← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 1415

عصمة القرآن الكريم وجهالات المبشرين

إبراهيم عوض

Полный текст (161 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

يكن له وجود البتة أو كأنه على الأقل لم يكن قد وِلُد بعد. وتفصيل الأمر أن إسماعيل، كما هو معروف وكما جاء في الكتاب المقدس نفسه، قد وِلُد قبل إسحاق بعدة أعوام، ومع ذلك يقول ملفق سفر "التكوي"، الذي يتنفس الكذب تنفّساً ويتمتع بوجه وقح فلا يطرف له جفن، وهو يقترف الكذب جهاراً نهاراً وعلى مرأى ومسمع من العالمين، هذا الملفق الكذاب يقول إن الله أراد أن يمتحن إيمان إبراهيم فقال له: "خذ ابنك وحيدك الذي تحبه إسحاق وامض إلى أرض موريّة وأًصْعِدْه هناك مُحْرَقةً على أحد الجبال الذي أُريك ... ". أيعقل أن يقول الله عن غسحاق إنه ولد إبراهيم الوحيد؟ فماذا إسماعيل إذن؟ ألعلّه كان ابن الجيران؟ أم ترى نسى الله سبحانه أنه كان قد وهب لإبراهيم قبل عدة أعوام ابناً اسمه إسماعيل؟ لكن لماذا؟ أيمكن أن يكون هذا هو الله رب العالمين الذي نعرفه أم هو إله من آلهة الوثنيين البدائيين؟ ثم يأتي في آخر الزمان صويحبنا الجاهل ويتحدانا بمثل هذه السخافات! عجبتُ لك يا زمن! ولأن الطبع غلاب فإن يعقوب عاد بعد هذا فصاهر خاله لابان عابد الأصنام ... ولكن يحسن أن نورد القصة كاملة أولاً حتى ينبيّن

стр. 107

للقارئ أن فوق كل ذي مكر من هو أمكر منه. لقد شاهد يعقوبُ أثناء ترحاله إلى الشرق بنتَ خاله راحيل وهي تسوق غنهما إلى البئر، وكانت راحيل جميلة، فأخذت بلبّه، وجاء أبوها فعانقه وقبّله وأخذه إلى بيته حيث مكث عنده سبع سنين خدمه فيها لقاء التزوج بحبيبة قلبه. بَيْدَ إنه في صباحيّة دخوله بها في آخر السنوات السبع فوجئ بأن خاله قد زوّجه بدلاً منها ليئة أختّها العاطلة من الجمال. أي إنه أعطاه "مَقْلباً سُخْنا"، ومن شابه أخته فما ظلم! ورغم ذلك يصف مؤلفُ سفر "التكوين" إسماعيل بالتةحش والنفور من الخَلُق ويفور الخَلْق منه! وثمة نقطة أخرى في القصة تدل على سذاجة هذا الملفّق الذي يكذب ولا يعرف كيف يسوَّى كذبه كما يقول أهل الريف، إذ يذكر أن يعقوب لم يتبيّن الخدعة إلا في الصباح. أي إنه قضى الليل كله في أحضان ليئة وهو يظنها راحيل! ترى ألم يكن هناك نور في تلك الليلية البتّة؟ وحتى لو لم يكن هناك نور، أكانا يمارسان الجنس في فلم من أفلام السينما الصامتة فلم يتعرف يعقوب على عروسه من صوتها؟ أنظر أنت أيها القارئ وتعجَّبْ، أما أنا فسأسكت! ثم يقولون بعد ذلك كله إن هذا وحي إلهي!

стр. 108

ولكن هل هذا هو كل شيء؟ كلاً، فما زلنا في أول فصول المسرحية الهزْلية، وإن كنت لا أنوي أن أحكي كل فصولها بل سأجترئ ببعضها، وبمكنة القارئ أن يقيس ما لم أحْكِه على ما حكيتُه. وها نحن أولاء الآن مع أولاء يعقوب، الذين مزقتهم الأحقاد بسبب المعاملة المتحيزة التي كان أبوهم يميز بها بعضهم على بعض. ومعروفة قصة يوسف وتآمر إخوته عليه مما حكاه العهد العتيق والقرآن الكريم جميعاً، وهو تآمر بشع يدل على المدى الوحشي الرهيب الذي بلغه الإنشقاق بين أولاد يعقوب. ثم لا يستحي ملفّق سفر "التكوين" فيرمى إسماعيل ﵇ بالوحشية والنفور رغم كرمه ونبل طبعن وأخلاقه! إلا أن فضائح بيت بعقوب طبقاَ لرواية العهد العتيق لم تنته بعد، فقد وقعت دينة بنت يعقوب في غرام شكيم بن حَموُر الوثني الأقلف ومارست معه الفاحشة، كما زنى أخوها يهوذا بثامار أرملة ابنه عير وهو يحسب أنها بغيَ، إذ كانت أخذت زينتها وهَيأت نفسها له وترصدته حتى أوقعت به وهي متنقبة. ومن بجاحته إنه، عندما أنها قد اشتغلت بغياً، أمر بإخراجها

стр. 109

لتُحْرَق جزاء ممارستها للبغاء، لكنْ ما إِنْ عرَّفته أنما مارست معه الزنا لا مع غيره حتى خَرِسَ وأكفأ على الخبر ماجورا، وعفا الله عما سلف! ولا يقلّ رءوبين أخوه عنه في الفحش والفجور إن لم يَفُقْه، فقد اعتدى على عِرْض أبيه فضاجع سُرَّيَته. ولعلك، أيها القارئ العزيز، تظن أن الأب قد ثار على هذا الفجور وأدَّب الزِانَييْن بما يستحقان، لكن أرجوك ألا تكون حسن النية إلى هذا الحدّ لأن كتابهم المقدس يقول شيئاً آخر، فها هو ذا يعقوب يدعو أولاده في آخر عمره ليكلمهم في بعض الأمور المهمة، فيكون أول كلامه أن خاطب رءوبين قائلاً: "رءوبين، أنت بِكْرِى، قوّتى، وأول قدرتى. فاضلٌ في الشرف، فاضلٌ في العزّ. فُزْتَ كالماء. لا تَفْضُل لأنك عَلَوْتَ مضجع أبيك. حينئذ دنَّستْهَ. على فراشي صِعَد". وواضحّ رنّة الفجر برءوبين في كلام أبيه، إذ يصفه بأنه "فاضلٌ في الشرف، فاضلٌ في العزّ" وبأنه "أول قدرتى". أما الجملتان الأخيرتان اللتان يلمح فيهما إلى زنا ابنه بُسًرًيته فهما كالنغمة الناشزة بين سائر أنغام

