الكفّار هو شر وقبيح وسيء قبل الرسل وإن كانوا لا يستحقون العقوبة إلا بالرسول. وفي الصحيح أن حذيفة قال: يا رسول الله ﷺ إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: "نعم دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها". وقد أخبر الله تعالى: عن قبح أعمال الكفار قبل أن يأتهم الرسول كقوله لموسى: (اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى) .... وقال: (... إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ ...) إلى قوله: (... إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ). فهذا خبر عن حاله قبل أن يولد موسى وحين كان صغيراً قبل أن يأتيه برسالة أنه كان طاغياً مُفسداً قال -تعالى-: (...
يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ). وهو فرعون فهو إذا ذاك عدو الله ولم يكن جاءته الرسالة بعد. وأيضاً أمر الله الناس أن يتوبوا ويستغفروا مما فعلوه فلو كان: كالمباح المستوى الطرفين والمعفو عنه وكفعل الصبيان والمجانين، ما أمر بالاستغفار والتوبة. فعلم أنه كان من السيئات القبيحة لكن الله لا يعاقب إلا بعد قيام الحجة وهذا كقوله -تعالى-: (الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ، أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللهَ إِنَّنِي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ، وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ ...). وقوله -تعالى-: (... أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ). وقال: (إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ). -إلى قوله-: (أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ، يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ ...). فدل: على أنها كانت ذنوباً قبل إنذاره إياهم. وقال عن هود: (وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ). -إلى قوله-: (وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ). فأخبر: في أول خطابه أنهم مفترون بأكثر الذين كانوا عليه كما قال لهم في الآية الأخرى: (أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤكُم) ... وكذلك قال لوط لقومه: (أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن الْعَالَمِينَ). فدل: على أنها كانت فاحشة عندهم قبل أن ينهاهم، بخلاف من يقول: ما كانت فاحشة ولا قبيحة ولا سيئة حتى نهاهم عنها ... وهكذا إبراهيم الخليل قال: (... يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً).
فهذا توبيخ على فعله قبل النهي وقال أيضاً: (... إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً). فأخبر: أنهم يخلقون إفكاً قبل النهي وكذلك قول الخليل لقومه: (مَاذَا تَعْبُدُونَ، أَئِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ). فهذا كله يبين قبح ما كانوا عليه قبل النهي وقبل إنكاره عليهم ...
стр. 37
فلولا أن حسن التوحيد وعبادة الله -تعالى- وحده لا شريك له وقبح الشرك ثابت في نفس الأمر معلوم بالعقل لم يخاطبهم بهذا إذ كانوا لم يفعلوا شيئاً يذمون عليه بل كان فعلهم كأكلهم وشربهم وإنما كان قبيحاً بالنهي، ومعنى قبحه: كونه منهياً عنه، لا لمعنى فيه، كما تقوله: المجبرة. وأيضاً ففي القرآن في مواضع كثيرة يبين لهم قبح ما هم عليه من الشرك وغيره بالأدلة العقلية ويضرب لهم الأمثال ... وقد قال -تعالى-: (أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوءاً بِجَهَالَةٍ ...). وقال: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ ...). وقال: (ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ). فهذا وإن كان قال الصحابة والتابعون: إن كل عاص فهو جاهل كما قد بسط في موضع آخر فهو متناول لمن (١) يكون علم التحريم أيضاً فدل: على أنه يكون عاملاً سوءاً وإن كان لم يسمع الخطاب المبين المنهي عنه، وأن يتوب من ذلك فيغفر الله له ويرحمه، وإن كان لا يستحق العقاب إلا بعد بلوغ الخطاب وقيام الحجة.
وإذا كانت التوبة والاستغفار تكون من ترك الواجبات وتكون مما لم يكن عُلم أنه ذنب نبين كثرة ما يدخل في التوبة والاستغفار فإن كثيراً من الناس إذا ذكرت التوبة والاستغفار يستشعر قبائح قد فعلها بالعلم العام أنها قبيحة: كالفاحشة والظلم الظاهر: فأما ما قد يتخذ ديناً فلا يعلم أنه ذنب إلا من علم أنه باطل كدين المشركين وأهل الكتاب المبدل فإنه مما تجب التوبة والاستغفار منه وأهله يحسبون أنهم على هدى وكذلك البدع كلها ...
فهذا القسم الذي لا يعلم فاعلوه قبحه قسم كثير من أهل القبلة وهو في غيرهم عام وكذلك ما يترك الإنسان من واجبات لا يعلم وجوبها كثيرة جداً ثم إذا علم ما كان قد تركه من الحسنات من التوحيد والإيمان وما كان مأموراً بالتوبة منه والاستغفار مما كان سيئة والتائب يتوب مما تركه، وضيعه، وفرط فيه من حقوق الله تعالى، كما يتوب مما فعله من السيئات. وإن كان قد فعل هذا وترك هذا قبل الرسالة فبالرسالة يستحق العقاب على ترك هذا وفعل هذا. وإلا فكونه فاعلاً للسيئات المذمومة وتاركاً للحسنات التي يذم تاركها كان تائباً قبل ذلك كما تقدم، وذكرنا "القولين" قول من نفى الذم والعقاب، وقول من أثبت الذم والعقاب.
стр. 38
فإن قيل: إذا لم يكن معاقباً عليها فلا معنى لقبحها، قيل: بل فيه معنيان (أحدهما): أنه سبب للعقاب، لكن هو متوقف على الشرط وهو الحجة: (وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا). فلولا إنقاذه لسقطوا ومن كان واقفاً على شفير فهلك، فهلاكه موقوف على سقوطه بخلاف ما إذا بان وبعد عن ذلك فقد بعد عن الهلاك. فأصحابها كانوا قريبين إلى الهلاك والعذاب.
(الثاني): أنهم مذمومون منقوصون معيبون، فدرجتهم منخفضة بذلك، ولا بد ولو قدر أنهم لم يعذبوا لا يستحقون ما يستحقه السليم من ذلك من كرامته أيضاً وثوابه، فهذه عقوبة بحرمان خير، وهي أحد نوعي العقوبة -إلى أن قال في ص: ٦٩٠ - : وقد جمع الله بين التوحيد والاستغفار في غير موضع كقوله -سبحانه-: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ). فالمؤمنون يستغفرون مما كانوا تاركيه قبل الإسلام من توحيد الله وعبادته، وإن كان ذلك لم يأتهم به رسول بعد كما تقدم (١) اهـ.
وقال أيضاً ﵀: وقد فرق الله بين ما قبل الرسالة وما بعدها في أسماء وأحكام، وجمع بينهما في أسماء وأحكام، وذلك حجة على: الطائفتين على من قال: إن الأفعال ليس فيها حسن ولا قبح، ومن قال: أنهم يستحقون العذاب على القولين.
أما الأول فإنه سماهم ظالمين وطاغين ومفسدين، لقوله: (اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى). وقوله: (وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ...)، وقوله: (... إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ). فأخبر: أنه ظالم، وطاغ، ومفسد هو وقومه، وهذه أسماء ذم الأفعال، والذم إنما يكون في الأفعال السيئة القبيحة، فدل ذلك على أن الأفعال تكون قبيحة مذمومة قبل مجيء الرسول إليهم، لا يستحقون العذاب إلا بعد إتيان الرسول إليهم، لقوله: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً). وكذلك أخبر عن هود أنه قال لقومه: (... إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ). فجعلهم مفترين قبل أن يحكم بحكم يخالفونه، لكونهم جعلوا مع الله إلهاً آخر.
فاسم المشرك ثبت قبل الرسالة، فإنه يشرك بربه، ويعدل به، ويجعل معه آلهة أخرى، ويجعل له أنداداً قبل الرسول، ويثبت أن هذه الأسماء مقدم عليها، وكذلك اسم الجهل والجاهلية، يقال: جاهلية وجاهلاً قبل مجيء الرسول، وأما التعذيب فلا، والتولي عن الطاعة
стр. 39
كقوله: (فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى، وَلَكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى). فهذا لا يكون إلا بعد الرسول، مثل قوله عن فرعون (فَكَذَّبَ وَعَصَى) كان هذا بعد مجيء الرسول إليه كما قال -تعالى-: (فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى، فَكَذَّبَ وَعَصَى). وقال: (فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ) (١). اهـ.
وقال ابن القيم (٢): إذ ههنا أمران متغايران أن لا تلازم بينهما أحدهما: هل الفعل نفسه مشتمل على صفة اقتضت حسنه وقبحه بحيث ينشأ الحسن والقبح منه، فيكون منشأ لهما أم لا؟.
والثاني: أن الثواب المرتب على حسن الفعل، والعقاب المترتب على قبحه ثابت، بل واقع بالعقل، أم لا يقع إلا بالشرع؟ ....
والحق الذي لا يجد التناقض إليه السيل: أنه لا تلازم بينهما، وأن الأفعال في نفسها حسنة وقبيحة، كما أنها نافعة وضارة ...
لكن لا يترتب عليهما ثواب ولا عقاب، إلا بالأمر والنهي. وقبل ورود الأمر والنهي لا يكون قبيحاً موجباً للعقاب مع قبحه في نفسه، بل هو في غاية القبح، والله لا يعاقب عليه إلا بعد إرسال الرسل. فالسجود للشيطان والأوثان والكذب والزنا والظلم، والفواحش كلها قبيحة في ذاتها، والعقاب عليها مشروط بالشرع.
فالنفاة يقولون: ليست في ذاتها قبيحة، وقبحها والعقاب عليها، إنما ينشأ بالشرع.
والمعتزلة تقول: قبحها، والعقاب عليها ثابتان بالعقل.
وكثير من الفقهاء، والطوائف الأربع يقولون: قبحها ثابت بالعقل، والعقاب متوقف على ورود الشرع. وهذا الذي ذكره: سعد بن علي الزنجاني من الشافعية، وأبو الخطاب من الحنابلة، وذكره الحنبلية، وحكوه عن أبي حنيفة نصاً، لكن المعتزلة منهم يصرحون: بأن العقاب ثابت بالعقل.
وقد دل القرآن على أنه لا تلازم من الأمرين، وأنه لا يعاقب إلا بإرساله الرسل، وأن الفعل نفسه حسن وقبيح، ونحن نبين دلالته على الأمرين.
стр. 40
أما الأول: ففي قوله تعالى: (رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) (١) ... (ذَلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ) (٢). وعلى أحد القولين، وهو أن يكون المعنى: لم يهلكهم بظلمهم قبل إرسال الرسل، فتكون الآية دالة على الأصلين: أن أفعالهم وشركهم ظلم قبيح قبل البعثة، وأنه لا يعاقبهم عليه إلا بعد إرسال الرسل، وتكون هذه الآية في دلالتها على الأمرين نظير الآية التي في القصص: (وَلَوْلَا أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (٣). فهذا يدل: على أن ما قدمت أيديهم سبب لنزول المصيبة بهم، ولولا قبحه لم يكن سبباً، لكن امتنع إصابة المصيبة لانتفاء شرطها، وهو عدم مجيء الرسول إليهم، فمذ جاء الرسول انعقد السبب ووجد الشرط، فأصابهم سيئات ما عملوا وعوقبوا بالأول والآخر.
وأما الأصل الثاني: وهو دلالته على أن الفعل في نفسه حسن وقبيح، فكثيرة جداً ...
فكون ذلك فاحشة وإثماً وبغياً بمنزلة: كون الشرك شركاً، فهو شرك في نفسه قبل النهي وبعده.
