العذر بالجهل تحت المجهر الشرعي
تأليف
أبي يوسف مدحت بن الحسن آل فراج
قدم له
فضيلة الشيخ العلامة
عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين - حفظه الله -
دار الكتاب والسنة
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تقديم
الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له قيوم السموات والأرضين وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الصادق الأمين صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد:
فإن ربنا سبحانه خلق الخلق لعبادته وأمرهم بتوحيده وطاعته وأنزل بذلك الكتب وأرسل الرسل وأوضح السبل لئلا يكون للناس حجة بعد الرسل وقد كلف جميع العباد بأن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً ووعد من وحده بالثواب وتوعد من أشرك به بالعذاب وقد حكى عن رسله أنهم دعوا الأمم إلى معرفة ربهم وطاعته فأنجى من اتبعهم وأهلك من خالفهم وأخبر عن الهالكين أن منهم الاتباع والرؤساء وكلهم في العذاب يتلاومون (قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاَهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاء أَضَلُّونَا) وحكى أن الاتباع يحتجون على ربهم بقولهم: (رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا) ولم يعذرهم بذلك وقد حاول بعض الخلف أن يعذر أهل الفترات وأهل الجهل مع وجود النصوص الدالة على تكليف الجميع وقد كتب الأخ في الله/ أبو يوسف مدحت بن الحسن ال فراج هذه الرسالة وسماها العذر بالجهل تحت المجهر الشرعي وقد استوفى الأدلة والنقول عن العلماء والأئمة وأوضح الأدلة وناقش الشبهات التي يتشبث بها المخالفون وبذلك يعلم أن كل فرد في أقطار البلاد قد من الله عليه بالعقل والإدراك والسمع والبصر يتمكن من البحث والسؤال ومعرفة الحق والواجب وإذا أهمل وفرط مع القدرة فليس بمعذور وبذلك تكون هذه الرسالة أوفى ما كتب في هذا الباب فجزى الله الكاتب الباحث خير الجزاء ونفع بهذه الرسالة وأمثاله وبارك في جهوده والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين
стр. 3
المقدمة
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ).
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً).
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً).
أما بعد:
فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
لقد كثر في وقتنا هذا الكثير من التخبّط في أحكام التكفير والتبديع والتفسيق بين إفراط وتفريط، ولا يكون هذا إلا بسبب عدم ضبط قضية الإيمان إذ هي ميزان الأحكام الذي يجب أن توزن بها لا بغيرها.
وقد تسيّد فكر الإرجاء الساحة الإسلامية، وغلب على كثير من عقول الشيوخ والدعاة وطلاب العلم، وتستّر وتترّس الكفر والطغيان ودعاة العلمانية به حتى علت ورفرفت راياتهم وأعلامهم على ديار المسلمين، وأصبح في كل بيت من بيوتهم لهم فيه ذكر، نشأ على هذا الصغير، وهرم عليه الكبير، واشتدت غربة الإسلام وظلمة الفتن، وأصبح الرجل يُكفَّر بإخلاص التوحيد، ويبدع باتباع السنة، وأصبح المعروف منكراً، والمنكر معروفاً، ولبست الطواغيت ثياب أمراء المؤمنين، وارتدى الزنادقة ثياب المصلحين الزهاد، وظهر أهل البدع بثياب أهل السنة وبدا الفساق والمجرمون بثياب أهل العدل والتقى: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ
стр. 4
وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ).
إلا أنه لا تزال طائفة من أمتنا على الحق قائمين ولأهل الزيغ والضلال مجاهدين، لا يضرهم من خالفهم، ولا من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك: "نسأل الله أن نكون منهم".
وغدونا نسمع: شتى أنواع الكفر البواح والإلحاد. والحركة الإسلامية مكتوفة الأيدي لا تستطيع أن توقف هذا التيار الإلحادي الخبيث لأن دعاته من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا، وهذا لظنهم الخاطئ أن الكتب ما أنزلت، والرسل ما أرسلت، والسيوف التي جردت، والأعناق التي ضربت، ولهيب الحرب الذي لم يطفأ بعد بين المسلمين والكافرين ما كان هذا كله إلا للتلفظ بقول: لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ﷺ فقط دون الانخلاع من الشرك والكفر بالطواغيت، وإفراد الله -جل ثناؤه- بالتلقي والتوجه والطاعة له وحده لا شريك له.
وأصبح المسلم في حسهم هو الذي ينطق بالشهادتين وإن لم يعلم معناها ويعمل بمقتضاها وينخلع من الشرك ويبرأ منه، ونتج عن هذا الفكر العقيم أن ضجت الأرض من كثرة الشرك والمشركين وانتشر الجهل وكاد أن يتنسّخ العلم -خاصة علم التوحيد- الذي هو أصل الأصول، ويلزم من هذا الاعتقاد الخاطئ أن الجهل خير من العلم، لأن العبد الذي يتلفظ بالشهادتين وهو منذ أن قالها وهو مكذب لها بفعله وعمله، يطوف بالقبور، ويستغيث بالأموات في الرخاء والشدة، ويحبهم كحب الله، ويفضّل حكم الطواغيت على حكم الله الواحد القهار، غير مؤاخذ بهذا كله لأنه جاهل ومعذور بجهله، وإن مات على ما هو عليه من الشرك والجهل فهو مسلم من أهل الجنة إن عاجلاً أو آجلاً. وأما إن أقيمت عليه الحجة، وأتاه العلم، وارتفع الجهل فإن لم ينقد لها فهو من الكافرين، وإن مات على هذا حرّم عليه دخول الجنة، ومن المعلوم أن أكثر الناس لا ينقادون ولا يستجيبون فأصبح على هذا الزعم الخاطئ أن الجهل يسوق أصحابه إلى الجنة بيقين، والعلم قد يسوق إلى النيران والخلود فيها. ونتج عن هذا: أن عطل كثير من الدعاة الدعوة إلى التوحيد حتى لا يقيمون الحجة على الناس فيوردوهم المهالك، وإن لم يكن في هذا الفكر الخاطئ إلا هذا، لكفى بيان خطئه وتجنبه الصراط المستقيم-
لذلك كتبت -بعون الله وفضله وحده لا شريك له- هذا البحث في هذه المسألة،
стр. 5
وهي هل يعذر المشرك بجهله أم لا؟ وقد قسمته إلى أربعة أبواب:
الباب الأول: بينت فيه: أن وصف الشرك وحكمه ثابت قبل قيام الحجة وبلوغ الرسالة، وأن الحجة عليه: الميثاق والعقل والفطرة، وأن العذاب في الدارين لا يكون إلا بعد بلوغ الرسالة وقيام الحجة.
الباب الثاني: تحدثت فيه عن الإسلام الذي يجب على كل عبد أن يحققه حتى ينتقل من ملل الكفر والشرك إلى الإسلام في الظاهر، والله يتولى السرائر، وختمته بذكر قضية الإيمان وضوابطها وتحديد العلاقة بين حقيقتي الإيمان والإسلام.
الباب الثالث: ذكرت فيه حكم من دان واستقام على الإسلام في الظاهر ثم وقع في ردة أو ابتداع بسبب الجهل والتأويل الفاسد والخطأ.
الباب الرابع: وفيه الرد على الشبهات في هذه القضية، وبيان موقف الأئمة: ابن تيمية وتلميذه ابن القيم ومحمد بن عبد الوهاب ﵏ من تلك القضية.
وأريد أن أنبّه على أمر جلل جد خطير، وهو أن كثيراً من الرسائل التي كتبت في هذه القضية كان أكبر همّ أصحابها إثبات أن العالم الفلاني هذا أو ذاك يعذر أم لا يعذر؟ ثم يأتي بالنصوص من الكتاب والسنة محتجاً ومقرراً بها قول العالم، وأصبحت النصوص محكومة لا حاكمة يستدل لها لا بها-.
لذلك حرصت في هذا البحث من أوله إلى آخره أن تكون دلائل مسائله وأحكامه من الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة وأئمتها، وأن تكون النصوص حاكمة لا محكومة يستدل بها لا لها بتفسير السلف والأئمة المجمع على إمامتهم، فلم أنقل في هذا البحث عن أحد منهم ببدعة أو من الفرق الضالة وحرصت أشد الحرص أن تكون غالب أحاديث البحث من الصحيحين حتى تصح وتستقيم المسائل والدلائل بمشيئة الله وعونه.
وأنا لا أدّعي العصمة في كل ما كتبت فهي ليست لأحد بعد النبي ﷺ فكل ما فيه من حق فمن الله ورسوله ﷺ وما فيه من خطأ فمني ومن الشيطان والله ورسوله ﷺ منه بريئان.
وهنيئاً لك أخي القارئ ما فيه من صفو، وما فيه من كدر فراجع على كاتبه لا عليك، أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يغفره لي وحسبي أني قد بذلت وسعي قدر طاقتي أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يتقبله مني ويجعله ابتغاء مرضاته خالصاً لوجهه
стр. 6
ليس لأحد فيه من دونه من شيء، وصلي الله على محمد وآله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين وآخر دعواي أن الحمد لله رب العالمين.
المؤلف
стр. 7
الباب الأول
إثبات وصف الشرك مع الجهل وقبل قيام الحجة الرسالية
وفيه فصلان:
الفصل الأول: الأدلة على إثبات وصف الشرك مع الجهل وقبل قيام الحجة الرسالية.
الفصل الثاني: علة ثبوت وصف الشرك قبل قيام الحجة.
стр. 8
الفصل الأول
الأدلة على إثبات وصف الشرك مع الجهل وقبل قيام الحجة الرسالية
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: فتور الرسالات قبل البعثة.
المبحث الثاني: اقتران وصفي الشرك والجهل.
стр. 9
الفصل الأول
إثبات وصف الشرك مع الجهل وقبل قيام الحجة الرسالية
الدليل الأول: قوله -تعالى-: (وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ). [التوبة: ٦].
قال الإمام الطبري: يقول -تعالى ذكره- لنبيه وإن استأمنك يا محمد من المشركين الذين أمرتك بقتالهم وقتلهم بعد انسلاخ الأشهر الحرم أحد ليسمع كلام الله منك وهو القرآن الذي أنزله الله عليه "فأجره": يقول: فأمّنه حتى يسمع كلام الله وتتلوه عليه ثم أبلغه مأمنه، يقول: ثم رده بعد سماع كلام الله إن هو أبى أن يسلم ولم يتعظ بما تلوته عليه من كلام الله فيؤمن إلى مأمنه .... (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ). يقول: تفعل ذلك بهم من إعطائك إياهم الأمان ليسمعوا القرآن وردك آياهم إذا أبوا الإسلام إلى مأمنهم من أجل أنهم: قوم جهلة لا يفقهون عن الله حجة، ولا يعلمون ما لهم بالإيمان بالله لو آمنوا، وما عليهم من الوزر والإثم لتركهم الإيمان بالله اهـ.
