المبحث التاسع:
أصول في تعديل الرواة
الأصل الأول: هل ترتفع الجهالة وتثبت العدالة بتزكية ناقد واحد للراوي، وكذلك الجرح؟
علمنا مما تقدم أن عدالة الراوي الموجبة لقبول حديثه هي التي تحقق فيها وصفان: العدالة الدينية، والضبط.
والطريق إلى العلم بها في شأن الرواة موقوف على تزكية العارفين بالنقلة، والقائمة عندهم على سلامة الراوي من القوادح في دينه، وذلك بالمشهور من سيرته وأخباره أو بناء على أصل السلامة، وعلى براءة رواياته من المخالفة والنكارة، فيحكمون بكون هذا الراوي (ثقة) مثلاً.
هذا التعديل هل يكفي فيه قول ناقد واحد؟
اختلفوا في إثبات عدالة الشاهد: فمن الفقهاء من أوجب اجتماع اثنين على تزكيتة، ومنهم من أجاز الاكتفاء بواحد، وجر بعضهم الخلاف إلى الراوي.
والتحقيق والذي عليه العمل: صحة الاكتفاء بتعديل واحد ثبتت له أهلية النقد للنقلة، ومن يصحح العمل بخبر الواحد، وهم الجميع في التحقيق، فيجب أن يصح على مذهبه قبول تزكية الواحد الكفؤ (١).
стр. 282
وكذلك الجرح، لا يطلب له غير كفاءة الناقد.
ولا فرق في هذا بين كون الراوي روى عنه جمع أو لم يرو عنه إلا واحد ثقة، على التحقيق، كما سيأتي في (الأصل الثالث)، فإن العلم بشخصه وثبوت عينه مع سلامة حديثه من الضعف كاف للناقد أن يحكم بثقته، ويعتمد في ذلك قوله.
الأصل الثاني: هل يتوقف قبول التعديل على العلم بأسبابه ؟
التحقيق من مذاهب أهل العلم أن التعديل لا يطلب فيه الإبانة عن السبب؛ لأن أسباب الصلاح والضبط كثيرة يعسرها حدها، إذ هي خبرة به لا تقف عند صفة من صفاته لتذكر، بخلاف التجريح، فإن صفة واحدة قد تكون مؤثرة فيه قادحة.
فإذا قال الناقد: (فلان ثقة) كان قوله واجب القبول بهذا الإطلاق، وهو على معنى ثبوت عدالة وضبط ذلك الراوي جميعاً.
الأصل الثالث: الراوي إذا عرف شخصه من رواية ثقة واحد أو أكثر عنه، ولم يثبت عليه قادح في دينه، وسلم حديثه من المنكرات، فهو عدل ثقة يحتج بخبره.
هذا الأصل في التحقيق منهج عامة المتقدمين من أئمة الحديث في قبول أحاديث النقلة.
فإن الرجل إذا ارتفعت عندهم جهالة عينه، أجروا أمره على السلامة في الدين، ونظروا فيما روى، فحكموا عليه في إتقانه بحسب ما عرف من حديثه وما أنكر.
ووضوح هذا وشيوعه مستغن عن التدليل عليه بالمثال، فإنا نعلم بالضرورة أن أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وأقرانهم وأتباعهم من تلامذتهم ومن قرب منهم ومن بعدهم، قد تكلموا في الرواة من التابعين
стр. 283
وأتباعهم، ولم يدركوهم، ولم يبلغهم من أخبارهم في الغالب إلا تلك الأحاديث التي رويت عنهم من طرق الثقات، فحكموا على أولئك النقلة من خلال فحص مروياتهم، فمن سلم حديثه من النكارة وثقوه، أو حكموا عليه بوصف من أوصاف القبول، ومن ثبتت نكارة حديثه جرحوه بما يناسبه بحسب تلك النكارة.
فحديث الراوي كان الطريق إلى تمييز حاله في الرواية.
فإن أردت فهم ذلك منهم فتأمل جرحهم وتعديلهم للنقلة يتضح لك جلياً ما قلت، ومنهج الحافظ ابن عدي في " كامله " شرح لذلك المنهاج.
وأما العدالة في النفس فكانت تجرى على أصل السلامة، كما تقدم، فالراوي إذا لم يأت عنه ما يقدح في عدالته في دينه فهو عدل (١).
الأصل الرابع: من استقرت عدالته، وثبتت في الحديث إمامته، فهذا لا يشتغل في تتبع أمره؛ لم في ذلك من تحصيل ما هو حاصل، وإتعاب النفس بما ليس وراءه طائل.
وهذا مثل الأئمة: مالك بن أنس، وسفيان الثوري، وشعبة بن الحجاج، وسفيان بن عيينة، ولليث بن سعد، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، ويزيد بن هارون، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين.
стр. 284
قال الخطيب: " ومن جرى مجراهم في نباهة الذكر، واستقامة الأمر، والاشتهار بالصدق والبصيرة والفهم، لا يسأل عن عدالتهم، وإنما يسأل عن عدالة من كان في عداد المجهولين، أو أشكل أمره على الطالبين " (١).
وذلك كالذي روى حنبل بن إسحاق قال: سمعت أبا عبد الله (يعني أحمد بن حنبل) وسئل عن إسحاق بن راهويه؟ فقال: " مثل إسحاق يسأل عنه؟! إسحاق عندنا إمام من أئمة المسلمين (٢).
وقال حمدان بن سهل البلخي: سألت يحيى بن معين عن الكتابة عن أبي عبيد والسماع منه؟ فتبسم، وقال: " مثلي يسأل عن أبي عبيد؟! أبو عبيد يسأل عن الناس " (٣).
وقال أبو حاتم الرازي في (يزيد بن هارون): ثقةٌ إمام، صَدوق في الحديث، لا يُسأل عن مثلِه " (٤).
وقال أبو حاتم في (محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان) وقد سئل عنه؟: " هذا من التابعين، لا يسأل عنه " (٥).
قلت: كأنه يقول: له مقام كبير، ومكانة رفيعة، أغنت عن تتبع أمره والسؤال عنه.
الأصل الخامس: درجات العدول متفاوتة .
لا يقع التفاوت في تحقق ركن العدالة الدينية في الرواة، إذ هي إما عدالة وإما فسق، ولكن التفاوت يقع في تحقق الركن الثاني، وهو قوة
стр. 285
الضبط، فإنه يتفاوت في نسبه بين النقلة، فهم درجات في القبول، ودرجات في الرد، فدرجات المجروحين يأتي بيانها في (تفسير الجرح).
وأما درجات المقبولين فتنقسم في الجملة إلى منزلتين بحسب القسمة الاصطلاحية للحديث المقبول:
الأولى: منزلة الحديث الصحيح.
والثانية: منزلة راوي الحديث الحسن.
والضبط الراجح شرط قبول حديث الراوي العدل، وهو كما لا يخفى مما يتفاوت فيه الناس.
قال جرير بن عبد الحميد: لما ورد شعبة البصرة قالوا له: حدثنا عن ثقات أصحابك، فقال: " إن حدثتكم عن ثقات أصحابي، فإنما أحدثكم عن نفر يسير من هذه الشيعة: الحكم بن عتيبة، وحبيب بن أبي ثابت، وسلمة بن كهيل، ومنصور " (١).
قلت: فأراد شعبة أعلاهم في الثقة عنده، وإلا فإنه روى عن كثير من الثقات، ممن وثقهم هو نفسه.
وقيل لعبد الرحمن بن مهدي: أبو خلدة (٢) , ثقة؟ فقال: " كان صدوقاً، وكان مأموناً، الثقة سفيان وشعبة " (٣).
قال الباجي: " وإنما أراد عبد الرحمن بن مهدي، ﵀، التناهي في الإمامة، لو لم يوثق من أصحاب الحديث إلا من كان في درجة شعبة وسفيان الثوري لقل الثقات، ولبطل معظم الآثار ".
стр. 286
وقال في شأن أبي خلدة: " عبد الرحمن لم يرد أن يبلغه مبلغ غيره ممن هو أتقن منه وأحفظ وأثبت، وذهب إلى أن يبين أن درجته دون ذلك؛ ولذلك قال: كان خياراً، كان صدوقاً، وهذا معنى الثقة إذا جمع الصدق والخير مع الإسلام " (١).
وشبيه يقول ابن مهدي هذا: قول أحمد بن حنبل وقد سئل عن عقيل بن خالد ويونس بن يزيد وشعيب بن أبي حمزة من أصحاب الزهري: " ما فيهم إلا ثقة " قال المروذي: وجعل يقول: " تدري من الثقة؟ إنما الثقة يحيى القطان، تدري من الحجة؟ شعبة وسفيان حجة، ومالك حجة "، قلت: ويحيى؟ قال: " يحيى وعبد الرحمن، وأبو نعيم الحجة الثبت، كان أبو نعيم ثبتاً ".