فمن قال: إن الفاحشة والقبائح والآثام إنما صارت كذلك بعد النهي. فهو بمنزلة من يقول: الشرك إنما صار شركاً بعد النهي وليس شركاً قبل ذلك.
[إلى أن قال في ص: ٢٥٣]: وكذلك إنكاره سبحانه قبح الشرك به في إلهيته، وعبادة غيره معه بما ضر به لهم من الأمثال، وأقام على بطلانه من الأدلة العقلية، ولو كان إنما قبح بالشرع لم يكن لتلك الأدلة والأمثال معنى، وعند نفاة التحسين والتقبيح يجوز في العقل أن يأمر بالإشراك وبعبادة غيره، وإنما علم قبحه بمجرد النهي عنه، فيا عجباً! أي فائدة تبقى في تلك الأمثال والحجج والبراهين الدالة على قبحه في صريح العقل والفطرة! وأنه أقبح القبيح وأظلم الظلم؟ وأي شيء يصح في العقل إذا لم يكن فيه علم بقبح الشرك الذاتي، وأن العلم بقبحه بديهي معلوم بضرورة العقل، وأن الرسل نبهوا الأمم على ما في عقولهم وفطرهم من قبحه ...
стр. 41
والقرآن مملوء بهذا (أي الاحتجاج بالأمثلة العقلية على بطلان الشرك والفواحش) لمن تدبره كقوله تعالى: (ضَرَبَ لَكُم مَّثَلاً مِنْ أَنفُسِكُمْ هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن شُرَكَاء فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاء تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) [الروم: ٢٨]. يحتج سبحانه عليهم بما في عقولهم من قبح: كون مملوك أحدهم شريكاً له. فإذا كان أحدكم يستقبح أن يكون مملوكه شريكه ولا يرضى بذلك. فكيف تجعلون لي من عبيدي شركاء تعبدونهم كعبادتي؟
وهذا يبين أن أن قبح عبادة غير الله تعالى مستقر في العقول والفطر. والسمع نبه العقول وأرشدها إلى معرفة ما أودع فيها من قبح ذلك.
وكذلك قوله تعالى: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَاء مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) [الزمر: ٢٩].
احتج سبحانه: على قبح الشرك بما تعرفه العقول من الفرق بين: حال مملوك يملكه أرباب متعاصرون سيئوا الملكة، وحال عبد يملكه سيد واحد قد سلم كله له.
فهل يصح في العقول استواء حال العبدين؟ فكذلك حال المشرك والموحد الذي قد سلمت عبوديته لإلهه الحق لا يستويان (١) اهـ.
وقال أيضاً ﵀ في نفس المسألة: (وَلَوْلَا أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً ...). فأخبر -تعالى- أن ما قدمت أيديهم قبل البعثة سبب لإصابتهم بالمصيبة وأنه -سبحانه- لو أصابهم بما يستحقون من ذلك لاحتجوا عليه بأنه لم يرسل إليهم رسولاً، ولم ينزل عليهم كتاباً، فقطع هذه الحجة بإرسال الرسول وإنزال الكتاب لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، وهذا صريح في أن أعمالهم قبل البعثة كانت قبيحة بحيث استحقوا أن يصيبوا بها المصيبة، ولكنه -سبحانه- لا يعذب إلا بعد إرسال الرسل، وهذا هو فصل الخطاب -إلى أن قال في ص: ١١ - في قوله تعالى: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ) أي: لو كان في السموات والأرض آلهة تعبد غير الله لفسدتا وبطلتا، ولم يقل: أرباب بل قال: آلهة.
стр. 42
والإله: هو المعبود المألوه، وهذا يدل: على أنه من الممتنع المستحيل عقلاً أن يشرع الله عبادة غيره أبداً، وأنه لو كان معه معبود سواه لفسدت السموات والأرض.
فقبح عبادة غيره قد استقر في النظر والعقول وإن لم يرد النبي عنه شرع، بل العقل يدل على أنه: أقبح القبيح على الإطلاق وأنه من المحال أن يشرعه الله قط.
فصلاح العالم في أن يكون: الله وحده هو المعبود، وفساده وهلاكه في أن: يعبد مع غيره، ومحال أن يشرع لعباده ما فيه فساد العالم وهلاكه بل هو المنزه عن ذلك.
[إلى أن قال في ص: ١٢] وقوله تعالى: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ، فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ) فنزه نفسه سبحانه وباعدها عن هذا الحسبان وأنه يتعالى عنه ولا يليق به لقبحه ولمنافاته لحكمته وملكه وإلهيته.
أفلا ترى: كيف ظهر في العقل الشهادة بدينه وشرعه وبثوابه وعقابه، وهذا يدل: على إثبات المعاد بالعقل كما يدل: على إثباته بالسمع وكذلك دينه وأمره وما بعث به رسله هو ثابت في العقول جملة ثم علم بالوحي فقد تطابقت شهادة العقل والوحي على توحيده وشرعه والتصديق بوعده ووعيده، وأنه سبحانه دعا عباده على ألسنة رسله إلى ما وضع في العقول حسنه والتصديق به جملة فجاء الوحي مفصلاً مبيناً ومقرراً ومذكراً لما هو مركوز في الفطر والعقول إلى أن قال: في ص: ٣٩. والتحقيق في هذا أن سبب العقاب قائم قبل البعثة ولكن لا يلزم من وجود سبب العذاب حصوله، لأن هذا السبب قد نصب الله -تعالى- له شرطاً وهو بعثة الرسل، وانتفاء التعذيب قبل البعثة، هو لانتفاء شرطه لا لعدم سببه، ومقتضيه وهذا هو فصل الخطاب في هذا المقام (١) اهـ.
قلت: فمن آية الميثاق وما ترتب عليها من أحكام ومن هذا البحث في قضية تحسين وتقبيح الأفعال قبل الرسالة نخرج بما يلي:
أن حكم واسم الشرك ثابت قبل الرسالة والعلم والبيان، وأن الحجة عليه: العقل وآية الميثاق والآيات الكونية التي تدل على الوحدانية والفطرة التي فطر الله -جل ثناؤه- العباد عليها.
стр. 43
وأن الشرك قبل الرسالة: مذموم معيب منقوص أصحابه، وأنهم على خطر عظيم وعلى شفا حفرة من النيران لأنه ظلم عظيم وسبب للعذاب، غير أنه موقوف على شرط آخر وهو: الحجة الرسالية -وهذا من فضل الله ورحمته بعباده-.
أي: أن القوم قبل البعثة وإقامة الحجة، معذورون في أحكام، وغير معذورين في أحكام أخرى.
معذورون في أنهم لا يعذبون في الدنيا والآخرة، حتى تقام عليهم الحجة الرسالية -وهذا من رحمة الله وفضله-.
وغير معذورين في اقترافهم الشرك وما ينبني عليه من أحكام مثل: عدم دفنهم في مقابر المسلمين، ولا الصلاة عليهم، وعدم القيام على قبورهم والاستغفار لهم، ولا تؤكل ذبائحهم، ولا تنكح نساؤهم، ولا يدخلون الجنة، وهو أعظمها من الأحكام.
قال ابن تيمية: والتذكير العام المطلق ينفع فإن من الناس من يتذكر فينتفع به، والآخر تقوم عليه الحجة ويستحق العذاب على ذلك، فيكون عبرة لغيره فيحصل بتذكيره نفع أيضاً، لأنه بتذكيره تقوم عليه الحجة، فتجوز عقوبته بعد هذا بالجهاد وغيره، فتحصل بالذكرى منفعة فكل تذكير ذكر به النبي، ﷺ ، المشركين، حصل به نفع في الجملة وإن كان النفع للمؤمنين الذين قبلوه واعتبروا به وجاهدوا المشركين الذين قامت عليهم الحجة (١) اهـ.
أي أن القتال والجهاد للمشركين لا يكون إلا بعد إقامة الحجة وهم قبلها مشركون.
وقال أيضاً: فإنه إذا ذكّر قامت الحجة على الجميع. والأشقى الذي تجنبها حصل بتذكيره قيام الحجة عليه واستحقاقه لعذاب الدنيا والآخرة (٢) اهـ.
وقال: والكفر بعد قيام الحجة موجب للعذاب، وقبل ذلك ينقص النعمة ولا يزيد (٣) اهـ.
قلت: هذا نص في إثبات الكفر قبل الحجة، لكنه غير موجب للعذاب.
стр. 44
وقال ﵀: "فلا ينجون من عذاب الله، إلا من أخلص لله دينه وعبادته ودعاه مخلصاً له الدين، ومن لم يشرك به ولم يعبده، فهو معطل عن عبادته وعبادة غيره، كفرعون وأمثاله، فهو أسوأ حالاً من المشرك، فلا بد من عبادة الله وحده، وهذا واجب على كل أحد، فلا يسقط عن أحد البتة، وهو الإسلام العام الذي لا يقبل الله ديناً غيره، ولكن لا يعذب الله أحداً حتى يبعث إليه رسولاً، وكما أنه لا يعذبه فلا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة مؤمنة، ولا يدخلها مشرك ولا مستكبر عن عبادة ربه. فمن لم تبلغه الدعوة في الدنيا امتحن في الآخرة، ولا يدخل النار إلا من اتبع الشيطان، فمن لا ذنب له لا يدخل النار، ولا يعذب الله بالنار أحداً إلا بعد أن يبعث إليه رسولاً، فمن لم تبلغه دعوة رسول إليه، كالصغير، والمجنون، والميت، في الفترة المحضة، فهذا يمتحن في الآخرة كما جاءت بذلك الآثار (١) اهـ.
قلت: من هذا النقل أن المشرك لا يدخل الجنة وإن كان جاهلاً، ولم تأته رسالة. لأن الجنة لا تدخلها إلا نفس مسلمة مؤمنة، والإسلام: هو إخلاص الدين لله. والمشرك لم يخلص دينه لله.
وهذه الأحكام عامة في كل بني آدم، لم يخصص منها قوم دون قوم، لأن الميثاق أخذ عليهم جميعاً، فأي: قوم وإن كانوا ينتسبون إلى دين ورسالة وكتاب، غير أنهم واقعون في الشرك مع الجهل والتأويل، فإنهم تجرى عليهم هذه الأحكام وإن كانوا من أمة محمد، ﷺ ، أو من أهل الكتاب.
قال ابن تيمية نعم قد يشكل على كثير من الناس نصوص لا يفهمونها، فتكون مشكلة بالنسبة إليهم لعجز فهمهم عن معانيها. ولا يجوز أن يكون في القرآن ما يخالف صريح العقل والحس إلاّ وفي القرآن بيان معناه، فإن القرآن جعله الله شفاءاً لما في الصدور، وبياناً للناس، فلا يجوز أن يكون بخلاف ذلك، لكن قد تخفى آثار الرسالة في بعض الأمكنة والأزمنة حتى لا يعرفون ما جاء به الرسول ﷺ إما أن لا يعرفوا اللفظ، وإما أن يعرفوا اللفظ ولا يعرفوا معناه فحينئذ يصيرون في جاهلية بسبب عدم نور النبوة ومن ههنا يقع: الشرك وتفريق الدين شيعاً، كالفتن التي تحدث السيف، فالفتن القولية والعملية هي من الجاهلية بسبب خفاء نور
стр. 45
النبوة عنهم كما قال مالك بن أنس: "إذا قلّ العلم ظهر الجفاء وإذا قلت الآثار ظهرت الأهواء" ولهذا شبهت الفتن بقطع الليل المظلم، ولهذا قال أحمد في خطبته: الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة بقايا من أهل العلم.
