Полный текст (161 стр.). Показаны 141–161 · переход к 146.
стр. 141
الضغث، فما وجه العيب في الحلّ الذي قدّمه الله له؟ لقد حلف الرجل أن يضرب زوجته، فدلَّه الله على طريقة ينفّذ بها قَسَمه دون أن يؤلم شريكة عمره، فما الخطأ في هذا؟ ثم إن هذا الجزء من قصة أيوب غير موجود في العهد العتيق، فِلمَ يسارع ذلك الجاهل بتكذيبه، وبخاصة أنه غير موجود أيضاً في القرآن الكريم؟ إن هذا كله عراك في غير معترك!
وكان الجاهل قد أورد كلام أيوب لزوجته طبقاً لرواية العهد العتيق بوصفه دليلاً على برّ أيوب أمام بلواه، وكذلك على لطفه وحلمه مع زوجته، مع أن بقية ذلك الكلام نفسه تنبئ عن حدّة وعنف في معاملته لها حيث يصف كلامها بأنه ككلام إحدى الجاهلات. ثم إن ما قالته هذه الزوجة لزوجها ليستحق ما هو أقسى من الحَلِف بضربها مائة ضربة، إذ استغربت صبره وتماسكه أمام محنَه وحاولت إغراءه بالتجديف على الله حتى يموت ويستريح. وهذا نص ما قالت: "أإلى الآن أنت معتصم بسلامتك؟ جدَّف على الله ومُتْ".
ولقد جدّف أيوب (أيوب العهد القديم لا أيوب النبي الكريم الذي نؤمن به نحن المسلمين) ، وتمرد على ربه، ولعن اليوم الذي وُلِد
стр. 142
فيه، وسَخِر من القضاء الإلهي الذي يصبَ الشقاء على الأبرار ويغمر الفجرة بألوان النعم والسعادة، وتمنّى لو كان هناك قاضٍ يحتكم هو والله إليه حتى يتبين لله ظلمه وخطؤه، وأخذ ينوح نواحاً متصلاً، وكلما حاول أحد أصدقائه تهدئته ولفت نظره إلى تجاوزاته مع الله لزداد سخطاً وتمرداً، وذلك على مدى عشرات الصفحات، مع بعض الفَيْئات القليلة إلى الرضا أثناء ذلك. أَفَمَنْ يتمرد ويجدّف على ربه على هذا النحو، أُيسْتَبْعدُ أن يحلف لَيَضْرِبَنً امرأته لإبطائها عليه؟ لا ننس أنه لا العهد العتيق ولا القرآن الكريم قد تعرض لهذه التفصيلة، ولكنني أردت أن أبين للقارئ سخف المنطق الذي سوّل لجاهلنا المسارعة إلى الأعتراض على البيضاوي.
وأخيراً وليس آخراً فإن الجاهل يحاجّ البيضاوي بأن "أيوب سابق ليعقوب ويوسف تاريخياً"، كما أن مؤلف سفر "أيوب" يذكر أنه كان يسكن في أرض عوص، التي تقول حواشي العهد العتيق الملحقة به في الترجمة الكاثوليكية إنها كانت مجاورة لأرض يهوذا، أي أنها كانت جزءاً من أرض فلسطين. وألان في ضوء كلام جاهلنا وما جاء في حواشي العهد العتيق نتساءل: كيف يقول كاتب سفر "أيوب" إذن إن أهل سبأ قد هجموا على بهائهم أيوب وقتلوا عبيده واستاقوا الإبل
стр. 143
أمامهم؟ أين أهل سبأ من فلسطين، وبالذات في ذلك الزمن الموغل في القدم حيث كانت وسائل المواصلات بدائية وشديدة البطء؟ لقد كانت سبأ في بلاد اليمن، وبينها وبين فلسطين مسافات صحرارية رهيبة، فكيف يأتي الرعاة منها ليهجموا على مواشي أيوب في تلك الأزمان السحيقة التي كانت وسيلة السفر فيه هي الأقدام أو ظهور الجمال على أحسن تقدير؟ وهذا لو كانت سبأ موجودة في ذلك الوقت، بَيْدَ أن مملكة سبأ لم تظهر إلى الوجود إلا في القرن الثامن قبل الميلاد، على حين أن يعقوب، الذي يؤكد الأحمق المائق إنه متأخر في الزمن عن أيوب، كان يعيش في القرن الثامن عشر قبل الميلاد، أي إنه كان باقياً على سبأ، لكي يكون لها مكان على خريطة الوجود، عشرة قرون أو تزيد! فتأمَّلْ واعجَبْ أيها القارئ!