وقال الإمام البغوي: (حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ). فيما له وعليه من الثواب والعقاب ... (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ). أي: لا يعلمون دين الله وتوحيده فهم محتاجون إلى سماع كلام الله. قال الحسن: هذه الآية محكمة إلى قيام الساعة اهـ.
وقال الإمام الشوكاني في تفسيره: (بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ)، أي: بسبب فقدانهم للعلم النافع المميز بين الخير والشر في الحال والمآل اهـ.
قلت: فهذا النص القرآني المحكم في دلالته يثبت في وضوح حكم الشرك مع الجهل الشديد المطبق في وقت اندرست فيه الشرائع، وطمست فيه السبل، واشتدت الفتن حتى إذا أخرج العبد يده فيها لم يكد يراها من شدة الظلمات لذلك سميت بالجاهلية لكثرة الجهالات.
قال الإمام النووي تعليقاً على حديث ابن جدعان: وأما الجهالية فما كان قبل النبوة سمّوا بذلك لكثرة جهالتهم (١).
стр. 10
وقال ابن تيمية موصّفاً إياها اعلم أن الله أرسل محمداً إلى الخلق وقد مقت أهل الأرض عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب ماتوا -أو أكثرهم- قبل مبعثه، والناس إذ ذاك أحد رجلين: إما كتابي معتصم بكتاب -إما مبدّل، وإما منسوخ- وإما بدين دارس بعضه مجهول وبعضه متروك، وإما أُمّي من عربي وعجمي مقبل على عبادة ما استحسنه وظن أنه ينفعه من نجم أو وثن أو قبر أو تمثال أو غيره ذلك. والناس في جاهلية جهلاء من مقالات يظنونها علماً وهي جهل. وأعمال يحسبونها صلاحاً وهي فساد وغاية البارع منهم علماً وعملاً أن يُحصّل قليلاُ من العلم الموروث عن الأنبياء المتقدمين مشوب بأهواء المبدلين والمبتدعين قد اشتبه عليه حقه بباطله، أو يشتغل بعلم القليل منه مشروع وأكثره مبتدع لا يكاد يُؤثّر في صلاحه إلا قليلاً وأن يكدح بنظره نظر المتفلسفة فتذوب مهجته في الأمور الطبيعية والرياضية وإصلاح الأخلاق حتى يصل إن وصل بعد الجهد الذي لا يوصف إلى نزر قليل مضطرب لا يروي غليلا ولا يشفي عليلا ولا يغني من العلم الإلهي شيئاً، باطله أضعاف حقه -إن حصل- وأنّى له ذلك مع كثرة الاختلاف بين أهله والاضطراب وتعذر الأدلة عليه والأسباب (١) اهـ.
الدليل الثاني: قوله -تعالى-: (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ). [البينة: ١].
قال ابن تيمية: وممن ذكر هذا أبو الفرج بن الجوزي. قال: (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ). اليهود والنصارى (وَالْمُشْرِكِينَ) وهم عبدة الأوثان (مُنفَكِّينَ) أي منفصلين وزائلين ... والمعنى لم يكونوا زائلين عن كفرهم وشركهم حتى أتتهم البينة. لفظه لفظ المستقبل ومعناه: الماضي والبينة الرسول وهو محمد، ﷺ ، بيّن لهم ضلالهم وجهلهم ... ولفظ البغوي نحو هذا قال: لم يكونوا منتهين عن كفرهم وشركهم .. (حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ). لفظه مستقبل ومعناه: الماضي أي حتى أتتهم البينة -الحجة الواضحة- بعني محمداً أتاهم بالقرآن فبين لهم ضلالتهم وجهالتهم ودعاهم إلى الإيمان، فأنقذهم الله به من الجهل والضلالة (٢) اهـ.
стр. 11
وقال الشوكاني: قال الواحدي: ومعنى الآية إخبار الله -تعالى- عن الكفار أنهم لن ينتهوا عن كفرهم وشركهم بالله حتى أتاهم محمد، ﷺ ، بالقرآن، فبين لهم ضلالتهم وجهالتهم ودعاهم إلى الإيمان وهذا بيان عن النعمة والإنقاذ به من الجهل والضلال اهـ.
قلت: وهذه الآية تنص بوضوح على إثبات وصف الشرك والكفر قبل البعثة المحمدية والحجة القرآنية، ويلاحظ اقتران وصفي الجهل والشرك في عبارات السلف وهذا مع وصف القرآن لهم بالجهل والغفلة في الكثير الكثير من الآيات على سبيل المثال لا الحصر قوله -تعالى-: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ). [الجمعة: ٢].
قال الطبري: .... يقول -تعالى ذكره-: وقد كان هؤلاء الأميون من قبل أن يبعث الله فيهم رسولاً منهم في جور عن قصد السبيل، وأخذ على غير هدي مبين، يقول: يبين لمن تأمله أنه ضلال وجور عن الحق وطريق الرشد اهـ.
وقال ابن كثير: ... فبعثه الله وله الحمد والمنة على حين فترة من الرسل، وطموس من السبل، وقد اشتدت الحاجة إليه، وقد مقت الله أهل الأرض عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب، أي نذراً يسيراً مما بعث الله به عيسى بن مريم اهـ.
قلت: وقد يقول قائل: إن حكم الشرك ثابت لأصحابه قبل بعثة النبي، ﷺ ، بسبب أن الحجة الرسالية كانت قائمة عليهم، والجهل والغفلة التي كانوا فيها بسبب إعراضهم عن الحجة وليس بسبب فقدها.
أقول وبالله تعالى التوفيق: إن كلام السلف السالف ذكره يرد هذا الظن لنصهم على توصيف هذا الوقت بأنه كان وقت فترة من الرسل، وطموس من السبل، ومع هذا أسوق آيتين من كتاب الله يدلان على فقد الحجة الرسالية قبل بعثته، ﷺ ، للعرب والعجم.
المبحث الأول: فتور الرسالات قبل بعثة النبي ﷺ -:
الآية الأولى قوله -تعالى-: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ أَن تَقُولُواْ مَا جَاءنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءكُم بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ). [المائدة: ١٩].
стр. 12
قال القرطبي: (يُبَيِّنُ لَكُمْ). انقطاع حجتهم حتى لا يقولوا: غداً ما جاءنا رسول (عَلَى فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ) أي سكون يقال: فتر الشيء: سكن، وقيل "عَلَى فَتْرَةٍ" على انقطاع ما بين النبيين عن أبي عليّ وجماعة أهل العلم وحكاه: الرماني اهـ.
وقال ابن كثير: ... والمقصود أن الله بعث محمداً، ﷺ ، على فترة من الرسل، وطموس من السبل، وتغير الأديان، وكثرة عبادة الأوثان والنيران والصلبان فكانت النعمة به أتم النعمة والحاجة إليه أمر عمم، فإن الفساد قد عم جميع البلاد والطغيان والجهل قد ظهر في سائر العباد إلا قليلاً من المتمسكين ببقايا من دين الأنبياء ... " ... ثم إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من بني إسرائيل ... ". ثم رواه الإمام أحمد ومسلم والنسائي من غير وجه ...
فكان الذين قد التبس على أهل الأرض كلهم حتى بعث الله محمداً، ﷺ ، فهدى الخلائق وأخرجهم الله به من الظلمات إلى النور وتركهم على المحجة البيضاء والشريعة الغراء، ولهذا قال -تعالى-: (أَن تَقُولُواْ مَا جَاءنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ). أي: لئلا تحتجوا وتقولوا يا أيها الذين بدلوا دينهم وغيروه ما جاءنا من رسول يبشر بالخير وينذر من الشر، فقد جاءكم بشير ونذير يعني محمداً، ﷺ ، اهـ.
وقال الطبري: على فترة من الرسل يقول: على انقطاع من الرسل، والفترة في هذا الموضع الإنقطاع يقول: قد جاءكم رسولنا يبين لكم الحق والهدى على انقطاع من الرسل ... (أَن تَقُولُواْ مَا جَاءنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ) ... فمعنى الكلام: قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل كي لا تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير يعلمهم -عزّ ذكره- أنه قد قطع عذرهم برسوله ﷺ ، وأبلغ إليهم في الحجة اهـ.
وقال الشوكاني: (أَن تَقُولُواْ مَا جَاءنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ). تعليل: لمجيء الرسول بالبيان على حين فترة: أي كراهة أن تقولوا هذا القول معتذرين عن تفريطكم "أي لا تعتذروا فقد جاءكم بشير ونذير وهو محمد، ﷺ اهـ.
الآية الثانية: قوله -تعالى-: (وَلَوْلَا أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ). [القصص: ٤٧].
قال الطبري يقول -تعالى ذكره-: ولولا أن يقول هؤلاء الذين: أرسلتك يا محمد، ﷺ ، إليهم لو حلّ بهم بأسنا أو أتاهم عذابنا من قبل أن نرسلك إليهم على كفرهم بربهم
стр. 13
واكتسابهم الآثام واجترامهم المعاصي: ربنا هلاّ أرسلت إلينا رسولاً من قبل أن يحل بنا سخطك وينزل بنا عذابك فنتبع أدلتك وآي كتابك الذي تنزلُه على رسولك وتكون من المؤمنين بألوهيتك المصدقين رسولك فيما أمرتنا ونهيتنا. لعاجلناهم العقوبة على شركهم من قبل ما أرسلناك إليهم، ولكنا بعثناك إليهم نذيراً بأسنا على كفرهم لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل اهـ.
قال الشوكاني: ... قال الزجاج: وتقدير ما أرسلنا إليهم رسلاً: يعني أن الحامل على إرسال الرسل هو إزاحة عللهم فهو كقوله -سبحانه-: (لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) ... ومعنى الآية: أنا لو عذبناهم لقالوا: طال العهد بالرسل ولم يرسل الله إلينا رسولاً ويظنون أن ذلك عذر لهم ولا عذر لهم بعد أن بلغتهم أخبار الرسل، ولكنا أكملنا الحجة وأزحنا العلة وأتمننا البيان بإرسالك يا محمد إليهم اهـ.
وقال القرطبي: (فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا). أي هلاّ: (أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً).
لما بعثنا الرسل وقيل: لعاجلناهم بالعقوبة. وبعث الرسل أزاحة لعذر الكفار ....
فال القشيري: والصحيح أن المحذوف لولا كذا لما احتيج إلى تجديد الرسل أي: هؤلاء الكفار غير معذورين إذ بلغتهم الشرائع السابقة والدعاء إلى التوحيد، ولكن تطاول العهد فلو عذبناهم فقد يقول قائل منهم: طال العهد بالرسل ويظن أن ذلك عذر، ولا عذر لهم بعد أن بلغهم خبر الرسل، ولكن أكملنا إزاحة العذر وأكملنا البيان فبعثناك يا محمد، ﷺ ، إليهم وقد حكم الله بأنه لا يعاقب عبداً إلا بعد إكمال البيان والحجة وبعثة الرسل اهـ.
