← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 1416

تحرير علوم الحديث

عبد الله الجديع

Полный текст (1 074 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وليس هذا مما يعل به الآخر فإن أثر مسروق بإسناد كوفي، وحديث أبي هريرة بإسناد مدني. المسألة الثانية: ربما وجدت في كلام أهل الحديث يقولون: (وقفه فلان على عطاء) يستخدمون الفعل من (الموقوف)، مع، أن عطاء تابعي وهو ابن أبي رباح. المسألة الثالثة: قول التابعي: (من السنة كذا). اختلفوا فيه: فمنهم من قال: هو مرفوع مرسل، وذلك على اعتبار أنه يريد بالسنة سنة النبي ﷺ . ومنهم من قال: هو مقطوع، من أجل أن التابعي عنى به سُنَّة أهل البلد. والذي أراه في ذلك التَّفصيل: فإذا وجدنا التابعي قال ذلك فيما هو معروف من سنة النبي ﷺ من وجه صالح، قلنا في خبره ذلك: هو مرسل، وأراد بالسنة سنة النبي ﷺ . وإذا وجدناه أطلق ذلك الوصف على مالم نجد له في المنقول عن النبي ﷺ ما يجعله منها، قلنا: هو قوله، أراد به سنة البلد وما رأى عليه الناس. * * *

стр. 37

المبحث الثالث: ألقاب الحديث باعتبار تعدد الأسانيد الحديث باعتبار تعدد أسانيده التي روي بها، أو مجيئه من وجه واحد ينقسم بهذا الاعتبار إلى أقسام، ترجع في جملتها إلى قسمين أساسيَّين: القسم الأول: الحديث المتواتر والتواتر، هو: رواية الجمع عن الجمع، الذين يمتنع اتفاقهم على الكذب، أو الخطأ. وفسره الخطيب البغدادي، فقال: " خبر التواتر، هو: ١ _ ما يخبر به القوم الذين يبلغ عددهم حدا يُعلم عند مشاهدتهم بمستقر العادة أن اتفاق الكذب عندهم محال. ٢ _ وأن التواطؤَ منهم في مقدار الوقت الذي انتشر الخبر عنهم فيه متعذر. ٣ _ وأن ما أخبروا عنه لا يجوز دخول اللبس والشبهة في مثله، وأن أسباب القهر والغلبة والأمور الداعية إلى الكذب منتفية عنهم.

стр. 38

فمتى تواتر الخبر عن قوم هذه سبيلهم، قطع على صدقه، وأوجب وقوع العلم ضرورة " (١). قلت: وهو يقابل: (حديث الآحاد) الآتي. واعلم أنه ليس لأقل عدد التواتر حد منضبط، وإنما يراعي فيه التعدد فوق الشهرة، مع قرائن تنضم إلى التعدد تمنع الاتفاق على الخطأ والوهم فضلاً عن الكذب، وعلامته مع تعدد الطرق: حصول العلم الذي يتعذر دفعه للمطلع عليه العارف به. والتواتر في الأحاديث النبوية هو من باب (التواتر النظري) لا من باب (التواتر الضروري)؛ لأن معرفته موقوفة على جميع طرق الحديث ورواياته، فهو مبني على البحث والنظر، والعلم به غير حاصل ضرورة كتواتر نقل القرآن المستغني عن الأسانيد والطرق. لذا فالتواتر بالحديث لا يُستغنى فيه بمجرد تعدد الأسانيد عن ثبوت أفرادها؛ فمن الأحاديث ما تعددت أسانيده وكثرت، لكنها واهية لا يثبت منها شيء. وهذا المعنى أغفله أكثر من تعرض لهذا الموضوع، خصوصا أن أكثر من تكلم في التواتر هم الأصوليون، وهؤلاء تكلموا في التواتر الضروري، كتواتر القرآن، ومن ثم عدَّاه طائفة إلى الحديث، وأغفل هؤلاء أن نقل القرآن ليس كنقل الحديث، فلا يستويان، فتواتر القرآن أغنى في صحته عن البحث في الإسناد، بخلاف تواتر الحديث، فإن عمدته على الإسناد، ويكفيك دليلا على ضعف القول باستغناء الحديث المتواتر عن الإسناد ما تنازعوه في قدر ما يُدَّعى فيه التواتر، فإن موجب التسليم لصحته دون مناقشةٍ على طريقة أهل الأصول، فكيف يصحُّ التنازع بعدُ في شيءٍ من ذلك: هو متواتر أو غير متواتر.

стр. 39

ولذا أحدث معنى للتواتر ليستوعب الحديث العائد إلى الإسناد، وهو (التواتر النظري)، إشعاراً بأن تمييز ما يُفيد العلم من الحديث على سبيل القطع ليُساوي التواتر في معناه، موقوف على النظر والبحث. تقسيم الحديث المتواتر بحسب صِيغته: هو قسمان باعتبار لفظه ومعناه: الأول: المتواتر اللفظي . وهو عزيز الوجود في الأحاديث، وأشهر مثال له حديث: " من كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار "، رواه ما يزيد على سبعين صحابيًّا، جمع طرقه الحافظ الطبراني في جزءٍ، وكذا جمعها ابن الجوزي في أول كتابه " الموضوعات " (١)، ومنها ما هو مُخرَّجٌ في الصحاح والسنن، وجمع الطحاوي منها طرفاً (٢). والثاني: المتواتر المعنوي . وهو كثير، وذلك أن يكون الباب أو الحكم قد جاءت به الأحاديث الكثيرة التي حقَّقت بكثرتها حدَّ التواتر، كشرعيِّة رفع اليدين في الصلاة، وشرعيةِ المسح على الخفين. وجمع بعض متأخري الحُفاظ ما حسبه متواتراً في كتب مُفردةٍ، منهم الحافظ جلال الدين السيوطي في كتاب سماه " قطف الأزهار المتناثرة في الأخبار المتواترة "، وهو مُختصرٌ من كتاب مطول له في ذلك، وبناه على حدِّ التواتر بما رواه عشْرةٌ فصاعداً، وزادت أحاديثه على المئة، لكنه في التحقيق يخالف في دَعوى التواتر في أكثره، وكذا من جاء بعد السيوطي

стр. 40

ممن شاعَ تصنيفهم في ذلك بين الناس، كالزبيدي، في كتابه: " لفظ اللآلئ المتناثرة في الأحاديث المتواترة "، وجعفر الكتّاني في كتابه: " نُظم المتناثر من الحديث المتواتر ". القسم الثاني: حديث الآحاد قال الخطيب: " خبر الآحاد، هو: ما قصر عن صفة التواتر، ولم يقطع به العلم وإن روْته الجماعة " (١). قال: ابن حبان: " فأما الأخبار فكلها أخبار آحاد " (٢). قلت: وهذا صحيح بالنظر إلى غالب السنن المروية، أو بالنظر إلى التواتر اللفظي، فإنه كما تقدم عزيز الوجود، فيصح بهذا الاعتبار أن يكون الأصل في الأخبار أخبار الآحاد. وحديث الآحاد باعتبار التفرد بالإسناد أو تعدد الأسانيد ثلاثة أنواع، جرى على ذكرها المتأخرون. النوع الأول: الحديث المشهور . وهو بالنظر إلى الشهرة اللغوية والاصطلاحية قسمان: الأول مشهور يعرفه الخاصُّ والعام. وهذه الشهرة هي الشهرة العامة، كأن يقول: (هذا حديث مشهور) في الفقه أو الحديث أو الأصول، وهي شُهرة يراد بها ذُيوع الحديث وكثرةُ تداوله، مثل حديث: " طلب العلم فريضة على كل مسلم "، و " من كان له إمام فقرأ الإمام له قراءة "، و " من سُئل عن علم فكتمه ألجم بلجام من نار

