← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 1415

عصمة القرآن الكريم وجهالات المبشرين

إبراهيم عوض

Полный текст (161 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

يسوع"، حيث تحوّل الضمير من جماعة المتكلمين في "كُنّا" إلى جماعة المخاطبين في "إنكم" ثم عاد ثانية إلى جماعة المتكلمين، وذلك كله قبل أن يتم المعنى، فماذا يقول العبد الفاضي في هذا؟ وهناك أمثلة أخرى أكثر من الهم على القلب! * * * ٢٤- كذلك يستغرب جاهلنا أن القرآن لم يقل في الآية ٦٢ من سورة "التوبة": "وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُما" بدلاً من ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ ، فيثَّنى الضمير العائد على الاثنين: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ بدلاً من إفراده. وهو يعدّ ذلك خطأ (ص ١١١) . والحق أن هذا أسلوب عربي صميم ليس فيه شيء إلا عند الإفهام الخربة والأذواق العطنة، وذلك كقول قيس بن الخطيم: نحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راضٍ، والرأي مُخْتَلِفُ وقول حسان: إن شرخ الشباب والشعر الأسـ ... ـود ما لم يُعاصَ كان جنوناً وأُضيفُ إلى ذلك أن هذا الأسلوب لم يقتصر وردوه في القرآن الكريم على هذه الآية وحدها بل يجده القارئ أيضاً في قوله تعالى مثلاً في

стр. 72

الآية ٣٤ من "التوبة" عن الأحبار والرهبان: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ، وقوله جَلَّتْ قدرته في الآية ١١ من سورة "الجمعة" مخاطباً رسوله ﵇ بشأن بعض المسلمين ممن تركوا خطبة الجمعة عند ورود قافلة التجارة التي كانوا ينتظرونها: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ . ومغزى إفراد الضمير في الآية التي اعترض عليها الجاهل هو أن رضا الرسول متضمَّت في رضا الله لأنه ﵇ إنما ينطق عن وحي السماء. وفي هذا تنبيه إلى أن رضاه ﷺ من الأهمية بمكان، فكأن الذي يعصيه ويُعْضِبه قد عصى الله ذاته وأغضبه. * * * ٢٥- ونأتي إلى آخر الشُّبه الموجودة في فصل الكتاب الخامس المسمَّى "أسئلة لغوية"، وهي تتعلق بجمع كلمة "قلب" في قوله عز شأنه يخاطب عائشة وحفصة ﵄ وأرضاهما حينما زادت غيرتهما على رسول الله إلى الحد الذي ضايقه: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ ، إذ يتساءل هذا العبقري: "لماذا لم يقل: "صغا قلباكما" بدل ﴿صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ إذ إنه ليس للاثنتين أكثر من قلبين؟ " (ص ١١٢) . ما كل هذه العبقرية؟ لقد اكتشف نياقته ما

стр. 73

لم يكتشفه أحد من الأولين والآخرين فعرف أن للإنسان قلباً واحداً لا قلبين أو أكثر. وأنا أحيّيه على هذا الاكتشاف وأنّبه من يقولون: "هذه الفتاة عيونها جميله، وخدودها أسيلة، وأثداؤها كالرَمّان، وأردفها كالكثبان، وسيقانها لا أدري ماذا" إلى أن عليهم من الآن فصاعداً ألا يستخدموا صيغة الجمع هنا بل يستعملوا بدلاً منها صيغة المثنى. خيبة الله على كل تافه جهول! ترى ماذا نفعل مع الشعراء والأدباء، وهم منذ خلقهم الله يميلون في كثير من الأحيان إلى التوسع في مثل هذه التعبيرات؟ يقول الأعشى مثلاً: إذّا تقُومُ يَضُوع المِسْك أَصْوِرَةً ... والزنْبق الورد من أردانها شَمِلُ فجمع "الأردان" مع أن لها رُدْنين "أي كُمَّيْن) اثنين فقط. ويقول قيس بن الخطيم: كأن لَبّاتها تضمّنها ... هَزْلَى جَراَدٍ اجوازه جُلُفُ واللَّبَة: أوسط الصدر والمنحر، وللمرأة لبة واحدة لا لبَّات. ويقول السُّلَيْك بن السُّلَكة: كأن مجامع الأرداف منها ... نَقّى درجتْ عليه الريحُ هارا

стр. 74

وللمرأة ردفان اثنان، لكن الشاعر استخدام صيغة الجمع. ويقول بشامة بن الغدير في ناقته: كأن يديها إذا أَرْقَلَتْ ... وقد جُرْنَ ثم اهتدين السبيلاً بدا غانمٍ خَرً في غمرةٍ ... قج ادركه الموت إلا قليلاً حيث جعل الضمير العائد على "اليدين" ضمير جمع، وهو نون النسوة. وعلى العكس من ذلك يقول امرؤ القيس: "ففاضت دموع العين مني صبابةً" رغم إنه بكلا بعينه الاثنتين ى بعين واحدة. ويقول بشر بن أبي خازم في حبيبته إنها "رَياً المعصم" مع أن لها معصمين اثنين لا معصماً واحداً. وبالمثل يصف عمرو بن كلثوم امرأة فيقول إنها "تُريك ... ثَدْياً مثل حُقّ العاج" بدلاً من "ثديين". كما يقول بشامة إن من ينظر إلى ناقته يرى لها "يداً سُرُحاً" بصيغة المفرد ... إلخ، وهو كثير. ثم ماذا نقول لتوفيق الحكيم، وقد ألف مسرحية عنوانها "الأيدي الناعمة" تتحدث عن رجل أرستقراطي لا يحب أن يشتغل بيديه كبقية خلق الله، لكن الحكيم جعل له "أَيْدِياً" لا "يدين"؟ ومذا نقول أيضاً لمحمود تيمور، الذي سمّى قصه من قصصه: "شفاه غليظة" رغم إنه إنما يقصد شفتى فتاة واحدة ليس إلا؟ أنقول لهما: أخطأت يا توفيق الحكيم أنت

стр. 75

ومحمود تيمور، فإذهبا وتوبا على يد الجاهل المتنطع حتى يكتب لكما صَكّ غفران تضمنان بد دخول الجنة؟ إن اللغة يا عبد الفاضي بَحْها طامٍ، وزالعيال من أمثالك عليهم أن يقفوا على الشاطئ بعيداً عن أمواجه حتى لا يجرفهم التيار. ألم تسمع مثلاً من يقول إن "الخطيب الفلاني ألقى كلمة مؤثرة أمس" مع إنه قد تلفّظ في خطبته بآلاف الكلمات؟ ألم يأتك أحد أقربائك أو أصدقائك ليقترض منك "قرشين"، وهو في الواقع يريد ألف جنية مثلاً، وربما آلافا؟ وفي الإنجليزية كثيراً ما نسمع الصديق يقول لصديقه، بعد غيابه عنه شهراً مثلاً، إنه لم يره "منذ دهور: for ages". وهذا كله من باب التوسع اللغوي، وفيه من البلاغة ما يبهر الألباب، ووجه استعمال "القلوب" في الآية الكريمة، حسبما أتصور، هو أن القرآن المجيد يريد لأُمَّىِ المؤمنين، ﵄، أن تَصْغُوَا بكل خلجات قلبيهما إلى الحق، فكأن الآية قد استعملت "القلوب" يمعنى المشاعر والخواطر. والآن إلى شواهد من الكتاب المقدس عند العبد الفاضي على هذا

