← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 1416

تحرير علوم الحديث

عبد الله الجديع

Полный текст (1 074 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

قال أحمد بن حنبل: قال شعبة: قال لي خالد الحذاء: " كل شيء رواه ابن سيرين عن ابن عباس، فهو عن عكرمة، لقيه بالكوفة أيام المختار " (١). ووجدت بعض متأخري العلماء استدل باتصال ما أرسله إبراهيم النخعي عن ابن مسعود، وذلك اعتماداً على ما جاء عن الأعمش، قال: قلت لإبراهيم النخعي: أسند لي عن عبد الله بن مسعود، فقال إبراهيم: " إذا حدثتكم عن رجل عن عبد الله، فهو الذي سميت، وإذا قلت: (قال عبد الله) فهو عن غير واحد عن عبد الله " (٢). وليس هذا كالذي تقدم عن ابن سيرين، فإن الواسطة هنا لم يتبين إن كانت ثقة؛ لأنها مبهمة مجهولة، وإبراهيم روى عن أصحاب عبد الله بن مسعود، وفيهم المجاهيل. * * *

стр. 177

الباب الثاني نقد النقلة

стр. 178

الفصل الأول حكم نقد النقلة وصفة الناقد

стр. 179

المبحث الأول: حكم نقد الراوي معنى النقد: قال ابن فارس: " النون والقاف والدال أصل صحيح، يدل على إبراز شيء وبروزه " قال: " ومن الباب (نقد الدرهم) وذلك أن يكشف عن حاله في جودته أو غير ذلك " (١). و (نقد الراوي) من هذا، فإنه يكشف عن حاله في أهليته للرواية أو عدم ذلك. كما سمي من يقوم بعملية الكشف هذه بـ (الناقد) لهذا الاعتبار. وقد اصطلح علماء الحديث على تسمية النقد هذه بـ (الجرح والتعديل)، بناء على ما ينتج عنها من ثبوت أهلية الراوي أو عدمها. وهذان الوصفان يشعران بثنائية القسمة عندهم، فالناقد إما أن يصير إلى (جرح) الرواي، وإما إلى (تعديله)، ولا يفيد مرتبة متوسطة. وتحقيق ذلك: أن النظر في أحوال الرواة لا يسفر دائماً عن نتيجة

стр. 180

(الجرح) أو (التعديل) لذلك الراوي، وإنما قد تخفى حاله ولا يسعف النظر في التوصل إلى شيء في أمره، فيصير الناقد إلى مرتبة ليست تعديلاً ولا تجرحاً صريحاً، وهي الحكم بـ (جهالة) الراوي. لكن، حين كان المقصود التوصل إلى كون الراوي مقبول الرواية أو مردودها، فالعبارة إذاً بالقبول أو الرد؛ وعليه فيصح أن تكون القسمة ثنائية، على اعتبار المصير بالمرتبة المتوسطة إلى (الجرح) على مذهب الأكثر، أو (التعديل) على مذهب الأقل، على ما سيأتي تفصيله. و (نقد الراوي) هي المرحلة الثانية من النظر في الأسانيد، فقد تقدم في الباب الأول تبيين طرق الكشف عن شخصية الراوي، وحيث تميز لنا فيتلو ذلك تمييز حاله من جهة صلاحيته لقبول حديثه أو رده. وهذا المبحث من أهم مباحث (علوم الحديث) وأصعبها، فأما أهميته فمن جهة كونه (القاعدة العظمى) التي ينبني عليها تصحيح نسبة السنن إلى رسول الله ﷺ ، أو نفي ذلك، وأما صعوبته فمن جهتين: الأولى: ما يدخل على الناقد من الحرج من الكلام في المسلم بالقدح في حال ثبوت ذلك عليه؛ لأنه كلام في عرضه الذي جاءت شريعة الإسلام بحفظه. والثانية: فهم قوانينه وقواعده ومنهجية تطبيقه. فأما ما يتصل بالجهة الثانية فهذا الفصل أكثره معقود لهذا الغرض، وأما الجهة الأولى فإنها تستلزم بيان حكم الشريعة في ذلك. حكم الكلام في النقلة: حفظ عرض المسلم من المسلمات في دين الإسلام، وحرمته معلومة بالضرورة، والنقاد يقولون: (فلان ضعيف) أو (سيئ الحفظ) أو (كثير الغلط) أو (ليس بشيء) أو (ليس بثقة) أو (متروك) أو (كذاب) أو غير ذلك من

стр. 181

صيغ قدح تقال في الراوي، ولو علم بها لما رضيها، فكيف يصح مثل هذا القدح مع تلك الضرورة المسلَّمة في تحريم عرض المسلم؟ وإذا تأملت ذلك من جهة أخرى وجدت أحوال نقاد المحدثين محل القدوة في الصلاح والدين، ومع ذلك فهم من كان يقوم بهذه الوظيفة (جرح الرواة وتعديلهم)، فكيف كانوا يرون ذلك؟ وما عذرهم فيه؟ جواب ذلك من وجوه، منها: ١ _ حرمة العرض كحرمة الدم والمال، وحرمة الدين أعظم منها جميعاً، فإنه تسترخص له الأنفس والأموال، وهذا أيضاً معلوم من الدين بالضرورة. والحديث عن رسول الله ﷺ دين، كما قال محمد بن سيرين ﵀: " إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم " (١)، وهو بيان الكتاب العزيز , وفيه تفصيل الأحكام والأوامر والنواهي، فالمتعرض له إنما يضيف شيئاً إلى الدين، فإما أن يكون أهلاً له صادقاً أميناً حافظاً أو ليس كذلك، ولا طريق إلى معرفة ذلك إلا بـ (الجرح والتعديل). فهو واجب ألزمت به ضرورة حفظ الدين. وقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦]، فأوجب الله تعالى التبين في خبر الفاسق قبل قبوله فيما ينبئ به عن قوم آخرين، فكيف الطريق إلى معرفة فسقه إن لم يكن بعلامة علمناها منه دلت على فسقه؟

стр. 182

ولو ثبت فسقه لأحد ما جاز له كتمانه على من يتضرر بخبره من الناس، فإذا كان هذا التثبت في الإخبار عن شخص أو قوم من سائر الناس ممن لا يلزم بخبرهم تحليل ولا تحريم ولا أمر ولا نهي، فكيف يجوز السكوت والإقرار لخبر من يحدث عن رسول الله ﷺ من غير دراية بأهليته أو عدمها؟ وقد تواتر عن رسول الله ﷺ قوله: " من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار " (١) في لفظ: " إن كذباً علي ليس ككذب على أحد، من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار " (٢)، كما ثبت عنه ﷺ قوله: " يا أيها الناس، إياكم وكثرة الحديث عني، من قال علي فلا يقولون إلا حقاً أو صدقاً، فمن قال علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار " (٣)، وصح عنه ﷺ قوله: " من حدث بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين " (٤). قال الدارمي: " معنى هذا الحديث: إذا روى الرجل حديثاً، ولا يعرف لذلك الحديث عن النبي ﷺ أصل، فحدث به، فأخاف أن يكون قد دخل في هذا الحديث " (٥). فهذا حكم من رسول الله ﷺ بتكذيب من حدث عنه بما لم يقل