стр. 41

يوم القيامة "، إلى أحاديث أخرى لها طرقٌ وأسانيد عِدة، وفيها الصحيح وغيره. وربما لا يكون له إسناد، بل هو حديث موضوع، كالحديث الذي لا أصل له: " اختلاف أمتي رحمة " (١). والثاني: مشهور عند أهل المعرفة بالحديث. وتعريفه: هو الحديث الذي يرويه ثلاثة فأكثر في كل طبقةٍ، ولم يبلغ في كثرة الأسانيد ما ينزَّل به منزلة التواتر. وهذه شهرة اصطلاحية بمعنى مخصوص، وأمثلته في الأحاديث كثيرة. كالحديث في قُنوت النبي ﷺ في الصلاة يدعو على رَعل وذكوان (٢). فهذا رواه عن النبي ﷺ جماعة من الصحابة، أصح طرقه عن أنس بن مالك، وعبد الله بن عباس، وخُفاف بن إيْماء الغِفاري، ورواه عن أنس من أصحابه جمع، منهم: قتادة وأبو مِجلز لاحق بن حميد وإسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، وعاصم الأحول، وعن قتادة رواه عددٌ، وعن كل رواه ما شاء الله. ولم يقلَّ نقلته في كل طبقة عن عدد الشهرة. قال الحاكم: " وأمثال هذا الحديث ألوف من الأحاديث التي لا يقف على شهرتها غيرُ أهل الحديث والمجتهدين في جمْعه ومعرفته " (٣). و النوع الثاني: الحديث العزيز . ويرد في استعمال المتقدمين بمعناه اللغوي، وهو القلة والندْرة، فيقولون: (حديث عزيز)، وفي الراوي: (عزيز الحديث) أي قليله.

стр. 42

لكنه في اصْطلاح المتأخرين: الحديث الذي لا يقلُّ رواته عن اثنين في جميع طبقات الإسناد، ولا يبلغ الشهرة. ولكوْن هذا الوصف نادرَ الوجوه في الأحاديث أطلق عليه لقب (العزيز). مثاله: قوله ﷺ : " لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من والده، وولده والنَّاس أجمعين ". فهذا لم يُروَ من وجه صحيح عن النبي ﷺ إلا من حديث أبي هريرة وأنس بن مالك (١)، ورواه عن أنس: قتادة وعبد العزيز بن صهيب، ورواه عن عبد العزيز إسماعيل بن عُليَّة وعبدُ الوارث بن سعيد، وعن كلٍّ منهما جماعة. و النوع الثالث: الحديث الغريب . تعريفه: هوَ الحديث الذي ينفرد بروايته راوٍ واحد. ويسمى: (الفرْد). والغريب نوعان: أولهما: الغريب المطلق. وهو أكثر ما يطلق عليه مصطلح (الفرد). وهو الحديث الذي لا يعرف عن النبي ﷺ إلا بإسناد واحد. كحديث: " إنما الأعمال بالنيات " فإنه لا يعرف له إسناد إلا عن عمر بن الخطاب، ﵁.

стр. 43

وهذا المعنى بمجرده لا يفيد ثبوت الحديث أو ضعفه، فلا تفهمن أن مجرد التفرد يعني الضعف، وإنما في (الغريب): الصحيح، والحسن، والضعيف، وتعرف درجة كل بحسب حال الإسناد، وسلامته من العلل. وثانيهما: الغريب النسبي. وهو الحديث الذي علم مخرجه عن النبي ﷺ من أكثر من وجه، كحديث يرويه أبو هريرة وابن عمر، ولكنه لم يعرف عن ابن عمر إلا من رواية نافع مولاه، فهو من أفراد نافع عن ابن عمر، والتفرد فيه إنما وقع بالنسبة لابن عمر، لا مطلقاً، ويقولون فيه: " تفرد به فلان عن فلان ". فإن وجدت ذلك فلا تفهمن منه غرابة الحديث عن النبي ﷺ ، فقد يكون مروياً عنه من وجوه. والغريب النسبي كثير في جميع الكتب الأمهات، ومن وجوامعه الواسعة " المعجم الأوسط " للحافظ الطبراني. ومن مثاله: ما رواه عيسى بن موسى غُنْجارٌ، عن أبي حمزة السكري، الأعمش، عن أبي أيوب السَّختياني، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، قال: قال النبي ﷺ : " لا تسموا العنب الكرْم " (١). قال: الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن الأعمش إلا أبو حمزة السكري، واسمه محمد بن ميمون، تفرد به الغُنْجار، ولم يسند الأعمش عن أيوب حديثاً عن غير هذا ". قلت: وقد رواه عن النبي ﷺ أبو هريرة ووائل بن حجر، ومعناه عن سمرة بن جندب، وعن أبي هريرة جماعة من ثقات أصحابه، منهم: الأعرج، ومحمد بن سيرين، وأبو سلمة، وعن محمد بن سيرين: أيوب السختياني وهشام بن حسان وغيرهما، ورواه عن أيوب غير الأعمش على

стр. 44

خلاف في رفعه، لكنه لا يعرف مرفوعاً من حديث أيوب إلا من رواية الأعمش عنه، ولا يعرف عن الأعمش إلا من هذا الوجه، فليس هو عن غير أبي حمزة من أصحابه. فالحديث بالنظر إلى أصله تقول فيه، مشهور، أو عزيز، ثم بقيت المتابعة في أسانيد رواية أبي هريرة إلى الأعمش، وهو إمام مكثر اعتنى أصحابه بحديثه، لكن لم يوجد هذا الحديث عنه إلا من هذا الوجه. واعلم أن الوصف بالتفرد إن وقع من حافظ عارف، كالطبراني هنا مثلا، فلا تطعمن أن تجد له طريقاً أخرى صالحة عمن وقع التفرد بالنسبة له. قال النووي: " وإذا قالوا: تفرد به أبو هريرة، أو ابن سيرين، أو أيوب، أو حمَّاد، كان مشعراً بانتفاء وجوه المتابعات كلها " (١). قلت: ولكن لا تيأس، فالعلم منحة. والنقص في البشر طبيعة، وربما علم المفضول ما لم يعلمه الفاضل. وللغرابة صور، فمنها: ١ _ ما تفرد به راوٍ واحد مطلقاً أو عن شيخ معيَّن، وهو الأكثر في رواية الحديث. ٢ _ ما تفرد به أهل بلد دون غيرهم، فيقال: " هذا حديث تفرد به أهل الشام " مثلاً، حيث لم تقع روايته لغيرهم، ولم يعرف إلا من جهتهم. وذلك كتفرد الشاميِّين برواية حديث أبي ذر الغفاري، عن النبي ﷺ فيما يرويه عن الله ﵎ أنه قال: " يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرماً، فالا تظالموا " الحديث (٢).

стр. 45

فهذا حديث عظيم، صحيح من جهة النقل، اختص به أهل الشام، وجاء عن أبي ذر من طرق لهم، وقال حافظ الشاميِّين أبو مسهر عبدُ الأعلى بن مسهر الغساني: " ليس لأهل الشام أشرف من حديث أبي ذر " (١)، وجاء معنى ذلك كذلك عن أحمد بن حنبل (٢)، ولم يصح من رواية غيره من الصحابة. ٣ _ ما تفرد به أهل البلد عن أهل بلد آخر، وليس هو عند أهل البلد آخر، وليس هو عند أهل البلد الآخر أصلاً، أو ليس عندهم من وجه قويِّ. مثاله: ما تفرد بروايته من الثقات عبد الله بن المبارك، أخبرنا محمد بن سوقه، عن عبد الله دينار، عن ابن عمر، أن عمر بن الخطاب، خطب بالجابية (٣)، فقال: قام فينا رسول الله ﷺ مقامي فيكم، فقال: " استوصوا بأصحابي خيراً، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يفشو الكذب، حتى إن الرجل ليبتدئ بالشهادة قبل أن يسألها، فمن أراد منكم بحبحة الجنة فليلزم الجماعة؛ فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد، لا يخلون أحدكم بامرأة؛ فإن الشيطان ثالثهما، ومن ومن سرّتهُ حسنتهُ وسائتهُ سيئتهُ، فهو من مؤمن " (٤). قال الحاكم: " هذا الحديث من أفراد الخراسانيين عن الكوفيين، فإن