стр. 76

الاستعمال. خذ مثلاً: "إن صراخ سدوم وعمورة قد كثر، وخطيئتهم قد عظُمَتْ جداً"، حيث أُضيفت كلمة "خطيئة" إلى ضمير جمع الذكور، وكان ينبغي، بناءً على مزاعم العبد الفاضي، أن يقال: "وخطاياهما". وخذ ثانياً: "وهكذا كانوا يجلبون على يدهم لجميع ملوك الحثّيين وملوك أرام"، وكان يجب، طيقاً لفتوى الأخرق، أن يقال: "على أيديهم"، إذ إنهم جماعة لا فرد، فلهم أًيْدٍ متعددة لا يد واحدة. وخذ أيضاً: "حذّك كفلقة رمانة"، والمفروض، حسبما يقول المتنطع، أن يقال: "خدّاك كفلقتَى رمانة". وخذ رابعاً: "ثدياك مثل العتاقيد"، وكان ينبغي، بناء على فهمه الكليل، أن يقال: "ثدياك مثل عنقودين". ثم خذ خامساً هذا الشاهد الذي يشبه بالضبط ما عابه ذلك البليد: "وجعلوا أَسْوَرِةً في أيديهما وتاج فخر على أرؤسهماً"، إذ قيل: "أرؤسهما" بدل "رأسيهما". ومثله الشاهد التالي: "إن شاء أحد أن يضربهما تخرج

стр. 77

النار من أفواهما". أليس ينبغي بعد هذا أن يخرس كل سمج وذيل؟ * * * وهناك شبهات لغوية أخرى أوردها هذا الشقيُّ في مواضع أخرى من كتابه منها قوله: "جاء في فواتح ٢٩ سورة بالقرآن حروف عاطلة لا يُفْهَم معناها" (يقصد الحروف المقطعة التي في أوائل بعض السور كالبقرة والحِجْر والشورى) ، ثم يختم كلامه متسائلاً: "إن كانت هذه الحروف لا يعلمها إلا الله كما يقولون، فما فائدتها لنا؟ إن الله لا يوحى إلا بما يفيد، فكلام الله بلاغ وبيان وهدى للناس" (ص ١٧٥) . وبادئ ذي بدء أسارع فأقول: أوليس هذا الكون الهائل من صنع الله أيضاً؟ فهل كل شيء فيه مفهوم وواضح للبشر؟ بل هل كل شيء على الأرض وحدها مفهوم لنا وواضح؟ بل هل كل شيء في جسم الإنسان فقط وواضح له؟ أما ما يُفْهَم من قوله إن المسلمين يَرَوْنَ ألا سبيل إلى معرفة معنى هذه الحروف فهذا كلام بعذ العلماء فقط، لكن هناك فريقاً آخر يرى أن المقصود بها تنبيه

стр. 78

المعاندين إلى أن القرآن مؤلف من هذه الحروف وأمثالها، ومع ذلك لا يستطيع أي بشر أن يأتي بمثله ولا بسورة منه. ونحن إذا ما قرأنا الآية التي تلي هذه الحروف في كل سورة تقريباً وجدنا أن هذا تفسيَّر جدً وجيةٍ، كقوله تعالى مثلاً: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ (البقرة) ، ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾ (الحِجْر) ، ﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (فُصَّلَتْ) ، ﴿حم (١) عسق (٢) كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (الشورى) ، إذ المعنى في الشاهد الأخير على سبيل المثال إنه من هذه الحروف وأشباهها (وهذا معنى قوله سبحانه: ﴿كَذَلِكَ﴾ ﴿يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ . وقِسْ على ذلك السُّور الباقية، وإن لم يأت التعبير فيها جميعاً على هذا النحو المباشر بل يتنوع من سورةٍ إلى أخرى. أما السورتان أو الثلاث التي لا يوجد في أولها مثل هذه الإشارة، ففي الكلام فيها حذف مالحذف الذي يقابلنا في كثير من آيات القرآن الكريم جرياً على سنة العرب وغير العرب في لغاتهم. وللمفسرين آراء أخرى في تفسير هذه الحروف: منها مثلاً إنها أسماء للسور التي تبتدئ بها. ومن هذا أننا، عندما كنا صغاراً نحفظ القرآن في الكتاب، كنا نقول مثلاً: لقد وصل فلان في

стр. 79

جفظه للقرآن إلى "الحواميم"، وبعض العلماء يقولون إنها اختصار لأسماء الله، وبعضهم يقول: بل هي اختصار لصفاته تعالى، فإذا أخذنا "ألم" مثلاً فإن "الألف" تشير إلى "آلاء الله"، و"اللام" إلى "لطفه" و"الميم" إلى "مجده وملكه" ... وهكذا. ومع أن الاتجاه الحديث في التفسير بوجه عام لا يأخذ بهذا الرأي فإنه، رغم كل شيء، أَوْجَهُ من ذلك التفسير البهلواني الذي يدّعى كاتب سفر "نبوءة دانيال" في العهد القديم أن دانيال قد فسَّر به حلم الملك البابلي حين رأى في منامه كتابة مرسومة ليس لها معنّى هذا نصّها: "مَنَا مَنَا تَقِلْ وفَرْسِين"، إذ قال له: "مَنَا أي أحصى الله ملكك وأنهاه. تَقِلْ، أي وُزِنْتَ في الميزان فوُجِدْتَ ناقصاً. فَرِسْ، أي قُسِمَتْ مملكتك ودُفِعْتَ إلى ماداى وفارس". ترى أيمكن أن يدخل في رُوع أحد أن يهودياً منفياً في مملكة ذلك العاهل يمكن أن يجبهه بهذا الكلام الفظيع؟ وأدهى من ذلك وأطمّ أن يدّعى كاتب السفر أن الملك، من إعجابه بهذا التفسير، قد ألبسه الأرجوان وطوّق عنقه بالذهب! إن هذا لهو المستحيل بعينه، إذ لو صحت الرواية لما كان رد فعل الملك شيئاً آخر غير تطيير رقبة اليهودي بالسيق في التوّ واللحظة! على أن المسرحية لمَّا تكتمل فصولاً، إذ تمضي فتقول إن الملك البابلي قد قُتِل في الليلة ذاتها وانتقل ملكه فعلاً إلى الملك

стр. 80

داريوس المادي. بَيْدَ أن الباحثين في العقود الأخيرة قد توصّلوا، عن طريق استخدام الحاسوب، إلى مغزى إضافي لورود هذه الحروف في أوائل السور، إذ وجدوا أن كل حرف منها هو أكثر الحروف دوراناً في سورته، إما إذا كان هناك حرفان أو أكثر فإن تردّد أولها يكون أكبر عدداً من تردد الثاني، وهذا أكبر عدداً من تردد الثالث ... وهكذا. ولا تزال الأيام المقبلة حُبْلَى بالكثير من هذه الاكتشافات الخاصة بالحروف والأرقام. ومن العلماء من وجد تناغماًَ مذهلاً بين أعداد المرات التي تتكرر فيها الألفاظ المتقابلة كالجنة والنار، والإنس والجن، وما إلى ذلك مما يجد القارئ شيئاً منه في بحوث المرحوم عبد الرازق نوفل عن الإعجاز العددي في القرآن الكريم. ثم إن الذي يقرأ كلام ذلك الأحمق يظن أن كتابهم المقدس قد خلا من الألفاظ التي حيّرت مفسريهم رغم أن أسلوبهم في تفسيرِكتبهم يفتقر إلى الإنضباط والمنهجية ويتسع لكل شيء ولأي شيء. ولن أذكر للببغاء إلا مثالاً واحداً هو كلمة "سِلاه" التي وؤدت في "مزامير داود" ٦٣ مرة، وثلاثاً في "نبوءة حَبَقّوق" والتي اختلف