وقال المروذي: قلت (يعني لأحمد بن حنبل): عبد الوهاب (يعني ابن عطاء) ثقة؟ قال: " تدري من الثقة؟ الثقة يحيى القطان " (٢).
وقال أبو زرعة الدمشقي: قلت ليحيى بن معين، وذكرت له الحجة، فقلت له محمد بن إسحاق منهم؟ فقال: " كان ثقة، إنما الحجة عبيد الله بن عمر، ومالك بن أنس، والأوزاعي، وسعيد بن عبد العزيز " (٣).
قال أبو زرعة: فقلت ليحيى بن معين: فلو قال رجل: إن محمد بن إسحاق كان حجة، كان مصيباً؟ قال: " لا، ولكنه كان ثقة " (٤).
ومن هذا قول أبي حاتم الرازي في (محمد بن مسلم بن تدرس أبي الزبير المكي): " روى عنه الناس "، فقال ابنه: يحتج بحديثه؟ قال: " إنما يحتج بحديث الثقات " (٥).
стр. 287
وقال في (محبوب بن محرز القواريري): " يكتب حديثه "، فقيل له: يحتج بحديثه؟ فقال: " يحتج بحديث سفيان وشعبة " (١).
وإنما أراد أبو حاتم الدرجة العليا في الإتقان.
فدلت هذه الآثار أن العدول درجات، كلهم مقبول من أجل ثبوت عدالته وضبطه في الجملة، ولكن فائدة تمييز ذلك: الترجيح بينهم عند تعارض الروايات واختلافها في الأسانيد والمتون.
وهذا طريق معتمد عند أئمة النقاد في علم (علل الحديث) يرجحون بتفاوت حفظ الثقات.
وأما الثقة المطلقة فلا توجد لأحد من الرواة، إلا أن يقال: (فلان من أوثق الناس) أو (من أثبت الناس)، وليست هذه ثقة مطلقة.
وسبب امتناع هذا أنه لا يعرف أحد من الرواة سلم من الغلط، فمن أوثق الناس شعبة بن الحجاج وسفيان الثوري ومالك بن أنس، لكن ما سلم أحد منهم من خطأ يسير يؤخذ عليه.
فإن قارنت بغيرهم نازعهم من يقرب منهم في الضبط في أعيان شيوخهم، كشعبة والثوري في الأعمش، وكمنازعة بعض الثقات من أصحاب الزهري لمالك فيه.
الأصل السادس: هل رواية الثقة عن رجل تعديل له ؟
هذه المسألة مما اختلف فيه أهل العلم على ما يمكن حصره في أربعة أقوال:
القول الأول: رواية الثقة عن رجل بمجردها تعديل له، وهو محكي عن الحنفية (٢).
стр. 288
والقول الثاني: رواية الثقة عن رجل ليست تعديلاً له بمجردها، وهذا معروف لطائفة كبيرة من أئمة الحديث.
قال الترمذي: " لا يغتر برواية الثقات عن الناس " (١).
وقال الخطيب: " احتج من زعم أن رواية العدل عن غيره تعديل له: بأن العدل لو كان يعلم فيه جرحاً لذكره. وهذا باطل؛ لأنه يجوز أن يكون العدل لا يعرف عدالته، فلا تكون روايته عنه تعديلاً ولا خبراً عن صدقه، بل يروي عنه لأغراض يقصدها، كيف وقد وجد جماعة من العدول الثقات رووا عن قوم أحاديث أمسكوا في بعضها عن ذكر أحوالهم مع علمهم بأنها غير مرضية، وفي بعضها شهدوا عليهم بالكذب في الرواية، وبفساد الآراء والمذهب؟ ".
ثم مثل لذلك بأمثلة، منها:
١ _ قول عامر الشعبي في (الحارث الأعور): " حدثني الحارث وكان كذاباً " (٢). وفي لفظ: " حدثني الحارث، وأشْهد أنه أحد الكذابين " (٣).
٢ _ وقال عثمان بن أبي صفوان الثقفي: سمعت سفيان الثوري يقول: " حدثنا ثوير بن أبي فاختة، وكان من أركان الكذب " (٤).
стр. 289
٣ _ وقال يزيد بن هارون: " حدثنا أبو روح، وكان مجنوناً، وكان يعالج المجانين، وكان كذاباً (١).
كما استدل الخطيب لما ذهب إليه بقول شعبة بن الحجاج: " لو لم أحدثكم إلا عن ثقة، لم أحدثكم عن ثلاثين " (٢).
وقال يحيى بن سعيد القطان: " ليس كل من يحدث عنه سفيان كان ثقة " (٣).
ووجدت الإمام يحيى بن معين يقول في رواة حدث عنهم من لا يخفى يحيى أنهم من أهل التثبت والنقد، مثل شعبة بن الحجاج، ومع ذلك فلم يجعل روايتهم عنهم تعديلاً لهم، فقد قال في كل من (أبي قزعة) و (أبي سلمة الكوفي) ": " لا أعرفه " وقد روى عنهما شعبة (٤).
ونقل ابن هانئ النيسابوري أنه سأل الإمام أحمد بن حنبل عن (البختري) الذي روى عنه شعبة؟ فقال: " لا أعرفه " (٥).
وقد قال الحاكم: " تفرد شعبة بالرواية عن زهاء ثلاثين شيخاً من شيوخه لم يرو عنهم غيره، وكذلك كل إمام من أئمة الحديث قد تفرد بالرواية عن شيوخ لم يرو عنهم غيره " (٦).
стр. 290
وقال الإمام أحمد بن حنبل: " جون بن قتادة شيخ لا يعرف، لم يحدث عنه غير الحسن " (١).
بل ربما روى عن رجل ثقتان ولا يوثقه الناقد، كما سئل أحمد بن حنبل عن (عبد الأعلى التميمي) الذي روى عنه مسعر: من هو؟ قال: " لا أعرفه، روى عنه مسعر والمسعودي " (٢).
قلت: ومعلوم أن كثير من الثقات رووا عن المجهولين لم يعرفوا إلا من جهة أولئك الثقات، فلم يعتبر النقاد روايتهم عن أولئك تعديلاً لهم، من أولئك الثقات: أبو إسحاق السبيعي، وعامر الشعبي، والزهري، وقتادة، والثوري، والقعنبي، ومعن بن عيسى القزاز، وأحمد بن عبد الله بن يونس.
قال شعبة بن الحجاج: " نعم الرجل سفيان، لولا أنه يقمِّش " يعني يأخذ من الناس كلهم (٣).
وقال يحيى بن سعيد القطان: " لا تكتب عن معمر عن رجل لا يعرف؛ فإنه لا يبالي عمن روى " (٤).
وقال ابن عدي في ترجمة (عمر ذي مر الهمداني): " هو في جملة مشايخ أبي إسحاق المجهولين الذين لا يحدث عنهم غير أبي إسحاق؛ فإن لأبي إسحاق غير شيخ يحدث عن لا يعرف " (٥).
وقال في (كدير الضبي) و (كريم بن الحارث): " غير معروفين، لا يحدث عنهما غير أبي إسحاق " (٦).
стр. 291
وقال ابن عدي: " القعنبي روى عن جماعة من أهل المدينة وغيرهم ممن لا يعرفون " (١).
وقال: " ومعن يحدث عن قوم من أهل المدينة ليسوا هم بمعروفين " (٢).
وقال: " ابن يونس يَروي عن غير واحدٍ ممن يكنيهم ولا يُعرفون (٣).
وممن عرف بالرواية عن المجهولين الذين رووا المنكرات مع أنهم من المعدودين في الثقات كذلك: عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، ومحمد بن إسحاق، وبقية بن الوليد.
قال عبد الله بن المبارك: " بقية صدوق اللسان، ولكنه يأخذ عمن أقبل وأدبر " (٤).
ومن شيوخه المجهولين: عمر بن أبي عمر الكلاعي، وعلي بن أبي علي القرشي، ولوذان بن سليمان، ومحمد بن عبد الرحمن القُشيري، ويحيى بن خالدٍ أبو زكريا.
وقال ابن عدي في (عُثمان بن عبد الرحمن الطرائفي) (٥): " صُورة عُثمان بن عبد الرحمن أنه لا بأس به، إلا أنه يحدث عن قوم مجهولين بعجائب وتلك العجائب من جهة المجهولين، وهو في أهل الجزيرة كبقية في أهل الشام، وبقية أيضاً يحدث عن مجهولين بعجائب " (٦).
