ـ[تحرير علوم الحديث]ـ
المؤلف: عبد الله بن يوسف الجديع
الناشر: مؤسسة الريان للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت - لبنان
الطبعة: الأولى، ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م
عدد الأجزاء: ٢
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، وأشْهد أن لا إله إلاَّ الله وحْده لا شريك له وليُّ الصَّالحين، وأشْهد أنَّ محمَّداً عبْده ورسوله النَّبيُّ الصَّادقُ الأمينُ، صلى الله عليه وعلى آله وصحْبه وسلَّم تسليماً كثيراً دائماً إلى يوم الدّين.
أما بعد. .
فإنَّ العلم بهذا الدّين يَقوم على معرفة كتاب الله وسنَّة نبيِّه ﷺ ، وقد تكفَّل اللهُ ﵎ للنّاس بحفظ ما تقوم عليهم به الحجَّةُ وتلْزمهُم الشَّرائع، كما قال: ﴿إنّا نحن نزَّلنا الذّكر وإنّا له لحافظون﴾ [الحجر: ٩]، فسخَّر لهُ من عِِباده من كانوا أسباباً في حفظه وبَقائه.
وهذا الحفظ حقيقةٌ مُشاهدةٌ في حفظ الكتاب العزيز.
ولمّا نصّ الله فيه على أنَّ معرفته لتقوم الحجُّة على العباد موقوفةٌ على بيان رسوله ﷺ ، كما قال: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتُبيّن للنَّاس ما نزّل إليهم﴾ [النّحل: ٤٤]. ولأجله فرض الله طاعته ﷺ في آيات كثيرة، لزم أن يكون حفظ بيانه ممَّا يندرج ضِمناً تحْت حفظه تعالى للذِّكر.
ومعرفة ما جاء به الرَّسول ﷺ ممَّا هو بيانُ القرآن، لا طريق إليها إلاّ بمعرفة المنقول عنه، وبالضَّرورة علمنا أنَّ ذلك المنقول لم يَصلنا كَما وصلنا القرآنُ، وإنَّما هيَ الرِّوايةُ الَّتي يغْلب عليها نقْل الفَرْد، أو الأفراد
стр. 3
القليلين عن أمثالهم، وما عاد إلى مثل ذلك، جاز عليه ما يجوز أن يقع من غير معْصوم، كالخطأ والوَهْم، بل والكذب.
لذا كان العمَل على تمييز الصَّحيح من السَّقيم فرْضاً على الأمّة، أن توجد من بينها من يُحقِّق لها الكفاية فيه، حيثُ لا سَبيل إلى معرفة بيان الرَّسول ﷺ إلا بذلك.
ولا شكَّ أنّ السُّنَّة أساسٌ يقوم عليه نظر الفَقيه ويبْني عليه اجتهاده، كالقرآن العظيم، فإن لم بتيَّن له ما يصحُّ أنّه سنَّة مما لا يصحُّ، فعلى أي أساس سيقيم بنيانه؟
من أجل ذلك أدرك الأولون أنَّ تمييز الصحيح من السقيم ضرورة للفقيه، ومقدمة لابد منها، فحرروا وحققوا، واجتهدوا في نخل المنقول، ولم يزل يناظر بعضهم بعضاً ويرد بعضهم على بعض في شأن صحة نقل الدليل، ولم ينظروا إلى هذه المقدمة إلا كجزء من المقدمات الضرورية للاستدلال.
قال الإمام علي بن المديني: التَّفقه في معاني الحديث نصف العلم، ومعرفة الحديث نصف العلم "، أراد بمعرفة الحديث: تمييز صحيحه من سقيمه.
وعد معرفة ما يثبت من الحديث ممّا لا يثبت شرطاً في المجتهد والمفتي، ممّا لا ينبغي أن يُرتاب فيه، فإنّه إن لم يفهم ذلك صار ولا بدّ إلى أن يبني ويفرع على ما لا يثبت به دين من الرّوايات.
قال الإمام عبد الرحمن بن مهدي: " لا يجوز أن يكون الرجل إماماً، حتىّ يعلم ما يصح ممّا لا يصح، وحتى لا يحتج بكل شيء، وحتى يعْلم مخارج العلم ".
стр. 4
وهذا يبيّنه الحافظ أبو حاتم بنُ حبّان بقوله: " من لم يحفظ سُنن النّبيّ ﷺ ، ولم يحسن تمييز صحيحها من سقيمها، ولا عرف الثّقات من المحدثين، ولا الضعفاء والمتروكين، ومن يجب قبول أفراد خبره ممن لا يجب قبول زيادة الألفاظ في روايته، ولم يُحسن معاني الأخبار، والجمع بين تضادّها في الظواهر، ولا عرف المفسّر من المجمل، ولا المختصر من المفصّل، ولا النّاسخ من المنسوخ، ولا اللّفظ الخاصّ الذي يراد به العامّ، ولا اللّفظ العامّ الّذي يراد به الخاصّ، ولا الأمر الّذي هو فريضة وإيجاب، ولا الأمر الّذي هو فضيلةٌ وإرشاد، ولا النّهي الّذي هو حتْمٌ لا يجوز ارتكابه، من النّهي الذي هو ندب ٌ يباح استعماله، مع سائر فصول السّنن وأنواع أسباب الأخبار: كيف يستحلّ أن يفتي، أو كيف يسوِّغُ لنفسه تحريم الحلال، أو تحليل الحرام، تقليداً منه لمن يخطئ ويُصيب؟ ".
قلت: وفي هذا منع لطائفتين من النّاس أن تتكلّم في الحلال والحرام ابتداءً:
الأولى: من لهُم بالحديث عناية وتخصّص، في تمييز صحيحه من سقيمه، الموجب للمعرفة برواته من تمييز المقبول والمردود، لكن ليس لهم حظٌ من علوم أصول الفقه، ولا مراس لفروعه، فهؤلاء لا يقدر أحدهم أن يستنبط ويجتهد؛ لفقْده آلةَ النَّظر في الأحكام.
فلتتّق الله طائفة تسلّقت جدار الفقه، حيث لم تأته من بابه، ولا أعطيت الإذْن من بوّابه، فحظُّ مثل هؤلاء فقء العين حتّى لا تنظر إلى ما لا يباح، وفي أهل زماننا من هؤلاء خلق، عافى الله العلم منهم.
والثانية: من لهم اشتغال بالفقه، ومعرفةٌ بطرقه وأصوله، وفهم لدلالات النّصوص ومعانيها، ولكنّهم لا يميّزون بين رواية مقبولة ومردودة،
стр. 5
فترى أحدهم يبني الأحكام على ضعيف الأخبار، بل على ما لا أصل له وباطل من الرّوايات؛ لأنّه لا يدري الصّحيح من السّقيم، فهذا حين يفرض على النّاس شيئاً أو يحرّم عليهم، وكان قد بنى على رواية لا تصحُّ، فقد نسب إلى الدّين ما ليس منه، وأورد الحرج على المكلّفين فيما أتاهم به من حُكم بناه على غير أساس، فكم يحمل على كاهله من حرج؟! بل مثل هذا لا يُدرى ممن علمِه في التّحقيق ما بُني على دليل صحيح وما بُني على غيره، وهو نفسه لا يعرف ذلك.
