← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 1416

تحرير علوم الحديث

عبد الله الجديع

Полный текст (1 074 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وقال أبو حاتم الرازي: " كان شعبة بصيراً بالحديث جداً، فهماً له، كأنه خلق لهذا الشأن " (١). قلت: وكان من شدة تحريه أنه قل من كان يرضى من الرواة؛ لذا فإنه إذا وثق رجلاً فذاك، ما لم تقم حجة بينة على خلافه، وإذا جرح فاحتط من جرحه. ٢ _ مالك بن أنس (المتوفى سنة: ١٧٩). من أتباع التابعين، إمام دار الهجرة. قال بشر بن عمر الزهراني: سألت مالكاً عن رجل؟ فقال: " هل رأيته في كتبي؟ "، قلت: لا، قال: " لو كان ثقة رأيته " (٢). قلت: وهذا يدل على شدة انتقائه للرواة، ومن أجله عدت روايته عن الرجل توثيقاً له. وقال علي بن المديني: " كل مدني لم يحدث عنه مالك ففي حديثه شيء , ولا أعلم مالكاً ترك إنساناً إلا إنساناً في حديثه شيء " (٣). ٣ _ يحيى بن سعيد القطان (المتوفى سنة: ١٩٨). وهو تلميذ شعبة وخريجه، وجارٍ على طريقه ومنهاجه، وكان من أبصر الأمة بالرواة. قال أبو الوليد الطيالسي: " ما رأيت أحداً كان أعلم بالحديث ولا بالرجال من يحيى بن سعيد " (٤).

стр. 212

وكان متشدداً، حتى قال لو لم أرو إلا عن كل من أرضى، ما رويت إلا عن خمسة " (١). وقال محمد بن بشار بندار: سمعت يحيى بن سعيد يقول وقلت له: عن ثقة؟ فقال: " لا تقل (عن ثقة)، لو حققت لك ما حدثتك إلا عن أربعة: ابن عون، وشعبة، ومسعر، وهشام الدستوائي " (٢). ويحيى القطان لم يرد بهذا جرح سائر من أدرك من النقلة، وفيهم من هو معروف بالحفظ والإتقان، وإنما الشأن كما قال الحاكم: " فيحيى بن سعيد في إتقانه وكثرة شيوخه يقول مثل هذا القول، ويعني بالخمسة الشيوخ الأئمة الحفاظ الثقات الأثبات " (٣)، وكما قال أبو الوليد الباجي: " لاخلاف أنه أراد بذلك النهاية فيما يرضيه؛ لأنه قد أدرك من الأئمة الذين لا يطعن عليهم أكثر من هذا العدد " وذكر جماعة من كبار حفاظ شيوخه (٤). وقال يحيى بن معين: " كان يحيى بن سعيد القطان يضعف عبد الحميد بن جعفر "، قال الدوري: قلت ليحيى: قد روى عنه يحيى بن سعيد، قال: " روى عنه ويضعفه "، قال يحيى: " وقد كان يحيى بن سعيد يروي عن قوم وما كانوا يساوون عنده شيئاً (٥). قلت: وإنما كان يفعل في رواة لم يبلغوا السقوط، وإن لم يكونوا عنده في المحل الذي يعدهم فيه من الثقات.

стр. 213

٤ _ عبد الرحمن بن مهدي (المتوفى سنة: ١٩٨). هو تلميذ شعبة كذلك، وصاحب يحيى القطان، كان إماماً في تمييز النقلة، إماماً في معرفة علل الحديث. قال تلميذه علي بن المديني: " أعلم الناس بالحديث عبد الرحمن بن مهدي " (١). وقال: " والله، لو أخِذْت وحُلِّفتُ بين الركن والمقام لحلفت بالله أني لم أر قط أعلم بالحديث من عبد الرحمن بن مهدي " (٢). مقارنة بينه وبين يحيى القطان: روي عن ابن المديني قال: " إذا اجتمع يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي على ترك رجل لم أحدِّث عنه، فإذا اختلفا أخذت بقول عبد الرحمن؛ لأنه أقصدهما، وكان في يحيى تشدد " (٣). قلت: وهذا الاختيار يؤيده الواقع التطبيقي في شأن من اختلفا فيه من الرواة. أما إذا اتفقا فحسبك. قال الذهبي، وذكر ابن المهدي: " كان هو ويحيى القطان قد انتدبا لنقد الرجال، وناهيك بهما جلالة ونبلاً وعلماً وفضلاً، فمن جرحاه لا يكاد _ والله _ يندمل جرحه، ومن وثقاه فهو الحجة المقبول، ومن اختلفا فيه اجتُهِد في أمره، ونزل عن درجة الصحيح إلى الحسن، وقد وثقا خلقاً كثيراً، وضعفا آخرين " (٤).

стр. 214

٥ _ أبو مسهر عبد الأعلى بن مسهر الغساني (المتوفى سنة ٢١٨). إمام أهل الشام، والمقدم في هذا الفن في معرفة رواة بلده. قال ابن حبان: " كان يقبل كلامه في التعديل والجرح في أهل بلده، كما كان يقبل ذلك من أحمد ويحيى بالعراق، وكان يحيى بن معين يفخم أمره " (١). ٦ _ يحيى معين (المتوفى سنة: ٢٣٣). هو رأس هذا العلم في معرفة الرجال، وإليه المنتهى فيه، فقل من الرواة وندر من لم يعرف له فيه تعديل أو جرح، كما أنه رأس في معرفة علل الحديث. وقد قال فيه صاحبه أحمد بن حنبل: " يعرف خطأ الحديث " (٢). وقال: " أعرفنا بالرجال يحيى بن معين " (٣). وقال الآجري: قلت لأبي داود: أيما أعلم بالرجال: يحيى، أو علي بن عبد الله؟ قال: " يحيى عالم بالرجال، وليس عند علي من خبر أهل الشام شيء " (٤). قال أبو حاتم الرازي في ترجمة (يوسف بن خالد السمتي): " أنكرت قول يحيى بن معين فيه: إنه زنديق، حتى حمل إلي كتاب قد وضعه في

стр. 215

التهجم بابا بابا، ينكر الميزان في القيامة، فعلمت أن يحيى بن معين كان لا يتكلم إلا على بصيرة وفهم " (١). وقال ابن عدي: " به تستبرأ أحوال الضعفاء " (٢). وأطلق عليه بعض المتأخرين نعت التشدد، وهذا إن أريد به أنه كان يجرح بالغلطة، فليس صواباً، فقد وثق وأثنى على كثيرين نالهم غيره بالجرح، بل طريقته من أسد الطرق وألصقها بالعدل، لكنه كان كثير الكلام في النقلة، حتى قل أن يوجد راو ممن تقدمه أو كان في زمانه لم ينزله يحيى منزلته من تعديل أو جرح؛ لذا صح أن يكون من سكت عنه ألصق بالتعديل منه بالجرح. لذا ربما شدد في عبارة الجرح تارة في رواة قليلين من أجل ما بدا له فيهم من استحقاق ذلك التشديد، ولم يكن عادة مطردة له، بل عادته كما ذكرت قبل الاعتدال في العبارة. ومن أمثلة ما يعد من مبالغة في الجرح: (١) قوله في (سويد بن سعيد): " لو كان لي فرس ورمح لكنت أغزو سويد بن سعيد " (٣). وقال أبو زرعة الرازي: قلنا ليحيى بن معين: إن سويد بن سعيد يحدث عن ابن أبي الرجال عن ابن أبي رواد عن نافع عن ابن عمر، أن النبي ﷺ قال: من قال في ديننا برأيه فاقتلوه، فقال يحيى: " سويد ينبغي أن يبدأ به فيقتل " (٤).