стр. 110

اللحن الأخرى المتناسقة. وعلى أية حال فهما كل ما هنالك من رد فعل على هذه الفاحشة النكراء! حقاً إنها عائلة شريفة! ومن هذا الوادي المنتن أيضاً ما عزاه الكتاب المقدس إلى داود ﵇ من التجسس من فوق قصره على زوجة قائده الحربي أورياً وهي تستحم عارية في فناء بيتها المكشوف (على طريقة مشاهد "الإستريتيز: striptease") ، ثم استدعائها إلى القصر والزنا بها، ثم قضائه على زوجها بمؤامرة إجرامية خسيسة، ثم تعزيته لها فيه (فهو يقتل القتيل ويمشي في جنازته!) ، ثم تزوُّجه بها وإنجابه سليمان منها. أي أن سليمان ﵇ عندهم هو ابن هذه الزانية! الله أكبر! فلا عجب إذن أن يَنْظِم من كان ابناً لمثل هذه المرأة نشيد العُهْر المسمَّمى "نشيد الأناشيد". وكانت نتيجة فًعْلة داود مع امرأة قائده أن سَخط الله عليه وتهدده قائلاً: "والآن لا يفارق السيف بيتك إلى الأبد ... إني مثيرً عليك الشرّ من بيتك، وسأخذك أزواجك وأدفعهن إلى غيرك فيدخل على أزواجك في عين هذه الشمس". وتستمر مخازى هذه العائلة المحترمة حسبما سطَّر ملفّقو الكتاب المقدس، فهذا هو أمون بن داود يقترف زنى المحارم مع أخته الجميلة

стр. 111

تامار، ولم يفاتحه أبوه بكلمة حرصاً على ألا يؤلمه لأنه كان يحبه. أََنْعِمْ وأَكْرِمَ! ورغم ذلك كله يشمخ العبد الفاضي على إسماعيل ﵇ قائلاً إنه لا يصلح للنبوة. هل رأيتم وقاحة من قبل كهذه الوقاحة؟ ولْنَعُدْ إلى نبوءات يعقوب الخاصة بمستقبل أولاده الآحرين حيث نقرأ: "شمعون ولاوى أخوان. سيوفهما آلت جَوْر. مجلسهما لا تدخله نفسى، وفي مجمعهما لا تتّحد ذاتي. في سخطهما قَتَلا إنساناً، وفي رضاهما عَرْقَبَا ثورا. ملعونّ سخطهما فإنه شديد، وغضبهما فإنه قاسٍ. أقسّمهما في يعقوب، وأبدّدهما في إسرائيل. يهوذا، إياك يحمدك إخوتك. يَدُك على قُذُلِ أعدائك. يسجد لك بنو أبيك ... يكون دانُ ثعبانأً على الطريق وأفعواناً على السبيل، يلسع رُسغ الفرس فيسقط الراكب إلى الوراء ... جادُ يَقْحَمه الغزاة، وهو يقحم ساقتهم ... يوسف ... قامَرَتْه أصحاب السهام ورَمَتْه فاضطهدتْه ... بنيامين ذئب يفترس. بالغداة يأكل غنيمة، وبالعشىّ يقسم السَّلَب".

стр. 112

ثم إن بني إسرائيل كانوا على امتداد تاريخهم الطويل ولا يزالون يبغضون الأمم الأخرى وتبغضهم الأمم الأخرى حتى ضُرِب المثل بـ "الجيتو" و"حارة اليهود" حيث يعيشون في عزلة عن سائر أهل البلاد التي ينزلونها. وأسفار العهد العتيق تضطرم باللعنات والنبوءات القاتمة الي تنتظر ذلم الشعب الصُّلْب الرقبة، وهو دائماً وأبدا محطّ سخط وشتائمة ورزاياه. لنستمع معاً إلى أَشَعْيَا على سبيل المثال وهو يصرخ في غضب ويأس من صلاح حال أولئك الأوغاد: "السّيد (أي الربّ) أرسل كلمةً على يعقوب فوقعتْ على إسرائيل، وسيعلم الشعب كله ... سيُنْهِض الربّ عليه أضداد رَصِينَ ويسلّح أعداءه: أرام من الشرق، وفلسطين من الغرب، فيأكلون إسرائيل بكل أفواهم ... سيقطع الرب من إسرائيل الرأس والذَّنب ... بغضب رب الجنود تضطرم الأرض فيكون الشعب مثل وقود النار، لا يشفق واحد على أخيه ... يأكلون كلُّ واحد لحم ذراعه: منَسَّى أفرائيم، وأفرائيم منَسَّى، وكلاهما يقومان على يهوذا. ومع هذا كله لم يرتدً غضبه، ولم تزل يده ممدودة". والآن يثور سؤال: من الوحشيون يا ترى: إسماعيل وذريته أم

стр. 113

إسحاق، وهؤلاء هم أولاده وأحفاده كما يعرضهم الكتاب المقدس: خَناً وغشَّ وكذبٌ وقتل وتآمر خسيس وزنا بالمحارم وحقد وقتال فيما بينهم ومع الآخرين؟ ولقد انتهى أمر السيد المسيح مع بني إسرائيل إلى أن أدار ظهره لهم بعدما لقى منهم الأمرًّين وأعطى وجهه للأمم الأخرى وطلب من تلامذته أن يحملوا دعوته إليهم طبقاً لما تقوله الأناجيل ذاتها. أَفَلَكَ بعد ذلك أيها الأحمق عينٌ تجرؤ على مواجهتنا بها؟ * * * وبالنسبة لما جاء في القرآن الكريم عن امرأة العزيز ودعوتها من يَلُكْنَ سيرتها من نسوة المدينة إلى مُتَّكإ في بيتها واعترافها أمامهن بأنها مشغوفة بيوسف ... إلخ يتساءل الأحمق مستنكراً: "هل يُعْقَل أن زوجة ضابط كبير تهيئ وليمة خصيصاً وتدعو سيدات أشراف المدينة لتعلن أمامهن غرامها بعبدها وتكشف عن وجهها برقع الحياء دون أن تخشى فضيحة؟ وكيف يُعْقَل أن النسوة ينشغلن بجمال يوسف حتى ليقطّعن أيديهن بالسكاكين من غير إحساس من شدة الذهول؟ " (ص ٤١) . وأحسب أن القراء الكرام، بعد فضائح الكتاب المقدس التي

стр. 114

ذكرتُها لهم، يستطيعون أن يدركوا إلى أي مدّى بلغ جمود وجه هذا الأحمق الذي يتظاهر بطيبة الطوية ويستغرب أن يصل التدلة بامرأة ضابط كبير إلى ذلك الحدّ. يا أخا الحماقة، إن الترف الإجرلامي ليؤدي إلى هذا وإلى ما هو أشنع من هذا كما يعرف كل الناس. وماذا يُنْتَظَر من امرأة كانت تطارد ابنها بالتبني على النحو وتقول له بصريح العبارة كما جاء في كتابكم المقدس: "ضاجِعْني" (هكذا بالحرف الواحد) ؟ ثم إن زوجها، طبقاً لما جاء في كتابكم، كان خصياً، أي إنها كانت تعاني من الحرمان الجنسي المطلق. كما أن أولئك النسوة قد فَضَحْنَها في كل مكان بالمدينة فلم يعد هناك معنى لاحتفاظها ببرقع الحياء، إذ وقعت الواقعة وانتهى الأمر. ولقد تابع العاَلم منذ سنوات غير بعيدة الأمير تشارلز وليّ عهد بريطانيا وزوجته الأميرة ديانا، وكلاهما يعترف في المرناء أمام مئات الملايين في أرجاء الكرة الأرضية بالقاءات الجنسية التي مارسها في

