحد، والرغيف لا يكون إلا رغيفاً واحداً رغيف ولا رغيفين ولا ثلاثة، ومثله الجردقة؟ أليس هذا تزيداً في الكلام لا جدوى منه؟ ". هذا ما يقوله المتنطع الأملط العقل مثل "عبد الفاضي"، أما العقلاء فإنهم يحترمون أنفسهم ولا يعترضون.؟ ومثل ذلك ما جاء في الفقرة الأخيرة من الفصل السادس عشر من سفر "الأحبار" من قول كاتب السفر: "مرة واحدة في السنَّة"، وكذلك قوله في آخر الفصل العشرين عن العرّاف: "فَلْيُقْتَل

стр. 65

قتلاً بالحجارة"، الذي يمكن أن يتحامق فيه أي جهول فيقول: "وهل يمكن أن يُقْتَل أي شيء آخر غير القتل؟ فلماذا قيل إذن: "فَلْيُقْتَلْ قتلاً" ولم يُقَلْ: "فَلْيُقْتَل" فقط؟ وبالمثل يستطيع أي بليد جاهل أن يتساءل عن السّر فيلا جمع السُّبوت في الأعوام السبعة في آخر العبارة التالية بعد أن عُرِف أن المدة هي سبع سنين في كل سنة منها سبعة سبوت: "واحسُبْ لك سبعة سبوت من السنين سبع سنين سبع مرات فتكون لك أيام السبوت السبعة تسعاً وأربعين سنة" قائلاً: "وهل يكون حاصل ضرب ٧ في ٧ إلا ٤٩؟ ". ثم ما هذه العثكلة في قوله: "سبعة سبوت من السنين سبع سنين سبع مرات" التي توحي بأن مؤلف الكتاب كتبه وهو سكران أو مرهق يريد أن ينام؟ ومثل ذلك أيضاً ما جاء في الآية ٢٤ من الفصل الثامن من سفر "يشوع": "وسقطوا جميعهم بحدَ السيف عن آخرهم" مع أنه كام يكفي، بماء على رأي المتنطع الجهول، أن يقال: "وسقطوا بحد السيف". ومثله قول مؤلف "نبوءة زكريا على لسان الله سبحانه: "في اليوم الرابع والعشرين من الشهر الحادي عشر الذي هو شباط"، إذ يَقْدِر أيُّ نَزِقٍ من كينة المدعوّ عبد الفاضي أن يقول

стр. 66

مستنكراً: "وهل يمكن أن يكون الشهر الحادي عشر شيئاً آخر غير شباط؟ ". ومثله أيضاً عبارة "مدة يوم كامل"، حيث وُصِف "اليوم" بأنه "كامل"، ومعروف أن "اليوم" لا يمكن أن يكون إلا يوماً كاملاً لا ثلاثة أرباع يوم أو أربعة أخماسه أو خمسة أسداسه مثلاً؟ ومثله عبارة: "ومِنْ كلَ حيَّ من كل ذي جسد اثنين من كلً" حيث كرر عبارة "من كل" ثلاث مرات دون داع. * * * ٢٢- ومن "عشرة كاملة" إلى لغة "أكلوني البراغيث" كما يسميها النحاة . ذلك أن الجاهل المتغشمر يظن بعقله الضيق أن هناك غلطة نحوية في قوله تعالى في الآية ٣ نم "الأنبياء": ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ ؟ ، إذ يزعم أن الصواب يقتضي حذف "الواو" من "أسرّوا" فيكون الكلام: "وأسرَّ النجوى الذين ظلموا" (ص ١١١) . وهذا اعتراض يدل على تفاهة عقله، ذلك أن الآية تخلو تماماً مما يمكن أن يؤخذ عليها، فالتركيب عربي سليم مائة في المائة، ولو كان فيه أدنى شيء ما سكت عليه العرب. أما إذا أردنا توجيهه فنحن بالخيار: فإما أن