قال علي بن الحسن بن شقيق المرْوزيّ (وكان ثقة): سمعت عبد الله (يعني ابن المبارك) يقول: " إذا ابْتليتَ بالقضاء، فعليك بالأثر "، قال عليّ: فذكرته لأبي حمزة محمد بن ميمون السّكريّ، فقال: " هل تدري ما الأثر؟ أن أحدّثك بالشّيء فتعمل به، فيقال لك يوم القيامة: من أمرك بهذا؟ فتقول: أبو حمْزة، فيُجاء بي، فيقال: إنّ هذا يزعم أنّك أمرته بكذا وكذا، فإن قلت: نعم، خلّي عنك، ويقال لي: من أين قلت هذا؟ فأقول: قال لي الأعمش، فيُسأل الأعمش، فإذا قال: نعم، خلّي عنّي، ويقال للأعمش: من أين قلت؟ فيقول: قال لي إبراهيم، فيُسأل إبراهيم، فإن قال: نعم، خلّي عن الأعمش، وأخذ إبراهيم، فيقال له: من أين قلت؟ فيقول: قال لي علقمة، فيُسأل علقمة، فإذا قال: نعم، خلّي عن إبراهيم، ويقال له: من أين قلت: فيقول: قال لي عبد الله بن مسعود، فيُسأل عبد الله، فإن قال: نعم، خلّي عن علقمة، ويقال لابن مسعود: من أين قلت؟ قال: فيقول: قال لي رسول الله ﷺ ، فيُسأل رسول الله ﷺ ، فإن قال: نعم، خلّي عن ابن مسعود، فيُقال للنبيّ ﷺ ، فيقول: قال لي جبريل، حتى ينتهي إلى الرّبّ ﵎، فهذا الأثر، فالأمر جدٌ غير هزل؛ إذْ كان يشفي على جنّة أو نار، ليس بينهما هناك
стр. 6
منزلٌ، وليعْلم أحدكم أنّه مسؤولٌ عن دينه وعن أخذه حلّه وحرامه ".
نعم، لا حرج أن تستعين الطَّائفتين ببعضهما، فـ"ربَّ حامل فقه غير فقيه، وربَّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه "، لكن أن يستقلَّ كلٌّ بنفسه فيأخذ بالنَّصيبيْن وهو لا يفهم اختصاص الآخر، فهذا من الجِناية على العلم.
والكامل من وفقه الله ليضْرب بنصيب هؤلاء وأولئك، وهو الواجب فيمن يكون للنَّاس إماماً.
وعلوم الحديث علوم آلة تستعمل للكشف عن السُّنن الصَّحيحة المرويَّة عن رسول الله ﷺ من بين نقْل كثير اختلط فيه الغثُّ بالسَّمين، وألَّف فيه من المؤلفات ما يعْسُرُ عدُّه.
وهذه العلوم بدأت في أول أمرها علوماً تطبيقيّة غير مؤصّلة تأصيلاً نظرياً من أجل تقريبها وفهْمها، وتيسير استعمالها، بل دفعت ضرورة تمييز السُّنن الصّحيحة من غير أئمة الأمة في الصدر الأول إلى الاجتهاد بما هدتْ إليه العقول من أجل التحقق من صحة النقل، حتى نما ذلك مع نموِّ الأسانيد وكثرتها، إذ كلَّما بعُد الزمان عن زمن التّلقيّ وهو عهد النُّبوة، فإن الأسانيد تطول، وطولها موجبٌ الزِّيادة في التحري، فصار هذا العلم إلى التَّقنين؛ تلبيةً لما أوْجبته الحاجةُ، على ما سيأتي بيانه في موضعه.
وجرى النّاس من بعْدُ على صياغة قواعد هذه العلوم كما صنعوا في التأصيل لسائر علوم الآلات، كالعربيّة، وأصول الفقه، واستمرّ عند المحقّقين في هذا العلم التَّحرير والتَّقريب والتَّيسير، إلى زماننا، وأكثر العناية فيه كانت في مُصطلحاته، حتى غلب على هذه العلوم تسمية (مصطلح الحديث).
стр. 7
وصار لها في الزَّمن المتأخر عند المعْتني بها، ما صارَ لسائر علوم الآلة، كأصول الفقه، أن تدرس كعلوم نظريّة، لا تستعمل في الواقع، إلى أن تجرَّأ طائفة من الطّلبة في هذا الزَّمان فصاروا إلى استعمال تلك المصطلحات للحُكم على الأسانيد المرويَّة، اكتفوا بمصطلحات ظاهرة قصدت عند صياغتها أن يحفظها الصِّبيان في الكُتَّاب، حسِب هؤلاء أنَّ هذا هو منتهى الطَّلب لهذا العلم، إلاَّ نفراً يسيراً أدركوا وعورة الطريق، فسلكوه متأنِّين حذرين، مجتهدين في اتّباع علامته.
وقد رأيت تلك العلامات تحتاج إلى ترميم، ومنها ما يحتاج إلى إعادة بناء، فكما قصدت إلى تقريب (أصول الفقه) الّتي هي علامات المرور في طريق الفقه، فكتبت " تيسير علم أصول الفقه "، وقرّبت ما ينبغي العلم به مُحرّراً للإقبال على كتاب الله ، فكتبت " المقدمات الأساسيّة في علوم القرآن "، فكذلك وجب إتمام القصْد في علوم الآلة أن آتي على علوم الحديث، فأحرِّرها، لا اكتفاء بتقريب مصطلحاتها، بل بصياغتها بأتمِّ صيغة ممْكنة، مؤصّلة من منْهج أهلها.
وهذا عِلْمٌ لي منذ تلقيته ما يزيد اليوم على ربع قرْن من الزّمان، وأنا أعالجه وأعانيه، وكنت أجد إلحاحاً من داخلي بضرورة أن أصوغه مستوْعب الأبواب وبأسلوب عصْرانيِّ العرْض تيسيراً على الطُّلاب، دون إخلال بشيْء من مراد أهله، مع ما انضمّ إلى ذلك من سؤال من كثير من طلبة هذا العلم الحريصين على تحقيق مسائله وتحريرها، حتى صارت زبْدةُ الأفكار والمقيَّد من المسائل والآثار، إلى هذا الكتاب الذّي بين يديك.
طريقة المتقدّمين، وطريقة المتأخّرين:
شاع بين كثير من طلبة هذا العلم في هذا الزّمان نِزاعٌ بين ما سمّوه (طريقة المتقدّمين) و (طريقة المتأخّرين) في علوم الحديث.
وتحرير محلِّ النّزاع: أن أصحاب التَّفريق رأوا علماء الحديث
стр. 8
المتأخرين صاروا إلى الحكم على الأحاديث على ما تقتضيه ظواهر الأسانيد، والتَّقليد لعبارات بعض متأخري العلماء في الحُكم على الرُّواة، دون مُراجعة لكلام أئمة الجرح والتَّعديل، إذ كثيراً ما يختلفون في الرّاوي، كذلك دون اعتبار للعلل الخفيّة في الرّوايات.
وأيضاً، رأوا للمتأخرين تساهلاً في إطلاق المصْطلحات، والتَّوسُع في قبول الحديث المعلول، بيْنما كان الأوّلون يردُّون مثل تلك الأحاديث.
ومن تساهلهم: تهوين العبارة في الرّواة، كإطلاق وصف (ضعيفٌ)، أو (فيه ضعفٌ) على الرّاوي الواهي السّاقط، مما يُسهِّل أمره، ويجعل حديثه مقبولاً ولو اعتباراً، من أجل خفّة هذا اللّفظ المتأخر في الجرح.
وكذلك يقولون في الحديث: (ضعيفٌ)، وهو في الواقع (موضوعٌ) مثلاً.
وأقول: لا ريْب في صحّة هذا المأخذ، لكن إطلاقه ليس بمحمود، فإنَّ لمتأخّري العلماء تحريراتٍ نافعةً في هذا العلم، كالحُفّاظ: أبي بكر البيهقيّ، والخطيب البغداديّ، وابن عبد البرّ الأنْدلسيّ، فأبي الحجاج المزّيّ، فالذّهبيّ، وابن كثير الدّمشقي، وابن قيّم الجوزيّة، وابن رجب الحنبليّ، فأبي الفضْل العراقيّ، فابن حجر العسقلانيّ، وغيرهم.
وإن كان التّساهل المشارُ إليه يقع من غيرهم، وربّما من بعضهم تارةً، فإنّه لا يصلح أن يقام النِّزاع المورثُ إعراضاً عند بعض النّاس عن تحريرات مثل هؤلاء الأعلام.