стр. 115

الحرام من وراء رفيقه. وقبل ذلك بسنوات كان التلفاز مشغولاً في نشراته لفترة طويلة بعشق الأميرة آن (أخت تشارلز) للضابط مارك فيليس وبعشق خالته الأميرة مرجريت لأحد المصوَّرين. وقل مثل ذلك في زوجتَىْ أخويه. كذلك فالأحمق يعرف جيداً ما كان يفعله بعض بابوات روما في العصور الوسطى، إذ يصطحب الواحد منهم عشيقته معه وهو يدور على رعاياه في جولاته "المقدسة" (المقدسة جداً) بوصفه خليفة المسيح على الأرض (ومعروف ما يمثله المسيح ﵇ عند النصارى) ، فضلاً عن أن بعضهم الآخر كان يمارس الزنا مع أخته بعلم من حوله على أقل تقدير! وفي الكتاب المقدس نفسه نجد مثلاً ابنَتْى لوط تتفقان دون خجل أو حياء على أن تسقيا أباهما خمراً حتى يفقد الوعي ثم تضاجعاه الواحدة بعد الأخرى لتَحْبلا منه. ولا ننس داود، الذي رأيناه، بعد أن شاهد بتْشَبَع زوجة أورياً قائده من فوق سطح القصر، يرسل من يُحْضِرها إليه ويُدْخِلها عليه. ومعنى ذلك أنه، وهذا كلام الكتاب المقدس لا كلامي، لم يستح من إعلان عشقه لها أمام رجال حاشيته على الأقل. ثم إنها، بعد أن حملت منه، قد أرسلت إليه من ينبئه بالأمر. ومعنى ذلك أيضاً أنها لم تخجل من أن تعلن أمام من أرسلتهم إليه إنها زنت معه وحملت منه. ثم إنه قد اتفق مع

стр. 116

بعض رجاله أن يخلّصوه من أوربا زوجها حتى يخْلُص له وجه بَتْشَيَع ومعنى ذلك ثالثاً إنه لم يخجل من إبداء تدلهه في هواها وما استتبعه هذا التدله من القضاء على الزوج المسكين. أفِقْ يا عبد الفاضي من أوهامك السخيفة، ولا تحاول أن تقترب من القرآن لأنه ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ ! أما مسألة تقطيع النسوة أيديهن، فما الغريب في أن تجرّح نَفْسَها، بسكين حاد في يدها تقطع بع الفاكهة، امرأٌة مترفٌة نَزِقةٌ طائشةُ عندما يخرج عليها فجأةً شاب باهر الوسامة قد أصبح حديث المدينة بسبب وَلَهِ امرأة العزيز بهيليها وهيلمانها به؟ وفي كثير من القصص والأفلام الواقعية من صنوف هذا الوله المجنون ما لا يُعَدّ

стр. 117

الذي فعلتْه صواحب يوسف بجانبه شيئاً يستحق الذكر. وقد فعلت الفتيات في مصر ما هو أبشع من هذا عندما مات أحد المطربين العاطفيين منذ نحو ربع قرن، ولم يكن يتمتع بشيء من جمال يوسف الذي ضُرِبت به الأمثال، ومع ذلك انتحر بعضهن من شدة غرامهن به! إن الحياة مملوءة بالغرائب، وإن النفس البشرية لتفاجئنا كل يوم بما لا يخطر على البال، فلماذا الإعتراض على القرآن الكريم في تجريخ النسوة المشنَّعات علر امرأة العزيز أيديهن بالسكاكين انبهاراً بجمال يوسف"؟ ويقول الببغاء الأحمق أيضاً: "جاء في سورة القصص"/٨، ٣٨: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ ، ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ ، وجاء في سورة "غافر"/٣٦: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ﴾ . يقول القرآن إن هامان كان وزير فرعون، بينما يثبت التاريخ أن هامان كان وزيراً لأَحْشَوِيرش وأن بين فرعون وهامان زهاء ألف سنة. ثم إن فرعون كان ملك مصر، وكان هامان وزيراً في بابل، وما أبعد الزمان والمكان بين فرعون وهامان!

стр. 118

فكيف يكون هذا وزيراً لذام؟ ويقول سِفْر "أستير" في التوراة إن هامان كان وزيراً وخليللاً لأَحْشَوِيرش ملك الفُرْس الذي يدعوه اليونان زركيس" (ص ٢٩) . وقبل أن نبدأ في تفنيد هذا السخف أوجّه نظر القراء الكرام إلى جهل العبد الفاضي حتى فيما لا يمكن الخطأ فيه إلا مِن كائنٍ فقد عقله تمام الفقدان: فأولاً لم يقل القرآن في أي موضع منه إن هامان كان وزيراً لفرعون. وهاهي ذي كل النصوص الذي ذُكِر فيها هامان في الكتاب المجيد قد أوردها صويحبنا، فهل ترى فيها، أيها القارئ العزيز، أنه كان وزيراً لفرعون؟ لقد ذُكر اسمه مع فرعون، وأمره فرعون أن يبني له صرحاً، لكن القرآن لم يقل إنه كان وزيراً لفرعون. قد يكون فعلاً وزيره، وقد يكون كاهنه الأكبر، وقد يكون مستشاره، وقد يكون كبير مهندسيه، وقد ... ، وقد ... وثانياً هذه أول مرة نسمع أن سِفْر "أستير" جزء من التوراة. إن التوراة هي الكتاب الذي أُنْزِل على موسى ﵇، أما سفر "أستير" فهو من كُتُب العهد العتيق التي لم ينزل أي شيء منها على موسى بل أُلَفَتْ بعده تأليفاً. وهذا الأحمق لا يفقه هذه الأوَّليّات، فكيف تواتيه نفسه على الدخول في تلك المآزق إلا أن يكون قد فقد عقله؟ وثالثاً فإن كاتب سفر "أستير" في العهد العتيق يقول إن أحشوروش كان ملكاً على

стр. 119

إمبراطورية تمتدّ من الهند إلى كوش، وتتألف من مائة وسبعة وعشرين إقليماًَ، وعاصمتها شوش، لكن صويحبنا الجاهل يقول إن هامان كان وزيراً في بابل! والآن يبدأ التفنيد. وأول ما نذكر كافٍ وحده لنسف هذا الهراء، ألا وهو أن سِفْر "أستير" مجرد "قصة خيالية" كما يقول مفسّرو الكتاب المقدس أنفسهم. وقد أشرتُ منذ عد=ة سنوات في كتابي "مع الجاحظ في رسالة الرد على النصارى" إلى ما لاحظُته على هذا السفر من ركاكة الأسلوب والطابع "الحواديتي" والتوابل الجنسية الحِرَّيفة والتعمُّل الزائد والمصادفات المتكررة والمجافاة لمنطق العقل والتاريخ. وها هم أولاء المعلّقون على الترجمة الكاثوليكية، التي لم تكن بين يدىَّ في ذلك الوقت، يقولون الشيء ذاته تقريباًَ، فـ "تاريخية التفاصيل وجوهر السفر أيضاً تعترضهما صعوبات جمة على الرغم مما جاء من ملاحظات سديدة عن الأخلاق الفارسية وتوبوغرافية صحيحة عن مدينة شوش. من الممكن أن يكون اليهود قد تعرضوا لتعنيفات من هذا النوع في أثناء الحكم الفارسي، وقد جاء