стр. 67

يكون تقدير الكلام: "وأسرَّوا النجوى، (أعني) الذين ظلموا: هل هذا إلا بشرَّ مثلكم؟ "، وإما أن يبقى الكلام على حاله دون تقدير، وتكون "واو الجماعة" في "اسرَّوا" حرفاً يدل على جمع الذكور (لا فاعلاً) كما تدل التاء في "أقبلتْ فاطمة" على المفردة المؤنثة، أو تكون "واو الجماعة" هي الفاعل، و"الذين ظلموا" بدلاً منها. وعلى أية حال فقد وردت شواهد على هذا التركيب في الشعر العربي القديم. يقول عروة بن الورد: وأحقرهم وأهونهم عليه ... وإن كانا له نَسَبٌ وخِيرُ ويقول أُحَيْحة بن الجراح: يلومونني في اشتراء النخيـ ... ـل أهلي، فكلهم يَعْذِلُ ويقول عمرو بن ملقط: أُلْفِيَتا عيناك عند القفا ... أولى فأولى لك ذا واقيه ويقول محمد بن عبد الله العتبي: رآيْن الغواني الشيَّبْ لاح بعارضي ... فأَعْرَضْن عني بالخدود النواضِرِ ومثله الشاهد التالي: ألا يا اسلما يا دِمْتَنَىْ أم مالكٍ ... ولا يَسْلَما بَعْدَيْكما طَلَلانِ

стр. 68

وكذلك هذا الشاهد: نصروك قومي فاعتززتَ بنصرهم ... ولو إنهم خذلوك كنتَ ذليلاً ثم هذا الشاهد: نُسِيَا حاتمً وأوسً لَدُن فا ... ضَتْ عطاياك يا ابن عبد العزيز ثم هذا الشاهد أيضاً: فأدركْنه خالاُته فَخَذَلْنه ... ألا إن عرق السوء لابدً مُدْرِكُ ثم هذا الشاهد لأبي فراس الحمداني: نتج الربيع محاسناً ... أَلْفَحْنَه غُرُّ السحائبْ ثم هذا الشاهد لأحد شعراء "اليتيمة": إلى أن رأيتُ النجم وهو مغرًبَّ ... وأقبلْنَ راياتُ الصباح من * * * ٢٣- والآخر يعيب الالتفات من الخطاب إلى الغيبة في قوله تعالى في الآية ٢١ من "يونس": ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ... ﴾ ، قائلاً إن الالتفات قد حدث قبل

стр. 69

تمام المعنى، "والأصح أن يستمر على خطاب المخاطب" (ص ١١١) . وهذا يعني أن ذلك الجاهل يقيم من نفسه معياراً للصحة اللغوية والذوق البلاغي الرهيف، وهو الذي رأيناه يخطئ الأخطاء الفاحشة في أوَليات النحو. أليس ذلك من دواهي الزمن؟ من أين لهذا الجاهل (الذي لو كان الأمر بيدي لعهدت به إلى مدرس خصوصي وأوصيتُه أن يقوّم عوجه وبلادته بالخيزرانة) من أين له أن الالتفات لا ينبغي أن يُسْتَعْمل إلا إذا انتهت الجملة وبدأت جملة أخرى؟ لذلك لن أراد على هذا السخف وسأكتفي بإظهار المغزى البلاغي والنفسي لهذا الالتفات. والواقع أن في هذا الأسلوب تعبيراً عن الإعراض عن النخاطبين في الآية وإظهار للزراية والإنكار عليهم، فما أكثر ما يولَى الواحد منا صَفْحَهُ أو ظَهْرَه لمن لا يريد أن يستمر في الحديث معه احتقاراً له أو سخطاً عليه وما إلى ذلك، فهذا من ذاك. وهناك شواهد على ذلك الأسلوب من الكتاب المقدس عند صويحبنا، مثل قول إخوة يوسف لفرعون: "جئنا لننزل بأرضك، إذ ليس لعبيدك مرعًى من اشتداد الجوع في ا ﴿ض كنعان، فلْيُقِمْ عبيدك بأرض جاسان"، حيث ثم الالتفات من جماعة المتكلمين