وبالنسبة لمريم ﵍ يقول المتنطع الذي يصر بغباء عجيب على أن يسعى بقدمه إلى هلاكه إن الآية ١٢ من التحريم قد ذكرت أن مريم هي ابنة عمران، فكيف يصح ذلك، والإنجيل يقول
стр. 144
إنها بنت هالي (لوقا/٣/٢٣) ؟ أم كيف يقول القرآن إنها بنت عمران أبى موسى وإنها أخت هارون مع أن بينها وبين عمران وهارون ألفا وستمائة سنة؟ (ص ٣٠) .
والواقع أن هذا الكلام لا مكان له إلا المرحاض، وإليك البيان: أولاً "الإنجيل" هو ما نزل على عيسى ﵇ من وحي سماوي فبلّغه قومَه لا هذه السَّيَر التي كتبها بعض المنتسبين إلى النصرانية بعد عشرات السنين والتي يحوط الشكٌ عند علمائهم أنفسهم شخصية مؤلفيها. فحِجَاج ذلك السفيه لنا إذن بأن الإنجيل قد قال كذا في هذه المسألة حجاج باطل لأننا لا نؤمن بإلاهية مصدر ما يسمَّى بإنجيل مرقس أو لوقا ... إلخ، لأن هذا الكلام إن كان هو يراه ملزماً فإنه لا إلزام لنا فيه.
وهذا كله لو كان في إنجيل لوقا أو غيره فعلاً أن مريم هي بنت هالي، وهو ما لا وجود له، أما المذكور في ذلك الإنجيل فهم سلسلة نسب المسيح، وفيها أنه (على ما يظن أبناء قومه) ابن يوسف بن عالى ... إلى آدم بن الله. ولا ذكر فيها البتة لمريم. فعلام يدل هذا؟ يدل على واحدة من ثلاث: أن الأبعد جاهل أو كذاب أو أحمق مجنون! وليختر لنفسه الصفة التي يحب، فلن نقف حائلين بينه
стр. 145
وبين ما يختار. ومع ذلك فعند النصارى رواية تقول إن مريم هي ابنة يواقيم، إلا أن هذه الرواية ليست محل ثقتهم. ومرة أخرى نتساءل: علام يدل هذا؟ ألا يدل على أن أمورهم كلها معجونة بماء الاضطراب والشك؟ فكيف بالله يجد مثل هذا الأحمق في نفسه البجاحة على تخطئة القرآن الكريم الذي لا يمكن أن يطوله الخطأ؟
وفضلاً عن ذلك فإن القرآن لم يقل إن مريم هي بنت عمران أبي موسى أو إنها أخت هارون أخى موسى، بل كل ما جاء فيه أنها "مريم ابنة عمران" فقط، وأن قومها حينما جاءتهم حاملةً وليدها، ولم تكن قد تزوجت، قالوا لها: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ ، أي أنها في القرآن هي أخت هارون ليس إلا،
стр. 146
والذي سماها كذلك ليس هو القرآن بل قومها. فانظر بالله عليك إلى هذا المدلَّس المفضوح الذي يتقوّل على القرآن الأكاذيب!