وقال ابن كثير: أي وأرسلناك إليهم لتقيم عليهم الحجة ولينقطع عذرهم إذا جاءهم
стр. 14
عذاب من الله بكفرهم فيحتجوا بأنهم لم يأتهم رسول ولا نذير اهـ.
وقال البغوي: (وَلَوْلَا أَن تُصِيبَهُم). عقوبة ونقمة (بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ). من الكفر والمعصية. (فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا) هلا (أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ). وجواب لولا محذوف أي: تعاجلناهم بالعقوبة. يعني: لولا أنهم يحتجون بترك الإرسال إليهم لعاجلناهم بالعقوبة على كفرهم، وقيل: معناه لما بعثناك إليهم رسولاً ولكن بعثناك إليهم لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل اهـ.
قلت: فمن هذين النصين يعلم أن القوم قبل بعثة النبي، ﷺ ، لو عاجلهم المولى -سبحانه- العقوبة على شركهم واكتسابهم الآثام، لاحتج القوم بأنهم في زمن فترة من الرسل وأنهم ما جاءهم من رسول يبشر بالخير وينذر من الشر، فبعث الله محمداً ﷺ ليقطع عذرهم في العذاب، ومع هذا فقد اتفق السلف على أنهم مشركون كافرون غير مسلمين إلا أنهم لا يعذبون إلا بعد الحجة الرسالية على خلاف بينهم في هذا الأخير.
فهؤلاء القوم كانوا في زمن فترة من الرسل. وفي جهل شديد ومع هذا كانوا مشركين.
الدليل الثالث: شرك قوم نوح، ﷺ ، وهو أول شرك وقع على وجه الأرض، ومن المعلوم بيقين أن آدم، ﵇، قد ترك ذريته على التوحيد الخالص. ثم بدأ يدب الشرك في ذريته بسنن شيطانية التي تحدث عنها حبر الأمة ابن عباس ﵄ فأصبحوا مشركين فبعث الله نوحاً وهو أول رسول إلى أهل الأرض بنص حديث الشفاعة الصحيح.
ومن المعلوم أيضاً أن نوحاً ﵇ كان يخاطب قومه على أنهم: مشركون لا مسلمون.
فأين الرسول الذي أقام الحجة عليهم قبله حتى يثبت لهم وصف الشرك وحكمه؟
قال الله -تعالى-: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ). [البقرة: ٢١٣].
قال ابن كثير: قال ابن جرير ... عن ابن عباس ﵁ قال: كان بين نوح وآدم عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين.
قال: وكذلك هي قراءة عبد الله ... الناس كانوا على ملة آدم حتى عبدوا الأصنام فبعث الله إليهم نوحاً، ﵇، فكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض اهـ.
وقال ابن تيمية: وذلك أن الناس كانوا بعد آدم، ﵇، وقبل نوح، ﵇، على التوحيد والإخلاص كما كان عليه أبوهم آدم أبو البشر، ﵇، حتى ابتدعوا الشرك وعبادة الأوثان -بدعة من تلقاء أنفسهم- لم ينزّل الله بها كتاباً ولا أرسل بها رسولاً. بشبهات زينها الشيطان من جهة المقاييس الفاسدة والفلسفة الحائدة. قوم منهم
стр. 15
زعموا: أن التماثيل طلاسم الكواكب السماوية والدرجات الفلكية والأرواح العلوية وقوم اتخذوها على صورة من كان فيهم من الأنبياء والصالحين، وقوم جعلوها لأجل الأرواح السفلية من الجن والشياطين وقوم على مذاهب أخر. وأكثرهم لرؤسائهم مقلدون وعن سبيل الهدى ناكبون، فابتعث الله نبيه نوحاً، ﵇، يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وينهاهم عن عبادة ما سواه وإن زعموا أنهم يعبدونهم ليتقربوا بهم إلى الله زلفى ويتخذوهم شفعاء (١). اهـ.
وفي صحيح البخاري عن ابن عباس ﵄: صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب ... أسماء رجال صالحين من قوم نوح فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصاباً وسموها بأسمائهم ففعلوا فلم تُعبد حتى إذا هلك أولئك وتنسّخ العلم عبدت (٢) اهـ.
قلت: انظر رحمني الله وإياك قول ابن عباس ﵄ -أنها- أي الأصنام- لم تعبد في بادئ الأمر، وأن العلة في عبادتها: تنسخ العلم وانتشار الجهل.
وذلك لأن المشرك أينما كان يظن أن ما هو عليه من الديانة تقربه إلى الله زلفى فكيف يتقرب العبد إلى الله بأمر يعتقد بطلانه؟
وذلك لأن الشرك منبعه ومبعثه: الاعتقاد، بخلاف المعصية فإن منبعها ومبعثها: الشهوة المحضة.
فالزاني والسارق وشارب الخمر يعلم قبح وحرمة معصيته ولكن يحمله على اقترافها الشهوة العارمة بخلاف الذبح والنذر والدعاء والاستغاثة فهذه الحامل على فعلها: الاعتقاد لا الشهوة.
لذلك لن تجد عبداً يعلم قبح وحرمة الشرك وأنه يسوق صاحبه إلى الخلود في النيران ويحرم عليه دخول الجنة ويحبط عمله بالكلية ثم يفعله بعد هذا قربة إلى الله؟.
стр. 16
المبحث الثاني: اقتران وصفي الشرك والجهل:
لذلك اعلم أن الشرك قرين الجهل. والتوحيد قرين العلم لا ينفكان.
يقول الله -جل ثناؤه-: (ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ). [يوسف: ٤٠].
قال ابن كثير: أي فلهذا كان أكثرهم مشركين اهـ.
وهذا المعنى -وهو جهالة أكثر الناس- مستقر في كثير من الآيات كقوله -تعالى-: (قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ). [لقمان: ٢٥]. وقوله -تعالى-: (مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) [الدخان: ٣٩]. وقوله -تعالى: - (إِنْ أَوْلِيَآؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ) [الأنفال: ٣٤].
وهذا في الكثير الكثير من الآيات وصف أكثر الناس بالجهل وعدم العلم، وكذلك أيضاً وصف القرآن في العديد من الآيات أن أكثر الناس مشركون ضالون عن سواء السبيل كقوله -تعالى-: (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ) [يوسف: ١٠٦]. (وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللهِ) [الأنعام: ١١٦]. فعلم بنصوص القرآن المستقرأة البينة الواضحة الدلالة: أن أكثر الناس يجمعون بين الشرك والجهل. فعندما يقول الله -تعالى-: (إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ) [النساء: ٤٨]. ثم نقصره على العالم والمعاند فقط فهذا لا يكون إلا للنادر القليل ومن المعلوم أن النصوص نزلت لأجل المشاع الغالب ذكره وليس للنادر القليل الذكر.
يقول الإمام أبو بطين (بعد نقله عن شيخ الإسلام ابن تيمية: إن من فعل الشرك فهو مشرك يستتاب فإن تاب وإلا قتل). قال: فقد جزم ﵀ في مواضع كثيرة تكفر من فعل ما ذكره من أنواع الشرك وحكى إجماع المسلمين على ذلك ولم يستثن الجاهل ونحوه وقال -تعالى-: (إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ). وقال عن المسيح أنه قال: (مَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ).
فمن خص ذلك الوعيد بالمعاند فقط وأخرج الجاهل والمتأوّل والمقلد فقد شاق الله ورسوله، وخرج عن سبيل المؤمنين. والفقهاء: يصدرون باب حكم المرتد بمن أشرك بالله
стр. 17
ولم يقيدوا ذلك بالمعاند وهذا أمر واضح ولله الحمد (١) اهـ.
وبهذا يعلم فقه ابن عباس ﵄ عندما علّل ووقت اقتراف الشرك في قوم نوح بتنسخ العلم، فقال: فلم تعبد (أي الأصنام) حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم عُبدت. فهؤلاء القوم كانوا بداية على التوحيد ومن نسل موحد ثم دب فيهم الشرك بنوع من الجهل والتأويل وتخرصاً وحسباناً أنه يقربهم إلى الله زلفى بدعة من تلقاء أنفسهم لم ينزّل الله بها من سلطان، فأصبحوا مشركين، فعند هذا بعث الله إليهم نوحاً، ﵇، بشيراً ونذيراً ليقيم الحجة الموجبة للعذاب في الدارين لمن خالفها.
قال -تعالى- في سورة هود: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ (٢٥) أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللهَ إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٢٦)).
قال ابن كثير: يخبر -تعالى- عن نوح، ﵇، وكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض من المشركين عبدة الأصنام أنه قال لقومه: (إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ). أي: ظاهر النذارة لكم من عذاب الله إن أنتم عبدتم غير الله ...
وقوله: (إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ). أي: إن استمررتم على ما أنتم عليه عذّبكم الله عذاباً إليماً موجعاً شاقاً في الدار الآخرة اهـ.
قلت: وما يقال في قوم نوح، ﵇، يقال في كل أمة بين رسولين لأن الرسل ترسل لأقوامهم -المشركين الجاهلين- بالإسلام العام فيكفر أكثر أقوامهم ويؤمن لهم من وفقه الله للهداية ثم يفصل الله بينهم وبين أقوامهم، ويبقى الموحدون -بعد هلاك الكفار بالرسالات- ثم يمكثوا ما شاء الله لهم على التوحيد. حتى إذا تنسخ العلم لديهم دب فيهم الشرك وأتُوا من قبل جهلهم وتخرصهم على ربهم بغير سلطان لديهم من الله -جل ثناؤه- فعند هذا يبعث الله رسولاً ليخرجهم: من الظلمات إلى النور، ومن الشرك إلى التوحيد، ومن الجهل إلى العلم ويتوعدهم بالعذاب في الدارين إن استمروا على شركهم وكفرهم بعد الحجة الرسالية. وهذا لقوله -تعالى-: (رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) [النساء: ١٦٥].
стр. 18
ومن هذا يعلم: أن اسم المشرك ثابت قبل بلوغ الرسالة، والعذاب في الدارين لا يكون إلا بعدها.
قال ابن تيمية نقلاً عن محمد بن نصر المروزي: قالوا: ولما كان العلم بالله إيماناً والجهل به كفراً، وكان العمل بالفرائض إيماناً والجهل بها قبل نزولها ليس بكفر، لأن أصحاب رسول الله، ﷺ ، قد أقروا بالله أول ما بعث الله رسوله، ﷺ ، إليهم ولم يعلموا الفرائض التي افترضت عليهم بعد ذلك، فلم يكن جهلهم بذلك كفراً. ثم أنزل الله عليهم الفرائض فكان إقرارهم والقيام بها إيماناً وإنما يكفر من جحدها لتكذيبه خبر الله. ولو لم يأت خبر من الله ما كان بجهلها كافراً وبعد مجيء الخبر من لم يسمع بالخبر من المسلمين لم يكن بجهلها كافراً والجهل بالله في كل حال كفر قبل الخبر وبعد الخبر (١) اهـ.