стр. 183

ناسباً ذلك إليه، وسبب تغليظ حكم الكذب عليه ﷺ ؛ أن من كذب عليه فقد زاد في دين الله، فكأنما كذب على الله عزوجل. ومن وقع في الكذب على التوهم لا القصد فربما يعذر، لكن لا يعذر من علم غلطه ولم يبين. فبيان أحوال النقلة يوجبه نفي الكذب عن رسول الله ﷺ ودين الإسلام، الذي يرجح حفظ ضرورته على ضرورة حفظ الأنفس والأموال والأعراض. ٢ _ تأملنا فوجدنا التعرض للمسلم إنما يحرم بغير سبب شرعي، أما إن كان بسبب معتبر صحيح في الشرع فإن ذلك يتردد بين إباحة وندب ووجوب، ولا يمتنع، وذلك بنفس أدلة الشرع، فمن اعتدى على غيره وجب منعه، وكان للمعتدي عليه الحق في الانتصار لنفسه، كما قال تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]، وقال: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ﴾ [النساء: ١٤٨]، وقال النبي ﷺ : " لي الواجد يحل عرضه عرضه وعقوبته " (١)، والواجد: هو الغني يكون عليه الدين يحل أجله فلا يقضيه. والتعدي على الدين أخطر من التعدي على الأنفس والأعراض والأموال، فكيف يصح أن تأذن الشريعة في الرد عن النفس بما هو ممتنع في الأصل إن لم يكن له سبب، وتمنع الذَّب عن الدين بتخليصه من عدوان الكذابين والمتهمين والغالطين عليه؟ ٣ _ اعتبرت الشريعة العدالة في الشهود، فقال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَى

стр. 184

عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، والعدالة لا سبيل إلى معرفتها في أعيان الشهود إلا بنقدهم ثم الحكم عليهم بمقتضى ذلك النقد من عدالة أو جرح، فإذا صح أن يطلب هذا فيمن يشهد على متاع وشيء ليس له كبير قدر، فصحته ووجوب تحققه فيمن يشهد في دين الله، فينسب شيئاً إلى الله تعالى، أو رسوله ﷺ . قال الثقة محمد بن عمرو الرازي المعروف بـ (زنيج): سمعت بهز بن أسد يقول إذا ذكر له الإسناد الصحيح: " هذه شهادات العدول المرضيين بعضعم على بعض " وإذا ذكر له الإسناد فيه شيء قال: " هذا فيه عهدة "، ويقول: " لو أن لرجل على رجل عشرة دراهم ثم جحده، لم يستطع أخذها منه إلا بشادين عدلين، فدين الله عزوجل أحق أن يؤخذ فيه بالعدول " (١). ٤ _ أوجب الله تعالى ورسوله ﷺ النصيحة، فعن تميم الداري ﵁، أن النبي ﷺ قال: " الدين النصيحة " قلنا: لمن؟ قال: " لله، ولكتابه ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم " (٢). والكشف عن أمر الراوي بقصد التحذير من غلطه أو كذبه لئلا يغتر به من لا يعلم حاله من النصيحة لله ولكتابه بنفي نسبة ما لا تصح إضافته إليه، ولرسوله ﷺ بنفي نسبة ما لم يتفوه به من القول إليه، ولعموم المسلمين بوقايتهم من التدين بما ليس من دين الإسلام. وهذه علة كافية للفصل بين (نقد الرواة) لهذا المقصد، وبين (الغيبة) التي حرمها الله تعالى ورسوله ﷺ .

стр. 185

ويشهد له ما جاء من حديث عائشة ﵂: أن رجلاً استأذن على النبي ﷺ ، فقال: " ائذنوا له، فلبئس ابن العشيرة " أو: " بئس رجل العشيرة "، فلما دخل عليه ألان له القول، قالت عائشة: فقلت: يا رسول الله، قلت له الذي قلت، ثم ألنت له القول؟ قال: " يا عائشة، إن شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة: من ودعه _ أو: تركه _ الناس اتقاء فحشه " (١). قال الخطيب: " ففي قول النبي ﷺ : " بئس رجل العشيرة " دليل على أن إخبار المخبر بما يكون في الرجل من العيب على ما يوجب العلم والدين من النصيحة للسائل ليس بغيية، إذا لو كان ذلك غيبة لما أطلقه النبي ﷺ ، وإنما أراد ﵇ بما ذكر فيه والله أعلم أن بئس للناس الحالة المذمومة منه، وهي الفحش فيجتنبوها، لا أنه أراد الطعن عليه والثلب له، وكذلك أئمتنا في العلم بهذه الصناعة؛ إنما أطلقوا الجرح فيمن ليس بعدل لئلا يتغطى أمره على من لا يخبره، فيظنه من أهل العدالة فيحتج بخبره، والإخبار عن حقيقة الأمر إذا كان على الوجه الذي ذكرناه لا يكون غيبة " (٢). قال: " وأما الغيبة التي نهى الله تعالى عنها فهي ذكر الرجل عيوب أخيه يقصد بها الوضع منه والتنقيص له والإزراء به، فيما لا يعود إلى حكم النصيحة وإيجاب الديانة، من التحذير عن ائتمان الخائن، وقبول خبر الفاسق، واستماع شهادة الكاذب " (٣). قال مسلم بن الحجاج يصف صنيع نقاد المحدثين: " وإنما ألزموا أنفسهم الكشف عن معايب رواة الحديث وناقلي الأخبار، وأفتوا بذلك حين سئلوا، لما فيه من عظيم الخطر، إذ الأخبار في أمر الدين إنما تأتي بتحليل

стр. 186

أو تحريم أو أمر أو نهي أو ترغيب أو ترهيب، فإذا كان الراوي لها ليس بمعدن للصدق والأمانة، ثم أقدم على الرواية عنه من قد عرفه، ولم يبين ما فيه لغيره ممن جهل معرفته كان آثماً بفعله ذلك، غاشاً لعوام المسلمين، إذ لا يؤمن على بعض من سمع تلك الأخبار أن يستعملها أو يستعمل بعضها، ولعلها أو أكثرها أكاذيب لا أصل لها، مع أن الأخبار الصحاح من رواية الثقات وأهل القناعة أكثر من أن يضطر إلى نقل من ليس بثقة ولا مقنع " (١). وقال الترمذي: " وقد عاب بعض من لا يفهم على أهل الحديث الكلام في الرجال، وقد وجدنا غير واحد من الأئمة من التابعين قد تكلموا في الرجال، منهم الحسن البصري وطاوُس تكلما في معبد الجهني (٢) , وتكلم سعيد بن جبير في طلق بن حبيب (٣)، وتكلم إبراهيم النخعي وعامر الشعبي في الحارث الأعور (٤)، وهكذا روي عن أيوب السختياني وعبد الله

стр. 187

بن عون وسليمان التيمي وشعبة بن الحجاج وسفيان الثوري ومالك بن أنس والأوزاعي وعبد الله بن المبارك ويحيى بن سعيد القطان ووكيع بن الجراح وعبد الرحمن بن مهدي، وغيرهم من أهل العلم؛ أنهم تكلموا في الرجال وضعفوا، وإنما حملهم على ذلك عندنا _ والله أعلم _ النصيحة للمسلمين، لا يظن بهم أنهم أرادوا الطعن على الناس أو الغيبة، إنما أرادوا عندنا أن يبينوا ضعف هؤلاء لكي يعرفوا؛ لإن بعضهم من الذين ضعفوا كان صاحب بدعة، وبعضهم كان متهماً في الحديث، وبعضهم كانوا أصحاب غفلة وكثرة خطأ، فأراد هؤلاء الأئمة أن يبينوا أحوالهم شفقة على الدين وتثبتاً؛ لأن الشهادة في الدين أحق أن يتثبت فيها من الشهادة في الحقوق والأموال " (١). سياق بعض الآثار عن السلف في شرعية نقد الرواة: ١ _ عن يحيى بن سعيد القطان، قال: سألت سفيان الثوري، وشعبة بن الحجاج، ومالك بن أنس، وسفيان بن عيينة، عن الرجل يكون واهي الحديث، يأتيني الرجل فيسألني عنه، فأجمعوا أن أقول: ليس هو بثبت، وأن أبين أمره. وفي لفظٍ سألهم قال: عن الرجل لا يكون ثبتاً في الحديث، فيأتيني الرجل فيسألني عنه؟ قالوا: " أخبر عنه، وبين أمره ". وفي رواية قال لهم: الرجل يكون كثير الغلط في الحديث (وفي لفظ:

стр. 188

لا يحفظ، أو يتهم في الحديث) (وفي لفظ: يتهم ويغلِّط ويصّحف) (وفي لفظ: يغلط في الحديث، أو يكذب فيه)، أبين أمره؟ قالوا: " بين أمره " (١). ٢ _ وعن حماد بن زيد، قال: كلمنا شعبة في أن يكف عن أبان بن أبي عياش لسنه وأهل بيته، فضمن أن يفعل، ثم اجتمعنا في جنازة، فنادى من بعيد: يا أبا إسماعيل، إني قد رجعت عن ذاك، لا يحل الكف عنه؛ لأن الأمر دين (٢). ٣ _ وعن عبد الرحمن بن مهدي، قال: مررت مع سفيان الثوري برجل، فقال: " كذاب والله، لولا أنه لا يحل لي أن أسكت عنه لسكت " (٣). ٤ _ وعن عبد الله بن المبارك، قال: قلت لسفيان الثوري: إن عبَّاد بن كثير من تعرف حاله، وإذا حدث جاء بأمر عظيم، فترى أن أقول للناس: لا تأخذوا عنه؟ قال سفيان: " بلى ".

стр. 189

قال عبد الله: فكنت إذا كنت في مجلس ذكر فيه عبَّاد أثنيت عليه في دينه، وأقول: لا تأخذوا عنه (١). ٥ _ وقال الشافعي: " وأما الرجل من أهل الفقْه يُسْأل عن الرجل من أهل الحديث فيقول: كُفوا عن حديثه، ولا تقبلوا حديثَه؛ لأنه يغْلط، أو يُحدث بما لم يَسمع، وليست بينه وبين الرجل عداوة؛ فليس هذا من الأذى الذي يكون به القائل لهذا فيه مجروحاً عنه لو شَهِد بهذا عليه، إلا أن يُعرف بعداوةٍ له، فتُردَّ بالعداوة لا بهذا القول " (٢). ٦ _ وعن أبي بكر محمد بن خلاد (وكان ثقة)، قال: قلت ليحيى بن سعيد: أما تخشى أن يكون هؤلاء الذين تذكر حديثهم خصمائك عند الله يوم القيامة؟ فقال: " لأن يكون هؤلاء خصمائي أحب إلي من أن يكون خصمي رسول الله ﷺ ، يقول: لم حدثت عني حديثاً ترى أنه كذب " (٣). وفي رواية، قال أبو بكر بن خلاد: أتيت يحيى مرة، فقال لي: أين كنت؟ فقلت: كنت عند ابن داود فقال: إني لأشفق على يحيى من ترك هؤلاء الرجال الذين تركهم، فبكى يحيى، وقال: " لأن يكون خصمي رجل من عرض الناس شككت فيه فتركته، أحب إلي من أن يكون خصمي النبي ﷺ ، ويقول: بلغك عني حديث سبق إلى قلبك أنه وهم فلم حدثت به؟ " (٤).

стр. 190

٧ _ وعن عفان بن مسلم، قال: كنا عند إسماعيل بن علية، فحدث رجل عن رجل، فقلت: إن هذا ليس بثبت، قال: فقال الرجل: اغتبته، قال إسماعيل: ما اغتابه، ولكنه حكم أنه ليس بثبت (١). ٨ _ وقال أبو زرعة الدمشقي: سمعت أبا مسهر (هو عبد الأعلى بن مسهر الغساني حافظ الشاميين) يسأل عن الرجل يغلط ويتهم (وفي لفظ: ويهم) ويصحف؟ قال: " يبين أمره " فقلت لأبي مسهر: أترى ذلك من الغيبة؟ قال: " لا " (٢). ٩ _ وعن محمد بن بندار السباك الجرجاني (وكان لا بأس به)، قال: قلت لأحمد بن حنبل: إنه ليشتد علي أن أقول: فلان ضعيف، فلان كذاب؟ فقال أحمد: " إذا سكتَّ أنت، وسكتُّ أنا؛ فمتى يعرف الجاهل الصحيح من السقيم؟ " (٣). الخلاصة: فحاصل ما تقدم في بيان حكم (نقد الرواة) أنه: واجب لحفظ الدين، وليس هو من قبيل الغيبة التي حرمها الله ورسوله ﷺ . * * *

стр. 191

المبحث الثاني: صفة الناقد نقاد المحدثين هم طائفة التي امتن الله على هذه الأمة بأن يوجدها فيها؛ لتحفظ عليها سنن رسول الله ﷺ ، ولتميز لها ما هو منها وتنفي عنها ما ليس منها. قال الخطيب: " لولا عناية أصحاب الحديث بضبط السنن وجمعها، واستنباطها من معا دنها، والنظر في طرقها، لبطلت الشريعة، وتعطلت أحكامها، إذا كانت مستخرجه من الآثار المحفوظة، ومستفاد من السنن المنقولة " (١). وقال الإمام محمد بن إسماعيل البخاري: " أفضل المسلمين رجل أحيا سنة من سنن رسول الله ﷺ قد أميتت، فاصبروا يا أصحاب السنن رحمكم الله، فإنكم أقل الناس " (٢). قال الخطيب: " قول البخاري: (إن من أصحاب السنن أقل الناس) عنى به الحفاظ للحديث، العاملين بطرقه، المميزين لصحيحه من سقيمه، وقد

стр. 192

صدق ﵀ في قوله؛ لأنك إذا عتبرت لم تجد بلداً من بلدان الإسلام يخلو من فقيه أو متفقه يرجع أهل مصره إليه، ويعولون في فتاويهم عليه، وتجد الأمصار الكثيرة خالية من صاحب حديث عارف به مجتهد فيه؛ وما ذاك إلا لصعوبة علمه وعزته، وقلة من ينجب فيه من سامعيه وكتبته، وقد كان العلم في وقت البخاري غضاً طرياً، والارتسام به محبوباً شهياً، والدواعي إليه أكبر، والرغبة فيه أكثر، وقال هذا القول الذي حكيناه عنه، فكيف نقول في هذا الزمان مع عدم الطالب، وقلة الراغب؟ " (١). قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: " فإن قيل: فبماذا تعرف الآثار الصحيحة والسقيمة؟ قيل: بنقد العلماء الجهابذة الذين خصهم الله بهذه الفضيلة، ورزقهم هذه المعرفة في كل دهر ومكان " (٢). قلت: فأبان ﵀ عن كون هذه الطائفة معتبرة بأوصافها فيما يتصل بالدراية بهذا العلم، ليست مقصورة على زمان، ولا محصورة في مكان. وقال الخطيب: " أجمع أهل العلم على أنه لا يقبل إلا خبر العدل، كما أنه لا تقبل الشهادة العدل، ولما ثبت ذلك وجب متى لم تعرف عدالة المخبر والشاهد، أن يسأل عنهما، أو يستخبر عن أحوالهما أهل المعرفة بهما، إذ لا سبيل إلى العلم بما هما عليه إلا بالرجوع إلى قول من كان بهما عارفاً في تزكيتهما، فدل على أنه لا بد منه " (٣). ونقد الرواة _ كما تقدم في المبحث السابق _ صورة استثنائية من عمومات المنع من القدح في عرض المسلم، أوجبتها ضرورة حفظ الدين.