стр. 81

مفسروهم في شرحها اختلافاً شديداً ومازالوا رغم إنهم، كما قلت، لا يتقيدن بمنهج في تفسيرهم. وأخيراً قد يكون من المفيد أن نشير إلى الطريقة التي شكَّل بها هذا اللعينُ الحروفَ المقطعة في أوائل السُّوَر، فقد ضبط كل حرف فيها بالفتحة (هكذا: أَلَمَ، طَسَ، حَمَ (١) عَسَقَ ... إلخ) مع أن الصواب هو نطق كل منها كما يُنْطَق في الأبجدية منفرداً. فأنظر أيها القارئ إلى مدى جهل هذا الأحمق الذي يتصدى لنور الله بنفجة من فمه المنتن يظن إنه يقدر أن يطفئه بها! * * * ومن اعتراضاته الحمقاء قوله: "كيف يكون القرآن عربياً مبيناً وبه كلمات أعجمية كثيرة من فارسية وأشورية وسريانية وعبرية ويونانية ومصرية وحبشية وغيرها؟ ". وقد أتبع هذا السؤال الصبياني بقائمة من الألفاظ التي يقال إنها أعجمية (ص ١٧٥ - ١٧٧) . وقبل أن أبين ما في كلام هذا الأحمق من سخفٍ جاهلٍ أشير إلى وجهات نظر علمائنا القدامى في هذه المسألة: فبعضهم يقول إن هذه الألفاظ المنسوبة إلى اللغات الأعجمية هي أيضاً الألفاظ عربية، وقد وردت هنا وهناك من باب الإتفاق وتوارد الخواطر. وهذا الرأي

стр. 82

يقول به الطبري والرازي وكثير من العلماء. وقد كنت أستغرب في البداية هذا الكلام، إلى أن تنبهت إلى أن كثير من هذه الألفاظ منسوب لهذه اللغة السامية أو تلك إلى جانب العربية، فمن الطبيعي إذن أن تكون موجودة في لغتنا وفي تلك اللغات في ذات الوقت لأنها كلها منحدرة من م واحدة هي اللغة السامية، مثلما توجد ألفاظ كثيرة مشتركة بين اللغات المتفرعة من اللاتينية. وهناك رأي آخر مُفَاده أن هذه الألفاظ الأعجمية قليلة لا يُعْتَدً بها ولا تُخْرِج القرآن من ثم من عروبته. وهذا القول منسوب إلى ابن عباس وعكرمة وغيرهما. أما الرأي الثالث فيتلخّص في أن العرب قد عَلِقَتْ هذه الألفاظ في أثناء سفرها إلى البلاد المجاورة، لكنهم عرّبوها، أي أعطَوْها شكلاَ عربياً حتى جرت مجرى العربي الصريح. ومن أصحاب هذا الرأي أبو القاسم عبيد بن سلام. وكعادتي في التسليم بما يقول صويحبنا سوف أفترض أن كل هذه الألفاظ هي فعلاً ألفاظ أعجمية، فهل هذا يُخْرِج القرآنَ عن

стр. 83

عروبته؟ أبداً لأنه ما من لغة من اللغات إلا وفيها ألفاظ كثيرة جداً من اللغات الأخرى. بل إن اللغة العالمية الأولى في عصرنا الحالي، وهي الإنجليزية، مفعمة بالآف الألفاظ والعبارات المأخوذة بنصها من اللاتينية والفرنسية والعربية والألمانية والفرنسية واليونانية. وفي الأسبانية، وهي أيضاً إحدى اللغات العالمية، عدد هائل جداً من الكلمات العربية، ولا يقدح ذلك في إسبانيتها. وقل مثل ذلك في الفارسية والتركية والسواحلية والأوردية، ولم يدّع أحد أن هذه اللغات قد فقدت هويتها بسبب ما غزاها من جيوش الألفاظ والعبارات العربية. إن الظن بأن هناك لغة نقية من الألفاظ الأجنبية هو كالظن بأن هناك جنساً من الأجناس البشرية لم تخالط دماءه أية دماء أجنبية قط، وهو ظنًّ طفوليًّ لا يقول به إلا أحمق متنطع كصاحبنا. والعبرة على كل حال بقواعد اللغة وتراكيبها وطرائقها الخاصة بها في التعبير والتصوير وما إلى ذلك. ولنفترض أن هذه الألفاظ مما

стр. 84

يُخْرِج القرآن عن عربيته، فإلى أية جنسية يا ترى ننسبه؟ ثم إن الكتاب المقدس عند هذا الأُحَيْمِق وأشباهه تتداخل فيه لغات شتى كما هو معروف، فلماذا يثير هذه الشبهة إذن؟ بل لماذا لا يثيرها إلا بالنسبة للقرآن ولم يُثِرْها بالنسبة للغة العربية كلها؟ أم إن أفاعي حقده هو ومن وراءه لا تهيج إلا على القرآن فقط؟ وهذا كله على افتراضأن هذه الألفاظ كلها ألفاظ أعجمية. ولقد أثبتَّ في كتابي "دائرة المعارف الإسلامية الاستشراقية - أضاليل وأباطيل" أن معظم ما يقول المستشرقون والمبشرون إن العربية قد استعارته من اللغات السامية الأخرى هو زعم باطل؟ كما أن أحد تلاميذي الذين درسوا معي للحصول على درجة الدكتورية قد انتهى في بحثه إلى أن الأغلبية الساحقة من الألفاظ القرآنية المقول بأعجميتها هي ألفاظ عربية أصلية. وقد ارتكن في دراسته هذه على معرفته ببعض اللغات السامية ورجع إلى كل ما استطاع أن يضع يده عليه من مؤلفاتِ من كتبوا في هذه القضية من عرب ومستشرقين.

стр. 85

وعلى كل حال ففي الكتاب المقدس عند المتنطع الجهول ألفاظ من لغات شتى، إلا أنه تمت ترجمته إلى لغة الضاد أصبحت هذه الألفاظ عربية. ومع هذا ففي الترجمة نفسها ألفاظ كثيرة أبقاها المترجمون كمت هي ولم يترجموها إلى العربية، مثل "الكروبون، والأفود، والإيفة، والبعليم، والترافيم، والفُور، والفُوريم، والسَّرُوفون، والبهيموت، وماران أتا، وسِلاَه، والكِنّاره، والمهندس، واللواياثان، ومَنَا مَنَا تَقِلْ وفَرْسِين، والتوارة، والإنجيل، والآب، وهلَّلويا، وهُوشَعْنا، وإيلى إيلى لمّا شبقتنى، والكرازة، ورابى، ورايونى، ويوصنَّا، وأناثيما ... إلخ". * * * وتحت عنوان "الكلام المتكرر"، وهو أحد عناوين الفصل التاسع المسمَّى "أسئلة فنية "، يقول صويحبنا إن "بالقرآن الكثير من التكرار اللفظي كما في سورة "الرحمن" (يقصد تكرار قوله تعالى مخاطباً الإنس والجن: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ؟ بعد كل آية أو آيتين بدءاً من الآية ١٢) ، أو التكرار المعنوي كما في قصص الأنبياء"، ثم يختم كلامه بالسؤال التالي: "أليس في هذا التكرار عيب الخلل والملل والبعد عن ضروب البلاغة؟ " (ص ١٨٤ - ١٨٥) . ولن أحاجّ هذا الأعمى البصر والبصيرة إلا بأن هذا الذي