стр. 70

إلى جماعة الغائبين قبل تمام المعنى. ومثله قول بني إسرائيل في ابتهالهم لربهم: "قد خطئنا إليك وتركنا إلهنا وعَبَدْنا البعليم"، حيث تحول الكلام من المخاطب في "إليك" إلى الغائب في الاسم الظاهر "إلهنا". ومثله قول يهوديت: "الربّ يمحق الحروب ... جعل معسكره في وسط شعبه لينقذنا من أيدي جميع أعدائنا"، حيث انتقل الحديث من الغائب المفرد في "شعبه" إلى جماعة المتكلمين عقب ذلك مباشرة في "لينقذنا ... أعدائنا"، وذلك قبل تمام الجملة. ومثله أيضاً هذا القول المنسوب للسيد المسيح ﵇ يخاطب تلاميذه: "إنكم أنتم الذين تبعتموني في جيل التجديد. متى جلس ابن البشر على كرسيّ مجده تجلسون أنتم أيضاً على اثني عشر كرسياً وتدينون أسباط بني إسرائيل الاثني عشر"، حيث تغير الاتجاه من ضمير المتكلم في "تبعتموني" إلى الغيبة في قوله: "ابن البشر". ومثله كذلك قول بولس إلى أهل أفسس: "حين كنا أمواتاً بالزلاًت أحياناً مع المسيح فإنكم بالنعمة مخلَّصون. وأقامنا معه وأجلسنا معه في السماويات في المسيح

стр. 71

يسوع"، حيث تحوّل الضمير من جماعة المتكلمين في "كُنّا" إلى جماعة المخاطبين في "إنكم" ثم عاد ثانية إلى جماعة المتكلمين، وذلك كله قبل أن يتم المعنى، فماذا يقول العبد الفاضي في هذا؟ وهناك أمثلة أخرى أكثر من الهم على القلب! * * * ٢٤- كذلك يستغرب جاهلنا أن القرآن لم يقل في الآية ٦٢ من سورة "التوبة": "وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُما" بدلاً من ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ ، فيثَّنى الضمير العائد على الاثنين: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ بدلاً من إفراده. وهو يعدّ ذلك خطأ (ص ١١١) . والحق أن هذا أسلوب عربي صميم ليس فيه شيء إلا عند الإفهام الخربة والأذواق العطنة، وذلك كقول قيس بن الخطيم: نحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راضٍ، والرأي مُخْتَلِفُ وقول حسان: إن شرخ الشباب والشعر الأسـ ... ـود ما لم يُعاصَ كان جنوناً وأُضيفُ إلى ذلك أن هذا الأسلوب لم يقتصر وردوه في القرآن الكريم على هذه الآية وحدها بل يجده القارئ أيضاً في قوله تعالى مثلاً في

стр. 72

الآية ٣٤ من "التوبة" عن الأحبار والرهبان: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ، وقوله جَلَّتْ قدرته في الآية ١١ من سورة "الجمعة" مخاطباً رسوله ﵇ بشأن بعض المسلمين ممن تركوا خطبة الجمعة عند ورود قافلة التجارة التي كانوا ينتظرونها: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ . ومغزى إفراد الضمير في الآية التي اعترض عليها الجاهل هو أن رضا الرسول متضمَّت في رضا الله لأنه ﵇ إنما ينطق عن وحي السماء. وفي هذا تنبيه إلى أن رضاه ﷺ من الأهمية بمكان، فكأن الذي يعصيه ويُعْضِبه قد عصى الله ذاته وأغضبه. * * * ٢٥- ونأتي إلى آخر الشُّبه الموجودة في فصل الكتاب الخامس المسمَّى "أسئلة لغوية"، وهي تتعلق بجمع كلمة "قلب" في قوله عز شأنه يخاطب عائشة وحفصة ﵄ وأرضاهما حينما زادت غيرتهما على رسول الله إلى الحد الذي ضايقه: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ ، إذ يتساءل هذا العبقري: "لماذا لم يقل: "صغا قلباكما" بدل ﴿صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ إذ إنه ليس للاثنتين أكثر من قلبين؟ " (ص ١١٢) . ما كل هذه العبقرية؟ لقد اكتشف نياقته ما