стр. 193

وما كان استثناء من أصل؛ وجب في مثله الاقتصار على قدر الاستثناء وعدم مجاوزته بزيادة على ما يتحقق به المقصود. ولهذه العلة كان أئمة النقد في غاية الحذر في الحكم على الرواة، وقد اتسمت منهجيتهم في صيغة النقد بخصلتين: الأولى: الاقتصار على وصف الراوي بالأوصاف المؤثرة في روايته، كثبت، وحافظ، ومتقن، وثقة، بما يعود إلى ضبطه لحديثه، أو سيئ الحفظ، ولين الحديث، وليس بقوي، بما يرجع إلى سوء حفظه، أو منكر الحديث إلى نكارة حديثه للتفرد بما لا يعرف مع عدم الشهرة بالعلم والصدق، أو متروك الحديث لغلبة الخطأ وفحشه، وهكذا. فهذا الإمام البخاري جاء عنه قوله: " إني أرجو أن ألقى الله ولا يحاسبني أني اغتبت أحداً " (١). وتراه يستعمل من العبارات في نقد الرواة مثل: (فلان مقارب الحديث، منكر الحديث، ذاهب الحديث، متروك الحديث، فيه نظر، عنده عجائب، سكتوا عنه، ليس بالقوي عندهم، تركوه "، وهكذا. فهذا وشبهه عبارات تتصل بالراوي بخصوص مرويه، وهي محققة للمقصود دون تعرض إلى ما لا يحتاج إليه من سيرته وحاله، بل ستعلم لاحقاً أن منهاجهم جار على اعتبار الرواة على السلامة في الدين ما لم يبد غير ذلك ببرهان، ويكن بعد بدوه مؤثراً في الراوي في صدقه وأمانته في النقل. والثانية: الإيجاز في العبارة. وهذه الخصلة تراها شائعة كثيرة في أحوال الرواة، فتراهم يقولون في

стр. 194

الراوي: " ثقة " لا يفصلون الأسباب التي استوجبت الحكم بثقته؛ لأنهم رأوا هذا الوصف مفيد للتزكية التي تكفي لقبول روايته، ولو ذهب الناقد إلى ذكر أسباب التزكية لطال ذلك ولا ضرورة له. وجانب التزكية ليس موضع حذر من جهة التوسع في استعمال الألفاظ والإطناب في ذكر أسبابها، وإنما الحذر في ألفاظ الجرح، فإنها قوادح، فترى النقاد اجتهدوا في استعمال الوصف المفيد بكلمة أو كلمتين كون هذا الراوي أهلاً للرواية أو ليس كذلك. والذي نرجع له سبب ذلك، أنهم حيث بانت اصطلاحاتهم بألفاظهم، فقد أغنت شهرة الاصطلاح عن الإسهاب في ذكر أسباب الجرح، فكانت الزيادة في تلك الألفاظ لا مبرر لها، فتخرج عن حد الاستثناء من الغيبة. وهذا الاحتياط منهم ﵏ أحوج من بعدهم إلى البحث عن مرادهم بكثير من تلك العبارات، خصوصاً عندما يختلفون في راو جرحاً وتعديلاً، كما سيأتي تفصيله. فإذا لاحظت هذا من طريقتهم علمت مقدار ما كانوا يتصفون به من الورع في الدين، وأنهم لولا الذَّبُّ عن حماه لما تقحموا الكلام في أحد. ولعسر هذا المقام ومشقته قال الإمام أبو الفتح ابن دقيق العيد: " أعراض المسلمين حفرة من حفر النار، وقف على شفيرها طائفتان من الناس: المحدثون، والحكام " (١). كما أن هذا الجانب لا يتم إلا بأن يكون الناقد أهلاً للنقد، فليس كل أحد يحسن الكلام في النقلة.

стр. 195

وتحرير ذلك بشرح أو صاف الناقد، فإليكها: ١ _ صلاح الدين. وهذه صفة تقتضي بالضرورة أن يكون مسلماً، ولا يعرف فيمن تعرض لنقد الرواة من كان غير مسلم. والصلاح يستلزم قدراً من المحافظة والعمل الصالح، أدناه حفظ الفرائض والواجبات، وترك المحرمات. والمعتبر في الواجب والمحرم ما ليس محل خلاف. وعليه؛ فلا يقدح في أهلية الناقد أن يذهب مذهباً يحتمله الاجتهاد، سواء كان في قضية علمية أو عملية، ويكون مخطئاً في مذهبه. ونعني بالقضية العلمية الغلط في بعض فروع الاعتقاد، ولما وقع الاعتذار عنهم بالتأويل؛ لم يكن ذلك مسقطاً لاعتبار كلامهم في التجريح والتعديل: [١] عبد الرحمن بن يوسف بن سعيد المعروف بـ" ابن خراش " (المتوفى سنة: ٢٨٣). كان من الحفاظ النقاد العارفين بالحديث وأهله، وكلامه في رواة الحديث يشبه كلام أقرانه الكبار، كأبي حاتم الرازي وعلي بن الحسين بن الجنيد الرازي. قال الحافظ أبو أحمد بن عدي: سمعت عبد الملك بن محمد أبا نعيم يثني على ابن خراش، وقال: " ما رأيت أحفظ منه، لا يذكر له شيء من الشيوخ والأبواب إلا مر فيه " (١).

стр. 196

وقال الحافظ أبو الحسين أحمد بن جعفر ابن المنادي: " كان من المعدودين المذكورين بالحفظ والفهم بالحديث والرجال " (١). قلت: ولكن نقم عليه التشيع، بل رمى بكونه رافضياً. وهذا في التحقيق مما يجب أن يكون من قبيل الخطأ في التأويل، ولا يجري على الإنصاف أن يطرح علمه وصدقه ودرايته لرأي أخطأ فيه، والأئمة الذين جمعوا كلام النقاد في الرجال اعتبروا قوله وقبلوه. [٢] أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد " ابن حزم " الأندلسي (المتوفى سنة: ٤٥٦). الإمام الحافظ الفقيه المحقق صاحب المؤلفات الكثيرة، رأس أهل الظاهر، فضائله كثيرة، وعلمه جم. لكنه مع وقوفه عند ألفاظ النصوص في الفروع وانتصاره للنص، إلا أنه تجاوزه في أصعب الأمور، وهو باب الاعتقاد، فتكلم بكلام أهل الكلام، فوافقهم في الصفات، وخالف دلالة البرهان، حتى جاءت مقالته فيها شبيهة من بعض الوجوه مقالة جهم بن صفوان، فجرأ بعض من جاء بعده من الأئمة الأعيان لجرحه بذلك: قال الحافظ محمد بن أحمد بن عبد الهادي (المتوفى سنة: ٧٤٤): " طالعت أكثر كتاب " الملل والنحل " لا بن حزم، فرأيته قد ذكر فيه عجائب كثيرة ونقولاً غريبة، وهو يدل على قوة ذكاء مؤلفه وكثرة اطلاعه، لكن تبين لي منه أنه جهمي جلد لا يثبت من معاني أسماء الله الحسنى إلا القليل، كالخالق والحق، وسائر الأسماء عنده لا تدل على معنى أصلاً " وشرح طرفاً من ذلك (٢).

стр. 197

وبين سببه بما يوافقه فيه الحافظ ابن كثير، حيث قال: " كان من أشد الناس تأويلاً في باب الأصول وآيات الصفات وأحاديث الصفات؛ لأنه كان أولاً قد تضلع من علم المنطق .. ففسد بذلك حاله في باب الصفات " (١). ومع ذلك فقد اعتد أهل العلم بذكر قوله في الرجال، على خطأ له في ذلك وأوهام. [٣] أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي (المتوفى سنة: ٤٥٨). الإمام الكبير الحافظ المحقق، صاحب التصانيف النافعة في علوم الدين، شهرته بالإمامة والمعرفة مغنية عن التفصيل. كان قد اجتهد في إصابة طريقة أهل الحديث والثبات عليها في العقائد، إلا أنه تأثر بشيخه أبي بكر بن فورك من رءوس أتباع أبي الحسن الأشعري، فوافق أهل الكلام في بعض فروع المسائل الاعتقادية، كمسألة القرآن (٢) وغيرها. ومع ذلك فهو ناقد معتبر القول في الجرح والتعديل وتمييز الرواة. فهؤلاء الأئمة مثال لكون الخطأ في بعض فروع الاعتقاد بالتأويل لا يؤثر في أهلية الناقد واعتبار قوله. نعم، يوجب احتياطاً في قبول جرحه أو تعديله عند المعارضة، أي عند اختلاف نقاد المحدثين في راو جرحاً وتعديلاً، لكن ليس هذا من باب كونه معتبر القول جملة أو لا، وهذا الباب هو المقصود هنا بالتقرير.