стр. 292
وقال أبو حاتم الرازي في (سليمان بن عبد الرحمن أبي أيوب الدمشقي، المعروف بابن بنت شرحبيل): " صدوق، مستقيم الحديث، ولكنه أروى الناس عن الضعفاء والمجهولين، وكان عندي في حد لو أن رجلاً وضع له حديثاً لم يفهم، وكان لا يميز " (١).
وقال كذلك في (عبد الرحمن بن محمد المحاربي): " صدوق إذا حدث عن الثقات، ويروي عن المجهولين أحاديث منكرة فيفسد حديثه بروايته عن المجهولين " (٢).
وقال أبو حاتم أيضاً في (مروان بن معاوية الفزاري): " صدوق، لا يدفع عن صدق، وتكثر روايته عن الشيوخ المجهولين " (٣).
وقال محمد بن عبد الله بن نمير: " كان مروان بن معاوية يتلقط الشيوخ من السكك " (٤).
قلت: فهذه أمثلة لجماعة من الثقات رووا عن المجهولين، فما عدت روايتهم عنهم مما ترتفع به وتثبت لهم به العدالة.
والقول الثالث: رواية الثقة الذي عرف أنه لا يروي إلا عن ثقة تعديل، ومن لم يعرف ذلك منه فليس بتعديل.
وتصوير المسألة: الراوي الثقة المعروف بالتحري في أخذه وانتقاء الشيوخ، إذا روى عن رجل مسمى، سكت النقاد عن جرحه، ولم يتبين فيما روى شيء منكر يطعن عليه به، فهل تعد روايته عنه توثيقاً، إعمالاً لنقله حيث لا معارض له؟ أم لا؟
стр. 293
لم يعتبر النقاد في مواضع رواية بعض الثقات ممن ينطبق عليهم ما ذكرت، لكني رأيت طريقتهم في هذا ليست مطردة، بل إنهم اعتمدوا رواية بعض هؤلاء الثقات عن أولئك النقلة، وجعلوها بمنزلة التوثيق لهم.
ومن أمثلته:
ما نقله عبد الرحمن بن أبي حاتم قال: سئل أبي عن شهاب الذي روى عن عمرو بن مرة؟ فقال: " شيخ يرضاه شعبة بروايته عنه، يحتاج أن يسأل عنه؟! " (١).
وقال أبو حاتم في (محمد بن أبي رزين): " شيخ بصري، لا أعرفه، لا أعلم روى عنه غير سليمان بن حرب، وكان سليمان قل من يرضى من المشايخ، فإذا رأيته قد روى عن شيخ فاعلم أنه ثقة " (٢).
وأطلق جماعة من كبار الأئمة النقاد الحكم بثقة شيوخ جماعة من الرواة عرفوا بالتثبت والتحري، جمعتهم في جزء، إليك أسمائهم:
أحمد بن حنبل، وأيوب السختياني، وبقي بن مخلد، وحريز بن عثمان، وسليمان بن الأشعث أبو داود السجستاني، وسليمان بن حرب، وشعبة بن الحجاج، وعامر بن شراحيل الشعبي، وعبد الرحمن بن مهدي، وعبيد الله بن عبد الكريم أبو زرعة الرازي، وعفان بن مسلم، وعلي بن المديني، ومالك بن أنس، ومحمد بن إسماعيل البخاري، ومحمد بن سيرين، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، ومحمد بن الوليد الزبيدي، ومظفر بن مدرك أبو كامل، ومنصور بن سلمة أبو سلمة الخزاعي، ومنصور بن المعتمر، وموسى بن هارون الحمال، والهيثم بن جميل، ووهيب بن خالد، ويحيى بن سعيد القطان، ويحيى بن أبي كثير.
стр. 294
قال ابن حجر: " من عرف من حاله أنه لا يروي إلا عن ثقة، فإنه إذا روى عن رجل، وصف بكونه ثقة عنده، كمالك وشعبة والقطان وابن مهدي وطائفة ممن بعدهم " (١).
قلت: وإذا روى الثقة من هؤلاء عن رجل مجروح عند غيره قامت تلك الروية تعديلاً عارض الجرح، فيحاكم بهذا الاعتبار إلى طرق الترجيح.
وإن وقعت الرواية من قبل أحد هؤلاء عن غير مجروح فهي تعديل يرفع جهالته.
قال ابن عبد الهادي: " لو روى شعبة خبراً عن شيخ له لم يعرف بعدالة ولا جرح، عن تابعي ثقة، عن صحابي، كان لقائل أن يقول: هو خبر جيد الإسناد، فإن رواية شعبة عن الشيخ مما يقوي أمره " (٢).
والقول الرابع: الراوي يروي عنه أكثر من ثقة، ولا يجرح، فهل رواية العدد من الثقات تعدله؟
وهو الراوي المستور، وربما أطلق عليه بعض الأئمة: (مجهول الحال).
قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن رواية الثقات عن رجل غير ثقة مما يقويه؟ قال: " إذا كان معروفاً بالضعف لم تقوه روايته عنه، وإذا كان مجهولا ً نفعه رواية الثقة عنه ".
وقال: سألت أبا زرعة عن رواية الثقات عن رجل مما يقوي حديثه؟ قال: " إي، لعمري "، قلت: الكلبي روى عنه الثوري! قال: " إنما ذلك إذا لم يتكلم فيه العلماء، وكان الكلبي يتكلم فيه " (٣).
стр. 295
قلت: هذا حكم أبي حاتم مع تشدده، وأبي زرعة مع اعتداله.
قال أبو حاتم الرازي في (يحيى بن النضر الأنصاري): " ثقة، روى عنه الثقات " (١).
فهذا يحتمل أنه وثقه من جهة انتفاء القادح، مع رواية الثقات.
وابن عدي كان يجعل رواية الثقات عن رجل مقويه لأمره، ومرجحة لعدالته، في جماعة اختلف فيهم، مثل: الأحوص بن حكيم، وأفلح بن حميد، وبكار بن عبد العزيز بن أبي بكرة، وبهز بن حكيم، وثور بن يزيد الكلاعي، وجعفر بن ميمون أبي العوام، وزياد بن عبد الله البكائي، وسليمان بن موسى الدمشقي، وغيرهم.
وفي هؤلاء من الراجح فيه أنه صدوق، ومنهم الضعيف الذي يعتبر به، والمقصود أن ابن عدي جعل من رواية الثقات عنهم ما يرفع من أمرهم.
وقال في (الحسن بن ذكوان) وقد روى عنه يحيى القطان وعبد الله بن المبارك: " وناهيك للحسن بن ذكوان من الجلالة أن يرويا عنه، وأرجو أنه لا بأس به " (٢).
وقال في (حبيب بن أبي حبيب صاحب الأنماط): " أرجو أنه لا بأس به، وقد حدث عنه ابن مهدي ويزيد بن هارون " (٣).
وقال في (عمرو بن يحيى بن عمارة المازني) وقد روى عنه أيوب السختياني وعبيد الله بن عمر وسفيان الثوري وشعبة ومالك بن أنس وابن عيينة وغيرهم: " لا بأس به برواية هؤلاء الأئمة عنه " (٤).
стр. 296
وفي (العلاء بن عبد الرحمن): " ما أرى بحديثه بأساً، وقد روى عنه شعبة ومالك وابن جريج ونظراؤهم " (١).
فرواية الثقات مما تدفع به التهمة عن الرواة، ويرد الطعن , ويرجح به قبول حديثهم.
لكن ليس ذلك مطلقاً، وإنما في أحوال تنزل فيها رواية الثقات منزلة القرائن المساعدة، وذلك فيمن لم ينكشف أمره في السقوط، ولم يهبط في الضعف بالبرهان إلى حد الترك.
كما أن هذه القرينة المرجحة إنما ترفع من حاله في الجملة، لا في قبول حديثه مطلقاً، إذا قابل ذلك ما يدل على نكارة أو ضعف بعض حديثه.
وبعض متأخري الحفاظ ينسبون تقوية الراوي بهذا الطريق أيضاً إلى النسائي وابن حبان، كما قال الزيلعي وذكر حديث عبد الله بن مغفل في ترك الجهر بالبسملة في الصلاة، وفيه: (عن ابن عبد الله بن مغفل)، وذكر ثلاثة من الرواة عنه: " فقد ارتفعت الجهالة عن ابن عبد الله بن مغفل برواية هؤلاء الثلاثة عنه "، قال: " والنسائي وابن حبان وغيرهما يحتجون بمثل هؤلاء، مع أنهم ليسوا مشهورين بالرواية، ولم يرو واحد منهم حديثا ً منكراً ليس له شاهد ولا متابع حتى يجرح بسببه، وإنما رووا غيرهم من الثقات " (٢).