فالهدى الحاصل لأهل الأرض إنما هو من نور النبوة كما قال -تعالى-: (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى) [طه: ١٢٣].
فأهل الهدي والفلاح: هم المتبعون للأنبياء وهم المسلمون المؤمنون في كل زمان ومكان.
وأهل العذاب والضلال: هم المكذبون للأنبياء.
يبقى أهل الجاهلية الذين لم يصل إليهم ما جاءت به الأنبياء. فهؤلاء في ضلال وجهل وشر وشرك لكن الله يقول: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً). وقال: (رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ). وقال: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا ...). فهؤلاء لا يهلكهم الله ويعذبهم حتى يرسل إليهم رسولاً وقد رويت آثار متعددة في أن من لم تبلغه الرسالة في الدنيا فإنه يبعث إليه رسول يوم القيامة في عرصات القيامة (١) اهـ.
قلت: وهذا نص منه ﵀ في الأمة المحمدية.
وقال في أهل الكتاب والنصارى فذمهم على الغلو والشرك الذي ابتدعوه، وعلى تكذيب الرسول، والرهبانية التي ابتدعوها ولا نحمدهم عليها، إذ كانوا قد ابتدعوها، وكل بدعة ضلالة، لكن إذا كان صاحبها قاصداً للحق فقد يعفى عنه فيبقى عمله ضائعاً لا فائدة فيه، وهذا هو الضلال الذي يعذر صاحبه فلا يعاقب ولا يثاب ... فاليهود أقوى كفراً من النصارى وإن كان النصارى أجهل وأضل، لكن أولئك: يعاقبون على عملهم إذ كانوا عرفوا الحق وتركوه عناداً، فكانوا مغضوباً عليهم، وهؤلاء: بالضلال حرموا أجر المجتهدين ولعنوا، وطردوا عما يستحقه المهتدون، ثم إذا قامت عليهم الحجة فلم يؤمنوا استحقوا العقاب إذ كان اسم الضلال عاماً (٢) اهـ.
فهذا النص في أهل الكتاب فالنصارى مشركون، وهذا مما لا ريب فيه، بل هو من
стр. 46
المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام، لكن عذابهم أيضاً موقوف على إقامة الحجة الرسالية وقد قامت ببعثة الرسول ﷺ .
فهذه النصوص منه ﵀ وغيرها في كتبه كثيرة تبين عموم هذه الأحكام في جميع الأمم، ولا يستثنى منها أمة دون أمة، أو مكان دون مكان، أو زمان دون زمان، بل هي أحكام عامة: إن الشرك ثابت قبل الرسالة، والعذاب متوقف عليها، وأصحابه ليسوا بمسلمين لأنهم نقضوه ولم يخلصوا دينهم لله، لقوله تعالى: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء) [البينة: ٥]. ولنقضهم الميثاق والفطرة التي فطروا عليها والعقل حجة مستقلة على وحدانية الله -تعالى- وهم جميعاً قد أخذ عليهم الميثاق، وحجته عليهم كافة، وفطرهم الله -جل ثناؤه- كلهم على الإسلام والتوحيد الخالص قال تعالى: (فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ) [الروم: ٣٠]. ولم تستثن آية الميثاق قوماً دون قوم ولكن جاءت بألفاظ العموم والإطلاق، وكذلك لم يأت في ذكر كلام السلف الاستثناء لأحد فدلّ هذا على: عمومية هذه الأحكام ..
وأظن أنه فيما مضى الكفاية بفضل الله وعونه ورحمته في إثبات وصف الشرك وحكمه مع الجهل والتأويل وعدم قيام الحجة، وفي جاهلية جهلاء، وغياب واندراس للشرائع وطموس للسبل وخفاء شمس النبوة غير أن أهلها لا يعذبون -بفضل الله ورحمته- إلا بعد قيام الحجة وبلوغ الرسالة.
* * *
стр. 47
الباب الثاني
كيفية انتقال العبد من الشرك إلى الإسلام
وفيه أربعة فصول:
الفصل الأول: الأدلة من القرآن الكريم على فهم حقيقة الإسلام.
الفصل الثاني: الأدلة من السنة المطهرة على فهم حقيقة الإسلام.
الفصل الثالث: توصيف العلماء لحقيقة الإسلام.
الفصل الرابع: أركان الإيمان وحدوده.
стр. 48
الفصل الأول
الأدلة من القرآن الكريم على فهم حقيقة الإسلام
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: الانخلاع من الشرك شرط في تحقيق الإسلام.
المبحث الثاني: الكفر بالطاغوت شرط في الإيمان بالله وحده.
المبحث الثالث: إفراد الله بالحكم شرط في تحقيق الإسلام.
стр. 49
الفصل الأول
الأدلة منا لقرآن الكريم على فهم حقيقة الإسلام
المبحث الأول: الانخلاع من الشرك شرط في تحقيق الإسلام:
الآية الأولى: قال الله -تعالى- في سورة التوبة آية [٥]: (فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ).
قال القرطبي: (فَإِن تَابُواْ). أي: من الشرك، (وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ). هذه الآية فيها تأمُّل وذلك أن الله -تعالى- علق القتل على الشرك، ثم قال: (فَإِن تَابُواْ) والأصل أن القتل متى كان للشرك يزول بزواله، وذلك يقتضي زوال القتل بمجرد التوبة، من غير اعتبار إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، ولذلك سقط القتل بمجرد التوبة قبل وقت الصلاة والزكاة وهذا بيّن في هذا المعنى. غير أن الله -تعالى- ذكر التوبة وذكر معها شرطين آخرين فلا سبيل إلى إلغائهما نظيره قوله ﷺ : "أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله" ... وقال ابن العربي فانتظم القرآن والسنة واطردا. اهـ.
انظر -رحمني الله وإياك- إلى كلام الإمام القرطبي: أن التوبة تكون: من الشرك. وأن القتل لا يسقط إلا بالانتهاء عنه، وقول الإمام ابن العربي: أن الآية والحديث قد انتظم واتحد معناهما. فينص القرآن أن الانتهاء عن القتل والأسر وتخلية سبيل المشركين شرطه: التوبة من الشرك، وأن الآية والحديث: "أمرت أن أقاتل الناس". معناهما واحد.
وقال الإمام البغوي فيها: (فَإِن تَابُواْ). من الشرك، (وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ). يقول: دعوهم فليتصرفوا في أمصارهم ويدخلوا مكة اهـ.
وقال ابن كثير: (وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ). أي لا تكتفوا بمجرد وجدانكم لهم، بل اقصدوهم بالحصار في معاقلهم وحصونهم والرصد في طرقهم ومسالكهم حتى تضيقوا عليهم الواسع وتضطروهم إلى القتل، أو الإسلام. ولهذا قال: (فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ). ولهذا اعتمد الصديق ﵁ في قتال مانعي الزكاة على هذه الآية الكريمة، وأمثالها حيث حرمت قتالهم بشرط هذه الأفعال وهي: الدخول في
стр. 50
الإسلام والقيام بأداء واجباته ونبه بأعلاها على أدناها ... ولهذا كثيراً ما يقرن بين الصلاة والزكاة وقد جاء في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة". الحديث. وقال أبو إسحاق عن ابن مسعود ﵁ قال: أمرت بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ومن لم يزك فلا صلاة له. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: أبى الله أن يقبل الصلاة إلا بالزكاة وقال: يرحم الله أبا بكر ما كان أفقهه ... وقال الإمام أبو جعفر بن جرير الطبري .. عن الربيع بن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "من فارق الدنيا على الإخلاص لله وحده وعبادته لا يشرك به شيئاً فارقها والله عنه راض". قال: وقال أنس: هو دين الله الذي جاءت به الرسل، وبلغوه عن ربهم قبل هرج الأحاديث واختلاف الأهواء، وتصديق ذلك في كتاب الله في آخر ما أنزل الله، قال الله -تعالى-: (فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ). قال: توبتهم خلع الأوثان وعبادة ربهم وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة. ثم قال في آية أخرى: (فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ). ورواه ابن مردويه ورواه محمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة اهـ.
وقال الإمام الطبري: "فإن تابوا" يقول فإن رجعوا عما هم عليه من الشرك بالله، وجحود نبوة نبيه محمد إلى: توحيد الله وإخلاص العبادة له دون الآلهة والأنداد والإقرار بنبوة محمد ﷺ ، اهـ.
قلت: وكذلك أيضاً قوله -تعالى-: (فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ) (١). قال القرطبي قوله تعالى: (فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ). أي عن الشرك والتزام أحكام الإسلام (فَإِخْوَانُكُمْ) أي: فهم إخوانكم (فِي الدِّينِ) قال ابن عباس: حرمت هذه (الآية) دماء أهل القبلة. اهـ.
وقال الإمام البغوي: (فَإِن تَابُواْ). من الشرك (.. فَإِخْوَانُكُمْ) فهم إخوانكم (فِي الدِّينِ) لهم ما لكم وعليهم ما عليكم اهـ.
قلت: فهذه الآية نص في أن القتال لا يرتفع عن المشركين كافة إلا بالتوبة وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، واتفق السلف على أن المراد بالتوبة: البراءة من الشرك، وخلع
стр. 51
عبادة الأوثان والأنداد والطواغيت، وكل ما يعبد من دون الله مع التزام أحكام الإسلام. وأن هذه الآية مع الحديث: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة". قد اتحد معناهما وانتظما واتفقا المفسرين عند تفسير هذه الآية بإتيان هذا الحديث وأمثاله لهو أدل الدليل على أن الحديث أيضاً يثبت نفس المعنى، وهو أن القتال لا يرفع إلا بالانتهاء عن الشرك والتزام أحكام الإسلام، وهو مراد قوله ﷺ إلا بحقها.
ويؤكّد هذا أيضاً الحديث الصحيح الصريح: "من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله". ولهذا قال ابن العربي في كتابه أحكام القرآن فانتظم القرآن والسنة واطردا ولذلك بوّب إمام المحدثين البخاري باباً في صحيحه: (فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ). ثم ساق بسنده عن ابن عمر أن رسول الله، ﷺ ، قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله".
قال الحافظ: .... "وإنما جعل الحديث تفسيراً للآية لأن المراد بالتوبة في الآية الرجوع عن الكفر إلى التوحيد ففسره قوله ﷺ : "حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله". وبين الآية والحديث مناسبة أخرى لأن التخلية في الآية والعصمة في الحديث بمعنى واحدة" (١) اهـ.
قلت: فمن هذا يعلم أن عصمة الدم والمال تكون: بالتلفظ بالشهادتين والعمل بمقتضاهما وهو إفراد الله بالتأله، والبراءة من عبادة الآلهة التي تعبد من دون الله، وإلا لو قالها العبد: ولم يعمل بها لم يعصم دمه وماله إذا كان متلبساً بالشرك ساعة نطقه بالشهادتين. وأما إذا قالها العبد متشهداً بها شهادة الإسلام فالواجب حمله على الإسلام عملاً بما أقر به لسانه مع افتراض أنه عالم بمعناها عامل بمقتضاها، فإذا ظهر منه خلاف هذا حكم ردته.
قال الإمام الشوكاني: وليس مجرد قول: لا إله إلا الله، من دون عمل بمعناها مثبتاً
стр. 52
للإسلام، فإنه لو قالها أحد من أهل الجاهلية وعكف على صنمه يعبده لم يكن ذلك إسلاماً (١) اهـ.