стр. 120

المؤلف حول ذكرها قصة خيالية". وحتى يكون القارئ علة بينّة من حقيقة هذا السَّفْر واستحالة أن يكون وحياً إلهياً يمكن الاستناد إليه في إثبات تلك الحادثة التاريخية التي يدور عليها والتي لا يوجد دليل على وقوعها، نذكر له إنه يَحْكِى قصة فتاة يهودية استطاعت، بما لها من أنوثة طاغية، أن تقود الملك الفارسي من أنفه وتجعله يغيرّ سياسة بلده مائة وثمانين درجة ليحتل اليهود فيها مكانة سامقة بعدما كانوا يُسامون الخسف والهوان. وفي القصة حديث عن غضب الملك على زوجته لسبب لا يدخل العقل، إذ كان طلب منها أن تتخذ أبهى زينتها وتظهر معه أمام الملوك والشعوب ليشاهدوا جمالها وفتنتها، وهو ما لا تقبله نخوة أهل الشرق، وبخاصة من الملوك. وقد رفضت الملكة هذا الطلب الغريب، فكانت النتيجة أن طلّقها، فتأمَّلْ أيها القارئ وتعَجَّبْ! ثم جُمِعَتْ للملك بعد هذا كل العذارى الفاتنات من أرجاء المملكة وانُتخِبَتْ منهن أجمل سَبْعِ فيهن، وكانت كل واحدة من هؤلاء السًّبْع تُهَيَّأ بالتحفيف والأدهان والعطور سنةً كاملة كي يقضي الملك معها ليلة قبل أن يقرر أيّتهن أصلح أن تكون زوجته ... إلى آخر هذا العهر

стр. 121

والدياثة المعروفين عن القوم. ورغم ذلك يريد رقعاء المبشرين منّا أن نصدق إنها حادثة تاريخية سجّلها الوحي الإلهي ويَبْغُون أن يحاكموا القرآن إليها. وفي هذه القصة العُهْريّة أن الذي كان يتولى كِبْرَ اضطهاد اليهود هو هامان وزير الملك الفارسي أحشوروش. وهنا مربط الفرس، إذ يتساءل الحمقى: كيف انتقل هامان من قصر الملك الفارسي إلى قصر فرعون في مصر متقدماً هكذا في التاريخ مئات السنين؟ فانظروا بالله إلى هذه الوقاحة التي تريد أن تحاكم الحق إلى الباطل! ترى أين الدليل على أن هامان كان وزيراً أصلاً لأحشوروش؟ لقد ذكر القرآن أن هامان كان يشترك مع فرعون في اضطهاد بني إسرائيل في مصر، وأغلب الظن أن كاتب السَّفْر قد خلط بين وقائع اضطهاد اليهود في مصر ووقائع مشابهة في فارس القديمة فذكر هامان مع أحشوروش. لا تنس، أيها القارئ الكريم، ما قاله علماء القوم أنفسهم من أن سفر "أستير" هو مجرد قصة "خيالية" لا يُطْمَاَنْ إلى صحتها! ثم إن في الكتاب المقدس وغيره من كتب هؤلاء الناس أخطاءً قائلة في الأسماء والتواريخ بحيث تُضْحِى محاولة اتخاذه معياراً في هذه القضية هي الهزل بعينه. لقد ذكرنا قبلاً أن لِحَمِى موسى ﵇ في الكتاب المقدس ثلاثة أسماء، كما أشرنا إلى ما جاء فيه

стр. 122

من أن المسيح عندما يولد سيكون اسمه "عمانوئيل"، وهو ما لم يحدث، إذ لم تسمّه أمّه أو غيرها من أهل الكتاب أو من أهل القرآن أو من أية طائفة أخرى بهذا الاسم. وفي العهد العتيق أيضاً أن هارون أكبر من موسى بثلاثة أعوام، على حين إنه قد أشار بكل وضوح قبل ذلك بصفحات أن موسى هو أول من وُلِد لأبويه. ترى أي الروايتين نصدّق؟ وفيه أيضاً أن إسماعيل وُلِد لإبراهيم قبل إسحاق بأعوام، ومع هذا نفاجأ بعد قليل بأن إسحاق هو وحيد إبراهيم ﵇ رغم إن إسماعيل كان حياً آنذاك وبعد ذاك بعشرات الأعوام. ومرة أخرى نتساءل. أيّ الكرمين نصدّق؟ وهل يمكن أن يكون هذا التناقض الفِجّ وحياَ سماوياً؟

стр. 123

وحتى لو كان هامان فعلاً وزيراً لأحشوروش الملك الفارسي، فهل ثمة ما يمنع أن يكون هناك شخص آخر اسمه "هامان" في مصر قبل ذلك؟ أم ترى هناك قانون حتمي يفرض أن يختصّ كل اسم بشخص واحد أو مكان واحد لا يعدوه؟ إن هناك أكثر من مدينة في العالم اسمها "Cairo"، وأكثر من مدينة اسمها "الإسكندرية"، وهناك مكانان على الأقل كلّ منهما يسمى "باريس": عاصمة فرنسا، وقرية مجهولة في صحراء مصر الغربية لولا أن د. أحمد أمين قد ذكرها في كتابه "حياتي" لما علم بها أحد. وهناك الزعيم الروسي "لينين" والكتاب المسرحي المصري "لينين الرملي"، وهناك "فرعون" مصر المذكور في القرآن و"فرعون" آخر جاء بعده بآلاف السنسن هو جدّ "رشاد فرعون" أحد رجال الحاشية في عهد الملك عبد العزيز آل سعود، وهناك "رمسيس" أحد ملوك مصر القديمة و"رمسيس" رسام الكاريكاتير المعروف في مصر، وهناك "حيرم" ملك صور و"حيرم

стр. 124

الغمراوي" كاتب الأغاني المصري في عصرنا ... إلخ ... إلخ. وفي الكتاب المقدس نفسه تتكرر ظاهرة اشتراك شخصين أو أكثر في نفس الاسم مع ما يفصل بينهمت من الأزمان الطويلة، مثل "يهوديت" المذكورة في سفر "التكوين" و"يهوديت" صاحبة السفر المشهور في ذلك الكتاب، و"أليعازر" بن هارون "وأليعازر" المذكور في سفر "المكّابّيين الثاني"، و"إسماعيل" بن إبراهيم ﵉ و"إسماعيل" بن آصيل في سفر "أخبار الأيام الأول"، و"يوسف" النبي و"يوسف" النجار، و"المسيح" شاول و"المسيح" عيسى بن مريم ... إلخ ... إلخ، فلماذا الإصرار إذن على أن "هامان" لا يمكن أن يكون إلا شخصاً واحداً فحسب هو وزير أحشوروش، مع أن السَّفْر الذي ورد فيه هذا الاسم لا يمكن أن يكون إلا من بُنَيًات الخيال؟ وفي التلمود نصّ يصف هامان وقارون بأنهما أغنى رجلين في الدنيا، وهذا الربط بين ذينك الشخصين له دلالته التي لا تَخْفَى ولايُعْقَل أن يكون هامان هنا هو الوزير الفارسي (إن كان لذلك الوزير وجود حقيقي) ، إذ لا علاقة بينه وبين قارون تسوَّغ ذكرهما معاً في هذا السياق، وهو يذكرّنا بالربط بينهما في سورة "القصص". ومما