стр. 216

وقال في رواية أبي داود عنه: " هو حلال الدم " (١). قلت: وتحرير أمره ليس كما قال يحيى، وإنما هو في الأصل صدوق ثقة، لكنه أتي من التدليس، حيث كان يكثر منه، وأنه كان عمي فصار يلقن ما ليس من حديثه فيحدث به. (٢) وقال عبد الله بن أحمد: سألت يحيى قلت: شيخ بالكوفة يقال له: زكريا الكسائي، فقال: رجل سوء يحدث بحديث سوء "، قلت ليحيى: إنه قد قال لي: إنك قد كتبت عنه، فحول يحيى وجهه إلى القبلة وحلف بالله مجتهداً أنه لا يعرفه ولا أتاه ولا كتب عنه، إلا أن يكون رآه في طريق وهو لا يعرفه، ثم قال يحيى: " يستاهل أن يحفر له بئر ثم يلقى فيه " (٢). قلت: وهذا هو زكريا بن يحيى الكسائي، كوفي متروك الحديث. وهذا التشديد من يحيى فيه وفي سويد مشعر بأنه صدر مصدر الغضب للدين، فيحيى محمود على حسن قصده فيه إن شاء الله، أما الذي يهمنا فهو منزلة الراوي في روايته، وكلام يحيى في مثله لا غنى لمشتغل بهذا العلم عنه؛ لقوة معرفته وسداد رأيه. ٧ _ علي بن عبد الله ابن المديني (المتوفى سنة: ٢٣٤). قال أحمد بن حنبل: " أعلمنا بالعلل علي بن المديني " (٣). وقال البخاري: " ما استصغرت نفسي عند أحد إلا عند علي بن المديني " (٤). وقال أبو حاتم الرازي: " كان عَلَماً في الناس في معرفة الحديث والعلل " (٥).

стр. 217

وقال ابن أبي حاتم: سئل أبو زرعة (يعني الرازي) عن فضيل بن سليمان؟ فقال: " لين الحديث، روى عنه علي بن المديني، وكان من المتشددين " (١). أراد فاجعل من روايته عنه توثيقاً، فإنه كان غاية في الاحتياط. ٨ _ أحمد بن حنبل (المتوفى سنة: ٢٤١). قدوة الناس، وسلطان هذه الصنعة، حتى إنك ترى الإمام الناقد العارف بهذا الفن يجد لرأي أحمد في رجل أو حديث هيبة، لا يملك دفعها، بل إنه ليدفع عن نفسه التردد في الشيء اقتداء بأحمد. فهذا الناقد البصير أبو حاتم الرازي يقول في (أبي معشر نجيح السندي): " كنت أهاب حديث أبي معشر، حتى رأيت أحمد بن حنبل يحدث عن رجل عنه أحاديث، فتوسعت بعد في كتابة حديثه " (٢). وأحمد رأسٌ في التثبت في الجرح والتعديل، وسَط العبارة، قوله حكمٌ بين الأقوال، قلما تصيرُ بالمحقق نتيجةُ تحقيقه فيمن اختُلف فيه إلى خلافٍ قوْل أحمد. وبه تخرَّج رءوس هذا العلم بعده، كالبخاري وأبي داود السجستاني وأبي زُرعة الرازي، وأبي زُرعة الدمشقي، وغيرهم. ٩ _ محمد بن إسماعيل البخاري (المتوفى سنة: ٢٥٦). قال الترمذي: " لم أر أحداً بالعراق ولا بخراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد كبير أحد أعلم من محمد بن إسماعيل " (٣).

стр. 218

قلت: البخاري صنع للناس منهاجاً في تمييز الصحييح من السقيم، كما أتى على تتبع النقلة على صفة لم يسبق إليها، وصنف في كل ذلك ما صار للناس إماماً في صنوف هذا العلم، وعلى منهاجه وأثره جرى مسلم بن الحجاج في تصنيف (الصحيح) وإن انفرد فيه بزيادة وتهذيب، وكذا صار القدوة لجميع من جاء من بعد فجرد الصحيح , وبه تخرج الناقد أبو عيسى الترمذي. وعلى كتابه في " التاريخ " بنى ابن أبي حاتم كتابه " الجرح والتعديل "، فصار يعرض تراجمه على أبيه أبي حاتم وصاحبه أبي زرعة، ويجيبان بما يأتي على الموافقة والتصديق لما قاله البخاري في أكثر ذلك الكتاب، ثم يزيدان مع ابن أبي حاتم الفوائد مما لم يذكره، ولا يتعقبان البخاري إلا في المواضع اليسيرة. فأصَّل لذلك البخاري، وهؤلاء الأئمة بعده بنوا على علمه وجروا على أثره، فمعاناته أعظم، وفضله على الجميع إن شاء الله أكبر، ﵀. ١٠ _ أبو زرعة الرازي عبيد الله بن عبد الكريم (المتوفى سنة: ٢٦٤). قال الذهبي: " يعجبني كثيراً كلام أبي زرعة في الجرح والتعديل، يبين عليه الورع والمخبرة، بخلاف رفيقه أبي حاتم، فإنه جراح " (١). ١١ _ أبو حاتم الرازي محمد بن إدريس (المتوفى سنة: ٢٧٧). قال الذهبي: " إذا وثق أبو حاتم رجلاً فتمسك بقوله، فإنه لا يوثق إلا رجلاً صحيح الحديث، وإذا لين رجلاً أو قال فيه: لا يحتج به، فتوقف، حتى ترى ما قال غيره فيه، فإن وثقه أحد، فلا تبن على تجريح أبي حاتم؛

стр. 219

فإنه متعنِّت في الرجال، قد قال في طائفة من رجال الصحاح: ليس بحجة، ليس بقوي، أو نحو ذلك " (١). قلت هؤلاء الأعلام نماذج رءوس المؤسسين لموازين نقد الرواة، وفي طبقة كل آخرون من كبار الأئمة تكلموا في تمييز النقلة، ومن مدارس هؤلاء تخرج من انتهى إليه الناس في أزمانهم في معرفة هذا العلم، وعلى أثرهم جرى من جاء من بعد من متأخري العلماء حين ناقشوا أحوال النقلة وصنفوا فيهم، كالنسائي وابن خزيمة والعقيلي وابن عدي وابن حبان والدارقطني والحاكم النيسابوري والخطيب البغدادي وابن عبد البر وابن عساكر والمزي والذهبي وابن حجر العسقلاني، وغيرهم من أهل الطبقات المختلفة، ﵃. * * *

стр. 220

الفصل الثاني تفسير التعديل

стр. 221

المبحث الأول: معنى العدالة رواية الحديث لا يجوز إجراؤها على مجرد حسن الظن في الناقل، حتى تبرأ ساحته وتثبت أهليته، وقد قال عبد الرحمن بن مهدي: " خصلتان لا يستقيم فيهما حسن الظن: الحكم، والحديث " (١). قلت: يؤيد ذلك ثبوت الجرح في كثير من الرواة. والأساس الذي ينبني عليه قبول حديث الراوي مما يتصل بشخصه: أن يكون عدلاً في نفسه، ضابطاً لما يرويه. فهذان أصلان: العدالة، والضبط، لا بد من اجتماعهما فيه على سبيل ثبوتهما كصفة للناقل، لا يصح اعتماد نقله بدونهما. فما هو معنى العدالة؟ العدل في اللغة، قال ابن فارس: " العدل من الناس: المرضي المستوي الطريقة " (٢).