стр. 46

عبد الله بن المبارك إمام أهل الخرسان، وهذا يعد في أفراده عن محمد بن سوقة، وهو كوفي ". قلت: وأراد أنه لم يحفظه أهل الكوفة عن ابن سوقة الكوفي إلا من وجه ضعيف، وحفظه من هو من غير بلدهم من الثقات. وبقية ما يتحصل بهذا النوع يأتي في هذا الكتاب في (تميز علل الحديث). تنبيه: الألقاب الثالثة لحديث الآحاد جرى المتأخرون على ذكرها دون اعتبار ثبوت الرواية بذلك الإسناد أو تلك الأسانيد، والإسناد إنما أريد لتمييز ما يثبت من النقل وما لا يثبت، فالحديث حين يسمى (عزيراً) أو (مشهوراً) بالمعنى الاصطلاحي المتقدم، ينبغي أن ينفى عن أسانيده ما كان من روايات الكذابين والمتروكين ومن لا يعتبر بحديثه، وإنما تعتبر الأسانيد التي تندرج في حيز القبول وما يشبهه ويقرب منه، وإلا فأي عزة أو شهرة لحديث رواه متروكان أو متروكون كلٌّ بإسناد لنفسه لا يعرف إلا من طريقه؟. والواقع العملي لأهل العلم بالحديث أنهم حين يصفون الحديث بالشهرة، فذلك عندما تكثر طرقه، وتدل بأفرادها أو مجموعها، على ثبوته، فهكذا ينبغي أن يعامل هذا الوصفان. وأما (الغريب) فهذا الذي يرد فيه الثابت وغيره، بل إنك ترى وصف (الغريب) في استعمال بعض أهل الحديث قد يساوي الضعف أو يدل عليه. قال النووي: " إذا انتفت المتابعات وتمحض فرداً فله أربعة أحوال: حال يكون مخالفاً لرواية من هو أحفظ منه، فهذا ضعيف، ويسمَّى شاذاً أو منكراً. وحال لا يكون مخالفاً، ويكون هذا الرَّاوي حافظاً ضابطاً متقناً، فيكون صحيحاً.

стр. 47

وحال يكون قاصراً عن هذا، ولكنه قريب من درجته، فيكون حديثه حسناً. وحال يكون بعيداً عن حاله، فيكون شاذاً منكراً مردوداً " (١). قلت: وجميع تلك الدرجات يعرف تفصيلها من خلال دراسة هذا الكتاب. فائدة: كانوا يطلقون على الأحاديث الغرائب تسمية (الفوائد)، وجمعت طائفة ذلك وصنَّفته تحت هذا المسمَّى. قال أبو عروبة الحراني (الحسين بن أبي مشعر، وكان ثقة حافظاً) في رجل: " كان حديثه كلها فوائد "، ففسر ذلك بن عدي بقوله: " أي غرائب " (٢). حجية خبر الواحد الصحيح: قال ابن عبد البرَّ: " أجمع أهل العلم من أهل الفقه والأثر في جميع الأمصار فيما علمت، على قبول خبر الواحد العدل وإيجاب العمل به، إذا ثبت ولم ينسخه غيره من أثر أو إجماع، على هذا جميع الفقهاء في كل عصر من لدن الصحابة إلى يومنا هذا، إلا الخوارج وطوائف من أهل البدع شرذمة لاتعد خلافاً " (٣). والأكثر ون من أهل العلم على أن خبر الواحد الثابت يوجب العمل بمقتضاه، ولا يوجب القطع (٤) خلافاً لأبي محمد بن حزم وطائفة (٥).

стр. 48

المبحث الرابع: المتابعات والشواهد المتابعات: جمع متابعة، وهي موافقة الراوي لغيره في رواية الحديث المعين، بشرط أن تقع لغير الصحابي الذي يروي الحديث عن النبي ﷺ ، كأن تقع للراوي عنه أو من قبله. وصورتها: أن يروي الحديث عن ابن عمر نافع مولاه، ويوافقه في روايته سالم بن عبد الله يرويه كذلك عن أبيه، فيقال: تابع سالم نافعاً، وكلُّ منهما متابعٌ ومتابعٌ. وفائدة المتابعة: رفع الغرابة في ذلك الموضوع الذي حصلت فيه الموافقة من الإسناد، وفيه تقوية الحديث من ذلك الطريق، بحسب قوة المتابع. ويشترط في المتابعة أن توافق في الإسناد، ويكفي في المتن موافقة المعنى. وربما سماها بعض المحدثين (شاهداً) توسعاً في الاستعمال، واللغة تحتمله.

стр. 49

الشواهد: جمع شاهد، وهو نوع من المتابعة، لكنه خاص بمن روى الحديث عن النبي ﷺ ، وهو الصحابي، فهو: المتابعة صحابي لصحابي آخر في متن حديث لفظاً أو معنى. كحديث يروى عن جابر بن عبد الله، ويروى مثله أو نحوه أو معناه عن عائشة أم المؤمنين، فيقال عن حديث جابر: له شاهد من حديث عائشة، وكذلك العكس. وكذلك يشهد المرسل للمتصل، ومعلوم أن المرسل لا ذكر للصحابي فيه، لكنه شاهد باعتبار استقلاله عن المتصل بالرواية، وتنزيل ترك الصحابي فيه منزلة مجيء الرواية عن الصحابي مجهول. ولابد أن يقع من التساوي بين الحديثين الذين يشهد أحدهما للآخر في المعنى بنحو المعنى الذي يقع في المتابعات، ولا جوز تكلف تقوية الحديث بشاهد صلته به لا تدرك إلا بتكلف (١). كيف يوقف على المتابعة والشاهد؟ الوقوف على متابعة أو شاهد للحديث يتم البحث عن طرق الحديث في الكتب المختلفة في الرواية المعنية بسياق الأحاديث بأسانيدها، كأصوله الكبار كالستة الأمهات والمسانيد والصحاح والسنن والمصنفات والفوائد والأجزاء الحديثية، فالحديث ربما ظن فرداً، فيطلع الباحث على طريق أو طرق أخرى بين متابع ومشاهد تزيلان الغرابة، وربما صيرتنا الضعيف المردود مقبولاً حسناً أو صحيحاً. كما أن استقصاء المتابعات والشواهد طريق الكشف عن علة الحديث.

стр. 50

المبحث الخامس: لطائف الإسناد هذا مبحث قصدت التنبيه فيه على طرف يندرج في جملة أصول هذا العلم، وهو مبحث (العالي والنازل) لما سيأتي ذكره في فائدته، ولم أجد سواه ممَّا يدرج عادةًَ تحت هذا المسمى ممَّا ينبني عليه عمل في هذا العلم. ومن أشهر ما يذكر فيه من المصطلحات: (الحديث المسلسل)، لكني عدلت عنه قاصداً، إذ لم أجد منه ما يحتاج إليه في التحقيق، إلا ما تفيده صيغته أحياناً من دفع مظنِّة الانقطاع في الإسناد، وهذه فائدةٌ متحققة ضمن التأصيل لشرط الاتصال في الأسانيد. ومن علة الإعراض عن هذا النوع: أن غالب ما ادُّعي من صفات التسلسل لا يصح، ويقل جداً ما يثبت تسلسله أو يستمر منها (١). وقد أطالت فيها طائفة من المتأخرين، وألِّفت فيها مؤلفات مفردة، والله المستعان.

стр. 51

العالي والنازل: كانت الرحلة في طلب الحديث سنة من اصطفاهم الله لحفظ الأصل الثاني لهذا الدين، المبين لكتاب رب العالمين، وكانوا يعيبون الرَّاوي الذي يقتصر على السماع ببلده، ولا يرحل. قال حرب بن إسماعيل: سئل أحمد (يعني ابن حنبل) عن الرجل يطلب الإسناد العالي؟ قال: "طلب الإسناد العالي سنة عمن سلف؛ لأن أصحاب عبد الله كانوا يرحلون من الكوفة إلى المدينة، فيتعلمون من عمر ويسمون منه " (١). وعن أبي العالية الرِّياحي، قال: " كنا نسمع الرواية عن أصحاب رسول الله ﷺ بالبصرة، فلم نرض حتى ركبنا إلى المدينة، فسمعناها من أفواهم " (٢). والعلو نوعان، منهما يتضح معناه: النوع الأول: العلو المطلق. وهو الإسناد المتصل إلى النبي ﷺ بأقل عدد من الرواة. النوع الثاني: العلو النسبي. وهو العلو بالإسناد بالنسبة إلى إمام من الأئمة عرف ذلك الحديث الذي وقع فيه العلو عنه، ومحل العلو فيما بين الشيخ وذلك الأمام، بغضِّ النَّظر عن طول الإسناد في نفسه، كما سيأتي بعض مثاله في ألقابه. والنزول يعرف بضده، فحيث تبين العلو فالنزول في مقابلته.