وهذا العلم في تحرير من تقدَّم جميعاً مرْجعه إلى طريقة المتقدّمين، فلا غنى لهم عن منهاج أهله، كمالك بن أنس، وشُعبة بن الحجَّاج، وسفيان الثّوريّ، ويحيى بن سعيد القطّان، وعبد الرّحمن بن مهديّ، وأحمد بن حنبل، وعليّ بن المدينيّ، ويحيى بن معين، والبُخاريّ، ومسلم بن الحجّاج، وأبي زُرعة الرّازيّ، وأبي حاتم الرازيّ، وأبي داود السّجستانيّ، والتّرمذي، والنّسائي، وإخوانهم من متقدّمي أئمة هذا الشّأن.
стр. 9
وأما منهاجي في هذا الكتاب، فقد بنيتُ فيه تحرير أصول هذا العلم على طريق السّلف المتقدمين، واستفدت من تحريرات المتأخرين، وعدلْتُ عن ابتكاراتهم في هذا الفنّ؛ لأنهم جروا على التَّنظير في أكثر ما انفردوا به، خصوصاً أهل الأصول منهم، وهذا العلم مستنده إلى النّقل، وإلى التَّبصُّر في منهج أهله.
فبوْنٌ كبيرٌ مثلاً بين كلام أهل الفنّ في تحرير معنى العدالة والجهالة ومراعاتهم لواقع النّقلة، وبين ما ضمّنه متأخرو الأصوليّين كتبهم في تفسير ذلك، والّذي تأثروا فيه بمعناها عند القضاة وداخلوا بين هذا الباب وذاك، ولم يضربوا له من الأمثال من أحوال النّقلة ما يكشف حقيقته.
واجتهدت وُسْعي في ضرب الأمثال من واقع الحال لا من نسْج الخيال، تقريباً لمسائل هذا العلم.
واستبعدت من مباحث هذا الكتاب من الأبواب: غريب الحديث، وفقه الحديث، ومشكل الحديث، والنّسخ في الحديث.
إذ ما كان منها يرجع إلى تأصيل، فتأصيله فيما حرَّرْته في (أصول الفقه) من القواعد، ومنها ما حرّرْته أيضاً في (علوم القرآن) كالنّسخ، لاشتراك السُّنن فيه مع القرآن.
ومنها ما هو تعريفي محضٌ، كغريب الحديث، إذ المراد به غريب الألفاظ، فهذا له كتُبُه الخاصّة، وليس علماً تأصيلياً.
كما ألغيْتُ ذكر بعض المسائل جرت كتب مصطلح الحديث على ذكرها في وقْت لم تزل فيه الرّواية والإسناد، واليوم قد استغنى النّاس عن التّقنين لها، إذ لم تعدْ تستعمل.
مثل مسألة: (من ينسخ وقْت القراءة والعرْض على الشيخ)، فهذه لا تكادُ ترى لها تأثيراً في الواقع التّطبيقيّ.
стр. 10
كذلك الجانب التّنظيري لما انتهت الحاجة إليه، كاعتبار السِّنِّ عند الأداء.
وجريْتُ في جميع ما ذكرتُ على توثيق النَّقل، بإحالة النّصوص إلى أصحابها، مستفادةً من معتمد مصادرها، مع اتّباع قوانين الفنّ في اعتماد ما يثبت نقله عن قائله في جميع مادّة الكتاب.
والله أسأل أن ينفع به، وأن يكون قرَّةَ عين لطالب لعلم قلَّ فيه الرّاغب، وأن يغفر لي ما زلّ به الفكر والرّأي والقلم، هو المستعان وعليه التُّكلانُ.
وكتب
أبو محمد عبدُ الله بن يوسُف الجُديع
يوم الجمعة ٢٠ من ذي الحجّة ١٤٢٣هـ
الموافق ٢١/ ٢ / ٢٠٠٣ م
مدينة ليدز - المملكة المتحدة
стр. 11
مدخل:
مقدمات تعريفية
стр. 12
المبحث الأول:
علم الحديث: تعريفه، تاريخه، أقسامه
١ _ تعريف علم الحديث:
العلمُ: معرفة الشيء.
والحديثُ في الأصل يطلق على: الجديد من الأشياء، ويطلق على الخبر. ومنه قوله تعالى ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثاً﴾ [النِّساء: ٨٧]، وقوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾ [سَبَأ: ١٩].
وفي الاصطلاحِ: ما أضيف إلى النبي ﷺ من قولٍ، أو فعلٍ، أو تقريرٍ، أو صفةٍ.
فالقول: هو الألفاظُ النَّبويَّة.
مثلُ: حديثِ معاوية من أبي سفيان، ﵁، قال: سمعت النبي ﷺ يقول:
" من يرد الله به خيراً يفقه في الدين " (١).
стр. 13
والفعل: هو التصرفات النبوية العملية.
مثل: حديث عبد الله بن عباس، ﵄:
أنه توضأ فغسل وجهه، ثم أخذ غرفة من ماء فمضمض بها واستنشق، ثم أخذ غرفة من ماء فجعل بها هكذا، أضافها إلى يده الأخرى فغسل بهما وجهه، ثم أخذ غرفة من ماء فغسل بها يده اليمنى، ثم أخذ غرفة من ماء فغسل بها يده اليسرى، ثم مسح برأسه، ثم أخذ غرفة من ماء فرشَّ على رجله اليمنى حتى غسلها، ثم أخذ غرفة أخرى فغسل بها رجله، يعنى اليسرى، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ (١).
والتقرير: ما يقع من غيره ﷺ باطِّلاعه أو علمه فلا ينكره.
مثل حديث عائشة، ﵂، قالت:
لقد رأيت رسول الله ﷺ يوماً على باب حجرتي والحبشة يلعبون في المسجد، ورسول الله صلى الله وعليه وسلم يسترني بردائه أنظر إلى لعبهم (٢).
والصِّفة: خصائص بشريَّته ﷺ فيما لا يرجع إلى كسبه وعمله، مثل:
حديث البراء بن عازب، ﵁، قال: كان رسول الله ﷺ أحسن الناس وجهاً، وأحسنهم خلقاً: ليس بالطويل البائنِ، ولا بالقصير (٣).
ولا يدخل في الصفة بهذا التَّفسير ما يحبه أويكرهه ﷺ من الأفعال والأحوال، وإنما يَنْدرجُ هذا النَّمطُ من الأحاديث تحت (الفعل) باعتبار الصادر عنه ﷺ على وفق محبته أو كرهِهِِ، مثل:
стр. 14
حديث عائشة، ﵂، قالت: كان النبي ﷺ يحب التيمن ما استطاع في شأنه كله: في طهوره وترجله وتنعله (١).
هل يدخل في (الحديث) ما أضيف إلى من دونَ النبي ﷺ ؟
ما يضاف إلى صحابيٍّ أو تابعيٍّ أو من بعدهم من الأخبار يسمى (حديثاً) من حيث اللغة، لكن الاصطلاح جرى غالباً على إرادة ما يضاف إلى النبي ﷺ خاصة، حتى صار يتبادر إلى الذِّهن عند الإطلاق حين يُقال مثلاً: (في المسألة حديثٌ) أنَّه عن رسول الله ﷺ .
فدفعاً للإيهام، لا ينبغي إطلاق لفظ (حديثٍ) على غير ماورد عن النبي ﷺ .
الفرق بين الحديث والسنة:
السنة في المعنى الأُصوليِّ مساويةٌ للحديث بالتعريف المتقدّم عن أهل الحديث، دون قيد (أو صفة)، واستثناء الصفة النبوية من جملة السنن إنما وقع من أجل أن محل الكلام في السنة هو اعتبار كونها من مصادر التشريع، وهذا لا يَنْدرجُ تحته الأوصاف الذَّاتية، وإنما يستفاد من الأقوال والأفعال والتقريرات النبوية.
الأثر:
من (أثَرْتُ الخبرَ) إذا رويته.
ومن العلماء من يخصُّ الأَثر بـ (الموقوف) على الصحابي أو من دونه، كالتَّابعي.
стр. 15
ومنهم من يسمي كلَّ رواية أثراً؛ بغضِّ النظر عمن أضيفت إليه، ومنه قولهم: (التفسير بالمأثور) فإنَّه يد خل فيه الأحاديث النّبوية والمنقول عن الصحابة والتابعين.