стр. 222

أما في الشرع، فالمعتبر في العدالة بعد الإسلام: هو السلوك الظاهر من الراوي، مما عرف معه أنه على استقامةٍ. والإنسان يذكر بالخير أو بالشر بحسب ما يبدو منه، والسرائر موكولة إلى الله، فليس اعتبارها والبحث عنها مطلوباً لإثبات العدالة. وقد صح عن عمر بن الخطاب ﵁، قال: " إن أناساً كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله ﷺ ، وإن الوحي قد انقطع، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم، فمن أظهر لنا خيراً أمنَّاه وقرَّبناه، وليس إلينا من سريرته شيء، الله يحاسبه في سريرته، ومن أظهر لنا سوءاً لم نأمنه ولم نصدقه وإن قال: إن سريرته حسنة " (١). والحد المعتبر في السلوك الظاهر: أن لا يوقف منه على مفسق في دينه. و لا يصلح عد الصغائر مفسقات ، من أجل انتفاء العصمة منها، فإن الله تعالى قال عن عباده في مقام الثناء عليهم: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [النجم: ٣٢]. وقد قال ابن عباس: ما رأيت شيئاً أشبه باللمم مما قال أبو هريرة، عن النبي ﷺ : " إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا، أدرك ذلك لا محالة، فزنا العين النظر، وزنا اللسان المنطق، والنفس تتمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك كله أو يكذبه " (٢). قلت: فهذا دليل على أن الصغائر لا ينفك عنها عموم البشر، وهي

стр. 223

تكفر عن صاحبها بالحسنات الماحية، كالصلوات الخمس، وشهود الجمعة، وصوم رمضان، والاستغفار، والصدقة وغير ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَأَقِمْ الصَّلاةَ طَرَفِي النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنْ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤]. ولا يكون الفسق إلا بما يحتمل الشبهة في الشيء الذي يحكى عن الراوي، فقول مثلاً: (فلان كان يشرب المسكر)، كما قيلت في بعض الرواة، فهذه تحتمل أن يكون مراد قائلها بالمسكر: ما كان يراه أهل الكوفة في النبيذ ويستبيحونه منه، وهو مذهب كثير من ثقاتهم وفقهائهم، فلا يكون مفسقاً؛ لما يجري فيه من التأويل. والفسق لا يجامع التأويل الذي ظهر وجهه. أي: من وقع في مفسق متأولاً، فلا يفسق به، من أجل اعتقاده أنه غير مفسق، وذلك كالبدعة أيضاً، فهذا لا ينافي العدالة. وكذلك من غلب فضله وصلاحه، فالأصل اعتبار ذلك منه، ما دام غالب حاله الاستقامة. قال الشافعي: " لا نعلم أحداً أعطي طاعة الله تعالى حتى لم يخلطها بمعصية، إلا يحيى بن زكريا، ولا عصى الله عزوجل فلم يخلط بطاعة، فإذا كان الأغلب الطاعة فهو المعدل، وإذا كان الأغلب المعصية فهو المجرح " (١). ويأتي لهذا مزيد بيان وتمثيل في الكلام على (صور الجرح غير المؤثر). وهذه هي العدالة الدينية، ولا تغني وحدها لقبول حديث الراوي، حتى ينضم إليها ركن الضبط والإتقان لما يرويه.

стр. 224

المبحث الثاني: الدليل على اشتراط عدالة الناقل لقبول خبره دل على ذلك النصوص النقلية من جهتين: الأولى: إلغاء القرآن الاعتداد بخبر الفاسق لذاته، في قوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦]. والفاسق ضد العدل، فإذا ألغى تصديق الفاسق في خبره، وأوجب التحري، من أجل أن الفسق لا يمنع الكذب، بل الكذب ذاته من خصال الفسق، فدل مفهمومه: أن الخبر العدل مقبول. والجهة الثانية: ما فرض الله من العدالة في الشهود في غير موضع من كتابه، كما قال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، وكما قال سبحانه: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. ووجه الدلالة في ذلك على وجوب العدالة لقبول الأخبار، هو أن إيجاب العدالة في الشاهد من أجل ما يحتاج إليه من صدقه لإثبات الحقوق في الأموال وغيرها، وحق الله أعظم من حقوق العباد، وحفظ الدين من حفظ حق الله، وهو الضرورة العظمى التي دونها سائر الضرورات، كضرورة

стр. 225

المال والنفس والعرض، فإذا أمر الله بفرض العدالة فيمن يشهد على درهم، ففرضها في حق من يقول: (قال رسول الله ﷺ آكد وأعظم، من جهة اتصال ذلك بحفظ ضرورة الدين. فكيف إذا ضممت إلى ذلك ما عظمته النصوص المتواترة في الكذب على النبي ﷺ ؟ فغير العدل لا يمنعه شيء من الكذب. من أجل ذلك قال الله في القذفة: ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤]. قال مسلم بن الحجاج: " والخبر وإن فارق معناه معنى الشهادة في بعض الوجوه، فقد يجتمعان في أعظم معانيهما " (١). قلت: بل شأن الحديث يرجح من بعض الوجوه، خصوصاً في جانب ضبط الرواية، كما سيأتي في ذكر الفرق ما بين الشهادة والرواية. وهاتان الجهتان اللتان ذكرت ظاهرتان في وجوب حمل الحديث عن العدول، لا عن غيرهم. وأما ما روي من نصوص مباشرة في اشتراط ذلك فلا يثبت منه شيء، كحديث: " هلاك أمتي في العصبية والقدرية والرواية عن غير ثبت "، فهذا حديث موضوع (٢).

стр. 226

ومثل هذه الأحاديث لا يصح التعلق بها في شيء، وقد أغنى الله عنها. تبيين الفرق بين العدالة للشاهد والعدالة للراوي: روي في اتحاد معنى العدالة فيهما حديث موضوع: " لا تأخذوا العلم إلا ممن تجيزون شهادته " (١)، وهذا لا يعتمد عليه في شيء.

стр. 227

والتحقيق: أن الاتفاق بين الشاهد والراوي معتبر في العدالة والصدق، لكنهما يفترقان في معاني تقبل فيها الرواية ولا تقبل الشهادة: فاعتُبِرت مثلاً في الشاهد الحرية، لكنها لا تطلب في الراوي، ففي الرواة الثقات كثير من الموالي؛ إذا الرق لا ينافي العدالة. ويقبل في الرواية خبر الواحد العدل، ويقبل في صيغة الرواية: (حدثني فلان عن فلان)، وليس كذلك في الشهادة. والحديث يشهد للحديث، كما تشهد له الأصول، وليس كذلك الشهادة. يقابل ذلك أن قوماً تقبل شهادتهم، ولكن لا تقبل رواياتهم؛ لما يوجبه حفظ وأداء الرواية من الاحتياط في اللفظ والمعنى (١).