وقال صاحب بدائع الصنائع فإن أبا يوسف روى عن أبي حنيفة ﵀ هذه العبارة فقال: كان أبو حنيفة ﵁ يقول: لا عذر لأحد من الخلق في جهله معرفة خالقه لأن الواجب على جميع الخلق معرفة الرب وتوحيده لما يرى من خلق السموات والأرض وخلق نفسه وسائر ما خلق الله فأما الفرائض فمن لم يعلمها ولم تبلغه فإن هذا لم تقم عليه حجة حكمية بلفظه (٢) اهـ.
وقال ابن تيمية في وكذاك أخبر عن هود أنه قال لقومه: (... إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ). فجعلهم مفترين قبل أن يحكم بحكم يخالفونه لكونهم جعلوا مع الله إلهاً آخر. فاسم المشرك ثبت قبل الرسالة فإنه يشرك بربه ويعدل به ويجعل معه آلهة أخرى ويجعل له أندادا قبل الرسالة، ويثبت أن هذه الأسماء مقدم عليها، وكذلك اسم الجهل والجاهلية يقال جاهلية وجاهلاً قبل مجيء الرسول وأما التعذيب فلا، والتولي عن الطاعة كقوله: (فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى، وَلَكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى). فهذا لا يكون إلا بعد الرسول (٣) اهـ.
الدليل الرابع: قوله -تعالى-: (ذَلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ) [الأنعام: ١٣١].
стр. 19
قال القرطبي: ... أي إنما فعلنا ذلك بهم لأني لم أكن أهلك القرى بظلمهم أي: بشركهم قبل إرسال الرسل إليهم فيقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير. وقيل: لم أكن أهلك القرى بشرك من أشرك منهم فهو مثل: (وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى). ولو أهلكهم قبل بعثة الرسل فله أن يفعل ذلك اهـ.
وقال البغوي: أي: الذي قصصنا عليك من أمر الرسل، وعذاب من كذبهم لأنه لم يكن ربك مهلك القرى بظلم أي: لم يكن مهلكهم بظلم أي: يشرك من أشرك: (وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ). لم ينذروا حتى نبعث إليهم رسلاً ينذرونهم اهـ.
وقال الشوكاني: (يظُلْمٍ)) (١) (-سببيه: أي: لم أكن أهلك القرى بسبب ظلم من يظلم منهم والحال أن أهلها غافلون. لم يرسل الله إليهم رسولاً. والمعنى: أن الله أرسل الرسل إلى عباده لأنه لا يهلك من عصاه بالكفر من القرى. والحال أنهم غافلون عن الإعذار والإنذار بإرسال الرسل وإنزال الكتب اهـ.
قلت: فهذا النص بفهم السلف يثبت وصف الشرك قبل البعثة والناس في غفلة إلا أن العذاب لا يكون إلا بعد الرسالة-.
والآن بمشيئة الله وعونه أسوق آية من كتاب الله هي الفصل في هذه المسألة ومنها يعلم علة هذا الحكم وهو ثبوت وصف الشرك بمجرد التلبس به دون إقامة حجة وبلوغ رسالة وهذا الحكم عام مطرد بين جميع الخلق وكافة الأمم ألا وهي آية الميثاق، وقبل الحديث عنها أنبه على أن العلماء قد اتفقوا على أن هذه الآية حجة مستقلة في الإشراك واختلفوا هل هي حجة مستقلة في العذاب أم لا؟ على قولين.
واختلفوا هل الإشهاد أخذ حقيقة بلسان المقال أم مجازاً وهو بلسان الحال؟ على قولين:
فهذا ما اتفقوا عليه وهذا ما اختلفوا فيه حتى لا تختلط المفاهيم وتنضبط الأحكام.
* * *
стр. 20
الفصل الثاني
علة ثبوت وصف الشرك قبل قيام الحجة
وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: حجية الميثاق.
المبحث الثاني: توحيد الربوبية يستلزم توحيد الإلهية وهو الحجة عليه.
المبحث الثالث: الميثاق حجة في بطلان الشرك والعذاب عليه بعد الحجة الرسالية.
المبحث الرابع: التحسين والتقبيح العقلي للأفعال قبل بلوغ الشرائع.
стр. 21
الفصل الثاني
علة ثبوت وصف الشرك قبل قيام الحجة
المبحث الأول: حجية الميثاق:
يقول -تعالى- في سورة الأعراف: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (١٧٣) وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٧٤).
قال الشوكاني: ... أي: فعلنا ذلك كراهة أن تعتذروا بالغفلة أو تنسبوا الشرك إلى آبائكم دونكم، و (أو) لمنع الخلو دون الجمع، فقد يعتذرون بمجموع الأمرين (من قبل) أي: من قبل زماننا (وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ). لا نهتدي إلى الحق ولا نعرف الصواب. (أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ). من آبائنا ولا ذنب لنا لجهلنا وعجزنا عن النظر واقتفائنا آثار سلفنا: بين الله -سبحانه- في هذه الحكمة التي لأجلها أخرجهم من ظهر آدم وأشهدهم على أنفسهم وأنه فعل ذلك بهم لئلا يقولوا هذه المقالة يوم القيامة ويعتلوا بهذه العلة الباطلة ويعتذروا بهذه المعذرة الساقطة اهـ.
وقال القرطبي: قال الطرطوشي: إن هذا العهد يلزم البشر وإن كانوا لا يذكرونه في هذه الحياة كما يلزم الطلاق من شهد عليه به وقد نسيه ... وقال ابن عباس وأبي بن كعب. قوله: شهدنا هو من قول بني آدم، والمعنى: شهدنا أنك ربنا وإلهنا ...
(أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ). بمعنى: لست تفعل هذا ولا عذر للمقلد في التوحيد اهـ.
وقال الطبري: (أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ). يقول -تعالى ذكره-: "شهدنا" عليكم أيها المقرون بأن الله ربكم كيلا تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين: إنا كنا لا نعلم ذلك وكنا في غفلة منه أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم .... اتبعنا مناهجهم على جهل منا بالحق اهـ.
стр. 22
وقال ابن كثير: يخبر -تعالى- أنه استخرج ذرية بني آدم من أصلابهم: شاهدين على أنفسهم أن الله ربهم ومليكهم، وأنه لا إله إلا هو كما أنه -تعالى- فطرهم على ذلك وجبلهم عليه ... ومن ثم قال قائلون من السلف والخلف: إن المراد بهذا الإشهاد إنما هو فطرهم على التوحيد ... (وأخذ بدلل على رجحان هذا القول). قالوا ومما يدل على أن المراد بهذا (١) (هذا) (٢)، أن جعل هذا الإشهاد حجة عليهم في الإشراك. فلو كان قد وقع هذا (٣) كما قاله من قال لكان لكل أحد يذكره ليكون حجة عليه. فإن قيل: إخبار الرسول به كاف في وجوده. فالجواب: أن المكذبين من المشركين يكذبون بجميع ما جاءت به الرسل من هذا وغيره وهذا (٤) جعل حجة مستقلة عليهم، فدل على أنه: الفطرة التي فطروا عليها من الإقرار بالتوحيد. ولهذا فال: (أَن تَقُولُواْ). أي: لئلا تقولوا يوم القيامة (إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا). أي: التوحيد غافلين (أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا). الآية اهـ.
وقال البغوي: ... فإن قيل: كيف تلزم الحجة على أحد لا يذكر الميثاق؟ قيل: قد أوضح الله الدلائل على وحدانيته وصدق رسله فيما أخبروا، فمن أنكره كان معانداً ناقضاً للعهد ولزمته الحجة، وبنسيانهم وعدم حفظهم لا يسقط الاحتجاج بعد إخبار المخبر الصادق صاحب المعجزة. قوله -تعالى-: (أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ). يقول: إنما أخذ الميثاق عليك لئلا تقولوا أيها المشركون: إنا أشرك آباؤنا من قبل ونقضوا العهد وكنا ذرية من بعدهم، أي: كنا أتباعاً لهم فاقتدينا بهم، فتجعلوا هذا عذراً لأنفسكم وتقولوا: (أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ). أفتعذبنا بجناية آبائنا المبطلين، فلا يمكنهم أن يحتجوا بمثل هذا الكلام بعد تذكير الله -تعالى- بأخذ الميثاق على التوحيد (وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ)، أي: نبين الآيات ليتدبرها العباد (وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) من الكفر إلى التوحيد اهـ.
وقال ابن القيم (٥): (وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ). وهذا يقتضي إقرارهم
стр. 23
بربوبيته إقراراً تقوم عليهم به الحجة وهذا إنما هو الإقرار الذي احتج به عليهم على ألسنة رسله كقوله -تعالى-: (قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللهِ شَكٌّ) ... (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ)، (قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ). ونظائر ذلك كثيرة يحتج عليهم بما فطروا عليه من الإقرار بربهم وفاطرهم ويدعوهم بهذا الإقرار إلى عبادته وحده وألا يشركوا به شيئاً هذه طريقة القرآن ومن ذلك هذه الآية التي في "الأعراف" وهي قوله: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ ..) ولهذا قال في آخرها: (أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ ...). فاحتج عليهم بما أقروا به من ربوبيته على بطلان شركهم وعبادة غيره، وألا يعتذروا، إما بالغفلة عن الحق، وإما بالتقليد في الباطل فإن الضلال له سببان: إما غفلة عن الحق، وإما تقليد أهل الضلال ...
وقال في ص: ٥٦٢ فهو سبحانه يقول: أذكر حين أخذوا من أصلاب الآباء فخلقوا حين ولدوا على الفطرة مقرين بالخالق شاهدين على أنفسهم بأن الله ربهم، فهذا الإقرار حجة عليهم يوم القيامة ..