وكتبٌ كثيرة ٌُ سمِّيت بـ (الآثار) وفيها الحديث النَّبويُّ وغيره، كـ (الآثار) للإمام محمد بن الحسن الشَّيباني صاحب الإمام أبي حنيفة، بل منهم من سمّى كتابه بذلك ومراده الحديث النّبوي، كما في " شرح مشكل الآثار " و" شرح معاني الآثار "
كلاهما لأبي جعفر الطَّحاوي، و " تهذيب الآثار " لابن جرير الطَّبري.
علوم الحديث:
هي المعارف المتّصلة بالحديث من جهة نقله ومعرفة صحيحه من سقيمه.
والألقاب المتعارف ُ عليها عند أهل هذا الفن بـ (علم مصطلح الحديث) والآتي تفصيلها، هي القاعدة العامّة لهذه العلوم.
٢ _ تاريخ علم الحديث:
مبدأ ظهور هذا العلم:
الكلام في النقلة فنٌّ قديم من فنون هذا العلم، يعود إلى عصر الصحابة، وقد ورد عنهم في ذلك آثار قليلة، إليك بعضَ أمثلتها:
١_ عَن سعيد بن جبير، قال:
قلت لابن عباس: إن نوفاً البكاليَّ يزعم أن موسى ﵇ ُصاحب بني إسرائيل ليس هو موسى صاحب الخضر ﵇، فقال: كذب عدو الله، سمعت أُبي بن كعب يقول: سمعت رسول
الله صلى الله عليه وسلم
стр. 16
يقول: " قام موسى ﵇ خطيباً في بني إسرائيل، فسئل: أي الناس أعلم؟ " فذكر الحديث بقصته مع الخضر (١).
٢ _ وعن حُميد بن عبد الرحمن أنه سمع معاوية بن أبي سفيان يُحدِّث رهطاً من قريش بالمدينة وذكر كعب الأحبار، فقال: إن كان من أصدق هؤلاء المحدثين الذين يحدثون عن أهل الكتاب، وإن كنا مع ذلك لَنَبْلو عليه الكذب (٢).
فتلاحِظ في هذين المثالين أنَّ الكلام وقع في رجلين من غير الصحابة يعرفان بالرواية عن أهل الكتاب، ولم يكن الصحابة يكذِّب بعضهم بعضاً في النقل عن رسول الله ﷺ ، وإنما خطَّأ بعضهم بعضاً في أحرف يسيرة كما وقع فيما استدركته عائشة أم المؤمنين على بعض الصحابة (٣)، وعلّة ذلك أن نقلة الأحاديث عن النبي ﷺ إنما كانوا العدول ولذلك لم يكن الناس يومئذ يعتنون بالإسناد حتى ظهرت الفتن وتباعد العهد وصار النقل إلى التابعين بعد الصحابة.
فعن مجاهد بن جبر المكي، قال:
جاء بُشير العدوي إلى بن عباس، فجعل يحدث ويقول: " قال رسول الله ﷺ ، قال رسول الله ﷺ ، " فجعل ابن عباس لا يأذن (٤) لحديثه ولا ينظر إليه، فقال: يا ابن عباس، مالي لا أراك تسمع لحديثي؟ أحدثك عن رسول الله ﷺ ولا تسمع، فقال ابن عباس: إناكنّا مرَّة إذا سمعنا رجلاًََ
стр. 17
يقول: " قال رسول الله ﷺ " ابتدرتْه أبصارنا، وأصْغينا إليه بآذانِنا، فلما ركب الناس الصَّعب والذَّلول لم نأخذ من النّاس إلا ما نعرف (١).
وقال الإمام التابعي محمد بن سيرين: " لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سمّوا لنا رجالكم، فيُنظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، ويُنظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم ... (٢).
ثم منذ ذلك الوقت بدأ شيوعُ الاعتناء بالأسانيدِ والكلام في النَّقَلة ونقد الراويات، وكلما تأخر العهد زاد ذلك.
فتكلَََََّم طائفةٌ من التابعين بكلام منثور في ذلك، منهم: سعيد بن جبير، وسالم بن عبد الله عمر، ... وعطاء بن أبي رباح، وعروة بن الزبير، والحسن البصري، ومحمد بن سيرين، وعامر الشعبي.
ثم الكلام بعد هؤلاء أكثر كالزهريِّ، وأيوب السختيانيِّ، والأعمش.
حتى جاءت طبقة أتباع التابعين فصار هذا العلم إلى النُّضوج، وعلتُّه ترجع إلى كثرة الكذابين، وطولِ الإسناد الذي يزيد معه الوهم والغلط وتعمُّد الإسقاط من رجاله تخفيفاً، فظهر أمثال شعبة بن الحجَّاج، وسفيان الثوري، ومالك بن أنس، والأوزاعي.
ومن بعد طبقة تلامذتهم كيحي القطَّان، وعبد الرحمن بن مهدي.
ثم تلامذتهم كأحمد بن حنبل، ويحي بن معين، وعلي بن المدينيِّ، وإسحاق بن راهُوَيه، وعمرو بن علي الفلاَّس.
وهذا وقتٌ بدأ يظهر فيه التَّصنيف في علوم الحديث، لكن في أبواب منه مخصوصة، كـ (الجرح والتَّعديل) و (علل الحديث) و (تواريخ النَّقلة).
стр. 18
وتطوَّر وكثر الكلام في تلك العلوم فيمن بعده، لكنَّها بقيت دون أن تخصَّ مصطلحاتها بتصنيف بعد، إلى زمان الإمام أبي محمد الحسن بن عبد الرحمن الرَّامُهرمزيِّ (المتوفى سنة: ٣٦٠) فصنَّف أول كتاب مفرد في علوم الحديث سمَّاه: " المحدِّث الفاصل بين الرَّاوي والواعي " ثم توالى الناس على التصنيف فيه.
وأنفع المؤلفات فيه كتب الخطيب البغدادي، وأجلها: " الكفاية " ثم مؤلف الإمام أبي عمرو ابن الصَّلاح: " علوم الحديث " المعروف بـ (المقدِّمة).
٣ _ تقسيم علوم الحديث:
علوم الحديث من حيث الإجمال تنقسم إلى قسمين كلِّيِّين:
القسم: الأول علم رواية.
وموضعه: ما أضيف إلى النبي ﷺ أو من دونه من صحابي أو تابعي، من جهة العناية بنقل ذلك وضبطه وتحرير ألفاظه.
وبعبارة أخرى: هو العناية بمتن الخبر من جهة نصِّه خاصة:
ويندرج تحته أصناف من علوم الحديث، منها: المرفوع، والموقوف، والمقطوع، وغريب الحديث، ومختلف الحديث.
والقسم الثاني: علم دراية.
وموضعه: من السَّند والمتن من جهة العلم بأحوالهما.
ويندرج تحته: تمييز المقبول من المردود، وعلم الجرح والتَّعديل وتواريخ الرواة، وعلل الحديث، وغيرها.
تعريف السند والمتن:
السند: هو سلسلة الرواة التي حصل بها تلقِّي الخبر.
стр. 19
ولك أن تسمِّيه: (الإسناد) والفرق بينهما في علم الحديث صوريٌّ.
المتن: هو الكلام (أو النَّص) الذي انتهى إليه السند.
واعلم أن الإسناد من خصائص هذه الأمة، وقد أخبرت النصوص النبويَّة الثابتة عن وقوعه قبل ... أن يعرفه الناس، كما في حديث عبد الله بن عباس، ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : " تسمعون، ويُسمع منكم، ويسمع ممَّن يسمع منكم " (١)
وقال عبد الله بن المبارك، " الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء " (٢)
والإسناد هو الطريق الموصل إلى ثبوت المتن ولا خيَر في متن بلا إسناد.
عن يحي بن سعيد القطَّان، قال: لا " تنظروا إلى الحديث، ولكن انظروا إلى الإسناد، فإن صح الإسناد وإلا فلا تغترَّ بالحديث إذا لم يصح الإسناد " (٣)
والذي يحتاج إليه من الإسناد قد فرغ منه، حين دوِّنت الكتب في
стр. 20
الرواية، وصار مرجع الناس إليها، وبقى اعتبار صحة تلك الكتب إلى من نسبت إليه.