стр. 228

كما قال الشافعي، وحكي عن سائل سأله: قد أراك تقبل شهادة من لا تقبل حديثه؟ قال: " فقلت: لكبر أمر الحديث وموقعه من المسلمين، ولمعنى بين، قال: وما هو؟ قلت: تكون اللفظة تترك من الحديث فتحيل معناه، أو ينطق بها بغير لفظة المحدث، والناطق بها غير عامد لإحالة الحديث، فيحيل معناه، فإذا كان الذي يحمل الحديث يجهل هذا المعنى، كان غير عاقل للحديث، فلن نقبل حديثه إذا كان يحمل ما لا يعقل إن كان ممن لا يؤدي الحديث بحروفه، وكان يلتمس تأديته على معانيه وهو لا يعقل المعنى. قال: أفيكون عدلاً غير مقبول الحديث؟ قلت: نعم، إذا كان كما وصفت كان هذا الموضع ظنة بينة يرد بها حديثه، وقد يكون الرجل عدلاً على غيره ظنيناً في نفسه وبعض أقربيه، ولعله أن يخر من بعد أهون عليه من أن يشهد بباطل، ولكن الظنة لما دخلت عليه تركت بها شهادته، فالظنة ممن لا يؤدي الحديث بحروفه ولا يعقل معانيه , أبين منها في الشاهد لمن ترد شهادته فيما هو ظنين فيه بحال " (١). قلت: وليس اعتبار خصائص الشهادة من مباحثنا هذه، ومحلها مطولات كتب الفقه. * * *

стр. 229

المبحث الثالث: طريق إثبات عدالة الراوي راوي الحديث قد يكون ممن عرف شأنه وتبينت سيرته بما اشتهر به من العلم أو الصلاح والعبادة أو الحكم أو غير ذلك، لكن أكثر الرواة لم يعرفوا إلا في سياق ما رووه من الحديث، وهؤلاء فيهم المكثر من الرواية، وفيهم المقل، وفيهم من اشتهر بكثرة من حمل عنه الحديث، وفيهم من لم يرو عنه إلا النفر اليسير، وفيهم من لم يرو عنه إلا راو واحد. وبهذه الاعتبارات المختلفة فإن إثبات العدالة بمعناها المتقدم للراوي، وهو الإسلام واستقامة الظاهر، لا سبيل له إلا اعتماد رواية الراوي عنه كتعريف نسبي به، يثبت به وجوده، ويدل على كونه جار على أصل السلامة والاستقامة في الدين ما لم يحفظ عليه قادح. وعليه فيمكن تقسيم الرواة إلى قسمين: القسم الأول: من علمنا دينه وقدر استقامته من خلال سيرته المنقولة إلينا بالطرق المعتبرة، كأبي بكر وعمر وعلي وابن مسعود وغيرهم ممن عرفت سيرهم واستقرت بذلك عدالتهم، وكسعيد بن المسيب والحسن البصري وعطاء بن أبي رباح والزهري وأبي حنيفة ومالك بن أنس وسفيان الثوري وشعبة بن الحجاج والشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهم من أئمة الأمة

стр. 230

المستقرة عدالتهم بما عرف من سيرهم في العلم والعبادة والزهد، وهكذا عامة من حفظت عنهم الأخبار في بيان أحوالهم، فدلتا على منزلتهم في العدالة، ومكانتهم في الديانة حتى أغنى ذلك عن تتبع أمرهم والبحث عن درجاتهم، وفي بعض النقلة وإن كانوا قلة من حفظ لنا من سيرهم ما يفيد الجرح في العدالة، كالذي نقل لنا من سير بعض الأمراء وما ذكروا به من الظلم كبسر بن أرطاة (١)، والحجاج الثقفي. والقسم الثاني: من لم يعرف من سيرته المنقولة ما يساعد على إثبات عدالته، وليس لدينا من أمره إلا راويته الحديث، وهؤلاء هم أكثر الرواة كما تقدم. فهذا قد اعتبر لإثبات عدالته: ثقة الراوي عنه مع صحة الإسناد إليه. فكأنهم قالوا: الأصل في الراوي الإسلام، والأصل في المسلم: العدالة، والفسق عارض، فحيث لم ينقل في حق الراوي فهو عدل. لكن اختلفوا هنا: هل يكفي لإثبات هذه العدالة أن يروي عنه واحد، أم يشترط أن يكون اثنان فصاعداً؟ على مذهبين: المذهب الأول: تثبت العدالة بأن يروي عن الراوي من هو معروف بالثقة والعلم والتثبت في الأخذ، دون اعتبار عدد. قال يعقوب بن شيبة: قلت ليحيى بن معين: متى يكون الرجل معروفاً؟ إذا روى عنه كم؟ قال: " إذا روى عن الرجل مثل ابن سيرين والشعبي وهؤلاء أهل العلم، فهو غير مجهول "، قلت: فإذا روى عن الرجل مثل سماك بن حرب وأبي إسحاق قال: " هؤلاء يروون عن مجهولين " (٢).

стр. 231

قلت: هذا قد اعتبر فيه ابن معين تثبت الراوي في الأخذ واحتياطه في عدم الرواية عمن لم يعرف، فأما من لم يكن يبالي عمن روى فلا تثبت بروايته العدالة وإن كان ثقة. ومثله في المعنى ما نقله أبو داود السجستاني قال: قلت لأحمد (يعني ابن حبان): إذا روى يحيى أو عبد الرحمن بن مهدي عن رجل مجهول، يحتج بحديثه؟ قال: " يحتج بحديثه " (١). وهذا المذهب جرى عليه عمل الشيخين البخاري ومسلم في الاحتجاج بحديثه من لم يرو عنه إلا واحد من الصحابة، لكن ثبوت العدالة المطلقة للصحابة يخرجهم عن سائر الرواة، ويأتي ذلك. وهو مذهب ابن حبان أيضاً، جرى عليه في " ثقاته " كما سيأتي في مبحث خاص، لكنه توسع فجعل مجرد رواية الثقة وإن لم يعرف بالاحتياط في الأخذ تعديلاً. والمذهب الثاني: أن يروي عنه اثنان فأكثر. وهذا المذهب جاء عن الحافظ محمد بن يحيى الذهلي، قال: " إذا روى عن المحدث رجلان ارتفع عنه اسم الجهالة " (٢). وقد نسبه الحاكم والبيهقي إلى البخاري ومسلم فيمن خرجا حديثه في كتابيهما، وبينت خطأ ذلك في الكلام على شرط الشيخين، وأن الصحيح أنهما أخرجا حديث من لم يرو عنه إلا واحد واحتجابه من الصحابة خصوصاً. وكذلك قال ابن عدي في ترجمة (سعيد بن أبي راشد): " لا أعلم يروي عنه غير مروان الفزاري، وإذا روى عنه رجل واحد كان شبه مجهول " (٣).