стр. 198

وأما المخالف تأويلاً في بعض الفروع العملية؛ فهذا أولى بأن يقبل قوله إذا وجدت سائر الصفات الناقد. قال الإمام الشافعي: " والمستحل لنكاح المتعة والمفتي بها والعامل بها؛ ممن لا ترد شهادته، وكذلك لو كان موسراً فنكح أمة مستحلاً لنكاحها مسلمة أو مشركة؛ لأنا نجد من مفتي الناس وأعلامهم من يستحل هذا، وهكذا المستحل الدينار بالدينارين والدرهم بالدرهمين يداً بيد، والعامل به؛ لأنا نجد من أعلام الناس من يفتي به ويعمل به ويرويه، وكذلك المستحل لإتيان النساء في أدبارهن، فهذا كله عندنا مكروه محرم وإن خالفنا الناس فيه، فرغبنا عن قولهم، ولم يدعنا هذا إلى أن نجرحهم ونقول لهم: إنكم حلَّلتم ماحرم الله وأخطأتم؛ لأنهم يدعون علينا الخطأ كما ندعيه عليهم، وينسبون من قال قولنا إلى أنه حرم ما أحل الله " (١). وهذا الذي قاله الشافعي يتنزل على مزكي الشهود وعلى الشهود أنفسم، ولما كانت الرواية أولى من الشهادة في هذا الباب، فهذا الكلام متنزل كذلك على رواة العلم وعلى الذين تعرضوا لنقدهم من الحفاظ، لا يُقْدح على أحد منهم بشيء ذهب إليه بتأويل وشبهة. ٢ _ حفظ الحديث والمعرفة به وبأهله. وهذان في التحقيق وصفان من باب واحد، فالناقد يحتاج إلى خبرة ودراية بالمروي ليقايس به ويبني على وفقه موافقة ومخالفة تمييز حال الراوي، ولا تتهيأ له تلك المعرفة دون سعة حفظ واطلاع على الأسانيد والمتون، إضافة إلى دراية بمواضع الاتفاق منها والافتراق، وهذا يستلزم معرفة بجانب من فقهها معانيها، على ما ستعلمه من الفصول التالية في شرح منهج النقد.

стр. 199

ووقع من جرى أهل العلم على اعتماد قوله في (الجرح والتعديل) شاهد على مراعاة هذه الصفة في الناقد. يصدق ذلك: أن الناقد يسعى إلى إثبات عدالة الراوي وضبطه، فإن كان فاقداً للعدالة أو الضبط في نفسه فكيف يقدر على الحكم على غيره، فأما عدالته فكما مر في بيان الصفة الأولى، وأما الضبط فمن كان كثير الخطأ في نقله وعلمه، أو ضعيفاً، أو متهماً بكذب، فهذا قد سقط بسقوط درايته بحديث نفسه، فكيف يدري حديث غيره فيتمكن على وفق درايته من نقده؟! قال أبو داود السجستاني: قلت لأحمد (يعني ابن حنبل): عمير بن سعيد؟ قال: " لا أعلم به بأساً "، قلت له: فإن أبا مريم قال تسلني عن عمير الكذاب؟ قال: وكان عالماً بالمشايخ، فقال أحمد: " حتى يكون أبو مريم ثقة " (١)؟. يقول أحمد: إنما يعتد بكلامه لو كان ثقة , أما وهو رجل مجروح ساقط، فلا. وأبو مريم هذا هو عبد الغفار بن القاسم الأنصاري، أحد من ذكروا بمعرفة الحديث، لكنه كان يضع الحديث. وإليك ثلاثة من هؤلاء الذين لهم قول مذكور في كتب الجرح والتعديل، تحتاج إلى التوقي من نقدهم وكلامهم في الرواة؛ لأن الكلام فيهم أسقط اعتمادهم في الجرح والتعديل: [١] محمد بن عمر بن واقدٍ الواقدي الأسلمي (المتوفى سنة: ٢٠٧). كان واسع المعرفة، كثير الأخبار، رواية للسير والمغازي، ومن أكثر الناس كلاماً فيها، وله كلام كثير في وفيات الشيوخ، لكن الأئمة النقاد

стр. 200

الكبار مثل: الشافعي وعبد الله بن المبارك وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه ويحيى بن معين والبخاري وسائر من بعدهم من أمثالهم قد اتفقوا على وهائه وسقوطه، بل منهم من قضى بأنه كان كذاباً، وإنما خالفهم من هو دونهم في المعرفة بالنقلة بدرجات. فإذا وجدت عبارة نقد معزوة إلى الواقدي فاعلم أنها ليست موضعاً للقبول، علماً بأن ما له في ذلك قليل. [٢] محمد بن الحسين بن أحمد أبو الفتح الأزدي (المتوفى سنة: ٣٧٤). أحد العلماء المذكورين بالحفظ، لكن ضعفه الحافظ أبو بكر البرقاني، وقال الخطيب البغدادي: " في حديثه غرائب ومناكير، وكان حافظاً، صنف كتباً في علم الحديث " (١). وحول كلامه في الرواة قال الذهبي: " له كتاباً كبير في الجرح والضعفاء عليه فيه مؤاخذات " (٢). ولو تتبعت غلطه في ذلك وجدته كثيراً، منه ما أنكره عليه الذهبي في ترجمة (أبان بن إسحاق) (٣) حيث قال: " أبو الفتح يسرف في الجرح، وله مصنف كبير إلى الغاية في المجروحين، جمع فأوعى، وجرح خلقاً بنفسه لم يسبقه أحد إلى التكلم فيهم، وهو المتكلم فيه ". وقال الحافظ ابن حجر في ترجمته (خثيم بن عراك بن مالك) (٤): " وشذَّ الأزدي فقال: منكر الحديث، وغفل أبو محمد بن حزم فاتبع الأزدي، وأفرط فقال: لا تجوز الرواية عنه، وما درى أن الأزدي ضعيف، فكيف يقبل منه تضعيف الثقات؟ ".

стр. 201

[٣] مسلمة بن القاسم الأندلسي (المتوفى سنة: ٣٥٣). كان محدثاً واسع الرحلة كثير السماع من الشيوخ، له مصنفات في تواريخ المحدثين، وكلام كثير في الجرح والتعديل، لكنه لم يكن مرضياً عند الأندلسيين، قال ابن الفرضي: " سمعت من ينسبه إلى الكذب، وسألت محمد بن أحمد بن يحيى القاضي عنه فقال: لم يكن كذاباً، ولكن كان ضعيف العقل " (١)، وقال الذهبي: " لم يكن بثقة " (٢). فهؤلاء وأمثلهم ممن لهم كلام محفوظ عنهم في كتب الجرح والتعديل، لا يعتمد على جرحهم أو تعديلهم منفردين، فإن جاءت أقوالهم موافقة لأقوال من يعتبر قوله فلا بأس بحكايتها، وإن جاءت مخالفة فمطروحة، وإن لم يوجد لها الموافق أو المخالف فالتعديل منهم غير كاف، والجرح يفيد التوقف في قبول رواية الراوي، لا لأجل اعتمادنا على جرح الواحد منهم، وإنما لمجيء جرحه موافقاً للجهالة بأمر ذلك الراوي، وهي قادحة لذاتها في قبول حديثه. ٣ _ الورع، والحذر، والمبالغة في الاحتياط والتيقظ. قال الذهبي: " الكلام في الرواة يحتاج إلى ورع تام، وبراءة من الهوى والميل، وخبرة كاملة بالحديث وعلله ورجاله " (٣). قلت: وهذا يستلزم مراقبة الله تعالى في حرمة دينه من جهة، وحرمة أعراض الرواة من جهة أخرى، ويوجب مبالغة في الاحتياط في التحقق قبل إرسال العبارات بالتعديل أو التجريح. كما يوجب ترك العصبية لأحد أو على أحد، والنظر بعين الإنصاف والعدل، وإن كان ذلك صعباً شديداً.