قلت: أما ابن حبان، فسلوك مثل هذا الطريق معروف من طريقته، وأما النسائي، فلا بأس أن ينسب له اعتباره ذلك طريقاً في تقوية الراوي، لكن لا يصح أن يقال: (احتج به)؛ لأن التحقيق أنه لم يجرد الصحيح من الحديث، ولم يشترط الصحة في كتبه، وإنما كان يبالغ في الاحتياط فيما خرجه.
стр. 297
نعم؛ ما نسب الزيلعي إليهما من التأصل تقدم أنه طريق سلكه غيرهما من نقاد الأئمة.
والتحقيق:
أن جميع هذه الأقاويل الأربعة صحيح معتبر بتقييد، وبيانه فيما يلي:
أما الأول: فمقيد بكون الراوي غير معروف بالرواية عن المجروحين، فوقوع ذلك شبهة تحول دون الاعتداد بروايتهم كتعديل لمن رووا عنه.
وأما الثاني: فمراد به من كان لا يبالي عمن روى، عمن روى، كمن استثنيت في المذهب الأول.
وأما الثالث: فصحيح معتبر؛ إذ ليس هو في جميع الثقات، وإنما هو مقصور على الراوي المتثبت المعروف بتوقيه الرواية عن المجروحين.
وأما الرابع: فصحيح معتبر كذلك في رفع أمر الراوي وتقويته، لا في الاحتجاج به بمجرد رواية العدد من الثقات عنه، حتى ينضم إليه سلامة رواياته من المنكرات، فيحتج به حينئذ.
وفي الجملة، فمجرد رواية الثقة عن رجل مفيد في التعريف به والإظهار لشخصه، لكنه لا يثبت ثقته حتى يختبر حديثه فيثبت حفظه، فإن لم يثبت حفظه ولم يتبين فهو محكوم بجهالته، وإن تبين خطؤه فيلحقه من الجرح بحسبه.
وهذا طريق سلكه النقاد في أكثر الرواة على ما تقدم ذكره، فقضوا بتعديل طائفة مع أنه لم يرو عن أحدهم إلا واحد من أجل ما رأوا من استقامة حديثهم، وقضوا بالجهالة على آخرين من أجل عدم تبين إتقانهم لما رووا، مع أن فيهم من روى عنه العدد، وبالرد لحديث آخرين منهم والجرح لهم؛ لما دل عليه النظر في حديثهم من نكارته.
والشأن في المشهورين من الرواة ظاهر، من جهة ثبوت العدالة
стр. 298
أو ثبوت الجرح، ولكنه في غير المشهورين، وهذه بعض نصوص النقاد في طائفة منهم تبين منهجهم:
فمثال الراوي يكون غير مشهور إلا من جهة حديثه أو أحاديثه التي رواها، ومن جهة راو ثقة روى عنه، يدل النظر والمقارنة أنه مستقيم الحديث، فيلحق بالثقات:
قول أحمد بن حنبل في (سلم بن أبي الذيال): " ما أعلم أن أحداً روى عن سلم بن أبي الذيال إلا المعتمر، وسلم ثقة " (١)، قلت: يرفع بذلك أحمد من أمره.
وقول أبي حاتم الرازي في (عبد الواحد بن سلمان الأغر): " ما أعلم أحداً روى عنه غير أبي الربيع الزهراني، وأرى حديثه مستقيماً، ما أرى به بأساً " (٢).
وقوله في (المغيرة بن أمي المِنقري): " لا أعلم رَوى عنه غير ابنِه عبد العزيز، وأرى حديثه مستقيماً (٣).
وقول ناقد الشاميين دحيم في (مرزوق بن أبي الهذيل): " صحيح الحديث عن الزهري، وما أعلم أحداً روى عنه غير الوليد "، وقال أبو حاتم الرازي: " حديثه صالح، لا أعلم رَوى عنه غير الوليد بن مسلم " (٤).
وقول أبي زرعة الرازي في (نبيح بن عبد الله العنزي): " كوفي ثقة، لم يرو عنه غير الأسود بن قيس " (٥).
وقول أبي زرعة كذلك في (يعقوب بن عبد الله بن أبي طلحة): " ثقة،
стр. 299
ولم يرو عنه إلا أسامة بن زيد، ولا أعرفه إلا في هذا الحديث الواحد: حديث أبي طلحة، وما دعا رسول الله ﷺ إلى طعامه " (١).
ومما يدخل ضمن هذا جماعة ربما حكم أبو حاتم عليهم بالجهالة، لكنه وصف حديثهم بالاستقامة؛ لأن أحدهم لم يعرف له إلا الحديث أو الشيء اليسير جداً، وتبين أن ذلك محفوظ صحيح من غير طريقهم، فهؤلاء لاحقون بالعدول.
توضيح:
من عرف أنه لا يروي إلا عن ثقة على نوعين:
أحدهما: من عرف من شأنه التثبت والتحري في انتخاب الرواية عن الثقات عنده خاصة، كمالك بن أنس وشعبة بن الحجاج ويحيى القطان وابن مهدي وأحمد بن حنبل وأبي زرعة، فمجرد رواية أحدهم عن الرجل توثيق، بمنزلة تصريحهم بالقول: (هو ثقة).
وثانيهما: من عرف بالتتبع أنه لا يروي إلا عن ثقة، وذلك بتتبع شيوخه الذين روى عنهم وحديثهم، فتبين كونهم ثقات، فهم ثقات عند من أطلق العبارة في شيوخ ذلك الراوي من الحفاظ.
كقول أبي داود السجستاني: " شيوخ حريز كلهم ثقات "، فهذا حكم بتعديل جميع شيوخ حريز بن عثمان من قبل أبي داود، وكقول أبي حاتم الرازي: " يحيى بن أبي كثير إمام لا يحدث إلا عن ثقة "، فهذا حكم بتعديل جميع شيوخ ابن أبي كثير من قبل أبي حاتم.
فإن قلت: فماذا لو وجدنا في بعض أولئك الشيوخ من جرح؟
قلت: ذلك اختلاف جرح وتعديل، يرجح راجحه بحجته.
стр. 300
الأصل السابع: تصحيح الناقد لإسناد حديث، هل يفيد تعديلاً منه لرواته ؟
وتصحيح الناقد للإسناد أو ما ينزل منزلة تصحيحه، كتحسينه، تعديل منه لأفراد رواته، إذ موجب الحكم بالصحة أو الحسن للإسناد المعين ثقة الرواة.
ومثاله: (يزيد بن عبد الرحمن الأودي)، أخرجه له الترمذي حديثه عن أبي هريرة في حسن الخلق، وقال: " حديث صحيح غريب " (١).
فحكم الترمذي على الحديث بالصحة، مع الغرابة المطلقة، وهي الغرابة في أصل الإسناد، فهو بمنزلة لو قال: (إسناده صحيح)، فلا يقال: يحتمل أن يكون الترمذي صححه لغيره، فذلك قد يصح في الغرابة النسبية.
فحيث حكم بتصحيح الإسناد لذاته؛ فهو حكم منه بثقة رواته عنده، إذ شرط صحة الإسناد ثقة رواته، فدل على أن يزيد هذا ثقة عند الترمذي.
وذكر أبو الحسن ابن القطان حديث الفريعة بنت مالك في مكث المتوفى عنها زوجها في بيت زوجها الذي كانت فيه حتى يبلغ الكتاب أجله، وهو من رواية سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة، عن عمته زينب بنت كعب، عن الفريعة، قال فيه الترمذي: " حديث حسن صحيح " (٢).
ثم قال ابن قطان: " الحديث الصحيح، فإن سعد بن إسحاق ثقة، وممن وثقه النسائي، وزينب كذلك ثقة، وفي تصحيح الترمذي إياه توثيقها وتوثيق سعد بن إسحاق، ولا يضر الثقة أن لا يروي عنه إلا واحد " (٣).
قلت: وابن قطان من أكثر المتأخرين توسعاً في تجهيل الرواة الذين
стр. 301
لا يعرفون بتوثيق قديم، ومع ذلك يجعل من تصحيح الترمذي حجة على توثيق رواة الإسناد الذي صححه.
ووقع منه أنه قال في (عمرو بن بجدان) وقد ذكر من روايته حديثاً نقل عن الترمذي تحسينه له (١): " لا يعرف لعمرو بن بجدان هذا حال " (٢)، فتعقبه ابن دقيق العيد بقوله: " ومن العجب كون ابن قطان لم يكتف بتصحيح الترمذي في معرفة حال عمرو بن بجدان، مع تفرده بالحديث، وهو قد نقل كلامه: (هذا حديث حسن صحيح)، وأي فرق بين أن يقول: هو ثقة؟ أو يصحح له حديثاً انفرد به؟ وإن كان توقف عن ذلك لكونه لم يرو عنه إلا أبو قلابة، فليس هذا بمقتضى مذهبه، فإنه لا يلتفت إلى كثرة الرواة في نفي جهالة الحال، فكذلك لا يوجب جهالة الحال بانفراد راو واحد عنه بعد وجود ما يقتضي تعديله , وهو تصحيح الترمذي " (٣).