стр. 232

وقال في (أبي الجهم الإيادي) راوي حديث: " امرؤ القيس صاحب لواء الشعراء إلى النار ": " مجهول، لم يحدث عنه غير هشيم، وليس له إلا هذا الحديث الواحد " (١). فجعل رواية الواحد عن رجل وإن كان ذلك الواحد ثقة لا ترفع عنه الجهالة. وقال أبو عبد الله بن منده: " من حكم الصحابي أنه إذا روى عنه تابعي واحد، وإن كان مشهوراً، مثل الشعبي وسعيد بن المسيب، ينسب إلى الجهالة، فإذا روى عنه رجلان صار مشهوراً واحتج به " (٢). قلت: وهذا إذا قاله في الصحابي، فهو عنده في غيره أولى في إثبات الجهالة برواية الواحد. وهذا القول لم يشترط عدالة الرجلين. وذكر الدارقطني (خشف بن مالك)، فقال: " هو رجل مجهول، ولم يرو عنه إلا زيد بن جبير، وأهل العلم بالحديث لا يحتجون بخبر يتفرد بروايته رجل غير معروف، وإنما يثبت العلم عندهم بالخبر إذا كان راويه عدلاً مشهوراً، أو رجل قد ارتفع اسم الجهالة عنه، وارتفاع اسم الجهالة عنه أن يروي عنه رجلان فصاعداً، فإذا كان هذه صفته ارتفع عنه اسم الجهالة، وصار حينئذ معروفاً، فأما من لم يرو عنه إلا رجل واحد، انفرد بخبر، وجب التوقف عن خبره ذلك حتى يوافقه غيره " (٣). واختاره الخطيب، لكن قيده، فقال: " أقل ما ترتفع به الجهالة: أن يروي عن الرجل اثنان فصاعداً من المشهورين بالعلم " (٤).

стр. 233

وهذا القيد: (أن يكون من روى عنه مشهوراً بالعلم) ينبغي أن يراد به الثقة، فالشهرة بالعلم والرواية مع الكذب والوهاء لا خير فيها. سأل عثمان الدارمي يحيى بن معين قال: قلت: عطاء بن المبارك، تعرفه؟ فقال: " من يروي عنه؟ "، قلت: ذاك الشيخ أحمد بن بشير، فقال: " هه! " كأنه يتعجب من ذكر أحمد بن البشير، فقال: " لا أعرفه "، قال عثمان: " أحمد بن بشير كان من أهل الكوفة، ثم قدم بغداد، وهو متروك " (١). ومثاله أيضاً (أبان الرقاشي) والد يزيد، قال فيه ابن عدي: " لا يحدث عنه غير ابنه يزيد بالشيء اليسير، ومقداره ما يرويه ليس بمحفوظ، على أن له مقدار خمسة أو ستة أحاديث مخارجها مظلمة " (٢). وهكذا قال ابن حبان: " الشيخ إذا لم يرو عنه ثقة فهو مجهول لا يجوز الاحتجاج به؛ لأن رواية الضعيف لا تخرج من ليس بعدل عن حد المجهولين إلى جملة أهل العدالة، كأن ما روى الضعيف وما لم يرو في الحكم سيان " (٣). وهذا النمط من المجهولين يتفرد عن أحدهم الراوي المجروح جهالة أحدهم جهالة عين في الرواية. والراجح: صحة اعتبار المذهبين في عموم الرواة عدا الصحابة (٤)، على التفصيل التالي: ١ _ تثبت العدالة للراوي إذا روى عنه اتصالاً من كان متثبتاً في الأخذ، وإن كان واحداً.

стр. 234

٢ _ من لم يعرف بالتثبت في الأخذ وإن كان ثقة، لا تثبت العدالة بروايته حتى يوافقه في الحمل عن ذلك الراوي غيره ممن يصلح الاعتداد به، أو يدل اختبار حديثه على حفظه فيقوم ذلك مقام العدد، كما سيأتي في (المبحث التاسع). ٣ _ من لم يرو عنه إلا راو مجروح، فهو مجهول، ولا يحكم بعدالته بذاك، من جهة الريبة في إثبات شخصه أصلاً، وهو (مجهول العين). ويلحق بهذا المبحث مسائل: المسألة الأولى: هل ارتفاع الجهالة إثبات للعدالة ؟ نعم؛ هو إثبات للعدالة الدينية، أو ما اصطلح عليه بعض المتأخرين بـ (العدالة الظاهرة)، وهي: الإسلام، والسلامة من القادح في الدين. وأطلق الخطيب أن ارتفاع الجهالة برواية اثنين لا يعني ثبوت العدالة، فقال: " إلا أنه لا يثبت له حكم العدالة بروايتهما عنه "، ورد قول من ذهب إلى أنها تثبت له (١). قلت: وهذا صحيح بالنظر إلى إرادة العدالة الموجبة لقبول الراوية، وهي التي تحقق فيها: العدالة الدينية وضبط الراوي، فهذه العدالة لا تثبت للراوي بارتفاع جهالته، ولكن يثبت له منه الشق الأول. والمتأخرون تبعوا الخطيب، ومنه صار جماعة إلى تقسيم العدالة إلى قسمين: الأول: عدالة ظاهرة، واختاروا ثبوتها برواية اثنين فصاعداً. ومن لم تثبت له فهو في اصطلاحهم: مجهول العين، كما تقدم. والثاني: عدالة باطنة، وتعني أهلية الراوي في النقل من جهة ضبطه

стр. 235

وإتقانه لما يرويه، ولا تثبت له إلا بتنصيص ناقد عارف أنه ثقة، أو بما يقوم مقام ذلك. وإثبات هذه العدالة ركن لصحة إطلاق وصف (العدالة) على الراوي، الموجب للاحتجاج بحديثه، والطريق إليه كما قال الخطيب: " التعويل فيه على مذاهب النقاد للرجال، فمن عدلوه وذكروا أنه يعتمد على ما يرويه جاز حديثه، ومن قالوا فيه خلاف ذلك وجب التوقف عنه " (١). ومن لم تثبت له هذه العدالة من الرواة فهو في اصطلاحهم: مجهول الحال، والمستور. وهذا القسم ليس مراداً لنا في هذا البحث؛ لكونه بيانه سيأتي، لكن ذكره لا بد منه لإزاحة اللبس عن استعمال لفظ (العدالة). المسألة الثانية: معنى وصف الراوي بالشهرة . يطلق بعض النقاد على الراوي وصف (مشهور)، وهي مفردة دالة بأصل استعمالها على دفع جهالة العين، لكنها لا تفيد التعديل الذي يثبت بأصل استعمالها على دفع جهالة العين، لكنها لا تفيد التعديل الذي يثبت معه حديث الراوي، وإنما تنتفع في تقوية أمره بقدرما، إذا سلم الراوي من قادح. مثل قول يحيى بن معين في (سعيد بن عمرو بن أشوع قاضي الكوفة): " مشهور، يعرفه الناس " (٢). فهذا النص من يحيى لا يفيد توثيق الرجل، لكنه يثبت عينه، ويدل على عدالته في نفسه ما لم يثبت عنه ضد ذلك. ولو تأملت أحوال النقلة لم تجد فيهم من عرفت عدالته الموجبة لقبول حديثه بمجرد الشهرة، حتى يثبت من اختبار حديثه حفظه وإتقانه.