ثم إن القرآن مصدَّق فيما يقول، ومادام قد قال إن مريم هي ابنة عمران فلابد أن تكون ابنة عمران فعلاً، وبخاصة إنه ليس عند النصارى في هذا الصدد سوى رواية تفتقر إلى الثقة كما ذكرنا. وقد تكون تسميتها "ابنة عمران" هي تسمية مجازية كما سُمَّيَ يوسف النجار (الذي يقولون إنه كان خطيبها) بـ "يوسف بن داود" على لسان الله ذاته طبقاً لإنجيل متى، مع أن بين يوسف هذا ودواد ﵇ نحو ثلاثين جيلاً حسبما جاء في ذلك الإنجيل نفسه، وكما سمي الأعمى (في إنجيل لوقا) المسيحّ ﵇ بـ "يسوع بن داود" مرتين. وفي هذا الإنجيل أيضاً نسمع غنياً معاصراً للمسيح ينادي إبراهيم من الجحيم بـ "يا أبت"، ويرد عليه إبراهيم قائلاً: "يا ابني". وبالمثل يسمَّى المسيحُ ذاُته المرأة المنحنية الظَّهْر "ابنة إبراهيم". أما
стр. 147
النبّوة لله فما أسهلها وما أرخصها في الكتاب المقدس: فإسرائيل ابنه البكْر، وداود أيضاً ابنه البِكْر، وإفرائيم هو كذلك ابنه البِكْر! وقد رأيناه ما جاء في سلسلة نسب المسيح من أن آدم هو ابن الله، ولن ننسى بطبيعة الحال ما يقوله النصارى عن عيسى وبنوته هو أيضاً لله. وهناك، فوق هذا كله، "أبناء الله" التي أُطْلِقَتْ على ما لا أدري كم من الجماعات المختِلفة! فيا أيها الأحمق، مادامت ذمتكم واسعة بهذا الشكل، فلماذ تضيقون بتسمية مريم بـ "ابنة عمران" حتى لو كانت هذه تسمية مجازية؟ وفي هذه الحال سيكون القرآن مجرد حاكٍ لما كانوا ينادونها به حسب تقاليدهم في نسبة الشخص إلى جدَّ له بعيد مشهور. بعضاً من حمرة الخجل يا عقل العصفور! أما القول بأن فلاناً أو علاناً أو ترتاناً ابنّ لله فإن المسلمين لا يُقْدِمون على مثل هذه الشُّنْعة، إذ هم يعرفون مقام الألوهية وما يجب لها من الإجلال والتوحيد!
* * *
стр. 148
ويأخذ العبد الفاضي على القرآن ما يسميه "خَلْط الأسماء" حيث تقول الآيات ٨٤ - ٨٦ من سورة "الأنعام" عن إبراهيم ﵇: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٥) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ . ووجه اعتراض العبقري الذي لم تلده ولادة في السُّخْف وضلال العقل أن ترتيب الأنبياء هنا لا يجرى على ترتيبهم التاريخي (ص ٣٦ - ٣٧) .
وهذا اعتراض لا معنى له أبداً، فالقرآن لم يقل إن هذا هو ترتيبهم التاريخي، ولم يستعمل في العطف بين أسمائهم إلا "الواو"، وهي حرف لمطلق الجمع، أي لا تفيد ترتيباً، بخلاف "ثُمّ" و"الفاء". فهذان سببان كافيان لإخراس المتنطع، ومع هذا فإننا نسوق أيضاً المعلومة التالية التي لو كان عنده ذرة من حساسية لانشقّت الأرض بعدها وابتعلته كما ابتعلت قارون. يا أيها المتنطع، قبل أن تقذف بيوت الناس بالحجارة أنظر إلأى زجاج بيتك وخَفْ عليه أن يفكر الآخرون في الردّ على حجارتك الطائشة التي لا تفيدك شيئاً بحجر واحد يحطمه لك تحطيماً! وبيتك الزجاجي الذي أقصده هو أسفار الأنبياء في العهد العتيق التي لا تخضع لأي ترتيب تاريخي رغم أن ذلك
стр. 149
الكتاب قائم على ترتيب الأحداث التي وقعت لبني إسرائيل ترتيباً تاريخياً، إذ وردت تلك الأسفار فيه على النحو التالي: أشَعْيا ثم إرميا ثم باروك ثم حزقيال ثم دانيال ثم هوشع ثم يوئيل ثم عاموس ثم عوبديا ثم يونان ثم ميخا ثم نحوم ثو حبقوق ثم صفنيا ثم هجاى ثم زكريا ثم ملاخى، على حين أن الترتيب التاريخي هو عاموس، هوشع، أشعيا، ميخا، صفنيا، ناحوم، حبقوق، إرميا، حزقيال، حجاى، عوبديا، زكريا، يوئيل، دانيال، وهذا ليس كلامنا نحن بل كلام علمائكم.