(أَن تَقُولُواْ) أي: كراهية أن تقولوا أو لئلا تقولوا: (إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ). أي: عن هذا الإقرار لله بالربوبية وعلى نفوسنا بالعبودية ... (أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ ...). فذكر سبحانه لهم حجتين يدفعهما هذا الإشهاد: إحداهما أن يقولوا: إنا كنا عن هذا غافلين فبين أن هذا علم فطري ضروري لا بد لكل بشر من معرفته وذلك يتضمن حجة الله في إبطال التعطيل وأن القول بإثبات الصانع علم فطري ضروري وهو حجة على نفي التعطيل. والثاني أن يقولوا: إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون، وهم آباؤنا المشركون: أي أفتعاقبنا بذنوب غيرنا؟ فإنه لو قدر أنهم لم يكونوا عارفين بأن الله ربهم ووجدوا آباءهم مشركين وهم ذرية من بعدهم ومقتضى الطبيعة العادية أن يحتذي الرجل حذو أبيه حتى في الصناعات والمساكن والملابس والمطاعم إذ كان هو الذي رباه، ولهذا كان أبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، فإذا كان هذا مقتضى العادة والطبيعة، ولم يكن في فطرهم وعقولهم ما يناقض ذلك، قالوا: نحن معذورون وآباؤنا الذين أشركوا، ونحن كنا ذرية لهم بعدهم، ولم يكن عندنا ما يبين خطأهم. فإذا كان في فطرهم ما شهدوا به من أن الله وحده هو ربهم، كان معهم ما يبين
стр. 24
بطلان هذا الشرك وهو التوحيد الذي شهدوا به على أنفسهم. فإذا احتجوا بالعادة الطبيعية من اتباع الآباء كانت الحجة عليهم الفطرة الطبيعية الفعلية السابقة لهذه العادة الطارئة، وكانت الفطرة الموجبة للإسلام سابقة للتربية التي يحتجون بها؛ وهذا يقتضي أن نفس العقل الذي به يعرفون التوحيد حجة في بطلان الشرك لا يحتاج ذلك إلى رسول، فإنه جعل ما تقدم حجة عليهم بدون هذا، وهذا لا يناقض قوله -تعالى-: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً).
فإن الرسول يدعو إلى التوحيد ولكن الفطرة دليل عقلي يعلم به إثبات الصانع [] (١) لم يكن في مجرد الرسالة حجة عليهم فهذه الشهادة على أنفسهم التي تتضمن بأن الله ربهم، ومعرفتهم أمر لازم لكل بني آدم به تقوم حجة الله في تصديق رسله فلا يمكن أحداً أن يقول يوم القيامة: إني كنت عن هذا غافلاً ولا أن الذنب كان لأبي المشرك دوني لأنه عارف بأن الله ربه لا شريك له فلم يكن معذوراً في التعطيل والإشراك بل قام به ما يستحق به العذاب ثم إن الله -سبحانه- لكمال رحمته وإحسانه- لا يعذب أحداً إلا بعد إرسال الرسول إليه وإن كان فاعلاً لما يستحق به الذم والعقاب فلله على عبده حجتان قد أعدهما عليه لا يعذبه إلا بعد قيامهما: إحداهما: ما فطره وخلقه عليه من الإقرار بأنه ربه ومليكه وفاطره وحقه عليه لازم. والثاني: إرسال رسله إليه بتفصيل ذلك وتقريره وتكميله فيقوم عليه شاهد الفطرة والشرعة ويقر على نفسه بأنه كان كافراً كما قال -تعالى-: (وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ) [الأنعام: ١٣٠]، فلم ينفذ عليه الحكم إلا بعد إقرار وشاهدين وهذا غاية العدل (٢) اهـ.
"فطر العباد على الاستسلام لله وحده":
وقال ابن تيمية الحمد لله أما قوله ﷺ : "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه". فالصواب أنها فطرة الله التي فطر الناس عليها، وهي فطرة الإسلام، وهي الفطرة التي فطرهم عليها يوم قال: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى). وهي: السلامة من الاعتقادات الباطلة والقبول للعقائد الصحيحة. فإن حقيقة "الإسلام": أن يستسلم لله لا لغيره وهو معنى لا إله إلا الله وقد ضرب رسول الله ﷺ مثل ذلك فقال: "كما تنتج البهيمة
стр. 25
بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء؟ "، بين أن سلامة القلب من النقص كسلامة البدن وأن العيب حادث طارئ. وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار قال: قال رسول الله ﷺ : فيما يروي عن الله: "إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزّل به سلطانا". ولهذا ذهب الإمام أحمد ﵁ في المشهور عنه: إلى أن الطفل متى مات أحد أبويه الكافرين حكم بإسلامه لزوال الموجب للتغيير عن أصل الفطرة وقد روى عنه وعن ابن المبارك وعنهما أنهم قالوا: "يولد على ما فطر عليه من شقاوة وسعادة" وهذا القول لا ينافي الأول فإن الطفل يولد سليماً وقد علم الله أنه سيكفر فلا بد أن يصير إلى ما سبق له في أم الكتاب كما تولد البهيمة جمعاء وقد علم الله أنها ستجدع ... " إلى أن قال "ولا يلزم من كونهم مولودين على الفطرة أن يكونوا حين الولادة معتقدين للإسلام بالفعل فإن الله أخرجنا من بطون أمهاتنا لا نعلم شيئاً ولكن سلامة القلب وقبوله وإرادته للحق: الذي هو الإسلام بحيث لو ترك من غير مغير لما كان إلا مسلماً. وهذه القوة العلمية العملية التي تقتضي بذاتها الإسلام ما لم يمنعها مانع: هي فطرة الله التي فطر الناس عليها (١) اهـ.
قلت: انظر رحمك الله إلى قول شيخ الإسلام أن العهد هو الفطرة التي فطر الله جل ثناؤه الناس عليها، وأن الله فطر كل نفس على قبول الحق والسلامة من الاعتقادات الباطلة، وأن هذه الفطرة لو تركت بلا مغير لما كان صاحبها إلا مسلما، وبهذا يعلم أن: المشرك قد نقض العهد والميثاق المأخوذ عليه.
وبعد هذه النُقول في هذه الآية أقول: هل بعد هذا النص القاطع المحكم في دلالته من نص، وهل بعد برهانه من برهان، وهل بعد بيانه من بيان، وقد اتفق المفسرون السالف ذكرهم على أن هذه الآية حجة مستقلة في الإشراك، فقال القرطبي: لا عذر لمقلد في التوحيد، والطبري أبطل احتجاج المشركين بالغفلة والاتباع المحض بحجية الميثاق، وكذلك البغوي والشوكاني، وقال ابن كثير: جعل هذا الإشهاد حجة مستقلة عليهم في الإشراك، وقال ابن القيم: إن إقرارهم بالربوبية تقوم به الحجة وهو الذي احتج المولى به
стр. 26
عليهم على ألسن رسله يحتج عليهم به ويدعوهم به إلى الإقرار بالإلهية، وقال: إن هذه طريقة القرآن، وأبطل احتجاجهم بالغفلة والجهل وتقليد الآباء بحجج بينة لا ترد، وقال: إن العقل الذي يعرفون به التوحيد حجة في بطلان الشرك، لا يحتاج ذلك إلى رسول، وأنه قام بهم ما يستحق به العذاب، غير أنه لكمال رحمة الله التي وسعت كل شيء فقد وقف العذاب على قيام الحجة الرسالية.
فهذه الآية قد قطعت شتى أنواع الأعذار التي يحتج بها بنو آدم في عبادة غير الله تعالى.
إن الله -جل ثناؤه- خلق الكون من أجل عبادته وحده لا شريك له، تلك القضية التي لها أنزلت الكتب، وبها أرسلت الرسل، ومن أجلها قام سوق الآخرة وأعد الله -سبحانه- الجنة والنار جزاء من وفّى بها أو نقضها.
وقبل أن أختم الحديث في هذه الآية أعرض لشبهة عرضت لبعض الإخوة غفر الله لي ولهم. وهي أن الإشهاد كان في الربوبية دون الإلهية وبالتالي فهي حجة في شرك الربوبية دون الإلهية.
أقول وبالله التوفيق: أولاً قول: جماهير من السلف والخلف -وعلى رأسهم ابن تيمية وابن القيم وابن كثير-، أن الإشهاد مجازي وهو: الفطرة التي فطر الله الناس عليها يردّ على هذا الزعم. لأن الفطرة هي: الإسلام كما نقلت عن ابن تيمية وكما نقل ابن القيم عن ابن عبد البر في المصدر السابق (١) أثناء الحديث عن آية الميثاق أنهم أجمعوا -أي أهل التفاسير- على أن الفطرة هي الإسلام، والأحاديث الصحيحة الصريحة على هذا.
منها: قول النبي ﷺ : "فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه". ولم يقل أو يمسلمانه وكذلك الرواية التي في صحيح مسلم القاطعة في الاحتجاج (على هذه الملة) وغيرها من الأحاديث، وكذلك تفسير أبي هريرة ﵁ الآية: (فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا). بأنها الإسلام ولا أريد أن أستفيض في هذه المسألة لشهرتها وكثرة أدلتها فهي في غنى عن التدليل عليها.
стр. 27
ثانياً: وعلى القول الآخر وهو أيضاً قول جماهير من السلف والخلف: إن الإشهاد حصل حقيقة.
المبحث الثاني: توحيد الربوبية يستلزم توحيد الإلهية وهو الحجة عليه:
أقول فما من عبد ذاق طعم القرآن إلا ويعلم أن توحيد الربوبية يستلزم توحيد الإلهية وأن القرآن كان يدعوهم (أي المشركين) ويقيم عليهم الحجة بالربوبية، للإلهية.
قال الإمام الشنقيطي في أضواء البيان عند قوله -تعالى-: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ). ويكثر في القرآن العظيم الاستدلال على الكفار باعترافهم بربوبيته -جل وعلا- على وجوب توحيده في عبادته ولذلك يخاطبهم في توحيد الربوبية باستفهام التقرير فإذا أقروا بربوبيته احتج بها عليهم على أنه هو المستحق لأن يعبد وحده ووبخهم منكراً عليهم شركهم به غيره مع اعترافهم بأنه هو الرب وحده لأن من اعترف بأنه هو الرب وحده لزمه الاعتراف بأنه هو المستحق لأن يعبد وحده ومن أمثلة ذلك قوله -تعالى-: (قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ). إلى قوله: (فَسَيَقُولُونَ اللهُ). فلما أقروا بربوبيته وبخهم منكراً عليهم شركهم به غيره بقوله: (فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ). ومنها قوله -تعالى-: (قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ). فلما اعترفوا وبخهم منكراً عليهم شركهم بقوله: (قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ). ثم قال: (قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ). فلما أقروا وبخهم منكراً عليهم شركهم بقوله: (قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ). ثم قال: (قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ) .. فلما أقروا وبخهم منكراً عليهم شركهم بقوله: (فَأَنَّى تُسْحَرُونَ). ومنها قوله -تعالى-: (قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللهُ). فلما صح الاعتراف وبخهم منكراً عليهم شركهم بقوله: (قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاء لاَ يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً).