стр. 236

واعلم أن قول بعض المتأخرين: (تثبت العدالة بالاستفاضة والشهرة) لا يصح بإطلاق؛ لأن مرجع الاستفاضة والشهرة إلى النقل الثابت عن الرواة، كالأخبار التي تحكي سيرهم وأحوالهم، فإن العدالة إنما استفيدت بدلالة تلك الأخبار، لا بمجرد استفاضة ذكرهم وشهرتهم. المسألة الثالثة: في تعريف العدالة عند أبي عمر بن عبد البر: قال ابن عبد البر: " كل حامل علم معروف العناية به فهو عدل محمول في أمره أبداً على العدالة حتى تتبين جرحته في حاله أو في كثرة غلطه؛ لقوله ﷺ : " يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله " (١). هذا النص في تفسير العدالة أنكره المتأخرون، فلماذا؟ هل لأنهم فهموا أنه يجعل العدالة وصفاً ثابتاً بمجرد الإسلام؟ أم لغير ذلك؟ عملياً وجدت ابن عبد البر جرح بالجهالة في مواضع كثيرة، ورد بها أحاديث رواها مجهولان لا طعن عليهم إلا بالجهالة، في كتبه: التمهيد، والاستذكار، والاستيعاب، فدل على أنه لم يعن إثبات العدالة لكل من روى تأصيلاً، وإنما جعل في التحقيق على العدالة من حمل العلم وعرف أنه اعتنى به، والمجهولون لم يعرفوا بحمل العلم، إذ المعرفة والاعتناء بالعلم توجب الشهرة به، وهو ما ينافي الجهالة، وهذا الكلام لا إشكال فيه، ولم يقل ابن عبد البر: (كل من روى الحديث فهو عدل) ليصح التعقب عليه. فقوله صحيح في الجملة في المعروفين من الرواة. وأما الحديث الذي ذكره فضعيف على التحقيق (٢). * * *

стр. 237

المبحث الرابع: معنى الضبط الصلاح في الدين بمجرده وصف قاصر لقبول حديث الراوي والاحتجاج به، ولا يتم وصفه بالأهلية الكافية لذلك حتى يكون حافظاً لحديثه متقناً له. قال أبو الزناد عبد الله بن ذكوان: " أدركت بالمدينة مئة، كلهم مأمون، ما يؤخذ عنهم الحديث، يقال: ليس من أهله " (١). وقال مالك بن أنس: " لقد أدركت في هذا البلد _ يعني المدينة _ مشيخة، لهم فضل وصلاح وعبادة، يحدثون، ما سمعت من أحد منهم حديثاً قط "، قيل له: ولم يا أبا عبد الله؟ قال: " لم يكونوا يعرفون ما يحدثون " (٢).

стр. 238

وعن حماد بن زيد: أن فرقداً (يعني السبخي) ذُكر عند أيوب (يعني السختياني)، فقال: " لم يكن صاحب حديث، وكان متقشفاً، لا يقيد علماً، ذاك لون، والبصر بالعلم لون آخر " (١). وقال عمرو بن محمد الناقد: سأل رجل وكيعاً (يعني ابن الجراح)، قال: يا أبا سفيان، تعرف حديث سعيد بن عبيد الطائي عن الشعبي في رجل حج عن غيره، ثم حج عن نفسه؟ فقال: " من يرويه؟ "، قلت: وهب بن إسماعيل، قال: " ذاك رجل صالح، وللحديث رجال " (٢). قلت: واعتبار الضبط الركن الأساس لتزكية الراوي؛ من أجل كونه يباشر ذات الراوية، لذلك كان القدح في النقلة بتخلفه أكثر، فالوهم والغلط قليل ذلك وكثيره إنما هو في ضعف الحفظ. وليست كذلك العدالة في الدين، وإنما طلبت لدفع مظنة الكذب، إذ ضعف الوازع عند رقيق الدين مما يورد الشبهة في أمانته ولا يؤمن منه معه الكذب، فيكون قادحاً بمجرده للمظنة لا لمباشرته الرواية، إلا أن يكون ثبوت الكذب منه في الحديث، وكم تجد فيمن قدح في عدالته الدينية من كان يحفظ ما يحفظ الناس؟ والضبط: حفظ الراوي لحديثه. ويلزم لتمامه: أن يقدر الراوي على أداء الحديث كما تلقاه. وهو واقع على نوعين: النوع الأول: حفظ الصدر . كثير من الرواة، بل لو قلت: أكثر الرواة كانوا يعتمدون حفظ الصدر في أداء الحديث، ولم يكونوا يكتبون.

стр. 239

فهذا أبو هريرة حافظ، وأكثرهم حديثاً عن النبي ﷺ ، ما حدث إلا من حفظه بصدره. قال: " ما من أصحاب النبي ﷺ أحد أكثر حديثاً عنه مني، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو؛ فإنه كان يكتب ولا أكتب " (١). وربما قلت: كانوا يعتمدون حفظ الصدور؛ لأنهم نهوا أولاً عن كتابة الحديث مخافة اختلاطه بالقرآن، لكن الكتابة شاعت بعدئذ. وأقول: هذا صحيح في الجملة، لكن بقي الاعتماد على حفظ الصدور واستمر حتى بعد التدوين. فكثير من كبار الأئمة كان اعتمادهم على الحفظ، كسفيان الثوري، وشعبة بن الحجاج، ومالك بن أنس، وسفيان بن عيينة، وحماد بن زيد. وهذا يحيى بن معين وسئل عن (وكيع بن الجراح): كيف كان يحدثهم؟ فقال: " كان يحدث من حفظه، كل شيء حدث به حفظاً " (٢). كيف يثبت حفظ الراوي ؟ قال الخطيب: " وإذا سلم الراوي من وضع الحديث وادعاء السماع ممن لم يلقه، وجانب الأفعال التي تسقط بها العدالة، غير أنه لم يكن له كتاب بما سمعه، فحدث من حفظه، لم يصح الاحتجاج بحديثه حتى يشهد له أهل العلم بالأثر والعارفون به أنه ممن قد طلب الحديث وعاناه وضبطه وحفظه " (٣). قلت: أي لابد من تزكية أهل المعرفة بهذا العلم له أنه موثوق الحفظ، فيحتج بما يؤديه عندئذ.

стр. 240

النوع الثاني: حفظ الكتاب . وهو: أن يكون الحديث مكتوباً عند الراوي. وكان مالك بن أنس ينكر أن يكون هذا طريقاً يعتمد فيه حديث الراوي. قال أشهب بن عبد العزيز: سئل مالك: أيؤخذ ممن لا يحفظ ويأتي بكتبه فيقول: قد سمعتها، وهو ثقة؟ فقال: " لا يؤخذ عنه، أخاف أن يزاد في كتبه بالليل " (١). وقال أشهب في رواية: سمعت مالكاً، وسئل عن الرجل الثقة، فيدفع إليه الكتاب، فيعرف الحديث، إلا أنه ليس له حفظ ولا إتقان؟ قال: " لا يؤخذ عنه، إذا زيد في الحديث شيء لم يعرف " (٢). قال الباجي: " هذا الذي قاله ﵀ هو النهاية في الاجتهاد، إلا أنه قد عدم من يحفظ، ولو لم يؤخذ إلا عمن يحفظ لعدم من يؤخذ عنه، فقد قل الحفاظ، واحتيج إلى الأخذ عمن له كتاب صحيح وهو ثقة ينقل ما في كتابه، فإذا كان الآخذ ممن يميز تبينت له الزيادة، وإن كان لا يميز فالأمر فيه ضعف، ولعله الذي عنى مالك، ﵀ " (٣). وقال هشيم بن بشير: " من لم يحفظ الحديث فليس هو من أصحاب الحديث، يجيء أحدهم بكتاب يحمله كأنه سجل مكاتب " (٤). قلت: وهذا محمول على إرادة شحذ الهمم لحفظ الصدور، لا على معنى تأثيره أن يكون طريقاً لضبط الرواية.