стр. 125

يؤكد صحة ما جاء القرآن عن هامان أن هذا الاسم موجود في البرديّات المصرية بما يدل على إنه اسم مصري ويُخْرِس الطائشين الجهّال الذين يفكرون بألسنتهم دون عقولهم! ويذهب بعض الباحثين إلى أن من الممكن جداً أن تكون قصة أستير في الأصل أسطورة بابلية أخذها اليهود وحرّفوها لتوائم أغراضهم: فهامان اسم أحد الآلهة العيلاميين، ومرد كاي اسم إله كلدانى، أما اسم أستير فليس ببعيد أن يكون تحويراً للإلهة عشتار، التي يُنْطَلق اسمها أيضاً "أشتار" و"عشتروت". لهذا كله نستغرب أن يُقْدِم ذلك الأحمق على التهكم بالقرآن الكريم وليس في يده من دليل إلا هذا الهراء الذي سطّره مؤلف سفر "أستير"، زاعماً إنه تاريخ وثيق لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. على أن هناك برهاناً آخر في غاية الأهمية يؤكد هذا الذي قلناه في المقارنة بين ما جاء في القرآن الكريم والعهد العتيق عن هامان، هو إنه ما من مرة قارناً فيها بين الكتابين إلا واتضح بجلاء تام أن الحق في صف القرآن. ولنأخذ مثلاً الملاحظات التالية التي سأحصرها في

стр. 126

قصة موسى وهارون لصلتها بهامان: فالعهد العتيق يقول إن أم موسى قد وضعت وليدها في التابوت (أو "السَّفَط" كما يسمونه) وظلت تحمله إلى أن وصلت قبالة قصر فرعون فوضعته بين الحَلْفاء حيث عثرت عليه ابنة فرعون فأخذته. أي أن التابوت لم يوضع في الماء رغم أن كاتب سفر "الخروج" يقول إن أم موسى قد طلت السَّفَط بالزفت والحُمَر بما يدل على أنها قد أعدَتْه لتضعه في النهر ورغم أنه ابنة فرعون تقول بعد ذلك بأسطر قليلة إنها انتشلته من الماء، أما القرآن الكريم فقد ذكر منذ البداية أن التابوت قد وُضِع في الماء قولاً واحداً. كذلك فالعهد العتيق ينسب إلى موسى ﵇ قَتْل المصري عن عمد وقسوة، على حين يؤكد القرآن إنه كان قتلاً خطأ لم يقصده موسى، بل كانت نيته ردع الظالم عن بَغْيه على الضعيف، وهذا هو الأليق بأخلاق من اصطفاه الله وربّاه على عينه كي يجعل منه رسولاً، أما ما قاله ملفَّق سِفْر "الخروج" فهو اشبه ما يكون بطبائع عتاة المجرمين أصحاب القلوب الجاسية التي لا تعرف الرحمة ولا الندم.

стр. 127

وبالنسبة لمعجزة اليد فإن العهد العتيق يؤكد أن يد موسى، عند وَعْه إياها فب عُبةً ثم إخراجها، كانت تستحيل "برصاء كالثلج"، أما القرآن فيقول إنها كانت تصير "بيضاء من غير سوء". وواضح أن القرآن الكريم، بهذا التذييل الأخير، يريد أن يرد على تهمة البَرَص، الذي لا يصلح بحال من الأحوال أن يُتَّخَذ معجزة لأن المعجزة إنما جُعِلَتْ لجذب الناس إلى صاحبها لا لتنفيرهم منه وصرفهم عنه وإشعارهم إنه مغضوب عليه من الله. كذلك لا يمكن أن يكون ردّ موسى على ربه، عندما اصطفاه وأمَرَه بالذهاب إلى فرعون، بهذه الخشونة والجلافة التي وردت في العهد العتيق، إذ يجيب ربه قائلاً حسبما جاء في الترجمة البروتستانتية: "اسمع أيها السيد. لستُ أنا صاحب كلام منذ أمس ولا أول من أمس ولا من حين كلَمْتَ عبدك، بل أنا ثقيل الفهم و"اللسان"، و"استمع أيها السيد ... أَرْسِلْ بيد من ترسل"، حتى لقد "حَمِىَ غضب الرب على موسى" كما يقول المؤلف الكذاب. أما القرآن فيصّوره ﵇ عبداً خاشعاً مُخْبِتاً لربه شاعراً بالمنّة الإلهية

стр. 128

التي اقتضت اختياره رسولاً إلى بني إسرائيل، وهذا هو الذي يتلاءم مع أخلاق النبيين. وعلى خلاف القرآن الكريم، الذي يجعل من هارون نبياً مع موسى ووزيراً وعضّداً له ورِدْءاً يصدّقه، نرى مؤلف سفر "الخروج" يجعل منه "نبياً لموسى" لا "نبياً معه"، ويجعل من موسى "إلهاً لفرعون"، ولا أظن أن هناك من يخالف في أن ما ذكره العهد العتيق هو السخف بل الكفر، والعياذ بالله! ويزعم سفر "الخروج" أن الله كان يكلم موسى "وجهاًَ لوجه كما يكلم المرء صاحبه"، وهو ما يتعارض مع ما جاء في القرآن الكريم من إنه ﵇ حين طلب من ربه أن يمكّنه من النظر إليه ردّ سبحانه قائلاً: ﴿لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ . وهذا هو الذي يقبله المنطق، إذ كيف تستطيع حواسّنا الكليلة المحدودة أن ترى الله الرهيب الذي لاتحدّه حدود؟

стр. 129

ومن طوامّ العهد العتيق أيضاً اتهام كاتب سفر "الخروج" لهارون ﵇ بأنه هو الذي صنع العجل لبني إسرائيل وبَنَى كذلك لعبادته مذبحاً حيث أخذ بنو إسرائيل، أثناء غياب موسى للقاء ربه فوق الجبل، يدورون حوله عراه كما ولدتهم أمهاتهم وهو يرقصون. وهي شِنْشِنةٌ يهودية أصلية في الإفتراء على رسل الله الكرام وإلصاق أشنع التُّهَم بهم تلذذاً بتشويه كل صورة إنسانية نبيلة. وعلى العكس من ذلك القرآنُ الكريمُ، الذي يؤكد أن صانع العجل هو السامري، أما هارون فقد حاول الوقوف في وجه هذه الفتنة التي لقيتْ من بني قومه التحمس والتهافت، إلا أنهم ظلوا في غيّهم سادرين. وفوق ذلك فرواية سفر "الخروج" تتناقض مع نفسها تناقضاً أبلق، إذ تقول إن موسى قد أمر بني لاوى (وهو واحد منهم) أن يقتلوا جميع ذويهم وأصدقائهم وأهل محلّتهم الذين اقترفوا خطيئة العجل، وأن محصّلة القتل كانت ثلاثة آلاف نفس، إذ يثور هنا (كما يقول أبو الأعلى المودودى) سؤال هام هو: لماذا لم يُقْتَل هارون أيضاً إذا كان هو صاحب عبادة العجل؟

стр. 130

وبغباءٍ منقطع النظير سببه الجهل والحقد والعناد يزعم العبد الفاضي أن في كلام القرآن عن نهاية فرعون تناقصاً، إذ يقول سبحانه في سورة "القصص"/٤٠: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾ ، بينما يقول في سورة "يونس"/٩١ - ٩٢ مخاطباً فرعون عندما أدركه الغرق فصاح معلناً إيمانه: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ ، فيظن الجهول إنه قج نجَّي فرعون من الموت! متى قال القرآن ذلك؟ وأين؟ واضح إنه قد فهم من قوله ﷻ : ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ أن فرعون لم يمت. فهل هذا هو ما تقوله العبارة؟ إن معنى الكلام في الآية أن الله وعد بأن يطرح البحرُ جثته على الشاطئ فلا تأكلها الحيتان والأسماك في قاعه حتى يكون عبرة لمن وراءه، أما لو كان المقصود هو أن الله سينقذه من الغرق إلى مصر كأن شيئاً لم يكن فإنه لن يكون عبرة لغيره بل فتنة، إذ ها هو ذا يعود، بعد كل كفره وضلاله وبغيه وتألهه، إلى سلطانه وهيلمانه كرة أخرى! وهذا هو الذي يقوله العهد العتيق أيضاً، بيد أن الجهل والحقد والعناد هو الذي صرف عَيْنَىِ الأبعد عنه فلم يقرأ ما جاء فيه من لَفْظ