وقوله -تعالى-: (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ
стр. 28
لَيَقُولُنَّ اللَّهُ). فلما صح اعترافهم وبخهم منكراً عليهم شركهم بقوله: (فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ). وقوله -تعالى-: (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ). فلما صح إقرارهم وبخهم منكراً عليهم شركهم بقوله: (قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ) .. وقوله: (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ). فلما صح اعترافهم وبخهم منكراً بقوله: (قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ). وقوله -تعالى-: (آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ، أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاء فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا). ولا شك أن الجواب الذي لا جواب لهم البتة غيره هو: أن القادر على خلق السموات والأرض وما ذكره معهما خير من جماد لا يقدر على شيء فلما تعين اعترافهم وبخهم منكراً عليهم بقوله: (أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ) ... والآيات بنحو هذا كثيرة جداً. ولأجل ذلك ذكرنا في غير هذا الموضع أن كل الأسئلة المتعلقة بتوحيد الربوبية استفهامات تقرير يراد منها أنهم إذا أقروا رتب لهم التوبيخ والإنكار على ذلك الإقرار لأن المقر بالربوبية يلزمه الإقرار بالألوهية ضرورة نحو قوله -تعالى-: (أَفِي اللهِ شَكٌّ). وقوله: (قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِي رَبّاً). اهـ.
وقال الطبري في قوله -تعالى-: (قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) [الأحقاف: ٤] يقول -تعالى ذكره- قل يا محمد ﷺ لهؤلاء المشركين بالله من قومك أرأيتم أيها القوم الآلهة والأوثان التي تعبدون من دون الله أروني أي شيء خلقوا من الأرض -فإن ربي خلق الأرض كلها- فدعوتموها- من أجل خلقها ما خلقت من ذلك- آلهة وأرباباً فيكون لكم بذلك في عبادتكم إياها حجة فإن من حجتي على عبادتي إلهي وإفرادي له الألوهة أنه خلق الأرض فابتدعها من غير أصل. وقوله: (أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ) يقول -تعالى ذكره-: أم لآلهتكم التي تعبدونها أيها الناس شرك مع الله في السموات السبع فيكون لكم أيضاً بذلك حجة في عبادتكموها فإن من حجتي على إفرادي العبادة لربي لا شريك له في خلقها وأنه المتفرد بخلقها دون كل ما سواه وقوله: (اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَذَا). يقول -تعالى ذكره-: بكتاب ما جاء من عند الله من قبل هذا القرآن الذي أنزل علي بأن ما تعبدون من الآلهة والأوثان خلقوا من الأرض شيئاً أو أن لهم مع الله شركاً في السموات فيكون ذلك حجة لكم على عبادتكم إياها لأنها إذا صح لها ذلك صحّت لها الشركة في النعم التي أنتم فيها ووجب لها عليكم الشكر واستحقت منكم الخدمة لأن ذلك لا يقدر أن يخلقه إلا إلهة اهـ.
стр. 29
وقال ابن كثير في قوله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ). إلى قوله: (فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) [البقرة: ٢٢] ... ومضمونه أنه الخالق الرازق مالك الدار وساكنيها ورازقهم فبهذا يستحق أن يعبد وحده ولا يشرك به غيره اهـ.
وقال البغوي فيها: (اعْبُدُواْ). وحدوا: قال ابن عباس كل ما ورد في القرآن من العبادة فمعناها: التوحيد ... (فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً). أي: أمثالاً تعبدونهم كعبادة الله .. (وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ). أنه واحد خالق هذه الأشياء اهـ.
وقال ابن تيمية: وهذا التوحيد (أي توحيد الألوهية) هو الفارق بين الموحدين والمشركين وعليه يقع الجزاء والثواب في الأولى والآخرة. فمن لم يأت به كان من المشركين الخالدين. فإن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء. أما توحيد الربوبية: فقد أقر به المشركون وكانوا يعبدون مع الله غيره ويحبونهم كما يحبونه فكان ذلك التوحيد الذي هو توحيد الربوبية حجة عليهم فإذا كان الله هو رب كل شيء ومليكه ولا خالق ولا رازق إلا هو فلماذا يعبدون غيره معه وليس له عليهم خلق ولا رزق ولا بيده لهم منع ولا عطاء بل هو عبد مثلهم لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً؟ (١) اهـ.
وقال ابن القيم والإلهية التي دعت الرسل أممهم إلى توحيد الرب بها: هي العبادة والتأله. ومن لوازمها: توحيد الربوبية الذي أقر به المشركون فاحتج الله عليهم به فإنه يلزم من الإقرار به الإقرار بتوحيد الإلهية (٢) اهـ.
وقال محمد بن عبد الوهاب وقد استدل عليهم -سبحانه- بإقرارهم بتوحيد الربوبية على بطلان مذهبهم لأنه إذا كان هو المدبر وحده وجميع من سواه لا يملكون مثقال ذرة فكيف يدعونه ويدعون معه غيره مع إقرارهم بهذا؟ (٣) اهـ.
قلت: فهذه نقول العلماء تنص على أن توحيد الربوبية يستلزم توحيد الإلهية، وأن القرآن قد أقام الحجة على المشركين به. فكما أن ربوبية ما سواه باطلة بإقرارهم فكذلك إلهية ما سواه.
стр. 30
ومن المعلوم أن الإقرار بالربوبية يتضمن: أننا عبيد. والرب مشتق من التربية، والتربية تستلزم التشريع أي: الأوامر والنواهي والحلال والحرام، والتشريع يستلزم البلاغ أي: الإيمان بالرسل، والربوبية تستلزم أيضاً الطاعة وإفراد هذا الرب بالتلقي والتوجه والتأله له وحده لا شريك له، فهذا كله المقصود بقوله -تعالى-: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ). وهنا نكتة قد نبه عليها الشيخ محمد بن عبد الوهاب في هذا المقام فقال فاعلم أن الربوبية والألوهية يجتمعان ويفترقان كما في قوله -تعالى-: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ، مَلِكِ النَّاسِ، إِلَهِ النَّاسِ). وكما يقال: رب العالمين وإله المرسلين، وعند الإفراد يجتمعان كما في قول القائل من ربك ...
إذا ثبت هذا فقول الملكين للرجل في القبر: من ربك؟ معناه من إلهك لأن الربوبية التي أقر بها المشركون ما يمتحن أحد بها وكذلك قوله: (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ) [الحج: ٤٠]. وقوله: (قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِي رَبّاً) [الأنعام: ١٦٤]. وقوله: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا) [فصلت: ٣٠]. فالربوبية في هذا هي الألوهية وليست قسيمة لها كما تكون قسيمة لها عند الاقتران فينبغي التفطن لهذه المسألة (١) اهـ.
قلت: فهذا كلام عالم خبير بمقاصد القرآن وعليه أيضاً يتنزل قوله -تعالى-: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ). أي ألست بإلهكم ويدل على هذا المعنى وينص عليه في بيان ووضوح الحديث الذي في الصحيحين في الرجل من أهل النار الذي يقال له أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهباً أكنت تفتدي به؟ فيقول: نعم. فيقول له المولى: "أردت منك ما هو أهون من هذا وأنت في صلب آدم أن لا تشرك بي فأبيت إلا أن تشرك بي".
قال الحافظ قال عياض: يشير بذلك إلى قوله -تعالى-: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ) الآية. فهذا الميثاق الذي أخذ عليهم في صلب آدم، فمن وفّى به بعد وجوده في الدنيا فهو مؤمن (٢) ومن لم يوف به فهو الكافر فمراد الحديث أردت
стр. 31
منك حين أخذت الميثاق فأبيت إذ أخرجتك إلى الدنيا إلا الشرك (١) اهـ.
فهذا بنص الحديث أن العهد أخذ على بني آدم في التوحيد وترك الشرك بالله في الألوهية والربوبية لعموم قوله: -أن لا تشرك بي- وفي هذا القدر الكفاية لدحض هذه الشبهة التي من استقرأ القرآن صدع له من أول وهلة بطلانها وزيفها.
وقبل أن أختم الحديث عن هذه الآية الكريمة أذكر وجه الجمع بينها وبين قوله -تعالى-: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً). لأن كثيراً من الإخوة الكرام قد يظن أن ثمّ تعارض بينهما.
المبحث الثالث: الميثاق حجة في بطلان الشرك والعذاب عليه بعد الحجة الرسالية:
أقول وبالله تعالى التوفيق: أن الإشهاد الوارد في آية الميثاق هو حجة مستقلة على الناس في الشرك إلا أن المشرك لا يعذب في الدارين إلا بعد إقامة الحجة الرسالية.
فالآية قالت: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ). ولم تقل: وما كنا حاكمين بالشرك حتى نبعث رسولاً، بل إن السلف قد أجمعوا على أن من وقع في الشرك فهو مشرك (٢) في وجود الحجة الرسالية أو في غيبتها والخلاف بينهم هل يستحق المشرك بهذا العذاب وإن لم تقم حجة البلاغ؟ أم لا بد من قيام الحجة؟.
وأكبر دليل على ما سلف فهم السلف لهذه الآية التي بين أيدينا.
يقول الإمام الشنقيطي في قوله -تعالى-: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً). ظاهر هذه الآية: أن الله لا يعذب أحداً من خلقه لا في الدنيا ولا في الآخرة حتى يبعث إليه رسولاً ينذره ويحذره فيعصي ذلك الرسول ويستمر على الكفر والمعصية بعد الإنذار والإعذار وقد أوضح -جل وعلا- هذا المعنى في آيات كثيرة كقوله تعالى: (رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ). (وأخذ يسرد الآيات في هذا المعنى) وهذه
стр. 32
الآيات التي ذكرنا وأمثالها في القرآن تدل على عذر أهل الفترة -بأنهم لم يأتهم نذير- ولو ماتوا على الكفر. وبهذا قال: جماعة من أهل العلم. وذهبت جماعة أخرى من أهل العلم: إلى أن كل من مات على الكفر فهو في النار ولو لم يأته نذير واستدلوا بظواهر آيات من كتاب الله وبأحاديث عن النبي ﷺ فمن الآيات التي استدلوا بها قوله -تعالى: (وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً) [النساء: ١٨]. (وأخذ يذكر الآيات في هذا المقام والأحاديث مثل: إن أبي وأباك في النار) ... إلى غير ذلك من الأحاديث الدالة على عدم عذر المشركين بالفترة وهذا الخلاف مشهور بين أهل الأصول: هل المشركون الذين ماتوا في الفترة وهم يعبدون الأوثان في النار لكفرهم أو معذورون بالفترة؟ وعقده في مراقي السعود بقوله:
ذو فترة بالفرع لا يراع وفي الأصول بينهم نزاع.
وممن ذهب إلى أن أهل الفترة الذين ماتوا على الكفر في النار: النووي في شرح مسلم وحكى عليه القرافي في شرح التنقيح الإجماع كما نقله عنه صاحب "نشر البنود" ... ونسب هذا القول: القرطبي وأبو حيان والشوكاني وغيرهم في تفاسيرهم إلى الجمهور ... قال مفيده عفا الله عنه: الظاهر أن التحقيق في هذه المسألة التي هي: هل يعذر المشركون بالفترة أو لا هو أنهم معذورون بالفترة في الدنيا وأن الله يوم القيامة يمتحنهم بنار يأمرهم باقتحامها فمن اقتحمها دخل الجنة وهو الذي كان يصدق الرسل لو جاءته في الدنيا ومن امتنع دخل النار وعذب فيها وهو الذي كان يكذب الرسل لو جاءته في الدنيا لأن الله يعلم ما كانوا عاملين لو جاءتهم الرسل اهـ.