قال الذهبي بعد أن جعل تخريج حديث الراوي في (الصحيحين) توثيقاً للراوي الذي لم يذكر بجرح أو تعديل: " وإن صحح له مثل الترمذي وابن خزيمة فجيد أيضاً، وإن صحح له كالدارقطني , والحاكم فأقل أحواله حسن حديثه " (٤).
ويلحق بهذا الأصل مسألتان:
المسألة الأولى: عمل الناقد بحديث الراوي، وذهابه إلى مقتضاه .
قال الخطيب: " إذا عمل العالم بخبر من روى عنه لأجله، فإن ذلك تعديل له يعتمد عليه؛ لأنه لم يعمل بخبره إلا وهو رضى عنده عدل، فقام عمله بخبره مقام قوله: (هو عدل مقبول الخبر)، ولو عمل العالم بخبر من
стр. 302
ليس عنده عدلاً، لم يكن عدلاً يجوز الأخذ بقوله والرجوع إلى تعديله؛ لأنه إذا احتملت أمانته أن يعمل بخبر من ليس بعدل عنده، احتملت أمانته أن يزكي ويعدل من ليس بعدل " (١).
قلت: لكن الواجب مراعاته في هذا أن يكون العالم عارفاً بالنقلة، وأن يكون مستنده في العمل هو ذلك الحديث لذاته.
فإن كان العامل بالخبر من عامة الفقهاء وليس ممن له اشتغال بتمييز النقلة، فلا عبرة بعمله بالرواية لتقوية رواتها، والواقع شاهد بعمل الفقيه غير البصير بالحديث ورواته بالأحاديث الواهية فضلاً عن الضعيفة.
وإن كان عمل بالحديث مضموماً إلى دليل آخر عنده، فقد يكون استأنس بذلك الحديث ولم يحتج به، فلا يعتبر ذلك تعديلاً منه لرواته.
المسألة الثانية: تخريج حديث الرواي في الصحاح هل يعد تعديلاً له من قبل من خرج له؟
الأصل أن تخرج الحديث في الكتاب الموصوف بالصحة في جميع الكتب المعروفة بذلك أن الحديث المحتج به فيها قد استوفى شروط الصحة، وذلك يوجب أن يكون من خرج حديثه في هذه الكتب على سبيل الاحتجاج ثقة أو صدوقاً عند صاحب (الصحيح)، بمنزلة تصريحه بالقول: (هو ثقة)، أو: (هو صدوق).
وهذه تنبيهات تتصل بهذه المسألة:
التنبيه الأول: اعلم أنه ليس في رواة " الصحيحين " ممن خرج حديثه احتجاجاً من يصح وصفه بالجهالة، وذلك لكون تصحيح صاحب الصحيح له تزكية ترفعه إلى مصاف الثقات، ومن كان من أولئك قد وصفهم بعض النقاد بالجهالة، فذلك بناء على ما عندهم في حال أولئك النقلة، وزاد
стр. 303
صاحب الصحيح خبرة بأمره، فزكاه، من أولئك: بيان بن عمرو، والحسين بن الحسن بن يسار، ومحمد بن الحكم المروزي.
قال الذهبي: " فإن خرج حديث هذا في (الصحيحين) فهو موثق بذلك " (١).
وقال: " من أخرج له الشيخان على قسمين:
أحدهما: ما احتجا به في الأصول.
وثانيهما: من خرجا له متابعة وشاهداً واعتباراً.
فمن احتجا به أو أحدهما ولم يوثق ولا غمز، فهو ثقة حديثه قوي، ومن احتجا به أو أحدهما وتكلم فيه: فتارة يكون الكلام فيه تعنتاً والجمهور على توثيقه، فهذا حديثه قوي أيضاً، وتارة يكون الكلام في تليينه وحفظه له اعتبار، فهذا حديثه لا ينحط عن مرتبة الحسن التي قد نسميها من أدنى درجات الصحيح، فما في الكتابين بحمد الله رجل احتج به البخاري أو مسلم في الأصول ورواياته ضعيفة، بل حسنة أو صحيحة.
ومن خرج له البخاري أو مسلم في الشواهد والمتابعات، ففيهم من في حفظه شيء، وفي توثيقه تردد.
فكل من خرج له في (الصحيحين) فقد قفز القنطرة، فلا معدل عنه إلا ببرهان بين " (٢).
قلت: وكثير من النقاد بعد الإمامين يحتجون بالراوي يحتج به الشيخان أو أحدهما، ويعدونه بذلك قد جاز القنطرة، ويجعلونه في كفة ترجيح ثقة الراوي المختلف فيه.
стр. 304
قال ابن عدي في (عبد الله بن يوسف التنيسي): " البخاري مع شدة استقصائه اعتمد عليه في مالك وغيره، ومنه سمع (الموطأ)، وله أحاديث صالحة، وهو خير فاضل " (١).
وقال في (علي بن الجعد): " والبخاري مع شدة استقصائه يروي عنه في صحاحه " (٢).
كذلك قال في (فليح بن سليمان): " اعتمده البخاري في (صحيحه)، وروى عنه الكثير، وهو عندي لا بأس به " (٣).
قلت: لكن الواجب أن لا تجعل هذه قاعدة مطردة في كل ما روى ذلك الراوي؛ لأن الشيخين كان من منهجهما الانتقاء من حديث من عرف بضعف من أهل الصدق، فالصواب أن يستفاد من احتجاج الشيخين أو أحدهما براو أنه مقبول من حيث الجملة، لكن حديثه المعين غير المخرج في الصحيح يجب الاحتياط في قبوله حتى يثبت أنه محفوظ، ليوافق منهج صاحب (الصحيح) في الانتقاء (٤).
قال الزيلعي عقب حديث يرويه أبو أويس المدني في الجهر بالبسملة: " لو ثبت هذا عن أبي أويس فهو غير محتج به؛ لأن أبا أويس لا يحتج بما انفرد به، فكيف إذا انفرد بشيء وخالفه فيه من هو أوثق منه؟ مع أنه متكلم فيه، فوثقه جماعة، وضعفه آخرون .. ومجرد الكلام في الرجل لا يسقط حديثه، ولو اعتبرنا ذلك لذهب معظم السنة؛ إذ لم يسلم من كلام الناس إلا من عصمه الله، بل خرجا في (الصحيح) لخلق ممن تكلم فيهم، منهم: جعفر بن سليمان الضبعي، والحارث بن عبيد الإيادي، وأيمن بن نابل
стр. 305
الحبشي، وخالد بن مخلد القطواني، وسويد بن سعيد الحدثاني، ويونس بن أبي إسحاق السبيعي، وغيرهم. ولكن صاحبا الصحيح رحمهما الله إذا أخرجا لمن تكلم فيه، فإنهم ينتقون من حديثه ما توبع عليه وظهرت شواهده، وعلم أن له أصلاً، ولا يروون ما تفرد به، سيما إذا خالفه الثقات، كما أخرج مسلم لأبي أويس حديث: " قسمت الصلاة بيني وبين عبدي "؛ لأنه لم يتفرد به، بل رواه غيره من الأثبات، كمالك وشعبة وابن عيينة، فصار حديثه متابعة " (١).
التنبيه الثاني: يلاحظ أن من أخرج لهم البخاري تعليقاً، أو مسلم في " مقدمة صحيحه " فهؤلاء ليس لهم شرط الصحيح، فلا يستدل بذلك على تعديلهم.
قال ابن القيم: " مسلم لم يشترط فيها (أي المقدمة) ما شرطه في الكتاب من الصحة، فلها شأن، ولسائر كتابه شأن آخر، ولا يشك أهل الحديث في ذلك " (٢).
التنبيه الثالث: ما سوى " الصحيحين " من الكتب المجردة لـ (الصحيح)، وذلك مثل: صحيح ابن خزيمة، وكتاب " التوحيد " له، وصحيح ابن حبان، فمن خرج له في شيء من هذه الكتب فلا يخلو أن يكون احتجاجاً أو متابعة، فما كان احتجاجاً فهو ثقة عند المخرج، وما كان متابعة فقد يكون ثقة وقد يكون دون ذلك، لكن يعتبر به عند ذلك المخرج على أقل الدرجات.
والحاكم كذلك فيمن يحكم على أسانيدهم بالصحة في " مستدركه "، لا في جميع من يخرج لهم، فإنه ربما حشا في كتابه ما ليس على شرطه فيه أصلاً، كما صنع في كتاب " الصحابة " منه.