ويستمر عقل العصفور في هجومه الصبياني الأخرق على القرآن الكريم فيتهمه بأنه مأخوذ من أقوال الحنفناء وأشعار امرئ القيس وقصص سلمان الفارسي وكُتب جهلة اليهود والنصارى (ص ١٨٥) . ولو كان عنده هو والذين أًزُّوه على هلاكه مُسْكة من عقل ما فتح هذا الباب الذي إنما يفتح به على نفسه أبواب الجحيم, ترى لو أن الرسول عليه الصلام والسلام قد أخذ كلام الحنفاء وجعله قرآناً، فِلمَ سكت منهم من ظلوا أحياء إلى ما بعد بعثته كورقة بن نوفل، الذي سارع إلى الإيمان به وأعلن أنه لو امتدّ به الأجل إلى اليوم الذي يُقْدِم القرشَّيون فيه على إيذائه وإخراجه من مكة فلسوف يقف إلى جانبه
стр. 150
وينصره نصراً مؤزراً، وكأمية بن أبي الصلت، الذي كان عازماً على الدخول في دعوته والانضواء تحت رايته لولا أن وقعت غزوة بدر، وسقط بعض أقاربه قتلى بسيوف المسلمين؟ ترى لم سكتوا فلم يقولوا: إن محمداً إنما تعلّم منا واستوحى قرآنه من كلامنا؟ ولِمَ سكت كذلك أولاد من مات منهم قبل البعثة وأقاربهم كما هو الأمر في حالة زيد بن عمرو بن نُفَيْل، الذي كان ابنه سعيد من أوائل من لَبَّوْا دعوة الرسول ثم تبعه ابن عمه وصهره عمر بن الخطاب؟
ولقد توفرت لأمية كل الدواعي لفضح محمد لو كان الرسول ﵇ قد استمد قرآنه منه ومن أمثاله. فقد رثى هَلْكَى قريش في غزوة بدر بقصيدة حاثية بلغت الغاية في التفجع عليهم والتحريض على الإسلام والمسلمي. وهذه القصيدة موجودة في ديوانه وفي كتب السيرة والتاريخ والأدب، ومع ذلك تقرؤها من أولها إلى آخرها فلا تجد فيها كلمة واحدة تتّهم محمداً بشيء. كذلك كان هناك أبو عامر الراهب، الذي كان الغِلّ يلتهم قلبه والذي كان يتصل بالبيزنطيين في الشام يستعين بهم على حربه ﷺ وكان له بين سكان المدينة عيون وأنصار، ومع ذلك كله لم يحدث أن قتح فمه بكلمة تتهمه ﵇ بالأخذ من الحنفاء حتى ولا لابنه حنظلة، الذي تمرد عليه وانحاز إلى الرسول عليه الصلاة والسلام
стр. 151
واستُشْهِد في معركة أحد حيث بلغ تحريض أبيه وتآمره على النبي والمسلمين المدى الأبعد.
ويزعم الأحمق الكذاب أن القرآن في قوله تعالى في الآية ١٠٣ من "النحل": ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ قد شهد أن المقصود بالذي أملى القصص الفارسية على محمد هو سلمان الفارسي (ص ١٩١) . لكن الآية، كما جلىّ لكل من لم تَعْمَ عيناه وبصيرته كصاحبنا الغبي الذي طمس اللع على فؤاده ومدّ على بصره غشاوة، ليس فيها أية إشارة إلى سلمان أو أي قَصَصٍ فارسي. هذه واحدة، أما الثانية فإن الآية مكية، وسلمان لم يظهر في الأفق الإسلامي إلا في المدينة بعد الهجرة بفترة، فكيف يمكن أن تتكلم الآية الكريمة عن شخص لم يكن له حتى ذلك الحين ولا إلى ما بعد ذلك بأعوامٍ وجودٌ في حياة النبي ﵇؟ أرأى القارئ كيف فقد أعداء الإسلام العقل والحياء على هذا النحو الشائن المخزي؟ ونأتي إلى الثالثة، والثالثة ثابتة كما يقولون: فالمعروف أن سلمان هو الذي سعى إلى النبي ﷺ في رحلة طويلة مرهقة طوّف فيها بعدد من بلدان الشرق الأوسط حتى وصل إلى يثرب حيث بِيعَ، وهو الشريف الفارسي، بَيْع العبيد، وانتهى أمره بالدخول في الإسلام وملازمة النبي
стр. 152
عليه السلام والمثابرة على خدمته وخدمة دعوته بكل سبيل. وكانت قصص الأنبياء والأمم السابقة وآدم وإبليس وغير ذلك قد أصبحت تملأ القرآ،، فلم تعد هناك حاجة إلى ما في جعبة سلمان، أو كما قال أحدهم ذات مرة في سخافة حقيرة: "إلى الكنز المعرفي الثمين" الذي كان في حوزة سلمان والذي يدَّعى ذلك الأفاك ما ادّعى أفَاكنا الحالي أن الرسول ﵇ كان يستمد منه.