стр. 202

قال ابن حبان: سئل علي بن المديني عن أبيه؟ فقال: " اسألوا غيري " فقالوا: سألناك، فأطرق، ثم رفع رأسه وقال: " هذا الدين، أبي ضعيف " (١). وهذا يحيى بن معين يتكلم في صاحب له ممن كان يحبه، فنقل عنه الحسين بن حبان قوله في (محمد بن سليم القاضي): " هو _ والله _ صاحبنا، وهو لنا محب، ولكن ليس فيه حيلة البتة، وما رأيت أحداً قط يشير بالكتاب عنه ولا يرشد إليه "، وقال: " قد _ والله _ سمع سماعاً كثيراً، وهو معروف، ولكنه لا يقصر على ما سمع، يتناول ما لم يسمع "، قلت له: يكتب عنه؟ قال: " لا ". وفي رواية ابن أبي خيثمة، قال: سمعت يحيى بن معين يقول: " ليس بثقة "، قلت: لم صار ليس بثقة؟ قال: " لأنه يكذب في الحديث " (٢). والقاعدة في أئمة هذا الشأن الشهرة بالدين والصلاح والورع، لكن العصمة غير ثابتة لهم، فقد يتأثر الناقد ببعض العوارض فيصدر حكمه على غير سنن العدل، فيجب التفطن إلى ذلك، كما وقع من جماعة من النقاد في حق بعض النقلة وعلمنا بالقرائن أن أحكامهم تلك لم تكن منصفة. وعليك أن تتفطن إلى أمرين هنا: الأول: لا يجوز اعتماد قول ذلك الناقد في حق من دلت القرائن أنه على خلاف حكمه فيه، وإنما تلك زلة توجب الاستغفار له. والثاني: لا يجوز إهدار سائر أحكام ذلك الناقد على غير ذلك الراوي بسبب زلته تلك، وإنما هي باقية على الاعتبار كأقوال غيره من الأئمة. لكن اعلم أنه لا يجوز الإقدام على رد كلام الناقد وادعاء كونه خرج على غير مخرج الإنصاف إلا بعد ثبوت المعارض الراجح.

стр. 203

وتفسير ذلك: لو أن زيداً من النقاد قال: (فلان كذاب)، ووجدنا عامة النقاد على موافقته في جرح ذلك الراوي بالتكذيب أو ما يقرب منه، فلا يصح رد كلام ذلك الناقد (١)، ولو وجدناهم اختلفوا فمنهم من وافقه ومنهم من خالفه، لم نقدر أن نقول: (قوله غير منصف)، وإنما نبحث عن طريق آخر للترجيح، ولو وجدناه انفرد بما خالفوه فيه، فإن كان فسر قوله وبين حجة مقنعة قبلناه، وإلا رددنا، وإن كان المنتقد ممن ثبت عدالته واشتهر صدقه فهذا لا يلتفت معه إلى قول الجارح ويحمل على الغلط أو عدم الإنصاف. ومن أكثر ما وقعت به مجاوزة الإنصاف: الكلام بسبب اختلاف العقائد والمذاهب، وقليل بسبب الغضب، ونادر منه ما قد يحمل على الحسد، فتفطن لذلك. وهذه أمثلة منقسمة على هذه الوجوه المختلفة: [١] الحافظ إبراهيم بن يعقوب الجوزاجاني (المتوفى سنة: ٢٥٩)، له مصنف في جرح الرواة تحامل فيه على طائفة من ثقات الكوفيين واصفاً لهم بالزيغ والانحراف وغير ذلك، بسبب ما كان يميل إليه الكوفيون من التشيع، والجوزجاني كان قد سكن الشام، وكان أهلها يميلون إلى النصب، وهو الانحراف عن أهل البيت، فصدرت عباراته في الجرح واضحة التأثر بذلك؛ لذا فإنه لا يقبل كلامه في كوفي إلا أن يوافق من ناقد لم يوصم بذلك.

стр. 204

قال ابن عدي: " كان مقيماً بدمشق، يحدث على المنبر، ويكاتبه أحمد بن حنبل فيتقوى بكتابه ويقرأه على المنبر، وكان شديد الميل إلى مذهب أهل دمشق في التحامل على علي ﵁ " (١). وقال ابن حبان كان حريزيَّ المذهب، ولم يكن بداعية إليه، وكان صلباً في السنة حافظاً للحديث، إلا أنه من صلابته كان يتعدى طوره " (٢). و (حريزي) نسبة إلى حريز بن عثمان، وقد اتهم بالنصب، فصار طائفة ينسبون إليه لقولهم بهذا المذهب. وقال الدارقطني: " كان فيه انحراف عن علي بن أبي طالب ﵁ " (٣). ونقول: يصح ما يذكره الجوزجاني من البدعة عن كثيرين من أهل الكوفة، ولكنه تجاوز في الجرح وبالغ في الحط، ولم يفرق بين تشيع غال وغير غالٍ. [٢] الحافظ أبو بشر محمد بن أحمد الدولابي (المتوفى سنة: ٣١٠). صاحب كتاب " الكنى والأسماء " وغيره، له كلام في الرجال ونقل كثير، لكنه كان حنفياً متعصباً (٤)، وحمله ذلك على المبالغة في الجرح للمخالف لمذهبه، كما حمله على الانتصار للمذهب في موضع الغلط. ومن الدليل عليه ما يأتي: نقل عنه ابن عدي _ وهو تلميذه _ شدة طعنه على نعيم بن حماد

стр. 205

الخزاعي الذي كان من أشد الناس خلافاً لأهل الرأي الحنفية، ثم قال ابن عدي: " وابن حماد متهم فيما يقوله لصلابته في أهل الرأي " (١). وكان حدث برواية أبي حنيفة عن منصور بن زاذان عن الحسن عن معبد بحديث إعادة الوضوء والصلاة من القهقهة، ثم قال: " هو معبد بن هوذة الذي ذكره البخاري في كتابه في تسمية أصحاب النبي ﷺ "، فتعقبه ابن عدي فقال: " وهذا الذي ذكره ابن حماد غلط، وذلك أنه قيل: معبد الجهني، فكيف يكون جهنياً أنصارياً؟ ومعبد بن هوذة أنصاري، وله حديث عن النبي ﷺ في الكحل، إلا أن ابن حماد اعتذر لأبي حنيفة فقال: هو معبد بن هوذة؛ لميله إلى أبي حنيفة، ولم يقله أحد (عن معبد) في هذا الإسناد إلا أبو حنيفة " (٢). فأقول: من كان هذا وصفه فيخشى من جرحه لمخالفه أن لا يكون صدر منه ذلك على وجه الإنصاف، كما يخشى من تعديله لموافقه لنفس المعنى، فلا يجوز أن يقبل منه هذا ولا ذاك في راو علمنا كونه على مذهبه أو على خصام لمذهبه. ويجب أن لا تغفل ما للخلاف في المذهب من التأثير في المتكلمين في الرجال، فراقب ذلك، خصوصاً في حال تعارض الجرح والتعديل. وأكثر ما كان شائعاً من العصبية للمذهب في القرون الأولى ما كان بين أهل الحديث وأهل الرأي، فلا يقبل كلام بعضهم في بعض إلا من أهل وبحجة. واعلم أن المثالين المتقدمين (الجوزجاني والدولابي) قد اختلت فيهما صفة الناقد، فنزل عن كونه أهلاً للاعتماد عليه بيناً انحرافه فيه، لا مطلقاً.