стр. 306
وتبقى مسألة الاحتجاج بتخريج ذلك الإمام كتعديل منه للراوي تابعة لكونه ممن يعتد بتعديله أو لا.
الأصل الثامن: صيغة التعديل للجماعة على سبيل الاشتراك معتبرة، لكنها لا توجب الاحتجاج بأحدهم عند الانفراد.
وذلك كقول الناقد في جمع الرواة إلى بعضهم في سياق واحد: " رواه الثقات فلان وفلان " ويسمي جماعة، فهذا توثيق منه لهم على الاجتماع، لا على الانفراد، وإنما يراعى في الانفراد الوصف اللائق بكل منهم، فإنه قد يجمع أصحاب الدرجة العليا في الضبط مع الدنيا، ولأجل اتفاقهم في تلك الرواية ساقهم مساقاً واحداً، ولذا فربما وجدت فيهم من يعتبر به، ولا يبلغ الاحتجاج.
لكن يرفع ذلك من الجهالة إذا كان في السياق من روى من المجهولين ما رواه الثقات.
والدارقطني يستعمل مثل هذا في كتاب " العلل ".
الأصل التاسع: قول الناقد: (إن كان هذا فلاناً فهو ثقة) فهو توثيق منه لذلك المسمى.
وذلك مثل ما حكاه البرقاني عن الدارقطني وسأله: ابن أبي فديك يروي عن عبد الله بن يزيد عن أبيه عن أبي هريرة؟ فقال: " إن كان هذا يزيد مولى المنبعث فهو ثقة " (١).
فهذا تعديل ليزيد مولى المنبعث.
الأصل العاشر: أكثر رواة العلم ثقات .
قال الحاكم: " أكثر الرواة للأخبار ثقات " (٢).
стр. 307
قلت: وهذا قول صحيح محقق، فالمجروحون محصورون من جهة أن الجرح عارض، والمجهولون الذين لم يتبين أمرهم في العدالة أو الجرح ليسوا بالكثيرين في جمهور الرواة.
لكن لا يصح لقائل أن يدعي أن الأصل في الرواة الثقة حتى يتبين ذلك ويثبت له بطريقه، على ما تقدم.
* * *
стр. 308
المبحث العاشر:
تحرير القول في تعديل جماعة
من المتقدمين تنازعهم الناس
هذا مبحث قصدت به إزالة الشبهة عن منزلة بعض متقدمي أئمة الحديث، وجدنا من جاء من بعد يتنازعون في قوة تعديلهم للرواة، وقصدت فيه إلى جماعة عرفوا بالكلام في الرواة، لا من له القول بعد القول، والكلام محصور في الأئمة: أحمد بن عبد الله العجلي، وأبي بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة، وأبي حاتم محمد بن حبان البستي، وأبي عبد الله الحاكم النيسابوري، وأبي عمر بن عبد البر.
ومعلوم عند المعتني بهذا العلم أن لهؤلاء الأئمة كلاماً كثيراً في تعديل الرواة، لكن أشكل منهم إطلاق التعديل في طائفة من الرواة هم في نظر غيرهم من النقاد مجهولون أو مجروحون.
وبعض الناس شكك في توثيق يحيى بن معين ومحمد بن سعد ويعقوب بن سفيان والنسائي والدارقطني، من جهة أنهم كان يقع في كلامهم توثيق المجهولين.
وأقول: دعوى ذلك تجن على هؤلاء الأئمة، فهؤلاء جميعاً من أعلم خلق الله برواة الحديث، وطرقهم في نقد الرواة غير خارجة عن طرق
стр. 309
غيرهم، وذلك في إرجاع القول في الراوي الذي لم تعلم سيرته إلا من جهة رواياته، إلى اختبار مروياته، فإذا سلمت من النكارة حكموا بثقته.
وأما هؤلاء الأئمة الذين سميت قبل، فالبيان هنا مقصور على تحرير طريقتهم في التعديل للرواة الذين يعدهم غيرهم مجهولين، أما أن يعدلوا من يجرحه غيرهم، فما من الأئمة النقاد إلا عدل من جرحه غيره، فلا ينبغي أن يكون ذلك مما يؤخذ على هؤلاء الأئمة، وإليك بيان ذلك:
طريقة العجلي:
أطلق بعض المتأخرين أن العجلي يوثق المجهولين، وقد تتبعت كتاب العجلي المسمى: " معرفة الثقات من رجال أهل العلم والحديث، ومن الضعفاء , وذكرهم مذابهم وأخبارهم "، فوجدته في الغالب متين العبارة، موافقاً لكلام غيره من نقاد المحدثين، وذلك في تعديله وتجريحه، ويتفرد عن كبار الأئمة بتوثيق من لا يوجد لهم فيه توثيق، كما يشذ في قوله عنهم وهو في شيء قليل.
وأقول: إذا أنصفت وجدت عامة كبار النقاد يتفرد أحدهم بتعديل لا يقوله غيره، ويخالف الجمهور في الشيء بعد الشيء، فإن عددناه مأخذاً على العجلي لزم أن يؤخذ على يحيى بن معين وأبي زرعة وأبي حاتم الرازي وغيرهم، لذا فالواجب أن يعتبر له نقده، فإن جاءت عبارته على الموافقة لعبارة سائر النقاد فذاك ظاهر القبول، وإن خالف أخضعنا قوله لقواعد الترجيح عند اختلاف الجرح والتعديل، وإن انفرد وجب قبول قوله والاحتجاج به كغيره، حتى يتبين بالحجة خطؤه.
طريقة أبي بكر بن خزيمة:
لم يصلنا لابن خزيمة مصنف في التعديل والتجريح للرواة، وإنما له في ذلك عبارات منثورة في " صحيحه "، وفي كتاب " التوحيد" له، وقد
стр. 310
اشترط فيه الصحة كذلك، وأيضاً، ما يستفاد من احتجاجه بحديث الراوي كتوثيق، على ما تقدم ذكره في (الأصل السابع) من (المبحث السابق).
والذي وجدت بعض المتأخرين عابه على ابن خزيمة أنه كان يوثق المجهولين، كذا زعم، وهو ادعاء منتقض من جهتين:
الأولى: أنه لا يعاب ناقد من أئمة الحديث بالقول: (يوثق المجهولين)، لأنه ما من النقاد أحد وثق راوياً إلا وقد أخرجه بذلك التوثيق من جملة المجهولين، ولكن بما قام له من الحجة على ثقته، بناء على ما هو معلوم من تمكن ذلك الناقد في الصنعة.
والثانية: وجدنا ابن خزيمة في الواقع جرح رواة بالجهالة، ورد حديثهم بذلك في مواضع عدة من كتابيه (١)، فلو كان الأصل عنده إجراء الرواة على الثقة والعدالة لم يكن لجرحه بالجهالة معنى.
لكن حقيقة الأمر أن توثيقه لمن وثقه أو احتجاجه به مبنى على الخبرة بأمر ذلك الراوي، وتحقق سلامة حديثه عنده من النكارة.
طريقة ابن حبان:
هو أشهر من عيب عليه من النقاد التوسع في التعديل، وتحرير القول في ذلك فيما يلي:
اعلم أن ابن حبان، ﵀، ألزم نفسه بتقسيم النقلة إلى (ثقات) و (مجروحين)، وصنف كتابيه المعروفين في ذلك: " الثقات " و " المجروحين "، فكان يجعل كل من وقف على اسمه منهم في واحد من القسمين.
стр. 311
فإذا كان الراوي ظاهر الأمر عنده في الثقة، أو يقرب من ذلك، أو يرجح إلى جهته، يدخله في (الثقات).
وإذا كان ظاهر الأمر في المجروحين، أو يقرب منهم، أو يرجح عنده جرحه، فهو في (المجروحين).
وهذان ظاهران.
وطائفة هي محل تردده، فربما مال إلى إدخالهم في (الثقات) ونبه على ما يؤخذ عليهم كالخطأ، فيقول: " يخطئ "، وربما قال: " يخطئ كثيراً "، وربما عدهم فيهم وهو يستخير الله في قبول حديثهم، وقد يدخل الرجل ممن تردد فيه في (المجروحين)، فيصفه أيضاً بكونه " يخطئ " أو " يخطئ كثيراً "، وربما علق أمره على الاستخارة.
فمثاله في (الثقات): (إبراهيم بن سليمان الزيات)، قال: " مستقيم الحديث إذا روى عن الثقات "، ثم قال: " وهو أقرب من الضعفاء، ممن أستخير الله فيه " (١).
بينما أورد جماعة في (المجروحين)، وهم عنده من هذا النحو، منهم:
بهز بن حكيم، قال: " لولا حديث: إنا آخذوه وشطره إبله، عزمة من عزمات ربنا، لأدخلناه في الثقات، وهو ممن أستخير الله فيه " (٢).