وقال أيضاً لا شك أن من قال: لا إله إلا الله، ولم يتبين من أفعاله ما يخالف معنى التوحيد، فهو مسلم محقون الدم والمال إذا جاء بأركان الإسلام المذكورة في حديث: "أمرت أن أقاتل الناس ... ".
وهكذا من قال: لا إله إلا الله متشهداً بها شهادة الإسلام ولم يكن قد مضى عليه من الوقت ما يجب فيه شيء من أركان الإسلام، فالواجب حمله على الإسلام عملاً بما أقر به لسانه وأخبر به من أراد قتاله، ولهذا قال ﷺ : لأسامة بن زيد ما قال، وأما من تكلم بكلمة التوحيد وفعل أفعالاً تخالف التوحيد، كاعتقاد هؤلاء المعتقدين في الأموات، فلا ريب أنه قد تبين من حالهم خلاف ما حكته ألسنتهم من إقرارهم بالتوحيد، ولو كان مجرد التكلم بكلمة التوحيد موجباً للدخول في الإسلام والخروج من الكفر، سواء فعل المتكلم بها ما يطابق التوحيد أو ما يخالفه، لكانت نافعة لليهود مع أنهم يقولون: عزير ابن الله، وللنصارى مع أنهم يقولون: المسيح ابن الله، وللمنافقين مع أنهم يكذبون بالدين، ويقولون: بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، وجميع هذه الطوائف الثلاث يتكلمون بكلمة التوحيد (٢) اهـ.
وقال أيضاً ﵀ منكراً على من اعتبر التلفظ بالشهادتين دون العمل بمعناهما، قال: وبالجملة فالسيد المذكور ﵀ قد جرد النظر في بحثه السابق إلى الإقرار بالتوحيد الظاهري، واعتبر مجرد التكلم بكلمة التوحيد فقط من دون نظر إلى ما ينافي ذلك من أفعال المتكلم بكلمة التوحيد، ويخالفه من اعتقاده الذي صدرت عنه تلك الأفعال المتعلقة بالأموات، وهذا الاعتبار لا ينبغي التعويل عليه ولا الاشتغال به، فالله سبحانه إنما ينظر إلى القلوب وما صدر من الأفعال عن اعتقاد لا إلى مجرد الألفاظ، وإلا لما كان فرّق بين المؤمن والمنافق (٣) اهـ.
стр. 53
قلت: فهذا المعنى -بفضل الله- مستفيض ذكره في القرآن والسنة وكلام السلف الصالح، أن الانخلاع من الشرك والكفر بما يُعبد من دون الله شرط في تخلية السبيل، وعصمة الدم والمال، وإجراء أحكام الإسلام وأن هذا هو غاية القتال يرتفع بوجوده ويرجع بنقضه. قال الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن قاسم الحنبلي النجدي: "ولهما عن ابن عمر" ﵄ مرفوعاً أي: أنه ﷺ قال: "أمرت أن أقاتل الناس". أي: المشركين منهم "حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله". والمراد: العلم بمعناها والعمل بمقتضاها .. "ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة". فهما ركنان لا يستقيم إسلام العبد إلا بهما. "فإذا فعلوا ذلك". أي: لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، "عصموا مني دماءهم وأموالهم". فلا يحل قتالهم حتى يأتوا بمناف للشهادتين، "إلا بحق الإسلام". وهو التزام شرائعه. قال أبو بكر لو منعوني عناقاً كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على ذلك (١) اهـ.
الآية الثانية: قال -تعالى-: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه). في سورتي [البقرة: ١٩٣]، و [الأنفال: ٣٩].
قال ابن كثير في آية الأنفال: .... وقال: الضحاك عن ابن عباس: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ). يعني: لا يكون شرك. وكذا قال: أبو العالية، ومجاهد، والحسن، وقتادة، والربيع بن أنس، والسدي، ومقاتل بن حيان، وزيد بن أسلم، وقال محمد بن إسحاق بلغني عن الزهري عن عروة بن الزبير وغيره من علمائنا: حتى لا تكون فتنة حتى لا يفتتن مسلم عن دينه. وقوله: (وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه). قال: الضحاك عن ابن عباس في هذه الآية، قال: يخلص التوحيد لله، وقال: الحسن وقتادة وابن جريج: (وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه). أن يقال: لا إله إلا الله، وقال محمد بن إسحاق: ويكون التوحيد خالصاً لله ليس فيه شرك، ويُخلع ما دون من الأنداد. وقال: عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه). لا يكون مع دينكم كفر: ويشهد لهذا ما ثبت في الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ... ". اهـ.
وقال البغوي في آية البقرة: (وَقَاتِلُوهُمْ). يعني: المشركين (حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ). أي: شرك. يعني: قاتلوهم حتى يسلموا فلا يقبل من الوثني إلا الإسلام، فإن أبى قتل
стр. 54
(وَيَكُونَ الدِّينُ). أي: الطاعة والعبادة (لِلّه) وحده فلا يعبد شيء دونه ... (فَإِنِ انتَهَوْاْ) عن الكفر وأسلموا (فَلاَ عُدْوَانَ). فلا سبيل (إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ). قاله: ابن عباس اهـ.
وقال أيضاً في (آية الأنفال): (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ). أي: شرك، قال الربيع: حتى لا يفتن مؤمن عن دينه (وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه). أي: ويكون الدين خالصاً لله لا شرك فيه (فَإِنِ انتَهَوْاْ). عن الكفر. (فَإِنَّ اللهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ). اهـ.
وقال القرطبي في آية البقرة: فيه مسألتان:
الأولى: قوله -تعالى-: (وَقَاتِلُوهُمْ). أمر بالقتال لكل مشرك في كل موضع على من رآها ناسخة. ومن رآها غير ناسخة. قال: المعنى: قاتلوا هؤلاء الذين قال الله فيهم: (فَإِن قَاتَلُوكُمْ). والأول أظهر، وهو أمر بقتال مطلق لا بشرط أن يبدأ الكفار. دليل ذلك قوله -تعالى-: (وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه). وقال ﵇: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله). فدلت الآية والحديث على أن سبب القتال هو الكفر؛ لأنه قال: (حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ). أي كفر. فجعل الغاية عدم الكفر وهذا ظاهر. قال: ابن عباس وقتادة والربيع والسدي وغيرهم. الفتنة هناك الشرك وما تابعه من أذى المؤمنين ...
الثانية: (فَإِنِ انتَهَوْاْ). أي عن الكفر إما بالإسلام كما تقدم في الآية قبل أو بأداء الجزية في حق أهل الكتاب اهـ.
قلت: فهل بعد هذا البيان من بيان؟ وهل بعد هذا البرهان من برهان؟ أن القرآن ينص على أن: القتال لا يرفع عن رؤوس المشركين إلا بانتهائهم وإقلاعهم وتبرئهم من كل ما يعبد من دون الله مع إخلاص العبادة لله الواحد القهار، وأن الآية والحديث "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله". بنص السلف الصالح يدلان: على هذا المعنى لا كما فهم كثير من المتأخرين أن المقصد والغاية هو مجرد التلفظ بالشهادتين وإن لم تخرجهم من الشرك إلى التوحيد، ومن الكفر إلى: الإيمان بالله وحده فيا لها من حجة ما أقطعها للمنازع.
العلم بقبح وحرمة الشرك شرط في التوبة منه:
ومن المعلوم بيقين أن الانخلاع من الشرك الذي نصت عليه الآيات أنه شرط في تخلية السبيل يسبقه العلم به وبقبحه حتى يتم البراءة منه.
قال ابن القيم: وعلى هذا الأمر العظيم (محبة الله) أسست الملة، ونصبت القبلة، وهو
стр. 55
قطب رحى الخلق، والأمر الذي مدارهما عليه. ولا سبيل إلى الدخول إلى ذلك إلا من باب العلم فإن محبة الشيء فرع عن الشعور به ..
ولا بعثت الرسل وأنزلت الكتب إلا بالعلم ولا عُبد الله وحده وأُثنى عليه ومجد إلا بالعلم، ولا عرف الحلال من الحرام إلا بالعلم، ولا عرف فضل الإسلام على غيره إلا بالعلم (١) اهـ.
وقال أيضاً: ولكن الأمر كما قال عمر بن الخطاب: "إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لم يعرف الجاهلية". وهذا لأنه إذا لم يعرف الجاهلية والشرك، وما عابه القرآن وذمه وقع فيه وأقره ودعا إليه وصوبه وحسنه وهو لا يعرف: أنه الذي كان عليه أهل الجاهلية أو نظيره أو شر منهم أو دونه. فينقض بذلك عرى الإسلام عن قلبه. ويعود المعروف: منكراً، والمنكر: معروفاً، والبدعة: سنة، والسنة: بدعة، ويكفّر الرجل: بمحض الإيمان، وتجريد التوحيد، ويبدع: بتجريد متابعة الرسول ﷺ ومفارقة الأهواء والبدع (٢) اهـ.
قلت: هذا كلام -بفضل الله- خبير بالشريعة ومقاصدها فكيف يتوب من الشرك من لا يعرفه ولا يعلم قبحه؟! وكيف يعبد الله من لا يعرف حد العبادة والتوحيد والطاعة له وحده لا شريك له؟! وهذا كما قال الشيخ -رحمه الله تعالى-: وما عبد الله وحده وأثنى عليه ومجد إلا بالعلم.
نخلص من هاتين الآيتين السابقتين: أن القتل والقتال يرفع عن رؤوس المشركين ويخلي سبيلهم ساعة توبتهم وبراءتهم وانخلاعهم من الشرك والتزام التوحيد.
المبحث الثاني: الكفر بالطاغوت شرط في الإيمان بالله وحده:
الآية الثالثة: قوله -تعالى-: (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) [البقرة: ٢٥٦].
قال القرطبي: يقول -تعالى-: (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ). جزم بالشرط. والطاغوت مؤنثه من طغى يطغى -وحكى الطبري- يطغو إذا جاوز الحد بزيادة عليه .. (فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ). جواب الشرط .. فقال
стр. 56
مجاهد: العروة: الإيمان، وقال السدي: الإسلام، وقال ابن عباس وسعيد بن جبير والضحاك: لا إله إلا الله. وهذه عبارات ترجع إلى معنى واحد اهـ.
وقال البغوي: (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ). يعني: الشيطان، وقيل: كل ما عبد من دون الله -تعالى- فهو طاغوت ... (وَيُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ). أي: تمسك واعتصم بالعقد الوثيق المحكم في الدين ... (لاَ انفِصَامَ لَهَا). لا انقطاع لها اهـ.
وقال الشنقيطي في قوله -تعالى-: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ) (١) ولا تنفع عبادة الله إلا بشرط اجتناب عبادة ما سواه كما بينه -تعالى- بقوله: (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ). وقوله: (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ). إلى غير ذلك من الآيات اهـ.
وقال ابن كثير: (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِ ....) أي: من خلع الأنداد والأوثان وما يدعو إليه الشيطان من عبادة كل ما يعبد من دون الله، ووحد الله فعبده وحده وشهد: أن لا إله إلا هو. (فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ). أي: فقد ثبت في أمره واستقام على الطريقة المثلى والصراط المستقيم ... ومعنى قوله: (أي الفاروق) في الطاغوت: أنه الشيطان قوي جداً، فإنه يشمل كل شر كان عليه أهل الجاهلية من عبادة الأوثان، والتحاكم إليها، والاستنصار بها ...