أما الشعر الذي أَفَكَ هذا الكذاب بأن القرآن قد أخذ منه بعض العبارات فهو الأبيات التالية التي تُنْسَب لامرئ القيس:
دنت الساعة، وانشقً القَمَرْ ... عن غزالٍ صادَ قلبي ونَفَرْ
مرَّ يومَ العيد بي في زينةٍ ... فرماني فتعاطى فعَقَرْ
بسهامٍ من لحاظٍ فاتكٍ ... فرً عنّى كهشِيم المحتظِر
وإذا ما غاب عني ساعةً ... كانت الساعة أدهى وأمرّ
كُتِبَ الحسن على وجنته ... بسحيق المسك سطراً مختصر
عادة الأقمار تسرى في الدجى ... فرأيت الليل يسرى بالقمر
بالضحى والليل من طُرّته ... فرقة ذا النور: كم شيء زهر
قلتُ إذ شقّ العذاُر خَدَّه: ... دنت الساعة، وانشقّ القمر
стр. 153
(١٨٥ - ١٨٦) . العبارات التي زعم الكذاب أن القرآن قد أخذها من هذا الشعر هي العبارات التي تحتها خط. والله إنى لاستعجب من كل هذا الغباء الذي سوّل للأحمق أن يقول هذا الذي قاله. تَعْساً لك يا عبد الفاضي وليومٍ ولدتك فيه أمك! إنما ولدتْك للشقاء، فيا ويلك ثم يا ويلك! أهذا شعر يقوله امرؤ القيس؟ إن الأبعد لا يشمّ، لأنه لو كان يشم لأغلق فمه المنتن فلم ينبس ببنت شفة في هذا الموضوع. إن الركاكة تسربل الأبيات من بدايتها إلى خاتمتها، ولم يكن الشعر الجاهلي يوماً (فضلاً عن أن يكون هذا الشعر لامرئ القيس) ركيكاً بهذا الشكل المزري، ثم إن القصيدة تتغزل في غلام، ومتى كان الجاهليون يتعزلون في الغلمان؟ إن هذه الظاهرة لم تنشأ إلا في العصر العباسي يا أيها الغبي الأبلة!
ثم هل أن يقول أي شاعر جاهلي: "دنت الساعة، وانشق القمر"؟ والجواب: "كلا" بالثُّلُث، فالجاهليون لم يكونوا يستخدمون كلمة "الساعة" للدلالة على يوم القيامة. بل إن يوم القيامة لم يكن جزءاً من عقائدهم، اللهم إلا نفراً ضئيلاً منهم هم الحنفاء، الذين كانوا مع ذلك لا يؤمنون أكثر من مجرد إيمان عام بأن هناك عالماً آخر، أما دنوّ هذا اليوم فلم يكن يجري لهم في بال. ثم أين امرؤ القيس رغم ذلك كله من الحنفاء؟ كذلك ففكرة "انشقاق القمر" هي من
стр. 154
الأفكار التي يستحيل خطورها في عقل أي شاعر جاهلي سواء كان المراد أن القمر قد انشق فعلاً كما تقول بعض الروايات الخاصة بأسباب نزول الآية الأولى من سورة "القمر" أو كان المراد مجرد الإشارة إلى أن القمر سينشق مستقبلاً مع قيام الساعة على عادة القرآن في استعمال الفعل الماضي في كثير من الأحيان للدلالة على أحداث القيامة والعالم الآخر. ذلك أنه على المعنى الأول يكون "انشقاق القمر" معجزة من المعجزات، والجاهليون لم يكونوا يؤمنون بالمعجزات، أما على المعنى الثاني فحتى الطائفة الضئيلة التي كانت تعتقد، كما قلنا، اعتقادا عاماً في العالم الآخر لم يكن في ذهنها أن انشقاق القمر هو من مقدمات القيامة، فما بالنا بامرئ القيس؟