стр. 131

البحر أبدانَ فرعون وجنوده بعد غرقهم، إذ قال مؤلف سفر "الحكمة": "وعَبَرَتْ بهم (أي عبرتْ رحمةُ الله ببني إسرائيل") البحر الأحمر وأجازتهم المياه الغزيزة. أما أعداؤهم فأغرقتْهم ثم قذفتْهم من عمق الغِمار على الشاطئ". ومن قبله قال مؤلف سفر "الخروج": "فغرّق الربُّ المصريين في وسط البحر، ورجعت المياه فغطّتْ مراكب وفرسانَ جميع جيش فرعون الداخليين وراءهم في البحر، ولم يبق منهم أحد، وسار بنو إسرائيل على اليَبَس في وسك البحر، والماء لهم سوّر عن يمينهم وعن شمالهم. وخلَّص الربُّ في ذلك اليوم إسرائيل من أيدي المصريين، ورأى إسرائيل المصريين أمواتاً على شاطئ البحر". ترى أفَهِم الأبعد أم على قلوب أقفالها؟ ومع العبد الفاضي نمضي فنتناول اعتراضه حول قارون، الذي ذكر القرآن أن الله أرسل إليه هو وفرعون وهامان تبيه موسى ﵇ فكذّبوا واستكبروا وأمروا بتقتيل الأطفال الذكور من بني إسرائيل، حيث جاء في سورة "العنكبوت"/٣٩: ﴿وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا

стр. 132

كَانُوا سَابِقِينَ﴾ ، كما جاء في سورة "غافر"/ ٢٣ - ٢٥: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢٣) إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٢٤) فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ . أما اعتراض الأُحَيْمق فهذا نصُّه: "يتبادر إلى الذهن من هذه الآيات أن قارون وهامان مصريان من قوم فرعون وأنهما مع فرعون قاوموا موسى في مصر. ولكن هذا خطأ لأم قارون إسرائيلي لا مصري، ومن قوم موسى لا من قوم فرعون كما جاء في سورة "القصص"/٧٦: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾ (ص ٢٩) . هذا ما قاله الغبي النّزِق، وأنا أرجو القارئ أن يرجع إلى الأيتين الأُولَيَيْن ويُتْئِر فيهما النظر ثم يجيب على السؤال التالي: هل ذكر القرآن فيهما أو أوحى مجرد إيحاء أن قارون مصري حتى يقال إنه قد تناقض مع نفسه حين ذكر في آية "القصص" إنه من قوم موسى؟ إن كثيراً من الناس ينشقوُن على أبناء طائفتهم وينضمون إلى أعدائهم ويكونون في خدمتهم، وبخاصة حين تكون مصالحهم مع هؤلاء الأعداء. وقد كان قارون فاحش الثراء، وأغلب الظن أن هذا الثراء

стр. 133

سببه انحيازه إلى فرعون وملئه وتفانيه في خدمتهم وتعاونه معهم. فما المشكلة في ذلك؟ المشكلة في الواقع هي في عقل هذا الأُحَيْمِق لا في النصوص القرآنية البريئة التي يقوّلها الغبيّ ما ليس فيها. * * * ومما له صلة بموضوعنا واعترض به الطائش على الوحي الإلهي قوله إن القرآن قد ذكر أن الذي صنع العجل لبني إسرائيل في التَّيه هو السامري ، على حين أن هارون هو الذي عمل هذا العجل بناءً على طلب قومه، أما السامري فكيف يمكن أن يصنعه قبل أن يكون للسامريين وجود؟ (ص ٣٠) . يقصد أن "السامري" نسبةً إلى السامرة، التي لم تُبْنَ إلا بعد ذلك بزمن طويل. لمن من قال إن "السامري" لا يمكن أن يكون إلا من أهل السامرة؟ هل هناك أولاً ما يقطع بأن "الياء" في هذا الاسم هي للنَّسب؟ ألا يمكن أن تكون في لغتها كالياء عندنا في "كرسيّ" و"زِبِنْيّ" و"بَرِدْيَ" مثلاً؟ ثم إن هذا الاسم قد يكون تحريفاً لكلمة "شومر" العبرية بمعنى "حارس أو خفير أو سمير". أما إذا كانت

стр. 134

الياء للنسب فقد تكون النسبة إلى "سامر" صاحب الجبل الذي أُقيمت عليه مدية "السامرة" فيما بعد، أو إلى "شيمر" (بالإمالة) ، وهو اسمّ مصري بمعنى "غريب" لا يزال حتى الآن منتشراً في مصر بعد تعريبه، أو إلى أي مكان آخر في أرض الكنانة أو غيرها، إذ قد تتعدد الأمكنة والأشخاص، والاسم واحد، وذلك مثل جبل الكرمل، الذي كان اسماً لجبلين مختلفين على حسب ما يقوله شراح العهد العتيق أنفسهم: أحدهما على البحر المتوسط، والآخر في أرض يهوذا. أم إنه حلال لهم وحرام علينا؟ ويرى عبد الله يوسف على أن من المحتمل أن تكون طائفة "السامريين" هي المنسوبة إلى "السامري" لا العكس.

стр. 135

وإن تعجب فعجبٌ أن يأنس هذا الببغاء الجرأةَ في نفسه فيهاجم القرآن فيما لا مجال فيه للطعن ويَعْمَى عن المشكلة التي تثيرها "أرض عوص" الوارد ذكرها في مطلع سِفْر "أيوب" بوصفها البلد الذي كان يسكنه ذلك الرجل. لقد وقف المفسرون الكتابيون حيارى لا يستطيعون تحديد "عوص" هذا، إذ "ورد في سلسلة المتقدمين ثلاثة يحملون هذا الاسم: أحدهم عوص بن أرام، والثاني عوص بن ناحور، والثالث عوص بن ديثان، فلا يُعْلَم أيهم المراد بنسبة هذه الأرض إليه"، بل إن موضع هذه الأرض غير معروف على وجه الدقة. كما أن اسم "سمعان القيرواتى" المعاصر للسيد المسيح في فلسطين يثير مشكلة أعقد من هذه كثيراً، إذ أين سمعان هذا من "القيروان" المنسوب إليها، وهي من بلاد تونس البعيدة التي تفصلها عن فلسطين آماد شاسعة، ولم تُبْنَ إلا بعد ذلك بقرون على يد عُبْة بن نافع سنة ٧٦٢م؟ وقبل ذلك كله كيف يمكن أن يَتَّهِم عاقلٌ هارونَ ﵇ بأنه هو صانع العجل، وهو نبي كريم أرسله الله للدعوة إلى الوحدانية؟