قال مجاهد: "فقد استمسك بالعروة الوثقى" يعني: الإيمان. وقال السدي: هو الإسلام، وقال سعيد ابن جبير والضحاك: لا إله إلا الله ... وهذه الأقوال صحيحة ولا تنافي بينها اهـ.
وقال الإمام الطبري: والصواب من القول عندي في الطاغوت: أنه كل ذي طغيان على الله فعبد من دونه، إما بقهر منه لمن عبده وإما بطاعة ممن عبده له. إنساناً كان ذلك المعبود أو شيطاناً أو وثناً أو صنماً أو كائناً ما كان من شيء ... فتأويل الكلام إذاً فمن يجحد: ربوبية كل معبود من دون الله فيكفر به "ويؤمن بالله" يقول: ويصدق بالله أنه إلهه وربه ومعبوده "فقد استمسك بالعروة الوثقى". يقول: فقد تمسك بأوثق ما يتمسك به من طلب الخلاص لنفسه من عذاب الله وعقابه ... (وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ). يعني: -تعالى ذكره- والله سميع إيمان
стр. 57
المؤمن بالله وحده الكافر بالطاغوت عند إقراره بوحدانية الله وتبرئه من الأنداد والأوثان التي تعبد من دون الله. (عَلِيمٌ) بما عزم عليه من توحيد الله وإخلاص ربوبيته قلبه وما انطوى عليه -من البراءة من الآلهة والأصنام والطواغيت- ضميره، وبغير ذلك مما أخفته نفس كل أحد من خلفه لا ينكتم عنه سر ولا يخفى عليه أمر، حتى يجازى كلاً يوم القيامة بما نطق به لسانه وأضمرته نفسه إن خيراً فخيراً وإن شراً فشراً اهـ.
وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: واعلم أن الإنسان ما يصير مؤمناً بالله إلا بالكفر بالطاغوت والدليل قوله -تعالى-: (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ).
الرشد: دين محمد، ﷺ ، والغي: دين أبي جهل. والعروة الوثقى: شهادة أن لا إله إلا الله وهي متضمنة للنفي والإثبات تنفي جميع أنواع العبادة من غير الله وتثبت جميع أنواع العبادة كلها لله وحده لا شريك له (١) اهـ.
قلت: انظر رحمك الله -تعالى- إلى هذه الآية ما أحكم معناها، وقوة بيانها. إذ أنها توقف الاستمساك بالعروة الوثقى التي هي الإسلام باتفاق المفسرين على شرط -كما قاله: القرطبي والشنقيطي ومحمد بن عبد الوهاب وغيرهم- وهو: الكفر بالطاغوت والإيمان بالله وحده ومن المعلوم أن فقدان الشرط ينفي مشروطه. فالإسلام لا بد فيه من: الكفر والبراءة والجحد وخلع كل ما يعبد من دون الله وإفراد الله بالتأله وحده لا شريك له، وإلا انفصمت العروة الوثقى في يد مدعيها. لأن الإيمان بالله، والإيمان بالطاغوت متضادان لا يجتمعان ولا يرتفعان، فلا يجتمع في قلب عبد الإيمان بالله والإيمان بالطاغوت، لأنه أيما حل واحد منهما في قلب امرئ طرد الآخر. فإما إيمان بالله وحده. وإما إيمان بالطاغوت أياً كان نوعه. فمن المحال أن يقال: فلان هذا من شيعة الرحمن ومن شيعة الطاغوت، أو فلان هذا موحد مشرك أو مسلم كافر. فهذا هو الإسلام الذي أمّرنا أن نبلغه للناس وأن لا نرفع السيف عنهم حتى يقروا ويدينوا به، فمن شك أو توقف لم يحرم دمه وماله.
ويبقى سؤال أريد من أخي القارئ الإجابة عليه وهو من لم يخلع الأنداد أو الأوثان أو عبادة الطواغيت أو ارتضى طاغوتاً يسوس العباد ويحكم فيها بما شاء من تشريعات وأحكام
стр. 58
دون الله ورسوله ﷺ فهذا هذا كفر بالطاغوت أم آمن به؟
ثم بعد هذا هل هو مستمسك بالعروة الوثقى أم انفصمت من بين يديه؟
المبحث الثالث: إفراد الله بالحكم شرط في تحقيق الإسلام:
الآية الرابعة: قوله -تعالى-: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ). [آل عمران: ٦٤].
قال القرطبي: الأول: الخطاب في قول الحسن وابن زيد والسدي: لأهل نجران. وفي قول قتادة وابن جريج وغيرهما: ليهود المدينة. خوطبوا بذلك لأنهم جعلوا أحبارهم في الطاعة لهم كالأرباب. وقيل: هو لليهود والنصارى جميعاً وفي كتاب النبي إلى هرقل: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ من محمد رسول الله ﷺ إلى هرقل عظيم الروم سلام على من اتبع الهدى: "أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام". اسلم تسلم [وأسلم] يؤتك الله أجرك مرتين وإن توليت فإن عليك إثم الأريسين ويا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء (....). لفظ مسلم ...
الثانية: قوله -تعالى-: (وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللهِ). أي: لا نتبعه في تحليل شيء أو تحريمه إلا فيما حلله الله -تعالى- وهو نظير قوله تعالى: (اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللهِ). معناه: أنهم أنزلوهم منزلة ربهم في قبول تحريمهم وتحليلهم لما لم يحرمه الله ولم يحله الله ...
الثالثة: (فَإِن تَوَلَّوْاْ) أي: أعرضوا عما دعوا إليه: (فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ). أي: متصفون بدين الإسلام منقادون لأحكامه معترفون بما لله علينا في ذلك من المنن والإنعام غير متخذين أحداً ربا لا عيسى ولا عزيراً ولا الملائكة لأنهم بشر مثلنا محدث كحدوثنا، ولا نقبل من الرهبان شيئاً بتحريمهم علينا ما لم يحرمه الله علينا فنكون قد اتخذناهم أرباباً وقال عكرمة: معنى (يتخذ) يسجد وقد تقدم أن السجود كان إلى زمن النبي ﷺ ثم نهى النبي معاذاّ لما أراد أن يسجد كما مضى في البقرة بيانه اهـ.
وقال ابن كثير: هذا الخطاب يعم: أهل الكتاب ومن جرى مجراهم: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ). والكلمة تطلق: على الجملة المفيدة كما قال ههنا ثم وصفها بقوله:
стр. 59
(سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ). أي: عدل ونصف نستوي نحن وأنتم فيها ثم فسرها بقوله: (أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ ...). لا وثناً ولا صليباً ولا صنماً ولا طاغوتاً ولا ناراً ولا شيء، بل تفرد العبادة لله وحده لا شريك له هذه دعوة جميع الرسل: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ). ثم قال -تعالى-: (وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللهِ). وقال ابن جريج يعني: نطيع بعضنا بعضاً في معصية الله. وقال: عكرمة يسجد بعضنا لبعض: (فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ). أي: إن تولوا عن هذا النصف وهذه الدعوة فاشهدوا أنتم على استمراركم على الإسلام الذي شرعه الله لكم، (ثم أخذ يذكر حديث هرقل) اهـ.
وقال الإمام الطبري: يعني بذلك جل ثناؤه قل يا محمد لأهل الكتاب وهم أهل التوراة والإنجيل "تعالوا" هلموا إلى "كلمة سواء" يعني: إلى كلمة عدل بيننا وبينكم، والكلمة العدل هي: أن نوحد الله فلا نعبد غيره، ونبرأ من كل معبود سواه، فلا نشرك به شيئاً، وقوله: (وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً) يقول: ولا يدين بعضنا لبعض في الطاعة فيما أمر به من معاصي الله ويعظمه بالسجود له كما يسجد لربه "فإن تولوا" يقول: فإن أعرضوا عما دعوتهم إليه من الكلمة السواء التي أمرتك بدعائهم إليها فلم يجيبوك إليها فقولوا أيها المؤمنون للمتولين عن ذلك: اشهدوا بأنا مسلمون ... وأما قوله: (وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً). فإن اتخاذ بعضهم بعضاً هو: ما كان بطاعة الاتباع الرؤساء فيما أمروهم به من معاصي الله وتركهم ما نهوهم عنه من طاعة الله كما قال جل ثناؤه: (اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهاً وَاحِداً). (ثم ساق بسنده) عن ابن جريج قال: "وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً" يقول: لا يطيع بعضنا بعضاً في معصية الله ويقال: إن تلك الربوبية أن يطيع الناس: سادتهم وقادتهم في غير عبادة وإن لن يصلوا لهم .. وأما قوله: (فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ). فإنه يعني: فإن تولى الذين تدعوهم إلى الكلمة السواء عنها وكفروا فقولوا أنتم أيها المؤمنون لهم: اشهدوا علينا بأنا بم توليتهم عنه من توحيد الله وإخلاص العبودية له وأنه الإله الذي لا شريك له مسلمون يعني: خاضعون لله به متذللون له بالإقرار بذلك بقلوبنا وألسنتنا اهـ.
وقال الشوكاني: (وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً) تبكيت: لمن اعتقد ربوبية المسيح
стр. 60
وعزير، وإشارة إلى أن هؤلاء من جنس البشر وبعضهم، منهم وازدراء على من: قلّد الرجال في دين الله فحلل ما حللوه له وحرم ما حرموه عليه فإن من فعل ذلك فقد اتخذ من قلده رباً ومنه: (اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللهِ). (ثم ذكر حديث هرقل) اهـ.
قلت: فهذه الآية الكريمة تتحدث وتفصل القدر المطلوب من العباد تحقيقه حتى يأمنوا على دمائهم وأموالهم وتجري عليهم أحكام الإسلام في الظاهر والله يتولى السرائر وهو عبادة الله وحده لا شريك له وخلع عبادة الآلهة والطواغيت والأرباب، وأن نكون جميعاً عبيداً لله الواحد القهار وأن لا نُنزل أحداً من البشر منزلة الإله والرب في الطاعة والتلقي والاتباع.
وإتيان المفسرين بحديث هرقل عند تفسير هذه الآية والاستشهاد به لأكبر دليل على أن هذا: هو الإسلام الذي تجري به الأحكام في الدنيا وأن هذه المعاني كلها تشملها الكلمة العاصمة للدم والمال وعندما يطالب الشرع قوماً في موضع بقوله: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء)، وفي موضع آخر يطالب قوماً بقوله: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله .... ولم يختلف المطلوب من كليهما علم بيقين مطابقة الحديث للآية، والآية للحديث وثبت من هذا أن الإسلام الذي تجري به الأحكام في الظاهر -والله يتولى السرائر- هو: التزام التوحيد وترك الشرك قولاً وعملاً. ومن المعلوم أن التزام التوحيد والبراءة من الشرك يسقه العلم بحسن التوحيد وماهيته، وقبح الشرك وحده.