стр. 86

يستهجنه في القرآن موجود على نطاق أوسع وأشد بما لا يقاس في كتابهم المقدس، فالملل الذي يصيب قارئ الجزء الأخير من سفر "الخروج" وكل أسفار "الأخبار" و"العدد" و"الاشتراع" وأوائل "أخبار الأيام الأول" أمر لا يطاق. إنه يصل إلى حد الغثيان والدُّوار وزغللة العين: فمن سلاسل أنساب وأسماء أشخاصٍ ومواقعَ تتابع وتتداخل ويأخذ بعضها برقاب بعض، إلى تفصيلات تفصيلات التفصيلات، إلى حوادث ذكرها، وعهود يُعَاد صوغها ... إلخ حتى تتركك القراءة جثة هامدة. وفي "المزامير" و"الأمثال" يظل الإنسان يطالع نفس الأفكار والمشاعر مصوغة بنفس العبارات أو بعبارات متقاربة على مدى مائة وستين صفحة من الصفحات المزدحمة حتى ليختنق اختناقاً. ثم هناك أسفار النبوءات الخاصة بأنبياء بني إسرائيل التي تكتظ بتفريغ هؤلاء الأنبياء لأقوامهم الصًلاب الرقبة وشَتْمهم لهم ولعنهم إياهم وشماتتهم بهم وتنبؤهم بما ينتظرهم من مستقبل أسود مما يستغرق مئات الصفحات. وهذا في العهد العتيق، أما في العهد الجديد فعندنا أربعة أناجيل كل منها يحكي سيرة المسيح ﵇ من البدء إلى النهاية: نفس الحوادث، نفس الأشخاص، نفس الحوارات. وقد كانت سيرةٌ واحدةً فقط منها تكفي.

стр. 87

وبالنسبة لتكرار آية ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ؟ عدة مرات في سورة "الرحمن" نذكّر صويحبنا الجاهل بعبارة "فإن إلى الأبد رحمته"، التي تتابعت ستا وعشرين مرة في ست وعشرين جملة هي مجموع المزمور الخامس والثلاثين بعد المائة، كما تكررت قبل ذلك في المزمور السابع عشر بعد المائة في الآيات الثلاث الأولى والآية الأخيرة. ومثلها كلمة "سلاه"، التي تتكرر كثيراً في عدد من المزامير تكراراً متقارباً. ولنأخذ أيضاً: "سبًحوا اله في قدسه. سبًحوه في جَلَد عزته سبًحوه لأجل جبروته. سبًجوه بحسب كثرة عظمته. سبًحوه بصوت البوق. سبًحوه بالعود والكنًارة. سبًحوه بالدفّ والرقص. سبًحوه بالأوتار والمزمار. سبًحوه بصنوج السماع. سبًحوه بصنوج الهتاف. كلّ نسمة فلتبًح الربّ"، وهو كل المزمور المائة والخمسين. وفي الفصلين الأول والثاني من سفر "الجامعة" تظل تردد لإي آذاننا بإلحاح مزعج أن "الجميع باطل وكآبة الروح". أما في بداية الفصل الثالث فتأتي عبارة "للشيء الفلاني وقت" ثلاثين مرة على النحو التالي: "لكل غرضٍ تحت السماء وقت: للولادة وقت، وللموت وقت. للغَرْس وقت، ولقلع المغروس وقت ... للاعتناق وقت، وللإمساك عن المعانفة وقت ... للتمزيق وقت، وللخياطة وقت ... " وهكذا إلى آخر المرات الثلاثين. وفي الفصل الأربعين من سفر "يشوع بن سيراخ" تتكرر عَشْرَ مرات تقريباً عبارةٌ

стр. 88

"الأمر الفلاني والأمر الفلاني شأنهما كذا وكذا، ولكن الأمر العلاّني فوق كليهما". وفي الفصل الثالث والعشرين من إنجيل متى تقابلنا العبارة التالية سبع مرات منسوبة للسيد المسيح في صفحة واحدة ليس غير: "الويل لكم أيها الكتبة والفرّيسيّون المراؤون"، ومثلها في نفس الفصل عبارة "أيها العميان" أو "أيها الجهّل والعميان" موجهةً أيضاً إلى طائفة الفرّيسييّن. وعلى مدى الفصلين الثاني والثالث جميعاً من "رؤيا القديس يوحنا" تقابلنا بعد كل عدة آيات قوله: "من له أذن فلْيسمع ما يوقله الروح للكنائس" ... وهذه بَغْدُ مجرد أمثلة قليلة. ودعنا الآن مما يكتظ به الكتاب المقدس من تناقضات وأخطاء أصبحت رائحتها تزكم الأنوف، ولم يعد القوم يقدرون على إخفائها والتعمية عليها كما كانوا يصنعون في عصور الظلمات والجهل، بل قصاراهم الآن تسويغها بنظرية مضحكة تقول إن المضمون العقيدي والأخلاقي لهذه الكتابات هو من عند الله، ومن ثم فلا خطأ فيه، بخلاف الأسلوب اللغوي والمعلومات التاريخية والحسابية والعلمية، فهذا من عند المؤلفين الذين وضعوا هذه الكتب، وهو أمر طبيعي لأنهم بشر. وهي نظرية مضحكة كما قلتُ: فضلاً عما فيها من كذب لأن المضمون العقيدي والأخلاقي في هذه الكتب يعج هو

стр. 89

أيضاً بالأخطاء والتناقضات ويشوّه مفاهيم الألوهية والنبوة والأخلاق تشويها فظيعاً. لهذا ولذلك فإنني لا أستطيع أن أفهم كيف جرؤ هذا الأبلة على مهاجمة القرآن بأن فيه تكرارا! إن ذلك التعيس لينطبق عليه القول المنسوب عندهم إلى السيد المسيح ﵇: "ما بالك تنظر القَذَى الذي في عين أخيك ولا تفطن للخشبة التي في عينك؟ يا مرائي، أَخْرِج أولاً من عينك، وحينئذ تنظر كيف تُخْرِج القذى من عين أخيك". * * * ومما يُجْلِب به ذلك الأخرق أيضاً من شبهات تبعث على القهقهة ما قاله كذلك في هذا الفصل تحت عنوان "الكلام الغريب " من أن في القرآن كثيراً من الكلمات الغريبة مثل "أَبَ وغِسْلين وحَصْحَصَ وعَسْعَسَ والناقور ومُدْهَامَّتّان"، إذ يتشاءل قائلاً: "أبيست هذه الألفاظ الغريبة مخالفة للذوق السليم في فن الإنشاء؟ " (ص ١٩٦) . فعلاً ما كان ينبغي أن تكون في القرآن مثل هذه الألفاظ، بل كان يجب أن يجئ أسلوبه على غرار ما كانوا يعلّمونه للأطفال في بداية المرحلة الإبتدائية في مصر قبل بضعة عقود من مثل": "شَرْشَرْ