стр. 206

[٣] وهناك أمثلة عديدة لوقوع الغلط من الناقد على سبيل الندرة، قامت الحجة على عدم الاعتماد بها، مع بقاء ذلك الإمام مقبول الجرح والتعديل في سائر الأحوال، منها: جرح مالك بن أنس لمحمد بن إسحاق صاحب " السيرة "، وتكذيب أبي داود السجستاني لابنه أبي بكر. ومنه كذلك (جرح الأقران لبعضهم) ككلام النسائي في أحمد بن صالح المصري، وكلام محمد بن إسحاق بن منده في أبي نعيم الأصبهاني، وأبي نعيم فيه. [٤] ما وقع من ترك رواية أبي زرعة وأبي حاتم الرازيين عن الإمام أبي عبد الله البخاري، اعتمدا فيه على ما كتب لهما به محمد بن يحيى الذهلي الحافظ من أن البخاري يقول: (لفظي بالقرآن مخلوق) (١). وهذه المسألة نسبت إلى البخاري وهو منها بريء، حكى محمد بن شادل (وكان محدثاً ثبتاً) قال: لما وقع بين محمد بن يحيى والبخاري دخلت على البخاري فقلت: يا أبا عبد الله، أيش الحلية لنا فيما بينك وبين محمد بن يحيى، كل من يختلف إليك يطرد؟ فقال: " كم يعتري محمد بن يحيى الحسد في العلم، والعلم رزق الله يعطيه من يشاء " فقلت: هذه المسألة التي تحكى عنك؟ قال: " يا بني، هذه مسألة مشؤومة، رأيت أحمد بن حنبل وما ناله في هذه المسألة، وجعلت على نفسي أن لا أتكلم فيها " (٢). أقول: محمد بن يحيى من بحور الأئمة ومن نقادهم، وجائز أن تكون زورت له المقالة على البخاري، فكان ذلك الموقف منه، وجائز غير ذلك من طباع البشر التي لا يعصمون منها، كالذي أشار إليه البخاري نفسه،

стр. 207

غفر الله للجميع، فلا يجوز أن يستعمل ذلك سبباً للنيل من البخاري بوجه، فضلاً عن ترك حديثه كما صنع أبو زرعة وأبو حاتم، غفر الله لهما. ٤ _ المعرفة بأسباب الجرح والتعديل. هذه الخصلة من أهم ما يجب ملاحظته في الناقد، فلا يقبل جرح أو تعديل إلا من عارف بما يكون جرحاً وما يكون عدالة. والكلام في الرواة يأتي عادة من أئمة قد عرفوا به وعدوا من أهله وأصحاب الدراية به، لكنك تجد بعد الشيء من ألفاظ الجرح والتعديل يقع من بعض الرواة الثقات في بعض الرواة الآخرين من شيوخهم أو غيرهم، فهؤلاء يجب أن تحتاط في قبول أقوالهم على معانيها المستعملة في هذا العلم؛ لجواز صدورها على غير مراد أهل المعرفة. ومن هذا ما صدر من جماعة من التابعين في بعضهم، كتكذيب سعيد بن المسيب لعكرمة مولى ابن عباس، وتكذيب سالم بن عبد الله بن عمر لنافع مولى ابن عمر، فإنهم كانوا يطلقون على الخطأ لفظ الكذب، بخلاف ما جرى عليه نقاد المحدثين من بعد فإن الكذب عندهم هو تعمد وضع الحديث عن رسول الله ﷺ . ومن هذا ما قد تراه في سياق إسناد من قول الراوي الثقة: (حدثنا فلان وكان ثقة) أو شبه ذلك، فإن لم يكن ذلك الراوي معروفاً في أئمة الجرح والتعديل فلا تكفي مجرد ثقته في نفسه لاعتماد قوله والتعويل عليه، إلا أن يوافق من عارف، ومن أمثلته: [١] قال محمد بن إسحاق صاحب " السيرة ": " حدثني محمد بن يحيى بن حبان، ومحمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة وكانا ثقة " (١).

стр. 208

كما قال ابن إسحاق: " حدثني أبو سفيان الحرشي وكان ثقة فيما ذكر أهل بلاده " (١). وقال: " حدثني عياض بن دينار وكان ثقة " (٢). وقال: " حدثني عمران بن أبي أنس أخو بني عامر بن لؤي وكان ثقة " (٣). [٢] وقال يزيد بن عبد الصمد الدمشقي: " حدثنا عبد الرزاق بن مسلم الدمشقي وكان من ثقات المسلمين من المتعبدين، قال حدثنا مدرك بن سعد " قال يزيد: " شيخ ثقة " (٤). [٣] وقال سريج بن يونس: " حدثنا محبوب بن محرز بياع القوارير كوفي ثقة " (٥). فهؤلاء الرواة: محمد بن إسحاق ويزيد بن عبد الصمد وسريج ثقات، وأرفعهم يزيد وهو ابن محمد بن عبد الصمد، لكن ليسوا ممن عرف بالخبرة في الرواة ودرجاتهم في النقل، وذلك علامة على كون التعديل قد لا يصدر من أحدهم على المعنى الذي يقرر عليه نقاد المحدثين، وجائز أن يكون بني على ما رأوا عليه ذلك الراوي من ستر وسلامة في نفسه، أو ذكر له بالخير عند الناس، وهذا غير كاف لتوثيقه حتى ينضم إليه الدراية بحديثه والخبرة به. لكن لا بأس باعتبار ذلك إذا وافق شهادات النقاد العارفين.

стр. 209

٥ _ الاعتدال والتوسط في الجرح والتعديل. وهذا شرط يوجبه ما تقدم من الشروط، والثالث منها خاصة، في الورع والتيقظ والتحفظ توجب أن يراعي في حكمه أن يكون سديداً، يوافق حقيقة الموصوف. لكن التنبيه عليه على التعيين؛ من أجل اعتبار هذا المعنى الخاص مؤثراً في نقدكثير من الرواة، خصوصاً الجرح، فإن من الأئمة النقاد من اجتمعت فيه جميع الشروط المتقدمة، لكنه كان يبالغ في التحفظ، حتى يقدح في الراوي بالغلطة والغلطتين. ويأتي لهذا مزيد بيان وتمثيل في الكلام في (اختلاف الجرح والتعديل). * * *

стр. 210

المبحث الثالث: نماذج لأعيان من يعتمد قوله في نقد الرواة الخبراء بأحوال النقلة، والمتكلمون فيهم تعديلاً أو جرحاً، ممن إلى كلامهم المرجع لتمييز أحوال الرواة، لا يستقصي ذكرهم في هذا الموضع، وإنما القصد هنا إلى ذكر طائفة من رءوسهم، ممن عرفوا بكثرة النقد، تنبيهاً على مقامهم في هذه الصناعة، مع الإبانة عن منزلة كلام أحدهم بحسب ما يقتضيه المقام من الإيجاز، فمنهم: ١ _ شعبة بن الحجاج (المتوفى سنة: ١٦٠). من أتباع التابعين، كان إمام هذه الصناعة وأمير المؤمنين فيها، حتى قال فيه تلميذه الناقد العارف يحيى بن سعيد القطان: " كان شعبة أعلم الناس بالرجال " (١). وقال أحمد بن حنبل: " كان شعبة أمة وحده في هذا الشأن " يعني في الرجال، وبصره بالحديث، وتثبته، وتنقِّيه للرجال (٢).