стр. 136

إن ذلك الاتهام ليس له من معنى سوى إنه سبحانه لم يحسن الاختيار، إذ انتقى شخصاً لتأدية مهمة ما، فإذا به يرسب في أول امتحان، ثم هو مع ذلك يظل متمسكاً به بل يأمر بقتل كل من اشترك في عبادة العجل ويُعْفِى الرأس الأكبر الذي تولَّى كِبْر الجريمة فصنع العجل وبنى له المذبح وأشرف على عملية الطواف والرقص العاري حوله في صخب وعُهْر! ولكن متى كان للقوم عقول يفكرون بها أو حتى آذان يسمعون بها؟ ومُضِياً مع تنطعه يفتعل العبد الفاضي مشكلةً من لا مشكلة، إذ يقول: "جاء في سورة "القصص"/٧٦، ٨١: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ.... فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ﴾ ، ومعروف أن قارون القرآن هو كروسوس ملك ليديا (٥٦٠ - ٥٤٦ ق. م.) ، وهو عَلَمٌ على الغِنَى بين العرب وغيرهم. ولا يوجد ما يبرّر خلطة بقُورَح الذي ورد ذكره في التوراة، فلا علاقة لقارون بقورح الذي ثار مع

стр. 137

داثان وأبيرام على موسى ففتحت الأرض فاها وابتلعتهم (العدد/ ١٦) " (ص ٤٧) . وكَنْساً لهذه الفضلات الفكرية نطرح السؤال التالي: من قال لهذا المتنطع إن القرآن بحديثه عن قارون هنا إنما كروسوس ملك ليديا؟ هل أطلعه الله على مراده وصّرح له بأنه، وإن قال في الآية الكريمة إنه كان من قوم موسى، فهو لا يقصد ذلك فعلاً بل هدفه تضليل أتباع محمد، أما الصواب فهو إنه الملك كروسوس؟ لقد عبث القوم بكتبهم وألفُوا كلاماً سخيفاً وعَزَوه إلى الله، والآن يحسبون بجهلهم أنهم يستطيعون أن يلعبوا نفس اللعبة القذرة مع القرآن الكريم! لقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾ ، ثم ذكر بَغْيَه على قومه وكيف انتهى أمره بأنْ خَسَفَ الله به وبداره الأرض وجعله عبرةً لمن يعتبر. وهذه القصة موجودة في العهد العتيق، وإن لم ينسب مؤلفها تمرد قارون إلى كثرة كنوزه بل إلى رغبته في مشاركة هارون الكهانة. والمعروف أن كتب القوم قد ضاعت بعد موسى بأجيال وكتبها لهم عزراً من الذاكرة، أما القرآن فكان يسجَّل غَضاَ فور نزوله، ولم يَضعِ منه شيء البتة. وقد رأينا فيما مضى من صفحاتٍ أمثلةً كافية لأخطاء العهد العتيق وتناقضاته، وما من مرة قامت فيها مقارنة بينه وبين القرآن فيما يوجد فيه دليل قاطع إلا وكان الفلج للقرآن، فلماذا

стр. 138

يأتي الأحمق بعد ذلك كله إذن ويقول ما قال؟ أهو مجرد عناد والسلام؟ وإذا كان القرآن يقصد كروسوس ملك ليديا، فما الذي منعه من أن يقول ذلك يا ترى؟ * * * ومن اعتراضات جاهلنا أيضاً اعتراضه على ما جاء في سورة "ص"/٥٥ من قول الحق ﵎ لأيوب ﵇: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ إذ يعلّق الغبي قائلاً: "قال البيضاوي: "الضَّغْث: الحزمة الصغيرة من الحشيش ونحوه. فاضرب به ولا تحنث: رُوِىَ أن زوجة أيوب ليّا بنت يعقوب (وقيل: رحمة بنت أفرايم بن يوسف) ذهبت لحاجة فأبطأت، فحلف إن برئ يضربها مائة ضربة، فحلّل الله يمينه بذاك. وهي رخصة باقية في الحدود". ونحن نسأل: كيف يصحّ لأيوب البارّ الصبور على ضياع أولاده وعبيده ومواشيه أن يغضب على زوجته، وهو المشهود له في التوراة باللطف والحلم، وخاصة مع زوجته، إذ قال لها: تتكلمين كلاماًَ كإحدى الجاهلات! أألخيرّ نقبل من الله، والشرَّ لا نقبل؟ " (أيوب /٢/١٠) ؟ وكيف يصح لأيوب أن يتوعد زوجته بالضرب مائة ضربة لمجرد إيطائها؟ وكيف يحلف ليضربها مائة سوط فينصحه

стр. 139

الله أن يأخذ حزمة فيها مائة عود يضربها بها ضربة واحدة فلا تقع يمينه؟ وأين أيوب من يعقوب حتى يتزوج ابنته أو من يوسف حتى يتزوج حفيدته؟ والمعروف أن أيوب سابق ليعقوب ويوسف تاريخياً. وهذه القصة موجودة في خرافات اليهود القدماء" (ص ٥٦) . ونبدأ بخاتمة ما قال، ومفهوم الجملة الأخيرة من كلامه أن ما جاء في العهد العتيق عن أيوب هو الحق الذي لا مرية فيه، على عكس خرافات اليهود القدماء عن حَلِفه لَيَضْرِبَنّ ... إلخ. ولكن ماذا قال عنه العهد العتيق؟ في مطلع الفصل الثاني والأربعين مثلاً من "سفر أيوب" نجده يقول إنه كان "قد سمع الله من قبل بأذنه" فلم يقتنع بما قاله له، أما الآن وبعد أن "رأته عيناه" فإنه يرجع عما قاله من تجديفات في حقه سبحانه ويندم ندماً شديداً. وإننا لنسأل: أيمكن أن يرى أيُّ شخص الله سبحانه؟ يجيب العهد العتيق على هذا السؤال بأن موسى حين طلب من ربه فوق الجبل أن يريه مجده كان ردّه : "أمّا وجهي فلا تستطيع أن تراه لأنه لا يراني إنسان ويعيش"، وإن كان ملفّقو ذلك الكتاب قد أضافوا ببلاهة لا تخلو من الفكاهة أن الله قد استمر قائلاً: "هو ذا عندي موضع. قف على الصخرة، ويكون إذا مرَّ مجدي أني أجعلك في نقرة الصخرة وأظلك

стр. 140

بيدي حتى أجتاز، ثم أُزيل يدي فتنظر قفاي، أما وجهي فلا ترى". وهي حيلة ظريفة للالتفاف حول القانون الإلهي الذي يستحيل بناءً عليه رؤية الله، إذ ما علينا عندما نعلم باقتراب مرور الله من أمامنا إلا أن نضع أيدينا على عيوننا أو ننظر إلى الجهة المقابلة، حتى إذا ما تيقَّنّا من مروره سارعنا فأبصرنا قفاه! لكن فات الأبلة مؤلف هذه القصة أن يصف قفاه سبحانه! وعلى أية حال فإن العهد القديم كعادته يناقض نفسه في هذه القضية، إذ يقول في موضع آخر إن موسى "كان يكلمه الرب وجهاً لوجه كما يكلم المرء صاحبه". وهذا طبعاً هو الكلام غير الخرافي! أما ما قاله البيضاوي أو غيره عن نسب زوجة أيوب فهو كلام من الكلام إن أصاب فيها ونعمت، وإلا فالخطأ خطؤه هو، ولا مدخل للقرآن في ذلك، ومن ثم لست أفهم كيف يحمّل جاهُلنا القرآن الكريم ما قاله البيضاوي رحمة الله عليه. كذلك لم يقل لنا القرآن شيئاً عن تفصيلات الضَّغْث الذي أمر الله أيوب أن يأخذه ويضرب به حتى لا يحنث، وعلى ذلك فلا داعي لإثارة زوبعة حول هذه النقظة دون داع. وحتى لو افترضنا أن المقصود هو ضرب زوجته بهذا