стр. 241

والتحقيق: أن الكتاب المتقن الموثق حجة عند أهل العلم، بل هو ميزان، ودليل على صحة الحفظ، ومقوم لخلله، فإن الحفظ خوان، والحافظ بشر جائز عليه الوهم والخطأ، لا سيما مع طول الأسانيد. قال الرامهرمزي: " الأولى بالمحدث والأحوط لكل راوٍ أن يرجع عند الراوية إلى كتابه؛ ليسلم من الوهم " (١). قال الثقة مروان بن محمد الطاطري: " ثلاثة ليس لصاحب الحديث عنه غنى: الحفظ، والصدق، وصحة الكتب، فإن أخطأت واحدة وكانت فيه ثنتان لم تضره: إن أخطأ في الحفظ ورجع إلى صدق وصحة كتب لم يضره " , وقال مروان: " طال الإسناد وسيرجع الناس إلى الكتب " (٢). وقال علي بن المديني: " ليس في أصحابنا أحفظ من أبي عبد الله أحمد بن حنبل، وبلغني أنه لا يحدث إلا من كتاب، ولنا فيه أسوة حسنة " (٣). وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: " ما رأيت أبي، ﵀، حدث من غير كتاب، إلا بأقل من مئة حديث " (٤). وقال علي بن المديني: سمعت يحيى (يعني القطان) يقول في حديث ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، في رجل آجر نفسه في الحج،

стр. 242

قال: " أملى علي من حفظه: حدثنا عطاء عن ابن عباس، وكان في كتابه: حدثت عن سعيد بن جبير، وقال عطاء: عن ابن عباس ". قلت ليحيى: تراه حديث مسلم البطين؟ قال: " نعم، وليس من صحيح حديثه عن عطاء " (١). قلت: يريد يحيى أن هذا الحديث إنما هو حديث مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، وأن جريج أخطأ في التحديث به عن عطاء، وجعل ما في كتاب ابن جريج أنه حدث بذلك الحديث عن ابن جبير دليلاً على ما قال، وأن جريج وهم في قوله: (حدثنا عطاء)، وليس في هذا شيء من باب التدليس (٢). وقال عبد الله بن المبارك: " إذا اختلف الناس في حديث شعبة، فكتاب غندر حكم فيما بينهم " (٣). وقال أبو زرعة الدمشقي: سمعت أبا نعيم، وذكر عنده حماد بن زيد وابن علية، وأن حماداً حفظ عن أيوب، وابن علية كتب، فقال: " ضمنت

стр. 243

لك أن كل من لا يرجع إلى كتاب لا يؤمن عليه الزلل " (١). وقال أحمد بن حنبل: " ما كان أقل سقطاً من ابن المبارك، كان رجلاً يحدث من كتابه، ومن حدث من كتاب لا يكاد يكون له سقط كبير شيء، وكان وكيع يحدث من حفظه، ولم يكن ينظر في كتاب، وكان له سقط، كم يكون حفظ الرجل! " (٢). وقال الميموني لأبي عبد الله بن أحمد بن حنبل: قد كره قوم كتاب الحديث بالتأويل (٣)، قال: " إذاً يخطئون إذا تركوا كتاب الحديث، حدثونا قوم من حفظهم وقوم من كتبهم، فكان الذين حدثونا من كتبهم أتقن " (٤). ومن المثال التطبيقي لذلك، ما حدث به عبد الرحمن بن مهدي، قال: " لما حدث سفيان عن حماد عن عمرو بن عطية التيمي عن سلمان قال: إذا حككت جسدك فلا تمسحه ببزاق، فإنه ليس بطهور. قلت له: هذا حماد يروي عن ربعي بن حراش عن سلمان. قال من يقول ذا؟ قلت: حدثنا حماد بن سلمة، قال: أمضه، قلت: حدثنا شعبة، قال أمضه، قلت: حدثنا هشام الدستوائي، قال: هشام؟ قلت: نعم، فأطرق هنيهة، ثم قال: أمضه، سمعت حماداً يحدثه عن عمرو بن عطية عن سلمان ". قال عبد الرحمن: " فمكثت زماناً أحمل الخطأ على سفيان، حتى نظرت في كتاب غندر عن شعبة، فإذا هو: عن حماد عن ربعي بن حراش عن سلمان. قال شعبة: وقد قال حماد مرة: عن عمرو بن عطية التيمي عن

стр. 244

سلمان، فعلمت أن سفيان إذا حفظ الشيء لم يبال من خالفه " (١). وقال عبد الرحمن بن مهدي أيضاً: " كنا إذا أعطينا صخر بن جويرية يقرأ علينا، ما كان يجيء على ما يقرأ علينا، حتى أخذنا كتاب غندر، فكان يقرأ علينا على ما هي في كتاب غندر " يعني أنه كان كتاباً صحيحاً (٢). وقال يزيد بن هارون وذكر أهل البصرة: " إذا ختلفوا في حديث نطقوا بكتاب عبد الوارث " (٣). قال الحميدي: " من اقتصر على ما في كتابه فحدث به، ولم يزد فيه، ولا ينقص منه ما يغير معناه، ورجع عما يخالف فيه بوقوف منه عن ذلك الحديث، أو عن الاسم الذي خولف فيه من الإسناد ولم يغيره، فلا يطرح حديثه، ولا يكون ضاراً ذلك له في حديثه، إذا لم يرزق من الحفظ والمعرفة بالحديث ما رزق غيره، إذا اقتصر على كتابه ولم يقبل التلقين " (٤). وقال الخطيب: " من سمع الحديث وكتبه، وأتقن كتابه، ثم حفظه من كتابه، فلا بأس براويته " (٥). قلت: يقول في هذا: إن الكتاب المتقن حجة. والثقات الذين عرفوا بحفظ الكتاب كثير. ومنهم من كان يجمع بين الضبطين، وهذا كثير بعد اعتناء الناس بالتدوين. وفيهم من كان ضابطاً لكتبه ولم يكن حافظاً لحديثه في صدره، وقد يوصف بسوء الحفظ، وهو الذي يقولون فيه: (صحيح الكتاب) وشبه ذلك.

стр. 245

فمثله إذا علم أن حديثه من كتابه فهو محقق لشرط الضبط، منهم: همام بن يحيى، وحفص بن غياث، وعبد العزيز بن محمد الدراوردي، ويونس بن يزيد الأيلي، وجماعة ليست بكثيرة. ومن عبارات أئمة الشأن في طائفة: قال أحمد بن حنبل في (حاتم بن إسماعيل): " حاتم أحب إلي من الدراوردي زعموا أن حاتماً كان رجلاً فيه غفلة، إلا أن كتابه صالح " (١). وقال يحيى بن معين: " أتيت حاتم بن إسماعيل بشيء من حديث عبيد الله بن عمر، فلما قرأ علينا حديثاً قال: أستغفر الله، كتبت عن عبيد الله كتاباً، فشككت في حديث منها، فلست أحدث عنه قليلاً ولا كثيراً " (٢). وقال أحمد بن حنبل في (أبي عبيدة الحداد): " لم يكن صاحب حفظ، وكان كتابه صحيحاً " (٣). وقال يحيى بن معين في (محمد بن مسلم الطائفي): " كان إذا حدث من حفظه يقول: كأنه يخطئ، وكان إذا حدث من كتابه فليس به بأس " (٤). وقال أبو حاتم الرازي في (أبو عوانة وضاح اليشكري): " كتبه صحيحة، وإذا حدث من حفظه غلط كثيراً، وهو صدوق ثقة "، وقال أبو زرعة الرازي: " ثقة إذا حدث من كتابه " (٥). وقال محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي في (شريك القاضي): " كتبه صحاح، فمن سمع منه من كتبه فهو صحيح " (٦).