стр. 90

نَطّ يأكل فَتّ"! يالله من هذا السخف! يالله من هذه الرقاعة! وأبعث من ذلك على القهقهة أن تأتي هذه الملاحظة من جاهل ركيك العقل واللغة لا يستطيع أن يصون عبارته من أخطاء النحو الأولية! لقد كلّم القرآن الكريم العرب بالأسلوب الذي يفهمونه، ومن الطبيعي بعد كل تلك القرون أن تصبح بعض ألفاظه غريبة على الأجيال اللاحقة. ومع ذلك فإن مقارنة سريعة لِلُغَتِه بلغة الشعر الجاهلي تثبت في الحال أن ما فيه من ألفاظ صارت بمرور الأيام غريبة بعض الشيء ليس شيئاً بالقياس إلى ذلك الشعر. إن هذا الجاهل لا يفقه أن اللغة في مسيرتها مع الزمن تعتريها تطورات وتغييرات كثيرة، ومع هذا فإن ألفاظ القرآن من أقل الألفاظ تعرضاً لمثل هذه التغييرات. وما أسهل، على من يعرف أسباب نزول الآيات، أن يفهم النص القرآني رغم ما فيه في كثير من الأحيان من إيجاز وتكثيف. وإنني بدوري أسأله: لم يحتاج كتابكم المقدس كل فترة إلى أن يُتَرْجَم من جديد؟ أليس أحد الأسباب الرئيسية في ذلك أن لغة الترجمات القديمة تفقد مع السنين بعض ما كانت تتمتع به من وضوح؟ ورغم هذا فإن في ذلك الكتاب ألفاظاً لا يمكن فهمها دون الرجوع إلى المعاجم منها على سبيل المثال: "جَلَد السماء،

стр. 91

والكِنّارة، والحُمَر، والجَوْزَل، والجُذَامة، والعُمِر، والإيفة، واليَفَاع، والشًظاظ، والعُصَافة، والظًرّان، والصًباء، والزُّوان، والعِضاه، والقُنْدُول، والقِنَّة، والسْمَنْجُونى، والحُرُض، والرُّعَل، والسًرافون، والشُّونير، والقَطَانيّ، والهّذيذ، والوَغْر، والخَراعِب، والوَنَج، والسنًنْطيؤ، والأَفُود، والأَنُوق، والزُّمَّج، والوَرَل، والحِرْذَوْن، والبَلَسان" ... إلخ ... إلخ إن كان لذلك من آخر! أما الركاكة والتواء العبارة والعجز عن التعبير الواضح السلس في "أعمال الرسل ورسائلهم ورؤيا القديس يوحنا" مثلاً فأمر يهون إلى جانبه ذَنَب الضًبّ الذي تُضْرَب به الأمثال في القبح والتعقيد. وهناك أيضاً مواضع في الكتاب المقدس تبلغ من الإبهام حداً يجعل الشراح يخبطون رؤوسهم في الحائط بسبب عجزهم عن فهم المراد منها مثلما هو الحال في الفصل الثامن عشر من "نبوءة أشعيا"، الذي يقول عنه شُرّاح الترجمة الكاثوليكية إنه "في غاية الإبهام والخفاء كما صرّح بذلك جميع المفسرين من المتقدمين والمتأخرين". وإلى القارئ الآن بعض أمثلة من ركاكة الأسلوب أخذناها

стр. 92

كيفما اتفق، وهي من رسالة بولس إلى أهل روما: "لأن غير منظوراته (أي غير منظورات الله) قد أًبْصِرَتْ منذ خَلْق العالم إذ أَدْرِكَتْ بالمبروءات"، "فلذلك أسلمهم الله في شهوات قلوبهم إلى النجاسة لفضيحة أجسادهم في ذواتهم"، "لذلك أسلمهم الله إلى أهواء الفضيحة، فإن إناثهم غَيًرْن الاستعمال الطبيعي بالذي على خلاف الطبيعة"، "ويكون القَلِف الذي بالطبيعة وهو يِتُمَ الناموي يدينك أنت الذي بالحرف والختان تتعدّى الناموس"، "ونحن نعلم أن كل ما يقوله الناموس يقوله لأصحاب الناموس لكي يسدّ كل فم ويصبح العالم كله مجرماً لدى الله، إذ لا يُبَرًر بأعمال الناموس أحد من ذوي الجسد أمامه لأنها بالناموس عُرِلإت الخطيئة. أما الآن فقد اعْتَلَنَ برَ الله بغير الناموس مشهوداً له من الناموس والأنبياء، وهو برَ الله بالإيمان بيسوع المسيح إلى كُلَّ وعلى كُلَّ من الذين يؤمنون لأنه لا فرق، إذ الجميع قد خَطِئوا فيعوزهم مجد الله فيُبَرَّرون مجاناً بنعمته بالفداء الذي هو بالمسيح يسوع"، "طوبى للرجل الذي لم يحسب عليه الربّ خطيئة. أَفَلِلْخِتان فقط هذه الطوبى أم للقَلَف أيضاً؟ فإننا نقول إن الإيمان حُسِبَ لإبراهيم بِراً، فكيف حُسِب؟ أإذا كان في الختان أن إذا كان في القَلَف؟ إنه لم يمكن حينئذ في

стр. 93

الختان بل في القَلَف. وقد أخذ سمة الختان خاتماً لبرّ الإيمان الذي كان في القَلَف ليكون أباً لجميع الذين يؤمنون وهم في القلف لِيُحْسَب لهم أيضاً البِرّ" ... إلخ ... إلخ. أفيجوز لخريج هذه المدرسة الأسلوبية أن يتشامخ على أسلوب القرآن؟ بُعْداً له وليوم أقدم فيه على تلك الجريمة!

стр. 94

الفصل الثاني (شبهات خاصة بالمضمون)

стр. 95

شبهات خاصة بالمضمون وبعد أن انتهينا من الاعتراضات اللغوية وبدا أنْ ليس للعبد الفتاضي عينان في رأسه ولا عقل أيضاً نتحول إلى اعتراضاته الخاصة بالمضمون. ولأن هذه الاعتراضات كثيرة ومتنوعة، وبعضها مما لا يمكن أن نصل فيه إلى شيء بسبب تعلقه بأمور مستقبلية أخبر القرآن أنها ستقع في آخر الزمان مما لا مدخل فيه للأخذ والردّ لأنه لم يحدث بعد، فلسوف أكتفي باختيار عدد كاف من هذه الاعتراضات لمناقشتها، مستصحباً معي المسامحة الشديدة التي اصطحبتها في المناقشات اللغوية. ولسوف يرى القارئ الكريم، رغم ذلك، أن الأسداد قد ضُرِبَتْ على ذلك التعيس الذي يذكًرنا بصرصور ينطح جبلاً أشمّ بغية زحزحته عن موضعه! وها نحن أولاء نتوكل على الله ونجعل مفتتح كلامنا ما قاله الثقيل الظل الوخيم الفهم عن نوح ﵇. قال، فضَّ الله فاه، ولعنه لعنةً منتقاة: "جاء في سورة "نوح"/٢٤: ﴿وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا﴾ ، فكيف يدعو نوح ربه أن يزيد الناس ضلالا؟ كما أن الله ليس مصدر الصلال. ونوح نفسه لا يحب الضلال، فالتاريخ المقدس يشهد له: "كان نوح رجلاً باراً كاملاً في أجياله"

стр. 96

(تكوين/ ٦/ ٩) وإنه "كان كارزا للبِرّ" (٢ بطرس/ ٢/ ٥) " (ص ٣١) . هذا ما قاله الشقي ساعياً إلى حتفه بظلفه، إذ قد أعطانا بذلك فرصة طيبة لنعرض على القراء الأفاضل شيئاً من الأفاكيه التي سطّرها مؤلف سِفْر "التكوين" على أنها وحي إلهي، مع أنها لا تزيد عن كونها خرافات تصلح لسَمَر البدائيين على ضوء القمر في قلب الغابة. وبعد أن نعرض بعضاً من هذه الأفاكيه والأفاويه نُثَنّى فنكّر على سخافات صويحبنا ونكسحها كسحاً. والآن إلى هذه المقتطفات من سفر "التكوين"، وهي من الفصول التي تسبق ذِكْر نوح فقط: ١- "وكان نهر يخرج من عدن فيسقي الجنة، ومن ثم ينشعب فيصير أربعة أرؤس: اسم أحدها فيشون، وهو المحيط بجميع أرض الحويلة حيث الذهب. وذَهَبُ تلك الأرض جيد. هناك المُقْل وحجر الجَزْع. واسم النهر الثاني جيحون، وهو المحيط بجميع أرض الجنة. واسم النهر الثالث حِدّاقل، وهو الجاري في شرقىّ أشور. والنهر الرابع هو الفرات: (١/١٠ - ١٤) . أرأيت أيها القارئ العزيز هذه الدُّرر الجغرافية والجيولوجية الحلمنتيشية التي يتقاصر دونها كل ما في كُتُب علماء الجغرافيا والجيولوجيا؟