وهنا سؤال للقارئ الفاضل. لو أن يهودياً أو نصرانياً قال للنبي ﷺ سأقر والتزم بكل ما جئت به وأفرد الله بالعبادة والتأله، وأبرأ من عبادة المخلوقين إلا عيسى وعزير، أو قال له أسلمت وآمنت بما جئت به ثم وجده يدعو من دون الله أحداً ويتخذ أرباباً من دون الله يحللون ويحرمون ويرسمون له كيفية حياته وحدودها بمعزل عن الله ورسوله ﷺ فما حكمه؟
وأترك الإمام البغوي يجيب عن هذا السؤال
قال في الآية ٢٠) من سورة آل عمران، (فَإنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ ...). قوله -تعالى-: (فَإنْ حَآجُّوكَ). أي: خاصموك يا محمد في الدين وذلك أن اليهود والنصارى قالوا: لسنا ما سميتنا به يا محمد إنما اليهودية والنصرانية نسب. والدين: هو الإسلام ونحن عليه. فقال الله -تعالى-: (فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلّهِ). أي: انقدت لله وحده بقلبي ولساني وجميع جوارحي ... (فَإِنْ أَسْلَمُواْ
стр. 61
فَقَدِ اهْتَدَواْ). فقرأ رسول الله، ﷺ ، هذه الآية فقال أهل الكتاب: أسلمنا. فقال لليهود أتشهدون أن عزيراً عبده ورسوله؟ فقالوا: معاذ الله أن يكون عزير ﵇ عبداً. وقال للنصارى: أتشهدون أن عيسى كلمة الله وعبده ورسوله؟ قالوا: معاذ الله أن يكون عيسى عبداً فقال الله : (وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ). أي: تبليغ الرسالة وليس عليك الهداية اهـ.
قلت: نخلص -بفضل الله وعونه وكرمه- من هذه الآية أن الانتهاء عن الشرك والتزام التوحيد هو القدر الذي لا يُرفع السيف عن رؤوس المشركين حتى يقروا ويلتزموا به.
وأكتفي بذكر هذه الآيات العظيمة عن نظيرها في القرآن الكريم إذ أنه يوجد الكثير الكثير من الآيات التي تحوي هذا المعنى الجلي الواضح كقوله -تعالى-: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ) [النحل: ٣٦]. وقوله -تعالى-: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) [الأنبياء: ٢٥]. وقوله -تعالى-: (اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ). على لسان كل رسول إلى قومه، وقوله: (أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ) [النمل: ٣١]. وقوله: (إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ...). وغيرها الكثير من الآيات التي تتحدث عن القدر الذي بلغته الرسل إلى أقوامها وهو يدور على إفراد الله بالتأله ورفض عبادة ما سواه وأن الإقرار بهذا هو الذي يدخل صاحبه في الإسلام والله يتولى السرائر ويكون من المؤمنين بالرسل لا من الكافرين بهم الإيمان الذي تجري عليه به أحكام الإسلام في الظاهر هذا بخلاف الإيمان الذي يحرم صاحبه على الخلود في النيران -أعاذنا الله جميعاً منها برحمته وكرمه وعفوه-.
وهذا الإيمان الذي تجري به الأحكام هو المعني: بقول المعصوم، ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله". أخرجه مسلم.
* * *
стр. 62
الفصل الثاني
الأدلة من السنة المطهرة على فهم حقيقة الإسلام
وفيه سبعة مباحث:
المبحث الأول: العلم بمعنى الشهادتين شرط في عصمة الدم والمال.
المبحث الثاني: اليقين والعلم بمقتضى الشهادة شرط في صحتها.
المبحث الثالث: الكفر بما يعبد من دون الله شرط في عصمة الدم والمال.
المبحث الرابع: كلمة التوحيد تعصم قائلها بشرط البراءة من الشرك.
المبحث الخامس: لب التوحيد معرفة الله.
المبحث السادس: استحالة عبادة الله بالشرك.
المبحث السابع: العلم قبل القول والعمل.
стр. 63
الفصل الثاني
الأدلة من السنة المطهرة على فهم حقيقة الإسلام
المبحث الأول: العلم بمعنى الشهادتين شرط في عصمة الدم والمال:
الحديث الأول: أخرج مسلم في صحيحه: أن أبا هريرة أخبره -أي سعيد بن المسيب- أن رسول الله ﷺ قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال لا إله إلا الله عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله".
. . . عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله".
. . . وعن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله".
وعن أبي مالك عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله". وفي رواية أنه سمع النبي، ﷺ ، يقول: "من وحد الله ثم ذكر مثله" (١). اهـ.
قلت: هذه الروايات تنص على أن القتال مشروع إلى أن "يقولوا"، وفي رواية "يشهدوا"، وفي رواية "من وحد الله"، وفي رواية " وكفر بما يعبد من دون الله"، وفي رواية أضاف "ويؤمنوا بما جئت به"، وهذه الروايات كلها تدل -بفضل الله- على أن: العلم بمعنى الشهادتين شرط في عصمة الدم والمال.
стр. 64
القول دليل على الاعتقاد:
أولاً معنى القول: قال صاحب لسان العرب معنى كلمة قول-: فأما تجوزهم في تسمية الاعتقادات والآراء قولاً فلأن الاعتقاد يخفى فلا يعرف إلا بالقول، أو بما يقوم مقام القول من شاهد الحال فلما كانت لا تظهر إلا في القول سميت قولاً، إذ كانت سبباً له، وكان القول دليلاً عليها، كما يسمى الشيء باسم غيره إذا كان ملابساً له وكان القول دليلاً عليه ...
قال شمر: تقول قوّلني فلان حتى قلت: أي: علمني وأمرني أن أقول قال: قوَّلْتني وأقْولْتني أي: علمتني ما أقول وأنطقتني، وحملتني على القول. وفي حديث سعيد بن المسيب حين قيل له: ما تقول في عثمان وعلي، فقال: أقول فيهما: ما قولّني الله -تعالى- ثم قرأ: (وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ) [الحشر: ١٠] اهـ.
قلت: فهذا القول لا بد فيه من العلم. ومن هذا يعلم: أن المقصود بقول النبي ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله" أي: حتى ينطقوا ويعلموا: لا إله إلا الله.
العلم شرط في صحة الشهادة:
وأما الشهادة: فقال أيضاً في نفس المرجع قال: ابن سيده: الشاهد: العالم الذي يبين ما علمه ... وقال أبو بكر بن الأنباري: في قول المؤذن أشهد أن لا إله إلا الله: اعلم أن لا إله إلا الله، وأبين أن لا إله إلا الله، قال: وقوله أشهد أن محمداً رسول الله، أعلم وأبين أن محمداً رسول الله: وقوله : (شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ). قال أبو عبيدة: معنى شهد الله: قضى الله أنه لا إله إلا هو وحقيقته: علم الله وبين الله، لأن الشاهد: هو العالم الذي يبين ما علمه ... وشهد الشاهد عند الحاكم: أي بين ما علمه وأظهر ... وسأل المنذري أحمد بن يحيى عن قول الله : (شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ). فقال: كل ما كان "شهد الله" فإنه بمعنى: علم الله، قال وقال ابن الأعرابي: معناه: قال الله ويكون معناه: علم الله ويكون معناه: كتب الله، وقال ابن الأنباري: معناه: بيّن الله أن لا إله إلا هو (١) اهـ.
стр. 65
وقال القرطبي في قوله -تعالى-: (وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) ... والمعنى: ولا يملك هؤلاء الشفاعة إلا لمن شهد بالحق وآمن على علم وبصيرة قاله: سعيد بن جبير وغيره. قال وشهادة الحق لا إله إلا الله .. (وَهُمْ يَعْلَمُونَ). حقيقة ما شهدوا به ...
الثانية قوله -تعالى-: (إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ). يدل على معنيين.
أحدهما: أن الشهادة بالحق غير نافعة إلا مع العلم وأن التقليد لا يغني مع عدم العلم بصحة المقالة.
والثاني: أن شرط سائر الشهادات في الحقوق وغيرها أن يكون الشاهد عالما بها ونحوه ما روى عن النبي، ﷺ : "إذا رأيت مثل الشمس فاشهد وإلا فادع". اهـ.
وقال ابن كثير: ... هذا استثناء منقطع أي: لكن من شهد بالحق على بصيرة وعلم فإنه تنفع شفاعته عنده بإذنه له اهـ.
وقال الإمام الطبري: فقال بعضهم معنى ذلك: ولا يملك عيسى وعزير والملائكة الذين يعبدوهم هؤلاء المشركون بالساعة الشفاعة عند الله لأحد إلا من شهد بالحق فوحد الله وأطاعه بتوحيد علم منه وصحة بما جاءت به رسله قوله: (إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ) قال: كلمة الإخلاص وهم يعلمون: أن الله حق وعيسى وعزير والملائكة يقول: لا يشفع عيسى وعزير والملائكة إلا من شهد بالحق وهو يعلم الحق اهـ.
وقال ابن تيمية والشهادة: لا بد فيها من علم الشاهد وصدقه وبيانه لا يحصل مقصود الشهادة إلا بهذه الأمور (١).
وقال أيضاً ﵀ (٢) قال أبو الفرج في معنى الآية قولان: أحدهما: أنه أراد بـ"الذين يدعون من دونه" آلهتهم ثم استثنى عيسى وعزيراً والملائكة. فقال: إلا "من شهد بالحق" وهو شهادة: أن لا إله إلا الله "وهم يعلمون" بقلوبهم ما شهدوا به بألسنتهم قال: وهذا مذهب الأكثرين. منهم: قتادة، والثاني: أن المراد بـ"الذين يدعون" عيسى وعزيراً والملائكة الذين عبدهم المشركون. لا يملك هؤلاء الشفاعة لأحد "إلا من شهد بالحق" وهي: كلمة
стр. 66
الإخلاص "وهم يعلمون" أن الله خلق عيسى وعزيراً والملائكة. وهذا مذهب قوم. منهم: مجاهد -إلى أن قال في ص: ٤٠٩: ٤١١ - وهذا يتناول: الشافع والمشفوع له، فلا يشفع إلا من شهد بالحق وهم يعلمون. فالملائكة والأنبياء والصالحون -وإن كانوا لا يملكون الشفاعة- لكن إذا أذن لهم الرب شفعوا. وهم لا يؤذن لهم إلا في الشفاعة للمؤمنين الذين يشهدون: أن لا إله إلا الله فيشهدون بالحق وهم يعلمون، لا يشفعون لمن قال: هذه الكلمة تقليداً للآباء والشيوخ كما جاء في الحديث الصحيح: "إن الرجل يُسأل في قبره ما تقول في هذا الرجل؟ فأما المؤمن فيقول: هو عبد الله ورسوله جاءنا بالبينات والهدى وأما المرتاب فيقول هاه هاه لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته". فلهذا قال: "إلا من شهد بالحق وهم يعلمون" وقد تقدم قول ابن عباس: يعني من قال لا إله إلا الله. يعني: خالصاً من قلبه. والأحاديث الصحيحة الواردة في الشفاعة كلها تبين: أن الشفاعة إنما تكون في أهل "لا إله إلا الله" اهـ.
وقال القرطبي: قوله: "أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له"، أي: أنطق بما أعلمه وأتحققه: وأصل الشهادة للإخبار عما شاهد المخبر بحسه ثم قد يقال: على ما يحققه الإنسان ويتقنه وإن لم يكن شاهداً للحس لأن المحقق علماً كالمدرك حساً ومشاهدة (١). اهـ.
وقال النووي تعليقاً على هذه الروايات: وفيه أن الإيمان شرطه الإقرار بالشهادتين مع اعتقادهما، واعتقاد جميع ما أتى به رسول الله ﷺ وقد جمع ذلك ﷺ بقوله: "أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به" (٢). اهـ.
قلت: ومن المعلوم أن اعتقاد الشهادتين يسبقه العلم بمدلولهما -لأن الاعتقاد والتصور فرع العلم- إذ كيف يعتقد العبد اعتقاداً صحيحاً لشيء وهو جاهل بحقيقته؟!.