جعفر بن الحارث أبو الأشهب، قال: " كان يخطئ في الشيء بعد الشيء، ولم يكثر خطؤه حتى يصير من المجروحين في الحقيقة، ولكنه ممن لا يحتج به إذا نفرد، وهو من الثقات يقرب، وهو من أستخير الله فيه " (٣).
стр. 312
وقال نحواً من ذلك في (خالد بن يزيد بن أبي مالك الدمشقي) (١)، و (خصيف بن عبد الرحمن الجزري) (٢)، و (سويد بن عبد العزيز) (٣)، و (يحيى بن أبي سليم أبي بلج الفزاري) (٤).
ومن كانوا على هذه الصفة فهم موضع تردد ابن حبان يجعلهم في (الثقات) أو في (الضعفاء)، وهؤلاء لا يجعل قوله حكماً فيهم، إنما يدفع تردده بقول غيره من النقاد، فيصار بالراوي إلى (الثقات) أو (الضعفاء).
ومما يؤخذ عليه:
أنه أورد جماعة من الرواة في الكتابين جميعاً (الثقات) و (المجروحين)، مما يعد من تناقضه، منهم: إسماعيل بن محمد بن جحادة اليامي (٥)، رزيق أبو عبد الله الألهاني الشامي (٦)، وزياد بن عبد الله النميري (٧)، وسعيد بن مسلمة بن هشام بن عبد الملك الأموي (٨)، وسهل بن معاذ بن أنس الجهني (٩)، وعبد الواحد بن نفيع (أو: نافع) بن علي أبو الرماح الكلاعي (١٠)، وعمر بن إبراهيم العبدي (١١)، وعمران بن ظبيان الأسلمي (١٢)، وكنانة بن العباس بن مرداس السلمي (١٣).
стр. 313
وما وقع فيه ابن حبان من ذلك فليس تردداً، بل هو خطأ، وصواب قوليه يتميز بحكم غيره، أما قولاه هو فحيث تناقضا فقد تساقطا، إذ أبطل أحدهما الآخر.
نعم، ربما وقع في ذلك لظنه الفرق بن شخصين، كالذي وقع منه في شأن (عباد (١) بن مسلم الفزاري) فإنه أورده في (الثقات) (٢)، وأورده في (المجروحين) فقال: " منكر الحديث على قلته، ساقط الاحتجاج بما يرويه؛ لتنكبه عن مسلك المتقنين في الأخبار، واحسبه الذي يروي عن الحسن، الذي يروي عنه الثوري وأبو نعيم، فإن كان كذلك فهو مولى بني حصن، كوفي يخطئ " (٣).
لكن يبقى صنف من الرواة ليسوا بواحد من الأقسام المتقدمة: وهم من أوردهم في " الثقات " ممن لا يعرف، ويبين هو نفسه في بعضهم أنه لا يدري من يكونون، وهؤلاء سبب وصفه بالتساهل.
والتحقيق: أن ابن حبان لمن تأمل كتابيه يجده إماماً بصيراً بالنقلة، يعرضهم على موازين النقد، ويحرر أحوالهم في الرواية من خلال مروياتهم، وهو ذاته منهج متقدمي الأئمة.
وهو في إيراد هذا الصنف من الرواة في (الثقات) فمن أجل أنه جعل الأصل في كل راو لم يقف في روايته على ما يطعن فيه لأجله اللحاق بالثقات، وإن كان لا يدري من يكون ذلك الرواي.
وحيث علمنا أن ابن حبان إذا لم يثبت عنده كون الراوي مجروحاً فإنه يدخله في (الثقات)، وأنه أدخل فيهم من لا يعرفه، فهذا المنهج لا يعني أن من في كتابه من هؤلاء فهم ممن يحتج بهم، بل فيهم من هو حجة، وفيهم
стр. 314
من دون ذلك ممن هو صالح للاعتبار، والمستورون والمجهولون الذين لم يثبت عليهم فيما رووا حديث منكر يحتملون هم وزره، فهؤلاء يعتبر بهم، ويحتج بحديثهم لغيره، وربما خرج حديثهم في " الصحاح " متابعة.
وهذا منهج لا يعرف فيه اختلاف من حيث الجملة.
ولم أر وجهاً لعيب ابن حبان بهذا خلافاً لما جرى عليه طائفة من المتأخرين؛ لأننا قد تبينا منهجه، فغاية الأمر أن لا نجعل من مجرد إيراد الراوي في (الثقات) صحة الاحتجاج به، حتى ينضم إلى ذلك سائر شروط الاحتجاج.
والروي يلحق بالثقات ولا يحتج به منهج قديم، فهذا أبو حاتم الرازي مثلاً على تشدده يقول في (محل بن محرز): " كان آخر من بقي من ثقات أصحاب إبراهيم، ما بحديثه بأس، ولا يحتج بحديثه، كان شيخاً مستوراً، أدخله البخاري في كتاب الضعفاء، يحول من هناك " (١).
وهذا يدل على أمور:
أولها: يكون الرجل ثقة، ولا يحتج به.
وثانيها: المستور ثقة، ولا يحتج به.
وثالثها: من هذا وصفه لا يلحق بالضعفاء.
وهذا في الأمرين الأول والثالث منهج ابن حبان في " ثقاته " في الرواة غير المشهورين بالثقة والعدالة.
يتأيد هذا بتفسير ابن حبان نفسه للعدالة، فإنه قال: " العدالة في الإنسان: هو أن يكون أكثر أحواله طاعة الله؛ لأنا متى ما لم نجعل العدل إلا من لم يوجد منه معصية بحال، أدانا ذلك إلى أن ليس في الدنيا عدل،
стр. 315
إذ الناس لا تخلو أحوالهم من ورود خلل الشيطان فيها، بل العدل من كان ظاهر أحواله طاعة الله، والذي يخالف العدل من كان أكثر أحواله معصية الله " (١).
قلت: وهذا لا يخالف في شيء تفسير (العدالة) عند من تقدمه من أهل العلم، وهي العدالة الدينية.
فأما العدالة الموجبة لصحة الاحتجاج بحديث الراوي، وهي اقتران الضبط إلى العدالة في الدين، فيبينها ابن حبان في " صحيحه " بقوله: " وقد اعتبرنا حديث شيخ شيخ على ما وصفنا من الاعتبار على سبيل الدين، فمن صح عندنا منهم أنه عدل احتججنا به، وقبلنا ما رواهُ، وأدْخلناه في كتابنا هذا (٢) ومن صحَّ عندنا أنه غيرُ عدلٍ بالاعتبار الذي وصفناه لم نحتج به، وأدخلناه في كتاب المجروحين من المحدثين بأحد أسباب الجرح " (٣).
قلت: ومنهجية اعتبار حديث الراوي طريق عامة النقاد قبل ابن حبان، وهو على الأثر فيه، ويبينه في مواضع من كتابيه في الثقات والمجروحين، ومن عبارته في ذلك:
قال في ترجمة (عبد الله بن المؤمل المخزومي): " كان قليل الحديث، منكر الرواية، لا يجوز الاحتجاج بخبره إذا انفرد؛ لأنه لم يتبين عندنا عدالته فيقبل ما انفرد به؛ وذاك أنه قليل الحديث، لم يتهيأ اعتبار حديثه بحديث غيره لقلته فيحكم له بالعدالة أو الجرح، ولا يتهيأ إطلاق العدالة على من ليس نعرفه بها يقيناً فيقبل ما انفرد به، فعسى نحل الحرام ونحرم الحلال برواية من ليس بعدل، أو نقول على رسول الله ﷺ ما لم يقل اعتماداً منا على رواية من ليس بعدل عندنا، كما لا يتهيأ إطلاق الجرح على من ليس
стр. 316
يستحقه بإحدى الأسباب التي ذكرناها من أنواع الجرح في أول الكتاب، وعائذ بالله من هذين الخصلتين: أن نجرح العدل من غير علم، أو نعدل المجروح من غير يقين " (١).
وقال في ترجمة (سعيد بن زياد بن أبي هند الداري): " الشيخ إذا لم يرو عنه ثقة، فهو مجهول، لا يجوز الاحتجاج به، لأن رواية الضعيف لا تخرج من ليس بعدل عن المجهولين إلى جملة أهل العدالة، كأن ما روى الضعيف وما لم يرو في الحكم سيان " (٢).
وقال في ترجمة (عبد الرحمن بن أبي نصر بن عمرو): " منكر الحديث على قلة روايته، يروي عن أبيه المناكير، وأبوه مجهول، لا يدري من هو، ولا يعلم له من علي سماع، وفي دون هذا ما يسقط الاحتجاج برواية من هذا نعته " (٣).