стр. 97

٢- "فسمعا (أي آدم وحواء) صوت الإله وهو مُتَمَشَّ في الجنة عند نسيم النهار فاختبأ آدم وامرأته من وجه الرب الإله فيما بين شجر الجنة، فنادى الربُّ الإله آدمَ وقال له: أين أنت؟ قال: إني سمعت صوتك في الجنة قخشيت لأني عريان فاختبأت" (٣/٨ - ١٠) . ترى هذا إله أم عمدة من عُمَد الريف خرج لتفقد حقوله بعد غفوة القيلولة وهبوب نسمة العصاري؟ ثم أي إله هذا الذي يختبئ منه عباده فلا يستطيع أن يعرف أين اختبأوا فيضطر إلى رفع صوته يسألهم أين يختبئون؟ ٣- "قال الرب لقاين (بعد أن قتل أخاه هابيل) : أين هابيل أخوك؟ قال: لا أعلم. اْلعلّى حارس لأخى؟ " (٤/٩) . فانظر إلى قلة الأدب والجلافة الموجودة في هذا الكلام الموجّه إلى الله! إنها الوقاحة اليهودية الفاجرة! ٤- "ولما ابتدأ الناس يكثرون على وجه الأرض ووِلُد لهم بنات رأي بنو الله بنات الناس إنهن حسنات فاتخذوا لهم نساءً من جميع من اختاروا، فقال الرب: لا تحلّ روحي على الإنسان أبداً لأنه جسد، وتكون أيامه مائة وعشرين سنة. وكان على الأرض جبابرة في تلك الأيام وأيضاً بعد أن دخل بنو الله على بنات الناس وولدن لهم

стр. 98

أولاداً. أولئك هم الجبابرة المذكورون منذ الدهر. ورأي الربّ أن شر الناس قد كثر على الأرض وأن كل تصور أفكار قلوبهم إنما هو شرّ في جميع الأيام، فندم الرب إنه عَمِلَ الإنسانَ على الأرض وأسِفَ في قلبه، فقال الرب: أمحو الإنسان الذي خلَقْتُ عن وجه الأرض: الإنسان مع البهائم والدبابات وطير السماء لأني ندمت على خلقي لهم" (٦/١ - ٧) . هل سمع أحد من عقلاء البشر أو حتى مجانينه أن لله أولاداً؟ ومن أُمُّهم يا ترى؟ ثم عندما ذهب أولاد الله ليخطبوا بنات الناس، هل أخذوه معهم ليفاتح آباءهن ويتفق معهم على الشبكة والمهر والشقة والأثاث؟ ثم أي إلهٍ هذا الذي يأسف ويندم على ما فعل؟ هذا ليس هو الله رب العالمين بل إله من آلهة الوثنيين البدائيين بلغ من غضبه وندمه أنْ تشوًش عقله فلم يعد يستطيع أن يقُوم بأنفه العمليات الحسابية، فمرةً يقول لنوح: خذ من كل كائن حيَّ اثنين اثنين ذكر وأنثى، ثم ينسى ما قاله بعد قليل فيجعل العدد من الحيوانات الطاهرة ومن طير السماء سبعةً سبعةً ذكوراَ وإناثاً، ليعود مرة أخرى إلى عَدَد الاثنين. ولقد مرّ في النص السابق أنه كان هناك جبابرة كثيرون قبل الطوفان: قبل أن يتخذ أبناء الله بنات

стр. 99

الناس، وأيضاً بعد أن اتخذوهن لهم نساء، إلا أن كاتب هذا السفر، كعادة مؤلفي الكتاب المقدس، قد نسى هذا فقال عن نمرود (حفيد ابن نوح، الذي وِلُد بعد الطوفان بزمن طويل) إنه "أول جبار في الأرض". وحتى نمرود هذا لا ندري بالضبط من أبوه: فمرة يذكر الكاتب أبناء كوش بن حام بن نوح فلا يورد بينهم اسم نمرود، لنفاجأ به بعد أقل من سطر يقول: "وكوش وَلَدَ نمرود". وبعد هذه التفكهة نرجع إلى ما قاله الشقيُّ عدوّ نفسه، إذ يستغرب دعوة نوح ربَّه أن يزيد الناس ضلالا. ونحب أولاً أن نوضح أن نوحاً لم يَدْعُ على الناس بإطلاق بل على الظالمين فحسب، لكن الأعمى البصر والبصيرة لا يدرك هذا. ثم إن نوحاً، في كتابهم المقدس، قد دعا على حفيده كنعان ولَعَنه لا لشيء إلا لأنه هو قد شرب خمراً حتى سَكِر وانطرح على الأرض وتكشفت سوأته فرآه ابنه حام (أبو كنعان) على ذلك الوضع، فلما أفاق نوح وعلم بما حدث انطلق في نوبة مسعورة يلعن كنعان ويدعو عليه بأن يجعله الله عبداً

стр. 100

لعبيد إخوته، مع إنه لا ذنب لحام فضلاً عن كنعان المسكين الذي لا ناقة له في المسألأة ولا جمل، ولكن يبدو أن السكّير لم يكن قد أفاق تماماً من الخمر فلم يكن يدري ماذا يقول ولا ماذا يفعل، ولا على من يدعو ولا من يلعن. أَوَمثْل هذا اللعْان للأبرياء يستبعد العبد الفاضي أن يدعو على الظالمين من قومه؟ أهكذا يخرجك حقدك يا عبد الفاضي على سيد الأنبياء عن كل عقل وفهم؟ ثم إن الذي يسمع ذلك العبد الفاضي وهو يقول إن "الله ليس مصدر الضلال" سيتساءل على الفور: فكيف تؤمنون إذن بما يقوله كتابكم المقدس عن الرب الذي ندم على خلق البشر وعزم على استئصالهم؟ ولماذا لم يفكر في هدايتهم بدل هذا القرار الاستئصالي الذي لن يأتي رغم ذلك بالنتيجة المرجوة لأن البشر لن يتغيروا؟ والمضحك في الأمر أن الرب، الذي يعرف هذا جيداً، قد أخذ احتياطه (حسب كلام الكتاب المقدس نفسه) حتى لا ينسى مرة أخرى في غمرة ندمة على خَلْق البشر فيُغْرقهم بالطوفان كما