قال ابن الصلاح: " إن الرواية بالأسانيد المتصلة ليس المقصود بها في عصرنا وكثير من الأعصار قبله إثبات ما يروى بها، إذ لا يخلو إسناد منها عن شيخ لا يدري ما يرويه ولا يضبط ما في كتابه ضبطاً يصلح لأن يعتمد عليه في ثبوته، وإنما المقصود منها إبقاء سلسلة الإسناد، والتي خصت بها هذه الأمة (١).
قلت: خصت الأمة بالإسناد، وقد تحقق ذلك، والحمد لله، لا ببقائه للتبرك المحض، حتى صارت طوائف تحتفظ بدفاتر فيها أسماء كتب من الأصول الكبار في الحديث وغيرها، قد أجيز أحدهم بها من شخص ما، فصاحب الدَّفتر يجيزها لمن شاء، وهو في الواقع لم يجز، ولا يجيز، إلا عناوين لتلك الكتب، ما سمعها ولا سمعت منه، ولا قرأها ولا قرئَت عليه، ولو بحثت كاشفاً عن بعض رجال إسناده لتعسر عليك ولم تصل إلى كشفهم، ثم يريد هذا أن يرفع بذلك رأساً، وكأن لسان أحدهم يقول: انقطعت سلسلة الاتصال بالنبي ﷺ إلا من طريقي.
فليس في الأمة حاجة إلى هذه الأسانيد، وحتى لو كان لها بعض اعتبار يوم ابن الصلاح، فإنه اليوم قد زال، حيث صار منتهى الناس إلى صحة الوجادات من كتب السنة، واصطلاح (الحديث المسند)
عند أهل الحديث، قال الخطيب: " يريدون أن إسناده متصلٌ بين راويه وبين من أسْند عنه، إلا أن أكثر استعمالهم هذه العبارة هو فيما أسند عن النبي ﷺ واتصال الإسناد فيه أن يكون كل واحد من رواته سمعه ممن فوقه حتى ينتهى ذلك إلى آخره، وإن لم يبين فيه السماع بل اقتصر على العنعنة " (٢).
стр. 21
قلت: وبهذا المعنى الذي عند أكثرهم عرَّف الحاكم (المسند) (١).
لكن ابن عبد البرِّ جعله مرادفاً لـ (المرفوع)، فلم يشترط فيه الاتصال. حكاه عن طائفة (٢).
وليس وصفه بالاتصال عند من ذكره يعني الصحة، وإنما المراد مجرد الإحالة، وقد يكون ضعيفاًَ.
* * *
стр. 22
المبحث الثاني:
ألقاب الحديث من جهة من يضاف إليه
١_ الحديث المرفوع:
تعريفه:
قال الخطيب: " ما أخبر فيه الصحابي عن قول الرسول ﷺ أو فعله " (١).
قلت بل هو أسع من ذلك، والفصل: أنه ما أضيف إلى النبي ﷺ من قول أفعل أو تقرير أوصفة. على نفس ما تقدم لمصطلح (حديث).
وكأنه استفيد من رفعة المقام.
ويعتاض عن اللفظ الصريح بالإضافة إلى النبي ﷺ بالقول مثلاً: (عن أبي هريرة مرفوعاً) ويساق لفظ الحديث، دون ذكر: (قال رسول الله ﷺ ، ويقع هذا اختصاراً، لكن لا ينبغي فيما أرى استعماله في الأحاديث الصحيحة، من أجل ما يفوت به من ذكر النبي ﷺ والصلاة والتسليم عليه.
стр. 23
مسائل:
المسألة الأولى: يقع في: إطلاق السلف من الأئمة لفظ (المسند) يريدون به الحديث المرفوع المتصل إلى النبي ﷺ ، كما بينته في تعريف (المسند).
المسألة الثانية: إذا حدث صحابي بالشيء فوجد فيه من القرينة ما يدل على كونه تلقاه عن النبي ﷺ ، فهو حديث مسند مرفوع.
وهل من هذا قول التابعي عن الصحابي: (يرفع الحديث) أو (ينميه) أو (يبلغ به) أو ما في معناه، دون ذكر النبي ﷺ ؟.
الجواب: نعم , هو عن النبي ﷺ (١)
وذلك مثل:
ما أخرجه أبو يعلى الموصليُّ، قال: حدثنا أبو خيثمة، قال: حدثنا محمد بن عبد الله الأسدي، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن محمد بن سعد، عن أبيه، ويرفع الحديث:
" لا يحل لأحد أن يهجر أخاه فوق ثلاث " (٢).
وقيل لأحمد بن حنبل: إذا قال: (يرفع الحديث) فهو عن النبي ﷺ ؟ قال: " فأيُّ شيء؟ " (٣)
أي: فعمن يكون إن لم يكن عن النبي ﷺ ؟
لكن يجب قصر ذلك على قول الصحابي خاصة، فأما إذا قاله التابعي فمن دونه، فلا ينزَّل منزلة المراسيل فيما أرجحه.
стр. 24
وذلك أني وجدتهم يعنون بتلك العبارة: يسنده إلى من فوقه، وذلك أحد رواة الخبر.
مثل: ما حدث به موسى بن مسلم الحِزامي، قال سمعت عكرمة يرفع الحديث فيما أرى إلى ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : " من ترك الحيَّات مخافة طلبهن فليس منا، ما سالمنا هن منذ حاربناهنَّ " (١).
فإن قلت: إنما تبين أن قوله: (يرفع الحديث) ليس عن النبي ﷺ ، بقرينة ذكر ابن عباس، فإن خلا من القرينة، فينبغي أن يكون له حكم المرسل.
قلت: لما استخدموا العبارة المذكورة في مجرد الارتقاء بإسناد الخبر إلى درجة أعلى في الإسناد، وصحَّ أن تكون تلك الدرجة هي الصحابي هنا، مع عدم وجود تنصيص منهم يُفسر مرادهم ويحصره فيما عرفناه بالاصطلاح في معنى المرفوع، فإن احتمال إرادة كونه عن أي قائل أو غافل فوق الراوي قائل تلك العبارة ودون النبي ﷺ : احتمال قوي.
إلا أن نقف على ذلك الخبر من وجه معتبر مرفوعاً صراحة من قبل الراوي إلى النبي ﷺ .
وليس من هذا قول أهل العلم المتأخرين اختصاراً في نقل الأحاديث من كتب الرواية (مرفوعاً) مثلاً، فإنا قد علمنا أنه عن النبي ﷺ في سياقه في مصدره من كتب الحديث المسندة، وإن كان تحاشي ذلك خاصة في الأحاديث الثابتة أولى، كما تقدم التنبيه عليه.
المسألة الثالثة: قول الصحابي: (قال: قال) دون ذكر النبي ﷺ ، هل هو مرفوع؟
هذه صورة نادرة الورود في روايات الحديث.
стр. 25
مثالها: ما حدث به أسود بن عامر شاذان قال: أخبرنا شعبة، قال: أخبرني إدريس الأوديُّ، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال: " لا يصلي أحدكم وهو يجد الخبَث " (١).
فتحرير هذه المسألة: أن هذه الصورة بمجردها لا تفيد رفع الحديث، بل هو موقوف من هذا الوجه، وهذا المثال المذكور مما اختلف فيه على شعبة أصلاً رفعاً ووقفاً، ولا يكاد يوجد لهذه المسألة مثال يسلم من علة، وعليه فيحول ذلك دون القول: إن هذه الصيغة تفيد الرفع.
وما ذكر عن محمد بن سيرين بخصوص ذلك مِن تركه رفع الحديث أحياناً وهو عنده مرفوع، فهو أمر غير مطرد على التحقيق.
وبيانه: أن الحافظ دعلجا السِّجزيَّ، قال: حدثنا موسى بن هارون بحديث حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمد، عن أبي هريرة، قال: قال: " الملائكة تصلي على أحدكم مادام في مصلاه "، قال موسى: إذا قال حماد بن زيد والبصريون: (قال: قال) فهو مرفوع.