стр. 52

والنزول قد يقدم في الاعتبار على العلو، وذلك إذا لم يوجد العالي إلا من وجه لا يثبت لجرح في بعض رواته، أو انقطاع أو تدليس، وجاء بإسناد نازل صحيح. قال عبد الله بن مبارك: " بعد الإسناد أحب إلي إذا كانوا ثقات؛ لأنهم قد تربصوا به، وحديث بعيد الإسناد صحيح، خير من قريب الإسناد سقيم " (١). وعن الثقة عبيد الله بن عمرو الرقي، وذكر له قرب الإسناد، فقال: حديث بعيد الإسناد صحيح، خير من حديث قريب الإسناد سقيم _ أو قال ضعيف _ " (٢). وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي: " عوالي الأسانيد مما ينبغي أن يحتشد طالب هذا الشأن لتحصيله، ولا يعرفه إلا خواص الناس، والعوام يظنون أنه بقرب الإسناد وببعده، وبقلة العدد وكثرتهم، وإن الإسنادين يتساويان في العدد وأحدهما أعلى، بأن يكون رواته علماء وحفاظا " (٣). واعترَّت طوائف كثيرة بقلة رجال الإسناد في معنى العلو، ولم يلاحظوا علل الأخبار، فوجدوا نسخاً عالية الأسانيد بقلة الرجال، وهي هابطة نازلة بوهائهم وسقوطهم، مثل نسخة إبراهيم بن هدبة عن أنس بن مالك، ونسخة موسى بن عبد الله الطويل عنه كذلك. قال ابن دقيق العيد: " ولا أعلم وجهاً جيداً لترجيح العلو إلا أنه أقرب إلى صحة وقلة الخطأ "، قال: " فإن كان النزول فيه إتقان، والعلو بضده، فلا تردد في أن النزول أولى " (٤).

стр. 53

وفي العلو النسبي ألقاب استعملها المتأخرون، وذلك بالنسبة إلى إمام من الأئمة المصنفين الكبار، كالبخاري ومسلم، تلكم هي: ١_ الموافقة وهي: أن يقع لك الحديث عن شيخ مسلم مثلاً، من غير طريقه، بعدد أقل من عدد رواتك لو رأيته من طريق مسلم نفسه. ٢ _ البدل، وهو: أن يقع لك الحديث لا عن شيخ مسلم، بل عن شيخ شيخه، بنفس تلك الصفة في الموافقة. ٣ _ المساواة، وهي: أن يقع لك الحديث بإسناد إلى الصحابي أو من قاربه، فيكون عدد رواته فيما بينك وبينه، بعدد الرواة فيما بين مسلم وبينه. ٤ _ المصافحة، أن تقع المساواة مع مسلم لشيخك لا لك، فتكون بمنزلة من صافح مسلماً؛ لكونك لقيت شيخك الذي ساوى مسلماً. وأمثلتها في صنيع المتأخرين كثيرة، وانظر للمتيسر من ذلك ما يخرجه المزي والذهبي في ثنايا كتب التراجم، كما تجده كثيراً في كتب المعاجم والمشيخات لمتأخري المحدثين. * * *

стр. 54

القسم الأول: تحرير أركان النظر في الحديث

стр. 55

الباب الأول: تحليل الإسناد

стр. 56

الفصل الأول: تمييز النقلة

стр. 57

المبحث الأول: الطريق إلى تمييز الراوي قال علي بن المديني: " التفقه في معاني الحديث نصف العلم، ومعرفة الرجال نصف العلم " (١). قلت ومعرفة الرجال تبدأ بهذه الخطوة، وهي (تمييز الراوي)، فالبحث فيه يمثل (المرحلة الأولى) من البحث في الأسانيد، وذلك مقدمة لتمييز درجة الحديث من جهة صحته أو إعلاله. وغاية البحث هنا هي: التحقق من أعيان النقلة، فإن الإسناد سلسة من الرواة، هذا مذكور باسمه، وآخر بكنيته، وثالث بنسبه، ورابع بلقبه، وهكذا، فالوقوف على تعيين المراد بكل يحتاج إلى تأصيل يقي من الوقوع في الغلط في هذا الباب، فإن المطلوب في كل راوٍ أن تعرف منزلته من جهة العدالة والأهلية للرواية أو عدم ذلك، ولا سبيل إلى الوقوف على حقيقة أمره إلا بتمييز شخصيته. وهناك طريقان يستعان بهما للوصول إلى تمييز الراوي:

стр. 58

الطريق الأول: تتبع مواضع رواية ذلك الحديث في كتب الحديث المختلفة. وهذا ما صار معروفاً بـ (تخريج الحديث)، فإنه يكشف عن حقيقة كثير من الأسماء المهملة من العلامة المميزة. فإسناد يخرج في " الصحيح البخاري " مثلاً يأتي فيه: (فلان عن سفيان عن فلان) تجده في موضع آخر أحياناً في نفس (الصحيح) حيث يأتي الحديث مكرراً، أو عند مسلم في (صحيحه) أو غيره من أصحاب المصنفات في الحديث، فيه (فلان عن سفيان الثوري عن فلان) فتكون زيادة (الثوري) استفيدت من البحث عن موضوع الحديث في محل آخر، فرفع الإشكال عن (سفيان) فإنه ربما احتمل قبل هذا الكشف أن يكون (سفيان بن عيينة)، أو غيره بالنسبة للمبتدئ، وأما أن يكون الثوري أو ابن عيينة فقد يغلط فيه العالم أحياناً، وذلك فيما وقع فيه الاشتراك من الشيوخ والتلاميذ بين السفيانين، مع تعسر وجود قرينة مساعد للتحقق. وتتبع ورود الحديث في المواضع المختلفة مطلوب لازم لكشف علة الحديث كذلك كما ستعلمه في (الباب الثاني) من هذا القسم. والطريق الثاني: البحث عن الراوي باستعمال العلامة المذكورة في الإسناد، في كتب تراجم الرجال. وههنا جدير أن تعلم أن الكتب المصنَّفة في رجال الحديث لم يجري مصنِّفوها على منهج مطرد ثابت، والوقوف على حقيقة الراوي فيها يتفاوت سهولة وصعوبة بحسب ما صنِّفت عليه تلك الكتب. فما روعي فيه الترتيب المعجمي للأسماء فهو أسهلها، وهو موجود في كثير من المصنَّفات الجوامع في هذا الباب، أبرزه في الكتب المتقدمين: ١ _ " التاريخ الكبير" للإمام البخاري صاحب "الصحيح " (المتوفى سنة: ٢٥٦) وفيه (١٣٧٨٢) ترجمة.