стр. 101

فعل من قبل، إذ لجأ إلى وسيلة تذكّره إذا سها، ألا وهي إنه عند سقوط المطر يَظْهَر قوس قزح، فإذا رآه تنّبه فلم يرسل عليهم الطوفان. ومادام العبد الفاضي قد فهم أن الله ليس مصدر الضلال، فَبِمَ يا ترى يفسّر غيره هذا الرب ذاته من آدم لمعرفته الخير والشر مثله كما جاء في الكتاب المقدس، فأخرجه لذلك من الجنة إلى الأرض وما فيها من تعبٍ وهمً؟ وما السر يا ترى في حقد ذلك الرب على البشر حين رآهم شعباً واحداً ذا لغة واحدة فبلبل السنتهم وشتّت شملهم وبدّدهم في الأرض تبديداً؟ وإذا كان نوح، كما يقول العبد الفاضي، باراًَ كاملاً في أجياله، فكيف ياترى كان يسكر على النحو الذي رأيناه ويلعن حفيده ويدعو عليه بالعبودية دون ذنب جناه ذلك الحفيد المسكين؟ من هنا فإننا لاندري لأي سبب "نال نوح حظوة في عينى الرب". إن سفر "التموين" لا يذكر لنا شيئاً يستحق أن ينال لأجله الحظوة الإلهية دون سائر البرية! ولقد لعن

стр. 102

المسيحُ نفسُه شجرةَ تين حسبما هو مكتوب في الأناجيل لا لشيء سوى إنه لم يجد فيها تيناً لأن الموسم لم يكن موسم تين. فما وجه الغرابة إذن أن يدعو نوح على الظالمين من قومه بأن يزيدهم الله ضلالاً، أي بألا يعطيهم سبحانه فرصة أخرى بعد أن استنفذوا كل الفرض على مدى مئات السنين التي ظل يدعوهم فيها إلى الله عبثاً فأصرّوا على ما هم فيه من ضلال؟ ما وجه الغرابة في هذا أيها التعيس؟ * * * ويستنكر الشقيُّ أن يكون إسماعيل ﵇ رسولاً نبياً طبقاًَ لما جاء في سورة "مريم" /٥٤، قائلاً: "كيف يكون إسماعيل نبياً ، والتوراة تصفه في "تكوين"/ ١٦/١٢: "وإنه يكون إنساناً وحشياً: يده على كل واحد، ويد كل واحد عليه"؟ " (ص ٤٠) . وإننا لنسأل: وهل في هذا النص أن الله حَرَمَه من النبوة؟ وهذا إن صدّقنا إنه نص صحيح، وهو ما لا يدخل عقولنا أبداً. كيف ذلك؟ تعالوا لنتفحص النص عن قرب ونجول جولة في بعض أسفار الكتاب المقدس لنرى مدى منطقية ما يقول. وأول شيء يستلزم أن نقف حياله هو أن هذه العبارة التي استشهد

стр. 103

بها ذلك التعيس هي جزء من بشارة ملاك الرب لهاجر أم إسماعيل (عليها وعلى ابنها السلام رغم أنف الحقَدة من بني إسرائيل ومن يشايعونهم في هذا الحقد عليهما) ، وذلك حين هربت من المعاملة المذلّة التي كانت تعاملها بها سارة ﵍ حسبما يقول كاتب سفر "التكوين". وهذه هي بشارة الملاك كاملة: "لأُكَثًرنً نسلك تكثيراً حتى لا يُحْصَر لكثرته. وقال لها ملاك الرب: هأنت حامل، وستلدين ابناً وتسمينه إسماعيل لأن الرب قد سمع صوت شقائك، ويكون رجلاً وحشياً: يده على الكل، ويد الكل عليه، وأمام جميع إخوته يسكن". واستحلفك أيها القارئ الكريم: أهذه بشارة أم مثلاً بقصرٍ فخم لن يجد فيه راحة أبداً بل ستكون أيامه فيه كلها شقاءً ونكداً، أو أن يقول له: إني واهِبُك يا عبدي ثروة هائلة تنفقها إن شاء الله على أمراضك وأمراض أولادك المستعصية؟ بالله أهذه بُشْرَى؟ إنها لإنذار بالهمّ والغمّ والشقاء! والمضحك أن هاجر، كما جاء في الآية التي بعد ذلك، تبتلع في سذاجة مطلقة لا تُحْسَد عليها هذا الكلام الذي لا يدخل العقل وتعُدَه مكرمة عظيمة!

стр. 104

أما الأمر الثاني فهو أن الكتاب المقدس لا يذكر شيئاً من هذا التوحش الذي دمغ به إسماعيلَ ملفَّقُ الكلام السابق، بل على العكس نرى يعقوب بن إسحاق يذهب فيتزوج مَحْلةَ بنت إسماعيل بدلاً من بنت خاله التي أمره أبوه باتخاذها امرأة له. فأين التوحش هنا؟ وواضح أن يعقوب كان يعرف أنه لا تصلح له بنت أخى أمه، تلك الأم التي أضرمت بينه وبين أخيه عيسو نار الكراهية والتقاتل حسبما جاء في العهد العتيق فابتعد عن كل ما له صلة بأمه وأخذ بنت عمَّه الرجلِ النبيلِ الذي افترى عليه الزورَ ملفقُ سفر "التكوين" الكذابُ الأَشِر. لكن ما الذي فعلته رفقة زوجة إسحاق فأضرمت به نار الكراهية والإنشقاق والتقاتل بين ولديها؟ لقد أراد زوجُها الشيبخُ الكليلُ البصر أن يبارك ابَنها البِكْرَ عيسو، لكنها تسارع فتخبر يعقوب بما ينويه أبوه، وتطلب منه أن يهيءّ أبيه طعاماً قبل أن يعود أخوه من رحلة الصيد بالطعام الذي اشتهاه أبوه، وأن يلبس ملابس أخيه ويغطي يديه وعنقه بفروة معز لأنه كان أملط على عكس عيسو الأشعر. وتدخل الحيلة الساذجة مع الطعام الجيد والخمر المعتقة عقل إسحاق، وينال

стр. 105

يعقوب البركة بالتزوير. وعند رجوع عيسو من الصيد وعلْمه بما وقع يخبر أباه بما حدث فيكون ردّه إنه لا يستطيع له شيئاً لأن البركة قد أخذها أخوه، وما انكسر لا يمكن إصلاحه، ولا أدري لماذا، فالمفروض أن المكر السيء لا يحيق إلا بأهله، بَيْدَ إنه كان لنبي الله يعقوب رأي آخر. ولكن فَلْنُعِدّ عن هذه أيضاً، وإلا فلن ننتهي، فكل العهد العتيق هكذا، فإذا ذهبنا نرقّعه تَمَزَّق في أيدينا! اللهم أن البغض والحقد والتناحر قد طبع منذ ذلك الحين العلاقة بين الأخوين بطاعبه الخبيث، والبركُة في الأم، التي يجعلها أهل الكتاب نبيه من أبيائهم، وكأن الحِنْث والشر والكذب والإجرام والخداع والتلفيق هي مؤهلات النبوة عندهم. أرأيتم، أيها القراء الأعزاء، في أي معسكر يُوجَد التوحش: في إسماعيل ﵇ وذريته أم في المعسكر المقابل؟ على أن هذا لم يكن التزييف الأول في حق إسماعيل، فقد سبق أنْ كَذَبَ العهدُ العتيقُ عليه وتجاهله في مسأله الذبح كأنه لم