стр. 141

الضغث، فما وجه العيب في الحلّ الذي قدّمه الله له؟ لقد حلف الرجل أن يضرب زوجته، فدلَّه الله على طريقة ينفّذ بها قَسَمه دون أن يؤلم شريكة عمره، فما الخطأ في هذا؟ ثم إن هذا الجزء من قصة أيوب غير موجود في العهد العتيق، فِلمَ يسارع ذلك الجاهل بتكذيبه، وبخاصة أنه غير موجود أيضاً في القرآن الكريم؟ إن هذا كله عراك في غير معترك! وكان الجاهل قد أورد كلام أيوب لزوجته طبقاً لرواية العهد العتيق بوصفه دليلاً على برّ أيوب أمام بلواه، وكذلك على لطفه وحلمه مع زوجته، مع أن بقية ذلك الكلام نفسه تنبئ عن حدّة وعنف في معاملته لها حيث يصف كلامها بأنه ككلام إحدى الجاهلات. ثم إن ما قالته هذه الزوجة لزوجها ليستحق ما هو أقسى من الحَلِف بضربها مائة ضربة، إذ استغربت صبره وتماسكه أمام محنَه وحاولت إغراءه بالتجديف على الله حتى يموت ويستريح. وهذا نص ما قالت: "أإلى الآن أنت معتصم بسلامتك؟ جدَّف على الله ومُتْ". ولقد جدّف أيوب (أيوب العهد القديم لا أيوب النبي الكريم الذي نؤمن به نحن المسلمين) ، وتمرد على ربه، ولعن اليوم الذي وُلِد

стр. 142

فيه، وسَخِر من القضاء الإلهي الذي يصبَ الشقاء على الأبرار ويغمر الفجرة بألوان النعم والسعادة، وتمنّى لو كان هناك قاضٍ يحتكم هو والله إليه حتى يتبين لله ظلمه وخطؤه، وأخذ ينوح نواحاً متصلاً، وكلما حاول أحد أصدقائه تهدئته ولفت نظره إلى تجاوزاته مع الله لزداد سخطاً وتمرداً، وذلك على مدى عشرات الصفحات، مع بعض الفَيْئات القليلة إلى الرضا أثناء ذلك. أَفَمَنْ يتمرد ويجدّف على ربه على هذا النحو، أُيسْتَبْعدُ أن يحلف لَيَضْرِبَنً امرأته لإبطائها عليه؟ لا ننس أنه لا العهد العتيق ولا القرآن الكريم قد تعرض لهذه التفصيلة، ولكنني أردت أن أبين للقارئ سخف المنطق الذي سوّل لجاهلنا المسارعة إلى الأعتراض على البيضاوي. وأخيراً وليس آخراً فإن الجاهل يحاجّ البيضاوي بأن "أيوب سابق ليعقوب ويوسف تاريخياً"، كما أن مؤلف سفر "أيوب" يذكر أنه كان يسكن في أرض عوص، التي تقول حواشي العهد العتيق الملحقة به في الترجمة الكاثوليكية إنها كانت مجاورة لأرض يهوذا، أي أنها كانت جزءاً من أرض فلسطين. وألان في ضوء كلام جاهلنا وما جاء في حواشي العهد العتيق نتساءل: كيف يقول كاتب سفر "أيوب" إذن إن أهل سبأ قد هجموا على بهائهم أيوب وقتلوا عبيده واستاقوا الإبل

стр. 143

أمامهم؟ أين أهل سبأ من فلسطين، وبالذات في ذلك الزمن الموغل في القدم حيث كانت وسائل المواصلات بدائية وشديدة البطء؟ لقد كانت سبأ في بلاد اليمن، وبينها وبين فلسطين مسافات صحرارية رهيبة، فكيف يأتي الرعاة منها ليهجموا على مواشي أيوب في تلك الأزمان السحيقة التي كانت وسيلة السفر فيه هي الأقدام أو ظهور الجمال على أحسن تقدير؟ وهذا لو كانت سبأ موجودة في ذلك الوقت، بَيْدَ أن مملكة سبأ لم تظهر إلى الوجود إلا في القرن الثامن قبل الميلاد، على حين أن يعقوب، الذي يؤكد الأحمق المائق إنه متأخر في الزمن عن أيوب، كان يعيش في القرن الثامن عشر قبل الميلاد، أي إنه كان باقياً على سبأ، لكي يكون لها مكان على خريطة الوجود، عشرة قرون أو تزيد! فتأمَّلْ واعجَبْ أيها القارئ! وبالنسبة لمريم ﵍ يقول المتنطع الذي يصر بغباء عجيب على أن يسعى بقدمه إلى هلاكه إن الآية ١٢ من التحريم قد ذكرت أن مريم هي ابنة عمران، فكيف يصح ذلك، والإنجيل يقول

стр. 144

إنها بنت هالي (لوقا/٣/٢٣) ؟ أم كيف يقول القرآن إنها بنت عمران أبى موسى وإنها أخت هارون مع أن بينها وبين عمران وهارون ألفا وستمائة سنة؟ (ص ٣٠) . والواقع أن هذا الكلام لا مكان له إلا المرحاض، وإليك البيان: أولاً "الإنجيل" هو ما نزل على عيسى ﵇ من وحي سماوي فبلّغه قومَه لا هذه السَّيَر التي كتبها بعض المنتسبين إلى النصرانية بعد عشرات السنين والتي يحوط الشكٌ عند علمائهم أنفسهم شخصية مؤلفيها. فحِجَاج ذلك السفيه لنا إذن بأن الإنجيل قد قال كذا في هذه المسألة حجاج باطل لأننا لا نؤمن بإلاهية مصدر ما يسمَّى بإنجيل مرقس أو لوقا ... إلخ، لأن هذا الكلام إن كان هو يراه ملزماً فإنه لا إلزام لنا فيه. وهذا كله لو كان في إنجيل لوقا أو غيره فعلاً أن مريم هي بنت هالي، وهو ما لا وجود له، أما المذكور في ذلك الإنجيل فهم سلسلة نسب المسيح، وفيها أنه (على ما يظن أبناء قومه) ابن يوسف بن عالى ... إلى آدم بن الله. ولا ذكر فيها البتة لمريم. فعلام يدل هذا؟ يدل على واحدة من ثلاث: أن الأبعد جاهل أو كذاب أو أحمق مجنون! وليختر لنفسه الصفة التي يحب، فلن نقف حائلين بينه

стр. 145

وبين ما يختار. ومع ذلك فعند النصارى رواية تقول إن مريم هي ابنة يواقيم، إلا أن هذه الرواية ليست محل ثقتهم. ومرة أخرى نتساءل: علام يدل هذا؟ ألا يدل على أن أمورهم كلها معجونة بماء الاضطراب والشك؟ فكيف بالله يجد مثل هذا الأحمق في نفسه البجاحة على تخطئة القرآن الكريم الذي لا يمكن أن يطوله الخطأ؟ وفضلاً عن ذلك فإن القرآن لم يقل إن مريم هي بنت عمران أبي موسى أو إنها أخت هارون أخى موسى، بل كل ما جاء فيه أنها "مريم ابنة عمران" فقط، وأن قومها حينما جاءتهم حاملةً وليدها، ولم تكن قد تزوجت، قالوا لها: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ ، أي أنها في القرآن هي أخت هارون ليس إلا،
следующие страницы →