ولقد نَقَّبْتُ ذات يوم في أشعار الجاهلية للبحث عن كلمة "العيد" فلم أجد إلا شاهدين اثنين لا غير، أما عبارة "يوم العيد" بأكملها فلا وجود لها في ذلك الشعر. ثم هل يقول الجاهليون في أشعارهم ما جاء في البيت الأول مما لا يستطيع الإنسان أن يعقل له معنى من أن القمر قد انشق عن غزال صاد قلب الشاعر ونفر، أو ما جاء في البيت الرابع من أن ذلك الغلام قد فرّ عن الشاعر كهشيم المحتظر؟ أم هل كان من الممكن أن يتصوروا كتابة منقوشة على وجنة إنسان؟ إن هذا من مظاهر الترف الحضاري الذي لم يكن ليخطر لهم على بال! أم هل
стр. 155
كانت قصائدهم تعرف ألفاظاً وعبارات مثل "الطُرّة" و"عادة الأقمار" و"حِرْتَّ في أوصافه" أو الركاكات التي تجعل الشاعر يكرر كلمة "أحور" في البيت الثاني مرتين، أو جملة "دنت الساعة وانشق القمر" في أول القصيدة وآخرها دون أدنى مسوّغ إلا الهذر والإسهال اللفظي؟ أم هل جمع أي شاعر جاهلي كلمة "قمر" كما في البيت السابع من القصيدة التافهة التي بين أيدينا؟ أم هل يمكن أن يخضع أي شاعر جاهلي لضرورة القافية بحيث يقول: "سطراًَ مختصر" بدل "سطراً مختصراً"، أو أن يخطئ فيقول: "لحاظ فاتكٍ" بدلاً من "لحاظ فاتكة"؟
وأخيراً لقد كنت أستطيع أن أريح نفسي منذ البداية فأقول إن هذه القصيدة لا وجود لها في ديون امرئ القيس ولا في ديوان أي شاعر جاهلي، لكنى أردت أن أبين أن أي إنسان عنده مزّية الشمّ يستطيع على مسافة أميالٍ أن يعرف أنها ليست لامرئ القيس ولا لأي شاعر جاهلي أو إسلامي أو أموي أو حتى عباسي رغم أن التغزل بالغلمان قد بدأ في أيام العباسيين كما سلف القول، إذ إن طابع عصور الإنحطاط في تاريخ الأدب العربي واضح فيها أشد الوضوح. ونفس الشيء نقوله في البيتين الآخرين اللذين نسبهما صُوَيْحِبنا الجاهل أيضاً لامرئ القيس (ص ١٨٦) ، وهما:
стр. 156
أقْبلَ والعشّاق من خلفه ... كأنهم من حَدَبٍ يَنْسِلون
وجاء يومَ العيد في زينةٍِ ... لمثل هذا فلْيعمل العاملون
وتَبْقَى كُتُب جَهَلة اليهود والنصارى: فأما النصارى فلو كان رسول الله قد تعلم شيئاً منهم لا نبرى له أَحَدُ من كان منهم في مكة أيام اضطهاد قومه له ﷺ ، مما من شأنه أن يغرى بتقوّل الأوقاويل عليه، قائلاً: "أنا الذي أخذتَ مني يا محمد كلامي وزعمتَ أنه قرآن ينزل عليك من السماء! ". ولقد ظهر النصارى مرة أخرى في حياته ﵊ بالمدينة حين زاره وفد نصارى نجران، وفيهم سادتهم وعلماؤهم، فدعاهم ﵇ إلى المباهلة، وهي قمة التحدي، فلماذا لم يقولوها؟ ولماذا لم يقلها بحيرا. الذي يطنطن المستشرقون أنه هو الذي علّمه ﵇؟ أما اليهود فإنهم لم يتركوا أي شيء يَرَوْنَ أنه يُفْسِد عليه أمره إلا وفعلوه، حتى لقد ذهبوا إلى قريش وزعموا أن أصنامهم ووثنيتهم وانحرافاتهم الأخلاقية خير من توحيد محمد وما يدعو إليه من مكارم الأخلاق، كما تآمروا على قتله وطَعْن دينه في ظهره ووضعوا أيديهم في أيدي الأحزاب في غزوة الخندق ... إلخ، ورغم ذلك نراهم لم ينبسوا بكلمة واحدة عن أخذه المزعوم من كتبهم. ومعروف أن اليهود يتمتعون بوقاحة فائقة ولا يبالون أن يفتروا الكذب على أشرف الشرفاء، بيد أنهم خرسوا
стр. 157
تماماً في هذه المسألة، فعلام يدل هذا؟ وكيف تواتيك نفسك أيها المتنطع الكذوب بعد أربعة عشر قرناً من الزمان على توجيه مثل هذا الإتهام؟ إن الحياء هو خُلُق الكرام، وأنتم قوم لا تستحون، تماماً مثل المومس التي يعرف الناس جميعاً عهرها وفضائحها، ومع ذلك فإنها لا تشعر بذرة من خجل بل تقف في الشارع وتصيح بملء صوتها العاهر أنها أشرف نم كل نساء الدنيا وأنها وأنهن! أهذا غاية ما عندكم ممت تتهمون به سيد الخلق؟ أكل هذا من أجل أن دينه قد أنكر التثليثَ ووراثةَ الخطيئة وأبوّةَ الله لواحد من عبادة وشُرْبَ الخمر وأكْلَ الخنزير وتَرْكَ الختان؟ لقد ظلت حربكم هذه العَوَان مشنونة عليه وعلى دينه طوال القرون الأربعة عشر الخالية، ولكنها لم تؤدّ بكم إلى شيء! وإنكم لتظنون أن الهوان الذي أصاب المسلمين في هذه اليام النَّحِسات هو فرصتكم الذهبية للقضاء على دين سيد الخلق، وأنتم في ذلك واهمون وهم النائم الذي لم بتغطَّ جيداً فبانت سوأته وهو يحلم الأحلام ويظنها حقائق! إنكم لتناطحون جبلاً أشمّ، ولقد فقد عقلَه من تسوَل له نفسه أنه يستطيع تدمير الجبال بقَرْنىْ صرصور!
* * *
وتحت عنوان "الوحي الذي يشكّ فيه مبلغَّه" يسوق الشقيُّ اللعينُ قوله تعالى مخاطباً رسوله ﵇ في بدايات الوحي:
стр. 158
﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ (يونس/٩٤) دليلاً على إنه ﷺ كان يشكّ في نبوته، فكيف يتوقع إذن من سامعيه أن يصدّقوه؟ ثم يستشهد بقول بولس إلى أهل غلاطية (١/٨) : "إنْ بشَّرناكم نحن أو ملاك من السماء بغير ما بشّرناكم فليكن أناثيماًَ (أي واقعاً تحت لعنة) " على أن هناك فرقاُ بين محمد، الذي يشك في الوحي الذي ينزل عليه، وبين بولس الواثق فيما كان يبشرّ به حسب كلامه (ص ٨٢ - ٨٣) .