стр. 106

يكن له وجود البتة أو كأنه على الأقل لم يكن قد وِلُد بعد. وتفصيل الأمر أن إسماعيل، كما هو معروف وكما جاء في الكتاب المقدس نفسه، قد وِلُد قبل إسحاق بعدة أعوام، ومع ذلك يقول ملفق سفر "التكوي"، الذي يتنفس الكذب تنفّساً ويتمتع بوجه وقح فلا يطرف له جفن، وهو يقترف الكذب جهاراً نهاراً وعلى مرأى ومسمع من العالمين، هذا الملفق الكذاب يقول إن الله أراد أن يمتحن إيمان إبراهيم فقال له: "خذ ابنك وحيدك الذي تحبه إسحاق وامض إلى أرض موريّة وأًصْعِدْه هناك مُحْرَقةً على أحد الجبال الذي أُريك ... ". أيعقل أن يقول الله عن غسحاق إنه ولد إبراهيم الوحيد؟ فماذا إسماعيل إذن؟ ألعلّه كان ابن الجيران؟ أم ترى نسى الله سبحانه أنه كان قد وهب لإبراهيم قبل عدة أعوام ابناً اسمه إسماعيل؟ لكن لماذا؟ أيمكن أن يكون هذا هو الله رب العالمين الذي نعرفه أم هو إله من آلهة الوثنيين البدائيين؟ ثم يأتي في آخر الزمان صويحبنا الجاهل ويتحدانا بمثل هذه السخافات! عجبتُ لك يا زمن! ولأن الطبع غلاب فإن يعقوب عاد بعد هذا فصاهر خاله لابان عابد الأصنام ... ولكن يحسن أن نورد القصة كاملة أولاً حتى ينبيّن

стр. 107

للقارئ أن فوق كل ذي مكر من هو أمكر منه. لقد شاهد يعقوبُ أثناء ترحاله إلى الشرق بنتَ خاله راحيل وهي تسوق غنهما إلى البئر، وكانت راحيل جميلة، فأخذت بلبّه، وجاء أبوها فعانقه وقبّله وأخذه إلى بيته حيث مكث عنده سبع سنين خدمه فيها لقاء التزوج بحبيبة قلبه. بَيْدَ إنه في صباحيّة دخوله بها في آخر السنوات السبع فوجئ بأن خاله قد زوّجه بدلاً منها ليئة أختّها العاطلة من الجمال. أي إنه أعطاه "مَقْلباً سُخْنا"، ومن شابه أخته فما ظلم! ورغم ذلك يصف مؤلفُ سفر "التكوين" إسماعيل بالتةحش والنفور من الخَلُق ويفور الخَلْق منه! وثمة نقطة أخرى في القصة تدل على سذاجة هذا الملفّق الذي يكذب ولا يعرف كيف يسوَّى كذبه كما يقول أهل الريف، إذ يذكر أن يعقوب لم يتبيّن الخدعة إلا في الصباح. أي إنه قضى الليل كله في أحضان ليئة وهو يظنها راحيل! ترى ألم يكن هناك نور في تلك الليلية البتّة؟ وحتى لو لم يكن هناك نور، أكانا يمارسان الجنس في فلم من أفلام السينما الصامتة فلم يتعرف يعقوب على عروسه من صوتها؟ أنظر أنت أيها القارئ وتعجَّبْ، أما أنا فسأسكت! ثم يقولون بعد ذلك كله إن هذا وحي إلهي!

стр. 108

ولكن هل هذا هو كل شيء؟ كلاً، فما زلنا في أول فصول المسرحية الهزْلية، وإن كنت لا أنوي أن أحكي كل فصولها بل سأجترئ ببعضها، وبمكنة القارئ أن يقيس ما لم أحْكِه على ما حكيتُه. وها نحن أولاء الآن مع أولاء يعقوب، الذين مزقتهم الأحقاد بسبب المعاملة المتحيزة التي كان أبوهم يميز بها بعضهم على بعض. ومعروفة قصة يوسف وتآمر إخوته عليه مما حكاه العهد العتيق والقرآن الكريم جميعاً، وهو تآمر بشع يدل على المدى الوحشي الرهيب الذي بلغه الإنشقاق بين أولاد يعقوب. ثم لا يستحي ملفّق سفر "التكوين" فيرمى إسماعيل ﵇ بالوحشية والنفور رغم كرمه ونبل طبعن وأخلاقه! إلا أن فضائح بيت بعقوب طبقاَ لرواية العهد العتيق لم تنته بعد، فقد وقعت دينة بنت يعقوب في غرام شكيم بن حَموُر الوثني الأقلف ومارست معه الفاحشة، كما زنى أخوها يهوذا بثامار أرملة ابنه عير وهو يحسب أنها بغيَ، إذ كانت أخذت زينتها وهَيأت نفسها له وترصدته حتى أوقعت به وهي متنقبة. ومن بجاحته إنه، عندما أنها قد اشتغلت بغياً، أمر بإخراجها

стр. 109

لتُحْرَق جزاء ممارستها للبغاء، لكنْ ما إِنْ عرَّفته أنما مارست معه الزنا لا مع غيره حتى خَرِسَ وأكفأ على الخبر ماجورا، وعفا الله عما سلف! ولا يقلّ رءوبين أخوه عنه في الفحش والفجور إن لم يَفُقْه، فقد اعتدى على عِرْض أبيه فضاجع سُرَّيَته. ولعلك، أيها القارئ العزيز، تظن أن الأب قد ثار على هذا الفجور وأدَّب الزِانَييْن بما يستحقان، لكن أرجوك ألا تكون حسن النية إلى هذا الحدّ لأن كتابهم المقدس يقول شيئاً آخر، فها هو ذا يعقوب يدعو أولاده في آخر عمره ليكلمهم في بعض الأمور المهمة، فيكون أول كلامه أن خاطب رءوبين قائلاً: "رءوبين، أنت بِكْرِى، قوّتى، وأول قدرتى. فاضلٌ في الشرف، فاضلٌ في العزّ. فُزْتَ كالماء. لا تَفْضُل لأنك عَلَوْتَ مضجع أبيك. حينئذ دنَّستْهَ. على فراشي صِعَد". وواضحّ رنّة الفجر برءوبين في كلام أبيه، إذ يصفه بأنه "فاضلٌ في الشرف، فاضلٌ في العزّ" وبأنه "أول قدرتى". أما الجملتان الأخيرتان اللتان يلمح فيهما إلى زنا ابنه بُسًرًيته فهما كالنغمة الناشزة بين سائر أنغام

стр. 110

اللحن الأخرى المتناسقة. وعلى أية حال فهما كل ما هنالك من رد فعل على هذه الفاحشة النكراء! حقاً إنها عائلة شريفة! ومن هذا الوادي المنتن أيضاً ما عزاه الكتاب المقدس إلى داود ﵇ من التجسس من فوق قصره على زوجة قائده الحربي أورياً وهي تستحم عارية في فناء بيتها المكشوف (على طريقة مشاهد "الإستريتيز: striptease") ، ثم استدعائها إلى القصر والزنا بها، ثم قضائه على زوجها بمؤامرة إجرامية خسيسة، ثم تعزيته لها فيه (فهو يقتل القتيل ويمشي في جنازته!) ، ثم تزوُّجه بها وإنجابه سليمان منها. أي أن سليمان ﵇ عندهم هو ابن هذه الزانية! الله أكبر! فلا عجب إذن أن يَنْظِم من كان ابناً لمثل هذه المرأة نشيد العُهْر المسمَّمى "نشيد الأناشيد". وكانت نتيجة فًعْلة داود مع امرأة قائده أن سَخط الله عليه وتهدده قائلاً: "والآن لا يفارق السيف بيتك إلى الأبد ... إني مثيرً عليك الشرّ من بيتك، وسأخذك أزواجك وأدفعهن إلى غيرك فيدخل على أزواجك في عين هذه الشمس". وتستمر مخازى هذه العائلة المحترمة حسبما سطَّر ملفّقو الكتاب المقدس، فهذا هو أمون بن داود يقترف زنى المحارم مع أخته الجميلة
следующие страницы →