стр. 211

وقال أبو حاتم الرازي: " كان شعبة بصيراً بالحديث جداً، فهماً له، كأنه خلق لهذا الشأن " (١). قلت: وكان من شدة تحريه أنه قل من كان يرضى من الرواة؛ لذا فإنه إذا وثق رجلاً فذاك، ما لم تقم حجة بينة على خلافه، وإذا جرح فاحتط من جرحه. ٢ _ مالك بن أنس (المتوفى سنة: ١٧٩). من أتباع التابعين، إمام دار الهجرة. قال بشر بن عمر الزهراني: سألت مالكاً عن رجل؟ فقال: " هل رأيته في كتبي؟ "، قلت: لا، قال: " لو كان ثقة رأيته " (٢). قلت: وهذا يدل على شدة انتقائه للرواة، ومن أجله عدت روايته عن الرجل توثيقاً له. وقال علي بن المديني: " كل مدني لم يحدث عنه مالك ففي حديثه شيء , ولا أعلم مالكاً ترك إنساناً إلا إنساناً في حديثه شيء " (٣). ٣ _ يحيى بن سعيد القطان (المتوفى سنة: ١٩٨). وهو تلميذ شعبة وخريجه، وجارٍ على طريقه ومنهاجه، وكان من أبصر الأمة بالرواة. قال أبو الوليد الطيالسي: " ما رأيت أحداً كان أعلم بالحديث ولا بالرجال من يحيى بن سعيد " (٤).

стр. 212

وكان متشدداً، حتى قال لو لم أرو إلا عن كل من أرضى، ما رويت إلا عن خمسة " (١). وقال محمد بن بشار بندار: سمعت يحيى بن سعيد يقول وقلت له: عن ثقة؟ فقال: " لا تقل (عن ثقة)، لو حققت لك ما حدثتك إلا عن أربعة: ابن عون، وشعبة، ومسعر، وهشام الدستوائي " (٢). ويحيى القطان لم يرد بهذا جرح سائر من أدرك من النقلة، وفيهم من هو معروف بالحفظ والإتقان، وإنما الشأن كما قال الحاكم: " فيحيى بن سعيد في إتقانه وكثرة شيوخه يقول مثل هذا القول، ويعني بالخمسة الشيوخ الأئمة الحفاظ الثقات الأثبات " (٣)، وكما قال أبو الوليد الباجي: " لاخلاف أنه أراد بذلك النهاية فيما يرضيه؛ لأنه قد أدرك من الأئمة الذين لا يطعن عليهم أكثر من هذا العدد " وذكر جماعة من كبار حفاظ شيوخه (٤). وقال يحيى بن معين: " كان يحيى بن سعيد القطان يضعف عبد الحميد بن جعفر "، قال الدوري: قلت ليحيى: قد روى عنه يحيى بن سعيد، قال: " روى عنه ويضعفه "، قال يحيى: " وقد كان يحيى بن سعيد يروي عن قوم وما كانوا يساوون عنده شيئاً (٥). قلت: وإنما كان يفعل في رواة لم يبلغوا السقوط، وإن لم يكونوا عنده في المحل الذي يعدهم فيه من الثقات.

стр. 213

٤ _ عبد الرحمن بن مهدي (المتوفى سنة: ١٩٨). هو تلميذ شعبة كذلك، وصاحب يحيى القطان، كان إماماً في تمييز النقلة، إماماً في معرفة علل الحديث. قال تلميذه علي بن المديني: " أعلم الناس بالحديث عبد الرحمن بن مهدي " (١). وقال: " والله، لو أخِذْت وحُلِّفتُ بين الركن والمقام لحلفت بالله أني لم أر قط أعلم بالحديث من عبد الرحمن بن مهدي " (٢). مقارنة بينه وبين يحيى القطان: روي عن ابن المديني قال: " إذا اجتمع يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي على ترك رجل لم أحدِّث عنه، فإذا اختلفا أخذت بقول عبد الرحمن؛ لأنه أقصدهما، وكان في يحيى تشدد " (٣). قلت: وهذا الاختيار يؤيده الواقع التطبيقي في شأن من اختلفا فيه من الرواة. أما إذا اتفقا فحسبك. قال الذهبي، وذكر ابن المهدي: " كان هو ويحيى القطان قد انتدبا لنقد الرجال، وناهيك بهما جلالة ونبلاً وعلماً وفضلاً، فمن جرحاه لا يكاد _ والله _ يندمل جرحه، ومن وثقاه فهو الحجة المقبول، ومن اختلفا فيه اجتُهِد في أمره، ونزل عن درجة الصحيح إلى الحسن، وقد وثقا خلقاً كثيراً، وضعفا آخرين " (٤).

стр. 214

٥ _ أبو مسهر عبد الأعلى بن مسهر الغساني (المتوفى سنة ٢١٨). إمام أهل الشام، والمقدم في هذا الفن في معرفة رواة بلده. قال ابن حبان: " كان يقبل كلامه في التعديل والجرح في أهل بلده، كما كان يقبل ذلك من أحمد ويحيى بالعراق، وكان يحيى بن معين يفخم أمره " (١). ٦ _ يحيى معين (المتوفى سنة: ٢٣٣). هو رأس هذا العلم في معرفة الرجال، وإليه المنتهى فيه، فقل من الرواة وندر من لم يعرف له فيه تعديل أو جرح، كما أنه رأس في معرفة علل الحديث. وقد قال فيه صاحبه أحمد بن حنبل: " يعرف خطأ الحديث " (٢). وقال: " أعرفنا بالرجال يحيى بن معين " (٣). وقال الآجري: قلت لأبي داود: أيما أعلم بالرجال: يحيى، أو علي بن عبد الله؟ قال: " يحيى عالم بالرجال، وليس عند علي من خبر أهل الشام شيء " (٤). قال أبو حاتم الرازي في ترجمة (يوسف بن خالد السمتي): " أنكرت قول يحيى بن معين فيه: إنه زنديق، حتى حمل إلي كتاب قد وضعه في

стр. 215

التهجم بابا بابا، ينكر الميزان في القيامة، فعلمت أن يحيى بن معين كان لا يتكلم إلا على بصيرة وفهم " (١). وقال ابن عدي: " به تستبرأ أحوال الضعفاء " (٢). وأطلق عليه بعض المتأخرين نعت التشدد، وهذا إن أريد به أنه كان يجرح بالغلطة، فليس صواباً، فقد وثق وأثنى على كثيرين نالهم غيره بالجرح، بل طريقته من أسد الطرق وألصقها بالعدل، لكنه كان كثير الكلام في النقلة، حتى قل أن يوجد راو ممن تقدمه أو كان في زمانه لم ينزله يحيى منزلته من تعديل أو جرح؛ لذا صح أن يكون من سكت عنه ألصق بالتعديل منه بالجرح. لذا ربما شدد في عبارة الجرح تارة في رواة قليلين من أجل ما بدا له فيهم من استحقاق ذلك التشديد، ولم يكن عادة مطردة له، بل عادته كما ذكرت قبل الاعتدال في العبارة. ومن أمثلة ما يعد من مبالغة في الجرح: (١) قوله في (سويد بن سعيد): " لو كان لي فرس ورمح لكنت أغزو سويد بن سعيد " (٣). وقال أبو زرعة الرازي: قلنا ليحيى بن معين: إن سويد بن سعيد يحدث عن ابن أبي الرجال عن ابن أبي رواد عن نافع عن ابن عمر، أن النبي ﷺ قال: من قال في ديننا برأيه فاقتلوه، فقال يحيى: " سويد ينبغي أن يبدأ به فيقتل " (٤).
следующие страницы →