قال الخطيب: قلت للبرقانيَّ: أحسب أن موسى عنى بهذا القول أحاديث ابن سيرين خاصة؟ قال: كذا تحسب. (٢).
قلت فهذا المثال لايصلح أن تُبْنى عليه قاعدة، وقول موسى بن هارون الحمَّال غير صحيح الإطْلاق، وما حسبه الخطيب من كون ذلك هناك محصوراً فيما يرويه ابن سيرين خاصة عن أبي هريرة صواب، ما لم تكن هناك قرينة في سياق الخبر تجعله على أصل الوقف.
وواقع الأمر أن ابن سيرين حدث عن أبي هريرة بأحاديث لم يكن يذكر فيها الرفع الصريح إلى النبي ﷺ ، وهي محفوظة من حديث أبي هريرة
стр. 26
مرفوعاً، أحياناً يوجد ذلك من رواية ابن سيرين نفسه عن أبي هريرة، يكون حدَّث به عنه لا يذكر الرفع، وتارةً يذكره، كما يكون مرفوعاً من رواية غير ابن سيرين عن أبي هريرة.
وهذا ما جاءت به الطرق للحديث المذكور، فإنه رواه من البصريين: أيوب السخستاني (١)، وهشام بن حسان (٢) وعمران بن مسلم القصير (٣)، جميعاً عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ به.
واستدل الخطيب لما حسب بقول ابن سيرين: " كل شيء حدثت عن أبي هريرة فهو مرفوع " ... (٤).
وصح عن محمد بن سيرين: أنه كان إذا حدث عن أبي هريرة، فقيل له: عن النبي ﷺ ؟ فقال: " كل حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ " (٥).
قال الطَّحاوي: " وإنما كان يفعل ذلك؛ لأن أبا هريرة لم يكن يحدثهم إلا عن النبي ﷺ " (٦).
وفي هذا عن ابن سيرين فائدة خاصة، وهي أن الخبر إذا جاء عنه عن أبي هريرة مرفوعاً وموقوفاً، فإن ذلك لا يعد من الاختلاف القادح في صحة الرفع، بل الحكم بالرفع متعين.
стр. 27
المسألة الرابعة: ما لا يقال مثله بمجرد الاجتهاد، فالأصل أن يكون مرفوعاً حكماً.
وذلك كتحديث الصحابي بما لا سبيل إلا معرفته إلا عن طريق الوحي، مع ضميمةِ أن لا يكون الصحابي يحدث بالإسرائيليَّات فيما يمكن أن يكون من أخبار أهل الكتاب مثل: ما يتصل بأخبار السابقين وبدء الخلق ومستقبل الزمان، ومن أشهر من عرف من الصحابة بالتحديث عن أهل الكتاب: عبد الله بن عمرو بن العاص، وأبو هريرة، وربَّما وقع لغيرهما، خُصوصا من نزل الشام من الصحابة.
ولما كان قد يعسر تبيُّن إن كان الصَّحابي حمل الرواية عن أهل الكتاب، أو كان بتوقيف عن رسول الله ﷺ ، من أجل أنه ليس لدينا ما يقطع في هذا، إنما هو قائم على المظنة، فالتحري يوجب أن يرد في سياق الخبر قرينة غير ما تقدم تدل على ضعف احتمال أن يكون من أخبار أهل الكتاب.
وذلك كقول أبي سعيد الخدريُّ " من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أضاء الله له من النور ما بينه وبين العتيق " (١).
فأبو سعيد ليس معروفاً بالتحديث بالإسرائيليَّات، وحدث بشيء هو مما اختُصت به هذه الأمة، وهو فضل قراءة سورة الكهف، وهي مما أنزل الله على محمد ﷺ ، وذكر البيت العتيق وليس لأهل الكتاب فيه شأن.
стр. 28
ومما يجب أن يحتاط فيه من هذه الصورة.
ما يقوله الصحابي من إثبات تحليل أو تحريم، فمن الناس من يدعي أن له حكم الرفع، وهذا خطأ، فإن الصحابة كانوا يُفتون الناس في الحلال والحرام، وكما وسع من بعدهم من العلماء أن يحلوا ويحرموا باجتهادهم فيما لا نص فيه، فعلماء الصحابة هم سادة المجتهدين لهذه الأمة، وقد سبقوا إلى أن قالوا باجتهادهم فأحلوا وحرموا، واختلفوا في المسائل بسبب ذلك.
المسألة الخامسة: قول الصحابي (أمرنا بكذا .. نهينا عن كذا .. كنا نؤمر بكذا .. كنا ننهى بكذا .. كنا على عهد رسول الله ﷺ نفعل كذا .. كنا نقول ورسول الله ﷺ فينا .. من السنة كذا) وشبه ذلك، فهو حديث مسند مرفوع حكما في قول أكثر أهل العلم، وهو الصواب (١).
وذلك بناء على أن حال ما يحكيه الصحابي من ذلك إنما كان لبيان شرائع الدين، والتبليغ عن النبي ﷺ ، خصوصا ولا يكاد يوجد الشيء من ذلك لا شاهد له من النصوص المسندة صراحة إلى النبي ﷺ .
قال الخطيب: " والدليل عليه: أن الصحابي إذا قال: أمرنا بكذا، فإنما يقصد الاحتجاج لإثبات شرع وتحليل وتحريم وحكم يجب كونه مشروعا (٢).
مثاله: ماحدث به مصعب بن سعد بن أبي وقاص، قال: صليت إلى جنب أبي، فلما ركعت شبكت أصابعي، وجعلتهما بين ركبتي، فضرب يدي، فلما صلى قال: قد كنا نفعل هذا، ثم أمرنا أن نرفع إلى الركب (٣).
стр. 29
وذهب بعض أهل العلم، كابن حزم، إلى أن هذه الصورة ليست مسنداً مرفوعاً (١).
واعترض بعضهم باحتمال أن يكون الآمر الناهي من بعد رسول الله ﷺ .
وهذا ضعيف، فإن الصحابة فيما دل عليه الاستقراء لم يكونوا يستعملون ذلك في أمر أو نهي أوسنة أحد إلا النبي ﷺ .
قال الشافعي وقد ذكر حديثا عن ابن عباس والضحاك بن قيس فيه: (كذا وكذا سنة): " وابن عباس والضحاك بن قيس رجلان من أصحاب النبي ﷺ ، لا يقولان: (السنة) إلا لسنة رسول الله ﷺ إن شاء الله " , وقال: " وأصحاب النبي ﷺ لا يقولون بالسنة والحق إلا لسنة رسول الله ﷺ إن شاء الله تعالى " (٢).
قلت: وقول الشافعي: (إن شاء الله)، من أجل مظنة أن يقول الصحابي الشيء من ذلك بمحض اجتهاده، وليس بمنزلة المرفوع الصحيح.
وأما قصة حنظلة السَّدوسيِّ قال: سمعت أنس بن مالك يقول: كان يؤمر بالسوط فتقطع ثمرته ... (٣)، ثم يدق بين حجرين، ثم يضرب به. فقلت لأنس: في زمان من كان هذا؟ قال: في زمان عمر بن الخطاب. فهذا خبر لا يصح رواية، فلا يتعقب بمثله (٤).
وإذا حكى الصحابي أمرا شائعا، ونسبه إلى عامة الصحابة، كأن
стр. 30
يقول: (كانوا يفعلون كذا) ولا يذكر فيه النبي ﷺ ولا ما يدل على إرادة زمانه ﷺ ، ليس فيه إلا إضافة ذلك إلى الصحابة، فهذا موقوف (١).
وذلك كقول أبي سعيد الخدري: كان أصحاب رسول الله ﷺ إذا قعدوا يتحدثون كان حديثهم الفقه، إلا أن يأمروا رجلاً فيقرأ عليهم سورة، أو يقرأ رجلٌ سورة من القرآن (٢).