стр. 59

٢ _ " الجرح والتعديل" للإمام عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي (المتوفى سنة: ٣٢٧) وفيه (١٨٠٤٠) ترجمة. والقاعدة في الكتابين: احتواء أسماء من نقل عنه شيء من الخبر، حديثاًً مرفوعاً كان أو أثراً عن صحابي أو تابعي، وذلك إلى زمان مؤلفيهما، من غير اقتصارٍ على رواة كتاب معين، أو بلد معين، فلذا لم يقاربهما كتاب في الشمول والاستيعاب في جملة كتب التراجم التي وصلت إلينا، وما تلاحظه من زيادة التراجم في كتاب ابن أبي حاتم إنما سببه أنه عاش بعد البخاري زماناً فاستوعب رجالاً لم يذكرهم البخاري، أحياناً بفوات عليه، وغالباً لدخولهم في جملة النَّقلة بعد تصنيف البخاري، من أقرانه أو ممن جاءوا بعد موته. ويلحق بهما في الشمول والاستيعاب للرواة كتابا الإمام أبي حاتم ابن حبان البستيِّ (المتوفى سنة: ٣٥٤): " الثقات " و " المرجوحين " فيندر أن يفوته رجل ذكره البخاري، وقلما يفوته رجل ذكره ابن أبي حاتم، وأحسب أن ما وقع له من الفوات مما له ذكر في كتاب ابن أبي حاتم فبسبب أنه التزم شرطاً في الثقات في ذكرهم على الطبقات. والمقصود هنا أن تعلم أن من طرق الكشف عن حقيقة الراوي أن تأخذ ما ذكر به من علامة في الإسناد وترجع للبحث عنه في كتاب البخاري أو ابن أبي حاتم من كتب المتقدمين. وأما في كتاب المتأخرين فإنك تجدها أيسر للوقوف على المقصود منها، وذلك كما لا يخفى؛ لما جرت عليه من التقريب والتبسيط، إلا أن العيب ههنا أنك لا تجد لهم كتاباً جامعاً لكل من روي عنه العلم، وإنما قصرت تأليفاتهم الجوامع في الرجال على تراجم رجال كتاب أو كتب مخصوصة، وأكبر ما وقعت منهم العناية به: رجال الكتب الأمهات الست، وإذا قصدت الحقيقة فاعلم أن أكثر من تدور عليهم الأحاديث والآثار من

стр. 60

الرواة لهم أحاديث مخرجة في هذه الكتب، لذا فإنك إذا بحثت عن راوٍِ في إسناد حديث يرويه الإمام أحمد بن حنبل في " مسنده "، فإنك ستجده غالباً في كتب رجال الأمهات الست، ويندر جداً أن لا يكون فيها. فإذا ظهر فاعلم أنه لم يصنف في هذا الباب على هذا المعنى كتاب أفضل من " تهذيب الكمال في أسماء الرجال " للإمام الحافظ أبي الحجاج المزِّي (المتوفى سنة: ٧٤٢)، وليت جميع تراجم الرجال تستوعب على نفس منهاجه، وهو قد حوى من التراجم ثمانية آلاف ترجمة. وتتبعه في ذلك فروعه التي استفيدت منه وبنيت عليه، وأفضلها " تهذيب التهذيب " للحافظ ابن حجر العسقلاني (المتوفى سنة: ٨٥٢). فهذه المراجع الثلاثة في الرجال كتاب البخاري وابن أبي حاتم والمزي، جميعها رتب على الحروف المعجم، والبحث عن الراوي فيها أيسر من غيرها مما لم يؤلف على منهاجها. على أنه ينبغي لك أن تعلم بعض الاصطلاحات الخاصة في هذه الكتب، فإنها مع ترتيبها على الحروف المعجم، لكن الأسماء في الحرف الواحد لم يلتزم البخاري وابن أبي حاتم ترتيبها، والتزمه المزي ومن فرع على كتابه، سوى في تقديم من اسمه (أحمد) في حرف الهمزة، ومن اسمه (محمد) في حرف الميم، ومن اسمه (عبد الله) في العبادلة، وصورة نادرة أخرى؛ وهي فصل الراوي المتفق في رسمه وحروفه المختلف في ضبطه وشكله عما وافقه في الرسم، مما يسبب الغلط للمبتدي، كما ترى مثاله في " تهذيب الكمال " بـ (عقيل بن خالد) بضم العين، فإنه فصل عمن اسمه (عقيل) بفتح العين، وجاء بعد الفراغ منه. ومثل هذه التنبيهات لا نأتي على استقصائها، إنما ينبغي للطالب أن ينتبه إلى مثلها، كما عليه أن يلاحظ منهج كل صاحب تصنيف قبل أن يتقحَّم الأخذ عنه.

стр. 61

البحث عن الراوي في غير المراجع المتقدمة: أما البحث عن الراوي في غيرها مما صنف عشوائياً في الرجال، أو بطريقة تحتاج إلى خبرة سابقة بمنهج مؤلفيها؛ ممكن، إما باستقرائها من أولها إلى منتهاها، وإما بالخبرة بطريقة مؤلفها وإدراك كونها مظنةً لوجود مثل هذا الراوي أو ذاك فيها، وإما بالاستعانة بالفهارس المعجمية التي تلحق بها من قبل محققيها، أو فهارس لها مستقلة عنها، لكني أنبهك إلى خطورة أن تجزم بنفي مجرد أنك لم تقف على ذكر للراوي في الفهرس إلا أن تكون على ثقة تامة بعلم ومعرفة من صنعه، فإنك اليوم ترى كثيراً من الفهارس لكتب رجال الحديث ولأطراف الأحاديث لم يصنعها ذوو خبرة، يقع لهم فيها من الغلط شيء كثير، ومن الفوات أكثر. المقصود: أنه لما كان هذا الباب من العلم شديداً خطيراً لما ينبني عليه من تثبيت دين؛ فإن الباحث لا يستغني بواحد من الطريقين عن الآخر، فربما خرج الحديث، ووجد تقييد (سفيان) بـ (الثوري) في رواية أخرى، لكن حيث يشترك السفيانان في كثير من الروايات فهو محتاج إلى أن يتبين أن التفسير الذي جاء في الموضع الآخر للحديث يقين في أن (سفيان) هو (الثوري) في الموضع الأول، وليست مشاركة وقعت من الثوري لا بن عيينة، وكذلك لو استعمل طريق البحث الثاني دون الأول، فإن ما يرد عليه أكثر مما يرد على الطريق الأول. إذا؛ الوقوف على النتيجة المبدئية باستعمال واحد من الطريقين لا يكفي للتحقق إلى درجة اليقين، فحيث كان مطلوباً؛ فإنه يلزم لتحقيقه استعمال الطريقين. نعم؛ الحافظ والمحدث تحصل له ملكة خاصة يميز بها الرواة، ربما أغنته عن تتبع ما أشرحه في هذا الفصل، لكني أظن أنه ربما احتاج لمعرفة بعضه، خصوصاً في هذا الزمان المتأخر، وإنما هي بمنزلة التبصرة للطالب المبتدي والتذكرة للعارف المنتهي.

стр. 62

المبحث الثاني: تمييز الراوي بما يعرف به من اسم وكنية ونسب ولقب وصفة أخرى إذا جئت إلى إسناد كهذا: " دحيم، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، قال: حدثنا الأوزاعي، قال: حدثنا يحيى بن أبي كثير، قال: حدثنا أبو سلمة، عن عمرو بن أمية، عن النبي ﷺ وأردت التعرف على رواته من خلال النظر في كتب الرجال، فإن سبيلك إلى ذلك الوقوف على الراوي باسمه لا بكنيته أو نسبه أو لقبه، إلا أن يفيد البحث أنه لا يعرف باسم وعرف بعلامة من العلامات الأخرى. وهذا إسناد لو تعرفت على رجاله، وجدت فيهم المسمى، وآخر مذكوراً بكنيته، وثالثاً مذكوراً بنسبه، ورابعاً مذكوراً بلقبه، وحيث إن المقصود من البحث عن الرواة التوصل إلى معرفة طبقة الراوي ومن أدرك من الشيوخ ومن أدركه من التلاميذ، ومعرفة حاله من جهة الأهلية للرواية أو عدمها، فإن بحثك لن يقف بك حتى تصير إلى ذلك من أمره، والراوي قد يذكر باسمه الواضح الصريح ويقع له فيه مشارك مما يعيق التيقن من كونه المراد إلا ببحث زائد، فكيف به إذا ذكر بغير اسمه الصريح من كنية أو نسب أو لقب؟