قلت: انظر رحمك الله إلى اتفاق العلماء على: أن من وقع في الشرك فهو مشرك ولو لم تأته رسالة ولم تقم عليه حجة واختلفوا هل يعذب على هذا في الآخرة أم لا؟: على قولين والراجح: أنه لا يعذب في الدارين إلا بعد قيام الحجة الرسالية.
وفي هذا الموضع ضل فيه كثير من العقول والأفهام لظنها أن قوله -تعالى-: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً). حجة في إعذار من يقع في الشرك بالله، وأنه ما زال مسلماً موحداً مع انغماسه في الشرك وقطعوا بنجاته في الدارين إلا أن تقام عليه الحجة الرسالية.
ويرد على هذا الزعم الباطل هذا البحث الذي بين أيدينا الذي اتفق فيه العلماء: على أن من وقع في الشرك من أهل الفترات الذين هم في غياب عن الشرائع، وفي طموس من
стр. 33
السبل فهو مشرك لنقضه حجية الميثاق والفطرة وأن العقل حجة على هذا، بيد أنهم اختلفوا -على قولين- هل يعذب على هذا أم لا في الدارين؟ وقد اتفق العلماء بلا خلاف بينهم على أنهم لا ينعمون في الآخرة بالجنة لقوله -تعالى-: (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلاَمُ) وقوله تعالى: (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ). وهؤلاء ليسوا بمسلمين، والجنة لا تدخلها إلا نفس مسلمة مؤمنة كما ثبت في الحديث الصحيح، والمشرك فقد حرم الله عليه دخول الجنة لقوله -تعالى-: (إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ).
قال ابن تيمية: فلا ينجون من عذاب الله إلا من أخلص لله دينه وعبادته ودعاه مخلصاً له الدين. ومن لم يشرك به ولم يعبده فهو معطل عن عبادته وعبادة غيره كفرعون وأمثاله فهو أسوأ حالاً من المشرك. فلا بد من عبادة الله وحده وهو واجب على كل أحد فلا يسقط عن أحد البتة، وهو الإسلام العام الذي لا يقبل الله ديناً غيره. ولكن لا يعذب الله أحداً حتى يبعث إليه رسولاً، وكما أنه لا يعذبه فلا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة مؤمنة ولا يدخلها مشرك ولا مستكبر عن عبادة ربه. فمن لم تبلغه الدعوة في الدنيا امتحن في الآخرة ولا يدخل النار إلا من اتبع الشيطان، فمن لا ذنب له لا يدخل النار ولا يعذب الله بالنار أحداً إلا بعد أن يبعث إليه رسولاً فمن لم تبلغه دعوة رسول إليه: كالصغير والمجنون والميت في الفترة المحضة فهذا يمتحن في الآخرة كما جاءت بذلك الآثار (١) اهـ.
قلت: فهذه نصوص العلماء في أهل الفترات الذين لم تقم عليهم حجة البلاغ، وفي وقت فترت فيه الرسالات، وطمست فيه السبل، وانتشر الجهل، وتنسّخ العلم، ولم يكن ثمّ كتاب سماوي يرجعون إليه، أو منتصب للتوحيد يعلمونه منه. ومع هذا اتفق العلماء عن بكرة أبيهم: على أنهم مشركون، واختلفوا في عذابهم -على قولين-.
فلو لم تكن آية الميثاق حجة مستقلة في الإشراك فبأي حجة، حكم العلماء بها عليهم بالشرك؟.
وما الحال إذاً فيمن وقع في الشرك بعد بعثة الرسول ﷺ وكل تراثه محفوظ، وآيات
стр. 34
الله وأحاديث نبيه ﷺ تتلى عليه ليل نهار، والموحدون في كل بيت من بيوتهم؟.
نخلص مما سبق بما يلي:
١ - أن الإشهاد أخذ على بني آدم جميعاً في توحيد الربوبية المستلزم للإلهية وهو الحجة عليه.
٢ - أن آية الميثاق حجة مستقلة في الإشراك وليست بحجة مستقلة في العذاب.
٣ - أن حكم الشرك ثابت قبل الرسالة وهو قبيح مذموم متوعد عليه بعد الحجة الرسالية إن أصر أصحابه عليه بالعذاب في الدارين.
٤ - اتفق العلماء على أن أهل الفترات (١) الذين عبدوا غير الله أنهم مشركون وليسوا بمسلمين لأن الإسلام هو إفراد الله بالعبادة والتأله وخلع عبادة ما سواه كائناً من كان. وأنهم إن ماتوا على ذلك لا يدخلون الجنة لأنه مقصور دخولها على المسلمين المؤمنين (نسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن نكون منهم جميعاً).
٥ - ليس هناك ارتباط بين نفي العذاب وحكم الشرك، فكل معذب في الدارين فهو مشرك كافر، وليس كل مشرك معذب إلا بعد قيام الحجة. فبينهما عموم وخصوص مطلق فانتبه لهذا الأمر جيداً وبالله التوفيق.
المبحث الرابع: التحسين والتقبيح العقلي للأفعال قبل بلوغ الشرائع:
وقبل أن أختم الحديث عن علة ثبوت وصف الشرك قبل بلوغ الحجة أعرض لقضية هي قوية الصلة وشديدة الارتباط بها ليكمل البيان: وهي قضية التحسين والتقبيح العقلي للأفعال قبل بلوغ الشرائع وهناك ثلاث مذاهب في هذه المسألة -طرفان وواسطة-.
المذهب الأول: أن الأفعال يثبت لها وصف القبح والحسن ويترتب عليها العقاب قبل الرسالة.
المذهب الثاني: أن الأفعال لا توصف بحسن ولا قبح ولا يترتب عليها عقاب قبل الشرائع.
стр. 35
المذهب الثالث: وهو -قول جماهير أهل السنة- أن الأفعال توصف بقبح. وبحسن قبل الشرائع والعقاب لا يكون إلا بعد إقامة الحجة.
قال ابن تيمية وأيضاً: فالاستغفار والتوبة مما فعله وتركه في حال الجهل قبل أن يعلم أن هذا قبيح من السيئات، وقبل أن يرسل إليه رسول، وقبل أن تقوم عليه الحجة، فإنه -سبحانه- قال: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً). وقد قال طائفة من أهل الكلام والرأي: إن هذا في الواجبات الشرعية غير العقلية، كما يقوله من يقول من المعتزلة وغيرهم من أصحاب أبي حنيفة وغيرهم مثل أبي الخطاب وغيره. على أن الآية عامة لا يعذب الله أحداً إلا بعد رسول. وفيها دليل على أنه لا يعذب إلا بذنب خلافاً لما يقوله المجبرة أتباع جهم: أنه -تعالى- يعذب بلا ذنب، وقد تبعه طائفة تنتسب إلى السنة كالأشعري وغيره وهو قول القاضي أبي يعلى وغيره ... وقوله (١): (كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ ...). وما فعلوه قبل مجيء الرسل كان سيئاً وقبيحاً وشراً لكن لا تقوم عليهم الحجة إلا بالرسول. هذا قول الجمهور.
وقيل: إنه لا يكون قبيحاً إلا بالنهي وهو قول من لا يثبت حسناً ولا قبيحاً إلا بالأمر والنهي، كقول: جهم والأشعري ومن تابعه من المنتسبين إلى السنة وأصحاب مالك والشافعي وأحمد: كالقاضي أبي يعلى وأبي الوليد الباجي وأبي المعالي الجويني وغيرهم.
والجمهور من السلف والخلف على أن ما كانوا فيه قبل مجيء الرسول من الشرك والجاهلية كان شيئاً قبيحاً وكان شراً، لكن لا يستحقون العذاب إلا بعد مجيء الرسول، ولهذا كان للناس في الشرك والظلم والكذب والفواحش ونحو ذلك ثلاثة أقوال: قيل: إن قبحها معلوم بالعقل وأنهم يستحقون العذاب على ذلك في الآخرة وإن لم يأتهم رسول كما يقوله: المعتزلة وكثير من أصحاب أبي حنيفة وحكوه، عن أبي حنيفة نفسه، وهو قول أبي الخطاب وغيره. وقيل لا قبح ولا حسن ولا شر فيهما قبل الخطاب وإنما القبيح ما قيل فيه: لا تفعل والحسن ما قيل فيه: افعل، أو ما أذن في فعله كما تقوله الأشعرية ومن وافقهم من الطوائف الثلاث. وقيل: إن ذلك سيء وشر وقبيح قبل مجيء الرسول لكن العقوبة إنما تستحق بمجيء الرسول وعلى هذا عامة السلف وأكثر المسلمين وعليه يدل الكتاب والسنة فإن فيهما بيان أن ما عليه
стр. 36
الكفّار هو شر وقبيح وسيء قبل الرسل وإن كانوا لا يستحقون العقوبة إلا بالرسول. وفي الصحيح أن حذيفة قال: يا رسول الله ﷺ إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: "نعم دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها". وقد أخبر الله تعالى: عن قبح أعمال الكفار قبل أن يأتهم الرسول كقوله لموسى: (اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى) .... وقال: (... إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ ...) إلى قوله: (... إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ). فهذا خبر عن حاله قبل أن يولد موسى وحين كان صغيراً قبل أن يأتيه برسالة أنه كان طاغياً مُفسداً قال -تعالى-: (...
يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ). وهو فرعون فهو إذا ذاك عدو الله ولم يكن جاءته الرسالة بعد. وأيضاً أمر الله الناس أن يتوبوا ويستغفروا مما فعلوه فلو كان: كالمباح المستوى الطرفين والمعفو عنه وكفعل الصبيان والمجانين، ما أمر بالاستغفار والتوبة. فعلم أنه كان من السيئات القبيحة لكن الله لا يعاقب إلا بعد قيام الحجة وهذا كقوله -تعالى-: (الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ، أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللهَ إِنَّنِي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ، وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ ...). وقوله -تعالى-: (... أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ). وقال: (إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ). -إلى قوله-: (أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ، يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ ...). فدل: على أنها كانت ذنوباً قبل إنذاره إياهم. وقال عن هود: (وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ). -إلى قوله-: (وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ). فأخبر: في أول خطابه أنهم مفترون بأكثر الذين كانوا عليه كما قال لهم في الآية الأخرى: (أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤكُم) ... وكذلك قال لوط لقومه: (أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن الْعَالَمِينَ). فدل: على أنها كانت فاحشة عندهم قبل أن ينهاهم، بخلاف من يقول: ما كانت فاحشة ولا قبيحة ولا سيئة حتى نهاهم عنها ... وهكذا إبراهيم الخليل قال: (... يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً).