المسألة السادسة: الصحابيُّ إذا حدث عن شيء ممَّا كان منهم على حياة النبي ﷺ ، لكن ليس فيه اطِّلاعُهُ ﷺ ولا إقراره، فهذا ممَّا اختلفوا فيه:
هو موقوف، في قول الحاكم (٣). قصة
وهذا مثل ما جاء في قصة عمرو بن سلِمة الجرمي، حين حدَّث عن أبيه قال: جئتكم والله من عند النبي ﷺ حقاً، فقال: " صلُّوا صلاة كذا في حين كذا، وصلُّوا صلاة كذا في حين كذا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم، وليؤمكم أكثركم قرآناً "، قال عمرو: فنظروا فلم يكن أكثر قرآناً مني، لما كنت أتلقَّى من الرٌّكبان، فقدَّموني بين أيديهم وأنا ابن ست أو سبع سنين، وكانت عليَّ بردة، كنت إذا سجدت تقلَّصت عني، فقالت
стр. 31
امرأة من الحي: ألا تغطُّون عنا است قارئكم؟ فاشتروا، فقطعوا لي قميصاً، فما فرحت بشيء فرحي بذلك القميص (١).
فهذا الحديث دل عند طائفة من أهل العلم على صحة إمامة الصبي، وحقيقة الأمر أن صنيع القوم في تقديم عمرو مع صغره ليس في الرِّواية أن النبي ﷺ اطلع على ذلك وعلم به فأقرَّه.
غير أن محقق القولين: أن ما جاء منقولا فعله عن أحد من الصحابة في حياة النبي الله عليه وسلم فهو مرفوع حكماً، ودليل يحتج به، وهو لاحق بالتَّشريع التقريريِّ، وذلك من أجل أن الله تعالى مطلع، والوحي ينزل، وكم نزل في القرآن في أشياء من أحوال الناس يومئذ لم يكن النبي ﷺ يعلمها إلا حين ينزل الوحي بخصوصها؟
ويشهد لهذا ما صح عن عبد الله بن عمر قال: كنا نتقي كثير من الكلام والانبساط إلى نسائنا على عهد رسول الله ﷺ ؛ مخافة أن ينزل فينا القرآن، فلما مات رسول الله ﷺ تكلمنا (٢).
المسألة السابعة: حكم تفسير الصحابي للقرآن .
إذا كان يتصل بسبب نزول، فهو حديث مسند، وإن لم يكن يذكر فيه النبي ﷺ (٣)، من أجل أن النزول كان في حياة النبي ﷺ .
وإن كان بيانا لمعنى، فهو موقوف، إلا أن يكون خبراً لا يقال مثله من قبل الرأي والا جتهاد، فهذا يكون مرفوعاً حكماً بشرط أن يؤمن كونُ
стр. 32
ذلك الصحابي لم يؤخذ عن أهل الكتاب، على ما تقدم بيانه في (المسألة الرابعة).
المسألة الثامنة: الحديث القدسيُّ .
هو لقب شاع للمتأخرين فيما يرويه النبي ﷺ عن ربه.
وتعريفه المحقَّقُ له أنه: الحديث المرفوع القولي المسند من النبي ﷺ إلى الله.
وهذه ميِّزه عن القرآن، من جهة أن قرآن لا يقال فيه (حديث مرفوع)، و (القولي) ميَّزه من سائر أنواع المرفوع، والنسبة إلى الله أخرجته من عموم المرفوعات القولية التي هي مما أنشأه النبي ﷺ بألفاظه.
مثاله: حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " قال الله: يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر، وأنا الدهر، بيدي الأمر، أقلب الليل والنهار " (١).
ومن المتأخرين من قال في تعريف (القدسي): (ما كان معناه من الله تعالى، ولفظه من النبي صلى لله عليه وسلم)، وهذا فيما أرى خطأ لا مستند له إلاِّ إرادة تمييزه عن القرآن حاصل بالتعريف الذي ذكرته آنفاً، وهو المتفق مع صريح عبارة الرفع النَّبويِّ، فإن النبي ﷺ يقول في الحديث القدسي: (قال الله)، وهذا صريح منه ﷺ في نسبة القول والذي هو الألفاظ ذاتها إلى الله، ولم يردنا في شيء من النقل أن النبي ﷺ كان يتصرف في ألفاظ ما يقول فيه: (قال الله عز جل) ممَّا يحدث به عن ربه سوى القرآن.
ثم إنه يرد على قولهم: (ومعناه من الله) دخول عموم السنة في ذلك، فإن
стр. 33
السنن شرائعُ الله أوحاها إلى النبي ﷺ غير القرآن، عبر عنها النبي ﷺ بألفاظ نفسه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوى * إِنْ هُو إِلاَّ وحي يوحى﴾ [النجم: ٤، ٣]، فإن جعلنا الحديث القدسي كذلك لم نميزه عن سائر نصوص السنن المنشأة ألفاظها من قبل النبي ﷺ وألغينا فائدة التميز الحاصلة من قبل قوله ﷺ في القدسي: (قال الله).
تنبيهات حول الحديث القدسي:
التنبيه الأول: قد تأتي صيغة الإضافة في الرواية غير صريحة، وذلك مثل:
ما رواه بعض الرواة من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ ، رفعه: " إن المؤمن عندي بمنزلة كل خير: يحمدني وأنا أنزع نفسه من بين جنبيه " (١).
التنبيه الثاني: لكون الأحاديث القدسية منقولة بطريق الآحاد، فإنها يعتريها ما يعتري سائر ألفاظ أحاديث الآحاد من أداء بعض الألفاظ بالمعنى، أو باختلاف يسير في اللفظ، وبزيادة بعض الرواة على بعض فيها، وليس ذلك بالكثير.
стр. 34
التنبيه الثالث: يغلب على صفة الحديث القدسي التذكير والموعظة، لا إثبات الأحكام، وإن كان ربما دلَّ على الحكم.
التنبيه الرابع: الأحاديث القدسية الصحيحةُ ليست كثيرة، وصنِّف في جمعها مصنَّفات، اشتملت على الصحيح والسقيم من جهة الإسناد، ولما كان بابها المواعظ كثر فيها الواهي والموضوع.
٢ _ الحديث الموقوف:
تعريفه: ما أضيف إلى الصحابي من قول أوفعل أو تقرير أو صفة.
وأجمل ذلك الخطيب، فقال: " الموقوف: ما أسنده الراوي إلى الصحابي، ولم يتجاوزه " (١).
وقال الحاكم: " أن يروى الحديث إلى الصحابي من غير إرسال ولا إعضال، فإذا بلغ الصحابي قال: إنه كان يقول كذا كذا، وكان يفعل كذا كذا، وكان يأمر كذا كذا " (٢).
قلت: اشترط الحاكم عدم الانقطاع إرسالاً أو إعضالاً، ليس هو المشهور في تعريف (الموقوف).
٣ _ الحديث المقطوع:
تعريفه: هو ما أضيف إلى التابعي من قول أوفعل أو تقرير أو صفة. ويسمى: (الأثر) كذلك.
стр. 35
مثاله: قول مسروق بن الأجدع: " كفى بالمرء علماً أن يخشى الله، وكفى بالمرء جهلاً أن يعجب بعلمه " (١).
مسائل:
المسألة الأولى: قد تجد القول يؤثر عن التابعي مسنداًَ إليه لا يتجاوزه، وتراه يروى من طريقه تارة عن الصحابي موقوفاً، أو يبلغ به النبي ﷺ مرفوعاً، وتارة يروى عن ذلك التابعي قوله، ويرويه غيره بإسناد موقوفاً على صحابي أو مرفوعاً إلى النبي ﷺ .
فلما لم تقم الحجة في ذلك على خطأ راوٍِ فيه، فالوجه فيه: أن التابعي حين حدث به من قوله فهو استشهاد منه بما انتهت إليه الرواية فيه عمن قبله، وهو مقطوع لما حدث به من قوله، وموقوف أو مرفوع من الوجه الذي انتهى إلى صحابي أو إلى النبي ﷺ .
ولهذا أمثلة، منها ما يندرج تحت علم علل الحديث.