стр. 63

فيما يأتي ذكر دلالات ست تهديك للتوصل إلى مراده مرتبة بحسب أبواب ما ترد عليه أسماء الرواة في الأسانيد: الدلالة الأولى: تمييز الأسماء الراوي يأتي في الإسناد مسمى على صفتين: الصفة الأولى: مهملاً من القيد، كقول المحدث: (حدثنا يونس) دون أن يذكر معه نسبة إلى أب أو غيره، وهذا يقع عادة لمن قد عرف من الرواة وتميز إلى حد أغنى عن ذكر علامات زائدة يميز بها، فتركوا ذكر العلامات اختصاراً، ولم يكن يشق عليهم معرفته، فإنهم إذا رأوا مروزياً قال: في روايته: (حدثنا عبد الله) فلا يخفى على ماهر بالصنعة أنه عبد الله بن المبارك الإمام الحافظ الكبير، مع كثرة من اسمه (عبد الله) في الرواة، وكذا يقول القائل: (حدثنا شعبة) أو (مالك) فمع ورود طائفة في الرواة ممن يسمى (شعبة) وطوائف ممن يسمى (مالكاً) لكنه يدرك ابتداء أن شعبة هو ابن الحجاج، ومالكاً هو ابن أنس، والعلامة التي يحتاجها العارف لتمييز ذلك هي تصور طبقة الراوي الذي جاء اسمه مهملاً من القيد. نعم؛ يشكل منها الأسماء التي تأتي مهملة وتشترك ولا تساعد معرفة الطبقة على تمييزها، إنما تستلزم معرفة زائدة بقرائن معينة تفصل الاشتراك، كقول المحدث: (حدثني سفيان) فجائز أن يكون الثوري، وجائز أن يكون ابن عيينة، أو: (حدثنا حماد) فجائز أن ابن زيد وجائز أن يكون ابن سلمة. فإن قلت: فما يصنع المبتدي في ذلك؟ قلت: ما كان من هذا النمط من الرواة فبصيرتك فيه تستفاد من (المبحث الثالث). الصفة الثانية: مقيداً باسم الأب أو غيره، مثل قول المحدث: (حدثنا قتيبة بن سعيد).

стр. 64

فما ورد على هذه الصفة فإن الوقوف عليه في كتب التراجم المرتبة كالتي أسلفت ذكرها ميسور، لكن عليك أن تلا حظ أمرين: الأول: طبقة الراوي والتي سيأتي بيان ما يتصل بها في (المبحث الثالث). والثاني: المرجع الذي يكون مظنة للوقوف على الترجمة فيه. فلو أردت البحث عن (قتيبة بن سعيد) فلاحظ موضع وجوده في الإسناد: أهو متقدم في الرواة أو متأخر؟ فلو وجدته في إسناد يقارب في الزمن زمان شيوخ البخاري ومسلم، كأن تراه في إسناد لأبي داود السجستاني صاحب " السنن " (المتوفى سنة: ٢٧٥)، أو فوق هذا الزمن إلى الزمن النبوي، فالمظنة في الوقوف عليه: " تاريخ " البخاري وكتاب ابن أبي حاتم و " التهذيب " للمزي. لكنك لو كنت تبحث مثلاً عن أحد شيوخ الحافظ أبي القاسم الطبراني (المتوفى سنة: ٣٦٠)، فليس " تاريخ " البخاري مظنة للوقوف على اسمه فيه، وكتاب " الجرح والتعديل " مظنة ضعيفة، و" التهذيب " مظنة محتملة بتوسط، فيوجد فيه تراجم جماعة من شيوخ الطبراني، والسبب في ذلك تأخر هؤلاء الشيوخ في الطبقة في زمن بُعَيْدَ البخاري أو في طبقته، وقد ولد الطبراني بعد موت البخاري بأربع سنين، وابن أبي حاتم من طبقة شيوخ الطبراني، فمن كان منهم قديماً وجدته في " الجرح والتعديل "، ومن تأخر منهم ضعف الوقوف عليه فيه، و" التهذيب " في تراجم رجال الكتب الستة الأمهات، وقد أدرك الطبراني السماع من طائفة من شيوخ بعض الأئمة الستة. أما إذا جئت للبحث عن أحد الشيوخ الحاكم النيسابوري (المتوفى سنة: ٤٠٥) فلست تقف عليه في شيء من المراجع الثلاثة المذكورة، وطريق البحث عنه شاق، خصوصاً أنه لا يوجد مصنف خاص في تراجم شيوخ

стр. 65

الحاكم، وهو ممن روى عن خلق كثيرين من بلاد شتى، فالوقوف على ترجمة شيخ من شيوخه يقتضي منك بحثاً قد يطول وقد يقصر بحسب ظهور أمر ذلك الشيخ: فجائز أن يكون من الموصوفين بالحفظ والإتقان والثقة والضبط، وجائز أن لا يكون كذلك، فاحتمله حافظاً مشهوراً وانظر من المصنفات التي تكون مظنة لمثله، مثل: " تذكرة الحافظ " للذهبي، و" سير أعلام النبلاء " له، فإن لم تجده فاحتمله مجروحاً، وانظر أجمع ما ألف في المجروحين ممن لم يترجم منهم في " تهذيب الكمال "، ذلك هو كتاب " لسان الميزان " لابن حجر، فإنه حوى أسماء أغلب من يذكر بالجرح إلى العصور المتأخرة. فإن تعذر عليك الوقوف على ترجمته فجهدك في سائر المصنفات في تراجم الرواة، فإن جاء في الإسناد منسوباً إلى بلد، فانظر إن كان لذلك البلد تاريخ للرجال مما بأيدي الناس اليوم، فإن نسب (بغدادياً) فارجع إلى " تاريخ بغداد " للخطيب البغدادي (المتوفى سنة: ٤٦٣) وإن نسب ... (دمشقياً) أو (شامياً) فارجع إلى " تاريخ دمشق " لابن عساكر (المتوفى سنة: ٥٧١)، كل ذلك بشرط ملاحظة أن يكون ذلك الكتاب في التاريخ صنف بعد شيخ الحاكم في الزمن، فإنه لو نسب (واسطياً) مثلاً، فلا تذهب إلى " تاريخ واسط " للحافظ بحشل الو اسطي؛ وذلك لتقدمه، فإن بحشلاً هذا توفي سنة (٢٩٢). على أنك ينبغي أن تلاحظ إمكان وقوع نسبة الراوي إلى (بغداد) مثلاً، ومن شرط الخطيب أن يكون مذكوراً في كتابه، لكنك لا تراه فيه. وإن وقع الراوي غير منسوب إلى بلد؛ فشأنك في البحث، فانظر في جميع ما تهيأ لك من كتب الرواة التي تظن أن يكون الراوي مترجماً فيها، وذلك كتاريخي الخطيب وابن عساكر، ومعاجم الشيوخ والمشيخات والسؤالات والأجزاء، وبعض التواريخ العامة للرواة، كـ"الإرشاد " للخليلي

стр. 66

(المتوفى سنة: ٤٤٦)، والتاريخ الشامل " تاريخ الإسلام " للذهبي، كما يجوز أن يكون مترجماً في الكتب التي اعنت بذكر (المشتبه) من أسماء الرواة، خصوصاً إذا ظننت أن الراوي ممن يتداخل اسمه مع آخر يقاربه في رسمه، أو يوافقه فيه لكن يخالفه في شكله وضبطه، ومن أجمع تلك الكتب: "الإكمال " للحافظ أبي نصر ابن ما كولا (المتوفى سنة: ٤٨٧) و " تكملة الإكمال " للحافظ أبي بكر ابن نقطة (المتوفى سنة: ٦٢٩) و " توضيح المشتبه " للحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي (المتوفى سنة: ٨٤٢). تعذر الوقوف على ترجمة للراوي مع مجيئه مسمى: ربما تعذر عليك الوقوف على الترجمة للراوي مع اهتدائك بما تقدم، وهذا جائز، فإن حصل فلواحد من أسباب أربعة: السبب الأول: أن يكون الراوي وقع منسوباً إلى أبيه نسبةً غير صريحة، أو إلى أحد أجداده. وهذا واقع في الرواة على وجوه، إليكها بأمثلتها: ١ _ من نسب إلى أبيه، لكن بكنية الأب. مثاله (أشعث بن أبي الشعثاء)، وهو: أشعث بن سليم، (أبو الشعثاء) كنية والده سليم بن أسود. وفي الرواة: (كثير بن معدان) هكذا ينسبه بعضهم إلى اسم أبيه، لكن قال أبو حاتم الرازي كذلك: " ويقال له: كثير ابن أبي كثير، وكثير بن أبي أعين، وكثير أبو محمد، وكل صحيح " (١). ٢ _ من نسب إلى أبيه، لكن بنسب الأب. مثاله: (عبد الرحمن بن الأصبهاني)، وهو: عبد الرحمن بن عبد الله، و (الأصبهاني) نسب عبد الله.