* * *
стр. 67
المبحث الثاني: اليقين والعمل بمقتضى الشهادة شرط في صحتها:
وقال صاحب فتح المجيد شارحاً معنى الشهادة: قوله: "من شهد أن لا إله إلا الله". أي: من تكلم بها عارفاً لمعناها عاملاً بمقتضاها باطناً وظاهراً. فلا بد في الشهادتين من العلم واليقين والعمل بمدلولها كما قال -تعالى-: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ).
وقوله: (إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ). أما النطق بها من غير معرفة لمعناها ولا يقين ولا عمل بما تقتضيه من البراءة من الشرك وإخلاص القول والعمل: قول القلب واللسان، وعمل القلب والجوارح، فغير نافع بالإجماع.
قال القرطبي في الفهم على صحيح مسلم: "باب لا يكفي مجرد التلفظ بالشهادتين": بل لا بد من استيقان القلب -هذه الترجمة تدل على فساد مذهب غلاة المرجئة القائلين: بأن التلفظ بالشهادتين في الإيمان كاف لمن وقف عليها وأحاديث هذا الباب تدل على فساده، بل هو مذهب معلوم الفساد من الشريعة ولأنه يلزم منه تسويغ النفاق والحكم للمنافق بالإيمان الصحيح وهو باطل قطعا.
وفي هذا الحديث ما يدل على هذا وهو قول: "من شهد" فإن الشهادة لا تصح إلا إذا كانت عن علم ويقين وإخلاص وصدق ... وقال الوزير أبو المظفر في الإفصاح: قوله: (شهادة أن لا إله إلا الله) يقتضي أن يكون: الشاهد عالماً بأنه: (لا إله إلا الله) كما قال -تعالى-: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ). قال: واسم الله مرتفع بعد (إلا) من حيث أنه الواجب له الإلهية فلا يستحقها غيره -سبحانه-. قال: وجملة الفائدة في ذلك: أن تعلم أن هذه الكلمة مشتملة على الكفر بالطاغوت والإيمان بالله، فإنك لما نفيت الإلهية وأثبت الإيجاب لله -سبحانه- كنت ممن كفر بالطاغوت وآمن بالله ... وقال ابن رجب: "الإله" هو الذي يطاع فلا يعصى هيبة له وإجلالاً ومحبة وخوفاً ... فمن أشرك مخلوقاً في شيء من هذه الأمور التي هي من خصائص الإلهية كان ذلك قدحاً في إخلاصه في قول: (لا إله إلا الله) وكان فيه من عبودية المخلوق بحسب ما فيه من ذلك.
وقال البقاعي: "لا إله إلا الله" أي انتفى انتفاء عظيماً أن يكون معبود بحق غير الملك الأعظم، فإن هذا العلم هو أعظم الذكرى المنجية من أهوال الساعة، وإنما يكون علماً إذا كان نافعاً وإنما يكون نافعاً إذا كان مع الإذعان والعمل بما تقتضيه وإلا فهو جهل
стр. 68
صرف ... "فلا إله إلا الله" لا تنفع إلا من عرف مدلولها نفياً وإثباتاً واعتقد ذلك وقبله وعمل به. وأما من قالها من غير علم واعتقاد وعمل فقد تقدم في كلام العلماء أن هذا جهل صرف فهي حجة عليه بلا ريب (١) اهـ.
وقال صاحب تيسير العزيز الحميد: قوله: "من شهد أن لا إله إلا الله". أي من تكلم بهذه الكلمة عارفاً لمعناها عاملاً بمقتضاها باطناً وظاهراً كما دل عليه قوله: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) [محمد: ٢٠]. وقوله: (إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) [الزخرف: ٨٧]. أما النطق: بها من غير معرفة لمعناها ولا عمل بمقتضاها فإن ذلك غير نافع بالإجماع. وفي الحديث ما يدل على ذلك وهو قوله: "من شهد". إذ كيف يشهد وهو لا يعلم ومجرد النطق بشيء لا يسمى شهادة به (٢) اهـ.
قلت: فهذه الأدلة من الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة وأئمتها تدل بيقين على أن الشهادة لا تكون إلا بالنطق مع العلم والتصديق بالمعلوم على ما هو عليه. وأما النطق بلا علم فلا يسمى شهادة البتة.
فقول النبي، ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله". دل بيقين على اشتراط العلم بمدلول الشهادتين لعصمة الدم والمال والحكم بالإسلام وحتى لا يظن ظان من هذا الحديث أن العصمة موقوفة على التلفظ والعلم دون العمل بمقتضى الشهادتين تأتي الرواية الثالثة: "من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله".
المبحث الثالث: الكفر بما يعبد من دون الله شرط في عصمة الدم والمال:
قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب تعليقاً على حديث الباب: "من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله".
وهذا من أعظم ما يبين معنى "لا إله إلا الله" فإنه لم يجعل: التلفظ بها عاصماً للدم والمال، بل ولا معرفة معناها مع لفظها، بل ولا الإقرار بذلك، بل ولا كونه لا يدعو إلا الله
стр. 69
وحده لا شريك له، بل لا يحرم ماله ودمه حتى يضيف إلى ذلك الكفر بما يعبد من دون الله. فإن شك أو توقف لم يحرم ماله ودمه. فيا لها من مسألة ما أعظمها وأجلها، ويا له من بيان ما أوضحه وحجة ما أقطعها للمنازع.
قال الشارح (١) قوله: من قال: "لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله". اعلم أن النبي علّق عصمة المال والدم في هذا الحديث بأمرين: الأول قول: "لا إله إلا الله". عن علم ويقين كما هو قيد في قولها في غير ما حديث كما تقدم. والثاني: الكفر بما يعبد من دون الله فلم يكتف باللفظ المجرد عن المعنى بل لا بد من قولها والعمل بها.
قلت (٢): وفيه معنى: "فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ". (ثم أتى بقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب في شرح الحديث المذكور آنفاً ثم قال).
قلت (٣): وهذا هو الشرط المصحح لقوله: "لا إله إلا الله" فلا يصح قولها بدون هذه الخمس التي ذكرها المصنف ﵀ أصلاً، قال -تعالى-: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه). وقال: (فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ... فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ). أمر بقتالهم حتى: يتوبوا من الشرك ويخلصوا أعمالهم لله -تعالى- ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإن أبوا عن ذلك أو بعضه قوتلوا إجماعاً.
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة مرفوعاً: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به ... ". وفي الصحيحين عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ... ". وهذان الحديثان تفسير الآيتين: آية الأنفال، وآية براءة. وقد أجمع العلماء على أن من قال: "لا إله إلا الله". ولم يعتقد معناها ولم يعمل بمقتضاها: أنه يقاتل حتى يعمل بما دلت عليه من النفي والإثبات.
قال أبو سليمان الخطابي ﵀ في قوله: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله". معلوم أن المراد بهذا أهل عبادة الأوثان، دون أهل الكتاب، لأنهم يقولون: "لا إله إلا الله" ثم يقاتلون ولا يرفع عنهم السيف. وقال القاضي عياض: اختصاص عصمة المال والنفس: "بمن قال لا إله إلا الله" تعبير عن الإجابة إلى الإيمان وأن المراد بذلك مشركوا العرب وأهل الأوثان، فأما غيرهم ممن يقر بالتوحيد فلا يكتفي في عصمته بقوله: "لا إله إلا
стр. 70
الله" إذ كان يقولها في كفره. انتهى ملخصاً: ...
"قوله وحسابه على الله" أي: الله ﵎ وهو الذي يتولى حساب الذي يشهد بلسانه بهذه الشهادة، فإن كان صادقاً جازاه بجنات النعيم، وإن كان منافقاً عذّبه العذاب الأليم. وأما في الدنيا فالحكم على الظاهر، فمن أتى بالتوحيد ولم يأت بما ينافيه ظاهراً والتزم شرائع الإسلام وجب الكف عنه.
قلت (١): وأفاد الحديث أن الإنسان قد يقول: "لا إله إلا الله" ولا يكفر بما يعبد من دون الله، فلم يأت بما بعصم دمه وماله كما دل على ذلك الآيات المحكمات والأحاديث (٢) اهـ.
قلت: فهذا التفصيل والبيان لمعنى هذه الأحاديث التي جاءت في عصمة الدم والمال وبيان أن العلم بالشهادتين والتزام التوحيد والبراءة من الشرك شروط في إجراء الأحكام والانتفاع بها في الدارين بإجماع العلماء.
ونقل الشارح: كلام الإمامين أبي سليمان الخطابي، والقاضي عياض خير بيان لمناط (وكفر بما يعبد من دون الله) أي: من نطق بالشهادتين مع تلبسه بالشرك ساعة نطقه فلم يأت بالشرط الآخر وهو (وكفر بما يعبد من دون الله) فلا عصمة لدمه وماله والحال هكذا، وأما من أتى بالتوحيد ولم يأت بما ينافيه وقبل شرائع الإسلام فقد أتى بما يعصم دمه وماله ويحكم له بالإسلام في الظاهر وحسابه على الله.
قال الإمام محمد بن الحسن الشيباني ذكر عن الحسن ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ... ".
قال: فكان رسول الله ﷺ يقاتل عبدة الأوثان وهم قوم لا يوحدون الله، فمن قال منهم: لا إله إلا الله كان ذلك دليلاً على إسلامه.
والحاصل أنه يحكم بإسلامه إذا أقرّ: بخلاف ما كان معلوماً من اعتقاده لأنه لا طريق إلى الوقوف على حقيقة الاعتقاد لنا فنستدل بما نسمع من إقراره على اعتقاده. فإذا أقرّ: بخلاف
стр. 71
ما هو معلوم من اعتقاده استدللنا به على أنه بدل اعتقاده. وعبدة الأوثان كانوا يقرون بالله -تعالى- قال الله -تعالى-: (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) [الزخرف: ٨٧]. ولكن كانوا لا يقرون بالوحدانية قال الله -تعالى-: (إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ) [الصافات: ٣٥]. وقال فيما أخبر عنهم: (أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ) [ص:: ٥]. فمن قال منهم: لا إله إلا الله فقد أخبر بما هو مخالف لاعتقاده فلهذا جُعل ذلك دليل إيمانه فقال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله" (١). اهـ.
المبحث الرابع: كلمة التوحيد تعصم قائلها بشرط البراءة من الشرك:
وقال أبو بطين: وأيضاً فالمقصود من لا إله إلا الله: البراءة من الشرك وعبادة غير الله -تعالى- ومشركوا العرب يعرفون المراد منها لأنهم أهل لسان فإذا قال أحدهم: (لا إله إلا الله) فقد تبرأ من الشرك وعبادة غير الله -تعالى-. فلو قال: "لا إله إلا الله" وهو مصر على عبادة غير الله لم تعصمه هذه الكلمة لقوله : (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ -أي شرك- وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه). وقوله: (فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ -إلى قوله- فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ). وقال النبي ﷺ : "بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له". وهذا معنى قوله -تعالى-: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ -أي الطاعة- كُلُّهُ لِلّه). وهذا معنى لا إله إلا الله (٢) اهـ.
وقال صاحب تيسير العزيز الحميد (٣): فمن صرف شيئاً مما لا يصلح إلا لله من العبادات لغير الله فهو مشرك ولو نطق: بلا إله إلا الله إذ لم يعمل بما تقتضيه من التوحيد والإخلاص.