ومن مثاله فيما هو مقطوع ومرفوع، وهو الصحيح من الوجهين:
ماصح عن مسرق بن الأجدع، قال: " أقرب ما يكون العبد إلى الله وهو ساجد " (٢).
وهو حديث صحيح من حديث أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: " أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء " (٣).
стр. 36
وليس هذا مما يعل به الآخر فإن أثر مسروق بإسناد كوفي، وحديث أبي هريرة بإسناد مدني.
المسألة الثانية: ربما وجدت في كلام أهل الحديث يقولون: (وقفه فلان على عطاء) يستخدمون الفعل من (الموقوف)، مع، أن عطاء تابعي وهو ابن أبي رباح.
المسألة الثالثة: قول التابعي: (من السنة كذا).
اختلفوا فيه:
فمنهم من قال: هو مرفوع مرسل، وذلك على اعتبار أنه يريد بالسنة سنة النبي ﷺ .
ومنهم من قال: هو مقطوع، من أجل أن التابعي عنى به سُنَّة أهل البلد.
والذي أراه في ذلك التَّفصيل: فإذا وجدنا التابعي قال ذلك فيما هو معروف من سنة النبي ﷺ من وجه صالح، قلنا في خبره ذلك: هو مرسل، وأراد بالسنة سنة النبي ﷺ .
وإذا وجدناه أطلق ذلك الوصف على مالم نجد له في المنقول عن النبي ﷺ ما يجعله منها، قلنا: هو قوله، أراد به سنة البلد وما رأى عليه الناس.
* * *
стр. 37
المبحث الثالث:
ألقاب الحديث باعتبار تعدد الأسانيد
الحديث باعتبار تعدد أسانيده التي روي بها، أو مجيئه من وجه واحد ينقسم بهذا الاعتبار إلى أقسام، ترجع في جملتها إلى قسمين أساسيَّين:
القسم الأول: الحديث المتواتر
والتواتر، هو: رواية الجمع عن الجمع، الذين يمتنع اتفاقهم على الكذب، أو الخطأ.
وفسره الخطيب البغدادي، فقال: " خبر التواتر، هو:
١ _ ما يخبر به القوم الذين يبلغ عددهم حدا يُعلم عند مشاهدتهم بمستقر العادة أن اتفاق الكذب عندهم محال.
٢ _ وأن التواطؤَ منهم في مقدار الوقت الذي انتشر الخبر عنهم فيه متعذر.
٣ _ وأن ما أخبروا عنه لا يجوز دخول اللبس والشبهة في مثله، وأن أسباب القهر والغلبة والأمور الداعية إلى الكذب منتفية عنهم.
стр. 38
فمتى تواتر الخبر عن قوم هذه سبيلهم، قطع على صدقه، وأوجب وقوع العلم ضرورة " (١).
قلت: وهو يقابل: (حديث الآحاد) الآتي.
واعلم أنه ليس لأقل عدد التواتر حد منضبط، وإنما يراعي فيه التعدد فوق الشهرة، مع قرائن تنضم إلى التعدد تمنع الاتفاق على الخطأ والوهم فضلاً عن الكذب، وعلامته مع تعدد الطرق: حصول العلم الذي يتعذر دفعه للمطلع عليه العارف به.
والتواتر في الأحاديث النبوية هو من باب (التواتر النظري) لا من باب (التواتر الضروري)؛ لأن معرفته موقوفة على جميع طرق الحديث ورواياته، فهو مبني على البحث والنظر، والعلم به غير حاصل ضرورة كتواتر نقل القرآن المستغني عن الأسانيد والطرق.
لذا فالتواتر بالحديث لا يُستغنى فيه بمجرد تعدد الأسانيد عن ثبوت أفرادها؛ فمن الأحاديث ما تعددت أسانيده وكثرت، لكنها واهية لا يثبت منها شيء.
وهذا المعنى أغفله أكثر من تعرض لهذا الموضوع، خصوصا أن أكثر من تكلم في التواتر هم الأصوليون، وهؤلاء تكلموا في التواتر الضروري، كتواتر القرآن، ومن ثم عدَّاه طائفة إلى الحديث، وأغفل هؤلاء أن نقل القرآن ليس كنقل الحديث، فلا يستويان، فتواتر القرآن أغنى في صحته عن البحث في الإسناد، بخلاف تواتر الحديث، فإن عمدته على الإسناد، ويكفيك دليلا على ضعف القول باستغناء الحديث المتواتر عن الإسناد ما تنازعوه في قدر ما يُدَّعى فيه التواتر، فإن موجب التسليم لصحته دون مناقشةٍ على طريقة أهل الأصول، فكيف يصحُّ التنازع بعدُ في شيءٍ من ذلك: هو متواتر أو غير متواتر.
стр. 39
ولذا أحدث معنى للتواتر ليستوعب الحديث العائد إلى الإسناد، وهو (التواتر النظري)، إشعاراً بأن تمييز ما يُفيد العلم من الحديث على سبيل القطع ليُساوي التواتر في معناه، موقوف على النظر والبحث.
تقسيم الحديث المتواتر بحسب صِيغته:
هو قسمان باعتبار لفظه ومعناه:
الأول: المتواتر اللفظي .
وهو عزيز الوجود في الأحاديث، وأشهر مثال له حديث: " من كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار "، رواه ما يزيد على سبعين صحابيًّا، جمع طرقه الحافظ الطبراني في جزءٍ، وكذا جمعها ابن الجوزي في أول كتابه " الموضوعات " (١)، ومنها ما هو مُخرَّجٌ في الصحاح والسنن، وجمع الطحاوي منها طرفاً (٢).
والثاني: المتواتر المعنوي .
وهو كثير، وذلك أن يكون الباب أو الحكم قد جاءت به الأحاديث الكثيرة التي حقَّقت بكثرتها حدَّ التواتر، كشرعيِّة رفع اليدين في الصلاة، وشرعيةِ المسح على الخفين.
وجمع بعض متأخري الحُفاظ ما حسبه متواتراً في كتب مُفردةٍ، منهم الحافظ جلال الدين السيوطي في كتاب سماه " قطف الأزهار المتناثرة في الأخبار المتواترة "، وهو مُختصرٌ من كتاب مطول له في ذلك، وبناه على حدِّ التواتر بما رواه عشْرةٌ فصاعداً، وزادت أحاديثه على المئة، لكنه في التحقيق يخالف في دَعوى التواتر في أكثره، وكذا من جاء بعد السيوطي
стр. 40
ممن شاعَ تصنيفهم في ذلك بين الناس، كالزبيدي، في كتابه: " لفظ اللآلئ المتناثرة في الأحاديث المتواترة "، وجعفر الكتّاني في كتابه: " نُظم المتناثر من الحديث المتواتر ".
القسم الثاني: حديث الآحاد
قال الخطيب: " خبر الآحاد، هو: ما قصر عن صفة التواتر، ولم يقطع به العلم وإن روْته الجماعة " (١).
قال: ابن حبان: " فأما الأخبار فكلها أخبار آحاد " (٢).
قلت: وهذا صحيح بالنظر إلى غالب السنن المروية، أو بالنظر إلى التواتر اللفظي، فإنه كما تقدم عزيز الوجود، فيصح بهذا الاعتبار أن يكون الأصل في الأخبار أخبار الآحاد.
وحديث الآحاد باعتبار التفرد بالإسناد أو تعدد الأسانيد ثلاثة أنواع، جرى على ذكرها المتأخرون.
النوع الأول: الحديث المشهور .
وهو بالنظر إلى الشهرة اللغوية والاصطلاحية قسمان:
الأول مشهور يعرفه الخاصُّ والعام.
وهذه الشهرة هي الشهرة العامة، كأن يقول: (هذا حديث مشهور) في الفقه أو الحديث أو الأصول، وهي شُهرة يراد بها ذُيوع الحديث وكثرةُ تداوله، مثل حديث: " طلب العلم فريضة على كل مسلم "، و " من كان له إمام فقرأ الإمام له قراءة "، و " من سُئل عن علم فكتمه ألجم بلجام من نار