стр. 67

٣ _ من نسب إلى أبيه، لكن بلقب الأب. مثاله: (إسحاق بن راهويه)، وهو: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، و (راهويه) لقب لأبيه. ٤ _ من نسب إلى جده من جهة أبيه. مثاله: (أحمد بن يونس)، وهو: أحمد بن عبد الله بن يونس. ٥ _ من نسب إلى جده من جهة أمه. مثاله: (سليمان بن شرحبيل)، وهو: سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي، و (شرحبيل) هو ابن مسلم جده من قبل أمه. و" تهذيب الكمال " وفروعه تسعف في تمييز كثير من هؤلاء وذلك بالرجوع إلى اسم الراوي على ما ترى من نسبته في الإسناد كـ (أحمد بن يونس) فتراه أحالك على (أحمد بن عبد الله بن يونس)، لكن ما عجزت عنه فطريقك لكشفه (المبحث الثالث). والسبب الثاني: أن يكون الراوي يسمى بأكثر من اسم، وذلك على سبيل التدليس إخفاء لحقيقته. وهذا مما يشق الكشف عنه، ويقتضي بحثاً واحتياطاً شديدين. مثاله: ما وقع من جماعة من الرواة من تسمية (محمد بن سعيد الشامي) المعروف بـ (المصلوب) وهو كذاب زنديق، بأسماء كثيرة مختلفة تعمية لأمره. قال أبو طالب عبد الله بن أحمد بن سوادة (وكان صدوقاً): " قلب أهل الشام اسم محمد بن سعيد الزنديق على مئة اسم وكذا وكذا اسماً، قد جمعتها في كتاب، وهو الذي أفسد كثير من حديثهم " (١).

стр. 68

ومن أسمائه: محمد بن سعيد بن حسان، ومحمد بن سعيد الأسدي، ومحمد بن حسان، ومحمد بن أبي قيس، ومحمد بن أبي زكريا، ومحمد بن عبد الرحمن، وأبو عبد الرحمن الشامي، وأبو قيس الدمشقي، ومحمد الطبري. والسبب الثالث: وقوع تصحيف أو تحريف. مثل: (حضين) بالضاد المنقوطة تصحف إلى (حصين) بالصاد المهملة، و (حبان) بالباء الموحدة إلى (حيان) بالياء المثنَّاة من تحت، أو (مسعر) تحرف إلى (مسعود)، و (عبدة) إلى (عبيدة). وليقوَ في ظنك احتمال وقوع التصحيف أو التحريف إذا كان الراوي من شرط البخاري وابن أبي حاتم، أي كان متقدماً؛ لأنه لا يكاد يخرج عن كتابيهما راوٍِ لشيء من العلم تقدم زمانها. وطريق كشفه استعمال مرحلتي البحث الآتيتين في المبحثين (الثالث والرابع). والسبب الرابع: لا ذكر له في كتب التراجم. وهذا وارد على من تأخر من الرواة عن درجة رجال الكتب الستة الأمهات، فإنه لم يلتزم أحد أن يتتبع من روى العلم بعدهم من جميع أصناف الرواة، فجائز أن يكون الرجل من شيوخ الطبراني أو الدارقطني أو الحاكم أو البيهقي أو الخطيب أو ابن عساكر، ومن في طبقاتهم ويقرب منهم من الأئمة المصنفين في الحديث، لا تجد له ترجمة في شيء من الكتب. ومن كان بهذه المثابة فانظر حكمه في الكلام على (الجهالة) من هذا الكتاب.

стр. 69

الدلالة الثانية: تمييز الكنى مجيء الراوي بكنيته في الإسناد كثيرٌ جداًَ، ولايقال (كنيةٌ) إلا لما جاء من الأسماء مضافاً إلى (أبو) أو (أم). ومجيئه في الأسانيد على صورتين: الأولى: بلفظ الكنية مجرداً من قيدٍ زائد، كقول المحدث: (عن أبي الأحوص). والثانية: بلفظ الكنية مع قيد زائد في التعريف، كقول المحدث: " (حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء)، أو (حدثنا أبو بكر بن الخلاد)،: أو (حدثنا أبو الطاهر بن السرح) أو: (عن أبي إسحاق الهمْداني) أو: (عن أبي حمزة القصاب)، أو: (حدثنا أبو السعيد مولى بني هاشم). والصورة الثانية أسهل في الوقوف عليها من الصورة الأولى، لما في القيد من فائدة التمييز، ومن ذكر منها باسمه مع كنيته كـ (أبي كريب) فلا يشكل ذكر كنيته في شيء. الطريق إلى تمييزهم: يقع بالرجوع إلى نوعين من التصانيف: النوع الأول: الجوامع من كتب تراجم الرجال، كالجوامع الثلاثة المتقدم ذكرها، وذلك في فصل خاص عقد في أواخرها في الكنى، وهي مرتبة على حروف المعجم، وكنى النساء بعد أسمائهن في " تهذيب الكمال " وبعد كنى الرجال في " الجرح والتعديل ". والنوع الثاني: كتب خاصة ألفت في (الكنى)، ككتاب " الكنى والأسماء " للإمام مسلم بن الحجاج صاحب " الصحيح " (المتوفى سنة: ٢٦١)، و " الكنى والأسماء " للحافظ أبي بشر الدولابي (المتوفى سنة: ٣١٠)، و " الاستغناء في

стр. 70

معرفة المشهورين من حملة العلم بالكنى " للحافظ أبي عمر بن عبد البر (المتوفى سنة: ٤٦٣). واعلم أن الذين يذكرون من الرواة بالكنى على أقسام: ١ _ من تكون كنيته اسمه. مثاله: (أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي) أحد فقهاء المدينة السبعة. و (أبو حصين بن يحيى بن سليمان الرازي) قال أبو حاتم الرازي: قلت له: هل لك اسم؟ قال: لا، اسمي وكنيتي واحد، فقلت: فأنا قد سميتك عبد الله، فتبسم (١). ٢ _ من اشتهر بكنيته، ولا يدري إن كان له اسم غيرها أم لا. مثاله: (أبو بكر بن نافع مولى ابن عمر)، و (أبو بكر بن عياش). هذا القسم والذي قبله إن بحثت عنهم في النوعين السابقين من كتب التراجم وقفت على أمرهم فيها، جميعها أو في بعضها. على أنك تحتاج إلى استحضار الأمرين الذين نبهتك عليهما في (تميز الأسماء) وهما مراعاة طبقة الراوي من خلال موضعه في الإسناد، والكتاب الذي هو مظنة لوجوده فيه. ٣ _ من اشتهر بكنيته واختلف في اسمه. مثاله: (أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم)، فقيل في اسمه: (بكير) وقيل غير ذلك. فهذا إذا بحثت عنه في " تاريخ " البخاري وجدته في " الكنى "، بينما ذكره ابن أبي حاتم فيمن اسمه (بكير) من حرف الباء، وفي " تهذيب الكمال " في (الكنى)، فتفطن لمثل هذا فليس له قاعدة.