وقال في ص: ٥٨ وقد بين النبي بقوله: "وحده لا شريك له". تنبيهاً على أن الإنسان قد يقولها وهو مشرك: كاليهود والمنافقين وعباد القبور لما رأوا ان النبي دعا قومه إلى قول لا إله إلا الله ظنوا أنه إنما دعاهم إلى النطق بها فقط. وهذا جهل عظيم وهو ﵇ إنما دعاهم إليها ليقولوها ويعملوا بمعناها ويتركوا عبادة غير الله. ولهذا قالوا: (أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ) [الصافات: ٣٦]. وقالوا: (أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً) [ص:: ٥]. فلهذا: أبوا
стр. 72
عن النطق بها. وإلا فلو قالوها وبقوا على عبادة اللات والعزى ومناة لم يكونوا مسلمين ولقاتلهم ﵇ حتى يخلعوا الأنداد ويتركوا عبادتها ويعبدوا الله وحده لا شريك له وهذا أمر معلوم بالاضطرار من الكتاب والسنة والإجماع.
وقال في ص: ٦٠ ولا ريب أنه لو قالها أحد من المشركين ونطق أيضاً بشهادة أن محمداً رسول الله ولم يعرف معنى الإله ومعنى الرسول وصلى وصام وحج ولا يدري ما ذلك إلا أنه رأى الناس يفعلونه فتابعهم ولم يفعل شيئاً من الشرك فإنه لا يشك أحد في عدم إسلامه وقد أفتى بذلك فقهاء الغرب كلهم في أول القرن الحادي عشر أو قبله في شخص كان كذلك كما ذكره صاحب "الدر الثمين في شرح المرشد المعين" من المالكية ثم قال شارحه: وهذا الذي أفتوا به جلي في غاية الجلاء لا يمكن أن يختلف فيه اثنان. انتهى. ولا ريب أن عُبّاد القبور أشد من هذا لأنهم اعتقدوا الإلهية في أرباب متفرقين اهـ.
قلت: قوله ﵀ -تعالى-: "لا يشك أحد في إسلامه" أي: الإسلام المنجي في الآخرة وإن كان معه الإسلام -الذي تجري به الأحكام ويعصم الدم والمال -في الدنيا- لبراءته: من الشرك وانقياده للشرع في الظاهر- وهذا هو الذي يسميه الفقهاء: بالإسلام الحكمي.
قال ابن تيمية: لكن لما كان غالب المسلمين يولد بين أبوين مسلمين يصيرون مسلمين إسلاماً حكمياً من غير أن يوجد منهم إيمان بالفعل. ثم إذا بلغوا فمنهم من يرزق الإيمان الفعلي فيؤدي الفرائض، ومنهم من يفعل ما يفعله بحكم العادة المحضة والمتابعة لأقاربه وأهل بلده ونحو ذلك: مثل أن يؤدي الزكاة لأن العادة أن السلطان يأخذ الكلف، ولم يستشعر وجوبها عليه لا جملة ولا تفصيلاً فلا فرق عنده بين الكلف المبتدعة، وبين الزكاة المشروعة، أو من يخرج من أهل مكة [كل] سنة إلى عرفات: لأن العادة جارية بذلك من غير استشعار أن هذه عبادة لله لا جملة ولا تفصيلاً أو يقاتل الكفار لأن قومه قاتلوهم فقاتل تبعاً لقومه ونحو ذلك، فهؤلاء لا تصح عبادتهم بلا تردد بل نصوص الكتاب والسنة وإجماع الأمة قاضية بأن هذه الأعمال لا تسقط الفرض .. وأيضاً فغالب الناس إسلامهم حكمي، وإنما يدخل في قلوبهم في أثناء الأمر إن دخل. فإن لم توجب عليهم هذه النية لم يقصدوها فتخلوا قلوبهم منها فيصيرون منافقين إنما يعملون الأعمال عادة ومتابعة كما هو واقع كثير من الناس (١) اهـ.
стр. 73
الإسلام الحكمي:
قلت: وهذا العبد -والله أعلم- الذي يوصف بالإسلام الحكمي هو الذي ظاهره: التوحيد والانتهاء عن الشرك والتزام الفرائض. بيد أنه لا يرجو ثواباً لفعلها ولا يخشى عقاباً من تركها وإنما يفعل الإسلام من باب متابعة الآباء المتابعة المحضة يرجو ثوابهم ويخشى عقابهم، ولولا هذا ما فعل وترك وهذا هو التقليد المذموم وهو قبول قول الغير بغير حجة وبرهان. بخلاف من قلّد في الحق واستسلم لله وحده لا شريك له لأنه دين الله يرجو ثوابه ويخشى عقابه ويعتقد وجوب متابعة نبيه، ﷺ ، فهو يسأل ويتحرى ويقلِّد من أجل الفوز برضوان الله في الدنيا والآخرة، وليس لمتابعة دين الآباء أياً كان هذا الدين، وإن لم يعلم أدلة المسائل التي قلدها فهذا لا ريب أنه مسلم بلا خلاف بين الأمة دون أهل الابتداع فلا يعتبر اختلافهم فيما هذا شأنه.
فالأول يبحث عن دين الآباء ومتابعته لهم ولا يبالي هل أصاب دين الله أم لا. وهو مقلِّد.
والثاني يبحث لكن عن دين الله ومتابعة نبيه، ﷺ ، وهو أيضاً مقلِّد. ولكن هذا حقق الإسلام ظاهراً وباطناً والأول حقق الإسلام في الظاهر ما لم يتلبس بناقض ولم يحققه باطناً وينطبق عليه الحديث الذي في البخاري -والله -تعالى- أعلم.
(أما المنافق والكافر فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول لا أدري؛ كنت أقول ما يقول الناس) قال الحافظ وفيه ذم التقليد في الاعتقادات لمعاقبة من قال: كنت أسمع الناس يقولون شيئاً فقلته (١) اهـ.
وهذا الذي تحدث عنه ابن تيمية (من قبل) بقوله: لا يشفعون لمن قال هذه الكلمة تقليداً للآباء والشيوخ.
ومن المعلوم بيقين أن المنافق سمع الناس يقولون أن محمداً رسول الله، ﷺ ، فقالها إلا أنه قالها متابعة للناس ولتحسين وتقبيح الآباء ولو كانوا قالوا عن مسيلمة الكذّاب -عليه لعنة الله- أنه رسول الله لتبعهم أيضاً.
стр. 74
وهناك فريق يقول: إنه رسول الله في الظاهر ويعتقد بطلان رسالته في الباطن وهذا ضرب آخر من المنافقين والحديث يعم جميع أنواع المنافقين والله أعلم.
وموطن الاستدلال: أن هذا العبد الذي حقق الإسلام في الظاهر لكن بلا علم ويقين لم تتحقق له النجاة مع انتهائه عن الشرك والتزامه للشرع في الظاهر فكيف بمن لم يتحقق له العلم بمدلول الشهادتين والتبس بالشرك وفعله وحسّنه ودعا إليه ووالى أهله وقبّح التوحيد وتركه وصد الناس عنه وعادى أهله؟!
المبحث الخامس: لب التوحيد معرفة الله:
الحديث الثاني: أخرج الشيخان واللفظ للبخاري ﵀ عن ابن عباس- ﵄ قال: قال رسول الله، ﷺ ، لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: "إنك ستأتي قوماً أهل كتاب فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة ... " الحديث.
قال الحافظ ففي رواية روح بن القاسم عنه: "فأول ما تدعوهم إليه عبادة الله فإذا عرفوا الله". وفي رواية الفضل بن العلاء عنه: "إلى أن يوحدوا الله فإذا عرفوا ذلك". ويجمع بينهما بأن المراد بعبادة الله: توحيده. وبتوحيده: الشهادة له بذلك ولنبيه بالرسالة. ووقعت البداءة بهما لأنهما أصل الدين الذي لا يصح شيء غيرهما إلا بهما. فمن كان منهم غير موحّد فالمطالبة متوجهة إليه بكل واحدة من الشهادتين على التعيين ومن كان موحداً فالمطالبة بين الإقرار بالوحدانية والإقرار بالرسالة وإن كانوا يعتقدون ما يقتضي: الإشراك أو يستلزمه كمن يقول: ببنوة عزير أو يعتقد التشبيه فتكون مطالبتهم بالتوحيد لنفي ما يلزم من عقائدهم. واستدل به من قال من العلماء: إنه لا يشترط التبري من كل دين يخالف دين الإسلام، خلافاً لمن قال: إن من كان كافراً بشيء وهو مؤمن بغيره لم يدخل في الإسلام إلا بترك اعتقاد ما كفر به. والجواب: أن اعتقاد الشهادتين يستلزم ترك اعتقاد التشبيه ودعوى بنوة عزير وغيره فيكتفي بذلك.
واستدل به على أنه لا يكفي في الإسلام الاقتصار على شهادة أن: لا إله إلا الله حتى يضيف إليها الشهادة لمحمد ﷺ بالرسالة وهو قول الجمهور، وقال بعضهم: يصير بالأولى
стр. 75
مسلماً، وبطالب بالثانية، وفائدة الخلاف تظهر بالحكم بالردة.
قوله: (فإن هم أطاعوا لك بذلك) أي شهدوا وانقادوا وفي رواية ابن خزيمة: "فإن هم أجابوا لذلك" وفي رواية الفضل بن العلاء كما تقدم: "فإذا عرفوا ذلك" وعدى أطاع باللام وإن كان يتعدى بنفسه لتضمنه: معنى انقاد. واستدل به على أن أهل الكتاب: ليسوا بعارفين وإن كانوا يعبدون الله ويظهرون معرفته، لكن قال حذاق المتكلمين: ما عرف الله من شبهه بخلقه أو أضاف إليه اليد أو أضاف إليه الولد، فمعبودهم الذي عبدوه ليس هو الله وإن سموه به (١) اهـ.
وقال الشيخ عبد العزيز بن باز تعليقاً على الجملة السابقة كلاماً مهماً يقرأ بعناية في الهامش من الكتاب: "لا شك أن من شبّه الله بخلقه أو أضاف إليه الولد جاهل به -سبحانه- ولم يقدره حق قدره لأنه -سبحانه- لا شبيه له ولم يتخذ صاحبة ولا ولداً. وأما إضافة اليد إليه -سبحانه- فمحل تفصيل فمن أضافها إليه -سبحانه- على أنها من جنس أيدي المخلوقين فهو مشبه ضال، وأما من أضافها إليه على الوجه الذي يليق بجلاله من غير أن يشابه خلقه في ذلك فهذا حق وإثباتها لله على هذا الوجه واجب كما نطق به القرآن وصحّت به السنة وهو مذهب أهل السنة فتنبه والله الموفق.
قلت: يلاحظ من هذا النقل السخي بالعبر والفوائد أن التوحيد والشهادة بالرسالة هما أصل الدين ويجب البداءة بهما لأنه لا يصح شيء دونهما إلا بهما.
أن الله الواحد القهار له صفات لا تتصور الذات بدونها ومفهوم التأله قائم عليها فمن جهلها جهل الله وأشرك به وإن ادعى غير هذا ويكون معبوده الحقيقي ليس هو الله ونحن المسلمين نتبرأ من معبوده لقوله -تعالى-: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ).
قال النووي تعليقاً على هذا الحديث نقلاً عن القاضي عياض قال القاضي عياض ﵀ هذا يدل على أنهم ليسوا بعارفين الله -تعالى- وهو مذهب حذاق المتكلمين في اليهود والنصارى أنهم غير عارفين الله -تعالى- وإن كانوا يعبدونه ويظهرون معرفته لدلالة السمع عندهم على هذا، وإن كان العقل لا يمنع أن يعرف الله -تعالى- من كذب رسولاً، قال القاضي عياض -رحمه الله تعالى- ما عرف الله -تعالى- من شبهه وجسمه من اليهود، أو أجاز