стр. 246

المبحث الخامس: كيف يعرف الضبط ؟ جرى نقاد المحدثين على تمييز ضبط الراوي بطرق ترجع إلى ما يأتي: ١ _ عرض رواياته على روايات غيره لتبين قد موافقته أو مخالفته أو تفرده. ويتم ذلك بالمقارنة بين حديث الراوي وأحاديث الثقات المعروفة، وأحاديث المجروحين المنكرة، ويعتبر حاله في الإتقان بقدر ما وافق فيه الثقات، وحاله في الجرح بحسب ما تفرد به، أو خالف فيه الثقات، أو وافق المجروحين. وهذا طريق تمييز أكثر النقلة. قال الشافعي: " يعتبر على أهل الحديث بأن إذا اشتركوا في الحديث عن الرجل بأن يستدل على حفظ أحدهم بموافقة أهل الحفظ، وعلى خلاف حفظه بخلاف أهل الحفظ له " (١).

стр. 247

وكان الاستثبات بعرض حديث الراوي على حديث غيره، أو طلب الموافق له إذا أتى بما يستغرب من العلم، قديم منذ عهد الصحابة، وذلك لتبين حفظ ذلك الراوي للحديث من عدمه. ومن شائع أمثلته: ١ _ قصة أبي بكر في توريث الجدة، فعن قبيصة بن ذؤيب، قال: جاءت الجدة إلى أبي بكر الصديق تسأله ميراثها، فقال لها أبو بكر: مالك في كتاب الله شيء، وما علمت لك في سنة رسول الله ﷺ شيئاً، فارجعي حتى أسأل الناس. فسأل الناس، فقال المغيرة بن شعبة: حضرت رسول الله ﷺ أعطاها السدس، فقال أبو بكر: هل معك غيرك؟ فقام محمد بن مسلمة الأنصاري فقال مثل ما قال المغيرة، فأنفذه لها أبو بكر الصديق (١). ٢ _ وقصة عمر مع أبي موسى في الاستئذان، فعن أبي سعيد الخدري، قال: كنت جالساً بالمدينة في مجلس الأنصار، فأتانا أبو موسى فزعاً أو مذعوراً، قلنا: ما شأنك؟ قال: إن عمر أرسل إلي أن آتيه، فأتيت بابه فسلمت ثلاثاً، فلم يرد علي، فرجعت، فقال ما منعك أن تأتينا؟ فقلت: إني أتيتك، فسلمت على بابك ثلاثاً، فلم يردوا علي، فرجعت، وقد قال رسول الله ﷺ : " إذا استأذن أحدكم ثلاثاً فلم يؤذن له فليرجع "، فقال عمر: أقم عليه البينة وإلا أوجعتك. فقال أبي بن كعب: لا يقوم معه إلا أصغر

стр. 248

القوم. قال أبو سعيد: قلت أنا أصغر القوم، قال: فاذهب به. قال أبو سعيد: فقمت معه فذهبت إلى عمر، فشهدت (١). ٣ _ وقصة عائشة في حديث حدث به عبد الله بن عمرو، فعن عروة بن الزبير، قال: قالت لي عائشة: يا ابن أختي، بلغني أن عبد الله بن عمرو مار بنا إلى الحج، فالقه فسائله، فإنه قد حمل عن النبي ﷺ علماً كثيراً. قال: فلقيته فساءلته عن أشياء يذكرها عن رسول الله ﷺ ، قال عروة: فكان فيما ذكر أن النبي ﷺ قال: " إن الله لا ينتزع العلم من الناس انتزاعاً، ولكن يقبض العلماء فيرفع العلم معهم، ويبقي في الناس رءوسا ًجهالاً يفتونهم بغير علم، فيضلون ويضلون ". قال عروة فلما حدثت عائشة بذلك أعظمت ذلك وأنكرته، قالت: أحدثك أنه سمع النبي ﷺ يقول هذا؟ قال عروة: حتى إذا كان قابل قالت له: إن ابن عمر قد قدم فالقه، ثم فاتحه حتى تسأله عن الحديث الذي ذكره لك في العلم. قال: فلقيته، فساءلته، فذكره لي نحو ما حدثني به في مرته الأولى.

стр. 249

قال عروة: فلما أخبرتها بذلك، قالت: ما أحسبه إلا قد صدق، أراه لم يزد فيه شيئاً ولم ينقص (١). وفي هذه الآثار وما في معناها دليل على أن التيقظ والتثبت لقبول الحديث، والتحري لأحوال نقلته بدأ منذ بدأت الرواية في عهد أصحاب النبي ﷺ . وهذا المنهج في المقابلة لحديث الراوي بحديث غيره، ليتبين منها قدر ما يشهد له وما لا يشهد له، أو ما يخالفه ويناقضه، هو القاعدة العظمى لتمييز الحفاظ الثقات من غيرهم، وازداد ظهور ذلك كلما تأخر الزمن بعد الصحابة، بسبب طول الإسناد وتشعبه المقتضى كثرة الناقلين، مما تزداد معه مظنة الخطأ والوهم، مع ضعف الوازع عند كثير من الناس، مما ظهر معه الكذابون الذين كانوا يتعمدون وضع الحديث: متناً أو إسناداً، أو جميعاً. قال الذهبي: " اعلم أن أكثر المتكلم فيهم ما ضعفهم الحفاظ إلا لمخالفتهم الأثبات " (٢). وأقول: ولتفردهم عن المعروفين بما لا يعرف من رواية الثقات عنهم. ومن مثاله الموضح له: قوله يحيى بن معين: " قال لي إسماعيل بن علية يوماً: كيف حديثي؟

стр. 250

قال: أنت مستقيم الحديث، قال: فقال لي: وكيف علمتم ذاك؟ قلت له: عارضنا بها أحاديث الناس، فرأيناها مستقيمة، قال: فقال: الحمد لله " (١). وقال يحي بن معين: " ربما عارض بأحاديث يحيى بن يمان أحاديث الناس، فما خالف فيها الناس ضربت عليه، وقد ذكرت لوكيع شيئاً من حديثه عن سفيان، فقال وكيع: ليس هذا سفيان الذي سمعنا نحن منه " (٢). وكما قال مسلم بن الحجاج: " من تراه يعمد لمثل الزهري في جلالته وكثرة أصحابه الحفاظ المتقنين لحديثه وحديث غيره، أو لمثل هشام بن عروة، وحديثهما عند أهل العلم مبسوط مشترك، قد نقل أصحابهما عنهما حديثهما على الاتفاق منهم في أكثره، فيروي عنهما أو عن أحدهما العدد من الحديث مما لا يعرفه أحد من أصحابهما، وليس ممن قد شاركهم في الصحيح مما عندهم، فغير جائز قبول حديث هذا الضرب من الناس " (٣). ومن أجل ذلك كانوا يكتبون حديث الراوي على وجوه المختلفة ليتبينوا موضع الموافقة من موضع المخالفة، وليحكم عليه بحسب ما يظهر من ذلك. قال يحيى بن معين: " لو نكتب الحديث من ثلاثين وجهاً ما عقلناه " (٤). وقال ابن حبان: " الإنصاف في النقلة في الأخبار: استعمال الاعتبار فيما رووا " (٥).
следующие страницы →