стр. 71

أما كتب الكنى المستقلة كالثلاثة التي ذكرت، فذكره فيها من شرطها. ٤ _ من اشتهر بكنيته وله اسم معروف. مثاله: (أبو عاصم النبيل) و (أبو العالية الرياحي) و (أبو إدريس الخولاني). وهذا أكثر الأقسام وروداً في الأسانيد، وهو لا يذكر في فصل (الكنى) في كتابي البخاري وابن أبي حاتم، إنما من كان منهم من شرط " تهذيب الكمال " وجدته فيه، ومن لم يكن في شرطه فربما وجدته في كتب الكنى المستقلة، وربما لم تجده؛ لأنها لم تستوعب جميع ذلك. على أنك إذا جئت إلى من يذكر بالكنى ممن بعد مسلم والدولابي ومن قرب من طبقتهما ممن ألف في ذلك، فإنه يشق الوقوف عليه، وبخاصة من كان من هذا القسم منهم، وابن عبد البر مع تأخر زمانه إلا أنه اقتصر على أصحاب الكنى قبل شيوع التصنيف في الحديث، إلى نحو أواسط المئة الثالثة. فالطريق الأقرب لاكتشافهم بعلامة أخرى في الإسناد، على ما يأتي في (المبحث الثالث). ٥ _ من ذكر بكنية، وهو مشهور باسمه. مثاله: (أبو حفص عمر بن الخطاب) و (أبو الحسن علي بن أبي طالب) و (أبو عبد الله بن مالك بن أنس) و (أبو بسطام شعبة بن الحجاج). وهذا الصنف ذكره على سبيل التتمة للأقسام، وإلا فإنهم لا يذكرون في الأسانيد بكناهم دون أسمائهم. ومما عليك أن تلاحظه: أن من الرواة من يذكر بكنيته منسوباً إلى أبيه أو جده بكنية الأب أو الجد، مثاله:

стр. 72

(أبو القاسم بن أبي الزناد)، اسم أبيه: عبد الله بن ذكوان. (أبو بكر بن أبي شيبة)، هو: عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن عثمان، و (أبو شيبة) كنية جده إبراهيم. (أبو عبيدة بن أبي السفر)، هو: أحمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن أبي سفر، واسم (أبي السَّفر) سعيد بن يحمد. كما ينبغي أن تلاحظ أن من الألقاب ما أتى على لفظ الكنية، كما سيأتي في (تمييز الألقاب). الدلالة الثالثة: تمييز الأنساب (النسب) تكون إلى قبيلة أو الجد أو البلد أو الصنعة أو غير ذلك، وهي واقعة في الرواة على الوجوه المختلفة. من أمثلتها: (الأشجعي) يروي عنه أبو النضر هاشم بن القاسم وطبقته، هو: عبيد الله بن عبيد الرحمن، ونسبته إلى القبيلة. (المسعودى) يروي عنه أبو نعيم الفضل بن دكين وطبقته، هو: عبد الرحمن بن عبد الله، ونسبته إلى الجد. (الفريابي) من أصحاب سفيان الثوري، هو: محمد بن يوسف، ونسبته إلى البلد. (المجمر) من أصحاب أبي هريرة، هو: نعيم بن عبد الله، ونسبته إلى صنعة، وهي تجمير المساجد، أي تطيبه بالبخور. وما من راو ٍإلا وله نسبة، وليس يعني الباحث في الرجال معرفة ذلك إلا بمقدار ما يفيد في التعريف بشخصية الراوي.

стр. 73

كذلك المقصود ههنا: من يأتي من الرواة في الأسانيد بنسبه فقط، أو بنسبه مع علامة لا تساعد في تمييزه، أما من يأتي اسمه مقروناً بنسبه، وهو كثير في الرواة جداً، فهذا ليس معنياً بهذه الدلالة لإمكان الوقوف عليه بطريق سهلة. الطريق إلى تميزها: بالنظر فيما يأتي: ١ _ فصل خاص في (الأنساب) في أواخر " تهذيب الكمال " وفروعه، وذلك إذا كان الراوي من شرط " التهذيب ". ٢ _ كتب مخصوصة مؤلفة في (الأنساب) رتبت على حروف المعجم. وليس فيها أفضل ولا أجمع من كتاب " الأنساب " للحافظ أبي سعد السمعاني (المتوفى سنة: ٥٦٢). لكنك قد لا تقف على بغيتك فيه، فإنه يذكر النسبة ويذكر أمثلة ممن يندرج تحتها من الرواة أو غيرهم، ولا يستقصي. ٣ _ يقع في (الأنساب) الاشتباه كثيراً في الرسم والضبط، فربما وجدت بغيتك في كتب (المشتبه)، خصوصاً الثلاثة التي أسلفت ذكرها في (تمييز الأسماء). ٤ _ إن وقعت النسبة إلى بلد، فارجع إلى اسم ذلك البلد في " معجم البلدان " للعلامة المؤرخ ياقوت الحموي (المتوفى سنة: ٦٢٦). فإن عجزت فارجع إلى المرحلة الثانية في المبحث التالي. الدلالة الرابعة: تمييز الألقاب اللقب: أن يدعى الإنسان بغير اسمه من الأوصاف التي تلحقه لسبب، وتجيء مدحاً وهو قليل، مثل: (الصديق، والصادق، وزين العبدين)، أو

стр. 74

ذماً وهو الغالب، مثل ما يتبع صفة خلقية وهو كثير، كـ (الأعمى، والأصم، والأعرج، والأسود، والأزرق) أو أمراً آخر كـ (غندر) وقيل معناه (المشغب). كما يأتي أحياناً بصيغة الكنية، وهو لقب، مثل: (أبي الزناد) لقب عبد الله بن ذكوان، وكنيته (أبو عبد الرحمن). ومثل: (أبي الشيخ) لقب أبي محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان الأصبهاني. ومجيء الراوي في الأسانيد بلقبه كثير شائع، ويأتي في الغالب مهملاً من علامة زائدة، فترى قول المحدث: (عن الأعرج) يعني عبد الرحمن بن هرمز. و (عن الأعمش) يعني سليمان بن مهران. و (حدثنا بندار) يعني محمد بن بشار. والتيقظ لذلك من مهمات علم الرجال، والغلط فيه يقع كثيراً، فربما تبادر إلى ذهنك أنه اسم فتذهب تبحث عنه في الأسماء فلا تراه فيها، فتحسب أنه غير موجود. فلو جئت إلى قول ابن أبي فديك: حدثني حماد بن أبي حميد الزرقي، عن عون بن عبد الله، في حديث خرجه أبو عبد الله بن ماجة في " سننه " (١)، فإنك لا يتبادر إلى ذهنك أن (حماداً) لقب، لمجيء مثله في الأسماء عادة، وستذهب للبحث عنه فيها. نعم؛ لو بدأت بـ"تهذيب الكمال " أو بعض فروعه وعدت إلى من اسمه (حماد) وجدت الإحالة على اسمه الحقيقي، وذلك لما لقي رجال الأئمة الستة من العناية، لكن هب أنك عدت إلى " تاريخ" البخاري أو

стр. 75

" الجرح والتعديل " فإنك سوف لن تجد له ذكراً فيمن اسمه (حماد)، ولو كان الرجل ليس من شرط " تهذيب الكمال " فليس لك حيلة للكشف عن حقيقته في الأسماء، وحينئذ فلا تعجل بالنفي، فجائز أن يكون لقباً. ومن أشد ما يقع التغرير به من ألقاب الرواة مجيء الراوي بلقبه منسوباً إلى أبيه، كهذا المثال، وكقول المحدث: (حدثنا وهبان بن بقية) أو (عارم بن الفضل) أو (عبدان بن عثمان)، فهؤلاء مذكورون بالألقاب لا بالأسماء، فـ (وهبان): وهب، وعـ (عارم) محمد، و (عبدان) عبد الله. الطريق إلى تمييزها: بالبحث فيما يلي: ١ - " تهذيب الكمال " وفروعه في فصل خاص في أواخرها. ٢ - كتب مفردة في هذا الباب، من أجمعها كتاب " نزهة الألباب في الألقاب " للحافظ ابن حجر العسقلاني. ٣ - كتب (المشتبه) في أفراد من تلك الألقاب ليست كثيرة. ٤ - في بعض معاجم اللغة، كـ" القاموس المحيط " وغيره ضمن المواد اللغوية، والبحث عن اللقب فيها كالبحث عن أي مادة لغوية بالتجريد من الحروف الزائدة في الكلمة. حكم استعمال ألقاب المحدثين في دراسة الأسانيد: تعريف الراوي باسمه أو كنيته أو نسبه؛ هو الأصل في تمييز الناس، ولو نقل عن إنسان كراهته لاسم أو كنية أو نسب عرف بها واشتهر، فلا ينبغي أن يرد في ذلك محذور، وإن لم يأت على رضاه، أما الألقاب فإنه قد دخل الحرج على بعض أهل العلم من التعريف بما كان يرجع منها إلى قبح وذم، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الفُّسُوقُ
следующие страницы →