فهذا توبيخ على فعله قبل النهي وقال أيضاً: (... إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً). فأخبر: أنهم يخلقون إفكاً قبل النهي وكذلك قول الخليل لقومه: (مَاذَا تَعْبُدُونَ، أَئِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ). فهذا كله يبين قبح ما كانوا عليه قبل النهي وقبل إنكاره عليهم ...
стр. 37
فلولا أن حسن التوحيد وعبادة الله -تعالى- وحده لا شريك له وقبح الشرك ثابت في نفس الأمر معلوم بالعقل لم يخاطبهم بهذا إذ كانوا لم يفعلوا شيئاً يذمون عليه بل كان فعلهم كأكلهم وشربهم وإنما كان قبيحاً بالنهي، ومعنى قبحه: كونه منهياً عنه، لا لمعنى فيه، كما تقوله: المجبرة. وأيضاً ففي القرآن في مواضع كثيرة يبين لهم قبح ما هم عليه من الشرك وغيره بالأدلة العقلية ويضرب لهم الأمثال ... وقد قال -تعالى-: (أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوءاً بِجَهَالَةٍ ...). وقال: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ ...). وقال: (ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ). فهذا وإن كان قال الصحابة والتابعون: إن كل عاص فهو جاهل كما قد بسط في موضع آخر فهو متناول لمن (١) يكون علم التحريم أيضاً فدل: على أنه يكون عاملاً سوءاً وإن كان لم يسمع الخطاب المبين المنهي عنه، وأن يتوب من ذلك فيغفر الله له ويرحمه، وإن كان لا يستحق العقاب إلا بعد بلوغ الخطاب وقيام الحجة.
وإذا كانت التوبة والاستغفار تكون من ترك الواجبات وتكون مما لم يكن عُلم أنه ذنب نبين كثرة ما يدخل في التوبة والاستغفار فإن كثيراً من الناس إذا ذكرت التوبة والاستغفار يستشعر قبائح قد فعلها بالعلم العام أنها قبيحة: كالفاحشة والظلم الظاهر: فأما ما قد يتخذ ديناً فلا يعلم أنه ذنب إلا من علم أنه باطل كدين المشركين وأهل الكتاب المبدل فإنه مما تجب التوبة والاستغفار منه وأهله يحسبون أنهم على هدى وكذلك البدع كلها ...
فهذا القسم الذي لا يعلم فاعلوه قبحه قسم كثير من أهل القبلة وهو في غيرهم عام وكذلك ما يترك الإنسان من واجبات لا يعلم وجوبها كثيرة جداً ثم إذا علم ما كان قد تركه من الحسنات من التوحيد والإيمان وما كان مأموراً بالتوبة منه والاستغفار مما كان سيئة والتائب يتوب مما تركه، وضيعه، وفرط فيه من حقوق الله تعالى، كما يتوب مما فعله من السيئات. وإن كان قد فعل هذا وترك هذا قبل الرسالة فبالرسالة يستحق العقاب على ترك هذا وفعل هذا. وإلا فكونه فاعلاً للسيئات المذمومة وتاركاً للحسنات التي يذم تاركها كان تائباً قبل ذلك كما تقدم، وذكرنا "القولين" قول من نفى الذم والعقاب، وقول من أثبت الذم والعقاب.
стр. 38
فإن قيل: إذا لم يكن معاقباً عليها فلا معنى لقبحها، قيل: بل فيه معنيان (أحدهما): أنه سبب للعقاب، لكن هو متوقف على الشرط وهو الحجة: (وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا). فلولا إنقاذه لسقطوا ومن كان واقفاً على شفير فهلك، فهلاكه موقوف على سقوطه بخلاف ما إذا بان وبعد عن ذلك فقد بعد عن الهلاك. فأصحابها كانوا قريبين إلى الهلاك والعذاب.
(الثاني): أنهم مذمومون منقوصون معيبون، فدرجتهم منخفضة بذلك، ولا بد ولو قدر أنهم لم يعذبوا لا يستحقون ما يستحقه السليم من ذلك من كرامته أيضاً وثوابه، فهذه عقوبة بحرمان خير، وهي أحد نوعي العقوبة -إلى أن قال في ص: ٦٩٠ - : وقد جمع الله بين التوحيد والاستغفار في غير موضع كقوله -سبحانه-: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ). فالمؤمنون يستغفرون مما كانوا تاركيه قبل الإسلام من توحيد الله وعبادته، وإن كان ذلك لم يأتهم به رسول بعد كما تقدم (١) اهـ.
وقال أيضاً ﵀: وقد فرق الله بين ما قبل الرسالة وما بعدها في أسماء وأحكام، وجمع بينهما في أسماء وأحكام، وذلك حجة على: الطائفتين على من قال: إن الأفعال ليس فيها حسن ولا قبح، ومن قال: أنهم يستحقون العذاب على القولين.
أما الأول فإنه سماهم ظالمين وطاغين ومفسدين، لقوله: (اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى). وقوله: (وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ...)، وقوله: (... إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ). فأخبر: أنه ظالم، وطاغ، ومفسد هو وقومه، وهذه أسماء ذم الأفعال، والذم إنما يكون في الأفعال السيئة القبيحة، فدل ذلك على أن الأفعال تكون قبيحة مذمومة قبل مجيء الرسول إليهم، لا يستحقون العذاب إلا بعد إتيان الرسول إليهم، لقوله: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً). وكذلك أخبر عن هود أنه قال لقومه: (... إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ). فجعلهم مفترين قبل أن يحكم بحكم يخالفونه، لكونهم جعلوا مع الله إلهاً آخر.
فاسم المشرك ثبت قبل الرسالة، فإنه يشرك بربه، ويعدل به، ويجعل معه آلهة أخرى، ويجعل له أنداداً قبل الرسول، ويثبت أن هذه الأسماء مقدم عليها، وكذلك اسم الجهل والجاهلية، يقال: جاهلية وجاهلاً قبل مجيء الرسول، وأما التعذيب فلا، والتولي عن الطاعة
стр. 39
كقوله: (فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى، وَلَكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى). فهذا لا يكون إلا بعد الرسول، مثل قوله عن فرعون (فَكَذَّبَ وَعَصَى) كان هذا بعد مجيء الرسول إليه كما قال -تعالى-: (فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى، فَكَذَّبَ وَعَصَى). وقال: (فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ) (١). اهـ.
وقال ابن القيم (٢): إذ ههنا أمران متغايران أن لا تلازم بينهما أحدهما: هل الفعل نفسه مشتمل على صفة اقتضت حسنه وقبحه بحيث ينشأ الحسن والقبح منه، فيكون منشأ لهما أم لا؟.
والثاني: أن الثواب المرتب على حسن الفعل، والعقاب المترتب على قبحه ثابت، بل واقع بالعقل، أم لا يقع إلا بالشرع؟ ....
والحق الذي لا يجد التناقض إليه السيل: أنه لا تلازم بينهما، وأن الأفعال في نفسها حسنة وقبيحة، كما أنها نافعة وضارة ...
لكن لا يترتب عليهما ثواب ولا عقاب، إلا بالأمر والنهي. وقبل ورود الأمر والنهي لا يكون قبيحاً موجباً للعقاب مع قبحه في نفسه، بل هو في غاية القبح، والله لا يعاقب عليه إلا بعد إرسال الرسل. فالسجود للشيطان والأوثان والكذب والزنا والظلم، والفواحش كلها قبيحة في ذاتها، والعقاب عليها مشروط بالشرع.
فالنفاة يقولون: ليست في ذاتها قبيحة، وقبحها والعقاب عليها، إنما ينشأ بالشرع.
والمعتزلة تقول: قبحها، والعقاب عليها ثابتان بالعقل.
وكثير من الفقهاء، والطوائف الأربع يقولون: قبحها ثابت بالعقل، والعقاب متوقف على ورود الشرع. وهذا الذي ذكره: سعد بن علي الزنجاني من الشافعية، وأبو الخطاب من الحنابلة، وذكره الحنبلية، وحكوه عن أبي حنيفة نصاً، لكن المعتزلة منهم يصرحون: بأن العقاب ثابت بالعقل.
وقد دل القرآن على أنه لا تلازم من الأمرين، وأنه لا يعاقب إلا بإرساله الرسل، وأن الفعل نفسه حسن وقبيح، ونحن نبين دلالته على الأمرين.
стр. 40
أما الأول: ففي قوله تعالى: (رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) (١) ... (ذَلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ) (٢). وعلى أحد القولين، وهو أن يكون المعنى: لم يهلكهم بظلمهم قبل إرسال الرسل، فتكون الآية دالة على الأصلين: أن أفعالهم وشركهم ظلم قبيح قبل البعثة، وأنه لا يعاقبهم عليه إلا بعد إرسال الرسل، وتكون هذه الآية في دلالتها على الأمرين نظير الآية التي في القصص: (وَلَوْلَا أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (٣). فهذا يدل: على أن ما قدمت أيديهم سبب لنزول المصيبة بهم، ولولا قبحه لم يكن سبباً، لكن امتنع إصابة المصيبة لانتفاء شرطها، وهو عدم مجيء الرسول إليهم، فمذ جاء الرسول انعقد السبب ووجد الشرط، فأصابهم سيئات ما عملوا وعوقبوا بالأول والآخر.
وأما الأصل الثاني: وهو دلالته على أن الفعل في نفسه حسن وقبيح، فكثيرة جداً ...
فكون ذلك فاحشة وإثماً وبغياً بمنزلة: كون الشرك شركاً، فهو شرك في نفسه قبل النهي وبعده.
فمن قال: إن الفاحشة والقبائح والآثام إنما صارت كذلك بعد النهي. فهو بمنزلة من يقول: الشرك إنما صار شركاً بعد النهي وليس شركاً قبل ذلك.
[إلى أن قال في ص: ٢٥٣]: وكذلك إنكاره سبحانه قبح الشرك به في إلهيته، وعبادة غيره معه بما ضر به لهم من الأمثال، وأقام على بطلانه من الأدلة العقلية، ولو كان إنما قبح بالشرع لم يكن لتلك الأدلة والأمثال معنى، وعند نفاة التحسين والتقبيح يجوز في العقل أن يأمر بالإشراك وبعبادة غيره، وإنما علم قبحه بمجرد النهي عنه، فيا عجباً! أي فائدة تبقى في تلك الأمثال والحجج والبراهين الدالة على قبحه في صريح العقل والفطرة! وأنه أقبح القبيح وأظلم الظلم؟ وأي شيء يصح في العقل إذا لم يكن فيه علم بقبح الشرك الذاتي، وأن العلم بقبحه بديهي معلوم بضرورة العقل، وأن الرسل نبهوا الأمم على ما في عقولهم وفطرهم من قبحه ...