ومقطع الحق أنه ليس في الآية الكريمة ما يدل على إنه ﷺ كان يشك آنئذ في الوحي، فإنّ حرف الشرط "إنْ" يدل على استحالة الفعل أو استبعاد حدوثه على أقل تقدير، وإنما هو ضرب من تثبيت القلب، إذ كان قومه يكذّبون ويفترون عليه الاتهامات، فبيّن القرآن له أنه على الحق فلا ينبغي أن يبالي بافتراءات المفترين، وإذا كان قومه يكذبونه ويرفضون دعوته فها هم أولاء الذين يقرأون الكتب من قبله، فليسألهم إن أحبّ، ولسوف يجيبونه بأن نبوته معروفة عندهم وأن الناموس الذي ينزل عليه هو نفسه الناموس الذي كان ينزل على إخواته الأنبياء من قبل. إنه نفس الجواب الذي
стр. 159
سمعه قبلاً من ورقة بن نوفل. ومع ذلك فإنه ﵇ لم يشكّ ولم يسأل، وقد وردت الروايات بذلك، إذ كان جوابه عندما نزلت عليه تلك الآية. "أنا لا أشكّ ولا أسأل". وحتى لو كان ﵇ قد توقف أمام هذا الحديث العجيب الذي حوّل حياته وحياة البشرية ومسيرتها الحضارية تحويلاً، فماذا في هذا؟ إنه يدل على أنه لم يخترع الوحي كما يفترى عليه أعداء الإسلام، إذ المخترع لا يشك ولا يتوقف، فضلاً عن أن يعلن هذا على الملأ، وإنما كان يبغي اليقين المطلق، وهذه قمة الموضوعية. وعلى أية حال فإن حرف الشرط "إنْ" الموجود في أول الآية الكريمة موجود أيضاً في أول عبارة بولس: "إنْ بشّرناكم ... إلخ"، فهل يقول المتنطع الجهول إن بولس يعترف بأن من الممكن أن يبشّر أهل غلاطية بغير ما كان يبشرهم فعلاً به؟ ولقد خاطب الله رسوله قائلاً: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ ، ومستحيل في الإسلام وفي منطق العقل أن يكون لله ولد. ألا يرى العبد الفاضي أنه كالحمار يحمل أسفاراً؟
وإني لاستغرب كيف لم يفكر الغبي مثلاً في صيحة عيسى ﵇ على الصليب حسب مزاعم العهد الجديد: "إلهي: إلهي، لماذا تركتني؟ "، إذ ليس لها من معنى إلا أنه لما جَدَّ الجِدّ نسى كل ما
стр. 160
اتفق عليه مع أبيه (أو بالأحرى: مع إلهه طبقاً لكلامه هو) من إنه سيُصْلَب تكفيراً عن خطايا البشرية، فأخذ يبكي ويصيح عبثاً دون جدوى! فذلك هو الذي ينبغي أن يشغل ذلك المتنطعُ به نَفْسَه لا بتقحُّم تفسير القرآن برعونة وجهل! هذا، ولا أريد أن أشير إلى اجتراء إبليس على المسيح (وهو الله عندهم) وأخذه إياه إلى قمة الجبل كي يخابر إيمانه، ولا إلى تعميدِ يحيى ﵇ له، أي تعميد العبد للربّ ... إلخ، وهو كثير!
* * *
ويستمر التعيس في تخبطاته فيقول إن قوله عز شأنه في الآية ٢٣ من "المائدة" عن يهود المدينة: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾ ؟ ، وقوه جلَّ وعلا عن النصارى في الآية ٤٧ من نفس السورة: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ، دليل على أن التوارة والإنجيل اللذين كانا في أيدى اليهود والنصارى صحيحان (ص ٨٣) وهو فهم غبي، وإنما يريد القرآن أن يوضح لليهود نفاقهم وتخبطهم حيث يرفضون نبوة محمد، وفي ذات الوقت يأتون إليه طالبين منه أن يصدر حكمه على زانيين منهما، فقال لهم: إن في كتابكم العقوبة الخاصة بالزنا، فلماذا تتجاهلونها وتظنون أن رسول الله سوف يحكم
стр. 161
عليهما بحكم آخر أخفّ؟ ولقد عبث اليهود فعلاً بتوارتهم، إلا أن هناك مواضع وأحكاماً فيها لم تمسسها يد العبث، ومنها رجم الزناة. فهل إذا قال القرآن الكريم إن حكم الزني الموجود في العهد العتيق هو حكم صحيح كان معناه أن كل ما في ذلك الكتاب صحيح؟ أما قوله : ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ فهو يتحدث عما أنزله الله على عيسى لا ما أضافته أو حرفته يد الإفساد. ولقد كان مما أنزله الله على عيسى التبشيرُ بنبوة محمد، وهو مما أمر الله أهل الإنجيل أن يحكموا به فيدخلوا في دين محمد ويعتنقوا التوحيد بدل التثليث ويَعِفّوا عن لحم الخنزير وما إلى ذلك مما أدخله بولس وأمثاله في ديانة عيسى، وهي منه براء، فهذا هو معنى الآية، لكن القلوب الغُلْف لا تفهم!
وبالله التوفيق!