وقال في ترجمة (عمران بن مسلم القصير): " ولا يجوز أن يحكم على مسلم بالجرح، وأنه ليس بعدل، إلا السبر " (٤).
وقال في ترجمة (عائذ الله المجاشعي): " منكر الحديث على قلته، لا يجوز تعديله إلا بعد السبر، ولو كان ممن [لا] يروي المناكير، ووافق الثقات في الأخبار، لكان عدلاً مقبول الرواية، إذ الناس أحوالهم على الصلاح والعدالة، حتى يتبين منهم ما يوجب القدح فيجرح بما ظهر منه من الجرح، هذا حكم المشاهير من الرواة، وأما المجاهيل الذين لم يرو عنهم إلا الضعفاء، فهم متروكون على الأحوال كلها " (٥).
стр. 317
وقال في ترجمة (محمد بن عطية بن سعد العوفي): " منكر الحديث جداً، مشتبه الأمر، لا يوجد الاتضاح في إطلاق الجرح عليه؛ لأنه لا يروي إلا عن أبيه، وأبو ليس بشيء في الحديث، ولا يروي عنه إلا أسيد بن زيد، وأسيد يسرق الحديث، فلا يتهيأ إطلاق القدح على من يكون بين ضعيفين إلا بعد السبر والاعتبار بما يروي عن غير الضعيف، ولا سبيل إلى ذلك فيه فهو ساقط الاحتجاج، حتى تتبين عدالته بروايته عن ثقة إذا كان دونه ثقة، واستقامت الرواية فلم يخالف الثقات " (١).
قلت: فهذه النصوص المفسرة دالة على ما يلي:
أولاً: أن الطريق إلى تبين عدالة الراوي عنده هو اختبار حديثه.
وهذه هي العدالة الموجبة لقبول حديثه، وهي الإتقان لما رواه، وهذا طريق عامة الأئمة في أكثر الرواة.
ثانياً: أن العدالة تثبت عنده برواية الواحد الثقة.
وحيث إنه اعتبر اختبار حديث الراوي وسلامته من النكارة علامة على عدالته في النقل، دل على أن العدالة التي تثبت عنده برواية واحد ثقة إنما هي ما ترتفع به جهالة عينه ويثبت بها شخصه، وقد تقدم أنه مذهب لغيره، بل عليه عمل النقاد في رواة ما روى عنهم إلا الفرد من الثقات، لم يرو أحدهم منكراً، فصاروا إلى توثيقه وقبوله.
ثالثاً: أنه جرح رواة بالجهالة، لكنها عنده ثابته للراوي الذي لم يعرف إلا من رواية مجروح لا يعتبر به عنده عن ذلك الراوي.
وهذا القدر صحيح، موافق لطريقة غيره، ويبقى: الراوي لا يروي عنه إلا واحد من الثقات، فهذا قد يصفه غير ابن حبان بالجهالة، وقد يختبر حديثه فيلحقه بحسب ما تبين له إما بالمجروحين أو بالثقات، وابن حبان لم
стр. 318
يتجاوز هذا، غاية أمره أنه تعنى اختبار حديث الراوي بالقدر الذي وقف عليه منه، فصار بذلك إلى تبين ضبطه فألحقه بالثقات، أو ضعفه، فألحقه بالمجروحين، والأدلة على إلحاقه الراوي من هؤلاء بالثقات بناء على اختبار حديثه كثيرة في كتابه (الثقات)، وقد تتبعت ذلك بما يطول بيانه هنا.
لكن الواجب اعتباره ما بينته قبل: أن رجال (الثقات) فيهم الثقة المحتج به، وفيهم الصالح للاعتبار وليس بحجة.
وهذا مما يتعذر معه اعتماد إيراد ابن حبان للراوي في الثقات على أنه (ثقة) يحتج به عنده، إلا أن يوجد فيما ذكره قرينة تدل على أن ذلك الراوي في محل من يحتج به، كأن يقول: (مستقيم الحديث)، وقد قالها في طائفة، وإلا فما لك إلا أن تفسر قدر توثيق ابن حبان بمقالات سائر النقاد في الراوي.
ولست أرى في هذا شيئاً من التساهل، ولكنه فوت فائدة الفصل بين ثقة محتج به، وصالح يعتبر به.
لكن، ليس في (الثقات) راو لا يعتبر به على رأي ابن حبان.
وكذلك ليس كل راو في (المجروحين) أراد ابن حبان إسقاط حديثه مطلقاً، بل فيهم المتروك وفيهم من يعتبر بما يوافق فيه الثقات من حديثه، وهو يبين ذلك.
وأما قول ابن حجر: " هذا الذي ذهب إليه ابن حبان من أن الرجل إذا انتفت جهالة عينه كان على العدالة إلى أن يتبين جرحه، مذهب عجيب، والجمهور على خلافه، وهذا هو مسلك ابن حبان في كتاب (الثقات) الذي ألفه، فإنه يذكر خلقاً ممن ينص عليهم أبو حاتم وغيره على أنهم مجهولون، وكان عند ابن حبان أن جهالة العين ترتفع برواية واحد مشهور، وهو مذهب شيخه ابن خزيمة، ولكن جهالة حاله باقية عند غيره " (١).
стр. 319
وقول ابن حجر أيضاً في ترجمة (أيوب) رجل ذكره ابن حبان في (الثقات) وقال: " لا أدري من هو، ولا ابن من هو ": " وهذا القول من ابن حبان يؤيد ما ذهبنا إليه: من أنه يذكر في كتاب (الثقات) كل مجهول روى عنه ثقة، ولم يجرح، ولم يكن الحديث الذي يرويه منكراً، هذه قاعدته، وقد نبه على ذلك الحافظ صلاح الدين العلائي، والحافظ شمس الدين بن عبد الهادي، وغيرهما " (١).
فأقول: ليس مذهباً عجيباً، ولا هو خلاف قول الجمهور، وإنما هو على ما بينت، إلا أن يعني ابن حجر بقول الجمهور أن جهالة الحال لا تثبت إلا براوية اثنين، وهذا قدمت من قبل له أمثلة من كلام أحمد بن حنبل وأبي حاتم الرازي وأبي زرعة الرازي فيها توثيق من لم يرو عنه إلا واحد، وبينه كلام أبي حاتم وأبي زرعة بناء على استقامة حديثه، وكذلك صنع ابن حبان.
طريقة الحاكم النيسابوري:
الحاكم النيسابوري رأس من رءوس هذه الصناعة كلامه في النقلة في التحقيق معتبر قوي، وتعديله فيما يصف به الرواة من الثقة والصدق مقبول محتج به.
وإنما دخلت الشبهة على بعض المتأخرين في تعديل الحاكم ووصف بعضهم له بالتساهل فيه، من جهة ضعف تحقيقه لشرط الصحة في كتابه " المستدرك "، كما بينته في (القسم الثاني).
وحمل أحد الأمرين على الآخر معتبر لو لم يتبين سبب ما يعود إليه الخلل في طريقة الحاكم في التصحيح.
لكن الشأن في كلامه في النقلة مختلف، فقد جرى على منهاج النقاد
стр. 320
قبله، فزكى رجالاً، وجرح آخرين، بل جرح رجالاً بالجهالة، مما دل على أن خبر المجهول عنده ليس موضعاً للحجة، ولا يحكم بصحته، وهذا موافق لمسلك جمهور أئمة هذا العلم، ووافق غيره من الأئمة في كثير مما تكلم فيه، وتفرد بفوائد في تعديل الرواة وجرحهم، تعد له، وكثير من ذلك منثور في " المستدرك "، ومنه في " سؤالات مسعود السجزي " له، ومنه في " تاريخ نيسابور "، ولا يكاد يخلو سائر كتبه من شيء من ذلك.
وعهد من طريقة من يذكر عند بعض العلماء بالتساهل في التعديل أن يجري حال من لم يتبين أمره على العدالة، وليس الحاكم منهم، وهذه أمثلة من الرواة نعتهم بالجهالة في " المستدرك " ولم يصحح أحاديثهم لأجلهم:
(١) يحيى بن عبد الله المصري، قال الحاكم: " لست أعرفه بعدالة ولا جرح " (١).
(٢) عبد الملك بن عبد الرحمن، قال الحاكم: " مجهول، لا نعرفه بعدالة ولا جرح " (٢).
(٣) غزال بن محمد، قال الحاكم: " مجهول، لا أعرفه بعدالة ولا جرح " (٣).
(٤) عثمان بن جعفر أبو علي، قال الحاكم: " لا أعرفه بعدالة ولا جرح " (٤).
(٥) أبو المغيرة القواس، تفرد عنه عوف الأعرابي، قال الحاكم: " مجهول " (٥).