стр. 73

لم يكتشفه أحد من الأولين والآخرين فعرف أن للإنسان قلباً واحداً لا قلبين أو أكثر. وأنا أحيّيه على هذا الاكتشاف وأنّبه من يقولون: "هذه الفتاة عيونها جميله، وخدودها أسيلة، وأثداؤها كالرَمّان، وأردفها كالكثبان، وسيقانها لا أدري ماذا" إلى أن عليهم من الآن فصاعداً ألا يستخدموا صيغة الجمع هنا بل يستعملوا بدلاً منها صيغة المثنى. خيبة الله على كل تافه جهول! ترى ماذا نفعل مع الشعراء والأدباء، وهم منذ خلقهم الله يميلون في كثير من الأحيان إلى التوسع في مثل هذه التعبيرات؟ يقول الأعشى مثلاً: إذّا تقُومُ يَضُوع المِسْك أَصْوِرَةً ... والزنْبق الورد من أردانها شَمِلُ فجمع "الأردان" مع أن لها رُدْنين "أي كُمَّيْن) اثنين فقط. ويقول قيس بن الخطيم: كأن لَبّاتها تضمّنها ... هَزْلَى جَراَدٍ اجوازه جُلُفُ واللَّبَة: أوسط الصدر والمنحر، وللمرأة لبة واحدة لا لبَّات. ويقول السُّلَيْك بن السُّلَكة: كأن مجامع الأرداف منها ... نَقّى درجتْ عليه الريحُ هارا

стр. 74

وللمرأة ردفان اثنان، لكن الشاعر استخدام صيغة الجمع. ويقول بشامة بن الغدير في ناقته: كأن يديها إذا أَرْقَلَتْ ... وقد جُرْنَ ثم اهتدين السبيلاً بدا غانمٍ خَرً في غمرةٍ ... قج ادركه الموت إلا قليلاً حيث جعل الضمير العائد على "اليدين" ضمير جمع، وهو نون النسوة. وعلى العكس من ذلك يقول امرؤ القيس: "ففاضت دموع العين مني صبابةً" رغم إنه بكلا بعينه الاثنتين ى بعين واحدة. ويقول بشر بن أبي خازم في حبيبته إنها "رَياً المعصم" مع أن لها معصمين اثنين لا معصماً واحداً. وبالمثل يصف عمرو بن كلثوم امرأة فيقول إنها "تُريك ... ثَدْياً مثل حُقّ العاج" بدلاً من "ثديين". كما يقول بشامة إن من ينظر إلى ناقته يرى لها "يداً سُرُحاً" بصيغة المفرد ... إلخ، وهو كثير. ثم ماذا نقول لتوفيق الحكيم، وقد ألف مسرحية عنوانها "الأيدي الناعمة" تتحدث عن رجل أرستقراطي لا يحب أن يشتغل بيديه كبقية خلق الله، لكن الحكيم جعل له "أَيْدِياً" لا "يدين"؟ ومذا نقول أيضاً لمحمود تيمور، الذي سمّى قصه من قصصه: "شفاه غليظة" رغم إنه إنما يقصد شفتى فتاة واحدة ليس إلا؟ أنقول لهما: أخطأت يا توفيق الحكيم أنت

стр. 75

ومحمود تيمور، فإذهبا وتوبا على يد الجاهل المتنطع حتى يكتب لكما صَكّ غفران تضمنان بد دخول الجنة؟ إن اللغة يا عبد الفاضي بَحْها طامٍ، وزالعيال من أمثالك عليهم أن يقفوا على الشاطئ بعيداً عن أمواجه حتى لا يجرفهم التيار. ألم تسمع مثلاً من يقول إن "الخطيب الفلاني ألقى كلمة مؤثرة أمس" مع إنه قد تلفّظ في خطبته بآلاف الكلمات؟ ألم يأتك أحد أقربائك أو أصدقائك ليقترض منك "قرشين"، وهو في الواقع يريد ألف جنية مثلاً، وربما آلافا؟ وفي الإنجليزية كثيراً ما نسمع الصديق يقول لصديقه، بعد غيابه عنه شهراً مثلاً، إنه لم يره "منذ دهور: for ages". وهذا كله من باب التوسع اللغوي، وفيه من البلاغة ما يبهر الألباب، ووجه استعمال "القلوب" في الآية الكريمة، حسبما أتصور، هو أن القرآن المجيد يريد لأُمَّىِ المؤمنين، ﵄، أن تَصْغُوَا بكل خلجات قلبيهما إلى الحق، فكأن الآية قد استعملت "القلوب" يمعنى المشاعر والخواطر. والآن إلى شواهد من الكتاب المقدس عند العبد الفاضي على هذا
следующие страницы →